Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم. قال: ثم مررتُ بإبراهيم ﵇، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا إبراهيم".
قال ابنُ شهاب: وأخبرني ابنُ حزم أنّ ابن عباس وأبا حَبَّة الأنصاريَّ كانا يقولان قال رسول الله ﷺ : "ثم عرج بي حتى ظهرْتُ لمستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام".
قال ابنُ حزم، وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : "ففرض الله على أمّتي خمسين صلاة". قال: "فرجعت بذلك حتى أمر بموسى فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربُّك على أمّتك؟ قال: قلت: فرض عليهم خمسين صلاة قال لي موسى ﵇: فراجِعْ ربَّك فإنَّ أمَّتَك لا تطيق ذلك. قال: فراجعت ربّي، فوضع شطرها. قال: فرجعت إلى موسى ﵇ فأخبرته، قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فقال هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي قال: فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربَّك فقلت: قد استحييت من ربي. قال: ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرةَ المنتهى فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي. قال: ثم أُدخلتُ الجنّةَ فإذا فيها جَنابذُ اللؤلؤ وإذا ترابُها المسك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: "كان أبو ذرّ يحدّث". فذكر الحديث مثله، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه.
• عن أبي هريرة قال: أُتِي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بإيلياء بقد حين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، قال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٩)، ومسلم في الأشربة (١٦٨) كلاهما من طريق يونس، عن الزهري قال: قال ابن المسيب، قال أبو هريرة: فذكره.
• عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لما كذّبني قريش، قمتُ في الحِجْر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقتُ أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه".
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٨٦)، ومسلم في الإيمان (١٧٠) كلاهما من طريق الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب الزهري، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، سمعت جابر بن عبد الله، فذكره. ولفظهما سواء.
وفي الإسراء والمعراج أحاديث كثيرة مذكورة في السيرة النبوية.
стр. 7142
٢ - باب قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾
وقوله: أي: أن الإنسان يدعو أحيانا بالشر كدعائه بالخير في حالات الغضب وضيق النفس ونحوها، وهذا من جهل الإنسان وعجلته، ولكن الله قد لا يستجيب له رحمة منه وفضلا، وقد جاء النهي عن الدعاء على النفس والأولاد والمال، كما في الصحيح:
• عن جابر بن عبد الله قال: "سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطن بواط، وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه، فركبه، ثم بعثه، فتلدَّن عليه بعض التلدُّن، فقال له: "شأ لعنك الله". فقال رسول الله ﷺ : "من هذا اللاعن بعيره؟ " قال: أنا يا رسول الله. قال: "انزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم".
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٣٠٠٩) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر بن عبد الله في حديث طويل.
٣ - باب قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾
أي: أن كل إنسان محفوظ له عمله، قليله وكثيره، خيره وشره، فكله مكتوب له، وهو الذي يجازي، ويحاسب عليه، وهو الذي يدل عليه آخر الآية.
٤ - باب قوله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ أي أن الله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه.
والذين لم تبلغهم الدعوة، ولم تقم عليهم الحجة في الدنيا يمتحنون يوم القيامة، كما جاء في الحديث:
• عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "أربعة يوم القيامة - يعني يدلون على الله بحجة -: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا. وأما الأحمق
стр. 7143
فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا. وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب، ما أتاني رسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطِيعنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: "فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما".
حسن: رواه البيهقي في القضاء والقدر (٣/ ٩١٠ - ٩١١) بإسناده عن علي بن عبد الله، نا معاذ، نا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه الإمام أحمد (١٦٣٠٢) عن علي بن عبد الله، بإسناده، وقال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يُسحب إليها".
قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح".
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في معاذ، وهو ابن هشام الدستوائي غير أنه حسن الحديث، وقد احتج به الشيخان.
وأما ما روي عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ﵎، فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولا، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني، فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا جهنم، فيدخلونها، فينطلقون حتى إذا دنو منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون: ربنا أخرجنا منها، أو أجرنا منها. فيقول لهم: ألم تزعمون أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني. فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا لها، فادخلوها. فينطلقون حتى إذا رأوها، فرقوا، فرجعوا، فقالوا: ربنا فرقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين. فقال نبي الله ﷺ : "لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما".
رواه البزار من طريقين: إحداهما (٤١٦٩) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا ريحان بن سعيد، قال: حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان.
والثانية: (٤١٧٠) عن يحيى بن محمد السكن، قال: نا إسحاق بن إدريس، قال نا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة به نحوه.
وعياد بن منصور ضعيف، وإسحاق بن إدريس قال النسائي: "متروك الحديث". وقال الدارقطني: "منكر".
وأصل حديث ثوبان في صحيح مسلم في الفتن (٢٨٨٩) من طرق عن حماد عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان مختصرا، كما ذكر في الفتن، والزيادة التي ذكرها البزار منكرة، ولذا قال: "هذا الحديث عن ثوبان لا نحفظه إلا من هذا الطريق الذي ذكرناه، ولا نعلم رواه عن أيوب، عن أبي
стр. 7144
قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان إلا عباد بن منصور، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد، ولا نعلم حدّث بحديث أبان إلا إسحاق بن إدريس، وهو غريب عن أيوب، وعن يحيى بن أبي كثير، وهذا الحديث فمتنه عن رسول الله ﷺ غير معروف إلا من هذا الوجه".
وقال الهيثمي: في "المجمع" (١٠/ ٣٤٧): "رواه البزار بإسنادين ضعيفين".
وأما الحاكم فقال: (٤/ ٤٤٩) "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وإنما أخرج مسلم حديث معاذ بن هشام، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرجي، عن ثوبان مختصرا".
وهو ليس كما قال، وهذا يدل على تساهله فإن في إسناده إسحاق بن إدريس، وهو متروك، وحديث مسلم المختصر ليس فيه هذه الزيادة وهي منكرة كما قلت.
ووردت في هذا المعنى أحاديث أخرى، والكلام عليها مبسوط في الإيمان.
٥ - باب قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾
قد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها:
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف". قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٥١) عن شيبان بن فروخ، حدثنا أبو عوانة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
٦ - باب قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾
إن الله يأمر بصلة الأرحام، والإحسان إلى الأقرباء، الأقرب فالأقرب كما جاء في الحديث:
• عن طارق بن عبد الله المحاربي قال في حديث طويل: ثم قدمنا المدينة من الغد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يخطب الناس على المنبر، فسمعته يقول: "يد المعطي يد العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ... ". الحديث.
حسن: رواه ابن حبان (٦٥٦٢)، والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) كلاهما من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي، فذكره في حديث طويل.
وأخرجه أيضا النسائي (٤٨٣٩)، وابن ماجه (٢٦٧٠) إلا أنهما لم يذكرا موضع الشاهد.
стр. 7145
وإسناده حسن من أجل يزيد بن زياد بن أبي الجعد. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
• عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه".
متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٥٩٨٦)، ومسلم في البر والصلة (٢١: ٢٥٥٧) كلاهما من طريق الليث، حدثني عُقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك فذكره.
٧ - باب قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾
إن الله يأمر بالوسطية في الإنفاق، وينهى عن البخل وعن الإسراف، وقد جاء في الحث على الإنفاق والنهي عن البخل أحاديث كثيرة منها:
• عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين، عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت - أو وفرت - على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ولا تتسع".
متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٤٣)، ومسلم في الزكاة (١٠٢١) كلاهما من طريق أبي الزناد، أن عبد الرحمن حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا".
متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٤٢)، ومسلم في الزكاة (١٠١٠) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حدثني معاوية بن أبي مُزَرَّد، عن أبي الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره. ولفظهما سواء. وقوله: "خلفا" أي عوضا سواء أنفقه في الواجبات أو المندوبات.
وقوله: "أعط ممسكا تلفا" أي أتلف ما أمسك - يحمل هذا الدعاء على من امتنع من النفقات الواجبة، ولا يشمل المندوبات لأنه من امتنع عن المندوبات لا يدعى عليه.
٨ - باب قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء: ٣١]
كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل منهم من يقتل ابنه خوفا من الفقر، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة، منها:
• عن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل
стр. 7146
لله ندا وهو خلقك" قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: "وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٤٧٧)، ومسلم في الإيمان (٨٦) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
٩ - باب قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾
نهى الله عن الزنا، وعن مقاربته، ومخالطة أسبابه ودواعيه، وقد جاء في ذم الزنا والنهي عنه أحاديث كثيرة، منها:
• عن أبي أمامة قال: إن فتى شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل عليه القوم فزجروه وقالوا: مه مه. فقال: "ادنه" فدنا منه قريبا قال: فجلس قال: "أتحبه لأمك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم" قال: "أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم" قال: "أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم" قال: "أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم" قال: "أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم" قال: فوضع يده عليه، وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه". قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.
صحيح: رواه أحمد (٢٢٢١١)، والطبراني (٧٦٧٩) كلاهما من طريق حَريز بن عثمان، ثنا سليم بن عامر، عن أبي أمامة فذكره. وإسناده صحيح.
١٠ - باب قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾
نهى الله عن قتل النفس بغير حق شرعي، وقد جاء في ذلك أحاديث، منها:
• عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
متفق عليه: رواه البخاري في الديات (٦٨٧٨)، ومسلم في القسامة (١٦٧٦) كلاهما من طريق
стр. 7147
الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه.
١١ - باب قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾
إن الله نهى عن سوء التصرف في مال اليتيم، وأمر بحسن التصرف فيه، ومما فيه مصلحة لليتيم. وقد جاء في الحديث الصحيح:
• عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر! إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم".
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٢٦) من طرق عن عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر القرشي، عن سالم بن أبي سالم الجيشاني، عن أبيه، عن أبي ذر، فذكره.
١٢ - باب قوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾
إن الله أمر بإيفاء الكيل والوزن، ونهى عن البخس، والتطفيف في ذلك، ومن ترك شيئا لله أعطاه الله خيرا من ذلك، كما جاء في الحديث:
• عن أبي قتادة، وأبي الدهماء، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علّمه الله، وقال: "إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه".
صحيح: رواه أحمد (٢٠٧٣٩) عن إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء، قا لا: فذكره. وإسناده صحيح.
١٣ - باب قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾
أي أن المخلوقات كلها تسبح بحمد الله تعالى، ولكن الناس لا يفقهون تسبيحها، وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على ذلك، منها:
• عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إن نبي الله نوحا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية: آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين، آمرك بلا إله إلا الله، فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع والأرضين السبع
стр. 7148
كن حَلْقة مُبْهَمة قصمتْهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق. وأنهاك عن الشرك والكبر ... ". الحديث
صحيح: رواه أحمد (٦٥٨٣) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن زيد بن أسلم قال حماد: أظنه عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو: فذكر الحديث.
والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان، باب وصية نوح لابنه ألا يشرك بالله شيئا.
• عن عبد الله بن مسعود قال: ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
صحيح: رواه البخاري في المناقب (٣٥٧٩) عن محمد بن المثنى، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره.
قوله: "ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل" أي في عهد النبي ﷺ وفي حضرته. فقد جاء في رواية الإسماعيلي كما في الفتح (٦/ ٥٩٢): "كنا نأكل مع النبي ﷺ الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام".
١٤ - باب قوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾
قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ فيه تنبيه على فضل داود ﵇ وشرفه، وقد جاء في الحديث أنه كان خُفِّف عليه قراءته:
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "خُفِّف على داود القراءة، فكان يأمر بدابته لتسرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ". يعني القرآن.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧١٣) عن إسحاق بن نصر، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكره.
قوله: "فكان يقرأ قبل أن يفرغ" يعني القرآن. والمقصود منه الزبور الذي آتاه الله إياه، وهو ما يسمى في العهد القديم المزامير، وعددها (١٥٠)، وليس المراد بالقرآن القرآن المعهود لهذه الأمة.
١٥ - باب قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾
• عن عبد الله بن مسعود: قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم النفر من الجن. واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.
стр. 7149
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧١٤)، ومسلم في التفسير (٢٩: ٣٠٣٠) كلاهما من طريق سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
• عن عبد الله بن مسعود: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجِنِّيّون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.
صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠: ٣٠٣٠) عن حجاج بن الشاعر، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثنا حسين، عن قتادة، عن عبد الله بن معبد الزِّمَّاني، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
١٦ - باب قوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾
• عن عبد الله بن عباس، قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال، فيزدرعوا، قال الله : "إن شئت آتيناهم ما سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم، وإن شئت نستأني بهم، لعلنا ننْتِج منهم". فقال: "لا، بل أستأني بهم". فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾.
صحيح: رواه أحمد (٢٣٣٣)، والنسائي في الكبرى (١١٢٢٦)، والبزار - كشف الأستار (٢٢٢٥)، والحاكم (٢/ ٣٦٢)، والضياء في المختارة (١٠/ ٧٨ - ٨٠) كلهم من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: فذكره.
وقال البزار: "لا نعلم يروى عن النبي ﷺ من وجه صحيح إلا من هذا الوجه".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
• عن ابن عباس، قال: قالت قريش للنبي ﷺ : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا، ونؤمن بك، قال: "وتفعلون؟ " قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل، فقال: "إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذَّبته عذابا لا أعذِّبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: "بل باب التوبة والرحمة".
صحيح: رواه أحمد (٣٢٢٣، ٢١٦٦)، والبزار - كشف الأستار (٢٢٢٤)، والطبراني في الكبير (١٢٧٣٦)،
стр. 7150
والحاكم (١/ ٥٣) كلهم من طريق سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح.
وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ أي: أنّ الله يرسل آياته، ليخاف الناس، ويعتبروا، ويرجعوا إلى الله ، ومنها خسوف الشمس والقمر، كما جاء في الصحيح:
• عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ بالناس، فقام، فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم قام، فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع، فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فسجد ثم فعل في الركعة الآخرة مثل ذلك، ثم انصرف، وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا". ثم قال: "يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الكسوف (١) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. ورواه البخاري في الكسوف (١٠٤٤) عن عبد الله بن مسلمة، ومسلم في الكسوف (٩٠١) عن قتيبة بن سعيد - كلاهما عن مالك به.
١٧ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: هي رؤيا عين، أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قال: هي شجرة الزقوم.
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٨٨) عن الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
١٨ - باب قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾
قوله: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ أي: لأضلّنّ ذريّته إلّا قليلا منهم، وقد جاء في الصحيح أن الشياطين اجتالت الناس عن دينهم الصحيح، وحرّمت عليهم ما أحلّ الله لهم.
• عن عياض بن حمار المجاشعي، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه
стр. 7151
قال: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا".
صحيح: رواه مسلم في كتاب التوبة (٢٨٦٥) من طرق عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن عياض بن حمار المجاشعي، فذكره في حديث طويل.
١٩ - باب قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾
فيه إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحفظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم، ومن جملة الأسباب التي يحفظ الله بها عباده من الشيطان:
١ - قراءة سورة البقرة:
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٨٠) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القارئ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
٢ - قراءة آية الكرسي:
• عن أبي هريرة - في قصة حفظ زكاة رمضان - قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: "ما هي؟ " قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ : "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قال: لا، قال: "ذاك شيطان".
صحيح: رواه البخاري في الوكالة (٢٣١١) قال: وقال عثمان بن الهيثم أبو عمرو، حدثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره.
وعثمان بن الهيثم من شيوخ البخاري فهو محمول على الاتصال.
٣ - المحافظة على الأذكار الشرعية، ومنها:
• عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من
стр. 7152
الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك".
متفق عليه: رواه مالك في كتاب القرآن (٤٨٦) عن سُميّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السّمّان، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٩٣)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩١) كلاهما من طريق مالك به. انظر للمزيد: كتاب الأدعية والأذكار.
٢٠ - باب قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾
قوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ أي: أن صلاة الفجر يشهدها ملائكة الليل والنهار، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها:
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمعِ ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح". يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧١٧)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٢٤٦: ٦٤٩) كلاهما من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، وابن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ ، فيقولون تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون".
متفق عليه: رواه مالك في قصر الصلاة (٨٢) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٥٥)، ومسلم في المساجد (٦٣٢) كلاهما من طريق مالك به.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ قال: "تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار".
صحيح: رواه الترمذي (٣١٣٥)، وابن ماجه (٦٧٠)، وأحمد (١٠١٣٣) كلهم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 7153
ورواه ابن خزيمة (١٤٧٤)، والحاكم (١/ ٢١٥ - ٢١١) من طريق الأعمش به، وقرنا أبا سعيد بأبي هريرة. وإسناده صحيح.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
ورواه أحمد، وابن ماجه من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ .
وإبراهيم هو: ابن يزيد بن قيس النخعي، ولم يسمع من أحد من الصحابة. وكان يرسل كثيرا.
٢١ - باب قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾
وقوله: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ هو المقام الذي يقومه ﷺ يوم القيامة لشفاعة الناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم، وقد جاء في أحاديث كثيرة، كما سبق ذكرها في كتاب الإيمان، منها:
• عن ابن عمر قال: "إنّ النّاس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كلّ أمّة تتبع نبيَّها يقولون: يا فلان، اشفع حتى تنتهي الشّفاعة إلى النبيّ ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧١٨) عن إسماعيل بن أبان، حدّثنا أبو الأحوص، عن آدم بن علي، قال: سمعت ابن عمر يقول (فذكره).
٢٢ - باب قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾
روي عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة، فنزلت عليه: رواه الترمذي (٣١٣٩) وغيره من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه عن ابن عباس، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
قلت: وليس كما قال، فإن قابوس بن أبي ظبيان ضعفه جمهور أهل العلم، وقد تفرد به، ولا يقبل تفرده. والكلام عليه مبسوط في كتاب السيرة.
٢٣ - باب قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾
• عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ [سبأ: ٤٩].
стр. 7154
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٢٠)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٨١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره.
٢٤ - باب قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾
• عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في حرث وهو متكئ على عسيب، إذ مر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إليه؟ لا يستقبلكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه. فقام إليه بعضهم، فسأله عن الروح. قال: فأسكت النبي ﷺ ، فلم يرد عليه شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، قال: فقمت مكاني، فلما نزل الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٢١)، ومسلم في صفة القيامة (٢٧٩٤) كلاهما عن عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
قوله: "عسيب" هو جريدة النخل.
• عن عبد الله بن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقال: سلوه عن الروح. قال: فسألوه عن الروح، فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ قالوا: أوتينا علما كثيرا: التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، فأنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩].
صحيح: رواه الترمذي (٣١٤٠)، والنسائي في الكبرى (١١٢٥٢)، وصححه ابن حبان (٩٩)، والحاكم (٢/ ٥٣١) كلهم من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: فذكره.
وإسناده صحيح.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
٢٥ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ
стр. 7155
دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾
• عن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا رسول الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: "أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ ".
قال قتادة: بلى وعزة ربنا.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٦٠)، ومسلم في صفة الجنة والنار (٢٨٠٦) كلاهما من طريق يونس بن محمد البغدادي، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
• عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذر، فقال: يا بني غفار، قولوا ولا تختلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني: "أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، وتحشرهم إلى النار" فقال قائل منهم: "هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: "يلقي الله الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل ليكون له الحديقة المعجبة، فيعطيها بالشارف ذات القتب، فلا يقدر عليها".
حسن: رواه النسائي (٢٠٨٦)، وأحمد (٢١٤٥٦)، والبزار في مسنده (٣٨٩١)، والحاكم (٤/ ٥٦٤) كلهم من طريق الوليد بن جميع القرشي، حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الوليد بن جميع القرشي؛ فإنه حسن الحديث، وهو من صغار التابعين، ولقاءه من أبي الطفيل عامر بن واثلة ممكن؛ لأنه آخر الصحابة موتا، ولذلك أخرج مسلم في صحيحه عن الوليد بن جميع القرشي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، فحمله على الاتصال، واعتمده.
تنبيه: ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره هذا الحديث، ونقله من مسند الإمام أحمد بإسناده، ولكن وقع فيه بين الوليد بن جميع القرشي، وأبي الطفيل عامر بن واثلة زيادة "عن أبيه" وهي غير موجودة في مصادر التخريج المذكورة، وكذلك لم يذكره الحافظ في "إتحاف المهرة".
٢٦ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)﴾
قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ جاء ذكرها في آيات أخرى من القرآن الكريم، وهي:
стр. 7156
١ - قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [سورة الأعراف: ١٣٣] فهذه خمسة.
٢ - قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ [سورة الأعراف: ١٠٧، ١٠٨] فصارتْ سبعة.
٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ [سورة الشعراء: ٦٣] فصارتْ ثمانية.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [سورة الأعراف: ١٣٠] فبهذا اكتملتْ تسعة.
وقد اختلف بعض أهل العلم في عدّ هذه الآيات، والتي ذكرتها هي أصحها. وأما الآيات التي ظهرت خلال أربعين سنة في سيناء فهي كثيرة، وليست مرادة هنا، وإنما المراد الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر لإقامة الحجة عليهم.
٢٧ - باب قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾
• عن ابن عباس قال: كان النبيّ ﷺ ساجدا يدعو: "يا رَحْمَنُ يا رَحيمُ" فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا، وهو يدعو مثنى مثنى، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الآية.
حسن: رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٢٣ - ١٢٤) عن القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحسين صاحب التفسير، ولقبه سُنيد، ومن أجل شيخه محمد بن كثير المصيصي، فإنه حسن الحديث إلا في الأوزاعي ومعمر، وهذه الرواية لم يروها عنهما.
وقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٢٢)، ومسلم في الصلاة (٤٤٦) كلاهما من طريق
стр. 7157
هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه.
• عن عائشة في قوله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قالت: أنزل هذا في الدعاء.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٢٣)، ومسلم في الصلاة (٤٤٧) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. واللفظ لمسلم.
• عن درّاج أن شيخا من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ حدثّه أن رسول الله ﷺ قال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ ذلك في الدعاء، لا ترفع صوتك في الدعاء، فتذكر ذنوبك، فيسمع منك، فتُعَيَّر بها".
حسن: رواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٥٦)، فقال: قال أصبغ، عن ابن وهب قال، حدثنا عمرو، عن دراج، فذكره.
وإسناده حسن من أجل دراج فإنه حسن الحديث، إلا في أبي الهيثم، وأصبغ هو ابن الفرج المصري من كبار شيوخ البخاري، وروى عنه في صحيحه عدة مواضع، فقوله: "قال أصبغ" يحمل على الإتصال.
• عن أبي قتادة: أن النبي ﷺ خرج ليلة، فإذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته، قال: ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال النبي ﷺ : "يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك". قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله. قال وقال لعمر: "مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك". قال: فقال: يا رسول الله أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان. فقال النبي ﷺ : "يا أبا بكر! ارفع من صوتك شيئا". وقال لعمر: "اخفض من صوتك شيئا".
حسن: رواه أبو داود (١٣٢٩)، والترمذي (٤٤٧)، وصحّحه ابن خزيمة (١١٦١) - وعنه ابن حبان (٧٣٣) - والحاكم (١/ ٣١٠) كلهم من طريق يحيى بن إسحاق، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن أبي رباح، عن أبي قتادة قال: فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: وهو كما قال إلا أن يحيى بن إسحاق وهو السيليحيني وإن كان من رجال مسلم، إلا أن ابن معين قال فيه: "صدوق" واعتمده الحافظ في تقريبه.
стр. 7158
١٨ - تفسير سورة الكهف وهي مكية، وعدد آياتها ١١٠
١ - باب فضل سورة الكهف
• عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشته سحابة، فجعلت تدنو، وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: "تلك السكينة، تنزلت بالقرآن".
متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٥٠١١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٢٤٠: ٧٩٥) كلاهما من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب، عن أبي إسحاق، عن البراء فذكره.
قوله: "شطن": هو الحبل الطويل.
• عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من الدجال". وفي لفظ: "من آخر الكهف".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٩) عن محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد الغطفاني، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي الدرداء فذكره.
ورواه أيضا من طريق شعبة وهمام، عن قتادة به، وقال شعبة: "من آخر الكهف"، وقال همام: "من أول الكهف".
• عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف، فإنه عصمة له من الدجال".
صحيح: رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٩٤٨) عن محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان، عن ثوبان، فذكره.
وإسناده صحيح، وخالد هو ابن الحارث الهُجيمي أبو عثمان البصري، وثَّقه الأئمة، فأُمِن منه وقوع الخطأ في الإسناد، فالظاهر أن معدان بن أبي طلحة سمع هذا الحديث من ثوبان، ومن أبي الدرداء.
стр. 7159
٢ - باب قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾
• عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإنّ الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
صحيح: رواه مسلم في الرقاق (٢٧٤٢) من طرق عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي مسلمة قال: سمعت أبا نضرة يحدث، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وأيم الذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون".
متفق عليه: رواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٦٣٩)، ومسلم في الأيمان والنذور (٢٥: ١٦٥٤) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾
قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ قال بعض أهل العلم: هذا إخبار من الله عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك، ويدل على صحة ذلك قولِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ لأنه لو كان ذلك خبرا من الله عن مقدار لبثهم في الكهف لم يكن لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ وجه مناسب. وهذا القول ذهب إليه قتادة وغيره من المفسرين، ولهم أقوال وتوجيهات أخرى في بيان معنى الآية.
٥ - باب قوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾
قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ يشمل جميع العبادات الواجبة والمستحبة والأعمال الصالحة التي
стр. 7160
أمر بها الإسلام في الكتاب والسنة.
٦ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾
• عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة، فقال: "ألا تصلون؟ ". فقلت: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٢٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٧٥) كلاهما من طريق الزهري، عن علي بن حسين، أن الحسين بن علي حدثه، عن علي بن أبي طالب، فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصر.
٧ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ
стр. 7161
صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾
• عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحبَ الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثني أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا، فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَمّ، فأخذ حوتا، فجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون، حتى أتيا الصخرة وضعا رءوسهما، فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه، فسقط في البحر: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾ قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوزا المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾ قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ قال: رجعا يقصان آثارهما، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى ثوبا، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ قال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علّمك الله لا أعلمه، فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ فقال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت
стр. 7162
سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ قال ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾: قال: وقال رسول الله ﷺ : - وكانت الأولى من موسى نسيانا - قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينا هما يمشيان على الساحل إذْ بصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده، فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ قال: وهذا أشد من الأولى، قال: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ - قال: مائل - فقام الخضر ﴿فَأَقَامَهُ﴾ بيده، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ فقال رسول الله ﷺ : "وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما.
قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا)، وكان يقرأ (وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين).
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٢٥) - والسياق له -، ومسلم في الفضائل (٢٣٨٠) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، حدثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني سعيد بن جبير، قال: فذكره.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ هو: يوشع بن نون وهو خادمه اختاره موسى ﵇ نائبا له، وأوصاه قيادة بني إسرائيل بعده.
قوله: ﴿حُقُبًا﴾ أي: زمانا وجمعه أحقابا.
٨ - باب قوله: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾
قوله: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ إن يأجوج ومأجوج من سلالة بني آدم، من أصحاب فتنة وفساد في الأرض، وقد وردت عنهم أحاديث تدل على شدة فتنتهم وفسادهم عند خروجهم.
стр. 7163
• عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فذكر حديثا طويلا جاء فيه: "فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النَغَف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يَكُنُّ منه بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ... ". الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢١٣٧) من طرق عن الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي، أنه سمع النواس بن سمعان فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا، فيعودون إليه أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدا إن شاء الله تعالى، ويستثني، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فينشِّفون المياه، ويتحصّن الناسُ منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع عليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نغفا في أقفائهم، فيقتلهم بها". قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن، وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم".
صحيح: رواه الترمذي (٣١٥٣)، وابن ماجه (٤٠٨٠)، وأحمد (١٠٦٣٢)، وصحّحه ابن حبان (٦٨٢٩)، والحاكم (٤/ ٤٨٨) كلهم من طريق قتادة، حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، فذكره.
وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
стр. 7164
وإسناده صحيح، وأبو رافع هو نفيع الصائغ مشهور بكنيته.
وفي شأن يأجوج وماجوج أحاديث كثيرة مذكورة في أشراط الساعة.
٩ - باب قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ الصور قرن ينفخ فيه، وقد التقم الملك الموكل بالنفخ القرن ينتظر متى يؤمر أن ينفخ فيه، كما جاء ذلك في الحديث.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: "ما الصور؟ " قال: "قرن ينفخ فيه".
صحيح رواه أبو داود (٤٧٤٢)، والترمذي (٣٢٤٤، ٢٤٣٠)، وأحمد (٦٥٠٧)، وصحّحه ابن حبان (٧٣١٢)، والحاكم (٢/ ٤٣٦) كلهم من طريق سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شفاف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر الحديث، واللفظ للترمذي.
قال الترمذي في الموضع الأول: "هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث سليمان التيمي".
وفي الموضع الثاني: "حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث سليمان التيمي". وفي بعض النسخ عكس ما ذكرته. وإسناده صحيح.
• عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أُنعم وصاحب الصور قد التقم، وحنا جبهته ينتظر، متى يؤمر أن ينفخ؟ ". قيل: قلنا: يا رسول الله! ما نقول يومئذ؟ قال: "قولوا، حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا".
صحيح: رواه أبو يعلى (١٠٨٤) عن عثمان، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
وصحّحه ابن حبان (٨٢٣) من وجه آخر عن عثمان بن أبي شيبة به.
وأخرجه الحاكم (٤/ ٥٥٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم أبي يحيى التيمي، عن الأعمش به، إلا أنّ إسماعيل ضعيف.
١٠ - باب قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾
• عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".
صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤٢) عن عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: فذكره.
стр. 7165
١١ - باب قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾
• عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ هم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذّبوا محمدا ﷺ ، وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من ميثاقه. وكان سعد يسميهم الفاسقين.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٢٨) عن محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن مصعب بن سعد، قال: فذكره.
قوله: الحرورية - بفتح الحاء، وضم الراء، وهي نسبة إلى حروراء، وهي القرية التي كان ابتداء خروج الخوارج على علي بن أبي طالب منها.
١٢ - باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾
• عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة" وقال: اقرؤوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٢٩)، ومسلم في صفة القيامة (٢٧٨٥) كلاهما من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، قال: حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
١٣ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾
قوله: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأعلاها، كما جاء في الحديث:
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها". قالوا: يا رسول الله! أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة".
صحيح: رواه البخاري في التوحيد (٧٤٢٣) عن إبراهيم بن المنذر، حدثني محمد بن فليح قال: حدثني أبي، حدثني هلال، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر، وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ ،
стр. 7166
فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع، فقال: "ويحك، أو هبلت، أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس".
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٨٢) عن عبد الله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق (وهو إبراهيم بن محمد الفزاري) عن حميد (هو الطويل) عن أنس قال: فذكره.
قوله: "أصيب حارثة يوم بدر" هو ابن سراقة بن الحارث بن عدي الأنصاري، وأبوه سراقة له صحبة، واستشهد يوم حنين، وأمه هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك.
• عن أنس بن مالك، أن الربيع بنت النضر أتت النبي ﷺ ، وكان ابنها حارثة بن سراقة أصيب يوم بدر، أصابه سهم غَرْبٌ، فأتت رسول الله ﷺ ، فقالت: أخبرني عن حارثة، لئن كان أصاب خيرا احتسبت وصبرت، وإن لم يصب الخير اجتهدت في الدعاء. فقال النبي ﷺ : "يا أم حارثة! إنها جنان في جنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى، والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها".
صحيح الترمذي (٣١٧٤)، - واللفظ له -، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، وابن حبان (٩٥٨)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٧٨١)، والطبري في تفسيره (١٥/ ٤٣٦) كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح لما له أصل.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس".
١٤ - باب قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾
• عن عبد الله بن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقال: سلوه عن الروح. قال: فسألوه عن الروح، فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٨٥] قالوا: أوتينا علما كثيرا: التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، فأنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
صحيح: رواه الترمذي (٣١٤٠)، وأحمد (٢٣٠٩)، والنسائي في الكبرى (١١٢٥٢)، وصححه ابن حبان (٩٩)، والحاكم (٢/ ٥٣١) كلهم من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذي: "حسن صحيح" وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
стр. 7167
ويظهر من هذا أن هذه الآية، والآية التي في سورة الإسراء نزلت في وقتين مختلفين فجمعهما الصحابي في حديث واحد.
قوله: ﴿مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ كلام الله من جملة صفاته وهو غير مخلوق لا بداية له ولا نهاية كغيره من الصفات مثل العلم والقدرة والرحمة والحكمة، فلا يُحدّ بحدٍّ، فأيُّ سعة وعظمة تصورها القلوب فالله فوق ذلك، وهكذا سائر صفات الله تعالى.
١٥ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾
وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على بشرية الرسول ﷺ ومنها:
• عن أم سلمة زوج النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ : أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو فليتركها".
متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٥٨)، ومسلم في الأقضية (١٧١٣) كلاهما من حديث ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن زينب بنت أم سلمة أخبرته، أن أمها أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرتها، فذكرته.
• عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني".
متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٤٠١) ومسلم في المساجد (٥٧٢) كلاهما عن عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله، فذكره في حديث طويل. انظر للمزيد كتاب الإيمان.
• * *
стр. 7168
١٩ - تفسير سورة مريم وهي مكية، وعدد آياتها ٩٨
لما هاجر المسلمون إلى أرض الحبشة أرسل مشركو مكة في طلبهم رجلين جلدين، فكلّما النجاشي ليردهم إلى بلادهم، ويسلّموهم إلى أشراف قومهم، فاستفسر النجاشي المسلمين، فأجابه عنهم جعفر بن أبي طالب، وأخبره بما كان عليه حالهم قبل الإسلام، وما صاروا إليه بعد الإسلام، وما فعلته قريش تجاه المسلمين، فطلب النجاشي أن يقرأ عليه شيئا مما جاء بهم نبيهم عن الله، فقرأ عليه سورة مريم.
• عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت في قصة الهجرة إلى الحبشة: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي. فقرأ عليه صدرا من ﴿كهيعص﴾ هو قالت: فبكى - والله - النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفه حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ... الحديث.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٤٩٨، ١٧٤٠)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٠١ - ٣٠٦) كلاهما من حديث محمد بن إسحاق، وهو في سيرة ابن إسحاق (٢٨٢) قال: حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة فذكرته، واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، والحديث مذكور بطوله في كتاب السيرة.
وروى نحوه أيضا ابن مسعود كما ذكرته في السيرة وجاء فيه: "فرفع النجاشي عودا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة، والقسيسين، والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوى هذا، مرحبا بكم، وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم".
رواه أحمد (٤٤٠٠) وإسناده حسن.
هذا القول من النجاشي يدل على أنه وقف على إنجيل برناباس الذي حُرِّمَ الاطلاع عليه، فإنه لا يبعد أن يطلع عليه النجاشي؛ لأنه كان ملكا من ملوكهم، ومن ثم عرف أن هذا النبي هو الذي بشّر به عيسى ﵇. انظر الكلام المفصل في كتابي: "اليهودية والمسيحية وأديان الهند".
стр. 7169
١ - باب قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾
قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يرثني أي النبوة، ويرث من آل يعقوب الشرع والعلم، ومن للتبعيض أي يرث أيضا من بعض آل يعقوب النبوة لأن جميع آل يعقوب لم يكونوا أنبياء ولا علماء، وأما المال فلم يكن مرادا لأن الأنبياء لا يورّثون بل ما يتركونه يكون صدقة كما جاء في الصحيح:
• عن عائشة أن أزواج النبي ﷺ حين توفي رسول الله ﷺ أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر الصديق فيسألنه ميراثهن من رسول الله ﷺ . فقالت لهن عائشة: أليس قال رسول الله ﷺ : "لا نورث ما تركنا فهو صدقة"؟ .
متفق عليه: رواه مالك في الكلام والغيبة والتقى (٢٧) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته.
ورواه البخاري في الفرائض (٦٧٣٠)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٥٨) كلاهما من طريق مالك به.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقسم ورثتي دنانير، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة".
متفق عليه: رواه مالك في الكلام والغيبة والتقى (٢٨) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. ورواه البخاري في الفرائض (٦٧٢٩)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٦٠) كلاهما من هذا الوجه.
٢ - باب قوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾
قوله: ﴿سَمِيًّا﴾ له عدة معانٍ: منها: إن الله سمّاه يحيى، ولم يسم أحد قبله بهذا الاسم.
ومنها: لم يكن أحد قبله شبيها له مثل قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ أي شبيها؛ لأنه لم يعص الله قط، ولم يهم بمعصية.
ومنها: أنه ولد من امرأة عاقر كما قال زكريا حين بُشّر به. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾.
ولم يعرف أن امرأة عاقرا قد ولدتْ.
وقوله: ﴿عِتِيًّا﴾ من عتا يعتو إذا يبس ومعناه كبر، ولم يبق له نكاح ولا جماع.
وهذا بخلاف إبراهيم وسارة فإنهما تعجّبا من البشارة بإسحاق على كبرهما لا لعقرهما كما جاء في سورة هود: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ [سورة هود: ٧٢]
стр. 7170
وقد وُلِدَ لإبراهيم قبل أربع عشرة سنة إسماعيل ﵇.
٣ - باب قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾
قوله: هارون هو ابن عمران أخو مريم من سبط يهوذا من نسل داود ﵇، وليس هو أخو موسى ﵇ كما فهم نصارى نجران، وإنما سمي هارون تيمنا بنبي الله هارون بن عمران بن قاهت بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وقد جاء في الصحيح:
• عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران، سألوني، فقالوا: إنكم تقرؤون: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك، فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم".
صحيح: رواه مسلم في الآداب (٢١٣٥) من طرق عن ابن إدريس، عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾
قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي أن مريم لما تحيرت من حادثة ولادة عيسى ﵇ بهذه الصورة ولم يكن لديها جواب شاف، فألهمت أن تُشير إلى هذا الغلام الذي لا يزال في المهد.
وقوله: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ أي أنكروا أن يكلموا هذا الصبي الذي لا يزال في المهد.
وقوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وهذه من جملة المعجزات الكبرى التي حذفها النصارى من تراثهم الديني والتاريخي بعد مجمع نيقيا الذي عقد عام (٣٢٥ م) لأن فيه اعتراف المسيح بالعبودية لله تعالى، وهو يخالف دعواهم ألوهيته، ولذا بدأوا يضطهدون أتباع أريانوس المصري المتوفى سنة (٣٣٦ م)، وكل من دعا إلى عبودية المسيح لله، وحرّقوا جميع الكتب والصحائف التي تخالف دعواهم ألوهية المسيح كما فصّلتُ القول في ذلك في كتابي: "دراسات في اليهودية والمسيحية".
ومما ضيّعوا من حياة المسيح ﵇ هذه المعجزة.
قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ معناه إن الله سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا، وعبّر في الآية بالفعل الماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه، وله نظائر كثيرة في القرآن الكريم، وهذا هو الصحيح إن شاء الله، وما نُقلَ في كتب التفاسير من أقاويل أخرى كلها ضعيفة.
• عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".
стр. 7171
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٣٥) عن صدقة بن الفضل، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، قال: حدثني عمير بن هانئ، قال: حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة، فذكره.
ورواه مسلم في الإيمان (٢٨) من وجه آخر عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، قال: حدثني عمير بن هانئ، بإسناده، وفيه: "أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء".
٥ - باب قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ أي: أن الله مُنَزَّهٌ من اتخاذ الولد، وغني عن ذلك.
• عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : "ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم، ويرزقهم".
متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٣٧٨)، ومسلم في صفة القيامة (٢٨٠٤) كلاهما من طريق الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى الأشعري قال: فذكره. واللفظ للبخاري.
٦ - باب قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾
قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ أي بعد أن كان النصارى متفقين على عبودية المسيح ورسالته، اختلفوا بعد رفعه، وبالضبط بعد دخول بولس في النصرانية وذلك في حدود (٤٠) الميلادي، وادعوا ألوهية المسيح، وأنه صلب لخطايا بني بشر، وردّ عليهم رئيس الحواريين بطرس، فتفرقت النصرانية إلى ثلاث فرق رئيسية وهي: الملكانية يُمثّلها اليوم فرقة كاتوليك، واليعقوبية يُمثّلُها اليوم أرثودكس، والنسطورية يمثّلها اليوم البروتستان، ثم تفرعت عن هذه الفرق فرق كثيرة لا تُحصى ولا تُعد كما ذكرته في كتابي "اليهودية والنصرانية"، وهؤلاء كلهم متفقون على الكفر بالله، ولذا قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ واليوم العظيم هو يوم القيامة.
٧ - باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾
قوله: ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي حسرة أهل النار يوم يدخلون النار، كما جاء في الصحيح:
• عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء بالموت يوم القيامة، كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون، وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت. قال: ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون، وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيؤمر
стр. 7172
به، فيذبح. قال: ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود، فلا موت، ويا أهل النار! خلود، فلا موت". قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ وأشار بيده إلى الدنيا.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٣٠)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه.
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار، أُتِي بالموت حتى يُجْعَل بين الجنة والنار، ثم يُذبَح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! لا موت، ويا أهل النار! لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم".
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٤٨)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها (٤٣: ٢٨٥٠) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن أباه حدثه، عن عبد الله بن عمر، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "لا يدخل أحد الجنة إلا أري مقعده من النار، لو أساء، ليزداد شكرا، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة، لو أحسن، ليكون عليه حسرة".
صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٦٩) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
٨ - باب قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾
قوله: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ أي تركوا الصلاة المفروضة.
• عن جابر يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨٢) من طريق أبي سفيان وأبي الزبير كليهما عن جابر فذكره.
وقيل معناها: أخّروها عن وقتها، وهو مروي عن ابن مسعود وغيره.
وفي الباب ما روي عن أبي سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون خلف من بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرؤون
стр. 7173
القرآن، لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة. فقال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به.
رواه أحمد (١١٣٤٠)، وابن حبان (٧٥٥)، والحاكم (٢/ ٣٧٤) كلهم من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة بن شريح، أخبرني بشير بن أبي عمرو الخولاني، أن الوليد بن قيس، حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري، يقول: فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح رواته حجازيون وشاميون أثبات".
قلت: في إسناده الوليد بن قيس التجيبي لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في الثقات، ولذا قال الحافظ ابن حجر: "مقبول " أي إذا توبع، ولم أجد له متابعا فهو لين الحديث.
٩ - باب قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾
قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ ليس المقصود به الأوقات المعروفة في الدنيا التي تكون تبعا للشمس والقمر، بل المقصود منه التنعم في جميع الأوقات؛ لأن جمهور أهل العلم نفوا أن يكون في الجنة ليل لقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)﴾ [سورة الإنسان: ١٣] فإن تعاقب الليل والنهار يكون تبعا لوجود الشمس.
١٠ - باب قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾
• عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٣١) عن أبي نعيم، حدثنا عمر بن ذر، قال: سمعت أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره.
• عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن نسيا، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
حسن: رواه الدارقطني (٢٠٦٦)، والحاكم (٢/ ٣٧٥)، - وعنه البيهقي (١٠/ ١٢) - والبزار (٤٠٨٧) كلهم من طريق عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن رجاء؛ فإنه حسن الحديث.
وقال البزار: "إسناده صالح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٧١): "إسناده حسن، ورجاله موثقون".
стр. 7174
١١ - باب قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي: فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي: فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد".
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٧٤) عن أبي اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.
١٢ - باب قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾
قوله: ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ له معنيان عند السلف:
أحدهما: الدخول في النار، فإن هذا الخطاب لسائر الخلائق، برّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، فما منهم من أحد إلا يرد النار.
قال البغوي في تفسيره (٣/ ١٠٠): "وعليه أهل السنة والجماعة أنهم جميعا يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان بدليل قوله تعالى: قال: والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. انتهى.
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ واستدلوا لهذا المعنى أيضا بقوله تعالى حكاية عن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ [سورة هود: ٩٨] أي أن فرعون يتقدم قومه إلى النار.
وإلى هذا القول ذهب علي وابن عباس، وكثير من أهل العلم سلفا وخلفا. قال القرطبي في التذكرة (٢/ ٧٦٢): "والصحيح أن الورود الدخول لحديث أبي سعيد كما ذكرنا " وذكر في معناه أحاديث أخرى وهي مخرجة في مواضعها.
قلت: لعل دخول المؤمنين والكفار جميعا النار، ثم خروج المؤمنين منها دون الكفار لتعذيب الكفار نفسيا وجسديا.
• عن جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر، أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها". قالت: بلى، يا رسول الله. فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال النبي ﷺ : "قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾.
стр. 7175
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٦) عن هارون بن عبد الله، حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
وأم مبشر هي: زوجة زيد بن حارثة.
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار، فيحسبون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذّبوا ونُقّوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسُ محمد بيده، لأحدُهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".
صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٣٥) عن الصلت بن محمد، حدثنا يزيد بن زريع، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، أن أبا سعيد قال: فذكره.
• عن عبد الله بن مسعود: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : "يرد الناس النار كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم".
حسن: رواه الترمذي (٣١٥٩)، وأحمد (٤١٤١) - واللفظ له -، والحاكم (٢/ ٣٧٥) كلهم من طريق إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، فذكره.
وإسناده حسن من أجل السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، وهو حسن الحديث إذا لم يتبين خطؤه.
لكن رواه شعبة عن السدي به موقوفا كما عند الترمذي (٣١٦٥)، وأحمد (٤١٢٨)، ثم أسند عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: قلت لشعبة: إن إسرائيل حدثني عن السدي، عن مرة، عن عبد الله عن النبي ﷺ فقال شعبة: وقد سمعته من السدي مرفوعا، ولكني أدعه عمدا" اهـ.
يعني الأصل أنه مرفوع إلا أن شعبة احتاط في رفعه.
والمعنى الثاني: الورود بمعنى العبور على الصراط الذي هو على متن جهنم، فلا بد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة، وبه قال بعض أهل العلم منهم النووي، وبه فسّره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى (٤/ ٢٧٩)، واستدل بحديث رواه مسلم (١٩١: ٣١٦) عن جابر بأنه المرور على الصراط، ثم قال: والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة، ومن كان صغيرا في الدنيا ومن لم يكن. انتهى.
وحديث مسلم مخرج بكامله في موضعه.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالدخول هنا هم الكفار وحدَهم دون المؤمنين نظرا لسياق الآية فقد سبق ذكر الكفار والشياطين في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ
стр. 7176
لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [سورة مريم: ٦٨ - ٧٢].
وهذا المعنى روي عن ابن عباس كما رواه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٩٦) عن ابن المثنى قال: ثنا أبو داود، ثنا شعبة قال: أخبرني عبد الله بن السائب عن رجل سمع ابن عباس يقرؤها ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وإن منهم يعني الكفار قال: لا يردها مؤمن. انتهى.
قلت: أولا: إسناده ضعيف فإن في إسناده رجلا مجهولا لم يسمّ.
وثانيا: قراءة ابن عباس "وإن منهم" بدلا قراءة شاذة.
وثالثا: لا تؤيده الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب.
ورابعا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والمعلوم أن "ثم" للترتيب فهل المنجون المنقّون يكونون من بينهم يعني الكفار؟ وهذا أمر مستنكر لا يقول به أحد. والله أعلم بالصواب.
١٣ - باب قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾
• عن خباب قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال: قلت: لن أكفر به حتى تموت، ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت، فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال: فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٣٥)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٩٥) كلاهما من طريق وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب، قال: فذكره، واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه.
١٤ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾
أي: أن الله يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات المودة في قلوب عباده الصالحين، كما جاء في الصحيح:
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا أحبّ عبدا دعا جبريل،
стр. 7177
فقال: إني أُحبُ فلانا، فأحبه. فيحبّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا، فأحبوه. فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا، فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا، فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض".
متفق عليه: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٣٧) عن زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه (هو أبو صالح)، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاري في التوحيد (٧٤٨٥) من وجه آخر عن أبي صالح، غير أنه لم يذكر جزء البغض، وكذلك رواه البخاري (٣٢٠٩، ٦٠٤٠) من طرق أخرى عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن أبي هريرة مقتصرا على الجزء الأول من الحديث فقط.
وبمعناه ما روي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المقة من الله - قال شريك: هي المحبة والصيت من السماء - فإذا أحب الله عبدا، قال لجبريل: إني أحب فلانا، فينادي جبريل: إن الله يمق، يعني: يحب فلانا، فأحبوه - أرى شريكا قد قال: فينزل له المحبة في الأرض - وإذا أبغض عبدا قال لجبريل: "إني أبغض فلانا، فأبغضه". قال: فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلانا، فأبغضوه" قال: أُرى شريكا قد قال: فيُجرَي له البغض في الأرض.
رواه أحمد (٢٢٢٧٠، ٢٢٢٧١) - واللفظ له - والطبراني في الكبير (٨/ ١٤١)، والأوسط (٣٦٣٩) من طرق عن شريك، عن محمد بن سعد الأنصاري، عن أبي ظبية، عن أبي أمامة قال: فذكره.
وشريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي، وهو سيئ الحفظ.
وفي الباب ما روي عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "إن العبد ليلتمس مرضاة الله، فلا يزال بذلك، فيقول الله لجبريل: إن فلانا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان. ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم تهبط له إلى الأرض".
رواه أحمد (٢٢٤٠١) عن محمد بن بكر، أخبرنا ميمون، حدثنا محمد بن عباد، عن ثوبان، فذكره.
ورواه الطبراني في الأوسط (١٢٦٢) من وجه آخر عن ميمون بن عجلان الثقفي، عن محمد بن عباد به، ولكن ميمون بن عجلان الثقفي ضعيف.
وقال الحافظ ابن حجر: "وميمون هذا أظنه عطاء بن عجلان أحد الضعفاء". لسان الميزان (٦/ ١٤١).
стр. 7178
٢٠ - تفسير سورة طه وهي مكية، وعدد آياتها ١٣٥
• عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه".
حسن: رواه الطحاوي في شرح المشكل (١٧٦)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٢)، والحاكم (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦) كلهم من طريق الوليد بن مسلم، حدثني عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة فذكره.
واللفظ للطبراني، وزاد الحاكم: قال القاسم: فالتمستُها فوجدت في سورة البقرة آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي سورة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ وفي سورة طه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
وإسناده حسن من أجل القاسم بن عبد الرحمن فإنه حسن الحديث.
والكلام عليه مبسوط في كتاب الأذكار.
١ - باب قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾
• عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة، فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٩٧)، ومسلم في المساجد (٦٨٤) كلاهما من طريق همام، عن قتادة، عن أنس فذكره.
٢ - باب قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾
أي: أن الله أخفاها عن جميع المخلوقين، من الملائكة والأنبياء والمرسلين وغيرهم. ولا يعلمها إلا الله .
• عن أبي هريرة قال: كان النبي بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل، فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث" قال: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك
стр. 7179
تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قال: متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله". ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ الآية. ثم أدبر، فقال: "ردوه". فلم يروا شيئا. فقال: "هذا جبريل، جاء يعلّم الناس دينهم".
متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة، أخبرنا أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. ولفظهما سواء.
٣ - باب قوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾
قوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾.
• عن سالم بن عبد الله بن عمر يقول: يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ها هنا". وأومأ بيده نحو المشرق: "من حيث يطلع قرنا الشيطان". وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٥٠: ٢٩٠٥) من طرق عن ابن فُضَيل، عن أبيه، قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر، يقول: فذكره.
وقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ أي: أن موسى ﵇ وقع في محنة بعد محنة خلصه الله منها، فقد حملت به أمه في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال، وألقي في البحر في التابوت، وخاف على نفسه لما قتل القبطي وغيرها من المحن التي وقع فيها موسى ﵇، وخرج منها سالما بنصر الله وتوفيقه له.
وأما حديث ابن عباس الطويل الذي ذكره كثير من المفسرين فهو موقوف، وفي متنه غرابة، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، كما قال الحافظ ابن كثير، وهذا لفظه:
قال سعيد بن جبير: "سألت عبد الله بن عباس عن قول الله لموسى ﵇:
стр. 7180
﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، فسألته عن الفتون ما هو؟ قال: استأنف النهار يا ابن جبير! فإن لها حديثا طويلا، فلما أصبحت غدوت على ابن عباس؛ لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ﵉، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم ﵇، فقال فرعون: فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا أن تباشروا من الأعمال والخدمة الذي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر، فيقل نباتهم، ودعوا عاما، فلا تقتلوا منهم أحدا، فينشأ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون، وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك.
فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون، يا ابن جبير! ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله جل ذكره إليها أن ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [سورة القصص: ٧]، فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت، وتلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟ . لو ذبح عندي، فواريته، وكفنته، كان أحبّ إليّ أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه، فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه، فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن: إن في هذا مالا، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، فألقي عليها منه محبة لم يلق منها على أحد قط ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [سورة القصص: ١٠] من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون، يا ابن جبير! فقالت لهم: أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون، فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [سورة القصص: ٩]، فقال فرعون: يكون لك، فأما لي، فلا حاجة لي، فقال رسول الله ﷺ : "والذي يحلف به، لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين، كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن الله حرمه ذلك".
فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن تختار له ظئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن، فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به، فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها، فلم يقبل،
следующие страницы →