← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قلت: كذا قال! وقد أخرجه أيضًا عن أنس، كما سبق، ولكن كلّه ضعيف. ٣٦ - باب ما جاء أنّ أولاد المسلمين في الجنّة قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الطّور: ٢١]. • عن أبي حسّان، قال: قلت لأبي هريرة: إنّه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول اللَّه ﷺ بحديث تُطَيِّبُ أنفسنا عن موتانا؟ قال: قال: نعم: "صغارهم دَعاميص الجنّة، يتلقَّى أحدُهم أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى -أو قال: فلا ينتهي- حتّى يدخله اللَّه وأباه الجنّة". صحيح: رواه مسلم في البر والصّلة (٢٦٣٥) من طرف عن المعتمر، عن أبيه، عن أبي السليل، عن أبي حسان، فذكره. وقوله: "دعاميص". جمع دُعموص -وهو من صغار أهلها- أصل الدّعموص دُويبة تكون في الماء لا تفارقه، أي أن هذا الصغير في الجنّة لا يفارقها. وقوله: "صنفة ثوبك". أي طرف ثوبك، ويقال: صَنيفة. • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "ذراري المسلمين في الجنّة يكفلهم إبراهيم". وفي رواية: "أولاد المسلمين في جبل في الجنّة يكفلهم إبراهيم ﵇ وسارة، فإذا كان يوم القيامة دُفعوا إلى آبائهم". حسن: رواه الإمام أحمد (٨٣٢٤) عن موسى بن داود، حدّثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء ابن قرّة، عن عبد اللَّه بن ضَمْرة، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ فيما أعلم -شكّ موسى- قال (فذكر الحديث). وإسناده حسن من أجل الخلاف في عبد الرحمن بن ثابت وهو ابن ثوبان العنسيّ ضعّفه النسائيّ، وقال ابن معين: لين، ووثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما. وقد صحّحه ابنُ حبان (٧٤٤٦)، والحاكم (٢/ ٣٧٠)، وروياه من هذا الوجه. والرواية الثانية أخرجها البيهقيّ في القضاء والقدر (٣/ ٨٩٨) بإسناد آخر صحيح عن أبي هريرة، وأشار البيهقيّ بأنه رُوي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا، فلعلّه أشار إلى الإسناد الأوّل. وللحديث أسانيد أخرى، وهذه أصحّها.

стр. 772

٣٧ - باب أنّ أولاد المسلمين والمشركين في الجنّة • عن سمرة بن جندب، قال: كان النبيّ ﷺ مما يُكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم من رؤيا؟ ". ثم إنّه قال ذات غداةٍ: (فذكر الرّؤيا) وفيه: "وأمّا الرّجل الطّويل الذي في الرّوضة فإنّه إبراهيم ﵇، وأما الوِلْدان الذين حوله فكلُّ مولود مات على الفطرة". قال: فقال بعضُ المسلمين: يا رسول اللَّه، وأولاد المشركين؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "وأولاد المشركين". متفق عليه: رواه البخاريّ في التعيير (٧٠٤٧) مطوّلًا، ومسلم في الرؤيا (٢٢٧٥) مختصرًا، كلاهما من حديث أبي رجاء العُطارديّ، عن سمرة بن جندب، فذكر الحديث بطوله، وسيأتي في موضعه. ورؤيا الأنبياء حقّ؛ ولذا ذهب جمهور المحققين إلى أنّ أولاد المؤمنين والمشركين في الجنّة، ولعلّ هذا آخر الأمرين. وأمّا ما رُوي عن عائشة أنّها ذكرت لرسول اللَّه ﷺ أطفال المشركين فقال: "إن شئتُ أسمعتُكِ تَضاغِيهم في النّار" فهو ضعيف جدًّا. رواه الإمام أحمد (٢٥٧٤٣) عن وكيع، عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل، عن بُهَيَّة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده ضعيف جدًّا، فإنّ أبا عقيل يحيى بن المتوكّل متروك. قال الإمام أحمد: "يحيى بن المتوكل يروي عن بُهيَّة أحاديث منكرة، وهو واهي الحديث". ورواه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٦٦٤) وقال: "هذه الأحاديث لأبي عقيل، عن بُهيّة، عن عائشة غير محفوظة، ولا يروي عن بُهيَّة غير أبي عقيل هذا". وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٢١٧). وبُهيّة أيضًا مجهولة، انفرد بالرّواية عنها أبو عقيل. وقوله: "تضاغيهم". من ضغا إذا صاح. وكذلك لا يصح ما رُوي عن سلمة بن يزيد الجعفي، قال: انطلقتُ أنا وأخي إلى رسول اللَّه ﷺ ، قال: قلنا: يا رسول اللَّه، إنّ أمَّنا مُليكة كانت تصل الرّحم، وتَقْري الضّيف، وتفعل وتفعل، وهلكتْ في الجاهليّة، فهل ذلك نافعُها شيئًا؟ قال: "لا". قال: قلنا: فإنّها كانت وَأَدَتْ أُختًا لنا في الجاهليّة، فهل ذلك نافعُها شيئًا؟ قال: "الوائِدةُ والموؤودة في النّار، إلَّا أن تدرك الوائدةُ الإسلام فيعفو اللَّهُ عنها". وفي رواية: فإنّها وَأَدَتْ أُخْتًا لنا في الجاهليّة، فهل ينفع ذلك أختنا؟ . قال: "لا، الوائدةُ والموؤودة في النّار، إلّا أن ندرك الوائدةُ الإسلامَ فتسلم". فلما رأى ما دخل عليهما، قال: "وأمّي مع أمِّكما" رواه الإمام أحمد (١٥٩٢٣)، والطّبراني في الكبير (٦٣١٩)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٣/

стр. 773

٨٨٤) كلّهم من طريق داود بن أبي هند، عن الشّعبيّ، عن علقمة بن قيس، عن سلمة بن يزيد، فذكره. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١١٩) وقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح، والطّبرانيّ في الكبير بنحوه". قلت: وهو كما قال، إلّا أنّ في متنه نكارة، فإنّ الموؤدة -وهي البنت التي تُدفن حيّة- تكون غير بالغة بأيّ ذنب تدخل النّار؟ ! وقد قبَّح اللَّه هذا العمل الشّنيع، فقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [سورة التكوير: ٨ - ٩]. فإذا كانت الموؤدة قتلت بدون ذنب فكيف تدخل النّار؟ ! . وقد استدلّ ابنُ عباس بهذه الآية الكريمة بأنّ اطفال المشركين في الجنّة، فقال: "من زعم أنّهم في النّار فقد كذب، يقول اللَّه : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ قال ابن عباس: هي المدفونة". أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره. ويشهد لذلك حديث حسناء بنت معاوية الصريمية قالت: حدّثنا عمّي، قال: قلت للنّبيّ ﷺ : "من في الجنّة؟ ". قال: "النبيُّ في الجنّة، والشّهيد في الجنّة، والمولودة في الجنّة، والموؤدة في الجنّة". رواه أبو داود (٢٥٢١) عن مسدّد، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا عوف، حدّثتنا حسناء بنت معاوية بن سُليم، فذكرته. وعرف هو الأعرابيّ ومن هذا الوجه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٠٥٨٣) إلّا أنّ حسناء، ويقال: خنساء مجهولة؛ لأنها لم يرو عنها سوى عوف الأعرابيّ، ولم يوثقها أحد. وعمَّها اسمه أسلم بن سُليم. قال الحافظ في الإصابة (١/ ٣٩) في ترجمة أسلم بن سليم الصريمي هو: "عمّ خنساء بنت معاوية بن سُليم، سمّاه ابنُ منده، وقال أبو نعيم: لا يصح ذلك - يعني وإنما يروي عن خنساء، عن عمّها غير مسمّى". انتهى. قلت: حسناء أو خنساء وإن كانت مجهولة، وقال الحافظ في التقريب: "مقبولة". وحسَّن إسنادها في الفتح (٣/ ٢٤٦) إلّا أنّ الحديث له شواهد صحيحة تذكر في مواضعها. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن مسعود مرفوعًا: "الوائدة والموؤدة في النّار". رواه أبو داود (٤٧١٧) عن إبراهيم بن موسى الرّازيّ، حدّثنا ابن أبي زائدة، حدثني أبي، عن عامر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ (فذكر الحديث). قال يحيى بن زكريا: قال أبي: فحدّثني أبو إسحاق، أنّ عامرًا حدّثه بذلك عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ . وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد اللَّه السّبيعيّ كان قد اختلط بآخره، وابن أبي زائدة سمع منه بعد الاختلاط، والمتن فيه نكارة، فإنّ الموؤدة لا يقطع لها بالنّار؛ لأنّه لا تكليف قبل البلوغ.

стр. 774

٣٨ - باب الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة باللَّه وتفويض المقادير للَّه • وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحبّ إلى اللَّه من المؤمن الضعيف. وفي كلّ خير، احْرِصْ على ما ينفعك واستعنْ باللَّه ولا تعجزْ، وإنْ أصابك شيء فلا تقلْ: لو أنّي فعلتُ كان كذا وكذا. ولكن قل: قدرُ اللَّهِ، وما شاء فعل، فإنَّ لَوْ تفتحُ عمل الشّيطان". صحيح: رواه مسلم في القدر (٦٦٤٤) من طرق عن عبد اللَّه بن إدريس، عن ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ٣٩ - باب إذا قُدِّر للعبد منزلة ولم يبلغها بعمله ابتلاه اللَّه حتى يبلغه إياها • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الرجل لتكون له عند اللَّه المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال اللَّه يبتليه بما يكره حتَّى يُبلِّغه إيِّاها". حسن: رواه أبو يعلى (٦٠٦٩) عن أبي كريب، حدَّثنا يونس بن بكير، حدَّثنا يحيى بن أيوب، حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا أبو هريرة، فذكر مثله. وأورده الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٩٢) وقال: "رواه أبو يعلى وفي رواية له: "يكون له عند اللَّه المنزلة الرفيعة". ورجاله ثقات". قلت: وهو كما قال، فقد رواه ابن حبان في "الصحيح" (٢٩٠٨) عن محمد بن العلاء بن كريب (وهو أبو كريب الكوفي المشهور بكنيته)، والحاكم (١/ ٣٤٤) من طريق أحمد بن عبد الجبار - كلاهما عن يونس بن بكير بإسناده مثله. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ولكن ردَّه الذهبي فقال: "يحيى وأحمد ضعيفان، وليس يونس بحجَّة". قلت: يحيى هذا هو ابن أيوب بن أبي زرعة البجلي، وثّقه أبو داود، والبزار، وقال ابن معين: "ليس به بأس". فمثله يحسن حديثه، ولا يُضعَّف، وإن كان ابن معين قد ضعّفه في رواية عنه؛ ولذا قال فيه الحافظ: "لا بأس به". وأحمد بن عبد الجبار (وهو العُطاردي) وإن كان ضعيفًا؛ فقد قال فيه الدارقطني: "لا بأس به". على أنّه لم ينفرد كما رأيت. وأمّا يونس بن بكير (وهو الشيباني) فهو وإن لم يكن حجَّة، فإنّه لا ينزل عن مرتبة "صدوق"؛ وقد قال الذهبي نفسه في "الميزان" في ترجمته: "أحد أئمَّة الأثر والسير". ثمَّ قال: وقد أخرج مسلم ليونس في الشواهد، لا في الأصول، وكذلك ذكره البخاري مستشهدًا به، وهو حسن الحديث". انظر بقية أحاديث هذا الباب في كتاب الجنائز.

стр. 775

٤٠ - باب ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّا هي كائنة • عن ابن محيريز، أنّه قال: دخلتُ المسجد، فرأيتُ أبا سعيد الخدريّ، فجلستُ إليه. فسألته عن العزْل؟ فقال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبيًا من سبي العرب، فاشتهينا النّساء، واشتدّ علينا العُزْبة، وأَحْبَبْنا الفداءَ، فأردنا أن نعزل، فقلنا: نعزل ورسولُ اللَّه ﷺ بين أظهُرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك، فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلّا وهي كائنة". متفق عليه: رواه مالك في الطّلاق (٩٥) عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، فذكره. ورواه البخاريّ في العتق (٢٥٤٢) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن مالك، بإسناده. ورواه مسلم في النكاح (١٤٣٨) من وجه آخر عن إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني ربيعة بإسناده مثله، وفيه كان مع ابن محيريز أبو صرمة وهو الذي سأل أبا سعيد. وفي رواية عندهما - البخاريّ في النكاح (٥٢١٠)، ومسلم عن عبد اللَّه بن محمد بن أسماء الضُّبعي، حدّثنا جويرية، عن مالك، عن الزّهريّ، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد الخدريّ قال: أصبنا سبيًا، فكنا نعزل، فسألنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أوَ إنَّكم لتفعلون؟ أَوَ إنّكم لتفعلون؟ أَوَ إنّكم لتفعلون؟ ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلّا هي كائنة". ولم يذكر الجوهري في "مسند الموطأ" رواية جويرية. وفي مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد مرفوعا: "لا عليكم أن لا تفعلوا، فإنّما هو القَدَر". • عن جابر، أنّ رجلًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إنّ لي جاريةً هي خادمنا وسانيتُنا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل؟ فقال: "اعزلْ عنها إن شئتَ، فإنّه سيأتيها ما قُدِّر لها". فلبث الرّجلُ، ثم أتاه، فقال: إنّ الجارية قد حَبِلتْ؟ فقال: "قد أخبرتُك أنّه سيأتيها ما قُدِّر لها". صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤٣٩) عن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدّثنا زهير، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. وفي رواية: "إنّ ذلك بن يمنع شيئًا أراده اللَّه". قال: فجاء الرّجل، فقال: يا رسول اللَّه، إنّ الجارية التي كنتُ ذكرتُها لكَ حملتْ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنا عبد اللَّه ورسوله". وفي رواية عند ابن ماجه (٨٩) من وجه آخر عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، وفيه: "ما قُدِّر لنفس شيء إلا هي كائنة".

стр. 776

وفي الصّحيحين -البخاريّ في النكاح (٥٢٠٩)، ومسلم- كلاهما من حديث عمرو، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا نعزل على عهد رسول اللَّه ﷺ والقرآن ينزل. قال سفيان: لو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن. وفي رواية: كنّا نعزل على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فبلغ ذلك نبي اللَّه ﷺ فلم يَنْهنا. • عن أنس بن مالك، قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ ، وسأل عن العزْل. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو أنّ الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج اللَّه منها -أو يخرج منها ولدًا - الشّك منه- وليخُلقنَّ اللَّه نفسًا هو خالقها". حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٤٢٠) عن أبي عاصم، أخبرنا أبو عمرو مبارك الخياط -جدّ ولد عباد بن كثير-، قال: سألت ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس، عن العزل، فقال: سمعت أنس بن مالك يقول (فذكره). وأخرجه البزّار (٢١٦٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٦٦)، والضّياء في المختارة (١٨١٩، ١٨٢١) كلّهم من هذا الطّريق. قال الهيثميّ في "المجمع" (٤/ ١٩٦): "رواه أحمد، والبزّار وإسنادهما حسن". قلت: إسناده حسن من أجل أبي عمرو مبارك الخياط، وهو من رجال "التعجيل" (١٠٠٣)، وذكره ابن أبي حاتم وقال: "بصري جاور مكة" -يعني أنّه عرفه-، ولم يذكر فيه جرحا، وقد روى عنه أبو عاصم والعقدي، وذكره ابن حبان في الثقات. • عن حذيفة بن اليمان: أنّهم كانوا يتحدّثون في العزل، فخرج عليهم رسول اللَّه ﷺ فقال: "إنّكم تفعلونه؟ ". قالوا: نعم. قال: "أوَلم تعلموا أنّ اللَّه لم يخلق نسمة هو باريها إلّا وهي كائنة". حسن: رواه الطّبرانيّ في الكبير (٣/ ١٨٩) من طريق المثنى بن الصبّاح، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة، فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٩٧)، وفيه المثنى بن الصبّاح وهو متروك عند الجمهور، وقد وثقه ابن معين، وبقية رجاله ثقات. قلت: وقد توبع أخرجه الفريابيّ في القدر (٤٣٤) من وجه آخر عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، بإسناده، مثله. وابن لهيعة فيه كلام مشهور، وبهذه المتابعة يرتقي الحديث إلى درجة الحسن. وأمّا ما روي عن جرير، قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، ما خلصت من المشركين إلا بقينة، وأنا أعزل عنها أريد بها السوق؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "جاءها ما قُدّر". فهو ضعيف.

стр. 777

رواه ابنُ أبي عاصم في "السنة" (٣٦٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة (وهو في مصنّفه)، ثنا الفضل ابن دكين، عن مندل، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل، عن جرير، فذكره. ومِنْدل -بكسر الميم، وسكون النّون- ابن علي العنَزِيّ، يقال: اسمه عمرو، ومِنْدل لقب، جمهور أهل العلم مطبقون على تضعيفه. ٤١ - باب جفّ القلم بما أنت لاق • عن أبي هريرة، قال: أتيتُ رسول اللَّه ﷺ فقلتُ: يا رسول اللَّه، إنّي رجل شاب، وإنّي أخاف على نفسي العنت، ولا أجدُ ما أتزوّج به النساء، فأذن لي أن أختصي؟ قال: فسكتَ عنّي، ثم قلت مثل ذلك ثلاث مرّات. فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا هريرة قد جفَّ القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر". صحيح: رواه ابن وهب في "القدر" (١٦) عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. ومن طريقه رواه ابن أبي عاصم في السنة (١١٠). وإسناده صحيح، وعلّقه البخاريّ (٥٠٧٦) عن أصبغ، قال: أخبرني ابنُ وهب، بإسناده، مثله. ووصله الفريابي في القدر (٤٣٧) عن محمد بن إسحاق أبي بكر، أخبرني أصبغ بن الفرج، حدثني ابن وهب، به، فذكره، ورواه النسائي (٣٢١٥) من طريق الأوزاعيّ عن ابن شهاب بإسناده نحوه وقال النسائي: الأوزاعيّ لم يسمع هذا الحديث من الزهري وهذا حديث صحيح قد رواه يونس عن الزهري. انتهى ٤٢ - باب ما جاء أن أحدًا لن ينفعك بشيء إلّا بشيء قد كتبه اللَّه لك • عن ابن عباس، قال: كنتُ خلفَ رسول اللَّه ﷺ يومًا، فقال: "يا غلام إنّي أعلِّمُك كلماتٍ: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تُجاهك، إذا سألتَ فاسأل اللَّه، وإذا استعنتَ فاستعن باللَّه، واعلم أنّ الأمَّة لو اجْتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلّا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رُفعتِ الأقلام وجَفَّت الصُّحف". حسن: رواه الترمذيّ (٢٥١٦) حدّثنا أحمد بن محمد بن موسى، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا ليث بن سعد وابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، ح. وحدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو الوليد، حدّثنا ليث بن سعد، حدّثني قيس بن الحجاج -المعنى واحد- عن حنش الصنعانيّ، عن ابن عباس، فذكره.

стр. 778

قال الترمذيّ: "حسن صحيح". وابن لهيعة قد تُوبع، وقد رواه عنه ابن المبارك، كما رواه أيضًا ابنُ وهب عنه في القدر (٢٨)، والفريابي في القدر (١٥٣)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٥٢٣) عن اللّيث وحده، بهذا الإسناد. قلت: إسناده حسن من أجل قيس بن الحجاج -وهو الكلاعي السلفي- روى عنه جمع، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال فيه الحافظ: "صدوق". وأما حنش الصنعانيّ فهو ثقة، وقد توبع كما يأتي النّقل عن ابن رجب. وهذا الإسناد أصح ما جاء به هذا الحديث، وللحديث طرق أخرى كثيرة عن ابن عباس غير أنّ ما ذكرته هو أصحها. قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٦٠ - ٤٦١): "وقد رُوي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وعمر مولى غُفرة، وابن أبي مليكة وغيرهم. وأصح الطّرق كلّها طريق حنش الصّنعانيّ التي خرّجها الترمذيّ". قلت: وخرّج أحاديث بعض هؤلاء الفريابيُّ في القدر (١٥٤، ١٥٥، ١٥٦، ١٥٨)، وأخرجه الحاكم (٣/ ٥٤١) من وجه آخر عن ابن عباس، وفيه: "وإذا استعنتَ فاستعنْ باللَّه، قد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد النّاسُ أن ينفعوك بما لم يقضه اللَّه لك لم يقدروا عليه، ولو جهد النّاسُ أن يضرُّوك بما لم يكتبه اللَّه عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعتَ أن تعمل بالصّبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإنّ في الصبر على ما تكرهه خيرًا كثيرًا، واعلم أنّ مع الصّبر النّصر، واعلم أنّ مع الكرب الفَرَج، واعلم أن مع العسر اليسر". قال الحاكم: "هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير، عن ابن عباس، إلّا أنّ الشّيخين لم يخرّجا شهاب بن خراش، ولا القداح في الصّحيحين، وقد رُوي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا". انتهى وتعقّبه الذهبي فقال: "القداح قال أبو حاتم: متروك، وعبد الملك لم يسمع من ابن عباس فيما أرى". ثم رواه الحاكم أيضًا من وجه آخر، وفيه عيسى بن محمد القرشي، قال فيه الذّهبي: "ليس بمعتمد". فالذي يظهر من صنيع الحاكم أنه لم يقف على الطّريق الأول، وهو أولى أن يذكره، واللَّه أعلم. ٤٣ - باب في نسم بني آدم من أهل الجنّة وأهل النّار • عن أبي ذر، قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "فُرج عن سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل فَفَرَجَ صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعُرج بي إلى السّماء الدّنيا،

стр. 779

فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ . فقال: أُرسل إليه؟ قال: نعم. فلما فتح علونا السّماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أَسْوِدة وعلى يساره أَسْوِدة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكي. فقال: مرحبا بالنّبي الصالح والابن الصّالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأَسْوِدة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنّة، والأسودة التي عن شماله أهل النّار، فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى". متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن أبي ذر، فذكره، في حديث طويل في قصة معراج النبيّ ﷺ . ٤٤ - باب ما جاء أنّ اللَّه خالق أفعال العباد قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [سورة الصافات: ٩٦]. • عن حذيفة بن اليمان, قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه يصنع كلّ صانع وصنعته". صحيح: رواه البخاريّ في خلق أفعال العباد (١١٧)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٣٥٨)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣١) كلّهم من طريق مروان بن معاوية، ثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، فذكره. ورواه ابن أبي عاصم في السنة (٣٥٧)، والحاكم، وعنه البيهقي في القضاء والقدر (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤) كلّهم من طريق فضيل بن سليمان، عن أبي مالك الأشجعي، بإسناده، مثله. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم". قلت: فضيل بن سليمان وهو النميري تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، وهو من رجال الجماعة غير أنّه صدوق، وقد توبع بالإسناد الأوَّل بمروان بن معاوية الفزاري، ثقة، فاضل إلا أنه كان يدلس أسماء الشيوخ، ومتابعة بعضهم لبعض يُقويه. ٤٥ - باب أنّ اللَّه يقضي على لسان رسوله ما شاء • عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا جاءه السّائل، أو طُلبتْ إليه حاجة قال: "اشْفعوا توجرُوا، ويقضي اللَّه على لسان رسوله ﷺ ما شاء". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٣٢)، ومسلم في كتاب البر والصلة (٢٦٢٧) كلاهما من حديث بريد بن عبد اللَّه بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ، فذكره.

стр. 780

٤٦ - باب ما جاء في استدراج العبد إلى المعصية قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة القلم: ٤٤]. • عن عقبة بن عامر، عن النّبيّ ﷺ قال: "إذا رأيتَ اللَّه يُعطي العبد من الدّنيا على معاصيه ما يحبّ، فإنَّما هو استدراج". حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٣١١) عن يحيى بن غيلان، قال: حدّثنا رشدين -يعني ابن سعد- أبو الحجّاج المهريّ، عن حرملة بن عمران التُّجيبيّ، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، فذكره. ورشدين بن سعد ضعيف عند أئمّة الحديث، ولكنّه توبع. فقد رواه الدَّولابيّ في الكني (١/ ١١١)، والطبراني في الأوسط (٩٢٦٨)، والبيهقي في القضاء والقدر (٢/ ٢٦٦)، وفي شعب الإيمان (٤٥٤٠) كلّهم من طرق أخرى عن حرملة بن عمران التجيبيّ، به، مثله. ولذا حسّنه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١١٥) بعد أن عزاه أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب. وللحديث إسناد آخر كما قال ابن جرير الطبريّ في تفسيره: "وحدّث بهذا الحديث محمد بن حرب، عن ابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم، به، نحوه". وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكن متابعة هؤلاء تؤكِّد أنه لم يخطئ في هذا الحديث، بل حفظه، وأداه كما سمعه. • * *

стр. 781

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه [٢] تأليف أ. د. أبي أحمد محمد عبد الله الأعظمي المعروف بـ «الضياء» أستاذ الحديث الشريف وعميد كلية الحديث بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقًا والمدرس في المسجد النبوي

стр. 782

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ح) محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي ١٤٣٦ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الأعظمي، محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل / محمد عبد اللَّه عبد الرحمن الأعظمي - الرياض ١٤٣٦ هـ (١٢ مج) ردمك: ٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٢ - ٩٢٦٣ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٢) ١ - الحديث الصحيح ... أ- العنوان ديوي ٢٣٥.١ ... ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ رقم الإيداع: ٨٨٤٠/ ١٤٣٦ هـ ردمك: ٨ - ٩٢٦١ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة) ٢ - ٩٢٦٣ - ٠١ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٢) طبعة أولى: ربيع الثاني ١٤٣٧ هـ - يناير ٢٠١٦ م

стр. 783

الجَامِعُ الكَامِلُ في الحَدِيثِ الصَّحيحِ الشَّامل [٢]

стр. 784

جميع حقوق الطبع محفوظة للمؤلف دار السلام للنشر والتوزيع شارع الأمير عبد العزيز بن جلوي (الضباب سابقًا) مقابل الغرفة التجارية المملكة العربية السعودية ص. ب: ٢٢٧٤٣ - الرياض ١١٤١٦ هاتف: ٤٠٣٣٩٦٢ - ٤٠٤٣٤٣٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - - فاكس: ٤٠٢١٦٥٩ - ١١ - ٠٠٩٦٦ www.darussalampublishers.com E-Mail: darussalam@awalnet.net.sa E-Mail: riyadh@dar-us-salam.com العليا: تليفون: ٤٦١٤٤٨٣ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٦٤٤٩٤٥ الملز: تليفون: ٤٧٣٥٢٢٠ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٤٧٣٥٢٢١ السويلم: تليفون: ٢٨٦٠٤٢٢ - ١١ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٢٨٦٠٤٢٢ السويدي: تليفون: ٤٢٨٦٦٤١ - ١١ - ٠٠٩٦٦ جدة: تليفون: ٦٨٧٩٢٥٤ - ٢ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٦٣٣٦٢٧٠ الخبر: تليفون: ٨٦٩٢٩٠٠ - ٣ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٦٩١٥٥١ المدينة المنورة: تليفون: ٨٤٥٩٢٦٦ - ١٤ - ٠٠٩٦٦ - فاكس: ٨٥٥٠١١٩ - ٠١٤ خميس مشيط: تليفون: ٢٣٨٨٦٢٠ - ٠١٧ - ٠٠٩٦٦ - جوال: ٠٥٠٠٧١٠٣٢٨ ينبع البحر: تليفون: ٥٠٠٨٨٧٣٤١ - ٠٠٩٦٦ الكويت: تليفون: ٠٠٩٦٥٩٩٦٠٠٨٤٥ الشارقة: تليفون: ٥٦٣٢٦٢٣ - ٦ - ٠٠٩٧١ - فاكس: ٥٦٣٢٦٢٤ لندن: تليفون: ٥٣٩٤٨٨٥ - ٢٠٨ - ٠٠٤٤ - فاكس: ٥٣٩٤٨٨٩ - ٢٠٨ نيويورك: تليفون: ٦٢٥٥٩٢٥ - ٧١٨ - ٠٠١ - فاكس: ٦٢٥١٥١١ - ٧١٨ سيدني أستراليا: تليفون: ٩٧٤٠٧١٨٨ - ٢ - ٠٠٦١ - فاكس: ٩٧٤٠٧١٩٩ - ٢ فرنسا: تليفون: ٨٤٠٥٢٩٢٨ - ٠١ - ٠٠٣٣ - ٤٨٠٥٢٩٩٧ - ٠١ - ٠٠٣٣ هيوستن: تليفون: ٧٢٢٠٤١٩ - ٧١٣ - ٠٠١ - فاكس: ٧٢٢٠٤٣١ ماليزيا: تليفون: ١٩٢٣٦٢٤٢٣ - ٠٠٦٠ - ٣٧٩٥٦٤٦٦٤ - ٠٠٦٠ لاهور باكستان: تليفون: ٧٢٤٠٠٢٤ - ٤٢ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٧٣٥٤٠٧٢ كراتشي باكستان: تليفون: ٤٣٩٣٩٣٦ - ٢١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٤٣٩٣٩٣٧ إسلام آباد باكستان: تليفون: ٢٥٠٠٢٣٧ - ٥١ - ٠٠٩٢ - فاكس: ٥١٢٢٨١٥١٣ انتريو كندا: تليفون: ٤٠١١١٥٠ - ٦٤٧ - ٠٠١ - ٦٠٩١٩٣٤ - ٦٤٧ - ٠٠١

стр. 785

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣ - كتاب العلم جموع أبواب ما ورد في الترغيب في العلم قال اللَّه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة: ١١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزّمر: ٩]. وقال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [سورة الأنعام: ٨٣]. قال زيد بن أسلم: "بالعلم". قال الحافظ أبو بكر البيهقيّ: "العلم طبقات: الأوّلى: الكتاب والسنة - إذا ثبتت السنة. والثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنّة. والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبيّ ﷺ : ولا نعلم له مخالفًا منهم. والرَّابعة: اختلاف أصحاب النبيّ ﷺ ورضي عنهم. والخامسة: القياس على بعض هذه الطَّبقات. ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان، وإنّما يؤخذ العلم مِنْ أَعْلى". انتهى كلامه. "المدخل" (٣٦). ١ - باب ما جاء في قول اللَّه : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٨٥] • عن عبد اللَّه قال: بينا أنا أمشي مع النّبيّ ﷺ في خرب المدينة -وهو يتوكأ على عسيب معه- فمرَّ بنفر من اليهود، فقال بعضُهم لبعض: سلوه عن الرّوح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيءُ فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنّه، فقام

стр. 786

رجلٌ منهم فقال: يا أبا القاسم! ما الرّوح؟ فسكت. فقلتُ: إنّه يوحى إليه، فقمتُ فلما انجلى عنه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة الإسراء: ٨٥]. متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (١٢٥)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٩٤) كلاهما من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، فذكر الحديث، ولفظهما سواء. ٢ - باب قول النبيّ ﷺ : أنا أعلمكم باللَّه • عن عائشة، قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أمرهم، أمرهم من الأعمال بما يطيقون. قالوا: إنَّا لسنا كهيئتك يا رسول اللَّه! إنّ اللَّه قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر فيغضب حتّى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: "إنّ أتقاكم وأعلمكم باللَّه أنا". صحيح: رواه البخاريّ في الإيمان (٢٠) عن محمد بن سلام، قال: أخبرنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ٣ - باب ما جاء في الاغتباط في العلم والحكمة • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : "لا حسد إِلَّا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه مالًا فسُلِّط على هلكته في الحقّ، ورجلٌ آتاه اللَّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٠٩)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٦) كلاهما من حديث إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. والحسد المذكور في هذا الحديث المراد به "الغِبْطَة" بكسر الغين، وهي أن تتمنّى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه، وهذا ليس بحسد مذموم. • عن عبد اللَّه بن عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لا حسد إِلَّا في اثْنتين: رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يتلوه آناء اللّيل وآناء النّهار، ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو يُنفقه آناء اللّيل وآناء النّهار". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٢٩)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٥) كلاهما من حديث سفيان، حدّثنا الزّهريّ، عن سالم، عن أبيه، فذكره. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا حسد إِلَّا في اثنتين: رجل علّمه اللَّه القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النّهار، فسمعه جارٌ له فقال: ليتني أُوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملتُ مثل ما يعمل. ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو يُهلكه في الحقّ، فقال رجل: ليتني أوتيتُ مثل ما أُوتي فلان، فعملتُ مثل ما يعمل".

стр. 787

صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٢٦) عن علي بن إبراهيم، حدّثنا روح، حدّثنا شعبة، عن سليمان، سمعت ذكوان، عن أبي هريرة، فذكره. وبقية أحاديث هذا الباب انظرها في كتاب الزّكاة، واللَّه الموفق. ٤ - باب ما جاء في فضل من خرج في طلب العلم قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة: ١٢٢]. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا، سهَّل اللَّه له به طريقًا إلى الجنّة". صحيح: رواه مسلم في الذّكر والدّعاء (٢٦٩٩) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وفي رواية قال الأعمش: حدّثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، فذكره في سياق طويل. انظر: باب فضل العلم والفقه في الدّين. • عن زرّ بن حُبيش، قال: أتيتُ صفوان بنَ عسَّال المراديَّ فقال: ما جاء بك؟ قلت: أُنْبِطُ العلم. قال: فإنِّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما مِنْ خارجٍ خرج من بيته في طلب العلم إِلَّا وضع له الملائكةُ أجنحتها رضًا بما يصنع". حسن: رواه ابن ماجه (٢٢٦) من طريق عبد الرزّاق قال: أنبأنا معمر، عن عاصم بن أبي النّجود، عن زرّ بن حيش، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النّجود فإنّه حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات، وصحّحه ابنُ خزيمة (١٩٣)، وابن حبان (١٣١٩) فروياه من هذا الوجه. ورواه أيضًا الدّارميّ (٣٦٩) من طريق حمّاد بن سلمة، عن عاصم، به مرفوعًا. ولا يضرّ ما رواه الترمذيّ (٣٥٣٥)، والنسائيّ (١٥٨)، وابن خزيمة (١٧)، وابن حبان (١١٠٠) كلّهم من طريق سفيان، عن عاصم، بإسناده موقوفًا؛ لأنّ من رواه مرفوعًا عنده زيادة علم. وقد رواه الترمذيّ (٣٥٣٦) من وجه آخر عن عاصم وفيه: "بلغني أنّ الملائكة تضع أجنحتها" فذكر الحديث. وهذا يدل على أنه بلغه عن النّبيّ ﷺ أو في أقل أحواله من أحد الصّحابة. ورواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٦٢) من طريق عارم بن الفضل، عن الصّعق بن حزن، عن علي بن الحكم، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، قال: جاء رجلٌ من مراد يقال له: صفوان بن عسّال إلى رسول اللَّه ﷺ -وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، قال: يا

стр. 788

رسول اللَّه! إنّي جئتُ أطلبُ العلمَ. . . قال: "مرحبًا بطالب العلم، إنّ طالب العلم لتحفّ به الملائكة، وتظله بأجنحتها فيركب بعضها بعضًا، حتّى تعلو إلى السّماء الدُّنيا من حبّهم ما يطلب. فما جئت تطلب؟ ". قال: يا رسول اللَّه! لا أزال أسافر بين مكة والمدينة، فافتني عن المسح على الخفين. . . ". فذكر الحديث. ورواه الطبرانيّ (٧٣٤٧) من طريق شيان بن فرّوخ، عن الصّعق بن حزن، به، إِلَّا أنه أدخل عبد اللَّه بن مسعود بين صفوان بن عسّال وبين زر. والظّاهر أنّ هذا وهم من شيبان؛ فإنّه صدوق يهم. قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ١٥٩): "حديث صفوان بن عسّال هذا وقفه قومٌ عن عاصم، ورفعه عنه آخرون، وهو حديث صحيح، حسن، ثابت، محفوظ، مرفوع، ومثله لا يقال بالرّأي. . . ". ثم سرد بعض الطّرق الصّحيحة التي ورد بها الحديث موقوفًا على صفوان بن عسّال. وقوله: "أُنبط العلم" من أنبط الشيءَ واستنبطه أي: استخرجه. والمراد: أي أطلب العلم. وفي بعض روايات الحديث: "فقلت: ابتغاء العلم". • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "ما مِنْ خارج يخرجُ -يعني من بيته- إِلَّا ببابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فإنْ خرج لما يحبُّ اللَّه ، اتَّبعه الملك برايته، فلم يزلْ تحت راية الملك حتّى يرجع إلى بيته، وإنْ خرج لما يسخط اللَّه، اتّبعه الشّيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشّيطان حتّى يرجع إلى بيته". حسن: رواه الإمام أحمد (٨٢٨٦)، والطَّبرانيّ (مجمع البحرين - ١٨٤) من طريق أبي عامر العقديّ، ثنا عبد اللَّه بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن؛ من أجل عثمان بن محمد، وعبد اللَّه بن جعفر، فالأوّل صدوق، والآخر لا بأس به، وحديثهما حسن، وبقية رجاله ثقات. • عن كثير بن قيس، قال: كنتُ جالسًا مع أبي الدّرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا الدّرداء! إنّي أتيتُك من مدينة الرّسول في حديثٍ بلغني أنَّك تحدِّثُه عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو الدّرداء: أما جئتَ لحاجة، أما جئتَ لتجارة، أما جئتَ إِلَّا لهذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فإنِّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللَّه به طريقًا من طرق الجنّة، والملائكةُ تضعُ أجنحتهَا رضًا لطالب العلم، وإنَّ العالم يستغفرُ له مَنْ في السموات ومن في الأرض، والحيتانُ في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا،

стр. 789

وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر". حسن: رواه أبو داود (٣٦٤١)، وابن ماجه (٢٢٣) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن داود الخريبيّ، قال: سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، فذكر الحديث. وصحّحه ابنُ حبان (٨٨) ورواه من هذا الوجه. قلت: فيه داود بن جميل، ويقال: الوليد، ذكره ابن حبان في الثّقات، ولكن قال الدّارقطنيّ: "مجهول". وقال مرة: "هو ومن فوقه إلى أبي الدّرداء ضعفاء". وكذلك فيه كثير بن قيس، ويقال: قيس بن كثير، شاميّ، فذكره أيضًا ابن حبان في "الثّقات". ولكن ضعّفه الدّارقطنيّ. وأمّا ما رواه الإمام أحمد (٢١٧١٥) والتِّرمذيّ (٢٨٦٢) كلاهما من حديث محمد بن يزيد الواسطيّ، حدّثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن قيس بن كثير، قال: قدم رجل من المدينة على أبي الدّرداء وهو بدمشق، فقال (فذكر الحديث) ففيه انقطاع كما قال الترمذيّ. وهذا لفظه: "ولا نعرف هذا الحديث إِلَّا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدّرداء، عن النبيّ. وهذا أصح من حديث محمود بن خداش" انتهى. وقول الترمذيّ: "ولا نعرف هذا الحديث إِلَّا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة" حسب اطلاعه وإلّا فقد جاء الحديث من وجه آخر، رواه أبو داود (٣٦٤٢) عن محمد بن الوزير الدّمشقيّ، حدّثنا الوليد، قال: لقيت شبيب بن شية، فحدثني به عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي الدّرداء -يعني عن النّبيّ ﷺ بمعناه. وفي إسناده شبيب بن شيبة وهو مجهول. ولكن قال الحافظ في التهذيب (٤/ ٣٠٨) في ترجمة شبيب بن شيبة: "وقال عمرو بن عثمان، عن الوليد، عن شعيب بن رزيق، عن عثمان (أي ابن أبي سودة) وهو أشبه بالصَّواب". قلت: إذا يكون إسناد هذا الحديث حسنًا؛ لأنّ شعيب بن رزيق هو أبو شيبة الشّاميّ، ذكره ابنُ حبان في الثّقات (٨/ ٣٠٨)، وفي التقريب: "صدوق يخطئ". ولعلّه لم يخطئ في هذا الحديث لوجود متابعات كما سبق، وله طرق أخرى جمعها الحافظ ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ١٦٠ - ١٧٠). وذكر البخاريّ في صحيحه في كتاب العلم: باب العلم قبل القول والعمل: "إنّ العلماء هم ورثة الأنبياء، ورّثوا العلم، من أخذه أخذ بحظٍّ وافر، ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل اللَّه له طريقًا إلى الجنّة". قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٦٠): "-قوله: "إن العلماء" إلى قوله: "وافر"- طرف من حديث أبي داود، والترمذيّ وابن حبان والحاكم مصححا من حديث أبي الدّرداء، وحسّنه حمزة الكنانيّ،

стр. 790

وضعّفه باضطراب في سنده، لكن له شواهد يتقوّى بها، ولم يفصح المصنِّف بكونه حديثًا، فلهذا لا يُعدّ في تعاليقه، لكن إيراده له في الترجمة يُشعر بأنَّ له أصلًا، وشاهده في القرآن ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [سورة فاطر: ٣٢] ". انتهى. • عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ خرج في طلب العلم كان في سبيل اللَّه حتّى يرجع". حسن: رواه الترمذيّ (٢٦٤٧) عن نصر بن علي، قال: حدّثنا خالد بن يزيد العتكيّ، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الرّبيع بن أنس، عن أنس بن مالك، فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم فلم يرفعه". قلت: ومن هذا الوجه رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٧١)، والبيهقيّ في "المدخل" (٣٧١). ورواه أيضًا أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٩٠)، والآجريّ في أخلاق العلماء (٤٨) كلاهما من حديث خالد بن يزيد، بإسناده مثله. وإسناده حسن من أجل الكلام في خالد بن يزيد العتكيّ، وأبي جعفر الرّازيّ وهو عيسى بن أبي عيسى المشهور بكنيته، والربيع بن أنس؛ فإنّ هؤلاء جميعًا دون الثّقات، وقد تكلّم في حفظهم ولم يتهم أحدٌ منهم حتّى يسقط حديثهم، فمثلهم يحسّن حديثهم في الفضائل لا سيما إذا كان له شواهد ولم يكن في حديثهم ما ينكر عليهم. • وعن أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهليّ، عن النّبيّ ﷺ قال: "من غدا إلى المسجد لا يريد إِلَّا أن يتعلم خيرًا أو يعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٨/ ١١١) عن عبدان بن أحمد، ثنا هشام بن عمار، ثنا محمد ابن شعيب، ثنا نور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة فذكره. وإسناده حسن من أجل هشام بن عمار فإنه حسن الحديث. وقال العراقي في تخريج الإحياء: "إسناده جيد". • عن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من دخل مسجدي هذا يتعلّم خيرًا، أو يعلّمه كان كالمجاهد في سبيل اللَّه تعالى، ومن دخله لغير ذلك كان كمنزلة الذي يرى الشيء يُعجبه وهو لغيره". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٦/ ٢١٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٤) -واللّفظ له- كلاهما من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد السّاعديّ، فذكر الحديث.

стр. 791

قال أبو نعيم: "هذا حديث غريب من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد، تفرّد به عنه ابنُه عبد العزيز". قلت: عبد العزيز بن أبي حازم ثقة فقيه، وثقه ابن معين والنسائي فلا يضر تفرّده وخاصة في روايته عن أبيه. قال الإمام أحمد: "لم يكن يعرف بطلب الحديث إِلَّا كتب أبيه فإنهم يقولون: إنه سمعها، وكان يتفقّه، لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه". ولكن في الإسناد يعقوب بن حميد بن كاسب مختلف فيه، فقال ابن معين مرة: "ثقة"، وأخرى "ليس به بأس". وضعّفه أبو حاتم والنسائي وغيرهما، ولكن قال البخاريّ: لم يزل خيرًا، هو في الأصل صدوق، وقال ابن عدي: "لا بأس به وبرواياته وهو كثير الحديث كثير الغرائب". قلت: الخلاصة فيه إن كان لحديثه أصل فهو حسن الحديث، وهذا منه. • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "من دخل مسجدنا هذا ليتعلّم خيرًا، أو ليُعلمه كان كالمجاهد في سبيل اللَّه، ومن دخله لغير ذلك كان كالنَّاظر إلى ما ليس له". حسن: رواه الإمام أحمد (٨٦٠٣، ١٠٨١٤)، وابن ماجه (٢٢٧)، وصحّحه ابن حبان (٨٧)، والحاكم (١/ ٩١) كلّهم من حديث أبي صخر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي صخر وهو حميد بن زياد مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجّا بجميع رواته، ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علّة". كذا قال، وحميد بن زياد لم يخرج له البخاريّ، إنّما أخرج له مسلم فقط، إِلَّا أنه حسن الحديث. وسئل الدّارقطنيّ عن هذا الحديث فقال: "اختلف فيه على سعيد المقبريّ، فرواه أبو صخر حميد بن زياد، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ . وخالفه عبيد اللَّه بن عمر فرواه عن سعيد المقبريّ، عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن كعب الأحبار قوله. ورواه ابن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن كعب الأحبار قوله، وقول عبيد اللَّه بن عمر أشبه بالصواب" اهـ. قلت: كلام الدّارقطنيّ من حيث الإسناد أقوى، ولكن الحكم لمن زاد، فإن مثل هذا لا يقال بالرأي كما هو معروف، فلعل التابعي نفسيه رواه على الوجهين، فلا يُعلّ أحدهما الآخر. وأمّا ما رُوي عن عدد من الصّحابة: "اطلبوا العلم ولو بالصّين، فإنّ طلب العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم" فلا يثبت منها شيء. قال الإمام أحمد: "لا يثبت عندنا في هذا الباب شيءٌ".

стр. 792

وقال إسحاق بن راهويه: "إنّ طلب العلم واجب، ولم يصح فيه الخبر، إِلَّا أن معناه أن يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته. . . ". قال ابن عبد البر: "يريد إسحاق -واللَّه أعلم- أنّ الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم، ولكن معناه صحيح عندهم". "جامع بيان العلم" (١/ ٥٣). وقال البيهقيّ في "المدخل" (٣٢٥): "متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة لا أعرف له إسنادًا يثبت بمثله الحديث". وأمّا معناه فقال حسن بن الرّبيع الخشّاب: سألت ابن المبارك قلت: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" أيّ شيء تفسيره؟ قال: "ليس هو الذي يطلبون، إنّما طلب العلم فريضة - أي يقع الرّجل في شيء من أمر دينه فيسأل عنه حتّى يعلمه". "المدخل" (٣٢٩). ٥ - باب الرحلة في طلب العلم • عن عبد اللَّه بن أُنيس، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُحشر النّاس يوم القيامة -أو قال: العباد- عُراةً غُرلًا بُهما". قال: قلنا: وما بُهْمًا؟ قال: "ليس معهم شيءٌ، ثم يناديهم بصوتٍ يسمعه مَن بعُد كما يسمعه مَن قَرُب، أنا الملك، أنا الدّيان، ولا ينبغي لأحد من أهل النّار أن يدخل النّار، وله عند أحدٍ من أهل الجنّة حقٌّ حتّى أُقِصَّه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنّة أن يدخلَ الجنّة وأحد من أهل النّار عنده حقٌّ حتّى أُقِصَّه منه حتّى اللَّطمة" قال: قلنا: كيف وإنّا إنّما نأتي اللَّه عُراة غُرلًا بُهْمًا؟ قال: "بالحسنات والسّيئات". حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٤٠٢) واللّفظ له، والحارث بن أبي أسامة في "زوائده" (٤٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٧٠) وفي خلق أفعال العباد (ص ٩٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١٤)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٤٣٧) كلّهم من طرق عن همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكيّ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، أنّه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول اللَّه ﷺ ، فأشتريتُ بعيرًا، ثم شددتُ عليه رحلي، فسرتُ إليه شهرًا حتّى قدمتُ عليه الشام فإذا عبد اللَّه بن أُنيس، فقال للبّواب: قل له جابر على الباب قال: ابن عبد اللَّه؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنّك سمعته من رسول اللَّه ﷺ في القصاص، فخشيتُ أن تموتَ أو أموتَ قبل أن أسمعه. قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث). وإسناده حسن من أجل القاسم بن عبد الواحد المكيّ، وشيخه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، فإنهما لم يبلغا درجة "الثّقات" وحسَّنه أيضًا المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ٢٠٢)، وإن

стр. 793

كان الهيثميّ ﵀ ضعّفه في "المجمع" (١/ ١٣٣) من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، ولكن الصواب أنه حسن الحديث إِلَّا إذا خالف فلا يقبل كما قال الذّهبيّ في ترجمته في "الميزان"، وعلقه البخاريّ بصيغة الجزم (١/ ١٧٣) وقال: "رحل جابر بن عبد اللَّه مسيرة شهر إلى عبد اللَّه بن أنيس في حديث واحد". قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٧٤): "وله طريق أخرى أخرجها الطبرانيّ في "مسند الشاميين"، وتمام في "فوائده" من طريق الحجاج بن دينار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، وذكر نحوه وقال: وإسناده صالح، وله طريق ثالثة أخرجها الخطيب في "الرحلة" من طريق أبي الجارود العنسيّ -وهو بالنون الساكنة- عن جابر، فذكر نحوه، وفي إسناده ضعف". انتهى. وقال ابن عباس: "كان يبلغني الحديث عن الرّجل من أصحاب النبيّ ﷺ فلو أشاء أن أرسل إليه حتّى يجيء فيحدّثني فعلتُ، ولكني كنتُ أذهبُ إليه، فأقيل على بابه حتّى يخرج إليَّ فيحدّثني". وعن سعيد بن المسيب أنه قال: "إن كنتُ لأسير اللَّيالي والأيام في طلب الحديث الواحد". أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٥٦٩ - ٥٧٠)، والخطيب في "الرحلة" (٤١ - ٤٢) وغيرهما. ومن هنا قيل: الرحلة في طلب الحديث سنّة عمن سلف. وأمّا ما رُوي أنّ أبا أيوب رحل إلى عقبة بن عامر، فأتى مسلمة بن مخلَّد، فخرج إليه، فقال: دلُّوني، فأتى عقبة، فقال: حدّثنا ما سمعته من رسول اللَّه ﷺ لم يبق أحدٌ سمعه. قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "من ستر على مؤمن في الدّنيا ستره اللَّه يوم القيامة، فأتى راحلته فركب، فرجع. فهو ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٧٣٩١)، والحميدي في "مسنده" (٣٨٤)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٥٦٧) كلّهم من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن أبي سعيد الأعمى، أنّه حدّث عطاءً، فذكر نحوه. وأبو سعيد الأعمى (وقيل: أبو سعد) لم يرو عنه غير ابن جريج، وليس فيه توثيق لأحد، لذا قال فيه الذّهبيّ وابن حجر: "مجهول". وأخرجه الطبرانيّ في الكبير (١٩/ ٤٣٩) عن عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن عباد بن عباد المهلبيّ، عن ابن عون، عن مكحول، أنّ عقبة بن عامر أتى مسلمة بن مخلد، وكان بينه وبين البواب شيء، فسمع صوته فأذن له، فقال: إنّي لم آتك زائرًا، ولكن جئتك بحاجة، أتذكر يوم قال رسول اللَّه ﷺ : "من علم من أخيه سيئة، فسترها ستر اللَّه عليه يوم القيامة"؟ قال: نعم. قال: لهذا جئتُ". فهذا إسناد قال فيه الهيثميّ: "رجاله رجال الصحيح" وهو كما قال، لكن المشهور أنّ الذي

стр. 794

خرج هو أبو أيوب إلى عقبة، ثم أيضًا في صحبة مسلمة بن مخلد اختلاف، فقيل: ولد على عهد النبيّ ﷺ ، وأقرَّ بصحبته البخاريّ وتعقبه ابن أبي حاتم فقال: "ليست له صحبة، نزل مصر، وكان البخاريّ كتب: إنّ له صحبة، فغيّر أبي ذلك وقال: ليست له صحبة". وقال الإمام أحمد: "مسلمة ابن مخلد ليست له صحبة". وقال ابن حبان: "ولد في السنة الأولى من الهجرة". ونقل الحافظ عن العسكريّ أنه قال: "له رؤية وليست له صحبة". وقيل: الذي خرج إلى مسلمة بن مخلد هو جابر بن عبد اللَّه. ورد ذلك في رواية عند الطبراني (مجمع البحرين - ٢١٧) من طريق عبيد اللَّه بن محمد بن أبي عائشة، عن يحيى بن أبي الحجاج، عن أبي سنان، عن رجاء بن حيوة، سمعت مسلمة بن مخلد. وفيه يحيى بن أبي الحجاج، وأبو سنان عيسى بن سنان، وفيهما كلام. والظاهر أنه وقع في إسناد هذا الخبر اضطراب لا يخلو طريق من طرقه من مقال. والصّحيح أن جابر بن عبد اللَّه إنّما رحل إلى عبد اللَّه بن أنيس، كما سبق، واللَّه أعلم. ٦ - باب خروج نبيّ اللَّه موسى ﵇ في طلب العلم قال اللَّه تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [سورة الكهف: ٦٥ - ٦٦]. • عن ابن عباس أنّه تمارى والحرُّ بن قيس بن حِصْن الفزاريّ في صاحب موسى فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقِيّه، هل سمعتَ رسولَ اللَّه ﷺ يذكرُ شأنه؟ قال: نعم سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذْ جاءه رجل فقال: هل تعلمُ أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى اللَّه إلى موسى: بلى، عبدنا خضر. فسأل السّبيل إلى لُقيه، فجعل اللَّه له الحوتَ آية، وقيل له: إذا فقدتَ الحوت فارجعْ فإنَّك ستلقاه، فكان موسى يتّبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: أرأيتَ إذْ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيتُ الحوت، وما أنسانيه إِلَّا الشّيطان أن أذكره. قال موسى: ذلك ما كُنَّا نبغي، فارتدّا على آثارهما قصصًا، فوجدا خضرًا، فكان من شأنهما ما قصَّ اللَّه في كتابه". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٧٨)، ومسلم في الفضائل (٢٣٨٠: ١٧٤) كلاهما من طريق الزّهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، فذكر الحديث.

стр. 795

٧ - باب إن العلماء هم ورثة الأنبياء • عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن العلماء هم ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر". حسن: رواه أبو داود (٣٦٤١) والتّرمذيّ (٢٦٨٢) وابن ماجه (٢٢٣) وأحمد (٢١٧١٥) كلّهم من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل عن كثير بن قيس، عن أبي الدّرداء، فذكره في حديث طويل. ومنهم من لم يذكر داود بن جميل بين عاصم بن رجاء وبين كثير، وإسناده حسن لكثرة طرقه. وكثير بن قيس، يقال له: فيس بن كثير، والأوّل أكثر. انظر لمزيد من التخريج: باب ما جاء في فضل من خرج في طلب العلم. وأمّا ما روي: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" فلا أصل له. قال السخاوي في المقاصد الحسنة (٧٠٢): قال شيخنا: (يعني ابن حجر)، ومن قبله الدميري والزركشي: "إنه لا أصل له" وزاد بعضهم: "لا يعرف في كتاب معتبر". وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "أقرب النّاس من درجة النبوة: أهل العلم والجهاد"، رواه أبو نعيم في فضل العالم العفيف بسند ضعيف، قاله السخاوي في المقاصد الحسنة في الموضع المشار إليه أعلاه. ٨ - باب تقريب الفتيان من طلّاب العلم وترغيبهم في التّعلم • عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: "مرحبًا بوصية رسول اللَّه ﷺ كان رسول اللَّه ﷺ يوصينا بكم". حسن: رواه الحاكم (١/ ٨٨)، وعنه البيهقيّ في المدخل (٦٢١) من طريق سعيد بن سليمان الواسطيّ، ثنا عباد بن العوّام، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر الحديث. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح ثابت؛ لاتفاق الشيخين على الاحتجاج بسعيد بن سليمان، وعباد بن العوام، والجريريّ، ثم احتجاج مسلم بحديث أبي نضرة، فقد عددت له في "المسند الصّحيح" أحد عشر أصلًا للجريريّ، ولم يخرجا هذا الحديث الذي هو أوّل حديث في فضل طلاب الحديث ولا يعلم له علّة، فلهذا الحديث طرق يجمعها أهل الحديث عن أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد. وأبو هارون ممن سكتوا عنه". وقال الذّهبيّ: "على شرط مسلم، ولا علّة له". قلت: الجريريّ هو سعيد بن إياس، محدّث أهل البصرة أحد الثّقات الأثبات إِلَّا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، وقد ذكر ابنُ حبان أن اختلاطه لم يكن فاحشًا، ولم يتبيّن لي رواية عباد بن

стр. 796

العوام عنه هل كانت قبل الاختلاط أو بعده، فإن كانت روايته عنه قبل التّغير فالحديث صحيح كما قال الحاكم والذهبي. وقال العلائيّ في "بغية الملتمس" (ص ٢٨): "إسناده لا بأس به". ولكن قال مُهَنّا -كما في المنتخب من العلل للخلال (٦٦) -: "سألت أحمد عن حديث حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، عن سعيد الجريريّ، عن أبي نضرة، فذكر الحديث. فقال أحمد: ما خلق اللَّه من ذا شيئا، هذا حديث أبي هارون عن أبي سعيد" انتهى. قلت: حديث أبي هارون العبديّ، عن أبي سعيد روي بألفاظ متقاربة، منها ما أورده ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" عن أبي هارون، وشهر بن حوشب أنهما قالا: "كنّا إذا أتينا أبا سعيد الخدريّ يقول: مرحبًا بوصية رسول اللَّه، قال رسول اللَّه ﷺ : "ستفتح لكم الأرض، ويأتيكم قوم، أو يقال: غلمان حديثة أسنانهم يطلبون العلم، ويتفقهون في الدّين، ويتعلمون منكم، فإذا جاءوكم فعلّموهم، وألطفوهم، ووسّعوا لهم في المجلس، وفهِّموهم الحديث". فكان أبو سعيد يقول لنا: مرحبًا بوصية رسول اللَّه، أمرنا رسول اللَّه أن نوسِّع لكم في المجلس، وأن نفهمكم الحديث". أخرجه الترمذيّ (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٧) وغيرهما من طرق عن أبي هارون، به. وأبو هارون اسمه: عِمارة بن جوين العيري، متروك عند أكثرهم. وكذّبه بعضهم، لكن رواه أيضًا الخطيب في "الجامع لأخلاق الرّاوي والسامع" (٣٥٧) من طريق ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد. قلت: وهذا أيضًا إسناد ضعيف، إِلَّا أنّه أحسن حالا من إسناد أبي هارون. قيل ليحيى بن معين: هذا أيضًا ضعيف مثل أبي هارون؟ قال: لا، هذا أقوى من ذلك وأحسن، حدّثنا ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، عن ليث. المنتخب من العلل للخلال (٦٥). وقال البيهقيّ في "المدخل" بعد أن رواه من طريقه: "هكذا رواه جماعة من الأئمة عن أبي هارون العبديّ، وأبو هارون وإن كان ضعيفًا فرواية أبي نضرة له شاهدة". والخلاصة: إن لحديث أبي سعيد هذا ثلاثة طرق، طريق أبي نضرة، وطريق أبي هارون العبديّ، وطريق شهر بن حوشب، كلّهم عن أبي سعيد الخدريّ، فما كان هذا سبيله فهو لا ينزل عن درجة الحسن عند جمهور علماء الحديث، وباللَّه التوفيق. • عن أبي موسى، أنّ النّبيّ ﷺ بعثه ومُعاذًا إلى اليمن، فقال: "يسّرا ولا تُعسِّرا، بشِّرا ولا تُنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٣٠٣٨)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٣٣) كلاهما من حديث وكيع، عن شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جدّه أبي موسى

стр. 797

الأشعريّ، فذكره. ٩ - باب في فضل الإنفاق على طلبة العلم • عن أنس بن مالك، قال: كان أخوان على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فكان أحدهما يأتي النبيَّ ﷺ ، والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه إلى النبيّ ﷺ فقال: "لعلّك ترزق به". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٤٥) عن محمد بن بشّار، حدّثنا أبو داود، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وصحّحه الحاكم (١/ ٩٣ - ٩٤) فرواه من طريق أبي داود، به. ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ورواته عن آخرهم أثبات ثقات، ولم يخرجاه". ١٠ - باب ما جاء عن معلّم الخير • عن جابر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "معلِّم الخير يستغفر له كلُّ شيء حتّى الحيتان في البحار". حسن: رواه الطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ٢٠٣) عن محمد بن علي الصّائغ، ثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن زرارة، ثنا أبو إسحاق الفزاريّ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عبد اللَّه فإنه صدوق، وقال الطبرانيّ: "لم يروه عن الأعمش إِلَّا الفزاريّ". قلت: هذا ليس تعليلًا؛ لأنّ أبا إسحاق الفزاريّ إمام متقن لا يضرّ تفرّده، واللَّه أعلم. ١١ - باب العلم العام الذي لا يسع البالغ العاقل جهله قال الشافعيّ رحمه اللَّه تعالى: "إن من العلم ما لا يسع بالغًا غير مغلوب على عقله جهله، مثل الصلوات الخمس، وأنّ اللَّه على النّاس صوم شهر رمضان، وحجّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنّه حرَّم عليهم الزّنا، والقتل، والسرقة، والخمر وما كان في معنى هذا مما كُلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفُّوا عنه ما حرَّم عليهم". الرّسالة (٩٦٣). • عن ابن عباس، أنّ رسول اللَّه ﷺ لما بعث مُعاذًا على اليمن قال: "إنّك تقدّم على قوم أهل الكتاب فليكن أوّل ما تدعوهم إليه عبادة اللَّه، فإذا عرفوا اللَّه فأخبرهم أنّ اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا

стр. 798

فأخبرهم أنّ اللَّه فرض عليهم زكاة من أموالهم، وتردُّ على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقَ كرائم أموالهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٥٨)، ومسلم في الإيمان (١٩) كلاهما عن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد اللَّه بن محمد بن صيفيّ، أنه سمع أبا معبد مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عباس يقول: فذكره. ١٢ - باب من دعا إلى هدى أو ضلالة • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه لا يَنقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تَبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا". صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٧٤) من طرق عن إسماعيل (يعنون ابن جعفر)، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ١٣ - باب ما جاء في الدّال على الخير • عن جرير بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً، فعُمل بها بعده، كُتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيءٌ. ومَنْ سنَّ في الإسلام سنَّة سيِّئةً فعُمل بها بعده، كُتب عليه مثل وِزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء". وفي رواية: قال: كنتُ جالسًا عند رسول اللَّه ﷺ في صدر النّهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النّمار -أو العَبَاء- متقلِّدي السّيوف، عامتهم من مضر بل كلّهم من مضر، فَتَمَعَّر وجهُ رسول اللَّه ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا فأذّن وأقام، فصلّى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء: ١]، والآية التي في الحشر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة الحشر: ١٨]. تصدَّقَ رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره، حتّى قال: "ولو بشقِّ تمرة". قال: فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّةٍ كادَتْ كفُّه تَعْجِزُ عنها، بل قد عجزَتْ. قال: ثم تتابع النَّاسُ حتّى رأيتُ كومين من طعام وثياب حتّى رأيت وجهَ رسول اللَّه ﷺ يتهلَّل كأنّه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنّةً حسنةً فله أجرها وأجر من

стр. 799

عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنَّةً سيّئةً كان عليه وزرها ووزرُ من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ". صحيح: رواه مسلم في العلم (١٠١٧: ٦٨٠٠) عن زهير بن حرب، حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن موسى بن عبد اللَّه بن يزيد وأبي الضّحى، عن عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير بن عبد اللَّه، فذكر مثله. والرّواية الثانية رواها مسلم أيضًا في الزّكاة (١٠١٧). قوله: "مجتابي النّمار" أي لابسيها، والنِّمار جمع نمرة، وهي ثياب صوف فيها تنمير. وقوله: "فتمعَّر" أي تغيّر وجهه. وقوله: "يتهلّل" أي يستنير فرحًا. • وعن أبي مسعود الأنصاريّ قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنّي أُبْدِعَ بي فاحملني. فقال: "ما عندي". فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّه، أنا أدلُّه على من يحمله. فقال رسول اللَّه ﷺ : "من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٩٣) من طرق عن الأعمش، عن أبي عمرو الشّيبانيّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ، فذكر الحديث. وقوله: "أبدع بيّ" أي هلكتْ دابتي، وهي مركوبي. • عن أبي هريرة، بلفظ: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فحثّ عليه، فقال رجل: عندي كذا وكذا، قال: فما بقي في المجلس رجلٌ إِلَّا تصدّق عليه بما قلّ أو كَثُر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من استنَّ خيرًا فاستُنَّ به، كان له أجره كاملًا، ومن أجور منِ استنَّ به ولا ينقص من أجورهم شيئًا، ومن استنَّ سنَّة سيئة، فاستُنَّ به، فعليه وزره كاملًا، ومن أوزار الذي استنَّ به، ولا ينقص من أوزارهم شيئًا". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٠٤) عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، قال: حدّثني أبيّ، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره، وإسناده صحيح. وصحّحه البوصيريّ في "الزوائد". وهو في مسند أحمد (١٠٧٤٩) عن عبد الصّمد، بإسناده، مثله. • عن واثلة بن الأسقع، عن النّبيّ ﷺ قال: "من سنَّ سنَّةً حسنةً، فله أجرها ما عُمل به في حياته، ويعد مماته حتّى يترك، ومن سنَّ سنّة سيئة فعليه إثمها حتّى يترك، ومن مات مرابطًا في سبيل اللَّه جرى له أجر المرابط حتّى يبعث يوم القيامة". حسن: رواه الطبرانيّ (١٨٤) من طريقين عن إبراهيم بن العلاء الحمصيّ، ثنا إسماعيل بن

стр. 800

عياش، عن عمر بن رؤبة، عن عبد الواحد بن عبد اللَّه النّصريّ، عن واثلة بن الأسقع، فذكر الحديث. قال الهيثميّ: ". . . رجاله موثقون". قلت: إسناده حسن، إبراهيم بن العلاء مستقيم الأمر في الحديث، ولم ينكر عليه إلا حديث واحد، فلما أخبر بذلك تركه، فهذا يدل على صدقه وورعه. وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل الشّام، وشيخه في هذا الحديث عمر بن رؤبة صدوق من أهل الشّام. • عن حذيفة قال: سأل رجل على عهد النبيّ ﷺ فأمسك القوم، ثم إنّ رجلًا أعطاه فأعطى القوم، فقال النبيُّ ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنّة حسنة فعُمل بها، كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ في الإسلام سنّة سيئة، فعُمل بها بعده، فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينتقص من أوزارهم شيئًا". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٢٨٩)، والبزّار -كشف الأستار (١٥٠) - والطبرانيّ في "الأوسط" (مجمع البحرين - ٢٣٨) كلّهم من حديث محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل أبي عبيدة، لا يعرف اسمه، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٩٧)، ولا يعرف فيه جرح ولا انقطاع، وهو حديث البيت، وله أصل. وأمّا ما رُوي عن أنس بن مالك، قال: أتى النّبيَّ ﷺ رجلٌ يستحمله، فلم يجد عنده ما يحمله، فدلّه على آخر فحمله، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فقال: "إنّ الدّالَ على الخير كفاعله". فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٢٦٧٠) عن نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدّثنا أحمد بن بشير، عن شبيب بن بشر، عن أنس بن مالك، فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث أنس عن النّبيّ ﷺ ". وهذه إشارة إلى تليين هذا الحديث من هذا الوجه؛ لأنّ في بعض رواته كلامًا، فأحمد بن بشير هو المخزوميّ، أبو بكر الكوفيّ، قال ابن معين: ليس بحديثه بأس، وقال النسائي: ليس بذاك القويّ -وفي رواية: ليس به بأس-، وقال الدارقطنيّ: ضعيف يعتبر بحديثه. وفيه أيضًا شبيب بن بشير، وهو أبو بشر الكوفيّ لم يوثقه غير ابن معين، وقال البخاريّ: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لين الحديث حديثه حديث الشيوخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ كثيرًا، وقال ابن عدي: وهو من القوم الذين يكتب حديثهم.

стр. 801

١٤ - باب أجر من هدى اللَّهُ به رجلًا • عن سهل بن سعد، أنّه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "واللَّهِ لأنْ يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حمرُ النَّعَم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٩٤٢)، ومسلم في الفضائل (٢٤٠٦) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، فذكر الحديث. وفيه قصة إعطاء النبيّ ﷺ الرّاية لعلي يوم خيبر، يأتي ذكرها في موضعها إن شاء اللَّه تعالى. ١٥ - باب فضل العلم والفقه في الدّين والحثّ على طلب العلم قال اللَّه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: ١١]. وقال : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [سورة طه: ١١٤]. • عن معاوية بن أبي سفيان، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "من يرد اللَّه به خيرًا يُفَقُهْهُ في الدّين، وإنّما أنا قاسم، واللَّه يعطي، ولن تزال هذه الأمّة قائمة على أمر اللَّه لا يضرّهم من خالفهم حتى يأتي أمر اللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٧١)، ومسلم في الزّكاة (١٠٣٧) كلاهما من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبًا يقول "فذكر نحوه"، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم قريب منه، إلا أنه لا توجد عنده الجملة الأخيرة "ولن تزال هذه الأمة. . . ". ورواه مالك في القدر (٨) عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: قال معاوية على المنبر: "اللَّهمّ لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفعُ منك الجدُّ، من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدّين". سمعتُ هؤلاء الكلمات من رسول اللَّه ﷺ على هذا المنبر. • عن عبد اللَّه بن عباس، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من يرد اللَّه به خيرًا يفقّهه في الدِّين". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٦٤٥) عن علي بن حجر، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، حدّثني عبد اللَّه ابن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وهو كما قال؛ فإنّ رواته كلّهم ثقات معروفون، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، قال الإمام أحمد: "ثقة ثقة". وفي رواية: "ثقة مأمون". ووثقه أيضًا ابن معين، وابن المديني، ويعقوب الفسويّ وغيرهم.

стр. 802

واحتجّ به الشّيخان وغيرهما من أصحاب الأصول الستة، فالصحيح أنه ثقة، وحديثه هذا قد أخرجه أيضًا الإمام أحمد في مسنده (٢٧٩٠) من هذا الوجه. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدّين". حسن: رواه ابن ماجه (٢٢٠) عن بكر بن خلف، ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وهذا إسناد حسن من أجل بكر بن خلف؛ فإنه صدوق وهو في مسند الإمام أحمد (٧١٩٤) عن عبد الأعلى بإسناده، وزاد فيه: "وإنّما أنا قاسم، ويعطي اللَّه ". وفي الباب عن عدد من الصّحابة، منهم: حديث عمر بن الخطّاب، عن النبيّ ﷺ قال: "من يرد اللَّه به خيرًا يفهمه". رواه الطّحاويّ في "المشكل" (١٦٩٢)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٨١)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٥) كلّهم من حديث عمرو بن الحارث، أنّ عبّاد بن سالم حدّثه، أنّ سالم بن عبد اللَّه حدّثه، عن عبد اللَّه بن عمر، عن عمر بن الخطاب، فذكره. وفيه عباد بن سالم، وقد ذكره البخاري في التاريخ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكرا فيه شيئًا، فهو في عداد المجهولين، وأما ابن حبان فذكره في "ثقاته" على قاعدته في توثيق المجاهيل. • عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا فقّهه في الدّين، وألهمه رشده". حسن: رواه البزّار -كشف الأستار (١٣٧) - عن الفضل بن سهل، ثنا أحمد بن محمد بن أيوب، ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، فذكر الحديث. ورواه البيهقيّ في المدخل (٣٥٤) من هذا الوجه إلّا أنه أدخل الأعمش بين أبي بكر بن عياش، وبين أبي وائل. ورواه الطبرانيّ في كبيره (١٠٤٤٥) عن عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أيوب، به. إلّا أنه لم يذكر فيه: "وألهمه رشده". قال البزار: "لا نعلمه يُروى عن عبد اللَّه إلّا من هذا الوجه". قلت: وإسناده حسن، من أجل أحمد بن محمد بن أيوب، فإنه صدوق. ولم أجد هذا الحديث في المسند في مظانه، وكذلك لم يذكره الحافظ ابن حجر في "إطراف المُسندِ المعتلي بأطراف المسنَد الحنبلي"، فلعلّه في مصنّف آخر من مصنفاته. واللَّه تعالى أعلم. ١٦ - باب العلم بالتّعلّم • عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّما العلم بالتّعلّم، وإنّما

стр. 803

الحلم بالتّحلّم، ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتوقَّ الشَّر يوقه". حسن: رواه الخطيب في تاريخه (١٠/ ١٨٥) عن علي بن أحمد الرّزاز، حدّثنا عبد الصمد بن علي الطَّستي، حدّثنا أحمد بن بشر بن سعد المرثدي، حدّثنا سعد بن زنبور، حدّثنا إسماعيل بن مجالد، عن عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن، من أجل علي بن أحمد الرزاز، وإسماعيل بن مجالد، فهما صدوقان، وبقية رجاله ثقات. وفي الباب ما روي عن معاوية بن أبي سفيان، قال -وهو يخطب على المنبر- سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يا أيها النّاس إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتّفقّه، ومن يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما يخشى اللَّه من عباده العلماء، ولن تزال طائفة من أمّتي على الحقّ ظاهرين، لا يبالون من خالفهم، ولا من ناوأهم حتى يأتي أمر اللَّه وهم ظاهرون". رواه البيهقيّ في المدخل (٣٥٢)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١٢) كلاهما من حديث أبي العباس محمد بن يعقوب بن يوسف الأصمّ، أنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي، قال: أخبرني محمد بن شعيب بن شابور، عن عتبة بن أبي حكيم الهمداني، عن مكحول، أنه حدّثه عن معاوية بن أبي سفيان، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل عتبة بن الحكيم الهمداني فإنه حسن الحديث، ولبعض فقراته شواهد صحيحة، إلّا أنّ علّته أن مكحولًا لم يسمع من معاوية بن أبي سفيان كما قال أبو حاتم. وفي الباب أيضّا ما رُوي عن أبي الدّرداء. رواه الخطيب (٦/ ٤٤٢)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٤)، وعزاه السخاوي في المقاصد الحسنة (٢١٠) إلى الطبراني في الكبير، والعسكريّ أيضًا، كلّهم من طريق محمد بن الحسن بن يزيد الهمداني. قال أبو نعيم: "غريب من حديث الثوريّ عن عبد الملك، تفرّد به محمد بن الحسن". وقال السّخاويّ في "المقاصد الحسنة": "محمد بن الحسن كذاب، ورواه البيهقي في المدخل من جهة أخرى موقوفًا على أبي الدرداء". قلت: وفاته حديث أبي هريرة، فلم يذكره. ١٧ - باب ما جاء في فضل العالم على العابد • عن أبي أمامة الباهليّ، قال: ذُكر لرسول اللَّه ﷺ رجلان أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه وملائكته، وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلُّون على معلِّم النّاس الخير".

стр. 804

حسن: رواه الترمذيّ (٢٦٨٥) عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدّثنا سلمة بن رجاء، حدّثنا الوليد بن جميل، ثنا القاسم أبو عبد الرحمن، عن أبي أمامة، فذكره. وإسناده حسن؛ سلمة، والوليد، والقاسم، ثلاثتهم بمرتبة "صدوق". قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب". وفي نسخة ثانية: "هذا حديث حسن غريب صحيح". قوله: "ليصلّون على معلم النّاس الخير". قال ابن عبد البر: "الصلاة ههنا: الدّعاء والاستغفار". انظر: "جامع بيان العلم" (١/ ١٧٤). • عن سعد بن أبي وقاص، عن النّبيّ ﷺ قال: "فضل العلم أحبُّ إليَّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع". حسن: رواه الحاكم (١/ ٩٢) من طريق خالد بن مخلد، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، فذكر الحديث. وعنه البيهقيّ في "المدخل" (٤٥٤). قال الحاكم: "الحسن بن علي ثقة، وقد أقام الإسناد وأبهمه بكر بن بكار، فقال: ثنا حمزة الزيات، ثنا الأعمش، عن رجل -بدل الحكم-، عن مصعب، فذكره ثم قال: ثم نظرنا فوجدنا خالد بن مخلد أثبت وأحفظ وأوثق من بكر بن بكار، فحكمنا له بالزيادة. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وليس كما قال؛ فإن حمزة الزيات لم يخرج له البخاري. وإسناده حسن من أجل خالد بن مخلد القطواني فإنه مختلف فيه، فقال ابن معين: ليس به بأس، وتكلّم فيه أحمد وابن سعد وغيرهما. وكذلك فيه حمزة وهو ابن حبيب الزيات حسن الحديث. • عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب". حسن: رواه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢) وابن ماجه (٢٢٣) وأحمد (٢١٧١٥) كلّهم من حديث عاصم بن رجاء، عن داود بن جميل، عن قيس بن كثير، عن أبي الدرداء، فذكره في حديث طويل. ومنهم من لم يذكر داود بن جميل بين عاصم بن رجاء وبين كثير بن قيس، وإسناده حسن لكثرة طرقه. انظر لمزيد من التخريج: باب فضل من خرج في طلب العلم. وأمّا ما رُوي عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع". فموقوف. رواه البزّار (١٣٩)، والطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ١٩٦) كلاهما من طريق عباد بن

стр. 805

يعقوب الأسديّ، ثنا عبد اللَّه بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن مطرف بن الشّخير، عن حذيفة بن اليمان، فذكر الحديث. ومداره على عبد اللَّه بن عبد القدوس، وهو التميميّ السعديّ، فقد تفرّد بهذا الحديث. قال البزّار: "لا نعلمه مرفوعًا إلا عن حذيفة من هذا الوجه". وقال الطبرانيّ: "لم يروه عن الأعمش إلّا ابن عبد القدوس". وقال أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢١١ - ٢١٢): "لم يروه متصلًا عن الأعمش إلّا عبد اللَّه بن عبد القدوس. ورواه جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن مطرف، عن النّبيّ ﷺ من دون حذيفة. ورواه قتادة وحميد بن هلال عن مطرف من قوله". وقال أبو أحمد بن عدي: "وهذا لا أعرفه إلا من حديث عبد اللَّه بن عبد القدوس، عن الأعمش". فالظاهر من كلام هؤلاء أن عبد اللَّه بن عبد القدوس قد تفرّد برفعه، وخالف جميع أصحاب الأعمش الذين وقفوه. وقد خرجه الحاكم (١/ ٢٣) وعنه البيهقي في المدخل (٤٥٥) من طريقه. وقال البيهقي: "هذا الحديث يروي مرفوعًا بأسانيد ضعيفة، وهو صحيح من قول مطرف بن عبد اللَّه بن الشّخير" انتهى. قلت: وعبد اللَّه بن عبد القدوس التميمي السعدي ضعّفه أبو داود، والنسائي وغيرهما. وفي التقريب: "صدوق، رمي بالرّفض، وكان يخطئ". فلعلّ هذا ممّا أخطأ فيه فرفعه. وقد أورد الحافظ البيهقيّ كثيرًا من الآثار عن السلف في فضل مذاكرة العلم: منها قول ابن عباس: "تذاكر العلم بعض ليلة أحبّ إليّ من إحيائها". وفي رواية: "مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة". ومنها قول ابن مسعود: "لأن أجلس في مجلس فقه ساعة أحبّ إلي من صيام يوم وقيام ليلة". ومنها قول الشعبي: "اتقوا الفاجر من العلماء، والجاهل من المتعبدين فإنهما آفة لكل مفتون". ومنها قول سفيان الثوري: "تعوذوا باللَّه من فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون". ١٨ - باب من الجائز للعالم وهو مشغول بالعلم أن لا يقطع كلامه إذا سُئل • عن أبي هريرة، قال: بينما النبيُّ ﷺ في مجلس يحدِّث القومَ جاءه أعرابيٌّ فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول اللَّه ﷺ يحدِّث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتّى إذا قضى حديثه قال: "أين -أُراه- السائل عن الساعة؟ ". قال: ها أنا يا رسول اللَّه. قال: "إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر

стр. 806

السّاعة". قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السّاعة". صحيح: رواه البخاريّ في العلم (٥٩) من طريق فليح بن سليمان، عن أبيه، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره. ١٩ - باب طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبرهم • عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ من الشّجر شجرةً لا يسقط ورقُها، وإنّها مثل المسلم، فحدّثوني ما هي؟ ". فوقع النّاسُ في شجر البوادي. قال عبد اللَّه بن عمر: ووقع في نفسي أنّها النّخلة، فاستحييتُ، ثم قالوا: حدّثنا ما هي يا رسول اللَّه ﷺ ، قال: "هي النّخلة". وفي رواية: "أخبروني شجرة مَثلُها مَثَلُ المسلم، تُؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربِّها، ولا تحت ورقها" فوقع في نفسي: النّخلة، فكرهتُ أن أتكلّم وثَمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما قال النبيُّ ﷺ : "هي النخلة". فلما خرجتُ مع أبي قلت: يا أبتاه! وقع في نفسي النّخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنتَ قلتَها كان أحبّ إليَّ من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت. متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٦١)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨١١) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، فذكره. والرواية الثانية عند البخاريّ (٦١٤٤) من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر. ٢٠ - باب من أتى مجلس علمٍ، يجلس حيث ينتهي به المجلس • عن أبي واقد اللّيثيّ، أنّ رسول اللَّه ﷺ بينما هو جالسٌ في المسجد والنّاس معه، إذْ أقبل نفرٌ ثلاثة، فأقبل اثنان إلى رسول اللَّه ﷺ وذهب واحد، فلما وقفا على مجلس رسول اللَّه ﷺ سلّما، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأمّا الآخر فجلس خلفهم، وأمّا الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النّفر الثّلاثة؟ أمّا أحدهم فآوى إلى اللَّه فآواه اللَّه، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا اللَّه منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض اللَّه عنه". متفق عليه: رواه مالك في السلام (٤) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أبي مُرّة -مولى عقيل بن أبي طالب-، عن أبي واقد اللّيثيّ، فذكره. ورواه البخاريّ في العلم (٦٦) ومسلم في السلام (٢١٧٦) كلاهما عن مالك به. • عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه ﷺ كان يعظ أصحابه فإذا ثلاثة نفر يمرون،

стр. 807

فجاء أحدهم فجلس إلي النبي ﷺ ، ومضى الثاني قليلًا ثم جلس، ومضى الثالث على وجهه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أنبئكم بهؤلاء الثلاثة؟ أما الذي جاء فجلس إلينا فإنه تاب تاب اللَّه عليه، وأما الذي مضى قليلًا ثم جلس، فإنه استحيا فاستحيا اللَّه منه، وأما الذي مضى على وجهه، فإنه استغنى فاستغنى اللَّه عنه". حسن: رواه البزار (٧٢٤٣)، والطبراني في الدعاء (١٩٠٨) كلاهما من طريق خلف بن موسى العمي، حدّثنا أبي، عن قتادة، عن أنس فذكره. وإسناده حسن من أجل خلف بن موسى العمي وأبيه فإنهما حسنا الحديث. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٣١): "رواه البزار، ورجاله ثقات". ٢١ - باب التخوّل في الموعظة والاختصار فيها • عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ كان يتخوّلنا بالموعظة في الأيام كراهة السّآمة علينا. متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٦٨)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨٢١) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، فذكره. وفي رواية عندهما من طريق منصور، عن أبي وائل، قال: كان عبد اللَّه يذكِّر النّاس في كلّ خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددتُ أنك ذكُرتنا كلّ يوم؟ قال: أما إنّه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم وإني أتخوّلكم بالموعظة، كما كان النبي ﷺ يتخوّلنا مخافة السآمة علينا. وقوله: "يتخوّلنا" بالخاء المعجمة أي يتعهدنا في الأوقات المتفاوتة. وجاء عن عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين بإسناد صحيح، أنه قال: أيّها النّاس! لا تبغضوا اللَّه إلى عباده. قال: فقال قائل: وكيف ذلك، أصلحك اللَّه؟ قال: يجلس أحدكم قاصًّا فيطول على النّاس حتى يبغض إليهم ما هم فيه، ويقوم أحدكم إمامًا فيطول على النّاس حتى يبغض إليهم ما هم فيه. رواه البيهقيّ في "المدخل" (٦٠١) من طريق عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار، أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول (فذكره). وعن عبيد بن عمير أنه دخل على عائشة فقالت: من هذا؟ فقالوا: عبيد بن عمير، فقالت: عمير ابن قتادة؟ قالوا: نعم، قالت: أحدث إنك تجلس ويُجلس إليك؟ قال: بلى يا أم المؤمنين! قالت: فإياك وإملال النّاس وتقنيطهم. رواه البيهقي في المدخل (٦٠٢)، والخطيب في "جامع أخلاق الراوي" (٢/ ١٨٨)، وذكره البغويّ في شرح السنة (١/ ٣١٤) وقال: "وروي عنها أيضًا قالت له: اقصص يومًا، واترك يومًا،

стр. 808

ولا تمل النّاس. ٢٢ - باب متى يصحُّ سماع الصغير ؟ • عن محمود بن الرّبيع، قال: عقلت من النبيّ ﷺ مجّة مجّها في وجهي، وأنا ابنُ خمس سنين من دلو. صحيح: رواه البخاريّ في العلم (٧٧) عن محمد بن يوسف، حدّثنا أبو مسهر، حدثني محمد ابن حرب، حدّثني الزبيديّ، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، فذكره. ٢٣ - باب فضل من علِمَ، وعمِلَ، وعلَّمَ • عن أبي موسى، عن النّبيّ ﷺ قال: "إنّ مثل ما بعثني اللَّه به من الهُدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناسَ، فشربوا منها وسَقوا ورَعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنّما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تُنبتُ كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللَّه، ونفعه بما بعثني اللَّه به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى اللَّه الذي أرسلتُ به". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٧٩)، ومسلم في الفضائل (٢٢٨٢) من طرق عن أبي أسامة (حماد بن أسامة) عن بريد بن عبد اللَّه، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكر الحديث، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. قوله: "قِيعان" بكسر القاف، جمع قاع، وهو الأرض المستوية الملساء التي لا تُنبت. • عن طارق بن أشيم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من علَّم آيةً من كتاب اللَّه كان له ثوابها ما تُليت". حسن: رواه أبو سهل القطّان في "حديثه عن شيوخه" (٤/ ٢٤٣/ ٢) -كما في الصّحيحة (١٣٣٥) - حدّثنا محمد بن الجهم، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أبو مالك الأشجعيّ، عن أبيه (وهو طارق بن أشيم)، فذكر الحديث. وهذا إسنادٌ حسن، رجاله رجال مسلم غير محمد بن الجهم، وقد وثّقه الدّارقطنيّ. ٢٤ - باب الترغيب في سماع الحديث وتبليغه • عن عبد اللَّه بن عباس، قال: إنّ وفد عبد القيس لما أتوا النبيَّ ﷺ قال: "مَن القوم -أو من الوفد-؟ ". قالوا: ربيعة. قال: "مرحبًا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامي". فقالوا: يا رسول اللَّه! إنّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر

стр. 809

الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيُّ من كفّار مُضر، فَمُرْنا بأمرٍ فَصْل نُخبر به من وراءنا، وندخل به الجنّة وسألوه عن الأشرية، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان باللَّه وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان باللَّه وحده؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأنّ محمّدًا رسول اللَّه، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس". ونهاهم عن أربع: عن الحنْتَم، والدُّبّاء، والنقير، والمزفَّت، وربما قال: "المقير". وقال: "احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٨٧)، ومسلم في الإيمان (١٧) من طرق عن شعبة، عن أبي جمرة، قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين النّاس، فذكره. • عن أبي بكرة، قال: خطب رسولُ اللَّه ﷺ يوم النّحر فقال: "ليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ، فإنّه رُبَّ مبلَّغٍ يُبلَّغُه أوعى له من سامع". متفق عليه: رواه البخاريّ (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩)، كلاهما من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، فذكره، وهو مختصر من حديث طويل فيه ذكر خطبة النبي ﷺ يوم النّحر. • عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تَسمعون ويُسمعُ منكم، ويُسمع ممن سمع منكم". حسن: رواه أبو داود (٣٦٥٩) من طريق جرير، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عبد اللَّه أبي جعفر قاضي الرّي، فإنه صدوق. وصحّحه ابن حبان (٦٢)، والحاكم (١/ ٩٥) فروباه من هذا الوجه، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين، ليس له علّة". وليس كما قال؛ فإن عبد اللَّه بن عبد اللَّه ليس من رجال الشيخين، وإنّما روي له أصحاب السنن. • عن معاوية القشيريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا ليبلِّغ الشاهدُ الغائب". حسن: رواه ابن ماجه (٢٣٤) من طرق عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده معاوية القشيريّ، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل بهز وهو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيريّ، وأبوه هو حكيم بن معاوية كلاهما حسن الحديث. • عن أبان بن عثمان، قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان نصف النّهار،

стр. 810

فقلنا: ما بعث إليه في هذه السّاعة إلّا لشيء سأله عنه. فسألناه فقال: نعم، سألنا عن أشياء سمعناها من رسول اللَّه ﷺ ، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "نضّر اللَّه امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتّى يبلِّغه غيره، فربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٦٥٦) -واللّفظ له-، وأبو داود (٣٦٦٠) كلاهما من طريق شعبة، أخبرنا عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدّث عن أبيه، فذكر الحديث. ولم يذكر أبو داود القصة. ورواه ابن ماجه (٢٣٠) من وجه آخر مع زيادات عليهما بدون القصّة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم وفيه كلام، ولكن روي في كتاب الزّهد (٤١٠٥) من طريق شعبة بإسناده حديثًا آخر سيأتي في موضعه. وصحّحه ابن حبان (٦٧) من هذا الوجه وزاد فيه: "ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب مسلم: إخلاص العمل للَّه، ومناصحته لولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم". قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن". قلت: بل هو صحيح، فإنّ رجاله ثقات، ولم يظهر لي سبب تحسين الترمذيّ دون تصحيحه. • عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: خطب رسول اللَّه ﷺ في هذا المسجد -مسجد الخيف- فقال: "نضَّر اللَّهُ امرءًا سمع مقالتي هذه فحفظها حتّى يبلِّغه غيره، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه غير فقيه. ثلاث لا يغلُّ عليهنَّ قلبُ امرئ مسلم: إخلاص العمل للَّه، والنّصيحة لولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فإنّ دعوتهم تحيط من ورائهم". صحيح: رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٩٠) من طريق عبيد اللَّه بن معاذ، ثنا أبي، عن محمد بن طلحة، عن زُبيد، عن مُرَة، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. وهذا إسناد صحيح، ورواه أيضًا ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ١٨١) من وجه آخر عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود. وأمّا ما رواه الترمذيّ (٢٦٥٨)، وابن ماجه (٢٣٢)، وأحمد (١/ ٤٣٧)، وابن حبان (٦٦) كلّهم من حديث سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن عبد اللَّه بن مسعود، ففيه عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود لم يسمع من أبيه، وهو مدلِّس، وقد نفى ابنُ معين سماعه من أبيه مطلقًا، وقال ابن المدينيّ: لقي أباه، وسمع منه حديثين. وليس هذا منهما. انظر للمزيد: تعريف أهل التقديس. • عن جبير بن مطعم، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ وهو يخطب النّاس بالخيف:
следующие страницы →