← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

لتفتح عيون العمي ليخرج من الحبس الماسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة. ٦ - أنا الرب، هذا اسمي ومجدي، لا أعطيه لآخر. ٧ - غنّوا للرب أغنية جديدةً تسبيحةً من أقصى الأرض. ٨ - أيها المنحدرون في البحر ومِلْوُه، والجزائر وسكانها لترفع البرية مُدُنها صوتها الديار التي سكنها قيدار. ٩ - ولتترنّمْ سكان سالع من رؤوس الجبال ليتهفوا. هذه الصّفات التي ذكرت للنبي ﷺ نظائرها موجودة في القرآن الكريم، وتفاصيلها في الأحاديث. والجزائر وسكانها يعني بها الجزيرة العربية. وقيدار اسم ابن إسماعيل، ونسله يسمى الإسماعليون وهم من سكان الجزيرة. وفي هذه الفقرات بشارة واضحة لبعثة النَّبِيّ ﷺ في الجزيرة العربية من أولاد إسماعيل، وإن دينه يبلغ أقصى الأرض، وأنه لن يموت حتَّى يضع الحق في الأرض ونظيره قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقول عبد الله بن عمرو هذا يدل على أن الرجوع إلى كتب أهل الكتاب مهمّ لبيان كون القرآن مصدقا لما قبله من الكتب، ولإقامة الحجة عليهم. ١٨ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ • عن أبي أسيد قال: خرجنا مع النَّبِيّ ﷺ حتَّى انطلقنا إلى حائط يقال له: الشوط، حتَّى انتهينا إلى حائطين فجلس بينهما، فقال النَّبِيّ ﷺ : "اجلسوا هاهنا" ودخل، وقد أتى بالجونية، فأُنزلتْ في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها. فلمّا دخل عليها النَّبِيّ ﷺ قال: "هبي نفسك لي" فقالت: وهل تَهَبُ الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن. فقالت: أعوذ بالله منك. فقال: "قد عُذتِ بمعاذ" ثمّ خرج علينا فقال: "يا أبا أسيد اكسُها رازقيتين، وألْحِقْها بأهلها". صحيح: رواه البخاريّ في الطلاق (٥٢٥٥) عن أبي نعيم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن غَسيل، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبي أسيد فذكره. وقال البخاريّ (٥٢٥٦): وقال الحسين بن الوليد النيسابوري، عن عبد الرحمن، عن عباس بن سهل، عن أبيه، وأبي أسيد قالا: تزوج النَّبِيّ ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلمّا أدخلتْ عليه بسط يده إليها. فكأنها كرهت ذلك. فأمر أبا أسيد أن يُجهزها، ويكسوها ثوبين رازقيتين.

стр. 7352

١٩ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ هبة المرأة نفسها بدون صداق كانت خاصة بالنبي ﷺ ، ولا يجوز للمرأة أن تهب نفسها بغير صداق لغير النبي ﷺ . • عن سهل بن سعد أن امرأة عرضت نفسها على النَّبِيّ ﷺ ، فقال له رجل: يا رسول الله، زوجنيها، فقال: ما عندك؟ فقال: ما عندي شيء. قال: اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد، فذهب ثمّ رجع، فقال: لا والله ما وجدت شيئًا ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري ولها نصفه. قال سهل: وما له رداء. فقال النَّبِيّ ﷺ : "وما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبستْه لم يكن عليك منه شيء". فجلس الرّجل حتَّى إذا طال مجلسه قام، فرآه النَّبِيّ ﷺ فدعاه - أو دعِي له - فقال له: "ماذا معك من القرآن؟ " فقال: معي سورة كذا وسورة كذا - لسور - يعددها فقال النَّبِيّ ﷺ "أملكناكها بما معك من القرآن". متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥١٢١)، ومسلم في النكاح (١٤٢٥) من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره. واللّفظ للبخاريّ. واسم المرأة التي وهبتْ نفسها خولة بنت حكيم كما سيأتي في تفسير الآية التي بعدها. • عن أنس بن مالك، أنَّ امرأةً أتت النَّبِيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله! ابنة لي كذا وكذا - ذكرت من حسنها وجمالها - فآثرتك بها. فقال: "قبلتُها". فلم تزل تمدحها حتَّى ذكرت أنَّها لم تُصدَّع، ولم تشتكِ شيئًا قطُّ. قال: "لا حاجة لي في ابنتك". حسن: رواه أحمد (١٢٥٨٠) وأبو يعلى (٤٢٣٤) كلاهما من حديث عبد الله بن بكر، أبي وهبٍ، حَدَّثَنَا سنان بن ربيعة، عن الحضرمي، عن أنسٍ، فذكره. وإسناده حسن؛ من أجل سنان بن ربيعة، وهو مختلف فيه، غير أنَّه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الجنائز. • عن أنس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تعرض عليه نفسها قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقلّ حياءها، واسَوأتاه واسوأتاه!

стр. 7353

قال: هي خير منك. رغبت في النَّبِيّ ﷺ فعرضت عليه نفسها. صحيح: رواه البخاريّ في النكاح (٥١٢٠) عن عليّ بن عبد الله، حدّثنا مرحوم، قال: سمعت ثابتًا البناني قال: كنتُ عند أنسٍ وعنده ابنة له، قال أنس: فذكره. ٢٠ - باب قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ ي َعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾ • عن عائشة قالت: كنت أغار على اللاتي وهَبْن أنفسهن لرسول ﷺ وأقول: تهب المرأة نفسها؟ فلمّا نزل قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ قالت: قلت: والله ما أرى ربَّك إِلَّا يسارع لك في هواك. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٨٨) ومسلم في الرضاع (١٤٦٣) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. • عن عروة قال: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهَبْن أنفسهن للنبي ﷺ ، فقالت عائشة: أما تستحيي المرأة أن تهَب نفسها للرجل؟ فلمّا نزلت: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قلت: يا رسول الله! ما أرى ربَّك إِلَّا يسارع في هواك. متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥١١٣) عن محمد بن سلّام، حَدَّثَنَا ابن فُضيل، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه فذكره. ورواه مسلم في الرضاع (١٤٦٤/ ٥٠) من وجه آخر عن هشام بن عروة. وليس فيه ذكر لخولة بنت حكيم. • عن معاذة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة منا، بعد أن أنزلت هذه الآية ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ فقلت لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذلك إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٨٩) ومسلم في الطلاق (١٤٧٦) كلاهما من حديث عاصم الأحول، عن معاذة فذكرته. ٢١ - باب قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ اختلف في معنى الآية على أقوال:

стр. 7354

فمنها: نهى اللهُ رسولَه أن يتزوج بعد نسائه الأُول امرأة أخرى كما قال ابن عباس لأنهن لما خيّرهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة فقصر عليهن بقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله. قاله قتادة. ومنها: لا يحل لك النساء بعد التي أحللنا لك بقولنا ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى آخر الآية يعني: كل امرأة آتى أجرها، وما ملكت يمينُه مما أفاء الله عليه، وبنات عمه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته، وكل امرأة وهبتْ نفسها له إن أراد أن يستنكحها، خالصة من دون المؤمنين. قال به أُبَي بن كعب وقال نحوه عكرمة والضحاك. ومنها: أن الحرام عليه أن يتزوج من اليهوديات والنصرانيات بعد نزول هذه الآية، ورُوي نحو هذا عن مجاهد. وأولى الأقوال كما قال ابن جرير قول من قال: لا يحل لك النساء من بعد اللوائي أحللتُهن لك بقولي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إلى آخر الآية. قلت: ويُحمل عليه قول عائشة: • عن عائشة قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتَّى أُحِلَّ له النساء. صحيح: رواه الترمذيّ (٣٢١٦)، والنسائي (٣٢٠٤)، وأحمد (٢٤١٣) كلّهم من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة فذكرته. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". قلت: هذا إسناد صحيح، وقد اختلف على عطاء بن أبي رباح غير أن ما ذكرته هو الصَّحيح، ولا يُعل بهذا الاختلاف. يعني: لا حرج من الزيادة على زوجاتك من غير تطليق إحداهن بشرط أن يكنَّ من الأصناف المذكورة. وثبت بالتحقيق أن النَّبِيّ ﷺ لم يتزوج بعد نزول هذه الآية الكريمة، ولم يطلق إحداهن اللاتي في عصمتهن، وقد مات على ذلك ﷺ . ٢٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ • عن عائشة قالت: خرجت سودة بعد ما ضُربَ الحجابُ لحاجتها، وكانت امرأة

стр. 7355

جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطّاب، فقال: يا سودة، أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت، فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا قالت: فأوحى الله إليه ثمّ رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: "إنَّه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٩٥)، ومسلم في السّلام (٢١٧٠) كلاهما من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. واللّفظ للبخاريّ ولفظ مسلم نحوه. • عن عائشة أن أزواج النَّبِيّ ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، فكان عمر يقول للنبي ﷺ : احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﷺ يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النَّبِيّ ﷺ ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (١٤٦)، ومسلم في السّلام (٢١٧٠: ١٨) كلاهما من طريق اللّيث، حَدَّثَنِي عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة فذكرته. واللّفظ للبخاريّ ولفظ مسلم نحوه. • عن أنس قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٩٠) عن مسدد، حَدَّثَنَا يحيى، عن حميد، عن أنس فذكره. • عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. صحيح: رواه مسلم في فضائل الصّحابة (٢٣٩٩) عن عقبة بن مكرم العمي، حَدَّثَنَا سعيد بن عامر قال جويرية بن أسماء: أخبرنا عن نافع، عن ابن عمر فذكره. • عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: فاذكرها علي، قال: فانطلق زيد حتَّى أتاها وهي تُخمّر عجينها، قال: فلمّا رأيتها عظمت في صدري حتَّى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكص على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتَّى

стр. 7356

أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ ، فدخل عليها بغير إذن. قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتَّى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب قال: ووُعِظ القوم بما وُعِظوا به. وزاد في رواية: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾. متفق عليه: رواه مسلم في النكاح (١٤٢٨: ٨٩) من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس فذكره. ورواه البخاريّ في التفسير (٤٧٩٣) من طريق عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس قال: بُنيَ على النَّبِيّ ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجيء القوم فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتَّى ما أجد أحدًا أدعو، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدًا أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم" وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت ... الحديث وفيه قصة الحجاب. • عن أنس بن مالك قال: أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب لما أهديت زينب بنت جحش إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت، صنع طعاما ودعا القوم، فقعدوا يتحدثون، فجعل النَّبِيّ ﷺ يخرج ثمّ يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فضرب الحجاب، وقام القوم. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٩٢) عن سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال أنس بن مالك فذكره. • عن أنس بن مالك قال: تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله. قال: فصنعت أمي أم سليم حيسا فجعلته في تور. فقالت: يا أنس! اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ ، فقل: بعثت بهذا إليك أمي. وهي تقرئك السّلام. وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول الله!

стр. 7357

قال: فذهبت بها إلى رسول الله ﷺ . فقلت: إن أمي تقرئك السّلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول الله! فقال: "ضعه" ثمّ قال: "اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا وفلانًا، ومن لقيت" وسمى رجالا. قال: فدعوت من سمى ومن لقيت. قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة. وقال لي رسول الله ﷺ : "يا أنس! هات التور" قال: فدخلوا حتَّى امتلأت الصفة والحجرة. فقال رسول الله ﷺ : "ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه" قال: فأكلوا حتَّى شبعوا. قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتَّى أكلوا كلّهم. فقال لي: "يا أنس! ارفع" قال: فرفعت. فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت؟ . قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ ، فسلم على نسائه ثمّ رجع، فلمّا رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه. قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلّهم، وجاء رسول الله ﷺ حتَّى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إِلَّا يسيرا حتَّى خرج علي، وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية. صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤٢٨: ٩٤) عن قُتَيبة بن سعيد حَدَّثَنَا جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، فذكره. • عن عائشة قالت: كنت آكل مع رسول الله ﷺ حيسا في قعب، فمرَّ عمر، فدعاه، فأكل، فأصابتْ أصبعه أصبعي، فقال: حسّ - أو أوه - لو أُطاعُ فيكنّ ما رأتْكن عينٌ، فنزل الحجابُ. صحيح: رواه النسائيّ في الكبرى (١١٣٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١٠٥٣)، والطَّبرانيّ في الأوسط (٢٩٧١) كلّهم من طريق سفيان، عن مسعر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة فذكرته. وإسناده صحيح. قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٩٣): "رواه الطبرانيّ في الأوسط ورجاله رجال الصَّحيح غير موسى بن أبي كثير وهو ثقة".

стр. 7358

ورواه محمد بن بشر بن الفرافصة عن مسعر به مرسلًا كما رواه ابن أبي شيبة (٣٢٦٨٠)، والحكم لمن زاد وخاصة الذي رواه متصلا هو سفيان بن عيينة إِلَّا أن الدَّارقطنيّ رجّح المرسل. العلل (٣٦٨٣) والله أعلم. قولها: "فنزل الحجاب" ليس معناه نزول الحجاب بعد هذه القصة مباشرة؛ فإن آية الحجاب نزلت في قصة زينب عند ما تزوج النَّبِيّ ﷺ بها كما ذكر في الآية (٥٣) من سورة الأحزاب، فقولها: "فنزل الحجاب" أي بعد قصتها مع عمر، وزواج زينب وكان ذلك كله في وقت متقارب. فائدة: لقد ذكرت في آية نزول الحجاب عدة أسباب، ومعناها: أن هذه الأسباب كانت مجتمعة في وقت متقارب فنسب إلى كل منها نزول آية الحجاب. قوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. • عن ابن عمر عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إذا دعا أحدُكم أخاه فليُجِبْ عُرسا كان أو نحوه". صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤٢٩: ١٠٠) عن محمد بن رافع، حَدَّثَنَا عبد الرزّاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر فذكره. • عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لو دُعيتُ إلى ذراع أو كراع لأجبتُ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت". صحيح: رواه البخاريّ في الهبة (٢٥٦٨) عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة فذكره. ٢٣ - باب قوله ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ • عن عائشة قالت: استأذن عليّ أفلح أخو أبي القعيس بعدما أنزل الحجاب فقلت: لا آذن له حتَّى أستأذن فيه النَّبِيّ ﷺ فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليّ النَّبِيّ ﷺ فقلت له: يا رسول الله إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتَّى أستأذنك، فقال النَّبِيّ ﷺ : "وما منعكِ أن تأذني عمّك" قلت: يا رسول الله، إن الرّجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فقال: "ائذني له فإنه عمُّكِ تربتْ يمينُكِ". قال عروة: فلذلك كانت عائشة تقول: حرّموا من الرضاعة ما تحرّمون من النسب. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٩٦)، ومسلم في الرضاع (١٤٤٥) كلاهما من طريق

стр. 7359

ابن شهاب الزّهري، حَدَّثَنِي عروة بن الزُّبير، أن عائشة قالت: فذكرته. واللّفظ للبخاريّ ولفظ مسلم نحوه. وهناك أحاديث أخرى في هذا الموضوع، وهي مذكورة في تفسير سورة النور. ٢٤ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ قال أبو العالية: "صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء". ذكره البخاريّ في ترجمة الباب في كتاب التفسير (٤٧٩٧). وقال الترمذيّ: "رُوي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار". ذكره تحت حديث (٤٨٥). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾. فيه أمر للمؤمنين أن يصلوا على النَّبِيّ ﷺ ، ووردتْ أحاديث كثيرة في الصّلاة على النَّبِيّ ﷺ منها: • عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عُجْرة فقال: ألا أهدي لك هديةً؟ إن النَّبِيّ ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله! قد علِمنا كيف نُسلم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؟ قال: "فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليَّت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". متفق عليه: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٣٥٧)، ومسلم في الصّلاة (٤٠٦) كلاهما من طريق شعبة، حدَّثنا الحكم، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره. والأحاديث الصّحيحة مصرحة بثلاثة ألفاظ: "إبراهيم" وحده، "وآل إبرا هيم" وحده، والجمع بينهما "إبراهيم وآله" وذلك يعود إلى الرواة اختصارًا وتفصيلًا. وقد سبق ذكره في كتاب الأدعية والأذكار. • عن حسين بن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل عليّ". حسن: رواه الترمذيّ (٣٥٤٦)، وأحمد (١٧٣٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٥، ٥٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٩٠٩)، والحاكم (١/ ٥٤٩) كلّهم من طرق عن سليمان بن بلال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه، عن حسين بن عليّ بن أبي طالب فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن عليّ بن حسين فإنه حسن الحديث فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبَّان وابن خلفون في الثّقات.

стр. 7360

وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وفي بعض النسخ: "هذا حديث حسن غريب". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وقد اختلف في إسناده، وقول سليمان بن بلال أشبه بالصواب كما قال الدَّارقطنيّ في العلل (٣٠٤). • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرا". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٠٨) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ورواه أحمد (٧٥٦١)، وصحّحه ابن حبَّان (٩٠٥) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن به بلفظ: "من صلى عليّ مرة واحدة كتب الله بها عشر حسنات". • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات". وفي رواية عنه: "من ذكرني فليصل علي، ومن صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا". حسن: رواه النسائيّ (١٢٩٧) - والسياق له -، وأحمد (١١٩٩٨، ١٣٧٥٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٦٤٣)، وصحّحه ابن حبَّان (٩٠٤)، والحاكم (١/ ٥٥٠) كلّهم من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس بن مالك فذكره. وإسناده حسن من أجل يونس بن أبي إسحاق. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". ورواه أبو يعلى (٩٢٦) عن الأزرق بن علي، عن حسان (هو ابن إبراهيم الكرماني)، عن يوسف (هو ابن إسحاق بن أبي إسحاق)، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس بن مالك فذكره باللفظ الثاني. وهذا إسناد صحيح، وقد اختلف فيه على أبي إسحاق، وصوب الدَّارقطنيّ في العلل (٢٤٩٧) رواية يوسف بن إسحاق المذكورة. • عن سهل بن سعد قال: خرج رسول الله ﷺ فإذا هو بأبي طلحة، فقام إليه، فتلقاه، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني لأرى السرور في وجهك. قال: "أجل، أتاني جبريل آنفا فقال: يا محمد من صلى عليك مرة - أو قال واحدة - كتب الله ﵎ له بها عشر حسنات، ومحا عنه بها عشر سيئات، ورفع له بها عشر درجات". قال ابن حبيب (أحد رواة الحديث): ولا أعلمه إِلَّا قال: وصلى عليه الملائكة

стр. 7361

عشر مرات. حسن: رواه البغوي في الجعديات (٣٠٥٨) - ومن طريقه ابن بشران في أماليه (١١٩٢)، والخطيب في تلخيص المتشابه (٢٥٠) - عن محمد بن حبيب الجارودي، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن حبيب الجارودي فإنه صدوق كما قال الخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٢٧٧). والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، وهي مذكورة في كتاب الصّلاة، وكتاب الأدعية والأذكار. ٢٥ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إنْ كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإنْ لم يكن فيه فقد بهته". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٨٩) من طرق عن إسماعيل، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ٢٦ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ • عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله! إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، قال: فقلت: والله! لأخبرن رسول الله ﷺ ، قال: فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتَّى كان كالصرف، ثمّ قال: "فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله! " قال: ثمّ قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٦) ومسلم في الزّكاة (١٤٠: ١٠٦٢) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله فذكره. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يَغْتَسِلُون عُراةً ينظر

стр. 7362

بعضُهم إلى بعض، وكان موسى يغتسلُ وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسلَ معنا إِلَّا أنه آدر، فذهب مرةً يغتسلُ فوضع ثوبَه على حجرٍ، ففرَّ الحجرُ بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر! حتَّى نظرتْ بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس. وأخذ ثوبه فطفِق بالحجر ضربًا". فقال أبو هريرة: والله إنه لندبٌ بالحجر ستة أو سبعة ضربًا بالحجر. متفق عليه: رواه البخاريّ في الغسل (٢٧٨) - واللّفظ له -، ومسلم في الحيض (٣٣٩) كلاهما من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى كان رجلًا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إِلَّا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثمّ اغتسل فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتَّى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا فذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. صحيح: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٤) عن إسحاق بن إبراهيم، حَدَّثَنَا روح بن عبادة، حَدَّثَنَا عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة فذكره. • عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ قال: قال له قومه: إنه آدر، قال: فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، وخرج يتبعها عريانًا حتَّى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، قال: فذاك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. حسن: رواه ابن أبي شيبة (٣٢٥٠٩)، والحاكم (٢/ ٤٢٢)، وابن جرير الطبريّ في تفسيره (١٩/ ١٩٠ - ١٩١) كلّهم من طريق أبي معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.

стр. 7363

وإسناده حسن من أجل المنهال بن عمرو فإنه حسن الحديث. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين". ٢٧ - باب قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ إن الله عرض الأمانة - وهي التكليف الاختياري بامتثال الأوامر واجتناب النواهي - على السموات والأرض والجبال عرض تخيير بأنها إنْ قبلت وتحمّلتْ فأحسنتْ وقامتْ بأدائها على وجهها أثيبتْ عليها وجوزيتْ، وإنْ ضيّعتْ ولم تؤدّ ما تحمّلتْ والتزمت عوقبت على ذلك، فخافت السموات والأرض والجبال مع عظمتها أن لا يقمن بأدائها فأبين عن حملها، ولكنْ حمَلها الإنسانُ مع ضعَّفه وجهله، وأمّا الانقياد الكوني فالسموات والارض والجبال وجميع ما في السموات والأرض فكلها منقادة لأمر الله . وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الإنسان وحده يقوم بإعمار الأرض؛ لأنه تحمل هذه المسؤولية، ولكنه وصف بالظلوم؛ لأنه إذا لم يراقب الله في السرّ والعلن، ولم يأتمر بأمره فلا يؤمن أن لا يحصل منه الظلم للآخرين، لذا أرسل الله الأنبياء لتذكيره وإصلاحه وتهذيبه. وكذلك وصف الإنسان بالجهل لأن العلم لا نهاية له، فمهما بلغ الإنسان من العلم، فإن وراءه علم لا يزال يجهله، وفيه حثّ على استمرار بزيادة العلم، والنبي ﷺ كونه يُحي إليه ومع ذلك أمر أن يقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤]. • * *

стр. 7364

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه [١١] تأليف أ. د. أبي أحمد محمد عبد الله الأعظمي المعروف بـ «الضياء» أستاذ الحديث الشريف وعميد كلية الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقًا والمدرس في المسجد النبوي

стр. 7365

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ح) محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي ١٤٣٦ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الأعظمي، محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل / محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي - الرياض ١٤٣٦ هـ (١٢ مج) ردمك: ٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٤ - ٩٢٧٢ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١١) ١ - الحديث الصحيح ... أ- العنوان ديوي ٢٣٥.١ ... ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ رقم الإيداع: ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ ردمك: ٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٤ - ٩٢٧٢ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ١١) طبعة أولى: ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ - يناير ٢٠١٦ م

стр. 7366

الجَامِعُ الكَامِلُ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ الشَّامل [١١]

стр. 7367

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف دار السلام للنشر والتوزيع شارع الأمير عبد العزيز بن جلوي (الضباب سابقًا) مقابل الغرفة التجارية المملكة العربية السعودية ص. ب: ٢٢٧٤٣ - الرياض ١١٤١٦ هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٤٠٤٣٤٣٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - - فاكس: ٤٠٢١٦٥٩ - ١١ - ٠٠٩٦٦ www.darussalampublishers.com E-Mail: darussalam@awalnet.net.sa E-Mail: riyadh@dar-us-salam.com العليا: تليفون: ٤٦١٤٤٨٣ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٦٤٤٩٤٥ الملز: تليفون: ٤٧٣٥٢٢٠ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٧٣٥٢٢١ السويلم: تليفون: ٢٨٦٠٤٢٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٢٨٦٠٤٢٢ السويدي: تليفون: ٤٢٨٦٦٤١ - ١١ - ٠٠٩٦٦ جدة: تليفون: ٦٨٧٩٢٥٤ - ٢ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٦٣٣٦٢٧٠ الخبر: تليفون: ٨٦٩٢٩٠٠ - ٣ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٦٩١٥٥١ المدينة المنورة: تليفون: ٨٤٥٩٢٦٦ - ١٤ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٥٥٠١١٩ - ٠١٤ خميس مشيط: تليفون: ٢٣٨٨٦٢٠ - ٠١٧ - ٠٠٩٦٦ - جوال: ٠٥٠٠٧١٠٣٢٨ ينبع البحر: تليفون: ٥٠٠٨٨٧٣٤١ - ٠٠٩٦٦ الكويت: تليفون: ٠٠٩٦٥٩٩٦٠٠٨٤٥ الشارقة: تليفون: ٥٦٣٢٦٢٣ - ٦ - ٠٠٩٧١ - فاكس: ٥٦٣٢٦٢٤ لندن: تليفون: ٥٣٩٤٨٨٥ - ٢٠٨ - ٠٠٤٤ - فاكس: ٥٣٩٤٨٨٩ - ٢٠٨ نيويورك: تليفون: ٦٢٥٥٩٢٥ - ٧١٨ - ٠٠١ - فاكس: ٦٢٥١٥١١ - ٧١٨ سيدني أستراليا: تليفون: ٩٧٤٠٧١٨٨ - ٢ - ٠٠٦١ - فاكس: ٩٧٤٠٧١٩٩ - ٢ فرنسا: تليفون: ٨٤٠٥٢٩٢٨ - ٠١ - ٠٠٣٣ - ٤٨٠٥٢٩٩٧ - ٠١ - ٠٠٣٣ هيوستن: تليفون: ٧٢٢٠٤١٩ - ٧١٣ - ٠٠١ - فاكس: ٧٢٢٠٤٣١ ماليزيا: تليفون: ١٩٢٣٦٢٤٢٣ - ٠٠٦٠ - ٣٧٩٥٦٤٦٦٤ - ٠٠٦٠ لاهور باكستان: تليفون: ٧٢٤٠٠٢٤ - ٤٢ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٧٣٥٤٠٧٢ كراتشي باكستان: تليفون: ٤٣٩٣٩٣٦ - ٢١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٤٣٩٣٩٣٧ إسلام آباد باكستان: تليفون: ٢٥٠٠٢٣٧ - ٥١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٥١٢٢٨١٥١٣ انتريو كندا: تليفون: ٤٠١١١٥٠ - ٦٤٧ - ٠٠١ - ٦٠٩١٩٣٤ - ٦٤٧ - ٠٠١

стр. 7368

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تكملة كتاب التفسير ٣٤ - تفسير سورة سبأ وهي مكية، وعدد آياتها ٥٤ ١ - باب قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾ بعد أن ذكر الله ما تفضل به على داود، ذكر ابنه سليمان وما امتن به عليه وحصرها في ثلاثة أمور في هذه الآية الكريمة: أولها: تسخير الريح له في شواطئ فلسطين فجعل شهرًا تبدأ مشرقة لتجوال سفنه في البحر المتوسط شواطئ شمال إفريقيا، وشهرًا مغربة للعودة إلى شواطئ فلسطين كما قال في سورة الأنبياء ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]. وقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ أي انطلاقُها. وقوله: ﴿وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي رجوعها بعد انتهاء مهمتها التي انطلق لها. وقال بعض المفسرين: غدوها شهر ورواحها شهر كان في يوم واحد مسيرة شهرين، فتخرج سفنه من البحر المتوسط وتجول في البحار الواقعة في شرق إفريقيا وجنوبها حتَّى تصل سواحل اليمن في يوم واحد. الثاني: جعل اللهُ النحاسَ له سائلًا وهو قوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ القِطْر - بكسر القاف: النحاس المُذاب. والإسالة: جعل الشيء سائلًا أي مائعا. أي إن الله جعل النحاس سائلًا له مثل الماء الذي يخرج من العين ليصنع منه أسلحة ودروعا وتماثيل ومحاريب وقدورا وغيرها مما يحتاج إليه. والثالث: إن الله جعل الجن مطيعا له وهو قوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ ومع الجن حشرَ اللهُ له أيضًا من الإنس والطير كما في قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ

стр. 7369

وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ [النمل: ١٧]. ٢ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ رُوي عن ابن عباس عن النَّبِيّ ﷺ قال: "كَانَ سُلَيمانُ نبيُّ اللهِ إذَا صَلَّى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول لأي شيء أنت؟ فإن كانت تُغْرَسُ غُرسَت، وإن كان لدواءٍ كُتبتْ، فبينما هو يُصَلِّي ذاتَ يَومٍ إذ رأى شجرةً بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم! عمّ على الجن موتي؛ حتَّى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنَحَتَها عصا فتوكَّأ عليها حولًا ميتًا، والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فسقط، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين". قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء. رواه البزّار (كشف الأستار: ٢٣٥٥) عن محمد بن مرزوق بن بكير، ثنا محمد بن مسعود، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره مرفوعًا. ورواه أيضًا البزّار (٢٣٥٦) من طريق سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب به موقوفًا وهو الصواب، وفي بعض ألفاظه غرابة ونكارة. والكلام عليه مبسوط في كتاب الأنبياء. بيّنَ الله بهذه الآية أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يزعمون لجهلهم، وقد اشتهر بين المشركين أن الجن يعلمون الغيب فكانوا يذهبون إلى الكهان ظنًّا منهم أن لكل كاهن جنّيا يأتيه بأخبار الغيب فردّ الله على الجميع بأنهما لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا وفاة سليمان وهو أهون عليهم. ٣ - باب قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وسبأ رجل ولدَ عشرةً، فسكنَ ستة منهم في اليمن، وأربعة منهم في الشام كما جاء في الحديث: • عن ابن عباس، يقول: إن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ، ما هو: أرجل، أم امرأة، أم أرض؟ فقال: "بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام

стр. 7370

منهم أربعة، فأما اليمانيون: فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، عرباء كلها، وأمّا الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسان". حسن: رواه أحمد (٢٨٩٨)، والحاكم (٢/ ٤٢٣) كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، حَدَّثَنَا عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن، عن عبد الله بن هبيرة السبائي، عن عبد الرحمن بن وعلة، قال: سمعت ابن عباس، يقول فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل عبد الله بن لهيعة فإنه متكلم فيه، ولكن روايه عبد الله بن يزيد عنه صالحة، وقد حسّنه ابن كثير في تفسيره. تنبيه: وقع في النسخة المطبوعة من المستدرك "عبد الله بن عَيَّاش" مكان "عبد الله بن لهيعة"، والظاهر أن هذا تصحيف لأن أهل العلم لم يذكروا عبد الله بن عَيَّاش ضمن تلاميذ عبد الله بن هُبَيْرة، وهو تصحيف قديم لأنه كذلك وقع أيضًا في "إتحاف المهرة" (٧/ ٣٦٣). • عن فروة بن مسيك الغطيفي، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ قال: "بلى" ثمّ بدا لي، فقلت: يا رسول الله! لا، بل أهل سبأ، فهم أعزّ وأشدّ قُوة. قال: فأمرني رسول الله ﷺ ، وأذن لي في قتالهم، فلمّا خرجتُ من عنده أنزل الله في سبأ ما أنزل، فقال رسول الله ﷺ : "ما فعل الغطيفي؟ " فأرسل إلى منزلي، فوجدني قد سِرْتُ فرُدِدْتُ، فلمّا أتيتُ رسول الله ﷺ وجدته قاعدًا ومعه أصحابه، قال: فقال: "بل ادعُ القومَ، فمن أجاب فاقبل منه، ومن لم يجب فلا تعجل عليه، حتَّى تحدث إلي" قال: فقال رجل من القوم: يا رسول الله! أخبرْنا عن سبأ، أرض هي أو امرأة؟ قال: "ليست بأرض ولا امرأة، ولكنه رجلٌ وَلَدَ عشرةً من العرب، فتيامنَ منهم ستةٌ، وتشاءمَ منهم أربعةٌ، فأما الذين تشاءموا: فَلَخْمٌ، وجُذامٌ، وغسّان، وعامِلَة، وأمّا الذين تيامنوا: فالأزدُ، وكندةُ، وحميرٌ، والأشعريون، وأنمارٌ، ومذحج" فقال رجل: يا رسول الله! وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة". حسن: رواه أبو داود (٣٩٨٨)، والتِّرمذيّ (٣٢٢٢)، وأحمد (٢٤٠٠٩/ ٨٩)، واللّفظ له، كلّهم من طريق أبي أسامة (حمّاد بن أسامة)، حدثنىِ الحسن بن الحكم النخعي قال: أخبرنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مُسَيك الغُطيفي فذكره. وأبو سبرة النخعي الكوفي يقال: اسمه عبد الله بن عابس، روى عنه ثلاثة، وذكره ابن حبَّان في الثّقات، لذا قال عنه الحافظ: "مقبول" يعني حيثُ يتابع وإلَّا فلين الحديث. وقد توبع.

стр. 7371

رواه أحمد (٢٤٠٠٩/ ٨٨)، والطَّبرانيّ في الكبير (١٨/ ٣٢٣) كلاهما من طرق عن أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عروة، عن فروة بن مُسيك فذكره. وأبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي متكلم فيه، قال عنه الحافظ: "ضعّفوه لكثرة تدليسه". لكنْ لا بأس به في المتابعة، وبهذين الإسنادين يرتقي الحديث إلى درجة الحسن. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب". وحسّنه أيضًا ابن كثير في تفسيره. ٤ - باب قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ قوله: ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي قرى الشام. قوله: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أي بلد بعد بلد، فإذا خرجوا من مملكة سبأ التي كانت في اليمن للتجارة مروا على القرى المتواصلة بعضها ببعض، ولذلك ما كانوا يحملون الزاد والماء. والظاهر أن هذه القرى بناها ملوك هذه البلاد لراحة القوافل، أو بناها الناس نظرًا لورود القوافل إليهم من اليمن إلى الشام، ومن الشام إلى اليمن. قوله: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ أي لهم أن يسيروا ليلًا أو نهارًا فلا يعترضهم أحد بسوء، ولا يجدون المشقة في حصول الطعام والماء. وهذه النعمة العظيمة التي وهبهم الله لم يقدروها، فقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ لعل قولهم هذا كان على سبيل الاستهزاء لدعوة الأنبياء والعلماء إلى التوحيد والعمل الصالح، وقد كفروا بالله بعد سليمان ﵇. وقال مجاهد: بطروا النعمة، وسئموا الراحة. قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي عاقبناهم على كفرهم وشركهم بعد أن كانوا في نعمة من الله تعالى، وفي بحبوحة من العيش، فصار وجودهم في الأخبار والقصص عبرةً لمن بعدهم بخلاف المؤمن كما جاء في الصَّحيح: • عن صُهَيب قال: قال رسول الله ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحدً إلَّا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٩) من طرق عن سليمان بن المغيرة، حَدَّثَنَا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب، فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الجنائز.

стр. 7372

٥ - باب قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ • عن أبي هريرة قال: إن نبي الله ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ للذي قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعفمه فوق بعض. - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته حتَّى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء". صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٠٠) عن الحميدي، حَدَّثَنَا سفيان، حَدَّثَنَا عمرو، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره. • عن عبد الله بن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ماذا كنتم تقولون في الجاهليّة إذا رمي بمثل هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ : "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ اسمُه إذا قضى أمرًا سبّح حملة العرش، ثمّ سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتَّى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدُّنيا، ثمّ قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا حتَّى يبلغ الخبر هذه السماء الدُّنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون". صحيح: رواه مسلم في السّلام (٢٢٢٩) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حَدَّثَنَا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حَدَّثَنِي عليّ بن حسين أن عبد الله بن عباس قال: فذكره. ٦ - باب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ • عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا

стр. 7373

لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصّلاة صلّى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من طريق هُشيم، أخبرنا سيّار، حَدَّثَنَا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله فذكره. والسياق لمسلم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي مذكورة في كتاب الجهاد وفي كتاب السيرة. ٧ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ أي أن الله يعطي ويبسط من الدُّنيا لمن يحب ولمن لا يحب، وأطيبهم في الدُّنيا من وُفّقَ للإسلام ورُزقَ الكفاف والقناعة بما أعطي، كما جاء في الصَّحيح: • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه". صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، حَدَّثَنِي شرحبيل - وهو ابن شريك -، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره. ٨ - باب قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٦٤: ٣٤) عن عمرو الناقد، حَدَّثَنَا كثير بن هشام، حَدَّثَنَا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة فذكره. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. • عن أبي سعيد الخدريّ: أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم.

стр. 7374

قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٥٦)، ومسلم في الجنّة وصفة نعيمها (٢٨٣١) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ فذكره. ٩ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله قال لي: أَنفق أُنفق عليك". وقال: "يد الله ملآى، لا تغيضها نفقة سحّاء الليل والنهار". وقال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض؟ فإنه لم يغِضْ ما في يده وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٨٤)، ومسلم في الزّكاة (٩٩٣) كلاهما من طريق أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. واللّفظ للبخاريّ. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إِلَّا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكًا تلفًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٤٢)، ومسلم في الزّكاة (١٠١٠) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حَدَّثَنِي معاوية بن مزرِّد، عن أبي الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة فذكره. ١٠ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ أسند إلى النَّبِيّ ﷺ مهمة النذارة فقام بها خير قيام. • عن ابن عباس قال: صعِدَ النَّبِيّ ﷺ الصفا ذات يوم فقال: "يا صباحاه" فاجتمعت إليه قريش قالوا: ما لك؟ قال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ ". قالوا: بلى. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبًّا لك ألهذا جمعتَنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٠١)، ومسلم في الإيمان (٢٠٨) كلاهما من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. واللّفظ للبخاري، وسياق مسلم طويل. • عن بريدة بن الحصيب قال: خرج إلينا النَّبِيّ ﷺ يومًا، فنادى ثلاث مرار،

стр. 7375

فقال: "أيها الناس! تدرون ما مثلي ومثلكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنَّما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلًا يتراءى لهم، فبينما هم كذلك أبصر العدو فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس! أُتيتم، أيها الناس! أُتيتم" ثلاث مرار. حسن: رواه أحمد (٢٢٩٤٨) عن أبي نعيم، حَدَّثَنَا بشير، حَدَّثَنِي عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل بشير وهو ابن المهاجر الغنوي الكوفي من رجال مسلم إِلَّا أنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه، تكلّم فيه أحمد، ووثّقه ابن معين، وقال النسائيّ: لا بأس به. ١١ - باب قوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ أي يهلكه ويبطله تماما فلا تبقى منه بادئة ولا عائدة كما يقال: فلان ما يبدئ وما يعيد، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة وهذا يقال للميت الذي لا يرتجل كلاما، ولا يجيب عن كلام غيره. وقد عبّر الله عنه بالزهوق، فقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] وقال أيضًا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] وقد جاء في الحديث: • عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النَّبِيّ ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٢٠)، ومسلم في الجهاد ١٧٨١١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود فذكره. واللّفظ للبخاريّ ولفظ مسلم نحوه وزاد في رواية: يوم الفتح، وكذلك ذكره البخاريّ أيضًا في المغازي (٤٢٨٧). وقد تحقق هذا الخبر الرباني، فليست بعد مجيء الحق في الأرض بقعة إِلَّا يعبد فيها الاله الحق وحده، وليس للباطل أن يقضي على الحق نهائيا بل يبقى الحق إلى قيام الساعة كما لم تكن قبل مجيء الحق في الأرض بقعة يُعبد فيها الإله الحق وحده. ١٢ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾ • عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النَّبِيّ ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون

стр. 7376

بالتكبير، فقال النَّبِيّ ﷺ : "اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبًا وهو معكم" ... الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٠٢)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٤) كلاهما من طريق عاصم (هو الأحول)، عن أبي عثمان (هو النهدي)، عن أبي موسى الأشعري فذكره. قوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ هو على سبيل التنزل في المجادلة مع المكذبين الذين كانوا يرمونه بالضلال، فقال: إن ضلاله يختص به، لا يتعدى إلى غيره بخلاف الهداية فإنما كانت بالوحي من عند الله الذي هو سميع لأقوالكم وأصواتكم، فيحاسبكم على عدم إيمانكم به، وهو قريب ممن دعاه وسأله. ولذا أمر النَّبِيّ ﷺ بخفض الأصوات عند الدعاء والتكبير والتهليل. • * *

стр. 7377

٣٥ - تفسير سورة فاطر هي مكية، وعدد آياتها ٤٥ ١ - باب قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ قوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ أي أن الله خلق الملائكة لبعضهم جناحان، ولبعضهم ثلاثة أجنحة، ولبعضهم أكثر من ذلك لقوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ وقد جاء في الصَّحيح: • عن ابن مسعود: أنّ النَّبِيّ ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح. متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٣٢)، ومسلم في الإيمان (١٧٤) كلاهما عن أبي إسحاق الشيباني، قال: سألت زر بن حبيش، عن قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]. قال: أخبرني عبد الله بن مسعود، فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ أي: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وقد جاء في الصَّحيح. • عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى عليّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية: أن النَّبِيّ ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٤٤)، ومسلم في المساجد (٥٩٣) كلاهما من طريق ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة، قال: فذكره. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: "ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض ومِلْءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم! لا مانع لما أعطيت، ولا معطي

стр. 7378

لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدّ". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٧٧) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا مروان بن محمد الدمشقي، حَدَّثَنَا سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قَزَعة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. ٣ - باب قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بالقدر، وقد جاء في الحديث. • عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٦٤٤)، وأحمد (٦٦٤٤)، وصحّحه ابن حبَّان (٦١٦٩)، والحاكم (١/ ٣٠) كلّهم من طرق عن عبد الله الديلمي قال: سمعت عبد الله بن عمرو، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. ٤ - باب قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾. • عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ مما تذكرون من جلال الله التسبيح، والتهليل، والتحميد، ينعطفن حول العرش، لهنّ دويّ كدويّ النحل، تذكِّر بصاحبها، أما يحبّ أحدكم أن يكون له - أو لا يزال له - من يذكّر به؟ ". صحيح: رواه ابن ماجة (٣٨٠٩) عن أبي بشر بكر بن خلف، قال: حَدَّثَنِي يحيى بن سعيد، عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، أو عن أخيه، عن النعمان بن بشير، فذكره. وإسناده صحيح. والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. • عن أنس قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ في الحلقة، إذ جاء رجل، فسلّم على النَّبِيّ ﷺ وعلى القوم، فقال: السّلام عليكم، فردّ عليه النَّبِيّ ﷺ : "وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته". فلمّا جلس الرّجل قال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبّ ربّنا ويرضى، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "كيف قلت؟ ". فردّ على النَّبِيّ

стр. 7379

- ﷺ كما قال، فقال النَّبِيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده! لقد ابتدرها عشرة أملاك، كلّهم حريص على أن يكتبوها، فبادروا كيف يكتبونها حتَّى رفعوه إلى ذي العزّة، فقال: اكتبوها كما قال عبدي". حسن: رواه النسائيّ في عمل اليوم والليلة (٣٤١)، وأحمد (١٢٦١٢)، وابن حبَّان (٨٤٥)، والضياء في "المختارة" (١٨٨٧) كلّهم من طريق خلف، عن ابن أخي أنس، عن أنس، فذكره. وإسناده حسن من أجل خلف وهو ابن خليفة بن صاعد الأشجعي مولاهم الواسطي، وهو حسن الحديث، قال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به، ولا أبرئه من أن يخطئ في بعض الأحاديث في بعض رواياته". والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. ٥ - باب قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾ قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: أن الله ابتدأ خلق أبيكم آدم ﵇ من تراب، ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لينتهينّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنّما هم فحم جهنّم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجُعل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهليّة وفخرها بالآباء، إنّما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب". حسن: رواه الترمذيّ (٣٩٥٥)، وأحمد (١٠٧٨١) كلاهما من طريق أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، حَدَّثَنَا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل هشام بن سعد المدني وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن". وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. • عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إِلَّا الله: لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأيّ أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر". صحيح: رواه البخاريّ في الكسوف (١٠٣٩) عن محمد بن يوسف، قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن

стр. 7380

عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. وقوله: "في الأرحام": ليس مقصورا على معرفة الذكر والأنثى في الرحم، بل هو شامل لجميع مراحل حياة الطفل، من كونه سعيدا أو شقيا، ومن كونه غنيا أو فقيرا ونحو ذلك. وقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. • عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "من سرّه أن يبسط له رزقه أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه". متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٦٧)، ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٥٧) كلاهما من طريق يونس، حَدَّثَنَا ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: فذكره. والمعنى أن طول العمر وقصره بسبب وبغير سبب، كل ذلك معلوم ومكتوب عند الله . ٦ - باب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ أي: الناس والدواب والأنعام كذلك مختلفة أيضًا في ألوانها، فالناس منهم من هو في غاية السواد مثل الحبشة، ومنهم من هو في غاية البياض مثل الروم، ومنهم من هو بين ذلك مثل العرب. والهنود دون العرب في ذلك، وهذا كله من آيات الله في خلقه، قال تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]. من إفادات الحافظ ابن كثير. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ أي: إنّما يخشاه حق خشيته العلماء الذين يعرفون سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ويعرفون حلاله وحرامه وأوامره ونواهيه، وما يحب ويرضى وما يكرهه ويغضب منه، ولا يُعلَم ذلك على الوجه الصَّحيح إِلَّا بتعلم الكتاب والسنة وفهمهما وفق منهج السلف الصالح من الصّحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة الدين، ويقابلهم الجهال من المشركين والكفار، وكذلك من المسلمين الذين يتعلمون العلوم العصرية، وليس لديهم علمٌ كافٍ من الكتاب والسنة فيُخشى عليهم الزيغ والضلال، فقصر الله الخشية على العلماء العارفين بالكتاب والسنة، وعلى الذين يجعلون العلوم العصرية خاضعة لهما، ولذا وجب الاهتمام بتعليم الكتاب والسنة للعلماء العصريين. ٧ - باب قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي: يُسوّرون في أيديهم رجالهم ونساؤهم أساور الذهب واللؤلؤ، وقد جاء في الحديث. • عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمدّ يده

стр. 7381

حتَّى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة! ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ! أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥٠) عن قُتَيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا خلف، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، فذكره. وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. • عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي، فلمّا وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدُّنيا ولنا في الآخرة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأطعمة (٥٤٢٦)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٦٧) كلاهما من طريق مجاهد، قال: حَدَّثَنِي عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره. واللّفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد. ٨ - باب قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾. • عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لن يُدخِل أحدًا عملُه الجنّة". قالوا: ولا أنت، يا رسول الله؟ ! قال: "لا، ولا أنا، إِلَّا أن يتغمدّني الله بفضل ورحمة، فسدّدوا وقاربوا، ولا يتمنّينّ أحدُكم الموت، إمّا محسنا فلعله أن يزداد خيرًا، وإمّا مسيئا فلعله أن يستعتب". متفق عليه: رواه البخاريّ في المرضى (٥٦٧٣)، ومسلم في صفة القيامة (٢٨١٦: ٧٥) كلاهما من طريق الزّهري، قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة، قال: فذكره. واللّفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر.

стр. 7382

٩ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ • عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أمّا أهل النّار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النّار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم)، فأماتهم إماتة، حتَّى إذا كانوا فحما، أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثّوا على أنهار الجنّة، ثمّ قيل: يا أهل الجنّة! أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان بالبادية. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٥) عن نصر بن عليّ الجهضمي، حَدَّثَنَا بِشر - يعني ابن المفضل -، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره. ١٠ - باب قوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ التعمير: هو تطويل العمر، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [سورة البقرة: ٩٦]، فإن العمر الذي منحه الله للإنسان من ستين إلى سبعين سنة كافٍ للتذكر والعمل بموجبه، وقد جاء في الصَّحيح. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "أعذر الله إلى امرئ أخّر أجله حتَّى بلّغه ستين سنة". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٩) عن عبد السّلام بن مطهَّر، حَدَّثَنَا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. معنى الحديث: أن الله لم يترك له شيئًا في الاعتذار يتمسك به، فإن تطويل عمره إلى ستين سنة يقتضي منه الطاعة والاستغفار والإقبال على الآخرة بخلاف الشباب، فإنه إن قيل له: تب من المعصية، فيقول: إذا شِخت. بخلاف الشّيخ المعمّر، فليس أمامه إِلَّا التوبة. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك". حسن: رواه الترمذيّ (٣٥٥٠)، وابن ماجة (٤٢٣٦)، وصحّحه ابن حبَّان (٢٩٨٠)، والحاكم (٢/ ٤٢٧) كلّهم من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي فإنه حسن الحديث.

стр. 7383

قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب من حديث محمد بن عمرو بن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ ، لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه، ورُوي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه". ١١ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ قوله: ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ إنْ نافية أي لا يمسكهما أحدٌ من بعده. لأن الله تعالى جعل السماوات والأرض وما فيهما من الكواكب والسيارات باتزان حيث لا يتصادم بعضه ببعض، فإذا أراد يوم القيامة أن يصطدم بعضه ببعض رفع هذا الاتزان، فتتغير السماوات والأرض، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، أي يقع الانقلاب العظيم في الكائنات كلها لا يعلم هيئتها ووسعتها إِلَّا الله . وقوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي خرجوا من قبورهم للحساب. • * *

стр. 7384

٣٦ - تفسير سورة يس وهي مكية، وعدد آياتها ٨٣ ١ - باب قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ أي: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم في حياتهم، وكذلك نكتب آثار أعمالهم في حياتهم وبعد وفاتهم سواء كانت هذه الأعمال والآثار من باب الخير أو من باب الشر، كلها يسجل ويكتب لهم أو عليهم. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "إن آثاركم تكتب، فلا تنتقلوا". حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٢٦)، وابن جرير الطبريّ في تفسيره (١٩/ ٤١٠)، والحاكم (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩) كلّهم من طريق سفيان بن سعيد الثوري، عن أبي سفيان طريف بن شهاب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. وأبو سفيان طريف بن شهاب ضعيف، لكنه لم ينفرد به، بل توبع عليه، فقد رواه البزّار - كما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره - من طريق شعبة وعبد الأعلى كلاهما عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة به. والجريري كان قد اختلط، ولكن رواية شعبة وعبد الأعلى عنه كانت قبل الاختلاط. • عن جابر بن عبد الله قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لهم: "إنَّه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ ". قالوا: نعم، يا رسول الله! قد أردنا ذلك، فقال: "يا بني سلمة! دياركم تُكتَب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم". صحيح: رواه مسلم في المساجد ومواضع الصّلاة (٦٦٥) عن محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: سمعت أبي يحدث، قال: حَدَّثَنِي الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: فذكره. وزاد في رواية من وجه آخر عن أبي نضرة به. "فقالوا: ما كان يسرّنا أنا كنا تحولنا". • عن جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار. قال: فجاءه

стр. 7385

قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلّدي السيوف، عامتهم من مُضر، بل كلّهم من مُضر، فتمعّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثمّ خرج، فأمر بلالًا، فأذّن، وأقام، فصلى، ثمّ خطب، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره (حتَّى قال) ولو بشق تمرة". قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرّة كادت كفّه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ثمّ تتابع الناس حتَّى رأيت كومين من طعام وثياب، حتَّى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلّل، كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : "من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". صحيح: رواه مسلم في الزّكاة (١٠١٧) عن محمد بن المثنى العنَزي، أخبرنا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ • عن أبي ذرّ قال: سألت النَّبِيّ ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: "مستقرها تحت العرش". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٠٣)، ومسلم في الإيمان (١٥٩: ٢٥١) كلاهما من طريق وكيع، حَدَّثَنَا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرّ، قال: فذكره. واللّفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي ذرّ أن النَّبِيّ ﷺ قال يومًا: "أتدرون أين تذهب هذه الشّمس؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنَّ هذه تجري حتَّى تنتهي إلى مستقرّها تحت العرش، فتخرّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتَّى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتُصبح طالعة من مطلعها، ثمّ تجري حتَّى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرّ ساجدة، ولا تزال كذلك حتَّى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتُصبح طالعة من مطلعها، ثمّ تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا حتَّى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتُصبح

стр. 7386

طالعة من مغربها، فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون متى ذاكم؟ . ذاك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٠٢)، ومسلم في الإيمان (١٥٩) كلاهما من طريق إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرّ قال: فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ مختصر. • عن أبي ذرّ قال: قال النَّبِيّ ﷺ لأبي ذرّ حين غربت الشّمس: "أتدري أين تذهب؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب حتَّى تسجد تحت العرش، فتستأذن، فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن، فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها. فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩٩)، ومسلم في الإيمان (١٥٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرّ قال: فذكره، واللّفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٣ - باب قوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ إن شهادة الجوارح يوم القيامة جاء ذكرها أيضًا في آيات أخرى من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢٠، ٢١]. وذلك لأن الكفار والمنافقين يوم القيامة يكذبون، ويخفون شركهم ومعاصيهم بل ينكرونها، قال تعالى عنهم: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٣، ٧٤]. فمن أجل إخفائهم وإنكارهم لشركهم ومعاصيهم، ومن أجل إظهار الله لعدله وإقامة الحجة عليهم يختم على ألسنتهم وأفواههم، ويشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم وغيرها من أعضاء الجسم وأركانه، وإليه يشير قوله تعالى في الآية المذكورة: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ ... وقد جاءت الأحاديث في معناها. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في حديث رؤية الرب يوم القيامة -: "ثمّ يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ؟ ، فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه

стр. 7387

بعمله، وذلك ليُعذِر من نفسه. وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٨) عن محمد بن أبي عمر، حَدَّثَنَا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: فذكره. • عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك، فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ ". قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة العبد ربه. يقول: يا ربّ! ألم تُجِرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى. قال: فيقول: فإنى لا أجيز على نفسي إِلَّا شاهدًا مني. قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي. قال: فتنطق بأعماله، قال: ثمّ يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعدًا لكنّ وسُحقًا. فعنكُنّ كنتُ أناضل". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٩) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر، حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا عبيد الله الأشجعي، عن الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس بن مالك، فذكره. • عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: أتيت النَّبِيّ ﷺ حين أتيته، فقلت: والله! ما أتيتك حتَّى حلفت أكثر من عدد أولاء أن لا آتيك، ولا آتي دينك، - وجمع بهز بين كفيه - وقد جئت امرأً لا أعقل شيئًا إِلَّا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله: بم بعثك الله إلينا؟ قال: "بالإسلام". قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: "أن تقول: أسلمت وجهي لله، وتخليت، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة. كل مسلم على مسلم محرم، أخوانِ نصيرانِ، لا يقبل الله من مشركٍ أشرك بعد ما أسلم عملًا، وتفارق المشركين إلى المسلمين، ما لي أُمسِك بحجزكم عن النّار؟ ألا إن ربي داعيّ وإنه سائلي: هل بلغت عباده؟ . وإني قائل: ربّ إني قد بلّغتهم، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب، ثمّ إنكم مدعوّون مفدَّمة أفواهكم بالفدام. ثمّ إن أول ما يُبين عن أحدكم لَفخذُه وكفُه". قلت: يا نبي الله! هذا ديننا؟ قال: "هذا دينكم وأينما تُحسِن يكفك". حسن: رواه أحمد (٢٠٠٤٣) عن إسماعيل، أخبرنا بهز بن حكيم، فذكره. وإسناده حسن من أجل بهز وأبيه، فإنهما حسنا الحديث، وجده معاوية بن حيدة القشيري، له صحبة. ٤ - باب قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾

стр. 7388

أخبر الله تعالى أنه ما علّم النَّبِيّ ﷺ الشعر، وأنه لا يليق بمقام النبوة ولا يناسب له، وذلك حتَّى لا يختلط الوحي بالشعر، وكونه جرى على لسانه بعض الأشعار من غير قصد فلا يدل على كونه شاعرًا، ومن ذلك ما جاء في الصَّحيح. • عن البراء بن عازب وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال البراء: ولكن رسول الله ﷺ لم يفر، وكانت هوازن يومئذ رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها وهو يقول: أنا النَّبِيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣١٧)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٧٦: ٨٠) كلاهما عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر غندر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رجل من قيس، فذكره. • عن جندب بن سفيان: أن رسول الله ﷺ كان في بعض المشاهد، وقد دميت إصبعه، فقال: هل أنتِ إِلَّا إصبعٌ دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٠٢)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٩٦) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان، فذكره. وكذلك أنه أنشد بعض الأشعار لغيره مع الصّحابة. • عن البراء قال: رأيت النَّبِيّ ﷺ يوم الخندق وهو ينقل التراب حتَّى وارى التراب شعر صدره - وكان رجلًا كثير الشعر - وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة. اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا إن الأعداء قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا يرفع بها صوته. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٣٠٣٤) - واللّفظ له -، ومسلم في الجهاد (١٢٥: ١٨٠٣) كلاهما من طريق أبي إسحاق، عن البراء، فذكره. وأمّا الروايات التي جاء فيها إنشاد النَّبِيّ ﷺ بعض الأشعار مع عدم إقامته لأوزانها فهي كلها

стр. 7389

معلولة، والنبي ﷺ كان أفصح العرب فمثلها لا تخفى عليه، ويبعد وقوعها منه ﷺ . والشعر إذا كان خاليا من الفواحش والمنكرات والدعوات الجاهليّة فلا بأس بإنشائه، وحفظه وإنشاده، بل هو محمود ومطلوب لغرس الفضائل في النفوس ومدح النَّبِيّ ﷺ والدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه، وقد كان النَّبِيّ ﷺ يحث الصّحابة على دفاعهم عن الإسلام بأشعارهم، وكان يستنشدهم، ويستمع إليهم. والكلام على ذلك مبسوط في تفسير سورة الشعراء الآية [٢٢٤ - ٢٢٧]. ٥ - باب قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ • عن ابن عباس أن العاصي بن وائل أخذ عظما من البطحاء، ففتّه بيده، ثمّ قال لرسول الله ﷺ : أيحيي الله تعالى هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، يميتك الله، ثمّ يحييك، ثمّ يدخلك جهنّم". قال: ونزلت الآيات من آخر. صحيح: رواه ابن أبي حاتم - كما ذكره ابن كثير -، وابن جرير الطبريّ في تفسيره (١٩/ ٤٨٧)، والحاكم (٢/ ٤٢٩) كلّهم من طرق عن هُشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح إِلَّا أن ابن جرير ذكره عن سعيد بن جبير مرسلًا، ولم يذكر ابن عباس، ولكن الحكم لمن وصل. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين". • عن بسر بن جحاش القرشي أن النَّبِيّ ﷺ بزق يومًا في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثمّ قال: "قال الله: ابن آدم! أنى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه، حتَّى إذا سويتك وعدّلتك، مشيتَ بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعتَ ومنعتَ، حتَّى إذا بلغت التراقي، قلتَ: أتصدّق، وأنى أوان الصّدقة". صحيح: رواه ابن ماجة (٢٧٠٧)، وأحمد (١٧٨٤٢) واللّفظ له، وصحّحه الحاكم (٢/ ٥٠٢) كلّهم من طرق عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش القرشي، قال: فذكره. وإسناه صحيح، وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي الحمصي وثّقه ابن حبَّان والعجلي، وقال

стр. 7390

أبو داود: شيوخ حريز كلّهم ثقات، وصحّحه ابن حجر في الإصابة (٦٤٤). • عن حذيفة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مُت فخذوني، فذرّوني في البحر في يوم صائف، ففعلوا به، فجمعه الله، ثمّ قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال: ما حملني إِلَّا مخافتك فغفر له". صحيح: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٤٨٠) عن عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، فذكره. قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي: الذي أخرج لكم من الشجر الأخضر الرطب نارًا محرقة. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: هما شجرتان يقال لأحدهما: المرْخُ، وللأخرى: العَفار، فمن أراد منهم النّار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فَيَسحقُ المرخ على العفار، فيخرج منهما النّار بإذن الله . وذكر أن هذا النوع من الشجر كان ينبت في أرض الحجاز، وكان من أراد منهم قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويمدح أحدهما بالآخر، فتتولد النّار من بينهما كالزناد سواء. ولكن حصول ذلك ليس مقتصرا على أرض الحجاز، فإن معظم الحرائق التي تحدث في الغابات تكون في الغالب من احتكاك الأشجار فيما بينها. وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هذا كقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. فالملكوت والملك في معنى واحد، فهو مثل رحمة ورحموت، وجبر وجبروت ونحوها. وقد كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: "سبحان ذي الجبروت والملكوت" كما جاء في الحديث. • عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قُمتُ مع رسول الله ﷺ ليلةً، فقام، فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمةٍ إِلَّا وقف، فسأل، ولا يمرّ بآية عذاب إِلَّا وقف، فتعوّذ. قال: ثمّ ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة". ثمّ سجد بقدر قيامه، ثمّ قال في سجوده مثل ذلك، ثمّ قام، فقرأ بآل عمران، ثمّ قرأ سورة سورة. حسن: رواه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي (١١٣٢)، والتِّرمذيّ في الشمائل (٣٠٦) كلّهم من طريق معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس الكندي، يقول: سمعت عاصم بن حميد، يقول: سمعت عوف بن مالك يقول: فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن حميد - وهو السكوني - فإنه صدوق.
следующие страницы →