← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [سورة مريم: ٦٨ - ٧٢]. وهذا المعنى روي عن ابن عباس كما رواه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٩٦) عن ابن المثنى قال: ثنا أبو داود، ثنا شعبة قال: أخبرني عبد الله بن السائب عن رجل سمع ابن عباس يقرؤها ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وإن منهم يعني الكفار قال: لا يردها مؤمن. انتهى. قلت: أولا: إسناده ضعيف فإن في إسناده رجلا مجهولا لم يسمّ. وثانيا: قراءة ابن عباس "وإن منهم" بدلا قراءة شاذة. وثالثا: لا تؤيده الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب. ورابعا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والمعلوم أن "ثم" للترتيب فهل المنجون المنقّون يكونون من بينهم يعني الكفار؟ وهذا أمر مستنكر لا يقول به أحد. والله أعلم بالصواب. ١٣ - باب قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ • عن خباب قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال: قلت: لن أكفر به حتى تموت، ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت، فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال: فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٣٥)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٩٥) كلاهما من طريق وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب، قال: فذكره، واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. ١٤ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ أي: أن الله يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات المودة في قلوب عباده الصالحين، كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله إذا أحبّ عبدا دعا جبريل،

стр. 7177

فقال: إني أُحبُ فلانا، فأحبه. فيحبّه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا، فأحبوه. فيحبه أهل السماء. ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا، فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا، فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض". متفق عليه: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٣٧) عن زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه (هو أبو صالح)، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاري في التوحيد (٧٤٨٥) من وجه آخر عن أبي صالح، غير أنه لم يذكر جزء البغض، وكذلك رواه البخاري (٣٢٠٩، ٦٠٤٠) من طرق أخرى عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن أبي هريرة مقتصرا على الجزء الأول من الحديث فقط. وبمعناه ما روي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المقة من الله - قال شريك: هي المحبة والصيت من السماء - فإذا أحب الله عبدا، قال لجبريل: إني أحب فلانا، فينادي جبريل: إن الله يمق، يعني: يحب فلانا، فأحبوه - أرى شريكا قد قال: فينزل له المحبة في الأرض - وإذا أبغض عبدا قال لجبريل: "إني أبغض فلانا، فأبغضه". قال: فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلانا، فأبغضوه" قال: أُرى شريكا قد قال: فيُجرَي له البغض في الأرض. رواه أحمد (٢٢٢٧٠، ٢٢٢٧١) - واللفظ له - والطبراني في الكبير (٨/ ١٤١)، والأوسط (٣٦٣٩) من طرق عن شريك، عن محمد بن سعد الأنصاري، عن أبي ظبية، عن أبي أمامة قال: فذكره. وشريك هو ابن عبد الله النخعي القاضي، وهو سيئ الحفظ. وفي الباب ما روي عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "إن العبد ليلتمس مرضاة الله، فلا يزال بذلك، فيقول الله لجبريل: إن فلانا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان. ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم تهبط له إلى الأرض". رواه أحمد (٢٢٤٠١) عن محمد بن بكر، أخبرنا ميمون، حدثنا محمد بن عباد، عن ثوبان، فذكره. ورواه الطبراني في الأوسط (١٢٦٢) من وجه آخر عن ميمون بن عجلان الثقفي، عن محمد بن عباد به، ولكن ميمون بن عجلان الثقفي ضعيف. وقال الحافظ ابن حجر: "وميمون هذا أظنه عطاء بن عجلان أحد الضعفاء". لسان الميزان (٦/ ١٤١).

стр. 7178

٢٠ - تفسير سورة طه وهي مكية، وعدد آياتها ١٣٥ • عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه". حسن: رواه الطحاوي في شرح المشكل (١٧٦)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٨٢)، والحاكم (١/ ٥٠٥ - ٥٠٦) كلهم من طريق الوليد بن مسلم، حدثني عبد الله بن العلاء بن زبر، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة فذكره. واللفظ للطبراني، وزاد الحاكم: قال القاسم: فالتمستُها فوجدت في سورة البقرة آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي سورة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ وفي سورة طه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. وإسناده حسن من أجل القاسم بن عبد الرحمن فإنه حسن الحديث. والكلام عليه مبسوط في كتاب الأذكار. ١ - باب قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ • عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة، فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾. متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٩٧)، ومسلم في المساجد (٦٨٤) كلاهما من طريق همام، عن قتادة، عن أنس فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ أي: أن الله أخفاها عن جميع المخلوقين، من الملائكة والأنبياء والمرسلين وغيرهم. ولا يعلمها إلا الله . • عن أبي هريرة قال: كان النبي بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل، فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث" قال: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك

стр. 7179

تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قال: متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله". ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ الآية. ثم أدبر، فقال: "ردوه". فلم يروا شيئا. فقال: "هذا جبريل، جاء يعلّم الناس دينهم". متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة، أخبرنا أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. ولفظهما سواء. ٣ - باب قوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾ قوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾. • عن سالم بن عبد الله بن عمر يقول: يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ها هنا". وأومأ بيده نحو المشرق: "من حيث يطلع قرنا الشيطان". وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٥٠: ٢٩٠٥) من طرق عن ابن فُضَيل، عن أبيه، قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر، يقول: فذكره. وقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ أي: أن موسى ﵇ وقع في محنة بعد محنة خلصه الله منها، فقد حملت به أمه في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال، وألقي في البحر في التابوت، وخاف على نفسه لما قتل القبطي وغيرها من المحن التي وقع فيها موسى ﵇، وخرج منها سالما بنصر الله وتوفيقه له. وأما حديث ابن عباس الطويل الذي ذكره كثير من المفسرين فهو موقوف، وفي متنه غرابة، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، كما قال الحافظ ابن كثير، وهذا لفظه: قال سعيد بن جبير: "سألت عبد الله بن عباس عن قول الله لموسى ﵇:

стр. 7180

﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، فسألته عن الفتون ما هو؟ قال: استأنف النهار يا ابن جبير! فإن لها حديثا طويلا، فلما أصبحت غدوت على ابن عباس؛ لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ﵉، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم ﵇، فقال فرعون: فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون قالوا: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا أن تباشروا من الأعمال والخدمة الذي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر، فيقل نباتهم، ودعوا عاما، فلا تقتلوا منهم أحدا، فينشأ الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون، وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون، يا ابن جبير! ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله جل ذكره إليها أن ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [سورة القصص: ٧]، فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت، وتلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟ . لو ذبح عندي، فواريته، وكفنته، كان أحبّ إليّ أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه، فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه، فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن: إن في هذا مالا، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاما، فألقي عليها منه محبة لم يلق منها على أحد قط ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [سورة القصص: ١٠] من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون، يا ابن جبير! فقالت لهم: أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون، فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [سورة القصص: ٩]، فقال فرعون: يكون لك، فأما لي، فلا حاجة لي، فقال رسول الله ﷺ : "والذي يحلف به، لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين، كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن الله حرمه ذلك". فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن تختار له ظئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن، فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به، فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها، فلم يقبل،

стр. 7181

فأصبحت أم موسى والها، فقالت لأخته: قُصّي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا؟ . أحي ابني أم أكلته الدواب؟ . ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب، والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد، وهو إلى ناحية لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾ [سورة القصص: ١٢]، فأخذوها، فقالوا: ما يدريك ما نصحهم؟ هل تعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون، يا ابن جبير! فقالت: نصيحتهم له، وشفقتهم عليه، رغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك، فأرسلوها، فانطلقت إلى أمها، فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها ثوى إلى ثديها، فمصه حتى امتلأ جنباه ريا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتت بها وبه، فلما رأت ما يصنع قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئا حبه قط، قالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي، لا آلوه خيرا فعلت، فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز موعوده، فرجعت إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتا حسنا، وحفظ لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم. فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أزيريني ابني، فوعدتها يوما تزيرها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخازنها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة، لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أمينا يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته، وفرحت به، ونحلت أمه بحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتين فرعون فلينحلنه وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون، فمدها إلى الأرض، قال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه، إنه زعم أن يربك ويعلوك ويصرعك؟ . فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون، يا ابن جبير! بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به فتونا، فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ . فقال: ألا ترينه، إنه يزعم سيصرعني ويعلوني، قالت: اجعل بيني وبينك أمرا يعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقرّبهن إليه، فإن بطش باللؤلؤ واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين، ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين، وهو يعقل، فقرّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فنزعوهما منه مخافة أن يحرقا يديه، فقالت المرأة: ألا ترى؟ . فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همّ به، وكان الله بالغا فيه أمره. فلما بلغ أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى ﵇ يمشي في ناحية المدينة،

стр. 7182

إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى ﵇ غضبا شديدا؛ لأنه تناوله، وهو يعلم منزله من بني إسرائيل، وحفظه لهم، لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع إلا أم موسى، إلا أن يكون الله سبحانه أطلع موسى ﵇ من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، ووكز موسى الفرعوني، فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ [سورة القصص: ١٥]، ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [سورة القصص: ١٦]، فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار، فأتي فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون، فخذ لنا بحقك، ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله من شهد عليه، فإن الملك وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتا، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه، وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي، وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل أمس واليوم: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾ [سورة القصص: ١٨]، فنظر الإسرائيلي إلى موسى ﵇، بعدما قال له ما قال، فإذ هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعدما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾ أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي، وقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ وإنما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، وانطلق الفرعوني، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [سورة القصص: ١٩]، فأرسل فرعون الذباحين؛ ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون، يا ابن جبير؟ . فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له علم إلا حسن ظنه بربه تعالى، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [سورة القصص: ٢٢، ٢٣]، يعني بذلك حابستين عنهما، فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ . فقالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم، فسقى لهما، فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرا، حتى كان أول الرعاء، وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى ﵇، فاستظل بشجرة، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [سورة القصص: ٢٤]، واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا، فقال: إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه، ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾ [سورة القصص: ٢٥]، ليس

стр. 7183

لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [سورة القصص: ٢٦] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك؟ ما قوته وما أمانته؟ قالت: أما قوته، فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه، وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا الأمر إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدّقها، وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة القصص: ٢٧]، ففعل، فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته، فأتمها عشرا. قال سعيد: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس، فذكرت ذلك له، فقال: أما علمت أن ثمانيا كانت على نبي الله واجبة، لم يكن نبي الله ﷺ لينقص منها شيئا، وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني، فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته، فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى. فلما سار موسى بأهله كان من أمر الناس والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله سبحانه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، يكون له ردءا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ﵇، فانطلقا جميعا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [سورة طه: ٤٧]، قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قص الله عليك في القرآن، قال: فما تريدان؟ . وذكره القتيل، فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه، وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه، فإذا هي حية عظيمة، فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها، فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه، ففعل، ثم أخرج يده من جيبه، فرآها بيضاء من غير سوء، يعني من غير برص، ثم ردها، فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش، فأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة، فإنهم بأرضك كثير حتى يغلب سحرك سحرهما، فأرسل في المدائن، فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا، والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي

стр. 7184

نعمل، وما أجرنا إن نحن غلبنا؟ . قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة، أن يحشر الناس ضحى، قال سعيد: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، هو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد، قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا، فلنحضر هذا الأمر، لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، يعنون موسى وهارون، استهزاء بهما، فقالوا: يا موسى، - لقدرتهم بسحرهم -: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾ [سورة الأعراف: ١١٥]، ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [سورة طه: ٦٦]، ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ [الشعراء: ٤٤]، فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه: أن ألقِ عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيما، فاغرة فاها، فجعلت العصا تلبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان تدخل فيه، حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحرا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأتباعه، وظهر الحق ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [سورة الأعراف: ١١٨، ١١٩]، وامرأة فرعون بارزة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى. فلما طال مكث موسى بمواعد فرعون الكاذبة، كلما جاءه بآية، وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ . فأرسل الله على قومه ﴿الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٣] كل ذلك يشكو إلى موسى، ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويوافقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده، ونكث عهده، حتى أمر موسى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلا. فلما أصبح فرعون، فرأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله تعالى إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى بعصاه، فانفرق اثنتي عشرة فرقة حتى يجاوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، فانتهى إلى البحر، وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه، وهو غافل فيصير عاصيا لله، فلما تراءى الجمعان تقاربا، قال قوم موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ [سورة الشعراء: ٦١]، افعل ما أمرك به ربك، فإنه لم يكذب، ولم تكذب، قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه، وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه، فأخرجه له ببدنه حتى

стр. 7185

استيقنوا هلاكه. ثم مروا بعد ذلك ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ [سورة الأعراف: ١٣٨، ١٣٩]، قد رأيتم من العبر، وسمعتم ما يكفيكم، ومضى، فأنزلهم موسى منزلا، وقال لهم: أطيعوا هارون، فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها. فلما أتى ربه أراد أن يكلمه في ثلاثين يوما، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه، وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئا، فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ . وهو أعلم بالذي كان، قال: يا رب، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال: أوما علمت يا موسى، أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك؟ . ارجع، فصم عشرا، ثم ائتني، ففعل موسى ﵇ ما أمره به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم، وقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع، ولكم فيهم مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك، ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرا، وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار، فأخرجه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثرا، فأخذ منه قبضة، فمر بهارون، فقال له هارون ﵇: يا سامري، ألا تلقي ما في يدك؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك، فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها بشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيت أن يكون ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن تكون عجلا، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار، قال ابن عباس: لا والله، ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل من دبره، وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك. فتفرق بنو إسرائيل فرقا، فقالت فرقة: يا سامري، ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه، وعجزنا فيه حين رأينا، وإن لم يكن ربنا، فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان، وليس بربنا، ولن نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] قالوا: فما بال موسى، وعدنا ثلاثين يوما، ثم أخلفنا؟ . هذه أربعون قد مضت، فقال سفهاؤهم: أخطأ ربه، فهو يطلبه ويتبعه، فلما كلم الله موسى ﵇، وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده، ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٦] فرجع موسى إلى قومه

стр. 7186

غضبان أسفا، قال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له، فانصرف إلى السامري، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفطنت إليها، وعميت عليكم، فقذفتها ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾ [سورة طه: ٩٦، ٩٧]، ولو كان إلها لم نخلص إلى ذلك منه. فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى، سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك، لا يألوا الخير، خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، واستحيا نبي الله ﷺ من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [سورة الأعراف: ١٥٥]، وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمان به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦، ١٥٧]، فقال: يا رب، سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة، فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن، ويأتي أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى ﷺ متوجها نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم، وأبوا أن يقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم، وهم مصطفون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكر من ثمارهم أمرا عجيبا من عظمها، فقالوا: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [سورة المائدة: ٢٢، ٢٣]، قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ . قال: نعم، من الجبارين: آمنا بموسى وخرجا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ويقول أناس: إنهما من قوم موسى، فقال الذين يخافون بنو إسرائيل: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ

стр. 7187

وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [سورة المائدة: ٢٤]، فأغضبوا موسى ﵇، فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ، فاستجاب الله تعالى له، وسماهم كما سماهم موسى: فاسقين، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم، فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلي ولا تتسخ، وجعل بين أظهرهم حجرا مربعا، وأمر موسى، فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من منقلة، إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي كان فيه بالأمس. رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي ﷺ ، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس حدث هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ . فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية، فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق، هل تذكر يوما حدثنا عن رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ آلإسرائيلي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني ما سمع من الإسرائيلي شهد على ذلك وحضره. رواه النسائي في الكبرى (١١٢٦٣)، وأبو يعلى (٢٦١٨)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٦٤ - ٦٩)، والطحاوي في شرح المشكل (٦٦) مختصرا - كلهم من طرق عن يزيد بن هارون، أنا أصبغ بن زيد، أنا القاسم بن أبي أيوب، حدثنا سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس، فذكره. وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٥٦): "رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير أصبغ بن زيد، والقاسم بن أبي أيوب، وهما ثقتان". قلت: ولكن المتن فيه نكارة، ولعل ابن عباس أخذ بعضه عن النبي ﷺ ، والبعض الآخر عن كعب الأحبار وغيره، وإليه يشير كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ١٩٦): "الأشبه والله أعلم أنه موقوف، وكونه مرفوعا فيه نظر. وغالبه متلقى من الإسرائيليات. وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام. وفي بعض ما فيه نظر ونكارة، والأغلب أنه من كلام كعب الأحبار، وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا، والله أعلم" اهـ. ٤ - باب قوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ • عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ . قال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ . قال: نعم. قال: فوجدتها كتب علي قبل أن يخلقني، قال: نعم. فحجّ آدمُ موسى".

стр. 7188

متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٣٦)، ومسلم في القدر (١٥: ٢٦٥٢) كلاهما من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على إسناد قبله. ٥ - باب قوله: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ أي: السلام عليك إن اتبعت الهدى، وهكذا كان النبي ﷺ يكتب في رسائله إلى الملوك، يدعوهم إلى الإسلام، فيقول: • عن أبي سفيان بن حرب في حديث طويل في قصة هرقل، قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه، فإذا فيه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين ... " الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في بدء الوحي (٧)، ومسلم في الجهاد (١٧٧٣: ٧٤) كلاهما من طريق الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره، فذكره. ٦ - باب قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ • عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم)، فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحما أُذِن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". فقال رجل من القوم: كأنّ رسول الله ﷺ قد كان بالبادية. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٥) عن نصر بن علي الجهضمي، عن بشر - يعني ابن المفضل -، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره. ٧ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ • عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدّرِّي الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب،

стр. 7189

لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٥٦)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٣١) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. • عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: "في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله، فسلوه الفردوس". صحيح: رواه الترمذي (٢٥٣١) عن عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت فذكره. والحديث رواه الإمام أحمد (٢٢٦٩٥) عن يزيد بن هارون به، وفيه: "ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام". واللفظ الذي ساقه الترمذي رواه أحمد عن عفان بن مسلم، عن همام به. ومن طريقه رواه أيضا ابن خزيمة في "التوحيد" (١٨٤)، والحاكم (١/ ٨٠). وقال: "إسناده صحيح". ٨ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ • عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي ﷺ : "نحن أولى بموسى منهم فصوموه". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٣٧)، ومسلم في الصيام (١١٣٠) كلاهما من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٩ - باب قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ • عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا

стр. 7190

هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه، فيستحيي، ائتوا نوحا، فإنه أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتونه، فيقول: لست هناكم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن. فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ائتوا موسى، عبدا كلمّه الله، وأعطاه التوراة. فيأتونه، فيقول: لست هناكم. ويذكر قتل النفس بغير نفس، فيستحيي من ربه، فيقول: ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه. فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدا ﷺ عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي، وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفعْ رأسك، وسلْ تُعطَه، وقُل: يُسمَع، واشْفع تُشفَّع. فأَرفعُ رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي - مثله - ثم أشفع، فيُحَدُّ لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة، فأقول ما بقي في النار إلّا مَن حبسهُ القرآن، ووجب عليه الخلود". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٤٧٦)، ومسلم في الإيمان (١٩٣) كلاهما من حديث هشام، عن قتادة، عن أنس، فذكره. واللفظ للبخاري. ١٠ - باب قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ • عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الظلم ظلمات يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٤٧)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٧٩) كلاهما من طريق عبد العزيز الماجشون، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّح، فإن الشُّح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٨) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا داود - يعني ابن قيس -، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر فذكره. • عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما المفلس؟ ". قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا،

стр. 7191

وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم، فَطُرِحت عليه، ثم طُرِح في النار". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٨١) من طرق عن إسماعيل - وهو ابن جعفر -، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ١١ - باب قوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه، وأعطاك الألواح، فيها تبيان كل شيء، وقرّبك نجيّا، فَبِكَمْ وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلَق، قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة، قال رسول الله ﷺ : "فحج آدم موسى". صحيح: رواه مسلم في القدر (١٥: ٢٦٥٢) من طريق أنس بن عياض، حدثني الحارث بن أبي ذباب، عن يزيد (وهو ابن هرمز)، وعبد الرحمن الأعرج، قالا: سمعنا أبا هريرة، قال: فذكر الحديث. ١٢ - باب قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ • عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إنّ المؤمن في قبره لفي روضة خضراء، ويُرْحَب له قبره سبعون ذراعا، وينور له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾؟ "أتدرون ما المعيشة الضنكة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تِنِّينا، أتدرون ما التنين؟ . سبعون حية، لكل حية سبعون رؤوس يلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة". حسن: رواه أبو يعلى (٦٦٤٤)، وابن حبان (٣١٢٢)، والبيهقي في عذاب القبر (٨٠) كلهم من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا السمح حدثّه، عن ابن حجيرة،

стр. 7192

عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي السمح، وهو دراج بن سمعان، وهو يحسن حديثه في غير أبي الهيثم. ورواه البزار (٩٤٠٧) من وجه آخر، عن ابن حجيرة به نحوه. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: "عذاب القبر". صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٣٨١)، وعنه البيهقي في إثبات عذاب القبر (٧١) عن أبي زكريا العنبري، ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق، أنبأ النضر بن شميل، ثنا حماد بن سلمة، عن أبي حازم المدني، عن النعماذ بن أبي عياش، عن أبي سعيد فذكره. وقال: "صحيح على شرط مسلم". وقال ابن كثير في تفسيره: "إسناده جيد". وبقية الأحاديث عن عذاب القبر مذكورة في كتاب الجنائز. ١٣ - باب قوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني: صلاة الفجر وصلاة العصر، كما جاء في الصحيح: • عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "أما إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضامّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها". يعني العصر والفجر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. متفق عليه: رواه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٥٤)، ومسلم في المساجد (٦٣٣) كلاهما من حديث مروان بن معاوية الفزاري، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس بن أبي حازم، قال: سمعت جرير بن عبد الله يقول: فذكره. • عن عُمارة بن رُؤيبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها". يعني الفجر والعصر. فقال له رجل من أهل البصرة: آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، قال: نعم. قال الرجل: وأنا أشهد أني سمعته من رسول الله ﷺ سمعته أذناي، ووعاه قلبي. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٣٤) من أوجه عن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة، عن أبيه

стр. 7193

قال: فذكره. وقوله: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [سورة الضحى: ٥]. ١٤ - باب قوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ • عن عمر بن الخطاب: أنه دخل على رسول الله ﷺ في المشربة التي كان قد اعتزل فيها نسائه حين آلى منهن، قال: وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت، فقال: "ما يبكيك؟ ". فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله. فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ". الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩١٣)، ومسلم في الطلاق (٣١: ١٤٧٩) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، أخبرني يحيى، أخبرني عبيد بن حنين، أنه سمع عبد الله بن عباس، يحدث، عن عمر بن الخطاب، فذكره في حديث طويل. • عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "أخوف ما أخاف عليكم ما يُخرِج الله لكم من زهرة الدنيا". قالوا: وما زهرة الدنيا، يا رسول الله؟ قال: "بركات الأرض". قالوا: يا رسول الله! وهل يأتي الخير بالشر؟ قال: "لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، إن كل ما أنبت الربيع يَقتل أو يُلِمّ، إلا آكلة الخضر، فإنها تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثم اجترت، وبالت، وثلطت، ثم عادت، فأكلت، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٢٧)، ومسلم في الزكاة (١٠٥٢ - ١٢٢) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن أبان بن عثمان قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان بنصف النهار، قلت: ما بعث الله إليه هذه الساعة إلا لشيء يسأل عنه، فسألته، فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "من كانت الدنيا همه،

стр. 7194

فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعك غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة". صحيح: رواه ابن ماجه (٤١٠٥)، وأحمد (٢١٥٩٠) من طريق شعبة، عن عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، فذكره. واللفظ لابن ماجه، وسياق أحمد طويل. وإسناده صحيح، وقد صحّحه البوصيري أيضا. وعمر بن سليمان هو: ابن عاصم بن عمر بن الخطاب ثقة وثّقه ابن معين والنسائي وغيرهما. ١٥ - باب قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى، وأيقظ امرأته، فصلّت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل، فصلّت، وأيقظت زوجها، فصلى، فإن أبى، نضحت في وجهه الماء". حسن: رواه أبو داود (١٣٠٨)، والنسائي (١٦١٠)، وابن ماجه (١٣٣٦) كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، قال: حدثني القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان؛ فإنه صدوق حسن الحديث. • عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتبا في الذاكرين والذاكرات". صحيح: رواه أبو داود (١٣٠٩)، وابن ماجه (١٣٣٥) كلاهما من طريق شيبان، عن الأعمش، عن علي بن الأقمر، عن الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة، فذكرا الحديث. إسناده صحيح. والأغر هو: أبو مسلم المديني من رجال مسلم، وشيبان هو: ابن عبد الرحمن التميمي مولاهم أبو معاوية البصري من رجال الجماعة. وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: حسن العاقبة في الدنيا والآخرة لمن اتقى الله تعالى من المسلمين. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب". صحيح: رواه مسلم في الرؤيا (٢٢٧) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا حماد بن سلمة،

стр. 7195

عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: فذكره. ١٦ - باب قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ وهذه البينة هي القرآن وهو مصدق لما في الكتب السابقة من أخبار الأنبياء ومن المواعظ والخطب، وأصول التشريع، والنبي الذي جاء به هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا من أهل الكتاب، ومع ذلك فقد جاء بهذا الكتاب العظيم. • عن أبي هريرة: أن رسول الله قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨١)، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من طريق الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • * *

стр. 7196

٢١ - تفسير سورة الأنبياء وهي مكية، وعدد آياتها ١١٢ وجه تسميتها سورة الأنبياء أنها ذكر فيها ستة عشر نبيا، ولم يذكر هذا العدد إلا في سورة الأنعام وفيها ثمانية عشر نبيا ولكنها سميت بالأنعام لاختصاصها بذكر أحكام الأنعام. • عن عبد الله بن مسعود قال: بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأول، وهن من تلادي. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٣٩) عن محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله فذكره. قوله: "من العتاق" بكسر العين جمع عتيق وهو ما بلغ الغاية في الجودة. وقوله: "والتلاد" بكسر التاء ما كان قديما، والأولية باعتبار النزول لأنها مكيات، وأنها أول ما حفظها من القرآن. ١ - باب قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي: الملائكة دائبون في طاعة الله وعبادته ليلا ونهارا دون انقطاع، كما جاء في الحديث: • عن حكيم بن حزام، قال: بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: "تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء، قال: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تُلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم". حسن: رواه ابن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١/ ٢٥٨) والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٤)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٨٦) كلهم من طريق عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل عبد الوهاب بن عطاء، وهو الخفاف أبو نصر، وهو وإن كان من رجال مسلم، فقد تكلم فيه بعض النقاد إلا أنه حسن الحديث. وسعيد بن أبي عروبة قد اختلط بآخره، إلا أن عبد الوهاب بن عطاء سمع منه قبل اختلاطه.

стр. 7197

٢ - باب قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ • عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء. فقال: "كل شيء خلق من ماء". قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنة. قال: "أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل، والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام". صحيح: رواه أحمد (٧٩٣٢)، وصحّحه ابن حبان (٥٠٨)، والحاكم (٤/ ١٦٠) كلهم من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وقال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٦): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح خلا أبا ميمونة، وهو ثقة". • عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني ممّ خُلِق الخلق؟ فقال: "من الماء". حسن: رواه إسحاق بن راهويه (٣٠١) عن أبي معاوية، نا حمزة الزيات، عن أبي مجاهد سعد الطائي، عن أبي مدلّة، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل. وإسناده حسن من أجل أبي مدلّة؛ فإنه حسن الحديث، وثّقه ابن ماجه (١٧٥٢). وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب "مقبول". والصحيح ما ذكرت. والحديث رواه الترمذي (٢٥٢٦) من طريق محمد بن فضيل، عن حمزة الزيات، عن زياد الطائي، عن أبي هريرة في حديث طويل، وذكر فيه هذا الجزء. وقال: "هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وليس هو عندي بمتصل، وقد رُوي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مُدلّة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ". قلت: زياد الطائي المذكور في إسناد الترمذي قال عنه ابن حجر في التقريب: "مجهول أرسل عن أبي هريرة". ورواه أيضا أحمد (٨٠٤٣)، وعبد بن حميد (١٤٢٠)، وابن حبان (٧٣٨٧) كلهم من طريق سعد الطائي، حدثني أبو المدلّة مولى أم المؤمنين، عن أبي هريرة في سياق طويل إلّا أنهم لم يذكروا الجزء المذكور. وأما ما رواه الحاكم (٢/ ٤٥٢) من طريق عبد الرزاق، عن عمر بن خبيب المكي، عن حميد بن قيس الأعرج، عن طاوس قال: "جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص يسأله مم خلق

стр. 7198

الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب". فهو ضعيف. وأما الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "عمر هذا فتّشت عنه، فلم أعرفه، والخبر منكر" اهـ. قلت: لأنه زاد في الحديث أشياء لم يُتَابع عليها. ٣ - باب قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٥٦٣)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار (٢٦٩٤) كلاهما من طريق محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله سيخلّص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ . أظلمك كتبتي الحافظون؟ . فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ . فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلَم قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء". صحيح: رواه الترمذي (٢٦٣٩) - واللفظ له -، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٦٩٩٤)، وصحّحه ابن حبان (٢٢٥)، والحاكم (١/ ٦) كلهم من حديث الليث بن سعد، حدثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الحبلي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: فذكره. وقال الترمذي: "حسن غريب". قلت: بل الصواب أنه صحيح، فإن رجاله ثقات. ٤ - باب قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط

стр. 7199

إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله: قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [سورة الصافات: ٨٩]. وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار، ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امراتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنكِ أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه، فقال له: لقد قدم أرضك امرأةٌ لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فأتى بها، فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي، ولا أضرك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله أن لا أضرك، ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر. قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم ﵇ انصرف فقال لها: مهيم؟ قالت: خيرا كف الله يد الفاجر، وأخدم خادما". قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٧، ٣٣٥٨)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧١: ١٥٤) كلاهما من طرق عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره. وهذا لفظ مسلم. ٥ - باب قوله: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ • عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٣]، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٤٥٦٣) عن أحمد بن يونس أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، فذكره. • عن أم شريك: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ، وقال: "كان ينفخ على إبراهيم ﵇".

стр. 7200

صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٩) عن عبيد الله بن موسى أو ابن سلام عنه، أخبرنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك، فذكرته. • عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "كانت الضفدع تطفئ النار عن إبراهيم، وكان الوزغ ينفخ فيه، فنهى عن قتل هذا، وأمر بقتل هذا". صحيح: رواه عبد الرزاق (٨٣٩٢) عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده صحيح. ٦ - باب قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ هذه الأرض المباركة هي أرض الشام، وإبراهيم ولوط ﵉ كانا بأرض العراق، وبعد امتحان إبراهيم ﵇ خرج من العراق، ومعه زوجته سارة، وابن أخيه لوط، وهو أول هجرة في تاريخ الأديان من أجل المحافظة على العقيدة والدين، وحكى الله على لسان إبراهيم ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وقوله: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي أنها أرض خصب ورخاء وكثرة الأنهار، ومنها سيبعث الله الأنبياء. ٧ - باب قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل إبراهيم ولوط. وقوله: ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي أهل بيته غير ابنه الذي كفر به. وقوله: ﴿الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ وهو الطوفان الذي أغرق من في الأرض جميعا، ووصف بكونه "العظيم" لشدة هوله وأنه يلاحق الناس بمواقع هروبهم حتى أغرقهم. ٨ - باب قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ قوله: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ﴾ نفش نفشا ونفوشا تفرق وانتشر، ويقال: نفشت الماشية في الزرع انتشرت فيه ورعتْه ليلا. وخلاصة القصة كما رُوي عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين أن رجلين دخلا على داود، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال: صاحب الحرث: إن هذا أرسل غنمه في حرثي، فلم يبق من حرثي شيئا، فقال له داود: اذهب فإن الغنم كلها لك، فقضى بذلك داود. ومرَّ صاحب الغنم بسليمان فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله

стр. 7201

إن القضاء سوى الذي قضيت، فقال: كيف؟ قال سليمان: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفى ثمن الحرث، فإن الغنم لها نسل في كل عام. فقال داود: قد أصبت، القضاء كما قضيت ففهمها الله سليمان. روي عن ابن مسعود، في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: "كرم قد أنبتت عناقيده، فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبيّ الله، قال: وما ذاك؟ قال: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم، فيصيب منها، حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. رواه ابن جرير (١٦/ ٣٢٢)، والحاكم (٢/ ٥٨٨) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرّة، عن ابن مسعود، فذكره. وفي الإسناد أشعث وهو ابن سوار الكندي، وهو ضعيف. ومن جملة ما فُهِّم سليمانُ قصة المرأتين كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى". قال: قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية. متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٢٧)، ومسلم في الأقضية (٢٠: ١٧٢٠) كلاهما من طرق عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. ٩ - باب قوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ هذا الضر على نوعين: الأول: ضر في متاع الدنيا من الأموال والمواشي والخدم، فقد ذكر أهل التفسير أن له كذا وكذا من الأموال، وكذا من البنين والبنات فهلكت الأموال ومات الأولاد.

стр. 7202

والثاني: ما أصيب من الأمراض في جسمه، وفي سفر أيوب من التوراة كثير من التفاصيل من هذا الابتلاء، وأنه رجل صالح مستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر، فلما دعا الله كشف الله عنه الضر الذي أصابه في ماله وأولاده وجسمه، وصار أيوب فيما بعد يُضرب به المثَلُ في الصبر. فإنْ قيل: إن الله سمّاه صابرا، وقد أظهر الشكوى والجزع بقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ قيل: ليس هذا شكاية، إنما هو دعاء بدليل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ على أن الجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق، فأما الشكوى إلى الله فلا يكون جزعا ولا ترك صبر كما قال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة يوسف: ٨٦]. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. ظاهر الآية يدل على أن الله ردَّ عليه ماله وولده عيانا، ومثلهم معهم. وبه قال ابن عباس، وابن مسعود، وقتادة، والحسن، وأكثر المفسرين. وقال غيرهم: آتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا، فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا. ١٠ - باب قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ قوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي صاحب الحوت لقب به يونس بن متى ﵇ للقصة التي وقعت له مع الحوت. وقوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي من قومه أهل نينوى إذ أبوا أن يؤمنوا بما أرسل به. قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. • عن سعد بن أبي وقاص قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يردّ عليّ السلام، فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين. قال: لا. وما ذاك؟ قال: قلت: لا. إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد، فسلّمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يردّ عليّ السلام. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددتَ على أخيك السلام؟ قال عثمان: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى. قال: حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر، فقال: بلى، وأستغفر الله، وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من

стр. 7203

رسول الله ﷺ ، لا، والله ما ذكرتها قط إلا تغشّى بصري وقلبي غشاوة. قال: قال سعد: فأنا أنبئك بها: إن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي، فشغله حتى قام رسول الله ﷺ ، فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله، ضربت بقدميّ الأرض، فالتفت إليّ رسولُ الله ﷺ : فقال: "من هذا؟ أبو إسحاق" قال: قلت: نعم، يا رسول الله! . قال: "فمه". قال: قلت: لا، والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي، فشغلك، قال: "نعم، دعوة ذي النون، إذ هو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له". حسن: رواه الترمذي (٣٥٠٥)، وأحمد (١٤٦٣) - واللفظ له -، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٥٦)، والحاكم (٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣) كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق الهمداني، عن إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن سعد بن أبي وقاص، فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". قلت: إسناده حسن من أجل يونس بن أبي إسحاق، فإنه حسن الحديث. ١١ - باب قوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ قوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ هي بنت عمران كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سورة التحريم: ١٢]. ١٢ - باب قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي السدّ وفيه يقدر المضاف، وهو أمة يأجوج ومأجوج، فإنهما قبيلتان، فيكتسب التأنيث من المضاف إليه. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أي نشز وتل، والحدب هو المكان المرتفع. ويأجوج ومأجوج هم من سلالة آدم ﵇، وقد جاء ذكرهم في سورة الكهف [٩٤] ويكون ظهورهم قبل يوم القيامة كما جاء في الصحيح: • عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فذكر حديثا طويلا جاء فيه: "فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادا لي

стр. 7204

لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النَغَف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرا لا يَكُنُّ منه بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ... ". الحديث. صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢١٣٧) من طرق عن الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي، أنه سمع النواس بن سمعان فذكره. وفي الحديث بيان واضح أن خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة، انظر للتفصيل: كتاب الفتن. ١٣ - باب قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ • عن ابن عباس، قال: آية في كتاب الله لا يسألني الناس عنها، ولا أدري: أعرفوها، فلا يسألوني عنها، أم جهلوها، فلا يسألوني عنها؟ . قيل: وما هي؟ قال: آية لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ شق ذلك على أهل مكة، وقالوا: شتم محمد آلهتنا، فقام ابن الزبعرى، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: شتم محمد آلهتنا، قال: وما قال؟ قالوا: قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ قال: ادعوه لي، فدعي محمد ﷺ ، فقال ابن الزبعرى: يا محمد! هذا شيء لآلهتنا خاصة، أم لكل من عبد من دون الله؟ قال: "بل لكل من عُبد من دون الله ". قال: فقال: خصمناه

стр. 7205

ورب هذه البنية، يا محمد ألست تزعم أن عيسى عبد صالح، وعزيرا عبد صالح، والملائكة عباد صالحون؟ قال: "بلى". قال: فهذه النصارى يعبدون عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرا، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، قال: فضج أهل مكة، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا﴾ عيسى، وعزير، والملائكة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قال: ونزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]. حسن: رواه أحمد (٢٩١٨)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٥٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٩٨٦) كلهم من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين مسعود بن مالك الأسدي، عن أبي يحيى الأعرج، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة، فإنه حسن الحديث، وكذلك فيه أبو يحيى الأعرج وهو مصدع، المعرقب، وقد قال فيه عمار الدهني: "كان عالما بابن عباس". وقد تابعه عكرمة عند الطحاوي (٩٨٨). وعبد الله بن الزبعري أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه. قال ابن حجر في الكافي الشاف (ص ١١١ - ١١٢): "اشتهر في ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم أن النبي ﷺ قال في هذه القصة لابن الزبعري: ما أجهلك بلغة قومك، فإني قلت: وما تعبدون وهي لما لا تعقل، ولم أقل: ومن تعبدون، وهو شيء لا أصل له. ولا يوجد مسندا ولا غير مسند. اهـ. • عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليا يخطب، وتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية. قال: نزلت في عثمان وأصحابه. صحيح: رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٢٧١٥)، وأحمد في فضائل الصحابة (٧٧١)، وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٤١٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٣/ ٢١) كلهم من طريق شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف بن سعد، عن محمد بن حاطب فذكره. وإسناده صحيح. قوله: ﴿حَصَبُ﴾ بمعنى محصوب به أي المرمي به، ومنه سميت الحصباء لأنها حجارة يُرمى بها أي يُرمون في جهنم كما قال تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] أي الكفار وأصنامهم من الحجارة. وقيل: "حصب" بمعنى الحطب في لغة أهل اليمن، وقد قرأ بعضهم ﴿حطب جهنم﴾ إلا أنها قراءة شاذة ومعناها وقود جهنم. وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي داخلون.

стр. 7206

وقوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي العابد والمعبود من الأحجار والأشجار. ١٤ - باب قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ هذا يكون يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٧]، وقد جاء في ذلك أحاديث، منها: • عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ . متفق عليه: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٧٨٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله، أخبرني عبد الله بن عمر فذكره. ورواه البخاري في التوحيد (٧٤١٢) من طريق نافع، عن ابن عمر فذكره مختصرا. ثم قال (٧٤١٣): قال عمر بن حمزة: سمعت سالما، سمعت ابن عمر، عن النبي ﷺ بهذا. وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: أن الله تعالى يعيد الخلق يوم القيامة، كما خلقهم من قبل، وقد جاء في الصحيح: • عن ابن عباس قال: خطب النبي ﷺ فقال: "إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا إنه يجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ [سورة المائدة: ١١٧]، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٠)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٥٨: ٢٨٦٠) كلاهما من طريق شعبة، عن المغيرة بن النعمان شيخ من النخع، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ١٥ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ قوله: ﴿الزَّبُورِ﴾ إذا أطلق فالمقصود منه زبور داود ﵇، وعمّمَ بعضهم فقال: هو كل

стр. 7207

كتاب مسطور ومنه القرآن أيضا. وقوله: ﴿الْأَرْضَ﴾ أي أرض الجنة. وقوله: ﴿عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ هم من أمة محمد ﷺ ، وكذلك الأنبياء السابقون والمؤمنون بهم، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]. ١٦ - باب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ قوله: ﴿رَحْمَةً﴾ شامل للإنس والجن والبهائم، فكان النبي ﷺ رحمة للجميع. • عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله! ادع على المشركين. قال: "إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والأدب (٢٥٩٩) من طرق عن مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. • عن عمرو بن أبي قرة، قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة، فيأتون سلمان، فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة، فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدّقك ولا كذبك. فأتى حذيفةُ سلمانَ وهو في مبقلة، فقال: يا سلمان! ما يمنعك أن تصدّقني بما سمعت من رسول الله ﷺ ، فقال سلمان: إن رسول الله ﷺ كان يغضب، فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى، فيقول في الرضا لناس من أصحابه. أما تنتهي حتى تورّث رجالا حبَّ رجال، ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة، ولقد علمت أن رسول الله ﷺ خطب، فقال: "أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة". والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر. صحيح: رواه أبو داود (٤٦٥٩)، وأحمد (٢٣٧٠٦)، والطبراني في الكبير (٦/ ٣١٨ - ٣١٩) كلهم من طريق زائدة بن قدامة الثقفي، حدثنا عمر بن قيس الماصر، عن عمرو بن أبي قُرّة، قال: فذكره. وإسناده صحيح. وعمرو بن أبي قرة من تلاميذ حذيفة، والحديث عن حذيفة، عن سلمان، ولا يضر عدم لقاء عمرو بن أبي قرة من سلمان.

стр. 7208

وروي من مرسل أبي صالح، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة". رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٣٢٤٤٢)، وابن سعد (١/ ١٩٢) كلاهما عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، (وهو السمان)، عن النبي ﷺ . ورواه أيضا الدارمي (١٥) من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، به مرسلا. وروي عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، موصولا، ولا يصح. وقد رجّح البخاري والدارقطني وغيرهما الإرسال. (انظر علل الترمذي/٩٢٧، وعلل الدارقطني: ١٨٩٧). • * *

стр. 7209

٢٢ - تفسير سورة الحج وهي مدنية، وعدد آياتها ٧٨ • عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله فُضّلتْ سورةُ الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: "نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما". حسن: رواه أبو داود (١٤٠٢)، والحاكم (٢/ ٣٩٠) كلاهما من حديث ابن وهب - والترمذي (٥٧٨) عن قتيبة بن سعيد - وأحمد (١٧٤١٢) عن أبي عبد الرحمن (وهو عبد الله بن يزيد المقرئ) كلهم (ابن وهب وابن المقرئ، وقتيبة) قالوا: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ غير أن رواية ابن وهب وابن المقرئ وقتيبة بن سعيد عنه مستقيمة. ورواه أيضا أحمد (١٧٣٦٤)، والحاكم (١/ ٢٢١) وغيرهما من طرق أخرى عن ابن لهيعة بإسناده مثله. قال الحاكم: "هذا حديث لم نكتبه مسندا إلا من هذا الوجه، وعبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي أحد الأئمة، إنما نُقم عليه اختلاطُه في آخر عمره، وقد صحّت الرواية فيه من قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء وعمار ﵃". قلت: أحاديث هؤلاء أخرجها البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣١٦ - ٣١٧)، وفي الصغرى - المنة الكبرى (٢/ ٤٥٣ - ٤٥٦) وهذه الآثار تُقوّي جانب ابن لهيعة بأنه لم يختلط في هذا الحديث. ولكن قال الترمذي بعد تخريج الحديث: "هذا الحديث ليس إسناده بذاك القوي" فلعله يقصد به ابن لهيعة أو شيخه مشرح بن هاعان. وأما ابن لهيعة فقد قلنا: إن رواية ابن وهب وابن المقرئ وقتيبة بن سعيد عنه مستقيمة لأنهم سمعوا منه قبل الاختلاط، وأما شيخه مشرح بن هاعان فهو حسن الحديث وثّقه ابن معين وقال ابن عدي: لا بأس به. أو يقصد به الجزء الأخير من الحديث وهو قوله ﷺ : "فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما" لأن الثابت من الأحاديث الأخرى أن سجدة التلاوة غير واجبة، فيُحكم على هذا الجزء بأنه شاذ، أما تفضيل سورة الحج بالسجدتين فلا إشكال في ثبوته.

стр. 7210

١ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ قوله: ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ أي يوم القيامة، والأحاديث في أهوال يوم القيامة كثيرة، منها: • عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال: فذاك حين يشيب الصغير، ". ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: فاشتد ذلك عليهم. قالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الرجل، فقال: "أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل" قال: ثم قال: "والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة". فحمدنا الله، وكبرنا. ثم قال: "والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة". فحمدنا الله، وكبرنا، ثم قال: "والذي نفسي بيده، إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤١)، ومسلم في الإيمان (٢٢٢) كلاهما من طريق الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. قوله: "فذاك حين يشيب ... " معناه موافق لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [سورة المزمل: ١٧]. • عن أنس بن مالك قال: أنزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾: قال: نزلت على النبي ﷺ وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه، فقال: "أتدرون أي يوم هذا؟ يوم يقول الله لآدم: يا آدم قُمْ، فابعثْ بعثَ النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة"، قال: فكَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال النبي ﷺ : "سددوا وقاربوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، فإن معكم لخليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ومن هلك من كفرة الإنس والجن". صحيح: رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣١) - واللفظ له -، وعبد بن حميد (١١٨٥)،

стр. 7211

وصحّحه ابن حبان (٧٣٥٤)، والحاكم (١/ ٢٩، و ٤/ ٥٦٦) كلهم من طريق معمر، عن قتادة، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". • عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "تُحشَرون حفاة عراة غرلا". قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض. فقال: "الأمر أشد من أن يهمهم ذاك". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٢٧)، ومسلم في كتاب الجنة (٢٨٥٩) كلاهما من طريق حاتم بن أبي صغيرة، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: حدثني القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن عائشة قالت: فذكرت الحديث. ٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ يذكر الله تعالى الدليل على قدرته على المعاد فإن من خلق الإنسان من نطفة أمشاج وجعله سميعا بصيرا، قادرٌ على أن يبعثه يوم القيامة، وقد جاء في الحديث ذكر المراحل التي يمر بها خلق الإنسان فمنها: • عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "إن الله وكّل بالرّحم ملكا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة. فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ، فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه". متفق عليه: رواه البخاري في القدر (٦٥٩٥)، ومسلم في القدر (٢٦٤٦) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس فذكره. • عن عبد الله بن مسعود، حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح ... " الحديث.

стр. 7212

متفق عليه: رواه البخاري في القدر (٦٥٩٤)، ومسلم في كتاب القدر (٢٦٤٣) كلاهما من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: عبد الله، فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. وفي هذا المعنى أحاديث أخرى ذكرت في كتاب الإيمان. ٣ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ • عن ابن عباس قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: "كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٢) عن إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. • عن ابن عباس، قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي ﷺ ، فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا صالح، فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير (٥/ ٤٠٠) - والضياء في المختارة (١٠/ ١١٨ - ١١٩) كلاهما من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل أحمد بن عبد الرحمن، وعبد الله بن سعد، وأشعث بن إسحاق، وجعفر بن أبي المغيرة، فكلهم حسن الحديث. ٤ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أن الله يسجد له كل شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء له سبحانه يكون على وجه خاص به، علّمه الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ

стр. 7213

صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة النور: ٤١]. وقد جاء في الحديث الصحيح أن الشمس تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة لله . • عن أبي ذر: أن النبي ﷺ قال يوما: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرّ ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها". فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون متى ذاكم ذاك؟ حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا". متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣١٩٩)، ومسلم في الإيمان (٢٥٠: ١٥٩) كلاهما من طريق إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، فذكره. وهذا لفظ مسلم، وساقه البخاري مختصرا. وفي لفظ لمسلم: "فإنها تذهب، فتستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها". قال: ثم قرأ في قراءة عبد الله ﴿وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌ لَّهَا﴾ [سورة يس: ٣٨]. وهذه الآية من آيات السجدة، وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأُمِرتُ بالسجود، فأبيت، فَلي النارُ". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨١) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. ٥ - باب قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. • عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما: إن ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي

стр. 7214

رَبِّهِمْ﴾ إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٣)، ومسلم في التفسير (٣٠٣٣) كلاهما من طريق هشيم، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عُبَاد، قال: فذكره. واللفظ لمسلم. • عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة، أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة، والوليد بن عتبة. وفي رواية: قال علي: فينا نزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ ... ﴾. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦٥) عن محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا معتمر (وهو ابن سليمان)، قال: سمعت أبي (وهو سليمان التيمي) يقول: حدثنا أبو مجلز (وهو لاحق بن حميد) عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب فذكره. والرواية الثانية رواها البخاري (٣٩٦٧) من طريق يوسف بن يعقوب، عن سليمان التيمي به. قوله: "يجثو": بالجيم والمثلثة أي يقعد على ركبتيه مخاصما، والمراد بهذه الأولية تقييده بالمجاهدين من هذه الأمة؛ لأن المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في الإسلام. وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الحميم لَيُصبُّ على رؤوسهم، فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلتُ ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان". حسن: رواه الترمذي (٢٥٨٢)، وأحمد (٨٨٦٤)، والحاكم (٢/ ٣٨٧) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة، فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن حجيرة هو عبد الرحمن بن حجيرة المصري" اهـ. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في أبي السمح، وهو دراج بن سمعان، وهو حسن الحديث في غير أبي الهيثم. وهذا من حديثه عن غير أبي الهيثم.

стр. 7215

٦ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)﴾ قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي يسورون في أيديهم رجالهم ونسائهم أساور الذهب واللؤلؤ، وقد جاء في الحديث: • عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمدّ يده حتى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فَرُّوخ! أنتم ها هنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥٠) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا خلف، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، فذكره. وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي: لباس أهل الجحة يكون من الحرير، من الإستبراق والسندس ونحوها. كما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [سورة الإنسان: ٢١] وهذا للمؤمنين في الآخرة، وليس لهم أن يلبسوه في الدنيا، وأما الكفار فيلبسون الحرير والديباج في الدنيا، فيحرمون في الآخرة. • عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي. فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة". متفق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (٥٤٢٦)، ومسلم في اللباس (٢٠٦٧) كلاهما من طريق مجاهد، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ إسناد قبله. ٧ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ • عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه".
следующие страницы →