Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.
стр. 7421
الناس، فظنوا أنه مقتول، قال: وأقبل أبو بكر يشتدّ، حتَّى أخذ بَضَبُعَي رسول الله ﷺ من ورائه، وهو يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ﴾؟ ثم انصرفوا عن النَّبِيّ ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ ، فلمّا قضى صلاته، مرّ بهم وهم جلوس في ظل الكعبة، فقال: "يا معشر قريش! أما والذي نفس محمد بيده! ما أرسلت إليكم إِلَّا بالذبح". وأشار بيده إلى حلقه، فقال له أبو جهل: يا محمد! ما كنت جهولا. فقال رسول الله ﷺ : "أنت منهم".
حسن: رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٧١٦)، وأبو يعلى (٧٣٣٩)، وابن حبَّان (٦٥٦٩) كلّهم من طريق عليّ بن مسهر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عمرو بن العاص، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة، فإنه حسن الحديث. والحديث له طرق أخرى، أشار إلى بعضها البخاريّ في مناقب الأنصار بعد (٣٨٥٦) وبعضها مذكورة في كتاب السيرة من الجامع الكامل.
• عن أنس بن مالك قال: لقد ضربوا رسول الله ﷺ مرة حتَّى غشي عليه، فقام أبو بكر، فجعل ينادي: ويلكم! ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ﴾، فقالوا: من هذا؟ قالوا: ابن أبي قحافة المجنون.
صحيح: رواه البزّار (٧٥٠٦)، وأبو يعلى (٣٦٩١)، والحاكم (٣/ ٦٧) كلّهم من حديث محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
وصحّحه أيضًا الحافظ في الفتح (٧/ ١٦٩).
قلت: أبو سفيان هو طلحة بن نافع، رواية الأعمش عنه مستقيمة كما قال ابن عدي، وإلَّا فهو حسن الحديث.
تنبيه: قد سقط من مطبوعة مسند أبي يعلى "عن الأعمش". والصواب إثباته كما نقله عنه الضياء في المختارة (٦/ ٢٢١)، وابن حجر في المطالب العالية (٣٨٧٩).
٥ - باب قوله: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾
هذا كذب من فرعون وتضليل منه لأتباعه، قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩].
وقال تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾ [هود: ٩٧].
стр. 7422
فهو غشّ قومه، ولم يرشدهم إلى الصراط المستقيم ولم ينصح لهم، وقد جاء في الحديث أن الإمام الذي لا ينصح رعيته لا يجد رائحة الجنّة.
• عن الحسن أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يَحُطها بنصيحة إِلَّا لم يجد رائحة الجنّة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأحكام (٧١٥٠)، ومسلم في الإيمان (١٤٢) كلاهما من طريق أبي الأشهب، عن الحسن، قال: فذكره. واللّفظ للبخاريّ.
٦ - باب قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾
قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ فيه إثبات عذاب القبر، وقد وردت أحاديث كثيرة في عذاب القبر منها:
• عن عبد الله بن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي. إن كان من أهل الجنّة فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النّار فمن أهل النّار. يقال له: هذا مقعدك حتَّى يبعثك الله إلى يوم القيامة".
متفق عليه: رواه مالك في الجنائز (٤٨) عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكره.
ورواه البخاريّ في الجنائز (١٣٧٩)، ومسلم في الجنّة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٦) كلاهما من طريق مالك به.
٧ - باب قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾
قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ أي: بالحجة والبرهان، فإن دعوة الأنبياء بقيت واستمرت، وغلبت على دعاوي من خالفهم.
وقيل: المراد به بعض الأنبياء والمرسلين وليسوا كلّهم؛ لأن بعضهم قتلهم قومهم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]. وإطلاق الكل وإرادة البعض سائغ في لغة العرب.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: أن الله ينصر المؤمنين فإنهم أولياؤه، وقد جاء في الصَّحيح.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله قال: من عادى لي وليا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال
стр. 7423
عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٠٢) عن محمد بن عثمان، حَدَّثَنَا خالد بن مخلد، حَدَّثَنَا سليمان بن بلال، حَدَّثَنِي شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة، فذكره.
٨ - باب قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾
• عن النعمان بن بشير، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة، ثمّ قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
صحيح: رواه أبو داود (١٤٧٩)، والتِّرمذيّ (٣٣٧٢)، وابن ماجة (٣٨٢٨)، وأحمد (١٨٣٥٢)، وصحّحه ابن حبَّان (٨٩٠)، والحاكم (١/ ٤٩٠، ٤٩١) كلّهم من طرق عن ذرّ بن عبد الله الهمداني، عن يُسَيع الحضرمي، عن النعمان بن بشير، فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الترمذيّ: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد".
واللهُ يغضب على من لم يسأله كما جاء في الحديث.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه" وفي لفظ: "من لم يدع الله".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٣٧٣) - واللّفظ له -، وابن ماجة (٣٨٢٧)، وأحمد (٩٧١٩)، - واللفظ الآخر لهما -، والحاكم (١/ ٤٩١) كلّهم من طرق عن أبي المليح المدني، قال: سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وزاد الحاكم: "وإن الله ليغضب على من يفعله، ولا يفعل ذلك أحد غيره". يعني في الدعاء.
ثمّ قال: "حديث صحيح الإسناد؛ فإن أبا صالح الخوزي وأبا المليح الفارسي لم يذكرا بالجرح، إنّما هما في عداد المجهولين لقلة الحديث" اهـ
قلت: ليس كما قال، فإن أبا صالح الخوزي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
والكلام عليه مبسوط في كتاب الأدعية.
стр. 7424
٤١ - تفسير سورة فصلت وهي مكية، وعدد آياتها ٥٤
١ - باب قوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾
قال المنهال، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآية؟ . وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إلى قوله ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثمّ قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء. وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، فكأنه كان ثمّ مضى؟
فقال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١] في النفخة الأولى، ثمّ ينفخ في الصّور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثمّ في النفخة الآخرة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، وأمّا قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فخُتم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِف أن الله لا يُكتَم حديثًا، وعنده: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢] الآية. وخلق الأرض في يومين، ثمّ خلق السماء، ثمّ استوى إلى السماء، فسواهن في يومين آخرين، ثمّ دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله، ﴿دَحَاهَا﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، فجُعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلقت السموات في يومين: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، سمَّى نفسه بذلك، وذلك قوله أي لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئًا إِلَّا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن،
стр. 7425
فإن كلا من عند الله.
هكذا ذكره الإمام البخاريّ معلقًا في كتاب التفسير.
وجاء في بعض نسخ البخاريّ:
"قال أبو عبد الله: حدثنيه يوسف بن عدي، حَدَّثَنَا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن المنهال، بهذا". هكذا جاء أيضًا في فتح الباري.
قوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ هو قيل: هما الأحد والاثنين.
قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ أي جبالا ثابتا.
قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أي أرزاق العباد والبهائم.
وقوله: ﴿أَربَعَةِ أَيَّامٍ﴾ تكملة لمجموع مدة خلق الأرض والجبال وتقدير الأرزاق، فدخل في هذه الأربعة الأيام اليومان اللذان في قوله: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ فكأنه قيل في يومين آخرين فتلك أربعة أيام، وقيل: هما الثلاثاء والأربعاء.
وفيه ردّ الآخر على الأوّل في الذكر كما يقال: تزوجت أمس امرأة، واليوم ثنتين، وإحداهما هي التي تزوجتُها بالأمس.
وقوله: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي جوابا لمن سأل في كم خلقت الأرض والأقوات.
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي عمد وقصد إلى خلق السماء.
وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي فرغ من خلقهن. قيل: هما الخميس والجمعة، فتلك ستة أيام كما أخبر الله تعالى في آيات كثيرة أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثمّ استوى على العرش.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن آدم خلق يوم الجمعة.
وفي رواية مسلم (٢٧٨٩): وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعة الجمعة فيما بين العصر إلى الليل.
وسبق الكلام على رواية مسلم هذه التي فيها أن عدد أيام الخلق سبعة، بأنها مخالفة لصريح القرآن، في كتاب بدء الخلق.
٢ - باب قوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾
• عن جابر قال: لما رجعت إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر، قال: "ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ ". قال فتية منهم: بلى، يا رسول الله!
стр. 7426
بينا نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرّت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثمّ دفعها، فخرّت على ركبتيها، فانكسرت قلتها، فلمّا ارتفعت التفتت إليه، فقالت: سوف تعلم، يا غدر! إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأوّلين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا. قال: فقال رسول الله ﷺ : "صدقت، صدقت، كيف يقدّس اللهُ أُمَّةً لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟ ! ".
حسن: رواه ابن ماجة (٤٠١٠)، وابن حبَّان (٥٠٥٨)، وابن أبي الدُّنيا في الأهوال (٢٤٢) كلّهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الزُّبير، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن عثمان بن خُثيم، فإنه حسن الحديث.
وفي معناه أحاديث أخرى، وهي مذكورة في تفسير سورة يس [الآية: ٦٥].
٣ - باب قوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾
• عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨١٧)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٥) كلاهما من طريق سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أصل الاستقامة هو السير على الطريق القويم وعدم الاعوجاج عنه.
• عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدًا بعدك؟ قال: "قل: آمنت بالله، فاستقم".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٣٨) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن
стр. 7427
عبد الله الثقفي، قال: فذكره.
قوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي: الملائكة ينزلون عليهم عند الاحتضار ويبشرونهم برضوان الله ونجاتهم من عذابه تعالى.
• عن عبادة بن الصَّامت، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت. قال: "ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشَر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله فكره الله لقاءه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٠٧)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٨٣) كلاهما عن همام، حَدَّثَنَا قتادة، عن أنس، عن عبادة بن الصَّامت، فذكره، واللّفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر.
٥ - باب قول: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)﴾
قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: لا يعلم ذلك أحد غير الله ، كما قال النَّبِيّ ﷺ لجبرئيل حين سأله عن الساعة.
• عن أبي هريرة قال: كان النَّبِيّ ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل، فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث". قال: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصّلاة، وتؤدي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: متى الساعة؟ . قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إِلَّا الله، ثمّ تلا النَّبِيّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)﴾ [لقمان: ٣٤]، الآية ثمّ أدبر، فقال: ردوه، فلم يروا شيئًا، فقال: "هذا جبريل، جاء يعلّم الناس دينهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، عن أبي حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره.
والأحاديث في ذلك كثيرة، وهي مذكورة في كتاب الإيمان.
стр. 7428
٤٢ - تفسير سورة الشورى وهي مكية، وعدد آياتها ٥٣
١ - باب قوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾
أخبر الله في هذه الآية بأنه هو الذي أوحى إلى النَّبِيّ ﷺ كما أوحى إلى من قبله من الأنبياء والمرسلين.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥].
والنبي ﷺ كان يأتيه الوحي في صور مختلفة وكيفيات متعددة، منها ما جاء ذكرها في الحديث الآتي.
• عن عائشة أم المؤمنين، أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول".
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٧) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاريّ في بدء الوحي (٢) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الفضائل (٢٣٣٣) من أوجه أخرى عن هشام بن عروة نحوه.
والأحاديث الأخرى في ذلك مذكورة في كتاب الوحي.
٢ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾
قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ أم القرى: هي مكة المكرمة، لأنها أعظم وأقدس قرية في الجزيرة، ومن ثمّ في العالم كله. وهي خير أرض الله كما جاء في الحديث.
• عن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري قال: إنه سمع النَّبِيّ ﷺ وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: "والله! إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله
стр. 7429
عَزَّ وَجَلَّ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت".
صحيح: رواه الترمذيّ (٣٩٢٥)، وابن ماجة (٣١٠٨)، وأحمد (١٨٧١٥)، وصحّحه ابن حبَّان (٣٧٠٨)، والحاكم (٣/ ٧) كلّهم من طرق عن الزّهري، أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزّهري، فذكره.
وإسناده صحيح.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين".
وسبق تخريجه مفصلا في كتالب السيرة النبوية.
وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: ما حول مكة من قرى العرب، ويسري هذا الإنذار إلى سائر القرى في الأرض، فإن النَّبِيّ ﷺ رسول من الله تعالى إلى الناس كلّهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
• عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل أدركته الصّلاة صلّى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من طريق هُشيم، أخبرنا سيار، حَدَّثَنَا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: فذكره. واللّفظ لمسلم.
وفي معناه أحاديث كثيرة، وهي مذكورة في كتاب الجهاد وفي كتاب السيرة.
٣ - باب قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي: أن أهل الإيمان يخافون من الساعة، ويجلون من وقوعها، ويعلمون أنها واقعة لا محالة، ولذا يعملون من أجلها ويستعدون لها، وإليه أرشد النَّبِيّ ﷺ الصحابي لما سأله عن وقت الساعة.
• عن أنس بن مالك: أن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ : متى الساعة؟ فقال له رسول الله ﷺ : "ما أعددت لها؟ ". قال: حب الله ورسوله. قال: "أنت مع من أحببت".
متفق عليه: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٣٩) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حَدَّثَنَا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، فذكره.
стр. 7430
ورواه البخاريّ في فضائل أصحاب النَّبِيّ ﷺ (٣٦٨٨) من وجه آخر عن أنس نحوه.
ولم أجده في الموطأ برواية الليثي، ولم يذكره الجوهري في مسند الموطأ.
٤ - باب قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾
قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي: من كانت الدُّنيا هي غاية مطلوبه ومقصوده، ولم يكن له في الآخرة همة البتة، حرمه الله الآخرة وأعطاه نصيبه من الدُّنيا إن شاء، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨].
• عن أُبَي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "بشّر هذه الأمة بالسناء، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عملَ منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب".
حسن: رواه أحمد (٢١٢٢٠)، وصحّحه ابن حبَّان (٤٠٥)، والحاكم (٤/ ٣١١)، والمقدسي في المختارة (١١٥٤) كلّهم من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبَي بن كعب، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل الربيع بن أنس، فإنه حسن الحديث.
٥ - باب قوله: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾
قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: أني لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم شيئًا من دنياكم وأموالكم، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم وإيذاءكم، لما بيني وبينكم من الرحم والقرابة، وقد جاء هذا المعنى عن ابن عباس.
• عن ابن عباس، أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ ، فقال ابن عباس: عجِلتَ، إن النَّبِيّ ﷺ لم يكن بطن من قريش إِلَّا كان له فيهم قرابة، فقال: "إِلَّا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨١٨) عن محمد بن بشار، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
٦ - باب قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: أن الله يعفو عن عباده ما
стр. 7431
اقترفوه من السيئات، ويغفر لهم، ويقبل توبتهم إذا تابوا إليه، بل هو سبحانه يفرح من ذلك، كما جاء في الصَّحيح.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثمّ قال من شدة الفرح: اللهم! أنت عبدي، وأنا ربَّك. أخطأ من شدة الفرح".
صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٤٧) من طرق عن عمر بن يونس، حَدَّثَنَا عكرمة بن عمار، حَدَّثَنَا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حَدَّثَنَا أنس بن مالك - وهو عمه -، قال: فذكره.
وفي هذا المعنى أحاديث أخرى، وهي مذكورة في موضعها.
٧ - باب قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾
قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ أي: أن الله بعد خلقهم وبثهم يجمعهم للحساب والجزاء إذا شاء، والله قادر على كل شيء، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥]، ونحوها من الآيات، فالمشيئة فيها متعلقة بالأفعال المذكورة فيها من إذهاب السمع، والبصر، والتعذيب، والمغفرة، والخلق، وأمّا القدرة فهي مطلقة عامة.
فما شاع في بعض الأوساط من قول: "والله على ما يشاء قدير" خطأ واضح، لأن قدرة الله ليست مقصورة على ما شاء فقط، بل قدرته سبحانه مطلقة عامة شاملة كاملة، فالصحيح أن يقال: والله على كل شيء قدير، كما جاءت به النصوص القرآنية.
٨ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾
قوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: لا ينتقمون لأنفسهم بل يغضبون ويغفرون، وهذا هو ديدنهم وسجيتهم، حتَّى إنهم إذا أغضبهم أحد بشيء من قوله أو فعله كظموا ذلك الغضب، ولم يقابلوا المسيء إِلَّا بالإحسان والعفو والصفح، والنبي ﷺ هو أفضل من ينطبق عليه ذلك.
• عن عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ أنها قالت: ما خيّر رسول الله ﷺ في أمرين قطّ إِلَّا
стр. 7432
أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إِلَّا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها.
متفق عليه: رواه مالك في حسن الخلق (٢) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة، قالت: فذكرته.
ورواه البخاريّ في المناقب (٣٥٦٠)، ومسلم في الفضائل (٧٧: ٢٣٢٧) كلاهما من طريق مالك به.
• عن عائشة أنها قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحّشا، ولا صخّابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
صحيح: رواه الترمذيّ في سننه (٢٠١٦)، وفي الشمائل (٣٤٧)، وأحمد (٢٥٤١٧)، وابن حبَّان (٦٤٤٣) كلّهم من طرق عن أبي إسحاق، قال: سمعت أبا عبد الله الجدلي (واسمه عبد بن عبد)، عن عائشة، قالت: فذكرته.
وإسناده صحيح. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن أنس بن مالك قال: لم يكن النَّبِيّ ﷺ سبّابا ولا فحّاشا ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: "ما له ترب جبينه".
صحيح: رواه البخاريّ في الأدب (٦٠٣١، ٦٠٤٦) من طرق عن فليح بن سليمان أبي يحيى، عن هلال بن عليّ بن أسامة، عن أنس بن مالك، قال: فذكره.
• * *
стр. 7433
٤٣ - تفسير سورة الزخرف وهي مكية، وعدد آياتها ٨١
١ - باب قوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبّر ثلاثًا، ثمّ قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، اللهم! إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم! هوّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنّا بُعدَه، اللهم! أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم! إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل".
وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون".
صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٤٢) عن هارون بن عبد الله، ثنا حجَّاج بن محمد، قال: قال ابن جريج، أخبرني أبو الزُّبير، أن عليا الأزدي، أخبره أن ابن عمر أخبره، فذكره.
وقوله: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ هو مطيقين أي ما كنا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله إياه لنا.
٢ - باب قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾
أي: لو أن الناس صاروا كلّهم كفارا، وصارتْ هذه الأبواب والدرج والسرر والسقف والبيوت من ذهب وفضة؟ فإنها من متاع الدُّنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى، ولكن الآخرة هي الباقية والتي تدوم ولا تزول، ونعمها لا تكون إِلَّا لأهل الإيمان والتقوى، لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، وقد جاء في ذلك أحاديث منها:
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدُّنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأمّا الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في
стр. 7434
الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها".
صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٨٠٨) من طرق عن يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: فذكره.
• عن عمر بن الخطّاب أنه دخل على رسول الله ﷺ في المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن، قال: وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مصبوبا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ ، فبكيت، فقال"ما يبكيك؟ " فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: "أما ترضى أن تكون لهم في الدُّنيا ولنا في الآخرة؟ ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩١٣)، ومسلم في الطلاق (١٤٧٩: ٣١) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، أخبرني يحيى، أخبرني عبيد بن حنين، أنه سمع عبد الله بن عباس يحدّث، عن عمر بن الخطّاب، فذكره في حديث طويل.
• عن عبد الله بن عكيم قال: كنا مع حذيفة بالمدائن، فاستسقى حذيفة، فجاءه دهقان بشراب في إناء من فضة، فرماه به، وقال: إني أخبركم أني أمرته أن لا يسقيني فيه، فإن رسول الله ﷺ قال: "لا تشربوا في إناء الذهب والفضة، ولا تلبسوا الديباج والحرير، فإنه لهم في الدُّنيا وهو لكم في الآخرة يوم القيامة".
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢٠٦٧) عن سعيد بن عمرو بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس، قال: حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، سمعته يذكر عن أبي فروة، أنه سمع عبد الله بن عكيم، قال: فذكره.
• عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة، فإذا هو بشاة ميته شائلة برجلها، فقال: "أترون هذه هَيِّنَةً على صاحبها؟ ، فوالذي نفسي بيده! للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها، ولو كانت الدُّنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها قطرة أبدًا".
حسن: رواه ابن ماجة (٤١١٠)، والحاكم (٤/ ٣٠٦) كلاهما من طرق عن أبي يحيى زكريا بن منظور، قال: حَدَّثَنَا أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: فذكره.
وزكريا بن منظور هو القرظي المدني ضعيف، لكنه توبع، فقد رواه الترمذيّ (٢٣٢٠) من طريق عبد الحميد بن سليمان، والطَّبرانيّ في الكبير (٦/ ٢١٩) من طريق زمعة بن صالح (كلاهما: عبد الحميد وزمعة) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
стр. 7435
وعبد الحميد بن سليمان وزمعة بن صالح كلاهما ضعيفان غير متهمين، وبهذه المتابعات يرتقي الحديث إلى درجة الحسن.
قال الترمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
٣ - باب قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾
أي: أن هذا القرآن تذكير لك ولقومك لتبدأ الدعوة بهم، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. وتخصيص عشيرة النَّبِيّ ﷺ وقومه بالذكر لا ينفي غيرهم، إنّما جاء ذكرهم في الآية المذكورة لأنهم أول المخاطبين، وإلا فالقرآن أنزل هدى ورحمة للناس كافة، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والرسول الذي أنزل عليه هذا القرآن أرسل إلى الناس كافة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].
٤ - باب قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾
قوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾ أي: يضجون، وذلك لما ضُرِبَ ابن مريم مثلا ضجَّ أهل مكة، وقالوا: ما يريد محمد منا إِلَّا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى ابنَ مريم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدًا، فنطيعه ونعبده ونترك آلهتنا. وبه قال قتادة.
وقوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ يعني هذا المثل جدلا وخصومة بالباطل وإلا متى دعا محمد إلى عبادته، وقد جاء في الحديث:
• عن أبي أمامة قال: قال رسول الله عدل ﷺ : "ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إِلَّا أوتوا الجدل". ثمّ تلا هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.
حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٥٣)، وابن ماجة (٤٨)، وأحمد (٢٢١٦٤)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٤٤٨، ٤٤٧) كلّهم من طرق عن حجَّاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، إنّما نعرفه من حديث حجَّاج بن دينار، وحجاج ثقة مقارب الحديث، وأبو غالب اسمه: حزَوّرٌ".
قلت: إسناده حسن من أجل أبي غالب، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث فيما له أصل،
стр. 7436
والأحاديث في ذم الجدل كثيرة وهي مذكورة في موضعها.
وقال غير قتادة: المراد به عيسى ﵇ وقالوا: يزعم محمد أن كل ما عُبِدَ من دون الله فهو في النّار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النّار.
قال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ﴾ يعني هذا المثل. خصومة بالباطل، وقد علموا أن المراد من قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] هؤلاء الأصنام. وبه قال أكثر المفسرين.
• عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، عن ابن عباس قال: لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قطّ، فما أدري أعلمها الناس، فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها، فيسألوا عنها؟ ثمّ طفق يحدّثنا، فلمّا قام، تلاومنا أن لا نكون سألناه عنها، فقلتُ: أنا لها إذا راح غدا، فلمّا راح الغد، قلت: يا ابن عباس! ذكرتَ أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قطّ، فلا تدري أعلمها الناس، فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها، وعن اللاتي قرأت قبلها. قال: نعم، إن رسول الله ﷺ قال لقريش: "يا معشر قريش! إنه ليس أحد يُعبد من دون الله فيه خير"، وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما تقول في محمد. فقالوا: يا محمد! ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحًا، فلئن كنت صادقا، فإن آلهتهم لكما تقولون. قال: فأنزل الله : ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال: قلت: ما يصدون؟ قال: يضجون: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، قال: هو خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة.
حسن: رواه أحمد (٢٩١٨) واللّفظ له، والطَّبرانيّ في الكبير (١٢/ ١٥٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٩٨٦)، وابن حبَّان (٦٨١٧) كلّهم من طريق عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين مسعود بن مالك الأسدي، عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة، فإنه حسن الحديث.
٥ - باب قوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾
أي: أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، وإذنه لكم بدخول الجنّة، فإنه لا يُدخل أحدًا عمله الجنّة، ولكن بفضل الله ورحمته.
• عن عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ : "سدّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يُدخِل الجنّة أحدًا عملُه". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا
стр. 7437
أنا إِلَّا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٧)، ومسلم في صفة القيامة (٢٨١٨) كلاهما من طريق موسى بن عقبة، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، يحدث عن عائشة أنها كانت تقول: فذكرته. واللّفظ لمسلم.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إِلَّا له منزلان: منزل في الجنّة ومنزل في النّار. فإذا مات فدخل النّار، وَرِث أهل الجنّة منزله. فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]
صحيح: رواه ابن ماجة (٤٣٤١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٧٣)، وابن أبي حاتم كما ذكر ابن كثير في تفسيره (٥/ ٤٦٤) كلّهم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
٦ - باب قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾
• عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨١٩)، ومسلم في الجمعة (٨٧١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمِع عطاءً يخبر، عن صفوان بن يعلى، فذكره، واللّفظ للبخاريّ.
قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ أي يدعون خازن النّار.
وقوله: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي ليقض علينا ربَّك بالموت فنستريح من العذاب.
وقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ أي لا يُقضى عليكم بالموت بل أنتم ماكثون في العذاب الدائم.
وقد وردتْ في بعض الروايات: أن أهل النّار يدعون مالكا - خازن النّار - فلا يجيبهم أربعين عاما ثمّ يقول: إنكم ماكثون. إِلَّا أنه موقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٩٦): "رواه الطبرانيّ ورجاله رجال الصَّحيح".
• * *
стр. 7438
٤٤ - تفسير سورة الدخان وهي مكية، وعدد آياتها ٥٩
رُوي عن زيد بن حارثة قال: قال النَّبِيّ ﷺ لبعض أصحابه: "انطلق" فانطلق رسول الله ﷺ ، وأصحابه معه حتَّى دخلوا بين حائطين في زقاق طويل، فلمّا انتهوا إلى الدار إذا امرأة قاعدة، وإذا قربة عظيمة ملأى ماء، فقال النَّبِيّ ﷺ : "أرى قربة ولا أرى حاملها" فأشارت المرأة إلى قطيفة في ناحية الدار، فقاموا إلى القطيفة، فكشفوها، فإذا تحتها إنسان، فرفع رأسه، فقال النَّبِيّ ﷺ : "شاهَ الوجهُ"، فقال: يا محمد! لم تفحش عليَّ؟ فقال له النَّبِيّ ﷺ : "إني قد خبأت لك خبئا، فأخبرني ما هو؟ "، وكان النَّبِيّ ﷺ قد خبأ له سورة الدخان، فقال: الدخ، فقال: "اخسأ، ما شاء الله كان" ثمّ انصرف.
رواه البزّار في مسنده (١٣٣٤) والطَّبرانيّ في الكبير (٥/ ٨٨، ٨٩) كلاهما من طريق زياد بن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن جده فرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن زيد بن حارثة، قال: فذكره.
وفي الإسناد زياد بن الحسن بن فرات، قال فيه أبو حاتم: "منكر الحديث". وقال الدَّارقطنيّ: "لا بأس به، ولا يحتج به"، فهو لا يحتج به فيما ينفرد به.
ورُوي عن أبي ذرّ قال: لأن أحلف عشر مرار أن ابن صياد هو الدَّجال، أحب إليَّ من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به. قال: وكان رسول الله ﷺ بعثني إلى أمه، فقال: "سلها كم حملت به" قال: فأتيتها فسألتها، فقالت: حملت به اثني عشر شهرًا. قال: ثمّ أرسلني إليها، فقال: "سلها عن صيحته حين وقع" قال: فرجعت إليها فسألتها، فقالت: صاح صيحة الصبي ابن شهر. ثمّ قال له رسول الله ﷺ : "إني قد خبأت لك خبأ" قال: خبأت لي خطم شاة عفراء والدخان. قال: فأراد أن يقول: الدخان فلم يستطع، فقال: الدخ الدخ، فقال رسول الله ﷺ : "اخسأ، فإنك لن تعدو قدرك".
رواه أحمد (٢١٣١٩) والعقيلي في ضعفائه (١/ ٢١٧) كلاهما من طريق عبد الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا الحارث بن حصيرة، حَدَّثَنَا زيد بن وهب، عن أبي ذرّ، فذكره.
وفي الإسناد الحارث بن حصيرة وهو مختلف فيه، وليس هو في درجة من يقبل تفرده، وقد قال العقيلي: "ولا يتابع الحارث بن حصيرة على هذا، وله غير حديث منكر".
стр. 7439
١ - باب قوله: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾
قوله: (﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي القرآن الكريم.
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي: في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وليلة القدر تكون في الوتر من العشر الأواخر من رمضان كما جاء في الصَّحيح.
• عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضل ليلة القدر (٢٠١٧) من طريق أبي سُهيل، عن أبيه، عن عائشة.
ورواه أيضًا (٢٠٢٠) هو ومسلم في الصيام (١١٦٩) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: "تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان"، واللّفظ للبخاريّ.
والأحاديث الأخرى في ليلة القدر مذكورة في كتاب الصيام.
٢ - باب قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾
قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فيه قولان عند المفسرين: الأوّل: إن هذا الدخان المذكور في الآية والذي سلَّى الله به نبيه وتوعَّد به الكفار قد وقع، وكان ذلك حين تمردت قريش واستعصت، فدعا عليهم النَّبِيّ ﷺ بالقحط والجدب، ويدل على ذلك من الأحاديث ما يأتي:
• عن مسروق قال: جاء إلى عبد الله رجل، فقال: تركت في المسجد رجلًا يفسر القرآن برأيه، يفسر هذه الآية: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان، فيأخذ بأنفاسهم حتَّى يأخذهم منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله: من علم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم. فإن من فقه الرّجل أن يقول لما لا علم له به: الله أعلم. إنّما كان هذا أن قريشًا لما استعصت على النَّبِيّ ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتَّى جعل الرّجل ينظر إلى السماء فيرى
стр. 7440
بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله! استغفر الله لمضر؛ فإنهم قد هلكوا. فقال: "لمضر؟ إنك لجريء" قال: فدعا الله لهم، فأنزل الله : ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قال: فمُطِروا، فلما أصابتهم الرفاهية، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه. قال: فأنزل الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٢١ و ٤٨٢٢ و ٤٨٢٣) ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٩٨: ٤٠) كلاهما من طريق الأعمش، عن مسلم بن صُبيح أبي الضحى، عن مسروق، قال: فذكره، واللفظ لمسلم.
ورواه البخاري في التفسير (٤٨٢٤) ومسلم كلاهما من طريق منصور، عن أبي الضحى به، وفيه: فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد! إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ ... الحديث.
• عن عبد الله بن مسعود قال: خمس قد مضين: اللزام، والروم، والبطشة، والقمر، والدخان.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٢٨٢٥) ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٩٨: ٤١) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيح، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره. واللفظ للبخاري.
والقول الثاني: إن هذا من علامات الساعة الكبرى، ويدل على ذلك الحديث الآتي:
• عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: "ما تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات" فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم".
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٠١) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن فرات القزار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري فذكره.
ولا منافاة بين حديث عبد الله بن مسعود وحديث حذيفة بن أسيد، فإن الدخان المذكور في حديث ابن مسعود غير الدخان الذي جاء ذكره في حديث حذيفة.
стр. 7441
٣ - باب قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾
أي: أن الله تعالى أعطى ما كان بيد فرعون وقومه من الجنات والعيون وغيرها من النعم قوما آخرين من أهل مصر، وليسوا هم بني إسرائيل، لأنهم بعد خروجهم من مصر لم يرجعوا إليها قط.
٤ - باب قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾
قوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ أي سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا، وأما في الآخرة فلا يذوقون الموت أبدا، كما جاء في الصحيح.
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار، أُتِيَ بالموت حتى يُجْعَل بين الجنة والنار، ثم يُذْبَح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم".
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٤٨) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٥٠: ٤٣) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن أباه، حدَّثه عن عبد الله بن عمر، فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا"، فذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٣٧) من طرق عن عبد الرزاق، قال: قال الثوري: فحدثني أبو إسحاق، أن الأغرَّ، حدَّثه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، فذكراه.
• عن جابر قال: قيل: يا رسول الله! هل ينام أهل الجنة؟ قال: "لا، النوم أخو الموت".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار - (٣٥١٧) عن الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكره.
ومحمد بن يوسف الفريابي أخطأ في شيء من حديث سفيان، كما قال الحافظ ابن حجر، إلا أنه لم ينفرد به بل توبع عليه.
فقد رواه الطبراني - مجمع البحرين - (٤٨٧٦) عن مقدام بن داود، ثنا عبد الله بن محمد بن المغيرة، ثنا سفيان به.
стр. 7442
فالظاهر أن الفريابي لم يخطئ في هذا الحديث، وعبد الله بن محمد بن المغيرة أيضا ليس بالقوي، ولكن متابعة أحدهما الآخرَ يقوّي الحديث، فيرتقي إلى درجة الحسن.
ورواه الطبراني - مجمع البحرين (٤٨٧٥) من وجه آخر عن جابر نحوه.
وفيه مصعب بن إبراهيم القيسي، وهو ضعيف.
والحديث روي أيضا مرسلا، ويرى أبو حاتم والدارقطني ترجيحه على الموصول. انظر: علل ابن أبي حاتم (٢١٤٧)، وعلل الدارقطني (٣٢١٥).
• * *
٤٥ - تفسير سورة الجاثية وهي مكية، وعدد آياتها ٣٧
١ - باب قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾
قوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: يتخذ الشجر والحجر وغيرهما معبودا له حسب رغبته.
• عن ابن عباس قال: كان الرجل من العرب يعبد الحجر، فإذا وجد أحسن منه أخذه، وأبقى الآخر، فأنزل الله : ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾.
حسن: رواه النسائي في الكبرى (١١٤٢١) وصحّحه الحاكم (٢/ ٤٥٢ ,٤٥٣) كلاهما من طريق مطرف، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل جعفر وهو ابن أبي المغيرة القمي، فإنه حسن الحديث.
تنبيه: في مطبوعة مستدرك الحاكم: "جعفر بن إياس"، وكذا في إتحاف المهرة (٧/ ١٥٣)، فالظاهر أنه خطأ قديم؛ لأن مطرفا من تلاميذ جعفر بن أبي المغيرة.
ثم وجدتُّ أن المزيّ أيضا ذكر هذا الحديث في تحفة الأشراف (٥٤٦٨) في ترجمة جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وفي معناه قول أبي رجاء العطاردي، رواه البخاري في المغازي (٤٣٧٦ ,٤٣٧٧) ولكن ليس فيه ذكر نزول الآية، وهو مذكور في كتاب سيرة النبي ﷺ .
стр. 7443
٢ - باب قوله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾
قوله: ﴿الدَّهْرُ﴾ الدهر هو الزمان، وكون الله هو الدهر، أي أنه متصرف هذا الزمان، قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة وبلاء قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله ، فكأنهم إنما سبوا الله ؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٢٦) ومسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦: ٢) كلاهما من طريق سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: فذكره. واللفظ للبخاري.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولنَّ أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلِّب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦: ٣) عن عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيَّب، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦: ٥) عن زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره.
وروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يقول الله: استقرضت عبدي فلم يقرضني، ويشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وادهراه، وادهراه، وأنا الدهر".
رواه أحمد (٧٩٨٨) وأبو يعلى (٦٤٦٦) وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٧٩) والحاكم (١/ ٤١٨) كلهم من طرق عن محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وفيه ابن إسحاق مدلس قد عنعن، ولم يتابعه عليها أحد بهذا اللفظ.
٣ - باب قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾
أي: يدخلهم الله الجنة يوم القيامة، وهذا كله من رحمة الله ، فقد جاء في الصحيح.
стр. 7444
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ... " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٥٠)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤٦: ٣٦) كلاهما من طريق عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في حديث الرؤية الطويل: "فوالذي نفسي بيده! لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبدَ فيقول: أي فلُ، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول. لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فُلُ، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني ... " الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٨) عن محمد بن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
٥ - باب قوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾
• عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : "العِزُّ إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذَّبْته".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٢٠) عن أحمد بن يوسف الأزدي، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو إسحاق، عن أبي مسلم الأغر، أنه حدَّثه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قالا: فذكراه.
• * *
стр. 7445
٤٦ - تفسير سورة الأحقاف وهي مكية، وعدد آياتها ٣٥
١ - باب قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾
• عن ابن عباس - قال سفيان: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: "الخط".
صحيح: رواه أحمد (١٩٩٢) عن يحيى، عن سفيان، حدثنا صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٥٤) من وجه آخر عن سفيان به موقوفا. وصحّحه على شرط الشيخين.
٢ - باب قوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾
قوله: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: بديعا مثل نصف ونصيف، وجمْع البدْع أبداع، ومعناه لستُ بأول مرسل، فقد بعث قبلي كثير من الأنبياء فكيف تنكرون نبوتي.
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾.
• عن أمّ العلاء - امرأة من الأنصار بايعت النّبيَّ ﷺ أَخْبَرَتْه أنه اقتُسم المهاجرون قرعةً، فطار لنا عثمان بن مظعون، فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي توفي فيه، فلما تُوفي وغُسِّل وكُفِّن في أثوابه دخل رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك أبا السّائب، فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله. فقال النبيُّ ﷺ : "وما يدريك أن الله أكرمه؟ ". فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي". قالت: فواللهِ لا أزكي أحدًا بعده أبدًا.
صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٢٤٣) عن يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنّ أم العلاء فذكرته.
وعثمان بن مظعون توفي بعد شهوده بدرًا في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات من
стр. 7446
المهاجرين بالمدينة، وأوّل من دُفن بالبقيع.
وقوله: "والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي". قال الحافظ في الفتح (٣/ ١١٥، ١١٦): "وإنّما قال رسول الله ﷺ ذلك موافقة لقوله تعالى في سورة الأحقاف ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] لأنّ الأحقاف مكية، وسورة الفتح مدنية بلا خلاف فيهما، وقد ثبت أنه ﷺ قال: "أوّل من يدخل الجنة" وغير ذلك من الأخبار الصّريحة في معناه" اهـ.
قلت: ولعله قال ذلك تواضعا منه ﷺ لله تعالى، وهناك أقوال أخرى راجع نواسخ القرآن لابن الجوزي وغيره.
٣ - باب قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾
• عن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي ﷺ وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيدهم، وكرهوا دخولنا عليهم فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود! أروني انني عشر رجلا يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه"، قال: فأمسكوا وما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد، ثم ثلَّث فلم يجبه أحد، فقال: "أبيتم، فوالله! إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفى، آمنتم أو كذبتم"، ثم انصرف وأنا معه، حتى دنا أن يخرج، فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمد! قال: فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك، ولا من أبيك من قبلك، ولا من جدك قبل أبيك، قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة، قالوا: كذبت، ثم ردوا عليه، وقالوا له شرا، فقال رسول الله ﷺ : "كذبتم، لن يقبل قولكم، أمّا آنفا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذا آمن كذبتموه، وقلتم ما قلتم فلن يقبل قولكم"، قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﷺ ، وأنا، وعبد الله بن سلام، فأنزل الله فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾.
صحيح: رواه أحمد (٢٣٩٨٤) وصحّحه ابن حبان (٧١٦٢) والحاكم (٣/ ٤١٥، ٤١٦) كلهم من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، قال: حدثني
стр. 7447
عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام قال، وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية قال: لا أدري، قال مالك: الآية، أو في الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨١٢)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٨٣) كلاهما عن مالك يحدث عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: فذكره.
واللفظ للبخاري، ولم يذكر مسلم: "وفيه نزلت ... الخ".
قوله: "ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض ... " وقد علم سعد بن أبي وقاص أنه ﷺ قال لجماعة: إنهم من أجل الجنة.
فأجيب بأنه قال ذلك بعد موت المبشرين بالجنة لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم ولم يبق معه من العشرة غير سعد وسعيد بن زيد، ويؤيد ذلك بعض ألفاظ الحديث كقوله عند مسلم: يقولي لحي يمشي. انظر: الفتح.
٤ - باب قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾
قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ فيها وصية من الله تعالى بالبر بالوالدين والإحسان إليهما والحنو عليهما والشكر والتقدير لهما، وطاعتهما في غير معصية الله ورسوله، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وللآية سبب نزول، وهي كلها مذكورة بالتفصيل في تفسير سورة العنكبوت الآية (٨) وفي سورة لقمان الآية (١٤, ١٥).
قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ يعني إذا كان أقل مدة الحمل ستة أشهر فيكون أكثر مدة الرضاع أربعة وعشرين شهرا، وإنْ كانتْ مدة الحمل تسعة أشهر فتكون مدة الرضاع واحدا وعشرين شهرا.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ إلى آخر الآية، يقال: إنها نزلتْ في أبي بكر الصديق فإنه أسلم هو، وأبواه، وذريته عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي ﷺ فآمنوا به، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة، وقد استجاب الله دعاءه في والديه وذريته.
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي ألهمني.
стр. 7448
٥ - باب قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾
هذه الآية نزلت في شخص كانت أم المؤمنين عائشة ﵂ تعرفه، ولكنها لم تخبر عنه، ولما قال مروان بن الحكم بأنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق كذَّبته عائشة في ذلك وأنكرته عليه، كما جاء في الصحيح.
• عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية، لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾. فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٢٧) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، قال: فذكره.
والصحيح أن هذه الآية نزلت في كافر عاق لوالديه يدل عليه قوله تعالى بعده: أي وجب عليهم العذاب، وعبد الرحمن بن أبي بكر مؤمن من أفاضل المسلمين، فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب.
٦ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾
قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: معترضا كالسحاب، قد أقبل على أوديتهم التي تسيل عليهم وترويهم، فظنوه سحابا ممطرا، فإذا هو عذاب أليم، ولذلك كان النبي ﷺ إذا رأى الغيم عرف في وجهه الكراهية مخافة أن يكون فيه عذاب، كما جاء في الصحيح.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم.
قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه. قالت: يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية. فقال: "يا عائشة! ما يؤمني أن يكون فيه عذاب؟ عُذِّبَ قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٢٨، ٤٨٢٩) - واللفظ له -، ومسلم في الكسوف (٨٩٩: ١٦)
стр. 7449
كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أن أبا النضر حدَّثه، عن سليمان بن يسار، عن عائشة فذكرته.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللهم! إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" قالت: وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرِّيَ عنه، فعرفت ذلك في وجهه، قالت عائشة: فسألته، فقال: لعله يا عائشة! كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٦) ومسلم في الكسوف (٨٩٩: ١٥) كلاهما من طريق ابن جريج، يحدثنا عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، قالت: فذكرته، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
• عن الحارث بن يزيد البكري قال: خرجتُ لأشكوَ العلاء بن الحضرميّ إلى رسول الله ﷺ ، فمررت بالربَذَة، فإذا عجوزٌ منقَطعٌ بها من بني تميم، فقالت: يا عبد الله! إنّ لي إلى رسول الله ﷺ حاجةً، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فقدمت المدينة. قال: فإذا رايات سود، قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجهًا. قال: فجلست حتى فرغ. قال: فدخل منزله - أو قال: رَحْله - فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فقعدت، فقال لي رسول الله ﷺ : "هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ " قلت: نعم! وكانت لنا الدَّبَرة عليهم، وقد مررت بالربذة، فإذا عجوز منهم مُنقطعٌ بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها رسول الله ﷺ ، فدخلت، فقلت: يا رسول الله! اجعل بيننا وبين تميم الدَّهنا حاجزًا، فحميت العجوزُ واستوفزت، وقالت: فأين تضطرُّ مُضَرك يا رسول الله؟ قال، قلت: أنا كما قالوا: "معزى حملتَ حَتْفًا"! حملتُ هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا! أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد! قال: "وما وافدُ عادٍ؟ " قلت: على الخبير سقطتَ! قال: وهو يستطعمني الحديثَ.
قلت: إن عادًا قُحِطوا فبعثوا قَيْلا وافدًا، فنزل على بكرٍ، فسقاه الخمرَ شهرًا وتغنّيه جاريتان يقال لهما "الجرادتان"، فخرج إلى جبال مهرة، فنادى: "إني لم أجئ لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، اللهم! فاسقِ عادًا ما كانت تُسْقِيه"! فمرت به
стр. 7450
سحابات سُودٌ، فنودي منها: "خذها رمادًا رِمْدِدًا، لا تبقي من عادٍ أحدًا". قال: فكانت المرأة تقول: "لا تكن كوافد عادٍ"! فما بَلَغني أنَّه أرسل عليهم من الريح، يا رسول الله! إلا قَدْر ما يجري في خاتمي. قال أبو وائل: فكذلك بلغني.
حسن: رواه الترمذي (٣٢٧٤)، وأحمد (١٥٩٥٤)، والطبري في تفسيره (١٠/ ٢٧٦) واللفظ له، كلهم من طريق زيد بن الحباب قال: حدثنا سلام أبو المنذر النحوي، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري فذكره.
ورواه ابن ماجه (٢٨١٦) مختصرا من وجه آخر عن عاصم، عن الحارث بن حسان، فأسقط من الإسناد أبا وائل والصحيح إثباته.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة فإنه حسن الحديث.
٧ - باب قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾
الجن جاؤوا إلى النبي ﷺ ، واستمعوا القرآن فآمنوا، ثم عادوا إلى قومهم منذرين ودعاة إلى الله ، ووفادتهم على النبي ﷺ واستماعهم القرآن منه قد تكرر عدة مرات، يدل على ذلك أحاديث، منها ما يلي:
• عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: انصتوا، قالوا: صه. وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ الآية إلى: ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
حسن: رواه الحاكم (٢/ ٤٥٦) عن أبي علي الحافظ، أنبأ عبدان الأهوزي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وإسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن بهدلة فإنه حسن الحديث.
• عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر
стр. 7451
السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة - وهو بنخل - عامدين إلى سوق عكاظ، - وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر - فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، فأنزل الله على نبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٧٣) والتفسير (٤٩٢١)، ومسلم في الصلاة (٤٤٩) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. واللفظ لمسلم.
• عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجنِّ؟ قال: لا. ولكنّا كُنَّا مع رسول الله ﷺ ذات ليلةٍ، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير، أو اغتيل، قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاءٍ من قِبَل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله! فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قومٌ. فقال: "أتاني داعي الجنِّ، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد. فقال: "لكم كلُّ عظمٍ ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا. وكلُّ بعرة علفٌ لدوابكم". فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما؛ فإنَّهما طعام إخوانكم".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٠) عن محمد بن المثنى، حدَّثنا عبد لأعلى، عن داود، عن عامر، قال: فذكره.
• عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوةً لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا أبو هريرة. فقال: "ابْغِنِيْ أحجارا أستنفض بها، ولا تأتِني بعظم، ولا بروثة". فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيتُ معه فقلت: ما بالُ العظم والروثة؟ قال: "هما
стр. 7452
من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظمٍ ولا بروثةٍ إلا وجدوا عليها طعامًا".
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٠) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليّ الرجل، فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوما في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال عمر: صدق، بينما أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح. يقول: لا إله إلا أنت، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي.
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٦) عن يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثني عمر، أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر فذكره.
• * *
стр. 7453
٤٧ - تفسير سورة محمد وهي مدنية، وعدد آياتها ٣٨
١ - باب قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾
قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: أن ضرب الرقاب وشد الوثاق يكون في حالة الحرب فقط، فإذا لم تكن حرب لسبب من الأسباب فلا قتل، ولا أسر.
وإلى هذا الحكم ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق فقالوا: الإمام بالخيار في الكفار الذين وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يسترقّهم، أو يمنّ عليهم فيطلقهم بلا عوض، أو يفاديهم بالمال.
وذهب بعض أهل العلم منهم الأوزاعي إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وبه قال أصحاب الرأي.
وقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي أثقالها وأحمالها، وأصل الوزر: ما يحتمل الإنسان فسمي الأسلحة أوزارا لأنها تحمل.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: أن الله لا يضيع أعمال الشهداء بل يجزيهم عليها الجزاء الأوفى، ومن ذلك ما جاء في الحديث.
• عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله ﷺ قال: "للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُحَلَّى حلة الإيمان، ويُزَوَّج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٧٩٩) - واللفظ له -، وأحمد (١٧١٨٢) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٦٦, ٢٦٧) كلهم من طرق عن إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عياش، فإنه حسن الحديث إذا روى عن أهل بلده الشاميين، وبحير بن سعد من أهل حمص، وكذلك تابعه بقية بن الوليد، فرواه الترمذي (١٦٦٣)
стр. 7454
عن عبد الله بن عبد الرحمن، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد به نحوه.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
• عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال: قال النبي ﷺ : "يُعْطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يُكَفَّر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويُزَوج من الحور العين، ويُؤمَن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويُحَلَّى حُلَّة الإيمان".
حسن: رواه أحمد (١٧٧٨٣) عن زيد بن يحيى الدمشقي، قال: حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذامي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الشامي، وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الجنائز.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين".
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٨٦) عن زكريا بن يحيى بن صالح المصري، حدثنا المفضل - يعني ابن فضالة -، عن عياش - وهو ابن عباس القتباني -، عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره.
٢ - باب قوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾
أي: أن الله يهديهم إلى الجنة، ويصلح حالهم، ويُهَذِّبهم، ويُنَقِّيهم، ويُعَرِّفهم منازلهم في الجنة، ويهديهم إليها، ويدلهم عليها، كما كانوا يعرفون منازلهم في الدنيا، ويذهبون إليها ويدخلونها ويقيمون فيها، كما جاء في الصحيح.
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده! لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".
صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٣٥) عن الصلت بن محمد، حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، أن أبا سعيد الخدري، فذكره.
стр. 7455
٣ - باب قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾
• عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله، وقال: "لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا". فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله: عهد إليَّ النبي ﷺ أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبوا صُرِفَ وجوهُهم، فأصيب سبعون قتيلا، وأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل". قال أبو سفيان: لنا العزَّى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ : "أجيبوه". قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم". قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٠٤٣) عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾
قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ أي: يكون جل همهم التمتع بلذات الدنيا وشهواتها والإكثار من الأكل والشرب فيها، وقد جاء في الحديث أن من صفات الكافر أنه يأكل ويشرب في سبعة أمعاء.
• عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد".
متفق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (٥٣٩٤) ومسلم في الأشربة (٢٠٦٠) كلاهما من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، واللفظ لمسلم، وفي لفظ البخاري: "وإن الكافر - أو المنافق، فلا أدري أيهما قال عبيد الله - يأكل في سبعة".
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يأكل المسلم في معي واحد، والكافر
стр. 7456
يأكل في سبعة أمعاء".
صحيح: رواه مالك في صفة النبي ﷺ (٩) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: فذكره. ورواه البخاري في الأطعمة (٥٣٩٦) من طريق مالك به.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف كافر، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة
فحلبت، فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ : "المؤمن يشرب في معي واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء".
صحيح: رواه مالك في صفة النبي ﷺ (١٠) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه مسلم في الأشربة (٢٠٦٣) من طريق مالك به.
• عن أبي هريرة أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا، فأسلم، فكان يأكل أكلا قليلا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "إن المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
صحيح: رواه البخاري في الأطعمة (٥٣٩٧) عن سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن جابر وابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
صحيح: رواه مسلم في الأشربة (٢٠٦١) عن محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر وابن عمر، فذكراه.
• عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
صحيح: رواه مسلم في الأشربة (٢٠٦٢) عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بُرَيد، عن جده، عن أبي موسى الأشعري، فذكره.
• عن نافع قال: كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، فأدخلت رجلا يأكل معه، فأكل كثيرا، فقال: يا نافع، لا تدخل هذا عليَّ، سمعت النبي ﷺ يقول: "المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء".
متفق عليه: رواه البخاري في الأطعمة (٥٣٩٣) ومسلم في الأشربة (٢٠٦٠: ١٨٣) كلاهما من طريق شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، أنه سمع نافعا، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
стр. 7457
• عن عمرو قال: كان نهيك رجلا أكولا، فقال له ابن عمر: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء"، فقال: أنا أؤمن بالله ورسوله.
صحيح: رواه البخاري في الأطعمة (٥٣٩٥) عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، قال: فذكره.
٥ - باب قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾
• عن معاوية بن حيدة القشيري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تنشق الأنهار منها بعد".
حسن: رواه الترمذي (٢٥٧١) وأحمد (٢٠٠٥٢) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، فذكره.
والجريري هو سعيد بن إياس وكان قد اختلط ويزيد بن هارون سمع منه بعد الاختلاط ولكن رواه ابن حبان (٧٤٠٩) من طريق خالد بن عبد الله الطحان، عن الجريري به نحوه.
وقد أخرج البخاري لخالد الطحان عن الجريري، وهذا دليل على أن البخاري يرى أن الطحان سمع من الجريري قبل اختلاطه، وإن كان بعض أهل العلم ترددوا في الجزم من سماعه قبل الاختلاط أو بعده.
وإسناده حسن من أجل حكيم بن معاوية فإنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها". قالوا: يا رسول الله! أفلا ننبئ الناس بذلك. قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
صحيح: رواه البخاري في التوحيد (٧٤٢٣) عن إبراهيم بن المنذر، حدثني محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، حدثني هلال، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
٦ - باب قوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾
стр. 7458
قوله: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: أماراتها وعلاماتها الدالة على قربها، وقد أخبر النبي ﷺ عن أمارات الساعة وأشراطها، ومن ذلك بعثة النبي ﷺ .
• عن سهل بن سعد قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام: "بُعِثْتُ والساعة كهاتين".
متفق عليه. رواه البخاري في التفسير (٤٩٣٦)، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٥٠) كلاهما من طرق عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
وقوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي: من أين لهم إذا جاءتهم الساعة أن يتذكروا؟ فقد فات أوانه وذهب وقته، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] فإيمانهم وتذكرهم واستعتابهم لا ينفعهم في ذلك اليوم البتة.
٧ - باب قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾
إن الله أمر نبيه ﷺ بالاستغفار، والنبي ﷺ كان يستغفر كثيرا، مع أنه مغفور له، كما قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وفي ذلك حث للأمة على كثرة الاستغفار والمداومة عليه.
• عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت النبي ﷺ ، وأكلت معه خبزا ولحما - أو قال: ثريدا - قال: فقلت له: أستغفر لك النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال: ثم درت خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٦) من طرق عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، قال: فذكره.
• عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم! اغفر لي خطاياي، وعمدي، وجهلي، وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم! اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير".
متفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (٦٣٩٨) ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧١٩) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا عبد الملك بن الصبَّاح الْمِسْمَعِي، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا
стр. 7459
الإسناد، إنما أحال على إسناد قبله.
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والله! إني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
صحيح: رواه البخاري في الدعوات (٦٣٠٧) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: قال أبو هريرة: فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب! لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني".
حسن: رواه أحمد (١١٢٣٧، ١١٧٢٩) من طريقين عن ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
وابن لهيعة فيه كلام معروف.
ودرَّاج هو ابن سمعان أبو السمح روايته عن أبي الهيثم ضعيفة.
ولكن رواه أحمد (١١٢٤٤) أيضا من وجه آخر عن أبي سلمة، أخبرنا ليث (هو ابن سعد)، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
وفيه انقطاع فإن عمرو وهو ابن أبي عمرو القرشي لم يدرك أبا سعيد الخدري.
وبمجموع الإسنادين يكون الحديث حسنا.
والأحاديث الدالة على فضل الاستغفار، والحث عليها كثيرة، وهي مذكورة في موضعها.
٨ - باب قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾
قوله: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ فيه تحذير من الله عن قطيعة الرحم، وقد جاءت أحاديث كثيرة فيها نهي عن قطعية الرحم وأمر بصلته، وحث على البر والإحسان إلى الأقارب، ومنها:
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك"، ثم قال رسول الله ﷺ : "اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ ".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٣١) ومسلم في البر والصلة (٢٥٥٤) كلاهما من
стр. 7460
طريق حاتم بن إسماعيل، عن معاوية بن أبي مزرَّد مولى بني هاشم، قال: حدثني عمي أبو الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ لمسلم، ولم يسق البخاري لفظه كاملا بهذا الإسناد بل أحال على إسناد قبله.
• عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدَّخر له في الآخرة: مثل البغي وقطيعة الرحم".
حسن: رواه أبو داود (٤٩٠٢) والترمذي (٢٥١١) وابن ماجه (٤٢١١) وأحمد (٢٠٣٩٨) وصحّحه الحاكم (٤/ ١٦٢، ١٦٣) كلهم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن الغطفاني، حدثني أبي، عن أبي بكرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل عيينة بن عبد الرحمن فإنه حسن الحديث.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن جبير بن مطعم أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قاطع".
متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٥٩٨٤) ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٥٦) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، قال: إن جبير بن مطعم أخبره، فذكره.
قوله: "قاطع" يعني: قاطع رحم.
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يُبْسَطَ له في رزقه، ويُنْسَأ له في أثره، فليَصِلْ رحمه".
متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٥٩٨٦) ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٥٧: ٢١) كلاهما من طريق الليث بن سعد، حدثني عُقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سَرَّه أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في إثره فليصل رحمه".
صحيح: رواه البخاري في الأدب (٥٩٨٥) عن إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن معن، قال: حدثني أبي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "الرحم شجنة، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".
متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٥٩٨٩) ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٥٥) كلاهما من طريق معاوية بن أبي مزرَّد، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة زوج النبي ﷺ ،
следующие страницы →