← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣، ٩٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢٦] وغيرها من الآيات الكثيرة التي تدل على أن بني إسرائيل لما كانوا في التيه لم يكونوا مستجيبين تمام الاستجابة كما هو شأن المؤمنين مع أنبيائهم، وأنهم كانوا يؤذونه كثيرا. وكذلك أوذي النبي ﷺ كثيرا، وهذا أمر مشهور، وقد جاء في الصحيح. • عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم حُنين آثر أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائةً من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة. قال رجل: والله! إنّ هذه القسمة ما عُدِل فيها، وما أريد بها وجهُ الله! فقلت: واللهِ! لأُخْبرنّ النبيّ ﷺ ، فأتيتُه فأخبرتُه، فقال: "فمن يعدلْ إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم اللهُ موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٥٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٢) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره، ولفظهما سواء. ٤ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي: أن عيسى ﵇ كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل، وكان مرسلا إليهم، ودعوته كانت خاصة بهم، ولم تكن عالمية كما يدعيها النصارى. وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ أي: أن عيسى ﵇ بشر بعده برسالة نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي، وأحمد اسم من أسماء النبي ﷺ . وقد جاء اسم النبي ﷺ على لسان عيسى ﵇ صراحة في إنجيل برناباس. • عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله!

стр. 7562

أخبرني عن نفسك. قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى. وبصرى من أرض الشام". حسن: رواه ابن إسحاق في السيرة (فقرة ٣٣) فقال: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، فذكره. ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٥٧٣)، والحاكم (٢/ ٦٠٠)، والبيهقي في الدلائل (١/ ٨٣). وصحّحه الحاكم. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق لأنه صرّح بالتحديث. قال الحافظ ابن كثير: "هذا إسناد جيد". • عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن نحو من ثمانين رجلا ... وذكر حديث هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وجاء فيه: فرفع النجاشي عودًا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان! والله! ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوى هذا؟ مرحبا بكم، وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، فإنه الذي نجد في الإنجيل، وإنه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله! لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه، وأوضّؤه. وأمر بهدية الآخرين فردّت إليهما ... الحديث. حسن: رواه أحمد (٤٤٠٠) والحاكم (٢/ ٦٢٣) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٩٨) كلهم من طريق خُديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، فذكره. وإسناده حسن من أجل خديج بن معاوية فإنه حسن الحديث. والكلام عليه مبسوط في كتاب سيرة النبي ﷺ . • عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٦) ومسلم في الفضائل (٢٣٥٤: ١٢٥) كلاهما من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، فذكره، واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على حديث قبله. • عن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء فقال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة". صحيح رواه مسلم في الفضائل (٢٣٥٥) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن

стр. 7563

الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، فذكره. ٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ روي عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه - وهم في بيت اثنا عشر رجلا - من عين في البيت ورأسه يقطر ماء؛ قال: فقال: إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي؛ قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنا، قال: فقال أنا، فقال له: اجلس؛ ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا؛ قال: نعم أنت ذاك؛ فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء؛ قال: وجاء الطلب من اليهود، وأخذوا شبهه. فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتفرقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله، ثم رفعه إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الطائفتان الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ . ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ﴾ من بني إسرائيل، ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يعني الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ والطائفة التي آمنت في زمن عيسى، في إظهار محمد على دينهم دين الكفار، فأصبحوا ظاهرين. رواه النسائي في الكبرى (١١٥٢٧) وابن جرير في تفسيره (٢٢/ ٦٢٣، ٦٢٢) والمقدسي في المختارة (٤٠٢) كلهم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبحر، عن ابن عباس، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل المنهال بن عمرو فإنه حسن الحديث. ولكن حسب الرواية المشهورة عند أهل الكتاب أن الجنود الروم هم الذين كانوا يبحثون عن عيسى ﵇، وهم الذين جاؤوا للقبض عليه، وليس اليهود كما جاء في هذه الرواية، وأن يهوذا الإسخريوطي الذي شبه عليه كان قد تواطأ مع جنود الروم، وكان خائنا، وليس كما جاء في هذه الرواية، وقد بينت ذلك في كتابي: "دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند" وجاء فيه: "لم يرض اليهود بدعوة المسيح، فأغروا عليه الحاكم الروماني واتهموه بأنه يريد أن يرث ملك داود حتى صدر المرسوم الإمبراطوري للقبض عليه وإعدامه، فبدأ الجنود الروم يبحثون عنه، حتى تمكنوا من الوصول إليه، ولكن الله ألقى شبهه على يهوذا الإسخريوطي الذي تقول الأناجيل إنه هو

стр. 7564

الذي دسَّ عليه". وإليكم ما جاء في إنجيل برنابا في هذا الصدد: "ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو الجمهور الغفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفا، وكان الأحد عشر نياما، فلما رأى الله الخطر على عبده، أمر جبريل وميخائيل وروفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد. ودخل يهوذا بعنف إلي الغرفة التي أصعد منها يسوع، وكان التلاميذ كلهم نياما، فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه، فصار شبها بيسوع، حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع. أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا، أنسيتنا الآن؟ ، أما هو فقال متبسما: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفوا يهوذا الإسخريوطي. وبينما كان يقول هذا، دخلت الجنود، وألقوا أيديهم على يهوذا الإسخريوطي، لأنه كان شبيها بيسوع من كل وجه". الفصل الخامس عشر بعد المائتين، والسادس عشر بعد المائتين. وفي الأناجيل المزعومة إشارة إلى إلقاء شبه عيسى على شخص آخر، فإن الجميع قالوا: "هل هو أم لا؟ فقال لهم يسوع: كلكم تشكون في هذه الليلة". هكذا تجلت قدرة الله، وامتدت يد العناية إلى رسول الله، فأخفاه ربه عن أعين الناظرين، ووقع يهوذا الخائن بأيديهم، فتملكته الدهشة، فلم يستطع الدفاع عن نفسه، والإعلان عن حقيقة أمره، فاستاقوه إلى ساحة القتل، بين الصخب والضجيج، والفرح والتهليل، ومكروا، ومكر الله، والله خير الماكرين، فصلبوه بعد أن جلدوه، وهم يظنون أنهم صلبوا المسيح ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨]. • * *

стр. 7565

٦٢ - تفسير سورة الجمعة وهي مدنية، وعدد آياتها ١١ كان النبي ﷺ يقرأ سورة الجمعة في صلاة الجمعة كما جاء في الصحيح. • عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين. صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٧٨٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان، عن سفيان، عن مخول بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن أبي رافع، قال: استخلف مروانُ أبا هريرةَ على المدينةِ، وخرج إلى مكَّةَ، فصلَّى لنا أبو هريرةَ الجمعةَ، فقرأ بعد سورةِ الجمعةِ في الركعةِ الأخيرةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: فأدركتُ أبا هريرةَ حينَ انصرف فقلتُ له: إنَّك قرأتَ بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفةِ. فقال أبو هريرةَ: إنِّي سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأُ بهما يومَ الجمعةِ. صحيح: رواه مسلم في الجمعةِ (٨٧٧) عن عبد الله بن مَسلَمة بن قعنب، حدَّثنا سليمان - وهو ابن بلال -، عن جعفر، عن أبيه، عن ابن أبي رافعٍ، قال: فذكره. • عن عبيد الله بن عبد الله قال: كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله، أي شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال: كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]. صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٨: ٦٣) عن عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: فذكره. ١ - باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ قوله: ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ يعني العرب كانت أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ. وقال بعض أهل العلم: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ أي: في غير بني إسرائيل لأنهم كانوا يسمون غيرهم

стр. 7566

أميين تنقيصا لهم كما حكى الله عنهم قولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]. وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: جميع من دخل في الإسلام بعد النبي ﷺ إلى يوم القيامة، وقد خص النبي ﷺ منهم العجم، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. • عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي ﷺ حتى سأله مرة أو مرتين أو ثلاثا. قال: وفينا سلمان الفارسي. قال: فوضع النبي ﷺ يده على سلمان، ثم قال: "لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٨) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٤٦: ٢٣١) كلاهما من طريق عبد العزيز بن محمد، أخبرني ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس - أو قال: من أبناء فارس - حتى يتناوله". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٥٤٦) من طرق عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جعفر الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: فذكره. وقد ظهرت معجزة النبي ﷺ في قوله: "أهل فارس" أي العجم الساكنون في بلاد ما وراء النهر، فقد ظهر منهم المحدثون والمفسرون والفقهاء والأصوليون واللغويون وغيرهم من علماء الإسلام. • عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجالٍ رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. حسن: رواه ابن أبي عاصم في السنة (٣٠٩) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٠/ ٣٣٥٥) والطبراني في الكبير (٦/ ٢٤٨) كلهم من طرق، عن الوليد بن مسلم، حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي محمد عيسى بن موسى وهو القرشي الدمشقي، فإنه حسن الحديث. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٠٨): "رواه الطبراني وإسناده جيد". ٢ - باب قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ افتخر اليهود بأنهم أهل كتاب، والعرب لا كتاب لهم، فأبطل الله ذلك بتشبيههم بالحمار يحمل أسفارا دون علم وفهم.

стр. 7567

وقوله: ﴿حُمِّلُوا﴾ أي كلفوا بما فيها، فلم يفوا بما كلفوا به مثل عدم اتباعهم النبي الذي يأتي لتخليصهم من ربقة الضلال كما حرفوا التوراة حسب أهوائهم وأدخلوا فيها ضلالاتهم. فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي فيه دلالة واضحة أنهم لم يقوموا بما يجب نحو كتابهم التوراة. ٣ - باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾ أمر الله رسوله ﷺ أن يقول لليهود: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم على الحق والهدى، وأنكم أولياء الله دون النبي ﷺ وأصحابه، فتمنوا الموت ولكنهم لعلمهم أنهم على الباطل لا يتمنون الموت أبدا، ولو أنهم قبلوا هذا التحدي وتمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، كما جاء في الحديث. • عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا". صحيح: رواه أحمد (٢٢٢٦)، وأبو يعلى (٢٦٠٤) - واللفظ له -، والبزار - كشف الأستار (٢١٨٩) مختصرا، كلهم من طرق عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره. وإسناده صحيح. ورواه البخاري في التفسير (٤٩٥٨) من وجه آخر عن عبد الكريم به، واقتصر على ما يتعلق بقصة أبي جهل فقط، ورواه كذلك من طريق عبيد الله عن عبد الكريم ولكن لم يسق لفظه. هذه الوقائع وقعت في أوقات مختلفة في حياة النبي ﷺ فمنها ما وقع في مكة، ومنها ما وقع في المدينة عند مقدمه ﷺ إليها، ومنها ما وقع في آخر حياته ﷺ ، فجمع ابن عباس كلها في سياق واحد مع أنه لم يدرك بعضها. ٤ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ لقد أوجب الله تعالى صلاة الجمعة على المسلمين شكرا له إذْ هدانا إليها، وجعل لنا هذا اليوم عيدا كما لكل قوم عيد، وشرع فيه الخطبة تذكيرا لهذا الأمر العظيم، وجعل الخطبتين مقام الركعتين من أربع ركعات الظهر، ولذا أمر الإمام أن يخطب قائما كما يصلي قائما، ونهاه أن يطيل الخطبة كما نهاه أن يطيل الصلاة، وشرع له أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة كما يجلس بين الركعتين. إلا أن من فاتتْه الخطبة وكذا من فاتته ركعة من ركعتي صلاة الجمعة فعليه أن يتم الركعة الثانية

стр. 7568

فقط على رأي الجمهور. ورويَ عن عطاء ومجاهد وطاوس: أن من فاتتْه الخطبة يوم الجمعة صلى أربعا صلاة الظهر، وعن عطاء: أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أضاف إليها ثلاث ركعات إلا أنه قول مرجوح. وقد جاءت أحاديث كثيرة لبيان فضل يوم الجمعة ولبيان أحكام صلاة الجمعة وآدابها، منها: • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأُوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبعٌ؛ فاليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ". متفق عليه: رواه البخاري في الأَيمان والنذور (٦٦٢٤)، ومسلم في الجمعة (٨٥٥: ٢١)، كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن همَّام بن منبِّه، قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة، فذكره. واللفظ لمسلمٍ، أمَّا البخاري فاقتصر على قوله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة". • عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة". صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٥٤: ١٨) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا المغيرة، يعني الحزاميّ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. • عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل". متفق عليه رواه مالك في الجمعة (٥)، عن نافع، عن ابن عمر. فذكره. ورواه البخاري في الجمعة (٨٧٧)، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وأخرجه مسلم في الجمعة (٨٤٤)، من غير طريق مالك، وفيه: "إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل". • عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدري ما يوم الجمعة؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. ثمَّ قال: "أتدري ما يوم الجمعة؟ ". قلت: نعم - قال: لا أدري زعم سأله الرابعة أم لا -، قال: قلت: هو اليوم الذي جُمِع فيه أبوه، أو أبوكم، قال النبي ﷺ : "ألا أحدِّثك عن يوم الجمعة؟ ! لا يتطهَّر رجل مسلمٌ ثمَّ يمشي إلى المسجد، ثمَّ يُنصت حتَّى يقضي الإمام صلاته إلَّا كان كفَّارةً لما بينها وبين الجمعة التي بعدها ما اجتنبت المَقْتَلة". حسن: رواه أحمد (٢٣٧٢٩) والطبراني في الكبير (٦٠٨٩)، كلاهما من طريق إبراهيم، عن علقمة، عن قَرْثَع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: فذكره. وإسناده حسن؛ من أجل قَرْثَع الضبي؛ فإنَّه "صدوق" كما في "التقريب".

стр. 7569

وقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين بالاهتمام بصلاة الجمعة والمبادرة إليها، ولا سيما بعد سماع الأذان، وليس المقصود به الجري للصلاة، فإن ذلك منهي عنه، كما جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٣٦) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٠٢) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن أبي قتادة قال: بينما نحن نُصَلِّي مع رسول الله ﷺ فسمع جَلَبَة رجالٍ، فلما صلَّى قال: "ما شأنُكم؟ " قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: "فلا تفعلوا إذا أتيتُم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتُم فصلوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا". متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٦٣٥)، ومسلم في المساجد (٦٠٣) كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه أخبره، قال: فذكره. ٥ - باب قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ • عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ يوم الجمعة، فقدمت سُوَيقَةٌ، قال: فخرج الناس إليها، فلم يبق إلا اثنا عشر رجلا، أنا فيهم، قال: فأنزل الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ إلى آخر الآية. وفي رواية: أن النبي ﷺ كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها ... وفي رواية أخرى: فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فيهم أبو بكر وعمر ... متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٩٩) ومسلم في الجمعة (٨٦٣) كلاهما من طريق خالد بن عبد الله الطحان، حدثنا حصين، عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان، عن جابر بن عبد الله، قال: فذكره. واللفظ لمسلم. والرواية الثانية والثالثة عند مسلم من وجه آخر عن حصين بن عبد الرحمن به. قوله: "سويقة" تصغير سوق، والمراد به العير، كما في الرواية الثانية، وهي الإبل التي تحمل

стр. 7570

الطعام أو التجارة، ولا تسمى عيرا إلا هكذا، وسميت سوقا لأن البضائع تساق إليها. وقوله: "انفتل الناس إليها" أي: انصرفوا إليها، وابتدروا إليها. • عن أبي عبيدة قال: دخل كعب بن عجرة المسجدَ وعبد الرحمن ابن أم الحكم يخطب قاعدا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٦٤) من طرق عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، فذكره. سورة الجمعة تشتمل على إبطال ثلاث دعوات من اليهود: الأولى: افتخارهم بأنهم أهل الكتاب، والعرب لا كتاب لهم، فشبّههم بالحمار في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. والثانية: دعواهم بأنهم أولياء الله وأحباؤه من دون الله فأبطل الله دعواهم بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. والثالثة: افتخارهم بأنهم أصحاب السبت، وليس للمسلمين مثله فشرع الله للمسلمين يوم الجمعة فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقد صحَّ كما سبق أن اليهود والنصارى ضلوا فهدى الله المسلمين إلى يوم الجمعة. • * * ٦٣ - تفسير سورة المنافقون وهي مدنية، وعدد آياتها ١١ ١ - باب سبب نزول سورة المنافقين • عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع النبي ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أُبَيٍّ، فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله

стр. 7571

- ﷺ ، فوقع في نفسي مما قالوا شدَّة، حتى أنزل الله تصديقي في: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فدعاهم النبي ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم، وقوله: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قال: كانوا رجالا أجمل شيء. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٠٣) ومسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٢) كلاهما من طريق زهير بن معاوية، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم، فذكره. وزاد البخاري (٤٩٠١) من وجه آخر عن زيد بن أرقم قال: فأرسل إليَّ رسول الله ﷺ فقرأها عليَّ ثم قال: "إن الله قد صدَّقك". هذه السورة نزلت في غزوة بني المصطلق سنة خمس، والكلام عليه مبسوط في كتاب السيرة. ٢ - باب قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ زعم عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول أنه هو وإخوانه من المنافقين هم الأعزون، وأن رسول الله ﷺ وأصحابه هم الأذلون، وليس الأمر كما زعم هذا المنافق، بل بالعكس، ولهذا رد الله عليه مقالته وقال: أي إنْ كان الأعز يخرج الأذل فإن المؤمنين هم الأعز لأن الرسول فيهم، وأن الله يؤيد أولياءه فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون لجهلهم وعداوتهم للمسلمين. • عن جابر بن عبد الله قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاريُّ: يا للأنصار. وقال المهاجريُّ: يا للمهاجرين. فَسَمَّعَها الله رسولَه ﷺ ، فقال: "ما هذا؟ " فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاريُّ: يا للأنصار. وقال المهاجريُّ: يا للمهاجرين. فقال النبي ﷺ : "دعوها؛ فإنها منتنة" قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي ﷺ أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: أو قد فعلوا والله! لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله! أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : "دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٠٧) ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٨٤: ٦٣) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، قال: حفظناه من عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فذكره، واللفظ للبخاري. قوله: "كسع" أي ضربه في دبره.

стр. 7572

٣ - باب قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ يعني عند رؤية ملك الموت لا تقبل الأعمال الصالحة، وقد جاء في الحديث. • عن بسر بن جحاش القرشي قال: بزق النبي ﷺ في كفه، ثم وضع أصبعه السبابة وقال: "يقول الله : أنى تعجزني، ابن آدم! وقد خلقتك من مثل هذه، فإذا بلغت نفسك هذه - وأشار إلى حلقه - قلتَ: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟ ". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٧٠٧) وأحمد (١٧٨٤٢) والحاكم (٢/ ٥٠٢) كلهم من طرق عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن حجاش القرشي قال: فذكره. وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي الحمصي وثَّقه ابن حبان والعجلي، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات، وصحّحه ابن حجر في الإصابة (٦٤٤). وزاد الحاكم: وتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٦ - ٣٩] وقال: "صحيح الإسناد". • * * ٦٤ - تفسير سورة التغابن وهي مدنية، وعدد آياتها ١٨ ١ - باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ جملة القول فيه: أن اللهَ خلقَ الكافرَ، وكُفْرُ الكافرِ من إرادته واختياره وقدرته عليه، وخلقَ اللهُ المؤمنَ، وإيمانُ المؤمنِ من إرادته واختياره وقدرته عليه، فلكل واحدٍ من الفريقين إرادة وقدرة واختيار، وكل ذلك يكون بتقدير الله ومشيئته، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان والطاعة، والله تعالى قد علم ذلك منه فقدره عليه، والكافر بعد خلق الله تعالى إياه يختار الكفر، والله تعالى قد علم ذلك منه فقدره عليه، وإرادة العبد واختياره لا تخرج عن إرادة الله الكونية، وهذا هو مسلك أهل السنة والجماعة، ومن سلكه أصاب الحق، وسلِمَ من الجبر والقدر. والله الموفق.

стр. 7573

٢ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاء واختبار، وشغل عن الآخرة. • عن بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما". حسن: رواه أبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي (١٤١٣، ١٥٨٥)، وابن ماجه (٣٦٠٠)، وصحّحه ابن خزيمة (١٤٥٦)، وابن حبان (٦٠٣٩)، والحاكم (١/ ٢٨٧) كلهم من طرق عن حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي بريدة، يقول: فذكره. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد". وهو كما قال، فإن الحسين بن واقد حسن الحديث. • عن الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة، فقال لي: "هل لك من ولد؟ " قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جَمْدٍ، ولوددت أن مكانه شِبَعُ القوم، قال: "لا تقولن ذلك، فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا، ثم لئن قلت ذاك، إنهم لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ إنهم لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ". حسن: رواه أحمد (٢١٨٤٠) والطبراني في الكبير (١/ ٢٠٧) كلاهما من طريق هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس، قال: فذكره. واللفظ لأحمد، ولفظ الطبراني نحوه، وزاد: "مَبْخَلَةٌ". ومجالد هو ابن سعيد الهمداني، وكان قد تغير في آخر عمره، وهشيم من قدماء أصحابه، كما قال عبد الرحمن بن مهدي، ولذا يُحَسَّنُ حديثه هذا. ورواه الطبراني من طريق ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن الأشعث نحوه مختصرا. وفي الإسناد ابن لهيعة، وفيه كلام معروف. • عن الأشعث بن قيس قال: وُلِد لي غلامٌ، فبُشِّرْتُ به وأنا عند النبي ﷺ فقلت: وددت لكم مكانه قصعة من خبز ولحم، فقال رسول الله ﷺ : "إن قلت ذاك، إنهم لَمَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ، وإنهم لَثمرة القلوب وقرة العين".

стр. 7574

صحيح: رواه الحاكم (٤/ ٢٣٩) عن الحسن بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق - هو الصغاني -، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأشعث بن قيس، قال: فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". تنبيه: وقع في مطبوعة المستدرك: "الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا أبو عاصم"، وصَوَّبْتُه من إتحاف المهرة (١/ ٣٨١). قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي من امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وقيد ذلك بالاستطاعة والقدرة، فهذه الآية تدل على أن كل واجب عجز عنه العبد أنه يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور، وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما عجز عنه. وليس بين هذه الآية والآية التي في سورة آل عمران [١٠٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ مخالفة فإن حق التقوى هو أن يأتي العبد ما قدر عليه، ولا يتهاون فيه. ٣ - باب قوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ أي: مهما أنفقتم في سبيل الله وتصدقتم فإن الله يخلفه لكم ويجزيكم عليه أوفر الجزاء، ولا ينقص من أجركم شيئا، ولا يظلمكم البتة، وقد جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل، أو لثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم؟ ". وفي رواية: "ثم يبسط يديه ﵎ يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟ ". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٥٨: ١٧١) عن حجاج بن الشاعر، حدثنا محاضر أبو المورِّع، حدثنا سعد بن سعيد، قال: أخبرني ابن مرجانة، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: فذكره. والرواية الثانية أخرجها مسلم عن هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد به. • * *

стр. 7575

٦٥ - تفسير سورة الطلاق وهي مدنية، وعدد آياتها ١٢ ١ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ • عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ ، فتغَيَّظَ فيه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فَلْيُطَلِّقْهَا طاهرا قبل أن يَمَسَّها، فتلك العدة كما أمر الله". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٠٨) ومسلم في الطلاق (١٤٧١: ٤) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر - وأبو الزبير يسمع ذلك -: كيف ترى في رجل طلَّق امرأته حائضا؟ فقال: طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ ، فقال: إن عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائض. فقال له النبي ﷺ : "ليراجعها". فردَّها وقال: "إذا طهرت فلْيُطَلِّقْ أو لِيُمْسِكْ". قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن. صحيح: رواه مسلم في الطلاق (١٤٧١: ١٤) عن هارون بن عبد الله، حدثنا حجاج بن محمد، قال ابن جريج، فذكره. وقوله: "طَلِّقُوهن في قُبُل عدتهن" هي قراءة شاذة، وكأنها تفسير من بعض الصحابة، وإلا فالقراءة المتواترة هي كما في المصحف. ٢ - باب قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

стр. 7576

الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: أشهدوا على الرجعة إذا عزمتم عليها. • عن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يُشْهِد على طلاقها، ولا على رجعتها، فقال: طلَّقْت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، وأَشْهِدْ على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ. حسن: رواه أبو داود (٢١٨٦) وابن ماجه (٢٠٢٥) كلاهما عن بشير بن هلال الصواف، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن يزيد الرشك، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عمران بن حصين، فذكره. وإسناده حسن من أجل جعفر بن سليمان الضبعي، فإنه حسن الحديث. والكلام عليه مبسوط في كتاب الطلاق. والأمر بالإشهاد هنا للندب، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والإشهاد في المبايعة ليس بواجب، فكذلك لا يجب الإشهاد عند الرجعة أو العزم على الفراق. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: أن الله يحميه ويكفيه، ولو عاداه الناس وخالفوه، وقد جاء في الحديث. • عن ابن عباس، قال: كنتُ خلفَ رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "يا غلام! إنِّي أعلِّمُك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمَّة لو اجْتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعتِ الأقلام، وجفَّت الصُّحف". حسن: رواه الترمذيّ (٢٥١٦) عن أحمد بن محمد بن موسى، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ليث بن سعد وابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، ح. وحدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو الوليد، حدّثنا ليث بن سعد، حدّثني قيس بن الحجاج - المعنى واحد - عن حنش الصنعانيّ، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح". وابن لهيعة قد تُوبع، وقد رواه عنه ابن المبارك، كما رواه أيضًا ابنُ وهب عنه في القدر (٢٨). ورواه الفريابي في القدر (١٥٣)، والبيهقيّ في القضاء والقدر (٢/ ٥٢٣) عن اللّيث وحده، بهذا الإسناد. قلت: إسناده حسن من أجل قيس بن الحجاج - وهو الكلاعي السلفي -.

стр. 7577

والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. • عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى إما بموت عاجل أو غنى عاجل". حسن: رواه أبو داود (١٦٤٥) والترمذي (٢٣٢٧) كلاهما من طريق بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة، عن طارق، عن ابن مسعود، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل سيار أبي حمزة. والكلام عليه مبسوط في كتاب الزكاة. ٣ - باب قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. • عن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده فقال: أفْتِني في امرأة ولدت بعد زوجِها بأربعين ليلة؟ ، فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، يعني أبا سلمة، فأرسل ابن عباس غلامه كُريبًا إلى أم سلمة يسألها، فقالت: قُتِل زوجُ سُبَيْعة الأسلمية وهي حُبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخُطِبتْ، فأنكحَها رسولُ الله ﷺ ، وكان أبو السَّنابل فيمن خَطَبَها. متفق عليه رواه البخاري في التفسير (٤٩٠٩) عن سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيى، قال: أخبرني أبو سلمة، قال: فذكره. ورواه مسلم في الطلاق (١٤٨٥) من وجه آخر عن أبي سلمة به نحوه. • عن محمد بن سيرين قال: جلست إلى مجلس فيه عُظْم من الأنصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكرتُ حديث عبد الله بن عتبة في شأن سُبيعة بنت الحارث. فقال عبد الرحمن: ولكن عمّه كان لا يقول ذلك، فقلت: إني لجريء إن كذبتُ على رجل في جانب الكوفة، ورفع صوته، قال: ثم خرجتُ، فلقيتُ مالك بن عامر أو مالك بن عوف. قلت: كيف كان قول ابن مسعود في المتوفى عنها زوجُها. وهي حامل؟ فقال: قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظَ، ولا تجعلون لها الرخصة؟ لنزلتْ سورةُ النساء القصرى بعد الطولى.

стр. 7578

صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٥٣٢) عن حِبَّان، حدثنا عبد الله، أخبرنا عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، قال: فذكره. قوله: "القصرى بعد الطولى" أي البقرة. ٤ - باب قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ قوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي سبع سماوات طباقا كما في سورة الملك (٣) أي بعضها فوق بعض. وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: مثل عدد السماء، وهو رأي جمهور المفسرين فقالوا: إن الأرض سبع طبقات بعضها فوق بعض كالسماء، وقد اكتشف علماء طبقات الأرض هذه الحقيقة بعد ألف وأربعمائة سنة، وهذا المعنى يؤيده ما جاء في الصحيح: • عن محمد بن إبراهيم أن أبا سلمة حدَّثه - وكان بينه وبين قومه خصومة في أرض - وأنه دخل على عائشة فذكر ذلك لها. فقالت: يا أبا سلمة! اجتنب الأرض، فإن رسول الله ﷺ قال: "من ظلم قيد شبر من الأرض طُوِّقَه من سبع أرضين". متفق عليه: رواه البخاري في المظالم (٢٤٥٣)، ومسلم في المساقاة (١٦١٢) كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن إبراهيم، فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. وقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أي الوحي والتدبير. قال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره وقضاء من قضائه. وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي فلا يخفى عليه شيء. • * * ٦٦ - تفسير سورة التحريم وهي مدنية، وعدد آياتها ١٢ ١ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ

стр. 7579

بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾ تعددت أسباب نزول هذه الآية الكريمة، وأصحها شرب العسل عند زينب. • عن عائشة أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أنَّ أيَّتَنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد فيك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: "بل شربتُ عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعودَ له" فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة. وفي رواية: "وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا". متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦٧)، ومسلم في الطلاق (١٤٧٤) كلاهما من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أنه سمع عبيد بن عمير، يخبر أنه سمع عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. هذه القصة أصح من القصة التي تأتي بعدها. • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغِرتُ فسألتُ عن ذلك، فقيل: أهدت لها امرأة من قومها عُكّةً من عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلتُ: أما والله! لنحتالن له، فقلتُ لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلتَ مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحلة العرفط، وسأقولُ ذلك وقولي أنتِ يا صفية ذاك. قالت: تقول سودة فوالله! ما هو إلا أن قام على الباب فأردتُ أن أباديه بما أمرتني به فرقا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: "لا". قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسل" فقالت: جرست نحلة العرفط، فلما دار إلي قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله! ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه" قالت:

стр. 7580

تقول سودة: والله! لقد حرَمناه، قلت لها: اسكتي. متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦٨) ومسلم في الطلاق (١٤٧٤: ٢١) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. قصة شرب العسل عند زينب كما مضى أصح من هذه القصة مع صحة إسناده، فلعل القصة انقلبت على بعض الرواة، لأن الله تعالى يقول: ، هما اثنتان لا ثلاثة، كما أن أزواج النبي ﷺ كن في حزبين، فعائشة وحفصة وصفية وسودة في حزب، وزينب وأم سلمة والباقيات في حزب. • عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث. فقلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية. صحيح: رواه البخاري في الصلاة (٤٠٢) عن عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن حميد، عن أنس قال: فذكره. • عن عبد الله بن عباس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا، فخرجت معه، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين! من اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال: فقلت له: والله! إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك. قال: وقال عمر: والله! إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم. قال: فبينما أنا في أمر أأتمره إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: وما لك أنت ولما ها هنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان. قال عمر: فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني، حتى أدخل على حفصة، فقلت لها: يا بنية! إنك لتراجعين رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان. فقالت حفصة: والله! إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنية! لا يغرنك هذه التي قد أعجبها حسنها

стр. 7581

وحب رسول الله ﷺ إياها. ثم خرجت حتى أدخل على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها، فقالت لي أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب! قد دخلت في كل شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه. قال: فأخذتني أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، وكان لي صاحب من الأنصار، إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن حينئذ نتخوف ملكا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فأتى صاحبي الأنصاري يدق الباب، وقال: افتح افتح. فقلت: جاء الغساني، فقال: أشد من ذلك، اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه. فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة. ثم آخذ ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا رسول الله ﷺ في مشربة له يُرتَقى إليها بعجلة، وغلام لرسول الله ﷺ أسود على رأس الدرجة، فقلت: هذا عمر. فأذن لي. قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله ﷺ ، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مضبورا، وعند رأسه أهبا معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله ﷺ ، فبكيت فقال: "ما يبكيك؟ ". فقلت: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولك الآخرة". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩١٣) ومسلم في الطلاق (١٤٧٩: ٣١) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى، أخبرني عبيد بن حنين، أنه سمع عبد الله بن عباس، يحدِّث، قال: فذكره، والسياق لمسلم. ومنها تحريم التسرية، وهي رواية مرجوحة. • عن أنس أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطأها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرَّمها على نفسه، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾. صحيح: رواه النسائي (٣٩٥٩) عن إبراهيم بن يونس بن محمد حرمي - هو لقبه - قال: ثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح، والأمة هي مارية القبطية أم إبراهيم. • عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحدا، وإن أم إبراهيم عليَّ حرام" فقالت: أتحرِّم ما أحل الله لك؟ قال: "فوالله! لا أقربها" قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال: فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. حسن: رواه الهيثم بن كليب في مسنده - كما ذكره ابن كثير في تفسيره - عن أبي قلابة عبد

стр. 7582

الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: فذكره. ورواه الضياء في المختارة (١٨٩) من طريق الهيثم بن كليب الشاشي به نحوه. وإسناده حسن من أجل أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، فإنه حسن الحديث. • عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: نزلت هذه في سُرِّيَّته. حسن: رواه البزار (٤٩٤٦) واللفظ له، والطبراني في الكبير (١١/ ٨٦) كلاهما من طرق، عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن مسلم - وهو ابن عمران البطين -، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن رجاء وهو الغُداني، فإنه حسن الحديث. والخلاصة فيه لا يمنع أن تكون هذه الأسباب جميعا سببا لنزول آية التحريم. وبه قال بعض المفسرين. وإنْ كان أصحها: شرب العسل عند زينب من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، كما سبق. قال النسائي: إسناد حديث حجاج صحيح جيد غاية. وقال الأصيلي: حديث حجاج أصح. وهو أولى بظاهر الكتاب، وأكمل فائدة، قاله القاضي. انظر: شرح مسلم للنووي. • عن ابن عباس قال: إذا حرَّم الرجل عليه امرأته، فهي يمين يكفِّرها، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] متفق عليه: رواه البخاري في الطلاق (٥٢٦٦) ومسلم في الطلاق (١٤٧٣: ١٩) كلاهما من طريق معاوية - يعني ابن سلام -، عن يحيى بن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم، أخبره أن سعيد بن جبير، أخبره أنه سمع ابن عباس، قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. ٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ قوله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ هو أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قاله عمر، وأبي بن كعب. قال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الإخوان. ذكره البغوي في تفسيره (٤/ ٤٣١).

стр. 7583

٣ - باب قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ قوله: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ اسمها آسية بنت مزاحم، آمنت بالله، وكفرت بفرعون، وهي من أفضل نساء أهل الجنة، كما جاء في الصحيح. • عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٦٩) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣١: ٣٧) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة، عن أبي موسى الأشعري، قال: فذكره. • عن ابن عباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، قال: "تدرون ما هذا؟ ". فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران". صحيح: رواه أحمد (٢٦٦٨)، وعبد بن حميد (٥٩٧)، والطحاوي في شرح المشكل (١٤٨)، وابن حبان (٧٠١٠) كلهم من طرق عن داود ابن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. وقوله: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ هي أم عيسى ﵇، وهي أخت هارون، وهو غير هارون النبي الذي كان في زمن موسى ﵇، كما جاء في الصحيح. • عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمتُ نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون: يا أخت هارون، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك، فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم". صحيح: رواه مسلم في الآداب (٢١٣٥) من طرق عن ابن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال، فذكره. يعني أن مريم أم عيسى ليست أخت هارون أخي موسى، وإنما هي أخت هارون آخر سُمّيَ باسم هارون أخي موسى، لأنه كان من قبيلته. وقد جاءت في فضائل آسية ومريم أحاديث أخرى، وهي مذكورة في كتاب أخبار الماضين.

стр. 7584

٦٧ - تفسير سورة الملك وهي مكية، وعدد آياتها ٣٠ ١ - باب ما ورد في فضل سورة الملك • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "سورة من القرآن ما هي إلا ثلاثون آية، خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة، وهي سورة تبارك". حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٣٦٦٧) وفي الصغير (٤٩٠) عن سليمان بن داود بن يحيى الطبيب البصري، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا سلَّام بن مسكين، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: فذكره. قال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٢٧): "رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح". قلت: إسناده حسن من أجل شيبان بن فروخ، فإنه حسن الحديث، وصحّحه الحافظ ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٣٥) نظرا لأن شيبان من رجال الصحيح. • عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنّ سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ". حسن: رواه أبو داود (١٤٠٠)، والترمذيّ (٢٨٩١)، وابن ماجه (٣٧٨٦) وصحّحه ابن حبان (٧٨٧)، والحاكم (١/ ٥٦٥) كلّهم من طريق شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشميّ، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل عباس الجشميّ، واسم أبيه عبد الله، ذكره ابن حبان في ثقاته، وأخرج حديثه في صحيحه، وصحَّحه أيضا الحاكم، وحسَّنه الترمذي وهو من التابعين، وقد روى عنه جمع، فلا بأس من تحسين حديثه، وخاصة في الفضائل دون الأحكام. وأما ما نقل عن البخاري أن الجشمي لم يذكر سماعا من أبي هريرة، فلم أجده في التاريخ الكبير (٧/ ٤)، وإن وجد في بعض النسخ فذلك راجع إلى مذهبه، والجشمي لم يتهم بالتدليس، فعنعنته تحمل على الاتصال، كما هو رأي الجمهور. • عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ ألم السجده، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

стр. 7585

حسن: رواه الترمذي (٢٨٩٢)، وأحمد (١٤٦٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٠٩)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٠٨، ٧٠٧) كلهم من طرق عن ليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف لكن تابعه مغيرة بن مسلم الخراساني - وهو صدوق -، عن أبي الزبير. أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد (١٢٠٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٠٦). والكلام عليه مبسوط في كتاب الأدعية والأذكار. ٢ - باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: إنهم يخافون الله في السر والعلانية وفي جميع أحوالهم، فيمتثلون أوامر الله تعالى، ويجتنبون نواهيه حتى في الأحوال التي يخلون فيها بأنفسهم، ولا يطلع عليهم فيها إلا الله ، وتفيض أعينهم فيها بالدمع خوفا من الله تعالى، وقد امتدحهم النبي ﷺ وأخبر أنهم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل ذكر الله في خلاء، ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق في المسجد، ورجلان تحابا في الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، قال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه". متفق عليه: رواه البخاري في الحدود (٦٨٠٦) ومسلم في الزكاة (١٠٣١: ٩١) كلاهما من طريق عبيد الله بن عمر، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله! إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره، فنخاف أن يكون ذلك النفاق، فقال لهم النبي ﷺ : "كيف أنتم وربكم؟ " قالوا: الله ربنا في السر والعلانية، قال: "كيف أنتم ونبيكم؟ " قالوا: أنت نبينا في السر والعلانية. قال: "ليس ذلك النفاق". حسن: رواه عبد بن حميد (١٣٧٧) واللفظ له، والبزار (٦٩٠٤) وأبو يعلى (٣٣٩٦) كلهم من طرق عن الحارث بن عبيد، عن ثابت، عن أنس، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل الحارث بن عبيد، فإنه حسن الحديث.

стр. 7586

٣ - باب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ أي: سخَّرها وذلَّلها وجعلها سهلة الاستفادة لكم، فأنتم مع شدتها وصلابتها ومع ما فيها من الجبال والبحار تنتفعون بها، وتدركون منها كل ما تعلقت به حاجتكم من الزراعة والحرث والغرس والحفر والعمارة والبناء وتمهيد السبل وإنشاء الطرق وغيرها من أنواع الحاجة وطرق الاستفادة. وقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي: سافروا في أقطارها وأرجائها من أجل المكاسب والتجارات، واطلبوا فضل الله ورزقه بذلك، وكلوا مما رزقكم الله ، والسعي للرزق لا ينافي التوكل على الله ، كما جاء في الحديث. • عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا". صحيح: رواه الترمذي (٢٣٤٤) وابن ماجه (٤١٦٤) وأحمد (٢٠٥) وصحَّحه ابن حبان (٧٣٠) والحاكم (٤/ ٣١٨) كلهم من طرق عن عبد الله بن هُبيرة، عن أبي تميم الجيشاني، عن عمر بن الخطاب فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو تميم الجيشاني اسمه: عبد الله بن مالك". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". ٤ - باب قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾ معناه: أرأيتم إنْ أهلكني الله فعذّبني ومن معي، أو رحمنا فغفر لنا، فنحن مع إيماننا خائفون أن يهلكنا بذنوبنا لأن حكمه نافذ فينا فمن يجيركم ويمنعكم من عذابه، وأنتم كافرون. كذا فسّره ابن عباس. لأن من وقاحة المشركين أن يجهروا بتمني هلاك رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين، بل كانوا تآمروا على قتله ﷺ ، ولكن الله تعالى أبطل حيلهم، وعصمه من مكرهم.

стр. 7587

٦٨ - تفسير سورة القلم وهي مكية، وعدد آياتها ٥٢ ١ - باب قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ هذا ثناء من الله على حسن خلق النبي ﷺ ، فقد كان أحسن الناس خلقا، وكان جامعا لجميع صفات الخير وخصال البر التي أمر الله بها عباده في القرآن الكريم ومدحهم عليها، وكان بعيدا عن جميع صفات الذم التي حذر الله منها عباده في القرآن الكريم وتوعَّدهم عليها، فقد كان ﷺ خلقه القرآن كما في الصحيح. • عن سعد بن هشام قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن. الحديث. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٦) عن محمد بن المثنى العنزي، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة، أن سعد بن هشام بن عامر جاء إلى عائشة فسألها، فذكر الحديث في سياق طويل. • عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا. متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٦٢٠٣) ومسلم في الفضائل (٢٣١٠: ٥٥) كلاهما من طريق عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، فذكره. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، وهي مذكورة في كتاب سيرة النبي ﷺ . ٢ - باب قوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ قوله: ﴿هَمَّازٍ﴾ أي: كثير العيب للناس والطعن فيهم بالغيبة والاستهزاء ونحوه. وقوله: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وينقل حديث بعضهم لبعض ليفسد بينهم ويلقي فيهم العداوة والبغضاء. وقد جاءت أحاديث كثيرة في التحذير من ذلك، منها: • عن ابن عباس قال: مرّ رسول الله ﷺ على قبرين، فقال. "أما إنهما لَيُعذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير، أمَّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأمّا الآخر فكان لا يستتر من بوله". قال: فدعا بعسيب رطْبٍ فشقَّه باثنين، ثم غرس على هذا واحدًا، وعلى هذا

стр. 7588

واحدًا، ثم قال: "لعله يُخفَّفْ عنهما ما لم ييبسا". وفي رواية: "وكان الآخر لا يستنْزه عن البول، أو من البول". متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢١٨)، وفي الجنائز (١٣٦١)، ومسلم في الطهارة (٢٩٢) كلاهما من طريق الأعمش، قال: سمعت مجاهدًا يحدِّث عن طاوس، عن ابن عباس، قال: فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن أبي وائل، عن حذيفة أنه بلغه أن رجلا يَنِمُّ الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة نَمّام". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٠٥) من طرق عن مهدي - وهو ابن ميمون -، حدثنا واصل الأحدب، عن أبي وائل، فذكره. ٣ - باب قول: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ قوله: ﴿عُتُلٍّ﴾ أي: غليظ الخلق غير منقاد للحق، وقيل: معناه: الشديد في كفره، وكل شديد عند العرب عتل، وأصله من العتل: وهو الدفع بالعنف كما قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧]. وقوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ أي اللصيق وهو من يدعي أنه من قوم وليس منهم، مأخوذ من الزنمة، وهي قطعة من أذن البعير لا تنزع بل تبقى معلقة بالأذن، ومن معناه أيضا هنة مدلاة في حلق الشاة كالمحلقة بها كما جاء في الصحيح: • عن ابن عباس قال: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ رجل من قريش، له زنمة مثل زنمة الشاة. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩١٧) عن محمود، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس في قوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: نزل على النبي ﷺ ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ قال: فلم نعرفه حتى نزل على النبي ﷺ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: فعرفناه، له زنمة كزنمة الشاة. حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٦٦) عن الحسين بن علي الصدائي قال: حدثنا علي بن عاصم قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن عاصم ففيه كلام ولكن ما رواه له أصل، فلا بأس من تحسينه. قوله: "فعرفناه" هو رجل من قريش كما في الحديث السابق، قالوا: هو الوليد بن المغيرة لأنه كان ذا سعة في المال وكثير الأبناء، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده. والوصف الذي ذكر في هذه السورة بقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا

стр. 7589

قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هو الذي جاء ذكره في سورة المدثر [١١ - ١٥] في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾. والمذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش، وهذا مما لا خلاف فيه. وقد جاء في الصحيح أن أهل النار كل عتل جواظ مستكبر. • عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ، جوَّاظ، مستكبر" وفي رواية مسلم: "كل جواظ زنيم متكبر". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩١٨) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٥٣: ٤٧) كلاهما من طريق سفيان، عن معبد بن خالد، قال: سمعت حارثة بن وهب الخزاعي، قال: فذكره. ٤ - باب قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ أي: إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، ويأمر بالسجود، فيسجد المؤمنون، ويريد المنافقون والكفار أن يسجدوا كما سجد المؤمنون، ولكنهم لا يتمكنون من ذلك، كما جاء في الصحيح. • عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، فيبقى كل من كان يسجد له في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا واحدا". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩١٩) ومسلم في الإيمان (١٨٣) كلاهما من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: فذكره، والسياق للبخاري، وسياق مسلم طويل. ٥ - باب قوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إن الله قد يمد الكافر وغيره بالأموال والأولاد وغيرها من متاع الدنيا استدراجا لهم، ثم يمسكهم، ولا يفلتونه البتة، كما جاء في الحديث. • عن عقبة بن عامر، عن النّبيّ ﷺ قال: "إذا رأيتَ الله يُعطي العبد من الدّنيا على معاصيه ما يحبّ، فإنّما هو استدراج".

стр. 7590

حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٣١١)، والطبراني في الأوسط (٩٢٦٨)، والبيهقي في القضاء والقدر (٢/ ٥٦٦) كلّهم من طرق عن حرملة بن عمران التجيبيّ، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر فذكره. وحسّنه الحافظ العراقيّ في تخريج الإحياء (٤/ ١١٥). والكلام عليه مبسوط في تفسير سورة الأنعام الآية رقم (٤٤). • عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ليملي للظالم، حِتى إذا أخذه لم يفلته" قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٨٦)، ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٨٣) كلاهما من طريق أبي معاوية، حدثنا بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٦ - باب قوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: الكفار عند سماعهم القرآن منك ينظرون نظرة حسد وعداوة وغيظ كادوا يمنعونك من قراءة القرآن، ويزيلونك عن موقفك في الدعوة، ويؤذون بألسنتهم ويقولون: إنه مجنون فلا تستمعوا إليه، فردّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. • * * ٦٩ - تفسير سورة الحاقة وهي مكية، وعدد آياتها ٥٣ ١ - باب قوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ قوله: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ فاعل من حقَّ الشيء إذا ثبت وقوعه، والمراد بها يوم القيامة لأنه يوم محقَّق وقوعُه كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].

стр. 7591

وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ أي أنهم كذبوا بالحاقة، والقارعة بمعنى الحاقة من قرع إذا ضربه ضربا قويا أي التي تصيب الناس بالأهوال والأفزاع. وقوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ والطاغية هي القارعة والصاعقة وسميت في بعض الأيات بـ"الصيحة". ومنازل ثمود كانت بين المدينة وتبوك في طريق الشام، وكانت قريش ترى آثارهم في رحلتهم قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]. وهي تسمى اليوم بـ"مدائن صالح" لأن نبي الله صالح ﵇ بعث إليهم ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣]. ٢ - باب قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ أي: ريح شديد الهبوب، وكانت جاءت عليهم من جهة الغرب، وهي التي يقال لها الدبور، وقد جاء في الصحيح. • عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". صحيح. رواه مسلم في صلاة الاستسقاء (٩٠٠) من طرق عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن هذه الريح كانت باردة شديدة البرودة، فأهلكت كل من أصابته. ٣ - باب قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ قوله: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أي: بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا، مع فضل الله ورحمته، فإنه لا يدخل الجنة أحد إلا بفضل الله ورحمته، ولذلك أهل الجنة بعد دخولهم الجنة يقولون: ﴿أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥] وقد جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لن يُدخل أحدًا عملُه الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضلٍ ورحمةٍ، فسَدِّدوا وقَارِبُوا، ولا يتمنينَّ أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مُسيئًا فلعله أن يستعتِب". متفق عليه: رواه البخاري في المرضى (٥٦٧٣) ومسلم في صفة القيامة (٢٨١٦: ٧٥) كلاهما من طريق الزهري، قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم مختصر. ٤ - باب قوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢)﴾ أي رفيعة؛ لأن الجنة لها درجات بعضها أعلى من بعض، وقد جاء في الصحيح.

стр. 7592

• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا: يا رسول الله! أفلا ننبئ الناس بذلك؟ . قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة". صحيح: رواه البخاري في التوحيد (٧٤٢٣) عن إبراهيم بن المنذر، حدثني محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، حدثني هلال، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره. ٥ - باب قوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ قوله: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ أي: شُدُّوه في السلسلة وجُرُّوه على وجهه فيها، وقد جاء في الحديث. • عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن رصاصة مثل هذه، وأشار إلى مثل جمجمة، أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمس مئة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسة لسارت أربعين خريفا، الليل والنهار، قبل أن تبلغ أصلها، أو قعرها". حسن: رواه الترمذي (٢٥٨٨) وأحمد (٦٨٥٦) والحاكم (٢/ ٤٣٨، ٤٣٩) مختصرا، كلهم من طرق عن عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، قال: فذكره. وزاد الحاكم: "وتلا رسول الله ﷺ الآيات". وإسناده حسن من أجل أبي السمح، وهو دراج بن سمعان، فإنه حسن الحديث في غير روايته عن أبي الهيثم، وهذا منه. قال الترمذي: "هذا حديث إسناده حسن" وفي نسخة: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". • * *

стр. 7593

٧٠ - تفسير سورة المعارج وهي مكية، وعدد آياتها ٤٤ ١ - باب قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أراد مدة المسافة بين الأرض وسدرة المنتهى التي هي مقرّ جبريل، يسير جبريل ومن معه من الملائكة مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا كما سبق ذكره في تفسير سورة السجدة. وقال بعض المفسرين: هو يوم القيامة، كما جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وِإمَّا إِلَىَ النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُول اللهِ! فَالإِبِلُ؟ قَالَ: "وَلا صَاحِبُ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سنَةٍ حَتَّى يُقْضى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وِإمَّا إِلَى النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: "وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمِ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسً فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا جَلْحَاءُ وَلا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإمَّا إِلَى النَّارِ" الحديث. صحيح: رواه مسلم في الزكاة (٩٨٧) عن سويد بن سيعد، حدثنا حفص - يعني ابن ميسرة الصنعاني -، عن زيد بن أسلم، أن أبا صالح ذكوان، أخبره أنه سمع أبا هريرة، يقول: فذكره في حديث طويل.

стр. 7594

٢ - باب قوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ أي: جمع المال، وأمسكه في الأوعية، وحبسه في الخزانات، ولم يؤد منه حق الله من الزكاة ونحوها، وقد جاء في الصحيح. • عن أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال: "أنفقي، ولا تحصي، فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك". متفق عليه: رواه البخاري في الهبة (٢٥٩١) ومسلم في الزكاة (١٠٢٩) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • * * ٧١ - تفسير سورة نوح وهي مكية، وعدد آياتها ٢٨ ١ - باب قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ أي: إن نوحا ﵇ دعا قومه إلى الله ليلا ونهارا، وبلَّغهم رسالة ربه سرا وجهارا، ولكنهم أعرضوا واستكبروا، ولم يؤمن معه إلا قليل، وهؤلاء المعرضون في الدنيا ينكرون يوم القيامة أمام الله دعوته إياهم إلى الله ، فيشهد له النبي ﷺ وأمته، كما جاء في الصحيح. • عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء نوحٌ وأمتُه فيقول الله تعالى: هل بلّغتَ؟ فيقول: نعم أي رب! فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي. فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد ﷺ وأمته، فنشهد أنه قد بلّغ وهو قوله جل ذكره ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسط العدل". صحيح: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٣٩) عن موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ أي: تارة بعد تارة، وحالا بعد حال، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، إلى تمام الخلق، قال تعالى:

стр. 7595

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، وقد جاء في الصحيح. • عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، قال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح ... " الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٨) وفي القدر (٦٥٩٤)، ومسلم في القدر (٢٦٤٣) كلاهما من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ٣ - باب قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ • عن ابن عباس قال: صارت الأوثانُ التي كانت في قوم نوح في العرب بعد؛ أما ودٌّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماءُ رجالٍ صالحينٍ من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم عُبِدتْ. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٢٠) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج، وقال عطاء: عن ابن عباس، فذكره. وقوله: "وقال عطاء" يعني ابن أبي رباح، وليس هو عطاء الخراساني، لأنه لم يلق ابن عباس، فيكون فيه انقطاع، ثم ابن جريج لم يسمع تفسير الخراساني، وإنما أخذه من ابنه عثمان مناولة، كما نبَّه على ذلك علي ابن المديني. ذكر صالح بن أحمد بن حنبل في "العلل" عن علي بن المديني قال: سألت يحيى القطان عن حديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، فقال: ضعيف. فقلت: إنه يقول: أخبرنا. قال: "لا شيء، إنما هو كتاب دفعه إليه". فجعل البخاري أنه عطاء بن أبي رباح، وكون عبد الرزاق وغيره رووا هذا التفسير عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني لا يمنع أن يحدث به أيضا عطاء بن أبي رباح، والبخاري ﵀ الذي اشتهر بالتحري وتشدده في الاتصال لا يخفى عليه ذلك.

стр. 7596

قوله: "صارت الأوثانُ التي كانت في قوم نوح في العرب بعد" إن تلك الأوثان دفنها الطوفان، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب كما قال ابن عباس. وأما العرب فكانت أصنامهم "اللات" لثقيف، "والعزى" لسليم وغطفان وجشم، "ومناة" لقديد، و "إساف ونائلة وهبل" لأهل مكة. ٤ - باب قوله: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ قوله: ﴿دَيَّارًا﴾ من دار يدورُ أي: لا تترك كافرًا حيث ما كان. وقوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ لقد علم نوح ﵇ من تجربته الطويلة بأن هولاء المشركين لا يلدون إلا من ينشأ على دينهم فيكونون فجارا كفارا عند بلوغهم سن الرشد لأن المولود لا يوصف بالفاجر والكافر. ٥ - باب قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ قوله: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ لأنهما كانا مؤمنين به. قوله: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قد يكون قبل بناء السفينة ثم عمّمَ بقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي كل من آمن بالله وصدّقه ولو لم يدخل بيته. قوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ أي هلاكا شاملا، فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالطوفان فأغرقهم. • * *

стр. 7597

٧٢ - تفسير سورة الجن وهي مكية، وعدد آياتها ٢٨ سميت هذه السورة باسم سورة الجن لذكر الجن في أول الآية. ١ - باب قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ • عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث. فانطلقوا، فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا! ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٢١) ومسلم في الصلاة (٤٤٩) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. والظاهر أن هذه السورة نزلت في سنة عشر من البعثة. وظاهر الحديث أنهم آمنوا بالنبي ﷺ بعد سماع القرآن، ثم رجعوا إلى قومهم يدعون إلى الإسلام. وفي صحيح مسلم في بداية الحديث يقول عبد الله بن عباس: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم. هو يشير إلى هذه القصة التي صلَّى فيها رسول الله ﷺ صلاة الصبح. وأما حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ : أنه أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، فهو قصة أخرى، كما جاء في الصحيح.

стр. 7598

• عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل قال: فبتنا بعكر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله! فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعى الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم". فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم". صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٠) عن محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر، فذكره. وقال ابن مسعود: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، ووددت أني كنت معه. أخرجه مسلم أيضا من وجه آخر عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود. وإلى هذه القصة يشير أبو هريرة أيضا كما في الصحيح. • عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا أبو هريرة. فقال: "ابغني أحجارا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة" فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما". صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٠) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة، فذكره. والقصة وقعت بمكة، وأبو هريرة أسلم بعد الهجره سنة سبع، فقوله ﷺ : "وإنه أتاني وفد جن نصيبين" حكاية عن الماضي، وتكرار القصة بعيد، وإنْ قال به بعض أهل العلم. وقوله: "نصيبين" هو بلدة مشهورة بالجزيرة، وقيل في الشام في حدود تركيا، وفيه تجوز، لأن الجزيرة تطلق على البلاد الواسعة بين الشام والعراق. • عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقا من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك - يعني عبد الله - أنه آذنتْ بهم شجرة.

стр. 7599

متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٥٩) ومسلم في الصلاة (٤٥٠: ١٥٣) كلاهما عن عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مسعر، عن معن بن عبد الرحمن، قال: فذكره. وقوله: "من آذن النبي ﷺ " أي: أعلمه بحضور الجن. وقوله: "آذنت بهم شجرة" أي: إن الشجرة التي كانت بجانبه، وهي من معجزات النبي ﷺ ، كما ثبت في الصحيح قوله: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلِّم عليَّ" فإن الله جعل في الجماد نطقا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] والمعجزات من هذا القبيل كثيرة. كما ذكر في كتاب سيرة النبي ﷺ . والكلام عن الجن واستماعهم القرآن مبسوط في كتاب بدء الخلق. ٢ - باب قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ قوله: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: تعالت عظمته وجلاله وكماله. وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ أي: لكمال عظمته وجلاله وغناه، وقد جاء في الصحيح. • عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "قال الله: كذَّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة، أو ولدا". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٤٨٢) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. ٣ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾ أي: الضر والنفع والرشد والهداية والنجاة كلها بيد الله ، وليس ذلك إلى أحد من الخلق حتى الرسول ﷺ ، مع كونه أحب الخلق إلى الله ، وقد جاء في الحديث. • عن ابن عباس، قال: كنتُ خلفَ رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "يا غلام إنِّي أعلِّمُك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمَّة لو اجْتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعتِ الأقلام، وجُفَّت الصُّحف". حسن: رواه الترمذيّ (٢٥١٦) حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ليث بن سعد وابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، ح. وحدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا

стр. 7600

أبو الوليد، حدّثنا ليث بن سعد، حدّثني قيس بن الحجاج - المعنى واحد - عن حنش الصنعانيّ، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح". قلت: إسناده حسن من أجل قيس بن الحجاج فإنه "صدوق"، والكلام عليه مبسوط في القدر. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بنى عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله ﷺ ! لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ! سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا". متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٥٣)، ومسلم في الإيمان (٢٠٦) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. ٤ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾ المشركون كانوا يسألون رسول الله ﷺ فيقولون كما قال الله : ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [النمل: ٧١] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [لنازعات: ٤٢] فأمر الله نبيه ﷺ أن يقول لهم بأنه لا علم له بوقت الساعة، وأنه لا يدري أقريب وقتها أم بعيد، فالساعة وقتها من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله . • عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". قال: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: متى السّاعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها؛ إذا ولدت الأمةُ ربَّها، وإذا تطاول رُعاةُ الإبل البُهْم في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية، ثم أدبر فقال: "ردُّوه" فلم يروا شيئا، فقال: "هذا جبريل جاء يعلمُ الناس دينهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة، عن أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره، ولفظهما سواء.
следующие страницы →