Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.
стр. 7526
قال الحاكم: "صحيح الإسناد" وهو كما قال.
• عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسا مع النبي ﷺ ، فجاء أعرابي، فقال: يا رسول الله! أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم أكثر شوكا منها يعني الطلح، فقال: "التيس الملبود يعني الخصي، فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر".
صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٣٠) عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، ثنا أبو مسهر ومحمد بن المبارك الصوري، قالا: ثنا يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، عن حبيب بن عبيد، عن عتبة بن عبد السلمي، قال: فذكره.
وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤١٤): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح".
وقال بعض أهل العلم: ﴿وَطَلْحٍ﴾ أي: موز، واحدتُها: طلحة، ﴿مَنْضُودٍ﴾ المتراكم بعضها تلو بعض. روي ذلك عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب.
قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي ظل دائم لا ينقطع، ممدود: غير منقطع.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨١) ومسلم في الجنة (٢٨٢٦: ٧) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على حديث قبله.
• عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
متفق عليه: رواه مسلم في الجنة (٢٨٢٧) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا المخزومي (وهو المغيرة بن سلمة)، حدثنا وهيب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
ورواه البخاري في الرقاق (٦٥٥٢) فقال: "وقال إسحاق بن إبراهيم" به، وهذا معلق في الظاهر ولكنه محمول على الاتصال عند الجمهور لأنه من شيوخه.
• عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكبُ الجوادَ الْمُضمَّر السريعَ مائة عام ما يقطعها".
متفق عليه: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٢٨) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا المخزومي (وهو المغيرة بن سلمة)، حدثنا وهيب، عن أبي حازم، عن النعمان بن أبي عياش الزرقي، قال: حدثني أبو سعيد الخدري، فذكره.
стр. 7527
ورواه البخاري في الرقاق (٦٥٥٣) فقال: "وقال إسحاق بن إبراهيم" به نحوه، وهذا معلق في الظاهر ولكنه على رأي الجمهور محمول على الاتصال لأن إسحاق بن إبراهيم من شيوخه.
• عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
صحيح: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٥١) عن روح بن عبد المؤمن، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، فذكره.
وأما ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب" فهو منكر.
رواه الترمذي (٢٥٢٥) وأبو يعلى (٦١٩٥) وابن حبان (٧٤١٠) كلهم من طريق أبي سعيد الأشج، قال: حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز، عن أبيه، عن جده، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.
وقوله: "إلا وساقها من ذهب" منكر، تفرد به زياد بن الحسن بن الفرات، وهو يروي عن أبيه، وفي كليهما قال أبو حاتم: منكر الحديث.
﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ من سكب الماء بمعنى الصبّ أي أنهار الجنة تجري بقوة دائما في غير أخدود دون انقطاع.
قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾.
أي: في الجنة فواكه كثيرة متنوعة، لا تنقطع في وقت من الأوقات، بل تكون موجودة في جميع الأوقات، وتكون في متناول مبتغيها، فيأكلونها بكل يسر وسهولة وينعمون بها.
• عن ابن عباس قال: خَسَفَت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ ... وفيه: قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت. فقال: "إني رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ... " الحديث.
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الخسوف (٤٤٥) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، فذكره في حديث طويل.
ورواه البخاري في الكسوف (١٠٥٢) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الكسوف (٩٠٧) من وجه آخر عن زيد بن أسلم به.
• عن عتبة بن عبد السلمي، قال جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: ما حوضك الذي تحدِّث عنه؟ قال: "كما بين البيضاء إلى بُصرى، يَمُدُّني الله فيه بكراع لا يدري إنسان ممن خُلِق أين طرفاه" فكبَّرَ عمر بن الخطاب، فقال: أما الحوض فيرد عليه
стр. 7528
فقراء المهاجرين الذين يقاتلون في سبيل الله، ويموتون في سبيل الله، فأرجو أن يورثني الكراعَ فأشرب منه. وقال رسول الله ﷺ : "إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب، ثم يشفع كل ألف بسبعين ألف، ثم يحثي ربي ﵎ بكفيه ثلاث حثيات" فكبَّر عمر، وقال: إن السبعين الأولى ليشفِّعُهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر، فقال الأعرابي: يا رسول الله! فيها فاكهة؟ قال: "نعم، وفيها شجرة تدعى طوبى، هي تطابق الفردوس" فقال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: "ليس تشبه من شجر أرضك ولكن أتيت الشام؟ " قال ت لا، يا رسول الله! قال: "فإنها تشبه شجرة في الشام، تدعى الجوزة، تنبت على ساق واحد، ثم ينتشر أعلاها" قال: فما عظم أصلها؟ قال: "لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك لما قطعتها حتى تنكسر ترقوتها هرما" قال: فيها عنب؟ قال: "نعم" قال: ما عظم العنقود منها؟ قال: "مسيرة شهر للغراب الأبقع لا ينثني ولا يفتر" قال: فما عظم الحبة منه؟ قال: "هل ذبح أبوك من غنمه تيسا عظيما؟ " قال: نعم. قال: "فسلخ إهابها، فأعطاه أمك"، فقال: ادبغي هذا، ثم افري لنا منه ذنوبا نروي به ماشيتنا" قال: نعم. قال: فإن تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي، فقال النبي ﷺ : "وعامة عشيرتك".
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٤٠٤) واللفظ له، وفي الكبير (١٧/ ١٢٧، ١٢٦) وأحمد (١٧٦٤٢) مختصرا كلهم من طريق عامر بن زيد البكالي، أنه سمع عتبة بن عبد السلمي، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عامر بن زيد البكالي.
والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان.
وروي عن جابر قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في صفوفنا في الصلاة، صلاة الظهر أو العصر، فإذا رسول الله ﷺ يتناول شيئا، ثم تأخر فتأخر الناس، فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب: شيئا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه! قال: "عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه شيئا، ثم عرضت علي النار، فلما وجدت سفعها تأخرت عنها، وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إن ائتمِنَّ أفشين، وإن يُسْأَلْن بخلن، وإن يَسْأَلن أَلحفن. - قال حسين: وإن أعطين لم يشكرن - ورأيت فيها لحي بن عمرو يجر قصبه في النار، وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم الكعبي" قال معبد: يا رسول الله! أيخشى عليَّ من شبهه وهو والد؟ فقال: "لا أنت مؤمن، وهو كافر" قال حسين: وكان أول من حمل العرب على عبادة الأوثان. قال حسين: "تأخرت
стр. 7529
عنها، ولولا ذلك لغشيتكم".
رواه أحمد (١٤٨٠٠) وعبد بن حميد (١٠٣٦) كلاهما عن زكريا بن عدي، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: فذكره.
وفي الإسناد عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو عندي حسن الحديث، ولكنه تفرد في حديث جابر بألفاظ لم يتابع عليها.
وقوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ الفُرُش جمع فِراش كالكتب والكتابِ، والفِراش أصله ما يُفرش على الأرض، وقوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أي أنها فرشت على السرير المرتفع، وليست مفروشة على الأرض.
٥ - باب قوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾
قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ الضمير عائد إلى غير المذكور، وهو بيان لما يخطر في البال عن صفات الرفيقات فقال: ﴿أَبْكَارًا﴾ أي: أن بكارتهن تستمر، ولا تنتهي، وهي شاملة لأزواجهم والحور العين.
وقوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ العُرب جمع عروب وهي صفة خاصة بالمرأة ويقال في تفسيرها: المرأة المتحببة إلى الرجل بصفاتها الجميلة. ﴿أَتْرَابًا﴾ مستويات في السن، على سِنٍّ واحدٍ. انظر: صفة أهل الجنة.
• عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله! أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: "أي والذي نفسي بيده! إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء".
صحيح: رواه البزار (١٠٠٧٢) والطبراني في الصغير (٧٩٥) وفي الأوسط (٧٢٢) كلاهما من طريق حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤١٧): "رواه الطبراني في الصغير والأوسط والبزار في رواية عنده، ورجالها رجال الصحيح".
• عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قيل له: أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم، والذي نفسي بيده دحمًا دحمًا، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا".
حسن: رواه ابن حبان (٧٤٠٢) وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٩٣) كلاهما من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل دراج، وهو ابن سمعان، فإنه حسن الحديث في غير روايته عن أبي الهيثم، وهذه منها.
٦ - باب قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾
أي: جماعة من الأولين، وجماعة من الآخرين، ويكون شطر أهل الجنة من هذه الأمة، كما جاء في الحديث.
стр. 7530
• عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند نبي الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث، ثم تراجعنا إلى البيت، فلما أصبحنا غدونا إلى نبي الله ﷺ ، فقال نبي الله ﷺ : "عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، فجعل النبيّ يجيء ومعه الثلاثة من قومه، والنبيّ يجيء ومعه العصابة من قومه، والنبيّ ومعه النفر من قومه، والنبيّ ليس معه من قومه أحد، حتى أتى عليَّ موسى بن عمران في كبكبة من بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني، فقلت: يا رب! من هؤلاء؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران".
قال: "وإذا ظراب من ظراب مكة قد سدَّ وجوه الرجال، قلت: رب! من هؤلاء؟ قال: أمتك". قال: "فقيل لي: رضيت". قال: "قلت: رب! رضيت رب! رضيت". قال: "ثم قيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة لا حساب عليهم". قال: فأنشأ عكاشة بن محصن أخو بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله! ادع ربك أن يجعلني منهم، قال: "اللهم! اجعله منهم". قال: ثم أنشأ رجل آخر، فقال: يا نبي الله! ادع ربك أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عكاشة".
قال: ثم قال نبي الله ﷺ : "فداكم أبي وأمي، إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني رأيت ثَمَّ أناسا يتهرَّشون كثيرا". قال: فقال نبي الله ﷺ : "إني لأرجو أن يكون من تبعني من أمتي ربع أهل الجنة". قال: فكبرنا، ثم قال: "إني لأرجو أن يكونوا الثلث". قال: فكبرنا، ثم قال: "إني لأرجو أن يكونوا الشطر".
قال: فكبرنا، فتلا نبي الله ﷺ : ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال: فتراجع المسلمون على هؤلاء السبعين، فقالوا: نراهم أناسا ولدوا في الإسلام، ثم لم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه، قال: فنمى حديثهم إلى نبي الله ﷺ ، فقال ﷺ : "ليس كذلك، ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون".
صحيح: رواه أحمد (٣٩٨٩)، والبزار (١٤٤٠، ١٤٤١)، وصحّحه ابن حبان (٦٤٣١)، والحاكم (٤/ ٥٧٨، ٥٧٧)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٥) كلهم من طرق عن قتادة، عن الحسن والعلاء بن زياد، عن عمران بن حصين، عن عبد الله بن مسعود فذكره. والسياق لابن حبان وسياق الآخرين نحوه إلا أن الإمام أحمد لم يسق لفظه وإسناده صحيح.
٧ - باب قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾
قوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ قصر الزرع على الله تعالى المراد منه الإنبات لأن نسبة الزرع إلى غير
стр. 7531
الله ثابت في كتاب الله. فقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أي نحن المنبتون.
أما ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقولن أحدكم: زرعت ولكن ليقل: حرثت" قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قول الله ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ففيه نكارة.
رواه البزار (١٠٠٦٤) وابن حبان (٥٧٢٣) والبيهقي في الكبرى (٦/ ١٣٨) كلهم من طريق مسلم بن أبي مسلم الجرمي، قال: حدثنا مخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
وفي الإسناد مسلم بن أبي مسلم الجرمي، توفي سنة ٢٤٠ هـ، ولم أجد توثيقه عند أحد من الأئمة المتقدمين، وإنما ذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته، وقال: "ربما أخطأ"، وكذلك وثَّقه الخطيب في تاريخه، ولكنه لم يعز توثيقه إلى أحد من الأئمة السابقين.
والحديث في متنه نكارة، فقد جاء نسبة الزرع إلى غير الله في نصوص كثيرة، قال تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: ٤٧].
• عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".
متفق عليه: رواه البخاري في الحرث والمزارعة (٢٣٢٠) ومسلم في المساقاة (١٥٥٣) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس، قال: فذكره.
قال الحافظ ابن حجر: "فيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي، وقد ورد في المنع منه حديث غير قوي" وذكر حديث أبي هريرة المذكور.
٨ - باب قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾
قوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ أي: أنها تذكر بالنار الكبرى، وقد جاء في الصحيح.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم" فقالوا: يا رسول الله! إن كانت لكافية. قال: "إنها فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءا".
متفق عليه: رواه مالك في كتاب جهنم (١) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٦٥) من طريق مالك به نحوه.
ورواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٤٣) من وجه آخر عن أبي الزناد به نحوه، وزاد في آخره: "كلها مثل حرِّها".
وقوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ أي منفعة. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ المسافرين، والمعنى: أنه ينتفع بها أهل البوادي
стр. 7532
والأسفار أكثر من المقيم، وذلك لأنهم يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع، ويهتدي بها الضلال وغير ذلك من المنافع.
وقالوا أيضا: المقوي من الأضداد يقال للفقير مقو لخلوّه من المال، ويقال للغني مقو لقوته على ما يريد، والمعنى أن فيها متاعا للأغنياء والفقراء جميعا، لا غنى لأحد عنها. ذكره البغوي في تفسيره.
٩ - باب قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾
• عن ابن عباس قال: مُطِرَ الناس على عهد النبيّ ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "أصبح من الناس شاكرٌ، ومنهم كافرٌ، هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوءُ كذا وكذا". فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٣) عن عباس بن عبد العظيم العنبريّ، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة - وهو ابن عمار -، حدثنا أبو زُميل، قال: حدثني ابن عباس، قال: فذكره.
• عن زيد بن خالد الجهنيّ، أنه قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصُّبح بالحديبيّة على إثر سماء كانت من اللّيل. فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "أتدرون ماذا قال ربُّكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي. فأمّا من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب. وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب".
متفق عليه: رواه مالك في الاستسقاء (٤) عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد، فذكره. ورواه البخاريّ في الأذان (٨٤٦)، ومسلم في الإيمان (٧١) كلاهما من طريق مالك، به، مثله.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تروا إلى ما قال ربُّكم؟ قال: ما أنعمتُ على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكواكب وبالكواكب".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٧٢) من طرق عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنّ أبا هريرة قال: فذكره.
стр. 7533
وفي الباب ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أمسك الله المطر عن عباده خمس سنين، ثم أرسله، لأصبحت طائفة من الناس كافرين، يقولون: سُقِيْنا بنوء المِجْدَح".
رواه النسائي (١٥٢٦) وأحمد (١١٠٤٢) وأبو يعلى (١٣١٢) وابن حبان (٦١٣٠) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٢١٨) كلهم من طرق عن عمرو بن دينار، عن عتاب بن حنين، عن أبي سعيد الخدري، قال: فذكره. واللفظ للنسائي، وعند أحمد وابن حبان: "سبع سنين"، وعند الطحاوي: "تسع سنين"، وعند أبي يعلى: "عشر سنين".
وفي الإسناد عتاب بن حنين، وهو المكي، قال فيه سفيان بن عيينة: "لا أدري من عتاب؟ " وذكره ابن حبان في الثقات على قاعدته في توثيق المجاهيل، ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر: "مقبول" أي: عند المتابعة، ولم أجد له متابعا.
قوله: "المِجْدَح" نجم من النجوم، كانت العرب تزعم أنها تُمْطَرُ به.
١٠ - باب قوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾
قوله: ﴿فَرَوْحٌ﴾ بفتح الراء، وهي قراءة الجمهور، ومعناها الفرح والراحة.
وقرأه رويس (هو محمد بن المتوكل ت ٢٣٨ هـ أحد القراء عن يعقوب) بضم الراء، أي: ﴿فَرُوْحٌ﴾ ومعناها الحياة والبقاء. وهذه القراءة أيضا متواترة.
• عن عائشة قالت: سمعت النبي ﷺ يقرؤها: ﴿فَرُوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ برفع الراء.
صحيح: رواه أبو داود (٣٩٩١) والترمذي (٢٩٣٨) وأحمد (٢٤٣٥٢) والنسائي في الكبرى (١١٥٠٢) وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٣٦) كلهم من طرق عن هارون بن موسى الأعور النحوي، حدثنا بديل بن ميسرة العقيلي، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، قالت: فذكرته. وإسناده صحيح.
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحب لقاءَ الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءَه" فقلت: يا نبي الله! أكراهيةُ الموت؟ فكلنا نكره الموتَ. فقال: "ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله ورضوانه وجنته، أحب لقاءَ الله، فأحب الله لقاءَه، وإن الكافر إذا بُشِّر بعذاب الله وسَخَطِه كره لقاءَ الله، وكره الله لقاءَه".
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٦٨٤) عن محمد بن عبد الله الرُّزِّيُّ، حدثنا خالد بن الحارث الهُجَيمي، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة، فذكرته.
١١ - باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾
أي: سَبِّح الله بأسمائه الحسنى، وقد جاءت أحاديث كثيرة، تحث على تسبيح الرب تعالى وتقديسه وتعظيمه، منها.
стр. 7534
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
متفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (٦٤٠٦)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩٤) كلاهما من طريق ابن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرست له نخلة في الجنة".
حسن: رواه الترمذي (٣٤٦٤، ٣٤٦٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٨٢٧)، وصحّحه ابن حبان (٨٢٦، ٨٢٧)، والحاكم (١/ ٥٠١، ٥١٢) كلهم من طرق عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي الزبير وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير، عن جابر".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح شرط مسلم".
والأحاديث في ذلك كثيرة، وهي مذكورة في كتاب الأذكار.
• * *
٥٧ - تفسير سورة الحديد وهي مدنية، وعدد آياتها ٢٩
١ - باب قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾
يخبر الله تعالى أن كل ما في السماوات من السيارات والكواكب والحيوانات، وكذلك كل ما من الحيوانات والجمادات يسبحن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
٢ - باب قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾
قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ يعني كان هو ولم يكن شيء موجودا.
قوله: ﴿وَالْآخِرُ﴾ بعد فناء كل شيء بلا انتهاء، تفنى الأشياء ويبقى هو.
قوله: ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ الغالب العالي على كل شيء.
стр. 7535
قوله: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ العالم بكل شيء كما قال ابن عباس. يقال: سأل عمر بن الخطاب كعبا عن هذه الآية، فقال: إن علمه بالأول لعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر لعلمه بالباطن.
• عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: "اللهم! رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم! أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شي، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر".
وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٧١٣) عن زهير بن حرب حدثنا جرير، عن سهيل به.
قوله: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" فوقية الله على خلقه وعلوه عليهم يشمل علو الذات والقدر والقهر.
٣ - باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾
قوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ هي: لأحد والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، وفيه تم الخلق كله. وأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق، والسبت معناه القطع، أي: انقطع فيه التخليق.
وأما ما روي عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل". رواه مسلم في صفة القيامة (٢٧٨٩) ففيه كلام، وقد سبق وهو مخالف للقرآن.
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل.
روي عن نعيم بن حماد شيخ البخاري: "من شبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر".
وقد بسطت الكلام على ذلك في كتاب الإيمان فأغنى عن الإعادة.
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي: أنتم لا تخرجون من إحاطته.
стр. 7536
٤ - باب قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾
يعاتب الله تعالى المؤمنين في هذه الآية ويحذرهم بأنه إذا طال عليهم الزمان، ولم يتعظوا بذكر الله، فإن قلوبهم تكون مثل قلوب أهل الكتاب قلوبا قاسية لا تقبل الموعظة، ولا تلين بوعد، ولا وعيد.
• عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين.
صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٧) عن يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عون بن عبد الله، عن أبيه، أن ابن مسعود، قال: فذكره.
قول ابن مسعود يفيد بأن هذه الآية مكية لأنه أسلم قديما وهاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة في السنة الخامسة. وبقية الآيات مدنية بدون خلاف عند أهل العلم لما جاء في الآية العاشرة: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ والمراد بالفتح فتح مكة أو فتح الحديبية. وفي كلا الحالين تكون مدنية.
٥ - باب قوله: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾
قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصدقين والصديقين والشهداء. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] والصديق أعلى مقاما من الشهيد، كما جاء في الحديث الصحيح.
• عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدرّي الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا وصدقوا المرسلين".
متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٥٦)، ومسلم في صفة الجنة (٢٨٣١) كلاهما من طريق مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: فذكره. ولم أجده في موطأ مالك براوية يحيى الليثي.
стр. 7537
٥٨ - تفسير سورة المجادلة وهي مدنية، وعدد آياتها ٢٢
١ - باب قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾
• عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها، فكان يخفى علي كلامهما، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾.
صحيح: رواه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨ و ٢٠٦٣)، وأحمد (٢٤١٩٥)، والحاكم (٢/ ٤٨١) كلهم من طريق الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده صحيح، وصحّحه الحاكم.
وعلّقه البخاري في التوحيد، باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] (١٣/ ٣٧٢ - مع الفتح) عن الأعمش به.
وزاد الحاكم في أوله من كلام المجادلة الذي سمعته عائشة وهو قولها: "يا رسول الله! أكلَ شَبابي، ونشرتُ له بطني، حتى إذا كبرتْ سِنّي وانقطع له ولدي، ظاهر مني، اللهم! إني أشكو إليك".
• عن خولة بنت ثعلبة قالت: فيَّ - والله -، وفي أوس بن صامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه وضجر، قالت: فدخل علي يومًا، فراجعته بشيء، فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، قالت: ثم خرج، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ، فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: فقلت: كلا والذي نفس خويلة بيده! لا تخلص إليَّ، وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها، ثم خرجت حتى جئت رسول الله ﷺ فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه ﷺ ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل
стр. 7538
رسول الله ﷺ يقول: "يا خويلة ابن عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه". قالت: فوالله! ما برحت حتى نزل في القرآن، فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: "يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك". ثم قرأ علي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فقال لي رسول الله ﷺ : "مريه، فليعتق رقبة". قالت: فقلت: والله! يا رسول الله! ما عنده ما يعتق، قال: "فليصم شهرين متتابعين". قالت: والله يا رسول الله، إنه شيخ كبير، ما به من صيام، قال: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر". قالت: فقلت: والله! يا رسول الله! ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فإنا سنعينه بعرق من تمر"، قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله! سأعينه بعرق آخر، قال: "قد أصبت وأحسنت"، فاذهبي، فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا قالت: ففعلت.
قال عبد الله: قال أبي: قال سعد: العرق: الصن.
حسن: رواه أحمد (٢٧٣١٩) واللفظ له، وأبو داود (٢٢١٤، ٢٢١٥)، وابن الجارود (٧٤٦)، وصحّحه ابن حبان (٤٢٧٩)، والبيهقي (٧/ ٣٨٩) كلهم من حديث محمد بن إسحاق، حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت مالك بن ثعلبة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، ومن أجل شيخه معمر بن عبد الله بن حنظلة فقد وثقه ابن حبان، وأخرج حديثه في صحيحه.
وحسنه أيضًا الحافظ ابن حجر، وقال ابن كثير في تفسيره بعد أن رواه من طريق أحمد: "هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه القصة".
٢ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾
قوله: ﴿نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ هم اليهود، لأن نجواهم كانت بالإثم والعدوان، فلم ينتهوا بل استمروا على نجواهم.
وقوله: ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: إذا حيوا النبي ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، والسام هو الموت، وقد جاء في الصحيح.
• عن عائشة قالت: استأذن رهط من اليهود على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك،
стр. 7539
فقلت: بل عليكم السام واللعنة، فقال: "يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" قلت: أو لم تسمع ما قالوا: قال: "قلت: عليكم".
متفق عليه: رواه البخاري في استتابة المرتدين (٦٩٢٧) ومسلم في السلام (٢١٦٥) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاري (٦٠٣٠) من وجه آخر عن عائشة، وجاء فيه: "أو لم تسمعي ما قلت، رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيَّ".
• عن عائشة قالت: أتى النبي ﷺ ناس من اليهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقال: "وعليكم" قالت عائشة: فقلت: وعليكم السام والذام. فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة! لا تكوني فحاشة" قالت: فقلت: يا رسول الله! أما سمعت ما قالوا: السام عليك. قال: "أليس قد رددت عليهم الذي قالوا، قلت: وعليكم".
قال ابن نمير: يعني في حديث عائشة: "إن الله لا يحب الفحش والتفحش" وقال ابن نمير في حديثه: فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ حتى فرغ.
صحيح: رواه أحمد (٢٥٩٢٤) عن أبي معاوية وابن نمير، قالا: حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته.
ورواه مسلم (٢١٦٥: ١١) من طريق أبي معاوية به وحده مختصرا، كما رواه أيضا عن يعلى بن عبيد، عن الأعمش به، وذكر فيه سبب نزول الآية الكريمة.
• عن جابر بن عبد الله يقول: سلم ناس من يهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقال: "وعليكم". فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: "بلى قد سمعت، فرددت عليهم، وإنا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا".
صحيح: رواه مسلم في السلام (٢١٦٦) من طرق عن حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكره.
• عن عبد الله بن عمرو، أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم: فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية.
صحيح: رواه أحمد (٦٥٨٩)، والبزار (كشف الأستار ٣/ ٧٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٦٧٩) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
وعطاء بن السّائب ثقة وثّقه جماعة من أهل العلم إلا أنه اختلط في آخره، وحماد بن سلمة ممن سمع منه قبل اختلاطه.
стр. 7540
وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٢١، ١٢٢): "إسناده جيد".
٣ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾
وذلك لتطهير قلوبكم، وتزكية نفوسكم؛ لأنكم تناجون النبي المصطفى ﷺ ، فإن مقامه أعلى وأرفع من أن تناجوه وتطلبون منه التفاته إليكم من دونكم.
يقال: لم يعمل على هذه الآية قبل نسخها إلا علي بن أبي طالب، لمقام ابنته ﷺ عنده، روي عن مجاهد قال: قال علي بن أبي طالب: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار، فصرفته بعشر دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم، فنسخت، ولم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي. ثم تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾.
• عن علي بن أبي طالب أنه قال: لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال لي النبي ﷺ : "ما ترى دينار؟ " قلت: لا يطيقونه. قال: "فنصف دينار؟ " قلت: لا يطيقونه. قال: "فكم؟ " قلت: شعيرة. قال: "إنك لزهيد" قال: فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ قال: فبي خفَّفَ الله عن هذه الأمة.
حسن: رواه الترمذي (٣٣٠٠) والنسائي في خصائص علي (١٥٢) وابن حبان (٦٩٤١) كلهم من طريق سفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة، عن علي بن أبي طالب، فذكره.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه. وقال: ومعنى قوله: شعيرة يعني وزن شعيرة من ذهب. انتهى.
قلت: في إسناده علي بن علقمة الأنماري، روى عن علي وابن مسعود، وعنه سالم بن أبي الجعد، قال ابن المديني: "لم يرو عنه غيره"، وقال البخاري: "في حديثه نظر" وتبعه العقيلي وابن الجارود فذكراه في الضعفاء.
وقد سبق أن حسَّن حديثه الترمذي، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج حديثه في صحيحه، وقال ابن عدي: "ما أرى بحديثه بأسا، وليس له عن علي غيره إلا اليسير".
стр. 7541
٤ - باب قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾
• عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل حجرته، قد كاد يقلص عنه، فقال لأصحابه: "يجيئكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان، فإذا رأيتموه فلا تكلموه" فجاء. رجل أزرق، فلما رآه النبي ﷺ دعاه فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك؟ " قال: كما أنت حتى آتيك بهم. قال: فذهب فجاء بهم، فجعلوا يحلفون بالله ما قالوا وما فعلوا، وأنزل الله : ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾.
حسن: رواه أحمد (٣٢٧٧) واللفظ له، والبزار - كشف الأستار (٢٢٧٠) والحاكم (٢/ ٤٨٢) كلهم من طرق عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب، فإنه حسن الحديث في غير روايته عن عكرمة، وهذا منه.
٥ - باب قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾
قوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ أي غلب عليهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله ، وكذلك يفعل الشيطان بمن يستحوذ عليهم، ومن أسباب غلبة الشيطان واستحواذه على الناس تركهم الأذان والصلاة مع الجماعة إذا كانوا في قرية، كما في الحديث.
• عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية لا يؤذنون، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية".
حسن: رواه أبو داود (٥٤٧) والنسائي (٨٤٧) وأحمد (٢١٧١٠) واللفظ له، وابن خزيمة (١٤٨٦) والحاكم (١/ ٢١١) كلهم من طرق عن زائدة بن قدامة، حدثني السائب بن حبيش الكلاعي، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قلت: في قرية دون حمص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل السائب بن حبيش الكلاعي الحمصي، فإنه حسن الحديث. والكلام عليه مبسوط في كتاب الصلاة.
стр. 7542
٥٩ - تفسير سورة الحشر وهي مدنية، وعدد آياتها ٣٤
قال المفسرون: نزلت سورة الحشر في بني النضير. وبنو النضير وقريظة قبيلتان لليهود بالمدينة. وهم ويهود خيبر كلهم من ذرية هارون.
• عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لم تبق أحدا منهم إلا ذكر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٢) ومسلم في التفسير (٣٠٣١: ٣١) كلاهما من طريق هشيم، أخبرنا أبو بشر (هو جعفر بن أبي وحشية)، عن سعيد بن جبير، قال: فذكره.
• عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النضير.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٣) عن الحسن بن مدرك، حدثنا يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد، قال: فذكره.
١ - باب قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾
• عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبي ابن سلول، ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة،
стр. 7543
قبل وقعة بدر، يقولون: إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددًا، وإنا نقسم بالله لتقتلنه أو لتخرجنه أو لنستعن عليكم العرب ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان، تراسلوا، فاجتمعوا، وأرسلوا واجتمعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ فلقيهم في جماعه، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان وقعة بدر، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: أنكم أهل الحلقة والحصون، وأنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهي الخلاخيل، فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير على الغدر فأرسلت إلى النبي ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبرا، حتى نلتقي في مكان كذا، نصف بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدقوك، وآمنوا بك، آمنا كلنا، فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من يهود، حتى إذا برزوا في براز من الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه، ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه، كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه: كيف تفهم ونفهم؟ ونحن ستون رجلا؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، فليسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا، وصدقناك، فخرج النبي ﷺ في ثلاثة نفر من أصحابه، واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى بني أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ ، فأقبل أخوها سريعًا، حتى أدرك النبي ﷺ ، فساره بخبرهم قبل أن يصل النبي ﷺ إليهم، فرجع النبي ﷺ ، فلما كان من الغد، غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب، فحاصرهم، وقال لهم: إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوهم، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا الحلقة، - والحلقة: السلاح - فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت إبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم،
стр. 7544
وخشبها، فكانوا يخربون بيوتهم، فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها.
وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكان بنو النضير من سبط من أسباط بني إسرائيل، لم يصبهم جلاء منذ كتب الله على بني إسرائيل الجلاء، فلذلك أجلاهم رسول الله ﷺ ، فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة فأنزل الله ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكانت نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، فأعطاه الله إياها، وخصه بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يقول: بغير قتال، قال: فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم ولرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة، لم يقسم لرجل من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقه رسول الله ﷺ في يد بني فاطمة.
صحيح: رواه عبد الرزاق (٩٧٣٣) عن معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فذكره.
ومن طريق عبد الرزاق رواه أبو داود (٣٠٠٤) والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٣١٣) والبيهقي (٩/ ٢٣٢) ومنهم من اختصره، وعندهم جميعًا عبد الرحمن بن كعب بن مالك بدل: عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ولعل هذا يعود إلى اختلاف النسخ، والخطب فيه يسير، فقد قال الدوري عن ابن معين: سمع الزهري من عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب، وسمع أيضا من أبيه عبد الرحمن، من الأب والابن. (تاريخ الدوري ٢/ ٥٣٨).
وعلى هذا فالإسناد صحيح، وقد صحّحه ابنُ حجر في فتح الباري (٧/ ٣٣١).
• عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ حرَّق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٤) ومسلم في الجهاد والسبر (١٧٤٦: ٢٩) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث (هو ابن سعد)، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فذكره.
• عن ابن عباس في قول الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ قال: اللينة: النخلة، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال: استنزلوهم من حصونهم، قال: وأُمِرُوا بقطع النخل، فحكَّ في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا، فلنسألن رسول الله ﷺ : هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ الآية.
стр. 7545
صحيح: رواه الترمذي (٣٣٠٣) والنسائي في الكبرى (١١٥١٠) كلاهما عن الحسن بن محمد الزعفراني، حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حفص بن غياث، قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
ولكن قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير مرسلا، ولم يذكر فيه عن ابن عباس" وقال: "حدثنا بذلك عبد الله بن عبد الرحمن، عن هارون بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن النبي ﷺ مرسلا، سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث".
• عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة ينفق على أهله منها نفقه سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع، عدّة في سبيل الله.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٥) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٥٧) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
٢ - باب قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾
قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾.
• عن عبد الله بن مسعود قال: "لعن الله الواشمات والموتشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، ومن هو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحتين، فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه. قال: فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت، فلم تر من حاجتها شيئا، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٦) ومسلم في اللباس والزينة (٢١٢٥) كلاهما من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره.
стр. 7546
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. وزاد مسلم: "والنامصات" وزاد البخاري (٤٨٨٧) من وجه آخر عن منصور به: "لعن رسول الله ﷺ الواصلة".
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم".
متفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨) ومسلم في الفضائل (١٣٣٧: ١٣١) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
٣ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾
قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ هم الأنصار.
• عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر: أوصي الخليفة بالمهاجرين الأولين: أن يعرف لهم حقهم، وأوصي الخليفة بالأنصار الذين تبوؤوا الدار والايمان من قبل أن يهاجر النبي ﷺ : أن يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٨) عن أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر، يعني: ابن عياش، عن حصين، عن عمرو بن ميمون، قال: فذكره.
• عن يحيى بن سعيد، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يُقْطِعَ لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. قال: "إما لا فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي أثرة".
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٧٩٤) عن عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، فذكره.
• عن أنس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله! ما رأينا قوما أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم. لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنإ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي ﷺ : "لا، ما دعوتُمُ اللهَ لهم وأثنيتم عليهم".
صحيح: رواه الترمذي (٢٤٨٧) وأحمد (١٣١٢٢، ١٣٠٧٤) والبيهقي (٦/ ١٨٣) من طرق عن
стр. 7547
حميد، عن أنس، فذكره، واللفظ للترمذي.
ورواه أيضا أبو داود (٤٨١٢) مختصرًا، والحاكم (٢/ ٦٣) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره مختصرًا.
قال الترمذي: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
• عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: "لا" قالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا.
صحيح: رواه البخاري في الحرث والمزارعة (٢٣٢٥) عن الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: فذكره.
وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
• عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يضيِّفه هذه الليلة، يرحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ ، لا تدخريه شيئا. قالت: والله! ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالى، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ ، فقال: "لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة" فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٩)، ومسلم في الأشربة (٢٠٥٤) كلاهما من طريق فضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
وفي رواية عند مسلم: "فقام رجل من الأنصار، يقال له: أبو طلحة".
وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ والشُحّ - بضم الشين - هو غزيرة في النفس يصعب فراقها، قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] أي لا يسلم منها نفس، فمن يريد وقاية النفس من الشح فعليه تهذيبها على الخصال الجميلة والفضائل، فإن البخل هو أثر الشح، فإذا هذبت النفس على الجود والكرم ذهب الشح وانتفى عنه البخل، ومن لم يهذّبها يقع في شح النفس، وقد يحمل صاحبه على ارتكاب المحارم ومنها أخذ أموال الناس بالباطل كما رُوي أن رجلا قال لعبد الله بن مسعود: إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال: وما ذاك؟ قال: اسمع الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ
стр. 7548
نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، فقال عبد الله: ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.
رواه ابن جرير في تفسيره (٢٢/ ٥٢٩) عن ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا المسعودي، عن أشعث، عن أبي الشعثاء، عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فذكره. والمسعودي مختلط.
ولكن رواه هو والحاكم (٢/ ٤٩٠)، والبيهقي في الشعب (١٠٣٤٧) كلهم من وجه آخر عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فذكر نحوه.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
ورُويَ مثل هذا عن ابن عمر وسعيد بن جبير وغيره.
• عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٨) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا داود - يعني ابن قيس -، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾
أي المؤمنون الذين جاؤوا بعد المهاجرين والأنصار يستغفرون الله لأنفسهم ولإخوانهم المؤمنين الذين كانوا قبلهم، ويدعون الله تعالى أن لا يجعل في قلوبهم غلا - وهو الحقد والحسد - لإخوانهم المؤمنين.
• عن عروة قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي! أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم.
صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٢) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره.
قال القاضي عياض: الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في علي ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا.
وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه فهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾.
стр. 7549
٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾
قوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي: لينظر كل واحد منكم ما الذي ادخره لنفسه من الأعمال الصالحة ليوم القيامة، وقد جاء في الصحيح.
• عن جرير بن عبد الله، قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النّهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النّمار - أو العَبَاء - متقلِّدي السّيوف، عامتهم من مضر بل كلّهم من مضر، فتَمَعَّر وجهُ رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا فأذّن وأقام، فصلّى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. تصدَّقَ رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره، حتَّى قال: "ولو بشقِّ تمرة". قال: فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّةٍ كادَتْ كفُّه تَعْجِزُ عنها، بل قد عجزَتْ. قال: ثم تتابعِ النَّاسُ حتَّى رأيتُ كومين من طعام وثياب حتَّى رأيت وجهَ رسول الله ﷺ كأنَّه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله ﷺ : "من سنَّ في الإسلام سنّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سنَّ في الإسلام سنَّةً سيّئةً كان عليه وزرها ووزرُ من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٧) عن محمد بن المثنى العنزي، أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عون بن جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: فذكره.
٦ - باب قوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾
قوله: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ أي مقدار ما نزل من القرآن.
وقوله: ﴿لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي لو كان المخاطب بالقرآن جبلا وهو يفهم الخطاب لتأثر من هذا الخطاب خاشعا لله مع صلابته، ولكن الكافر يعرض عليه القرآن فلا يتعظ به، وكأنه لم يسمعه لقساوة قلبه قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والتصدع هو: التشقق. أي لتزلزل وتشقق من خوف الله تعالى.
٧ - باب قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾
стр. 7550
• عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: "لله تسعة وتسعون اسمًا مائة إلّا واحدة، لا يحفظها أحدٌ إلّا دخل الجنة، وهو وتر يحبُّ الوتر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٤١٠) ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٧٧) كلاهما من طرق عن سفيان بن عيينة، قال: حفظناه من أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الايمان.
• * *
٦٠ - تفسير سورة الممتحنة وهي مدنية، وعدد آياتها ١٣
١ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾
• عن علي بن أبي طالب قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها". قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة - إلى ناس بمكة من المشركين - يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "يا حاطب! ما هذا؟ ". قال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءا ملصقا في قريش، يقول: كنت حليفا ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا
стр. 7551
رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أما إنه قد صدقكم". فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم". فأنزل الله سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٢٧٤)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٤ - ١٦١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني الحسن بن محمد، أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يقول: سمعت عليا يقول: فذكره.
قوله: "الظعينة": المرأة.
وقوله: "بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد" وفي رواية عند البخاري ومسلم" ومرثد الغنوي "بدل" المقداد".
قال الحافظ: "فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه فذكر أحد الراويين عن علي ما لم يذكر الآخر" اهـ. الفتح (٧/ ٥ ٢٠).
٢ - باب قوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾
قوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ أي: قراباتكم مع شرككم وكفركم لا تنفعكم عند الله، ولا تغني عنكم من الله شيئا.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من بطّأ به عملُه، لم يُسرِعْ به نسبُه".
صحيح: رواه مسلم في الذكر (٢٦٩٩) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره في حديث طويل.
• عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي" لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: "فإني نذير لكم بين
стр. 7552
يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: ١ - ٢].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٧٠) ومسلم في الإيمان (٢٠٨) كلاهما من حديث الأعمش، قال: حدثني عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم قريب منه.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخٍ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار".
صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٠) عن إسماعيل بن عبد الله قال: أخبرني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قفَّى دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة في عهد النبي ﷺ ، فسألت النبي ﷺ : آصلها؟ قال: "نعم" قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٥٩٧٨)، ومسلم في الزكاة (١٠٠٣) كلاهما من طريق هشام بن عروة، أخبرني أبي، أخبرتني أسماء بنت أبي بكر، فذكرته.
٤ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ
стр. 7553
وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾
• عَن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ - يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ الآخر - قَالَ: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فذكرا الحديث، وفيه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله! ما أدري ما هي؟ ، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله! لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال النبي ﷺ : "اكتب باسمك اللهم". ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: والله! لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : "والله! إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله". قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". فقال له النبي ﷺ : "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله! لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما، فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد! أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله! إذا لم أصالحك على شيء أبدا، قال النبي ﷺ : "فأجزه لي". قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: "بلى فافعل". قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين! أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: "بلى". قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى". قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: "إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري". قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ ". قال: قلت: لا،
стр. 7554
قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر! أليس هذا نبي الله حقا؟ ، قال بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل! إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله! إنه على الحق؟ قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به، قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا". قال: فوالله! ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يانبي الله! أتحب ذلك، اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله! إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل، والله! إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: "لقد رأى هذا ذعرا". فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله! صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير: فقال: يا نبي الله! قد والله! أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم نجاني الله منهم، قال النبي ﷺ : "ويل أمه، مسعر حرب، لو كان له أحد". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله! ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى
стр. 7555
الشأم إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده بالله والرحم: لما أرسل: فمن آتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦]. وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالوا بينهم وبين البيت.
وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُرْوَةُ: فأخبرتني عَائِشَةُ، أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا انَّهُ لَمَّا انْزَلَ اللهُ تَعَالَى أن يَرُدُّوا إلى الْمُشْرِكِينَ مَا أنفقوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أزواجهم، وَحَكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، انْ لَا يُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، أن عُمَرَ طَلَّقَ امرأتين قَرِيبَةَ بِنْتَ أبي أمية، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأخرى أبو جَهْم، فَلَمَّا أبى الْكُفَّارُ أن يُقِرُّوا بأداء مَا انْفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أزواجهم، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] وَالْعَقبُ مَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ إلى مَنْ هَاجَرَتِ امرأته مِنَ الْكُفَّارِ، فأمر أن يُعْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الْكُفَّارِ اللَّائِي هَاجَرْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أحدا مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ ارْتَدَّتْ بَعْدَ إيمانها ... الحديث.
صحيح: رواه البخاري في الشروط (٢٧٣١، ٢٧٣٣، ٢٧٣٢) عن عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: فذكراه في حديث طويل.
٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾
فكان النبي ﷺ يبايع من جاء إليه مهاجرا رجالا ونساء على هذه ونحوها.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يُمْتَحَنَّ بقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ : "انطلقن فقد بايعتكن". ولا والله! ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط. غير
стр. 7556
أنه يبايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله! ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى، وما مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: "قد بايعتكن" كلاما.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩١) ومسلم في الإمارة (١٨٦٦) كلاهما من طريق يونس بن يزيد، قال: قال الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرته، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصر.
• عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله ﷺ ، فكأني أنظر إليه حين يُجَلِّس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: "أنتن على ذلك" وقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله! لا يدري الحسن من هي؟ قال: "فتصدقن" وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٥) ومسلم في صلاة العيدين (٨٨٤) كلاهما من طريق ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن أم عطية قالت: بايعنا النبي ﷺ فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منا يدها، فقالت: فلانة أسعدتني، وأنا أريد أن أجزيها فلم يقل شيئا، فذهبت، ثم رجعت فما وفت امرأة إلا أم سليم، وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، - أو - ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ.
متفق عليه: رواه البخاري في الأحكام (٧٢١٥) عن مسدد، حدثنا عبد الوارث، عن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية، قالت: فذكرته.
رواه مسلم في الجنائز (٩٣٧) من وجه آخر عن حفصة به، ولفظه: عن أم عطية قالت: لما نزلت هذه الآية: قالت: كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول الله، إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله ﷺ : "إلا آل فلان".
• عن أم عطية قالت: أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتين.
стр. 7557
أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى.
متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٠٦) ومسلم في الجنائز (٩٣٦) كلاهما من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، وليس عند مسلم: "وامرأة أخرى".
• عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس، فقال: "تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٤) ومسلم في الحدود (١٧٠٩) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، قال: حدثنا الزهري، قال: حدثني أبو إدريس، سمع عبادة بن الصامت، قال: فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
• عن عبادة بن الصامت أنه قال: إني لمن النقباء الذين بايعوا رسول الله ﷺ ، وقال: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، ولا ننتهب، ولا نعصي، فالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئا كان قضاء ذلك إلى الله.
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٩٣) ومسلم في الحدود (١٧٠٩: ٤٤) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصنابحي، عن عبادة بن الصامت، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن عبادة بن الصامت قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضنا بعضا، "فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته، ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له".
صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٩: ٤٣) عن إسماعيل بن سالم، أخبرنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، فذكره.
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٣) عن عبد الله بن محمد، حدثنا وهب بن جرير،
стр. 7558
قال: حدثنا أبي، قال: سمعت الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
اختلاف الصيغة في البيعة يدل على أن ذلك كان في أوقات مختلفة.
فائدة مهمة: البيعة خاصة بالنبي ﷺ ، ثم كانت لمن بعده من الخلفاء، ثم استمرت هذه البيعة لحكام المسلمين وأمرائهم، وأما ما أحدثه الصوفية ومن نحا نحوهم فلا أساس له في الكتاب والسنة.
• • •
٦١ - تفسير سورة الصف وهي مدنية، وعدد آياتها ١٤
١ - باب قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾
• عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه، فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ . قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة. قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي. قال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير.
حسن: رواه الترمذي (٣٣٠٩) والدارمي (٢٤٣٥) والحاكم (٢/ ٦٩) كلهم من طريق محمد بن كثير المصيصي، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام، قال: فذكره.
وفي الإسناد محمد بن كثير المصيصي، كان يخطئ في الأوزاعي، ولكنه لم ينفرد به بل تابعه عليه الوليد بن مسلم، رواه ابن حبان (٤٥٩٤) والحاكم (٢/ ٦٩) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، به نحوه.
ومن مجموع الإسنادين يصير الحديث حسنا.
قال الترمذي: "وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي، فروى ابن
стр. 7559
المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام أو عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام. وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير".
قلت: رواية ابن المبارك التي أشار إليها الترمذي أخرجها أحمد (٢٣٧٨٩) عن يعمر، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا الأوزاعي به.
ولعل الطريقين محفوظان.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
وصحّحه أيضا الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٦٤١) فقال: "وقد وقع لنا سماع هذه السورة مسلسلا في حديث ذكر في أوله سبب نزولها، وإسناده صحيح، قل أن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه".
وقال بعض المفسرين: إنها نزلت في المنافقين كانوا يعدون النصر للمؤمنين وهم كاذبون، فصار عدم الوفاء بالوعد خصلة من خصال المنافقين.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف".
متفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٨٢) ومسلم في الإيمان (٥٩) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري.
• عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذ حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".
متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (٣٤) ومسلم في الإيمان (٥٨) كلاهما من طريق سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
٢ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾
• عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفُّوا للصلاة، والقوم إذا صفُّوا للقتال".
حسن: رواه ابن ماجه (٢٠٠) من طريق عبد الله بن إسماعيل، ورواه أحمد (١١٧٦١) من طريق
стр. 7560
هشيم كلاهما (عبد الله وهشيم) عن مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري، قال: فذكره.
ومجالد هو ابن سعيد الهمداني، وكان قد تغير في آخر عمره، وهشيم من قدماء أصحابه، كما قال عبد الرحمن بن مهدي، ولذا يحسن حديثه هذا.
• عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة يحبهم الله : رجل أتى قوما فسألهم بالله، ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم، فمنعوه فتخلفهم رجلٌ بأعقابهم فأعطاه سرا، لا يعلم بعطيته إلا الله ، والذي أعطاه. وقومٌ ساروا ليلتهم، حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملّقني، ويتلو آياتي. ورجلٌ كان في سرية فلقوا العدو، فانهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل، أو يفتح له".
حسن: رواه النسائي (١٦١٥)، والترمذي (٢٥٦٨) كلاهما عن محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن المعتمر قال: سمعت ربعي بن حراش، يحدث عن زيد بن ظبيان، رفعه إلى أبي ذر، فذكر الحديث.
وربعي بن حراش "مقبول" وقد توبع. والكلام عليه مبسوط في قيام الليل.
٣ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ أي: إن موسى ﵇ أوذي كثيرا لما كان في التيه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥١ - ٥٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٦٧ - ٧٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ
стр. 7561
أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣، ٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢٦] وغيرها من الآيات الكثيرة التي تدل على أن بني إسرائيل لما كانوا في التيه لم يكونوا مستجيبين تمام الاستجابة كما هو شأن المؤمنين مع أنبيائهم، وأنهم كانوا يؤذونه كثيرا.
وكذلك أوذي النبي ﷺ كثيرا، وهذا أمر مشهور، وقد جاء في الصحيح.
• عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم حُنين آثر أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائةً من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة. قال رجل: والله! إنّ هذه القسمة ما عُدِل فيها، وما أريد بها وجهُ الله! فقلت: واللهِ! لأُخْبرنّ النبيّ ﷺ ، فأتيتُه فأخبرتُه، فقال: "فمن يعدلْ إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم اللهُ موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٥٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٢) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره، ولفظهما سواء.
٤ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: أن عيسى ﵇ كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل، وكان مرسلا إليهم، ودعوته كانت خاصة بهم، ولم تكن عالمية كما يدعيها النصارى.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ أي: أن عيسى ﵇ بشر بعده برسالة نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي، وأحمد اسم من أسماء النبي ﷺ .
وقد جاء اسم النبي ﷺ على لسان عيسى ﵇ صراحة في إنجيل برناباس.
• عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله!
стр. 7562
أخبرني عن نفسك. قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى. وبصرى من أرض الشام".
حسن: رواه ابن إسحاق في السيرة (فقرة ٣٣) فقال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، فذكره.
ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٥٧٣)، والحاكم (٢/ ٦٠٠)، والبيهقي في الدلائل (١/ ٨٣). وصحّحه الحاكم.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق لأنه صرّح بالتحديث.
قال الحافظ ابن كثير: "هذا إسناد جيد".
• عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلا ... وذكر حديث هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وجاء فيه: فرفع النجاشي عودًا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان! والله! ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوى هذا؟ مرحبا بكم، وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله! لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه، وأوضّؤه. وأمر بهدية الآخرين فردّت إليهما ... الحديث.
حسن: رواه أحمد (٤٤٠٠) والحاكم (٢/ ٦٢٣) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٩٨) كلهم من طريق خُديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، فذكره.
وإسناده حسن من أجل خديج بن معاوية فإنه حسن الحديث.
والكلام عليه مبسوط في كتاب سيرة النبي ﷺ .
• عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٦) ومسلم في الفضائل (٢٣٥٤: ١٢٥) كلاهما من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، فذكره، واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على حديث قبله.
• عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة".
صحيح رواه مسلم في الفضائل (٢٣٥٥) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن
стр. 7563
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، فذكره.
٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾
روي عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه - وهم في بيت اثنا عشر رجلا - من عين في البيت ورأسه يقطر ماء؛ قال: فقال: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي؛ قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنا، قال: فقال أنا، فقال له: اجلس؛ ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا؛ قال: نعم أنت ذاك؛ فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء؛ قال: وجاء الطلب من اليهود، وأخذوا شبهه. فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية.
وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله، ثم رفعه إليه، وهؤلاء النسطورية.
وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الطائفتان الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ . ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ والطائفة التي آمنت في زمن عيسى، في إظهار محمد على دينهم دين الكفار، فأصبحوا ظاهرين.
رواه النسائي في الكبرى (١١٥٢٧) وابن جرير في تفسيره (٢٢/ ٦٢٣، ٦٢٢) والمقدسي في المختارة (٤٠٢) كلهم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبحر، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل المنهال بن عمرو فإنه حسن الحديث.
ولكن حسب الرواية المشهورة عند أهل الكتاب أن الجنود الروم هم الذين كانوا يبحثون عن عيسى ﵇، وهم الذين جاؤوا للقبض عليه، وليس اليهود كما جاء في هذه الرواية، وأن يهوذا الإسخريوطي الذي شبه عليه كان قد تواطأ مع جنود الروم، وكان خائنا، وليس كما جاء في هذه الرواية، وقد بينت ذلك في كتابي: "دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند" وجاء فيه:
"لم يرض اليهود بدعوة المسيح، فأغروا عليه الحاكم الروماني واتهموه بأنه يريد أن يرث ملك داود حتى صدر المرسوم الإمبراطوري للقبض عليه وإعدامه، فبدأ الجنود الروم يبحثون عنه، حتى تمكنوا من الوصول إليه، ولكن الله ألقى شبهه على يهوذا الإسخريوطي الذي تقول الأناجيل إنه هو
стр. 7564
الذي دسَّ عليه".
وإليكم ما جاء في إنجيل برنابا في هذا الصدد:
"ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو الجمهور الغفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفا، وكان الأحد عشر نياما، فلما رأى الله الخطر على عبده، أمر جبريل وميخائيل وروفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد. ودخل يهوذا بعنف إلي الغرفة التي أصعد منها يسوع، وكان التلاميذ كلهم نياما، فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه، فصار شبها بيسوع، حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع.
أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا، أنسيتنا الآن؟ ، أما هو فقال متبسما: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفوا يهوذا الإسخريوطي. وبينما كان يقول هذا، دخلت الجنود، وألقوا أيديهم على يهوذا الإسخريوطي، لأنه كان شبيها بيسوع من كل وجه". الفصل الخامس عشر بعد المائتين، والسادس عشر بعد المائتين.
وفي الأناجيل المزعومة إشارة إلى إلقاء شبه عيسى على شخص آخر، فإن الجميع قالوا: "هل هو أم لا؟ فقال لهم يسوع: كلكم تشكون في هذه الليلة".
هكذا تجلت قدرة الله، وامتدت يد العناية إلى رسول الله، فأخفاه ربه عن أعين الناظرين، ووقع يهوذا الخائن بأيديهم، فتملكته الدهشة، فلم يستطع الدفاع عن نفسه، والإعلان عن حقيقة أمره، فاستاقوه إلى ساحة القتل، بين الصخب والضجيج، والفرح والتهليل، ومكروا، ومكر الله، والله خير الماكرين، فصلبوه بعد أن جلدوه، وهم يظنون أنهم صلبوا المسيح ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨].
• * *
стр. 7565
٦٢ - تفسير سورة الجمعة وهي مدنية، وعدد آياتها ١١
كان النبي ﷺ يقرأ سورة الجمعة في صلاة الجمعة كما جاء في الصحيح.
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٧٨٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان، عن سفيان، عن مخول بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
• عن ابن أبي رافع، قال: استخلف مروانُ أبا هريرةَ على المدينةِ، وخرج إلى مكَّةَ، فصلَّى لنا أبو هريرةَ الجمعةَ، فقرأ بعد سورةِ الجمعةِ في الركعةِ الأخيرةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فأدركتُ أبا هريرةَ حينَ انصرف فقلتُ له: إنَّك قرأتَ بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفةِ. فقال أبو هريرةَ: إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأُ بهما يومَ الجمعةِ.
صحيح: رواه مسلم في الجمعةِ (٨٧٧) عن عبد الله بن مَسلَمة بن قعنب، حدَّثنا سليمان - وهو ابن بلال -، عن جعفر، عن أبيه، عن ابن أبي رافعٍ، قال: فذكره.
• عن عبيد الله بن عبد الله قال: كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله، أي شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال: كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٨: ٦٣) عن عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: فذكره.
١ - باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾
قوله: ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ يعني العرب كانت أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ.
وقال بعض أهل العلم: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ أي: في غير بني إسرائيل لأنهم كانوا يسمون غيرهم
следующие страницы →