Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.
стр. 7211
وصحّحه ابن حبان (٧٣٥٤)، والحاكم (١/ ٢٩، و ٤/ ٥٦٦) كلهم من طريق معمر، عن قتادة، عن أنس فذكره.
وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
• عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "تُحشَرون حفاة عراة غرلا". قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض. فقال: "الأمر أشد من أن يهمهم ذاك".
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٢٧)، ومسلم في كتاب الجنة (٢٨٥٩) كلاهما من طريق حاتم بن أبي صغيرة، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: حدثني القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن عائشة قالت: فذكرت الحديث.
٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾
يذكر الله تعالى الدليل على قدرته على المعاد فإن من خلق الإنسان من نطفة أمشاج وجعله سميعا بصيرا، قادرٌ على أن يبعثه يوم القيامة، وقد جاء في الحديث ذكر المراحل التي يمر بها خلق الإنسان فمنها:
• عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "إن الله وكّل بالرّحم ملكا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة. فإذا أراد أن يقضي خلقه قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ، فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه".
متفق عليه: رواه البخاري في القدر (٦٥٩٥)، ومسلم في القدر (٢٦٤٦) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس فذكره.
• عن عبد الله بن مسعود، حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، قال: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح ... " الحديث.
стр. 7212
متفق عليه: رواه البخاري في القدر (٦٥٩٤)، ومسلم في كتاب القدر (٢٦٤٣) كلاهما من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: عبد الله، فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
وفي هذا المعنى أحاديث أخرى ذكرت في كتاب الإيمان.
٣ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾
• عن ابن عباس قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: "كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء".
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٢) عن إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره.
• عن ابن عباس، قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي ﷺ ، فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا صالح، فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله.
حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير (٥/ ٤٠٠) - والضياء في المختارة (١٠/ ١١٨ - ١١٩) كلاهما من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أحمد بن عبد الرحمن، وعبد الله بن سعد، وأشعث بن إسحاق، وجعفر بن أبي المغيرة، فكلهم حسن الحديث.
٤ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أن الله يسجد له كل شيء طوعا وكرها، وسجود كل شيء له سبحانه يكون على وجه خاص به، علّمه الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ
стр. 7213
صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة النور: ٤١].
وقد جاء في الحديث الصحيح أن الشمس تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة لله .
• عن أبي ذر: أن النبي ﷺ قال يوما: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرّ ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها". فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون متى ذاكم ذاك؟ حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣١٩٩)، ومسلم في الإيمان (٢٥٠: ١٥٩) كلاهما من طريق إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، فذكره. وهذا لفظ مسلم، وساقه البخاري مختصرا.
وفي لفظ لمسلم: "فإنها تذهب، فتستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها". قال: ثم قرأ في قراءة عبد الله ﴿وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌ لَّهَا﴾ [سورة يس: ٣٨].
وهذه الآية من آيات السجدة، وقد جاء في الصحيح:
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأُمِرتُ بالسجود، فأبيت، فَلي النارُ".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨١) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
٥ - باب قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾
وقوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾.
• عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما: إن ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي
стр. 7214
رَبِّهِمْ﴾ إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٣)، ومسلم في التفسير (٣٠٣٣) كلاهما من طريق هشيم، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عُبَاد، قال: فذكره. واللفظ لمسلم.
• عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة، أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة، والوليد بن عتبة.
وفي رواية: قال علي: فينا نزلت هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ ... ﴾.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٦٥) عن محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا معتمر (وهو ابن سليمان)، قال: سمعت أبي (وهو سليمان التيمي) يقول: حدثنا أبو مجلز (وهو لاحق بن حميد) عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب فذكره.
والرواية الثانية رواها البخاري (٣٩٦٧) من طريق يوسف بن يعقوب، عن سليمان التيمي به.
قوله: "يجثو": بالجيم والمثلثة أي يقعد على ركبتيه مخاصما، والمراد بهذه الأولية تقييده بالمجاهدين من هذه الأمة؛ لأن المبارزة المذكورة أول مبارزة وقعت في الإسلام.
وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الحميم لَيُصبُّ على رؤوسهم، فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلتُ ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان".
حسن: رواه الترمذي (٢٥٨٢)، وأحمد (٨٨٦٤)، والحاكم (٢/ ٣٨٧) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن حجيرة هو عبد الرحمن بن حجيرة المصري" اهـ. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في أبي السمح، وهو دراج بن سمعان، وهو حسن الحديث في غير أبي الهيثم.
وهذا من حديثه عن غير أبي الهيثم.
стр. 7215
٦ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)﴾
قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي يسورون في أيديهم رجالهم ونسائهم أساور الذهب واللؤلؤ، وقد جاء في الحديث:
• عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة، وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمدّ يده حتى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فَرُّوخ! أنتم ها هنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥٠) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا خلف، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، فذكره.
وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ أي: لباس أهل الجحة يكون من الحرير، من الإستبراق والسندس ونحوها. كما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [سورة الإنسان: ٢١] وهذا للمؤمنين في الآخرة، وليس لهم أن يلبسوه في الدنيا، وأما الكفار فيلبسون الحرير والديباج في الدنيا، فيحرمون في الآخرة.
• عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي. فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة".
متفق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (٥٤٢٦)، ومسلم في اللباس (٢٠٦٧) كلاهما من طريق مجاهد، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ إسناد قبله.
٧ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾
• عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه".
стр. 7216
صحيح: رواه البخاري في الديات (٦٨٨٢) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وروي عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال: "لو أن رجلا همَّ فيه بإلحاد، وهو بعدن أبين، لأذاقه الله عذابا أليما". روي مرفوعا وموقوفا.
فأما المرفوع فرواه أحمد (٤٠٧١)، والبزار - كشف الأستار (٢٢٣٦)، وأبو يعلى (٥٣٨٤)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٣٨٨) كلهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شعبة، عن السدي، أنه سمع عبد الله، فذكره.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وكان شعبة يقول: "ورفعه - يعني شيخه - ولا أرفعه لك".
فكان شعبة يرويه عن شيخه السدي مرفوعا، ولكنه كان يرى الوقف، ولذا إذا حدّث لم يرفعه.
وكذا رواه أيضا سفيان الثوري، عن السدي - وهو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة - به موقوفا. ذكره الدارقطني في علله (٥/ ٢٦٩).
ورواه أيضا سفيان، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفا. رواه الحاكم (٢/ ٣٨٧).
فاتفق شعبة وسفيان على وقفه، وإن كان شعبة يروي عن شيخه مرفوعا، وأما هو فكان يرفعه.
ولذا رجّح الحافظ ابن كثير وغيره أن الوقف أصح.
وروي نحوه أيضا عن الضحاك بن مزاحم في قوله: قال: إن الرجل ليهُمُّ بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها فتكتب عليه. رواه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٥٠ ٨ - ٥٠٩).
٨ - باب قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾
قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أي: أرشدناه إليه، وأسكناه عنده.
• عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق
стр. 7217
إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ حتى بلغ ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٧] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فذلك سعي الناس بينهما" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صَهٍ - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا" قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء لعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا - أو جريين - فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا قال: وأم إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس" فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبَّ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم
стр. 7218
فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيِّرْ عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا، - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٤) عن عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة يزيد أحدهما على
стр. 7219
الآخر، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس فذكره.
• عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أوّل؟ قال: "المسجد الحرام" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة. ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ، فصلّه، فإن الفضل فيه".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٦٦)، ومسلم في المساجد (٥٢٠) كلاهما من حديث عبد الواحد، عن الأعمش، حدثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: سمعت أبا ذر، فذكره.
انظر شرح الحديث في تفسير سورة الإسراء.
٩ - باب قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾
قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي ماشيا وراكبا من أنحاء المعمورة، وقد حجّ النبي ﷺ من المدينة راكبا، وحج معه أناس ماشين.
• عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يُهِلُّ حتى تستوي به قائمة.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٥١٤)، ومسلم في الحج (٢٩: ١١٨٧) كلاهما من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله أخبره، أن عبد الله بن عمر، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن جابر بن عبد الله قال في حديث طويل عن حجة النبي ﷺ وفيه: فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك ... " الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره بطوله.
١٠ - باب قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾
وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ الأيام المعلومات أيام العشر من ذي الحجة. قاله ابن عباس وغيره.
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما العمل في أيام العشر أفضل من
стр. 7220
العمل في هذه" قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء".
صحيح: رواه البخاري في العيدين (٩٦٩) عن محمد بن عرعرة، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام أعظم عند الله، ولا العمل فيهن أحبّ إلى الله من هذه الأيام، فأكثروا فيها من التهليل والتحميد". يعني أيام العشر.
صحيح: رواه أبو عوانة في "مسنده" (٣٠٢٤) عن أبي يحيى عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة، حدثنا عبد الحميد بن غزوان البصري، حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده صحيح، وموسى بن أبي عائشة ثقة من رجال الجماعة.
ورواه أحمد (٥٤٤٦)، وعبد بن حميد (٨٠٧) كلاهما من حديث أبي عوانة، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد به مثله.
ويزيد بن أبي زياد هو الهاشمي مولاهم ضعيف، ولكنه توبع في الإسناد الأول.
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أي: كلوا من الهدي والأضاحي، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة، فطبخت، فأكل من لحمها، وشرب من مرقها.
• عن جابر بن عبد الله، قال: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا، فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طريق حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، عن أبيه، عن جابر، فذكره في الحديث الطويل في صفة حجة النبي ﷺ .
• عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة أيام، ثم قال بعدُ: "كلوا، وتصدقوا، وتزودوا، وادخروا".
صحيح: رواه مالك في الضحايا (١٠٤٦) عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
ورواه مسلم في الأضاحي (١٩٧٢) من طريق مالك به، ولم يذكر قوله: "وتصدقوا".
• عن علي قال: بعثني النبي ﷺ ، فقمت على البدن، فأمرني، فقسمت لحومها، ثم أمرني، فقسمت جلالها وجلودها.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٧١٦)، ومسلم في الحج (١٣١٧) كلاهما من طريق ابن
стр. 7221
أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، فذكره. واللفظ للبخاري. ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد.
وقوله: أي: الفقير الذي لا شيء له، والبؤس شدة الفقر.
١١ - باب قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾
قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ والمراد منه: طواف الإفاضة.
• عن عائشة، أنّها قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنّ صفيّة بنت حُييّ قد حاضت؟ قال رسول الله ﷺ : "لعلّها تحبسُنا، ألم تكن طافتْ معكنَّ؟ " فقالوا: بلى، قال: "فاخرجي".
متفق عليه: رواه مالك في الحج (٢٢٦) عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، به، فذكرته.
ورواه البخاريّ في الحيض (٣٢٨) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك به مثله.
ورواه البخاريّ في الحجّ أيضًا (١٥٦١)، ومسلم في الحج (١٢١١: ١٢٨) من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، به، مطوّلًا.
• عن ابن عباس قال: الحجر من البيت؛ لأن رسول الله ﷺ طاف بالبيت من ورائه، وقال الله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
حسن: رواه ابن خزيمة (٢٧٤٠)، والحاكم (١/ ٤٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٩٠) كلهم من طريق سفيان، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام بن حجير؛ فإنه حسن الحديث.
وقد روي عن الزهري، عن النبي ﷺ قال: "إنما سُمِّي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار".
رواه الترمذي (٢١٣٧٠) عن قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن عُقيل، عن الزهري، عن النبي ﷺ . وهذا الإسناد رجاله ثقات، ولكنه مرسل.
وكذلك رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٣١) من وجه آخر عن الزهري، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: فذكر نحوه.
وقد روي مرفوعا. فقد رواه الترمذي (١٣٧٠)، والبزار في مسنده (٢٢١٥)، والحاكم (٢/ ٣٨٩) كلهم من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، مرفوعا نحوه.
وفيه عبد الله بن صالح، وهو كثير الغلط، وهذا مما أخطأ فيه.
стр. 7222
ورواه معمر عن الزهري به موقوفا على عبد الله بن الزبير، وهو الذي رجحه أبو حاتم. (العلل لابن أبي حاتم (٨ ١٠).
١٢ - باب قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾
• عن أبي بكرة قال: قال النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ". ثلاثا. قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين". وجلس، وكان متكئا، فقال: "ألا وقول الزور". قال: فما زال يكرّرها حتى قلنا: ليته سكت.
متفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٥٤)، ومسلم في الإيمان (٨٧) كلاهما من طريق سعيد الجريري، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، فذكره.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه".
صحيح: رواه البخاري في الأدب (٦٠٥٧) عن أحمد بن يونس، حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
١٣ - باب قوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾
• عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فذكر حديثا طويلا، وجاء فيه عن روح الكافر أن الملائكة "يصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له"، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٤٠] فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا". ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فتُعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ ... " الحديث.
حسن: رواه أبو داود (٤٧٥٣)، والإمام أحمد (١٨٥٣٤) واللفظ له، وهناد بن السري في
стр. 7223
"الزهد" (٣٣٩)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٣٩) كلهم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل المنهال بن عمرو؛ فإنه حسن الحديث.
والأحاديث الواردة في النهي عن الشرك كثيرة وهي مذكورة في كتاب الإيمان.
١٤ - باب قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾
قوله: ﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ هي أعلام الدين الظاهرة التي تعبد الله الخلق بها، ومنها مناسك الحج والعمرة، فكل ما يتعلق بها من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وسوق الهدي وغيرها من الأعمال والأحكام الواردة في الكتاب والسنة، من الإحرام إلى الإحلال، هذه كلها من الشعائر التي أمر الله بتعظيمها.
١٥ - باب قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾
قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: لكم في البدن منافع من اللبن والركوب وغيرها، فقد جاء في الصحيح.
• عن أنس: أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: "اركبها". قال: إنها بدنة. قال: "اركبها". قال: إنها بدنة. قال: "اركبها" ثلاثا.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٦٩٠) عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام وشعبة، قالا: حدثنا قتادة، عن أنس، فذكره.
ورواه مسلم في الحج (٣٧٣: ١٣٢٣) من وجه آخر عن أنس نحوه.
• عن أبي الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله سُئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٢٤) عن محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، فذكره.
وقوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى وقت مقدر وهو وصولها إلى مكة ونحرها في منى وغيرها من فجاج مكة.
١٦ - باب قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾
قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ أي كل أمة مؤمنة لهم منسك واحد فقط وهو ما ذكر في هذه السورة يعني الحج إلى بيت الله العتيق.
стр. 7224
والمقصود من هذه الآية الكريمة الرد على المشركين الذين جعلوا لكل معبودهم مناسك، فيخرّون مرة للعزى، وأخرى للات، وثالثة لمعبود آخر إلى ما لا نهاية له.
فالتنكير في قوله تعالى: ﴿مَنْسَكًا﴾ للإفراد أي واحدا لا متعددا؛ لأن الله تعالى قال بعده: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ يبين هذا المعنى بأن يكون هذا المنسك لله فقط.
• عن أنس قال: ضحّى النبي ﷺ بكبشين أملحين، فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر، فذبحهما بيده.
متفق عليه: رواه البخاري في الأضاحي (٥٥٥٨)، ومسلم في الأضاحي (١٨: ١٩٦٦) كلاهما من طريق شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
١٧ - باب قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾
قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ الصواف: من الصف وهو أن تجعل الشيء على خط مستو، فتكون البدن مصطفة مربوطة القوائم ليسهل نحرها، وقد ثبت أن النبي ﷺ نحر بيده ثلاثا وستين بدنة، جعل يطعنها بحربة في يده، ثم أعطى الحربة عليّا فنحر ما غبر، وكانت مائة بدنة، وهذا يقتضي أن تكون مصفوفة متقاربة.
• عن أنس قال: صلى رسول الله ﷺ ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء ... وفيه: ونحر النبي ﷺ بدنات بيده قياما.
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٥٥١) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره.
ورواه مسلم (٦٩٠) من وجه آخر عن أيوب بإسناده مختصرا، ولم يذكر فيه نحر النبي ﷺ .
• عن زياد بن جبير: أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة، فقال: ابعثها قياما مقيدة، سنة نبيكم ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في الحج (١٧١٣)، ومسلم في الحج (١٣٢٠) كلاهما من طريق يونس (وهو ابن عبيد العبدي)، عن زياد بن جبير فذكره.
• عن جابر: أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها.
стр. 7225
حسن: رواه أبو داود (١٧٦٧) عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، وقال (أي ابن جريج): وأخبرني عبد الرحمن بن سابط، فذكره.
وابن جريج وأبو الزبير مدلسان، ولو وقفنا على تصريح ابن جريج لقلنا إنه على شرط مسلم.
وقول ابن جريج: "وأخبرني عبد الرحمن بن سابط" مرسل صحيح؛ لأن ابن سابط من ثقات التابعين، وهو يقوي المسند.
وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أي: سقطت على الأرض، وهو كناية عن مفارقة الروح، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها، وأما إذا كانت الحياة فيها موجودة، فلا يجوز قطع شيء منها ولا أكلها، لما جاء في الحديث:
• عن أبي واقد الليثي قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يجبون أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، قال: "ما قُطِع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة".
حسن: رواه أبو داود (٢٨٥٨)، والترمذي (١٤٨٠) واللفظ له، وأحمد (٢١٩٠٣)، وابن الجارود (٨٧٦)، والحاكم (٤/ ٢٣٩) كلهم من طرق عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي، فذكره.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زيد بن أسلم" اهـ. والكلام عليه مبسوط في كتاب الأطعمة.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.
وقوله: ﴿الْقَانِعَ﴾ من قَنَعَ - بفتح النون - يَقْنَع قُنُوعا إذا سأل بتذلّل.
ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَنَاعة وقُنْعانا إذا رَضِيَ، وأنشد البعض:
العبد حر إنْ قنِعَ ... والحر عبد إنْ قَنَعَ
فاقْنَعْ ولا تَقْنَعْ فما ... شيء يشِينُ سوى الطمعِ
والتفسير الأول أحسن لأنه عُطِفَ عليه ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ وهو اسم فاعل من اعتر - إذا تعرض للعطاء دون السؤال، بل بالتعريض وهو يحضر موضع العطاء إلا أنه لا يسأل بلسانه وسبق في الآية رقم (٢٨)) ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
والأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. للوجوب، وهو الظاهر من فعل النبي ﷺ عندما ضحّى في منى مائة بدنة أكل منها وأمر أصحابه أن يأكلوا. وبه قال الشافعي.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه مستحب ولكنهم كرهوا أن يأكل كله ولا يتصدق منه شيء.
وأما تقسيم لحوم الأضاحي إلى ثلاثة أقسام: قسم يأكله المضحي وأهله، وقسم يهدي إلى أقاربه وأصدقائه، وقسم يوزع بين الفقراء والمساكين. فقد قال به بعض أهل العلم.
стр. 7226
وكان ابن عمر يقول: الضحايا والهدايا ثلث لأهلك، وثلث لك، وثلث للمساكين. رواه ابن حزم في المحلى (٧/ ٢٧٠ - ٢٧١).
وفي إسناده عبد العزيز بن أبي روّاد تكلم في حفظه غير أنه حسن الحديث.
وكذلك روي عن ابن مسعود أنه قال: لعلقمة: إذا بلغت محلها أن تصدق ثلثا، وتأكل ثلثا، وتبعث إلى ابن أخيه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثلثا.
رواه الطبراني في الكبير (٩/ ٣٤٢)، وابن حزم في المحلى (٧/ ٢٧٠)، والبيهقي (٥/ ٢٤٠).
وإسناده صحيح.
وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي ﷺ : "كلوا، وأطعموا، وادخروا". وعند البيهقي (٩/ ٢٩٧): "أن تقسموا في الناس".
والراجح فيه أن الأمر واسع كلما كثر التصدق فهو أفضل. انظر كتاب الأضاحي.
١٨ - باب قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾
فيه ردّ على ما يفعله المشركون أنهم إذا ذبحوا أو نحروا لطخوا الكعبة بدمائها قربةً إلى الله تعالى، وكذلك يشرحون لحوم الهدايا وينصبونها حول الكعبة فنفى الله ذلك وقال: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وجاء في الصحيح:
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٣٤: ٢٥٦٤) عن عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة فذكره.
١٩ - باب قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾
• عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكُنَّ، فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، فعرفت أنه سيكون قتال. قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال.
صحيح: رواه النسائي (٣٠٨٥) - واللفظ له -، والترمذي (٣١٧١)، وأحمد (١٨٦٥)،
стр. 7227
وصحّحه ابن حبان (٤٧١٠) كلهم من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، وقد رواه غير واحد، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير مرسلا، وليس فيه: عن ابن عباس". اهـ
قلت: أما سفيان فاختلف عليه، كما أشار إليه الترمذي، لكن رواه شعبة، عن الأعمش به موصولا أيضا، كما عند الحاكم (٣/ ٧ - ٨)، ولم يختلف على شعبة، وهو من أهل التحري والاحتياط، فالإسناد صحيح.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
• عن الزهري قال: فكان أول آية نزلت في القتال، كما أخبرني عروة، عن عائشة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ثم أذن بالقتال في آي كثير من القرآن.
صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١٢٨٣) عن زكريا بن يحيى، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، حدثنا سلمويه أبو صالح، أخبرنا عبد الله، عن يونس، عن الزهري، فذكره.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٢٨٠): "إسناده صحيح".
وعبد الله هو ابن المبارك، والراوي عنه سلمويه هو سليمان بن صالح الليثي، وسلمويه لقبه من رجال الصحيح.
٢٠ - باب قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾
أي: ما أرسل الله قبل النبي ﷺ من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله، وقرأ أو حدّث وتكلم ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه أو في حديثه الذي حدّث وتكلم، فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك ويزيله ويبطله، ويحكم آياته ويحفظها فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان.
وهذه من خصوصيات الأنبياء والمرسلين، فإن الشيطان لا ينجح في كيده لهم بالإلقاء فيما يتلون ويحدثون بخلاف غيرهم.
وأما ما ذكره كثير من المفسرين وغيرهم من قصة الغرانيق فهي غير صحيحة.
٢١ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾
стр. 7228
أي: أن علم الله محيط بكل ما في السموات والأرض، وأن ذلك كله مكتوب في كتاب عنده، كما جاء في الحديث:
• عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: رب وماذا أكتب؟ . قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة".
حسن: رواه أبو داود (٤٧٠٠) عن جعفر بن مسافر الهذلي، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا الوليد بن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة قال: قال: عبادة بن الصامت لابنه، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل الكلام في جعفر بن مسافر شيخ أبي داود غير أنه حسن الحديث.
والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان، مع ذكر أحاديث أخرى في معناه.
٢٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾
أي: لو اجتمع جميع ما تعبدونه من دون الله لن يقدروا أن يخلقوا ذبابا واحدا، بل لن يستطيعوا أن يخلقوا ذرة، كما جاء في الصحيح:
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي؟ فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة".
متفق عليه: رواه البخاري في اللباس (٥٩٥٣)، ومسلم في اللباس (٢١١١) - واللفظ له - كلاهما من طريق عمارة، حدثنا أبو زرعة، قال: دخلت مع أبي هريرة في دار مروان، فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره.
٢٣ - باب قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي أن الله لم يكلف ما لا يطاق، بل جعل هذا الدين سهلا، خاليا من العسر والحرج والضيق والشدة.
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يومئذ: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة".
стр. 7229
حسن: رواه أحمد (٢٤٨٥٥) عن سليمان بن داود، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال لي عروة، إن عائشة، قالت: فذكرته.
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن وهو ابن أبي الزناد، فإنه حسن الحديث.
وفي معناه ما روي عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيّ الأديان أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة".
رواه أحمد (٢١٠٧)، وعبد بن حميد (٥٦٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٨٧) كلهم من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد رواه بالعنعنة.
• عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "يسروا، ولا تعسّروا، وبشّروا، ولا تنفّروا".
متفق عليه: رواه البخاري في العلم (٦٩)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٣٤) كلاهما من طريق شعبة قال: حدثني أبو التياح، عن أنس، فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: "بشّروا، ولا تنفّروا، ويسّروا، ولا تعسّروا".
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٣٢) من طرق عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: فذكره.
• عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ بعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن، قال: "يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا".
متفق عليه. رواه البخاري في الجهاد والسير (٣٠٣٨)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٣٣) كلاهما من طريق وكيع، عن شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، فذكره.
وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾.
• عن زيد بن سلّام حدثه، أن الحارث الأشعري حدّثه: أن النبي ﷺ قال في حديث طويل: "وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يُراجع، ومن ادّعى دعوى الجاهلية، فإنه من جُثا جهنم". فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلى وصام؟ قال: "وإن صلى وصام، فادْعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله".
صحيح: رواه الترمذي (٢٨٦٣)، وأحمد (١٧١٧٠)، وصحّحه ابن خزيمة (١٨٩٥)، وابن
стр. 7230
حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ٤٢١) كلهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، أن أبا سلّام، حدّثه، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب. قال محمد بن إسماعيل (البخاري): "الحارث الأشعري له صحبة، وله غير هذا الحديث".
وقال أيضا: "هذا حديث حسن غريب. وأبو سلّام: اسمه ممطور، وقد رواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
• * *
стр. 7231
٢٣ - تفسير سورة المؤمنون وهي مكية، عدد آياتها ١١٨
كان النبي ﷺ يقرأ سورة المؤمنون في صلاة الصبح.
• عن عبد الله بن السائب قال: صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون - أو ذكر عيسى - محمد بن عباد يشك أو اختلفوا عليه - أخذت النبي ﷺ سَعْلَةٌ، فركع.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٥) من طرق عن عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب العابدي، عن عبد الله بن السائب فذكره.
١ - باب قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الخشوع هو الخضوع لله ويكون ذلك في حالة الصلاة وفي غيرها لأن محله القلب، وخصت الصلاة بالذكر لأن الشيطان يحاول يوسوس غالبا في الصلاة.
• عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين! كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خلق رسول الله القرآن، فقرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ - حتى انتهت - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ .
حسن: رواه النسائي في الكبرى (١١٢٨٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٠٨) كلاهما من طريق جعفر (هو ابن سليمان الضبعي)، عن أبي عمران، حدثنا يزيد بن بابنوس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل جعفر بن سليمان الضبعي، ويزيد بن بابنوس، فإنهما حسنا الحديث.
وقوله: ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: يواظبون على أدائها في مواقيتها، فإن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: ١٠٣]، والصلاة على وقتها من أحب
стр. 7232
الأعمال إلى الله ، كما جاء في الصحيح:
• عن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ العمل أحب إلى الله؟ . قال: "الصلاة على وقتها". قال: ثم أيُّ؟ قال: "ثمّ برّ الوالدين". قال: ثمّ أيّ؟ . قال: "الجهاد في سبيل الله".
متفق عليه: رواه البخاري في المواقيت (٥٢٧) واللفظ له، ومسلم في الإيمان (٨٥) كلاهما من حديث شعبة، عن الوليد بن العَيزَار، أنه سمع أبا عمرو الشيباني، يقول: حدثنا صاحب هذه الدار، وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود، فذكره.
٢ - باب قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾
أي: الموصوفون بالصفات المذكورة هم الذين يدخلون الجنة، ويرثونها.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات، فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾.
صحيح: رواه ابن ماجه (٤٣٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان ٣٧٣)، وابن أبي حاتم، كما ذكر ابن كثير في تفسيره (٥/ ٤٦٤) كلهم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: ﴿الْفِرْدَوْسَ﴾ هو أعلى الجنة وأوسطها وأفضلها، كما في الصحيح:
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يُدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي وُلِد فيها". فقالوا: يا رسول الله! أفلا نبشر الناس؟ . قال: "إنّ في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة".
صحيح: رواه البخاري في الجهاد (٢٧٩٠) عن يحيى بن صالح، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾
стр. 7233
• عن ابن عباس قال في حديث طويل: واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر في الأسارى، فقال أبو بكر: يا رسول الله استحي قومك، وخذ منهم الفداء، فاستعن به، وقال عمر بن الخطاب: اقتلهم. فقال: "لو اجتمعتما ما عصيناكما، فأخذ رسول الله ﷺ بقول أبي بكر، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٦٧]. قال: ثم نزلت ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى آخر الآيات فقال عمر: تبارك الله أحسن الخالقين فأنزلت ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٤٣٨ - ٤٣٩)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٨٨)، والمقدسي في المختارة (١٠/ ١٦٠ - ١٦٢) كلهم من حديث بشر بن السري، ثنا رباح بن أبي معروف المكي، عن سالم بن عجلان الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل رباح بن أبي معروف المكي؛ فإنه حسن الحديث.
والحديث بطوله مذكور في الآية الرابعة والثمانين (٨٤) من سورة التوبة.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أي: أبو الإنسان - وهو آدم ﵇ خُلق من الطين، وقد جاء في الحديث:
• عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله آدم من أديم الأرض كلها، فخرجت ذريته على حسب ذلك. منهم الأبيض والأسود والأسمر والأحمر، ومنهم بين ذلك، ومنهم السهل والحزن والخبيث والطيب".
صحيح: رواه أبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣) كلهم من طرق عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى فذكره.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب".
حسن: رواه الترمذي (٣٩٥٥)، وأحمد (١٠٧٨١) كلاهما من طريق أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام بن سعد المدني، وهو أبو عباد، ويقال: أبو سعيد القرشي مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".
стр. 7234
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾.
• عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، قال: "إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٨)، ومسلم في القدر (٢٦٤٣) كلاهما من طرق عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "بين النفختين أربعون". قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوما. قال: أبيت. قال: أربعون سنة. قال: أبيت. قال: أربعون شهرا. قال: أبيت، "ويبلي كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، فيه يركب الخلق".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨١٤)، ومسلم في الفتن (٢٩٥٥) كلاهما من حديث الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، قال: سمعت أبا هريرة، فذكر الحديث. واللفظ للبخاري.
وزاد مسلم في أول الحديث: "ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلي إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب".
وفي رواية عنده: "إن في الإنسان عظما لا تأكله الأرض أبدا، فيه يركب يوم القيامة". قالوا: أي عظم هو؟ يا رسول الله! . قال: "عجب الذنب".
وقوله: "العجب" بالسكون، وهو العظم الذي في أسفل الصّلب عند العَجُز.
٥ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾
وقوله: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ أي: سبع سماوات، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [سورة نوح: ١٥].
٦ - باب قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾
قوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ﴾ أي: شجرة الزيتون، فإنها شجرة مباركة، يؤكل زيته، ويدّهن به، وقد جاء في الحديث:
стр. 7235
• عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كلوا الزيت، وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة". وفي لفظ: "ائتدموا بالزيت".
حسن: رواه الترمذي (١٨٥١)، وابن ماجه (٣٣١٩)، والحاكم (٤/ ١٢٢)، والضياء المقدسي في المختارة (٨٢، ٨٣) كلهم من طرق عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، فذكره.
واللفظ للترمذي، واللفظ الآخر لابن ماجه والحاكم.
والمحفوظ من رواية عبد الرزاق الإرسال، ولكنه جاء من وجه آخر موصولا عند الطحاوي في المشكل (٤٤٤٨).
وفي إسناده ضعف، وبه يرتقي الحديث إلى درجة الحسن، والكلام عليه مبسوط في كتاب الأطعمة.
٧ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٢] ثم ذكر: "الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٥) عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فضيل بن مرزوق، حدثني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
٨ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾
• عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان بن حرب إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد! أنشدك الله والرحم، قد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم - فأنزل الله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾.
حسن: رواه النسائي في الكبرى (١١٢٨٩)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١٧/ ٩٣)، وابن حبان (٩٦٧)، والحاكم (٢/ ٣٩٤) كلهم من طريق الحسين بن واقد، قال: حدثني يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناد حسن من أجل الحسين بن واقد؛ فإنه حسن الحديث.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
стр. 7236
٩ - باب قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ أراه: "قال الله تعالى: يشتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني، وما ينبغي له، أما شتمه فقوله: إنّ لي ولدا، وأما تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني".
وفي رواية: "ليس أول الخلق بأهون علي من إعادته".
صحيح: رواه البخاري في بدء الخلق (٣١٩٣) عن عبد الله بن أبي شيبة، عن أبي أحمد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
والرواية الثانية عنده (٤٩٧٤) من طريق شعيب، عن أبي الزناد به.
١٠ - باب قوله: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾
أي: إن عاقبتهم بما تعدهم من العذاب، وإني شاهد ذلك، فلا تجعلني فيهم، وهذا كما جاء في الحديث الدعاء بالوفاة قبل الفتنة:
• عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ في حديث طويل: "اللهم! إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبّك وحبّ من يحبّك، وحبّ عمل يقرّب إلى حبّك".
حسن: رواه الترمذي (٣٢٣٥) واللفظ له، وأحمد (٢٢١٠٩)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٤١) كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، أنه حدثّه عن مالك بن يخامر السكسكي، عن معاذ بن جبل، فذكره.
والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان.
١١ - باب قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾
• عن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم". قال: أقَط. قلت: نعم. قال: "فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم".
стр. 7237
حسن: رواه أبو داود (٤٦٦) عن إسماعيل بن بشر بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شُريح، قال: لقيت عقبة بن مسلم، فقلت له: بلغني أنك تحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد يقول: فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن بشر؛ فإنه حسن الحديث.
وقال النووي في "الخلاصة" (٩١٦): "وإسناده جيد".
• عن أبي اليسر: أن رسول الله ﷺ كان يدعو: "اللهم! إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردي، وأعوذ بك من الغرق والحرق والهرم، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا".
حسن: رواه أبو داود (١٥٥٢ - ١٥٥٣)، والنسائي (٥٥٣١ - ٥٥٣٢)، وأحمد (١٥٥٢٣) كلهم من طرق عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن صيفي مولى أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي اليسر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل صيفي - وهو ابن زياد الأنصاري -، فإنه حسن الحديث.
والكلام عليه مبسوط في كتاب الأدعية والأذكار.
١٢ - باب قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾
قوله: أي: لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتفاخرون في الدنيا، ولا يتساءلون سوال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا، من أنت ومن أيّ قبيلة أنت؟ ولم يرد أن الأسباب تنقطع. قاله البغوي.
فالأنساب لا تنتهي يوم القيامة، بل كل يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم. ولكنها لا تنفع في ذلك اليوم العظيم.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٤] "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله ﷺ ! لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ! سليني من مالي بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا".
متفق عليه: رواه البخارقي في الوصايا (٢٧٥٣)، ومسلم في الإيمان (٢٠٦) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٤]، دعا رسول الله ﷺ قريشا، فاجتمعوا، فعمّ وخصّ، فقال: "يا بني كعب
стр. 7238
ابن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلّها ببلالها".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٤) من طرق عن جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، فذكره.
سأبلّها ببلالها: بكسر الباء وفتحها، والبلل جمع بلال، وهو كل ما بلّ الحلق من ماء، أو لبن أو غيره، ومعنى الحديث: أي أصلكم في الدنيا، ولا أغني عنكم من الله شيئا. قاله السيوطي.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ... ومن بطّأ به عملُه لم يُسرع به نسبه".
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩٩) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
وأما ما روي عن النبي ﷺ : "إن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي". وفي رواية: "إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة".
فكلها معلولة سندا، ومنكرة متنا لمخالفتها للكتاب والسنة الصيحة.
وقال الشوكاني بعد أن ذكر الحديث مع قصة رجل، فقال: "في هذا المتن نكارة، لا تخفى على من له ممارسة لكلامه ﷺ ". الفوائد المجموعة (٣٢١).
وإن صحّ الحديث فيكون معناه: لا يبقى يوم القيامة سبب ولا نسب إلا نسبه وسببه، وهو الإيمان والقرآن والعمل الصالح.
١٣ - باب قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾
• عن حنش بن عبد الله، أنّ رجلا مصابا مرّ به على ابن مسعود، فقرأ في أذنه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ حتى ختم السورة، فبرأ. فقال رسول الله ﷺ : "بماذا قرات في أذنه؟ ". فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسى بيده! لو أنّ رجلا موقنا قرأها على جبل لزال".
стр. 7239
حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥١٣) عن بحر بن نصر الخولاني، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن حنش بن عبد الله، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة؛ فإن الراوي عنه عبد الله بن وهب. وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه.
تنبيه: لقد وقع في مطبوعة تفسير ابن أبي حاتم، وتفسير ابن كثير "يحيى بن نصر الخولاني" والصواب أنه "بحر بن نصر الخولاني". فإنه شيخ ابن أبي حاتم، وشيخه ابن وهب.
• عن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: وجهنا رسول الله ﷺ في سرية، فأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ فقرأناها، فغنمنا، وسلمنا.
حسن: رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٧٢٨) عن أبي أحمد الغطريفي، ثنا زكريا الساجي، ثنا يزيد بن يوسف بن عمرو، ثنا خالد بن نزار، ثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل خالد بن نزار، فإنه حسن الحديث.
وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي: "إسناده لا بأس به".
• * *
стр. 7240
٢٤ - تفسير سورة النور وهي مدنية، وعدد آياتها ٦٤
١ - باب قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾
هذا الحكم في الزاني والزانية البكرين، وأما الثيب فقد دلت السنة على أن حده الرجم كما جاء في الصحيح:
• عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر - وهو أفقههما -: أجل، يا رسول الله! فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي في أن أتكلم، قال: "تكلّم"، فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي. ثم إني سألت أهل العلم، فأخبروني: أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأخبروني إنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ : "أما والذي نفسي بيده، لأقضينّ بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فَرَدٌّ عليك". وجلد ابنه مائة، وغربه عاما، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، "فإن اعترفت، فارجمها"، فاعترفت، فرجمها.
متفق عليه: رواه مالك في الحدود (٦) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني، فذكراه.
ورواه البخاري في الحدود (٦٨٤٢، ٦٨٤٣) من طريق مالك به مثله.
ورواه مسلم في الحدود (١٦٩٨، ١٦٩٧) من وجوه أخرى عن الزهري به.
٢ - باب قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾
• عن عبد الله بن عمرو قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغيٌّ بمكة، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال:
стр. 7241
فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة. قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلي عرفت، فقالت: مرثد؟ . فقلت: مرثد، فقالت: مرحبا وأهلا، هلمّ! فبِتْ عندنا الليلة. قال: قلت: حرم الله الزنا. قالت: يا أهل الخيام! هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى كهف أو غار، فدخلت، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا، فظل بولهم على رأسي، وأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي، فحملته، وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أكبُله، فجعلت أحمله، ويعينني حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ . فأمسك رسول الله ﷺ ، فلم يردّ علي شيئا حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال رسول الله ﷺ : "يا مرثد! الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، فلا تنكحها".
حسن: رواه أبو داود (٢٠٥١)، والترمذي (٣١٧٧) واللفظ له، والنسائي (٣٢٢٨)، والحاكم (٢/ ١٦٦) كلهم من طريق عبيد الله بن الأخنس، قال: أخبرني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، فإنه حسن الحديث.
• عن شعبة مولى ابن عباس قال: سمعت ابن عباس ورجل سأله، فقال: إني كنت اُلِمُّ بامرأة آتي منها ما حرّم الله عليّ، فرزقني الله من ذلك توبة، فاردتُ أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية، فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها، فما كان من إثم فعليّ.
حسن: رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٧٢٠٠)، وابن جرير في تفسيره (١٧/ ١٥٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٢١) كلهم من طريق ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة مولى ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل شعبة مولى ابن عباس، فإنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله".
حسن: رواه أبو داود (٢٠٥٢)، وأحمد (٨٣٠٠)، والحاكم (٢/ ١٦٦)، وعنه البيهقي (٧/ ١٥٦) كلهم من حديث عبد الوارث، عن حبيب المعلّم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 7242
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، فإنه حسن الحديث.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قال الإمام أحمد: لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها، وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ذكره ابن كثير في تفسيره.
والكلام على ذلك مبسوط في كتاب النكاح.
٣ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾
• عن سهل بن سعد: أن عويمرا أتى عاصم بن عدي، وكان سيد بني عجلان، فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك، فأتى عاصمٌ النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! فكره رسول الله ﷺ المسائل، وعابها، قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فجاء عويمر، فقال: يا رسول الله! رجل وجد مع امرأته رجلا، أيقتله، فتقتلونه أم كيف يصنع؟ . فقال رسول الله ﷺ : "قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك". فأمرهما رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله في كتابه، فلاعنها، ثم قال: يا رسول الله! إن حبستها فقد ظلمتها، فطَلّقها. فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين، ثم قال رسول الله ﷺ : "انظروا، فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الأليتين، خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر، كأنه وحرة، فلا أحسب عويمرا إلا قد كذب عليها". فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﷺ من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٥)، ومسلم في اللعان (١٤٩٢) كلاهما من طريق الزهري، عن سهل بن سعد، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه، إلا أنه لم يذكر قوله ﷺ : "انظروا، فإن جاءت به أسحم ... " إلى آخره.
وزاد البخاري في رواية (٤٧٤٦): "وكانت حاملا، فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها، ثم
стр. 7243
جرت السنة في الميراث أن يرثها، وترث منه ما فرض الله لها".
• عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : "البيّنة أو حد في ظهرك". فقال: يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة؟ . فجعل النبي ﷺ يقول: "البيّنة، وإلا حدّ في ظهرك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، فلينزلنّ الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل، وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي ﷺ ، فأرسل إليها، فجاء هلال، فشهد، والنبي ﷺ يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ". ثم قامت، فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقّفوها، وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت، ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ : "أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء". فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن".
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٧) عن محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن عمر: أن رجلا رمى امرأته، فانتفى من ولدها في زمان رسول الله ﷺ ، فأمر بهما رسول الله ﷺ ، فتلاعنا كما قال الله، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرّق بين المتلاعنين.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٨)، ومسلم في اللعان (٩: ١٤٩٤) كلاهما من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر بهذا الإسناد.
• عن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف، غير مصفح عنه. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "أتعجبون من غيرة سعد، فوالله، لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة".
متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٤٦)، ومسلم في اللعان (١٧: ١٤٩٩) - واللفظ له -
стр. 7244
كلاهما من طريق أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن وراد - كاتب المغيرة -، عن المغيرة بن شعبة، قال: فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله! لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ . قال رسول الله ﷺ : "نعم". قال: كلا، والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك. قال رسول الله ﷺ : "اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني".
صحيح: رواه مسلم في اللعان (١٤٩٨: ١٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾
• عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيُّهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعد ما أنزل الحجاب، فكنت أُحمَل في هودجي، وأُنزَل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل، دنونا من المدينة قافلين، آذدن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيتُ حتى جاوزتُ الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خِفة الهودج حين رفعوه، وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل، فساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيمّمت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني، فيرجعودن إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ
стр. 7245
على يدها فقمت إليها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول.
قالت: فهلك فيّ من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. قال عروة: أُخبرت أنه كان يشاع، ويتحدث به عنده، فيُقِرُّه، ويستمعه ويستوشيه. وقال عروة أيضا: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين، لا علم لي بهم غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى، وإنّ كبر ذلك يقال له عبد الله بن أبي ابن سلول. قال عروة: كانت عائشة تكره أن يُسَبّ عندها حسان، وتقول إنه الذي قال:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ ، فيسلم، ثم يقول: "كيف تيكم". ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بالشّر حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قِبَلَ المناصع، وكان متبرزّنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريبا من بيوتنا، قالت: وأمرنا أمر العرب الأُوَل في البرية قِبَلَ الغائط، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب -، فأقبلت أنا وأم مسطح قِبَل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه! ولم تسمعي ما قال، قالت: وقلت: ما قال؟ . فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ ، فسلّم، ثم قال: "كيف تيكم". فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ، قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قِبَلِهما. قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: يا أمتاه! ماذا يتحدث الناس؟ . قالت: يا بنية! هوِّني عليك، فوالله، لقلّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله! أوَلقد تحدّث الناس بهذا. قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا
стр. 7246
يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي.
قالت: ودعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما، ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة، فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرا. وأمّا عليٌّ، فقال: يا رسول الله! لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدّقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة! "هل رأيت من شيء يريبك؟ ". قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرا قط أَغمِصه، غير أنها جارية، حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله.
قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: "يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي"، قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا، يا رسول الله! أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا أمرك. قالت: فقام رجل من الخزرج (وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه) وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج. قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبتَ لعمرُ الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد -، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا، فسلّم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ -
стр. 7247
حين جلس، ثم قال: "أما بعد؛ يا عائشة! إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف، ثم تاب تاب الله عليه". قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ عنّي فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت - وأنا جارية، حديثة السن، لا أقرأ من القرآن كثيرا -، إني والله! لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدّقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدّقنِّي، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [سورة يوسف: ١٨]، ثم تحولت، واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يُتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزِل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فسُرِّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: "يا عائشة! أما الله، فقد برّأك". قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله . قالت: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ العشر الآيات. ثم أنزل الله هذا في براءتي. قال أبو بكر الصديق - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره -: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة النور: ٢٢] قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال لزينب: "ماذا علمت أو رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت
стр. 7248
إلا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ ، فعصمها الله بالورع، قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك.
قال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط.
ثم قال عروة: قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط. قالت: ثم قُتِل بعد ذلك في سبيل الله.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤١٤١)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) كلاهما من طرق عن الزهري، قال: حدثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرت الحديث.
• عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام النبي ﷺ على المنبر، فذكر ذلك وتلا - تعني القرآن -، فلما نزل من المنبر، أمر بالرجلين والمرأة، فضربوا حدهم.
حسن: رواه أبو داود (٤٤٧٤)، والترمذي (٣١٨١)، وابن ماجه (٢٥٦٧)، وأحمد (٢٤٠٦٦)، والبيهقي في الدلائل (٤/ ٧٤) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، فذكرته.
وصرّح ابن إسحاق عند البيهقي. وزاد: رموها بصفوان بن المعطل السلمي.
وصرّح النفيلي أن الرجلين هما حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة. وقال: ويقولون: المرأة حمنة بنت جحش.
رواه أبو داود (٤٤٧٥) عن النفيلي، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق بهذا الحديث، ولم يذكر عائشة، كما قال أبو داود.
وقد جاء التصريح بأسمائهم أيضا في حديث أبي هريرة الآتي.
• عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق، فلما كان في جوف الليل انطلقت عائشة لحاجة، فانحلت قلادتها، فذهبت في طلبها، وكان مسطح يتيما لأبي بكر، وفي عياله. فلما رجعت عائشة لم تر العسكر، قال: وكان صفوان بن المعطل السلمي يتخلف من الناس، فيصيب القدح والجراب والإداوة، - أحسبه قال: - فيحمله، قال: فنظر، فإذا عائشة، فغطى - أحسبه قال: - وجهه عنها، ثم أدنى بعيره منها. قال: فانتهى إلى العسكر، فقالوا قولا - أو قالوا فيه - ثم ذكر الحديث حتى انتهى. قال:
стр. 7249
وكان رسول الله ﷺ يجيء، فيقوم على الباب، فيقول: "كيف تيكم؟ ". حتى جاء يوما، فقال: "أبشري، يا عائشة! فقد أنزل الله عذرك". فقالت: بحمد الله لا بحمدك. قال: وأنزل في ذلك عشر آيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ قال: فحدّ رسول الله ﷺ مسطح وحمنة وحسان.
حسن: رواه البزار (٨٠١١) واللفظ له، وأبو يعلى (٣٠٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٢٩) كلهم من طريق عمرو بن خليفة البكراوي، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن خليفة البكراوي، وشيخه محمد بن عمرو - وهو ابن علقمة - فكلاهما حسن الحديث.
• عن ابن أبي مليكة قال: استأذن ابن عباس قبل موتها على عائشة وهي مغلوبة. قالت: أخشى أن يثني عليّ. فقيل: ابن عم رسول الله ﷺ ، ومن وجوه المسلمين. قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيت. قال: فأنتِ بخير إن شاء الله، زوجة رسول الله ﷺ ، ولم ينكح بكرا غيرك، ونزل عذرك من السماء، ودخل ابن الزبير خلافه، فقالت: دخل ابن عباس، فأثنى عليّ، ووددت أني كنت نسيا منسيا.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٥٣) عن محمد بن المثنى، حدثنا يحيى، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، قال: حدثني ابن أبي مليكة، قال: فذكره.
• عن مسروق قال: دخلت على عائشة، وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرا، يُشبِّب بأبيات له، فقال:
حصان رزان ما تزن بريبة ... صبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك. قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له يدخل عليك، وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فقالت: فأي عذاب أشدّ من العمى؟ إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٥٥)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٨) كلاهما من طريق سليمان الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصر.
• عن عائشة قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا
стр. 7250
رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان:
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء
فقيل: يا أم المؤمنين، أليس هذا لغوا؟ قالت: لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء. قيل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم، أليس قد ذهب بصره، وكُنِّع بالسيف؟ .
حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (١٧/ ١٩٣) عن الحسن بن قزعة، حدثنا مسلمة بن علقمة، حدثنا داود - يعني ابن أبي هند -، عن عامر، عن عائشة فذكرته.
وإسناده حسن من أجل الحسن بن قزعة وشيخه مسلمة بن علقمة، فإنهما حسنا الحديث.
• عن عائشة: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ قالت: عبد الله بن أبي ابن سلول.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٤٩) عن أبي نعيم، حدثنا سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
وعبد الله بن أبي ابن سلول سعى في الفتنة، وكان محركها الأول، ولكنه لم يقذف صراحة، ولذلك لم يُقم عليه حد القذف.
٥ - باب قوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾
• عن عائشة كانت تقرأ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ وتقول: الوَلَقُ: الكذب. قال ابن أبي مليكة: وكانت أعلم من غيرها بذلك؛ لأنه نزل فيها.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤١٤٤) عن يحيى، حدثنا وكيع، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة (وهو عبد الله بن عبيد الله)، فذكره.
الولق: الإسراع في الكذب.
والقراءة المشهورة: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾.
• عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب".
следующие страницы →