Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.
стр. 7596
قوله: "صارت الأوثانُ التي كانت في قوم نوح في العرب بعد" إن تلك الأوثان دفنها الطوفان، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب كما قال ابن عباس.
وأما العرب فكانت أصنامهم "اللات" لثقيف، "والعزى" لسليم وغطفان وجشم، "ومناة" لقديد، و "إساف ونائلة وهبل" لأهل مكة.
٤ - باب قوله: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾
قوله: ﴿دَيَّارًا﴾ من دار يدورُ أي: لا تترك كافرًا حيث ما كان.
وقوله: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ لقد علم نوح ﵇ من تجربته الطويلة بأن هولاء المشركين لا يلدون إلا من ينشأ على دينهم فيكونون فجارا كفارا عند بلوغهم سن الرشد لأن المولود لا يوصف بالفاجر والكافر.
٥ - باب قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾
قوله: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ لأنهما كانا مؤمنين به.
قوله: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قد يكون قبل بناء السفينة ثم عمّمَ بقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي كل من آمن بالله وصدّقه ولو لم يدخل بيته.
قوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ أي هلاكا شاملا، فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالطوفان فأغرقهم.
• * *
стр. 7597
٧٢ - تفسير سورة الجن وهي مكية، وعدد آياتها ٢٨
سميت هذه السورة باسم سورة الجن لذكر الجن في أول الآية.
١ - باب قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾
• عن ابن عباس قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث. فانطلقوا، فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا! ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٢١) ومسلم في الصلاة (٤٤٩) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
والظاهر أن هذه السورة نزلت في سنة عشر من البعثة.
وظاهر الحديث أنهم آمنوا بالنبي ﷺ بعد سماع القرآن، ثم رجعوا إلى قومهم يدعون إلى الإسلام.
وفي صحيح مسلم في بداية الحديث يقول عبد الله بن عباس: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم. هو يشير إلى هذه القصة التي صلَّى فيها رسول الله ﷺ صلاة الصبح.
وأما حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ : أنه أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، فهو قصة أخرى، كما جاء في الصحيح.
стр. 7598
• عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل قال: فبتنا بعكر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله! فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعى الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم". فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم".
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٠) عن محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر، فذكره.
وقال ابن مسعود: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، ووددت أني كنت معه. أخرجه مسلم أيضا من وجه آخر عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود.
وإلى هذه القصة يشير أبو هريرة أيضا كما في الصحيح.
• عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا أبو هريرة. فقال: "ابغني أحجارا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة" فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما".
صحيح: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٦٠) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة، فذكره.
والقصة وقعت بمكة، وأبو هريرة أسلم بعد الهجره سنة سبع، فقوله ﷺ : "وإنه أتاني وفد جن نصيبين" حكاية عن الماضي، وتكرار القصة بعيد، وإنْ قال به بعض أهل العلم.
وقوله: "نصيبين" هو بلدة مشهورة بالجزيرة، وقيل في الشام في حدود تركيا، وفيه تجوز، لأن الجزيرة تطلق على البلاد الواسعة بين الشام والعراق.
• عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقا من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك - يعني عبد الله - أنه آذنتْ بهم شجرة.
стр. 7599
متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٥٩) ومسلم في الصلاة (٤٥٠: ١٥٣) كلاهما عن عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مسعر، عن معن بن عبد الرحمن، قال: فذكره.
وقوله: "من آذن النبي ﷺ " أي: أعلمه بحضور الجن.
وقوله: "آذنت بهم شجرة" أي: إن الشجرة التي كانت بجانبه، وهي من معجزات النبي ﷺ ، كما ثبت في الصحيح قوله: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلِّم عليَّ" فإن الله جعل في الجماد نطقا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] والمعجزات من هذا القبيل كثيرة. كما ذكر في كتاب سيرة النبي ﷺ .
والكلام عن الجن واستماعهم القرآن مبسوط في كتاب بدء الخلق.
٢ - باب قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾
قوله: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: تعالت عظمته وجلاله وكماله.
وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ أي: لكمال عظمته وجلاله وغناه، وقد جاء في الصحيح.
• عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "قال الله: كذَّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة، أو ولدا".
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٤٨٢) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾
أي: الضر والنفع والرشد والهداية والنجاة كلها بيد الله ، وليس ذلك إلى أحد من الخلق حتى الرسول ﷺ ، مع كونه أحب الخلق إلى الله ، وقد جاء في الحديث.
• عن ابن عباس، قال: كنتُ خلفَ رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "يا غلام إنِّي أعلِّمُك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمَّة لو اجْتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعتِ الأقلام، وجُفَّت الصُّحف".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٥١٦) حدثنا أحمد بن محمد بن موسى، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ليث بن سعد وابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، ح. وحدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن، أخبرنا
стр. 7600
أبو الوليد، حدّثنا ليث بن سعد، حدّثني قيس بن الحجاج - المعنى واحد - عن حنش الصنعانيّ، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: "حسن صحيح".
قلت: إسناده حسن من أجل قيس بن الحجاج فإنه "صدوق"، والكلام عليه مبسوط في القدر.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بنى عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله ﷺ ! لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ! سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا".
متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٥٣)، ومسلم في الإيمان (٢٠٦) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾
المشركون كانوا يسألون رسول الله ﷺ فيقولون كما قال الله : ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [النمل: ٧١] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [لنازعات: ٤٢] فأمر الله نبيه ﷺ أن يقول لهم بأنه لا علم له بوقت الساعة، وأنه لا يدري أقريب وقتها أم بعيد، فالساعة وقتها من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله .
• عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتابه ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". قال: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: متى السّاعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها؛ إذا ولدت الأمةُ ربَّها، وإذا تطاول رُعاةُ الإبل البُهْم في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية، ثم أدبر فقال: "ردُّوه" فلم يروا شيئا، فقال: "هذا جبريل جاء يعلمُ الناس دينهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن إبراهيم ابن عُليّة، عن أبي حيّان التيميّ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره، ولفظهما سواء.
стр. 7601
٧٣ - تفسير سورة المزمل وهي مكية، وعدد آياتها ٢٠
١ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قال بعض أهل العلم: كان هذا الخطاب للنبي ﷺ في أول الوحي، قبل أن يؤمر بتبليغ الرسالة.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾.
• عن سعد بن هشام بن عامر أنه أراد أن يغزُوَ في سبيل الله، فَقَدِم المدينة، وأراد أن يبيع عقارًا بها، فيجعله في السلاح والكُراع، ويُجاهد الرُّوم حتى يموتَ، فلما قدِم المدينة لَقِيَ أُناسًا من أهل المدينة، فنَهوه عن ذلك، وأخبروه أن رَهْطًا سِتَّةً أرادوا ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، فنهاهم رسولُ الله ﷺ ، وقال: أليس لكم فيَّ أسوةٌ؟ فلما حدَّثوه بذلك راجع امرأته - وقد كان طلَّقها - وأشهد على رَجْعَتِها فأتى ابن عباسٍ، فسأله عن وِتْر رسول الله ﷺ ؟ فقال ابنُ عباسٍ: ألا أدُلُّك على من هو أعلم أهل الأرض بوتر رسولِ الله ﷺ ؟ قال: من؟ قال: عائشة، فَأُتِها فسَلْها، ثم ائْتِني فَأَخبرني بردِّها عليك. قال: فانطلقتُ إليها، فأتيتُ على حكيم بن أفْلحَ، فاسْتَلْحَقْتُه إليها، فقال: ما أنا بقارِبِها، لأني نهيتُها أن تقولَ في هاتين الشِّيعَتَين شيئًا، فأبَتْ فيهما إلا مُضيًّا، قال: فأقسمتُ عليه فجاء، فانطلقنا إلى عائشةَ، فاستأذَنَّا عليها، فأذِنَت لنا، فدخلنا عليها، فقالتْ: حكيمٌ؟ فَعَرَفَتْه، فقال: نعم، فقالت: مَنْ معك؟ قال: سعدُ بنُ هشام. قالت: مَنْ هشام؟ قال: ابنُ عامر، فترّحَمتْ عليه، وقالت خيرًا - قال قتادة: وكان أصيبَ يوم أُحُدٍ - فقلت: يا أمَّ المؤمنين! أنبئيني عن خُلُق رسول الله ﷺ ، قالت: ألسْتَ تقرأ القرآنَ؟ قلت: بلى. قالت: فإن خُلُقَ نبيِّ الله ﷺ كان القرآنَ. قال: فهَمَمْتُ أن أقومَ، ولا أسألَ أحدًا عن شيء حتى أموتَ، ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ فقالت: ألستَ تقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض القيام في أوّل هذه السّورة، فقام نبي الله ﷺ -
стр. 7602
وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بَعْدَ فريضةٍ، قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وِتْرِ رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نُعِدُّ له سِواكَه، وطَهورَه، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثَه من الليل، فيتسوَّك ويتوضأ، ويصلِّي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكُر الله ويحمدُه ويَدْعوه، ثم ينهض ولا يسلِّم، ثم يقومُ فيصلِّي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمدُه ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلِّي ركعتين بعد ما يسلِّمُ وهو قاعد، فتلك إحدى عشرَةَ ركعةً يا بُنيَّ! فلما أسَنَّ رسولُ الله ﷺ ، وأخذه اللحمُ، أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسعٌ يا بنيّ! وكان نبيُّ الله ﷺ إذا صلَّى صلاةً أحبَّ أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نومٌ أو وَجَع عن قيام الليل صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبيّ الله ﷺ قرأ القرآن كلَّه في ليلة، ولا صلَّى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غَير شهر رمضان، قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدَّثْتُه بحديثها، فقال: صَدقَتْ، ولو كنتُ أقْرَبُها، أو أدخلُ عليها، لأتيتُها حتى تُشافِهَني به، قال: قلت: لو علمتُ أنك لا تدخلُ عليها ما حدَّثْتُك حديثها.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤٦) عن محمد بن المثنى العنزي، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن زُرارة، أن سعد بن هشام بن عامر أراد، فذكره.
• عن ابن عباس قال: لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أولها وآخرها سنة.
حسن: رواه أبو داود (١٣٠٥) والحاكم (٢/ ٥٠٥) والبيهقي (٢/ ٥٠٠) كلهم من طرق عن مسعر، عن سماك الحنفي، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل سماك الحنفي، فإنه حسن الحديث.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ قراءة بيّنة غير مسرعٍ، وقد جاء في الصحيح:
• عن قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كانتْ مدًّا مدًّا، ثم قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمدّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ ويمد ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ويمد ﴿الرَّحِيمِ﴾.
صحيح: رواه البخاري في فضائل القرآن (٥٠٤٦) عن عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة قال: فذكره.
стр. 7603
• عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة فقال: هَذًّا كهذّ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يَقْرِنُ بينهن. فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٧٧٥) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٨٢٢) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "يقال لصاحب القرآن: أقْرَأْ وَارْقَ، ورتِّل كما كنت ترتِّلُ في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها".
حسن: رواه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٣١٤١)، وأحمد (٦٧٩٩)، وصحَّحه ابن حبان (٧٦٦)، والحاكم (١/ ٥٥٢) كلهم من طرق عن سفيان (هو الثوري)، حدثني عاصم بن بهدلة، عن زِرّ، عن عبد الله بن عمرو، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة، فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
٢ - باب قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾
أي: نوحي إليك هذا القرآن العظيم، ونزول الوحي كان يثقل على النبي ﷺ حتى إنه كان يتحدر منه العرق في يوم شات، كما جاء في الصحيح.
• عن عائشة أمِّ المؤمنين أنّ الحارث بن هشام سأل رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال: "أحيانا يأتيني مثل صلْصلة الجرس وهو أشدّه عليَّ، فيفصمُ عنّي وقد وعَيتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثّلُ لي الملك رجلًا فيكلمني فأعِي ما يقول".
قالت عائشةُ: ولقد رأيتُه ينزل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد فيَفْصِم عنه، وإنّ جبينه ليتفصَّد عرقًا.
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٧) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرتْه. ورواه البخاريّ في كتاب بدء الوحي (٢) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الفضائل (٢٣٣٣) من أوجه أخرى عن هشام بن عروة به نحوه، وقول عائشة فيه: "إن كان لينزل على رسول الله ﷺ في الغداة الباردة، ثم تفيض جبهته عرقًا".
• عن عائشة في حديث الإفك الطّويل قالت: والله يعلمُ أنى بريئةٌ، وأنّ الله مبرِّئي
стр. 7604
ببراءتي، ولكن واللهِ! ما كنتُ أظنُّ أنّ الله منزلٌ في شأني وحْيًا يُتلى، لشأني في نفسي كان أحقرَ من أن يتكلّم اللهُ فيَّ بأمْرٍ، ولكن كنتُ أرجو أن يرى رسولُ الله ﷺ في النّوم رؤيا يبرئني الله بها، فواللهِ! ما رام رسولُ ﷺ مجلسَه ولا خرج أحدٌ من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء حتى إنّه ليتحدَّرُ منه من العرق مثل الجمان، وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤١٤١)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزّبير وسعيد بن المسيب وعلقمه بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة، فذكرته في قصة الإفك.
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، وهي مذكورة في كتاب الوحي.
والصحيح من أقوال أهل العلم أن نزول هذه الآيات من سورة المزمل كان بعد فترة انقطاع الوحي.
٣ - باب قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾
ناشئة من النشئ وهو الإيجاد، والمراد منه الصلاة الناشئة التي ينشئها المصلي في الليل، وإذا كان بعد نوم فمعنى النشئ فيها أقوى.
وقال ابن عباس: صلاة الليل كلها ناشئة.
وقوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ بفتح الواو، وسكون الطاء، أي أشد على المصلي، وأثقل من صلاة النهار لأن الليل للنوم والراحة.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو: ﴿وَطْئًا﴾ بكسر الواو ممدودا بمعنى المواطأة والموافقة، وذلك أن مواطأة القلب والسمع والبصر واللسان بالليل تكون أكثر مما يكون بالنهار. ذكره البغوي في تفسيره (٤/ ٤٩٣).
وقال: عبادة الليل أشد نشاطا، وألم إصلاحا، وأكثر بركة، وأبلغ في الثواب من عبادة النهار.
وقوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ أي تصرفا وتقلبا وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك.
وأصل "السبح" سرعة الذهاب، ومنه السباحة في الماء، ولذا فصلِّ في الليل.
٤ - باب قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾
قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي: بالتوحيد والتعظيم.
وقوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: انقطع إليه، وتفرغ لعبادته وأخلص له فيها.
وأما التبتل بمعنى ترك النكاح والإعراض عن الزواج والانقطاع عن النساء فليس ذلك من سنن الأنبياء وشرائعهم.
стр. 7605
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، وقد جاء التحذير من ترك النكاح في الأحاديث والآثار، منها:
• عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان من ترك النساء بعث إليه رسول الله ﷺ فقال: "يا عثمان! إني لم أومر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟ " قال: لا، يا رسول الله! قال: "إن من سنتي أن أصلي وأنام، وأصوم وأطعم، وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان! إن لأهلك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا".
قال سعد: فوالله! لقد كان أجمع رجال من المسلمين على أن رسول الله ﷺ إن هو أقرَّ عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل.
حسن: رواه الدارمي (٢٢١٥) عن محمد بن يزيد الحزامي، حدثنا يونس بن بكير، حدثني ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرّح بالتحديث.
• عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أما أنا فاصلي الليل أبدا. وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله! إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
متفق عليه: رواه البخاري في النكاح (٥٠٦٣) عن طريق حميد بن أبي حُميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك يقول، فذكره. واللفظ له.
ورواه مسلم في النكاح (١٤٠١) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس به بمعناه.
• عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن التبتل.
صحيح. رواه الترمذي (١٠٨٢) وابن ماجه (١٨٤٩) والنسائي (٣٢١٤) وأحمد (٢٠١٩٢) كلهم من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، فذكره. وإسناده صحيح.
والحسن سمع من سمرة، كما هو موضح في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
٥ - باب قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
стр. 7606
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾
قوله: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ أي: أمر الله بالإنفاق، وهو يشمل الإنفاق الواجب والمستحب، والله يعطي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] ومال الإنسان في هذه الدنيا هو ما قدَّمه منه لآخرته دون ما أخره للورثة، كما جاء في الصحيح.
• عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ " قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: "فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر".
صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٤٢) عن عمر بن حفص، حدثني أبي، حدثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره.
стр. 7607
٧٤ - تفسير سورة المدثر وهي مكية، وعدد آياتها ٥٦
١ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾
• عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدّث عن فترة الوحي: "فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السّماء، فرفعتُ بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زمِّلوني زمِّلوني، فزمَّلوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاهْجُرْ﴾ - قال أبو سلمة: والرجز الأوثان -، ثم حمي الوحي وتتابع".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٢٦)، ومسلم في الإيمان (١٦١: ٢٥٦) كلاهما من طريق اللّيث، حدثني عُقيل بن خالد، عن الزهري، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، يقول: أخبرني جابر بن عبد الله، فذكره.
واللّفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه كاملا بهذا الإسناد، وإنما ذكر بعضه، وأحال بعضه على إسناد قبله.
• عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن، عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة، فقلت: دثِّروني، وصُبّوا عليَّ ماء باردا، قال: فدثَّروني وصَبُّوا عليَّ ماء باردا، قال: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٢٢) عن يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، فذكره.
ورواه مسلم في الإيمان (١٦١: ٢٥٧) من وجه آخر عن يحيى بن أبي كثير به نحوه.
стр. 7608
قوله: "أول ما نزل من القرآن" يعني بعد فترة الوحي كما جاء التصريح في الصحيحين أيضا، وفي رواية عندهما أيضا: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت: زمّلوني، زمّلوني". وهذا يقتضي أنه جبريل نزل بالوحي قبل هذا، وهو ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
٢ - باب قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾
قوله: ﴿النَّاقُورِ﴾ أي: الصور وهو على هيئة القرن، وقد وُكِّل به ملك، وقد التقمه منذ وُكِّلَ به، وهو ينتظر أمر الله للنفخ فيه، كما جاء في الحديث.
• عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم، وحنا جبهته ينتظر متى يؤمر أن ينفخ". قيل: قلنا: يا رسول الله! ما نقول يومئذ؟ قال: قولوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا".
صحيح: رواه أبو يعلى (١٠٨٤) وصحَّحه ابن حبان (٨٢٣) كلاهما من حديث عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن طَرْف صاحب الصّور مذ وُكِّل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتدّ إليه طرْفه، كأنّ عينيه كوكبان درّيان".
حسن: رواه الحاكم (٤/ ٥٥٨، ٥٥٩) من طريق محمد بن هشام بن ملاس النّمريّ، عن مروان بن معاوية الفزاريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصمّ، ثنا يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن فإنّ محمد بن هشام بن ملاس النّمري الدّمشقيّ صدوق، وقد حسَّنه أيضا الحافظ في "الفتح" (١١/ ٣٦٨). وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان.
٣ - باب قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾
قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ هو الوليد بن المغيرة. قال صاحب البحر المحيط: لا خلاف أنها نزلت في الوليد بن المغيرة.
• عن ابن عباس قال: إن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم! إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا، قال: لِمَ؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله قال: قد علمت قريش إني من أكثرها مالا، قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك إنك منكر له أو إنك كاره له. قال: وماذا أقول؟ فوالله! ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجز ولا
стр. 7609
بقصيدة مني ولا بأشعار الجن، والله! ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته قال: لا يرضى عنك دومك حتى تقول فيه، قال: فدعْني حتى أفكّر، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.
صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٥٠٦، ٥٠٧) وعنه البيهقي في الشعب (١٣٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط البخاري".
والحديث في مصنف عبد الرزاق (٣٣٨٣) عن معمر، عن رجل، عن عكرمة أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ ، فذكره.
وفيه ملاحظتان:
الأولى: لم يسمّ معمر شيخه. والثانية: رواه عكرمة مرسلا لم يذكر ابن عباس.
ولعل هذا راجع إلى اختلاف الرواة عن عبد الرزاق، فمن روى عن إسحاق بن إبراهيم وهو الدبري، عن عبد الرزاق فجعل شيخ معمر "أيوب السختياني" كما جعل الحديث متصلا بذكر ابن عباس.
وقد أكّد البيهقي بعد رواية الحديث: "هكذا حدثناه موصولا ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا".
وذكره أيضا الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ١٥٢) عن عبد الرزاق موصولا إلا أنه جعل إسحاق هو ابن راهويه.
وذكر البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٩٩ - ٢٠١) من وجه آخر أتم من هذا، وفي إسناده مقال.
٤ - باب قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾
هؤلاء التسعة عشر هم خزنة جهنم العظام، ومعهم من الملائكة عدد لا يحصيهم إلا الله ، ولذلك عقَّب بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ وقد جاء في الصحيح.
• عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون
стр. 7610
ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الجنة (٢٨٤٢) عن عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن
• * *
٧٥ - تفسير سورة القيامة وهي مكية، وعدد آياتها ٤٠
١ - باب قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾
• عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يُعْرَفُ منه، فأنزل الله الآية التي في ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: علينا أن نجمعه في صدرك، وقرآنه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذا أنزلناه فاستمع، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، علينا أن نبينه بلسانك قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٢٩) ومسلم في الصلاة (٤٤٨) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. واللفظ للبخاري.
• عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قال: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدّة، وكان يحرّك شفتيه، فقال لي ابن عباس: فأنا أحرّكهما لك كما كان رسولُ الله ﷺ يحرّكهما. فقال سعيد: أنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فأنزل الله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قال: جمعه في صدرك ثم تقرؤه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قال: فاستمع له وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل ﵇ -
стр. 7611
استَمَعَ، فإذا انطلق جبريل قرأه النبيّ ﷺ كما أقرأه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٢٤)، ومسلم في الصّلاة (٤٤٨: ١٤٨) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا نزل القرآن عليه يعجل بقراءته ليحفظه، فأنزل الله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾.
صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١٥٧٢) وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٤٩٧، ٤٩٦) كلاهما من طرق عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وزاد ابن جرير: وقال ابن عباس: هكذا، وحرَّك شفتيه.
هذه الآية تدل على أن النبي ﷺ لم يكن في حاجة إلى تكرار آيات القرآن للحفظ كما هو معهود، بل الله تعالى تولى تحفيظه، وهي من إحدى المعجزات الكبرى للنبي ﷺ .
وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: إن الله تعالى جمع القرآن في صدر النبي ﷺ أولا، ثم جمع الصحابة في الصحائف والجلود بأمر النبي ﷺ ، وبذلك تحقق قول الله : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ انظر تفصيل ذلك في أول التفسير.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: إن الله هو الذي تولى بيان معاني القرآن، وألهمه إلى النبي ﷺ ، فالسنة هي إحدى نوعي الوحي إلا أنها غير متلو.
٢ - باب قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾
أي: ينظرون إلى الله ويرونه سبحانه عيانا، وقد جاء في الصحيح:
• عن أبي هريرة، أنّ النّاس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "هل تضارُّون في القمر ليلة البدر؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: "فهل تضارّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: "فإنّكم ترونه كذلك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٠٦)، وفي الرّقاق (٦٥٧٣)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث أبي اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد اللّيثيّ، أنّ أبا هريرة أخبرهما، فذكر الحديث بطوله.
وفي هذه المعنى أحاديث أخرى كثيرة، وهي مذكورة في كتاب الإيمان.
٣ - باب قوله: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾
قوله: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ التراقي جمع ترقوة، وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق، وهذا
стр. 7612
إخبار عن حالة الاحتضار وقرب وقت الوفاة، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]، وقد جاء في الحديث.
• عن بسر بن جحاش القرشي أن النبي ﷺ بزق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه ثم قال: "قال الله: ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟ ".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٧٠٧) وأحمد (١٧٨٤٢) واللفظ له، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٥٠٢) كلهم من طرق عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن حجاش القرشي، قال: فذكره.
وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي الحمصي وثَّقه ابن حبان والعجلي، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. وصحّحه ابن حجر في الإصابة (٦ ٤٤).
٤ - باب قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾
هذا وعيد على وعيد من الله لأبي جهل، وهي كلمة موضوعة للتهديد والوعيد.
• عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قول الله : ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ أشيء قاله رسول الله ﷺ أم شيء أنزل الله؟ قال: قاله رسول الله ﷺ ، ثم أنزله الله.
صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١٥٧٤) والطبراني في الكبير (١١/ ٤٥٨) وصحَّحه الحاكم (٢/ ٥١٠) كلهم من طرق عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٣٢): "رواه الطبراني ورجاله ثقات".
ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٣٤١٧) وابن أبي حاتم في تفسيره (١٩٠٦٩) كلاهما من طريق إسرائيل، ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٢٥) من طريق سفيان الثوري، كلاهما (إسرائيل والثوري) عن موسى بن أبي عائشة، قال: سألت سعيد بن جبير، فذكره من قوله مرسلا، ولم يذكر ابن عباس، والحكم لمن وصله.
стр. 7613
٧٦ - تفسير سورة الإنسان وهي مكية، وعدد آياتها ٣١
١ - باب استحباب قراءة سورة الإنسان في صلاة الفجر يوم الجمعة
• عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٨٩١)، ومسلم في الجمعة (٨٨٠) كلاهما من طريق سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن - هو ابن هرمز -، عن أبي هريرة، فذكره.
واللفظ للبخاري، وعند مسلم: كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة ... الحديث.
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان، عن سفيان، عن مخول بن راشد، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
٢ - باب قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾
قوله: ﴿نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، وماء الرجل يكون غليظا أبيض، وماء المرأة يكون رقيقا أصفر، وقد جاء في الصحيح.
• عن أم سليم أنها سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل". قالت أم سليم: واستحييت من ذلك. قالت: وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله ﷺ : "نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه".
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣١١) عن عباس بن الوليد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن أنس بن مالك، حدثهم عن أم سليم، فذكرته.
• عن عائشة أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ : هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: "نعم". فقالت لها عائشة: تربت يداك وأُلَّتْ. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل
стр. 7614
أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه".
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣١٤: ٣٣) من طرق عن ابن أبي زائدة، من أبيه، عن مصعب بن شيبة، عن مسافع بن عبد الله، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
قوله: "أشبه الولد أخواله" ليس المراد من الشبه شبهُ الوجه فقط، بل الشبه عام، فقد يكون في الوجه، وقد يكون في الأعضاء الأخرى كالقدم، واليد، والأنف، والعين، وقد يكون في اللون، والطول، والقصر وغيرها.
• عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لِمَ تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله. فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله ﷺ : "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي". فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ : "أينفعك شيء إن حدثتك؟ ". قال: أسمع بأذنَيَّ، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه. فقال: "سل". فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ : "هم في الظلمة دون الجسر". قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: "فقراء المهاجرين". قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون" قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا". قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهلِ الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: "ينفعك إن حدثتك؟ ". قال: أسمع بأذنيَّ. قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: "ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله". قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به".
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣١٥) عن الحسن بن علي الحلواني، حدثنا أبو توبة - وهو الربيع بن نافع -، حدثنا معاوية - يعني ابن سلام -، عن زيد - يعني أخاه -، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني أبو أسماء الرحبى، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، حدَّثَه، قال: فذكره.
стр. 7615
٣ - باب قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾
أي: إن الله بَيَّنَ له الطريق وما يؤدي إليه ذلك الطريق بيانا واضحا، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [لبلد: ١٠] أي: بَيَّنَا له طريق الخير والشكر وطريق الشر والكفر، فمنهم من سلك هذا الطريق، ومنهم من سلك ذاك الطريق، فانقسم الناس إلى شاكر لنعمة الله تعالى وقائم بحقوقه سبحانه، وإلى كافر لنعمة الله تعالى فلم يقم بحقه سبحانه بل كفر به وسلك الطريق الموصل إلى الهلاك، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقد جاء في الحديث.
• عن أبي مالك الأشعريّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "الطّهور شطر الايمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض، والصّلاة نور، والصّدقة برهان، والصّبر ضياء، والقرآن حجّة لك أو عليك، كلّ النّاس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها".
صحيح: رواه مسلم في الطّهارة (٢٢٣) عن إسحاق بن منصور، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنّ زيدًا حدّثه، أنّ أبا سلّام حدّثه، عن أبي مالك الأشعريّ، فذكره.
• عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: "يا كعب بن عجرة! الصوم جُنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان - أو قال: برهان - إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب بن عجرة! الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
حسن: رواه أحمد (١٤٤٤١) وعبد الرزاق (٢٠٧١٩) والبزار - كشف الأستار (١٦٠٩) وصحَّحه ابن حبان (٤٥١٤)، والحاكم (٤/ ٤٢٢) كلهم من طريق معمر، عن ابن خُثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، فذكره في حديث طويل.
وإسناده حسن من أجل ابن خُثيم، وهو عبد الله بن عثمان بن خُثيم - مصغرا - القاري المكي، فإنه حسن الحديث.
٤ - باب قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧﴾
قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ أي: يوفون بما ألزموا به أنفسهم من الطاعات، وقد جاء في الصحيح.
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
صحيح: رواه مالك في النذور والأيمان (٨) عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن
стр. 7616
محمد بن الصديق، عن عائشة، فذكرته.
ورواه البخاري في الأيمان والنذور (٦٧٠٠) من طريق مالك به.
٥ - باب قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾
أي: إنهم يطعمون الطعام مع حبهم إياه، وكذلك ينفقون ما ينفقون في سبيل الله ابتغاء وجه الله ، مع حاجتهم إليه ومحبتهم له، وقد جاء في الصحيح.
• عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يضيِّفه هذه الليلة، يرحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ ، لا تدخريه شيئا. قالت: والله! ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالى، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ ، فقال: "لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة" فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٩)، ومسلم في الأشربة (٢٠٥٤) كلاهما من طريق فضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
وفي رواية عند الإمام مسلم: "فقام رجل من الأنصار، يقال له: أبو طلحة".
• عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: "أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان".
متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤١٩) ومسلم في الزكاة (١٠٣٢: ٩٣) كلاهما من طريق عبد الواحد، حدثنا عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ حديث قبله.
• عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله! إني إذا رأيتك طابَتْ نفسِي وقرَّتْ عَيني، فأنْبِئني عن كل شيء. فقال: "كل شيء خُلق من ماء" قال: قلت: أنْبئْني عن أمر إذا أخذتُ به دخلتُ الجنةَ. قال: "أفْشِ السلامَ، وأَطْعِم الطعامَ، وصِلِ الأَرْحَام،
стр. 7617
وقُم بالليلِ والناسُ نِيام، ثم ادخُلِ الجنّةَ بسلامٍ".
صحيح: رواه أحمد (٧٩٣٢) وصحَّحه ابن حبان (٥٠٨)، والحاكم (٤/ ١٦٠) كلهم من طريق هَمَّام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، فذكره.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وهو كما قال.
• * *
٧٧ - تفسير سورة المرسلات وهي مكية، وعدد آياتها ٥٠
• عن عبد الله بن مسعود قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ في غار إذ نزلت عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، فتلقيناها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ خرجت حية، فقال رسول الله ﷺ : "عليكم اقتلوها" قال: فابتدرناها فسبقتنا، قال: فقال: "وُقِيَتْ شَرَّكم كما وُقِيْتُم شرَّها".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٣١) ومسلم في السلام (٢٢٣٤) كلاهما من حديث قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: قال عبد الله بن مسعود: فذكره.
واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على إسناد قبله، وزاد البخاري (٤٩٣٤) في رواية من وجه آخر عن الأعمش به: "في غار بمنى".
• عن ابن عباس قال: إن أم الفضل بنت الحارث سمعتْه وهو يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فقالت: يا بنيَّ! لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب.
متفق عليه: رواه مالك في الصلاة (٢٤) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: فذكره.
ورواه البخاري في الأذان (٧٦٣) ومسلم في الصلاة (٤٦٢) كلاهما من طريق مالك به.
ورواه البخاري في المغازي (٤٤٢٩) ومسلم كلاهما من طرق عن الزهري من غير حديث مالك، وفيه: "ثم ما صلَّى لنا بعدها حتى قبضه الله".
стр. 7618
والكلام على ذلك مبسوط في كتاب الصلاة.
١ - باب قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥)﴾
أقسم الله تعالى في هذه الآيات الكريمة على البعث بعد الموت للحساب والجزاء حسب الأعمال بالمرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات، والمراد بها الملائكة الذين يرسلهم الله تعالى لتنفيذ ما يأمرهم به من الأمور المتعلقة بالكون، ولإيصال ما يرسلهم به من الوحي إلى الأنبياء والمرسلين ونحو ذلك من الأعمال والمهام، وهذا المعنى روي عن أبي هريرة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم.
والمعنى الآخر أن المراد بها الرياح بأصنافها المختلفة، فالمرسلات: هي الرياح التي أرسلت متتابعة. والعاصفات: هي الرياح الشديدة الهبوب. والناشرات: هي الرياح اللينة، والفارقات: هي التي تفرق السحاب وتبدده. وهذا المعنى نقل عن مجاهد وقتادة والحسن وغيرهم من السلف، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ أي: الملائكة التي تنزل بأمر الله ووحيه على الأنبياء والمرسلين، وتلقي إليهم الوحي الذي يكون فيه ذكر وإعذار إلى الخلق، ويكون فيه إنذار لهم إن خالفوا أمر الله .
٢ - باب قوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾
يؤمر المكذبون يوم القيامة بالذهاب إلى جهنم، ويكون النار فيها بأحوالها الثلاث: الدخان والشرر واللهب، وهذا غاية أوصاف النار إذا اضطرمت واشتدت، وهذا الدخان لا يكون ظليلا في نفسه، ولا يقيهم من حر اللهب، وشررها يتطاير كالقصر، وهو البناء العظيم، مثل الحصون وغيرها. وفي تفسير هذه الآيات أقوال أخرى، ومنها ما جاء عن ابن عباس.
• عن ابن عباس: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ﴾ كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع أو فوق ذلك، فنرفعه للشتاء، فنسميه القصر، ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ حبال السُّفُن، تُجْمَع حتى تكون كأوساط الرجال.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٣٣) عن عمرو بن علي، حدثنا يحيى، أخبرنا سفيان، حدثني عبد الرحمن بن عابس، سمعت ابن عباس، فذكره.
• * *
стр. 7619
٧٨ - تفسير سورة النبأ وهي مكية، وعدد آياتها ٤٠
١ - باب قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾
قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أصله: عن ما، فأدغمت النون في الميم، وحُذِفَتْ ألف "ما" كقوله: فِيْمَ، وبِمَ.
لما دعا النبي ﷺ قومه إلى التوحيد، وأخبرهم عن البعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون فيما بينهم: ما هذا النبأ العظيم الذي يخبر به محمد وهو البعث. لأنهم كانوا مختلفين في البعث بعد الموت، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فإن من المشركين مَن كانوا يؤمنون بالبعث ولكنهم كانوا يقولون: إن أصنامهم وأوثانهم يشفعون لهم يوم القيامة، ومنهم المنكرون للبعث أصلا، وكانوا يقولون: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].
ثم سورة النبأ غالبها تتحدث عم يكون يوم القيامة من نفخ الصور، ودخول الجنة والنار، وصفة كل منهما، وهي قرينة صريحة واضحة بأن المراد بالنبأ العظيم هو البعث بعد الموت.
ولذا أكَّد الله تعالى في قوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أي: عند قيام الساعة.
٢ - باب قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾
قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أوتاد جمع وتد، وهو الثبوت، يقال: وَتَدَ يَتِدُ وَتْدًا أي: ثبت. وأوتاد الأرض ما يجعل الأرض لا تميل، ولا تخرج عن مدارها، وإنما تتحرك في مستقرها، ومنه أوتاد البلاد، أي: رؤساؤهم الذين يُسَيِّرون أمور العامة.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ أي: منقطعا عن الحركة، فإن معنى السبات: القطع، ليرتاح الجسم من عناء العمل.
٣ - باب قوله: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ والسراج هنا هو الشمس، ومعنى الوهاج: الذي يجمع النور والحرارة، وهو من الوهج، ومعناه حصول الضوء والحر من النار.
وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ أي: الرياح ذوات الأعاصير التي تجر السحاب فتمطر في مكان، ولا تمطر في مكان.
стр. 7620
وثجاجا، أي: كثيرا.
٤ - باب قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨)﴾
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "بين النفختين أربعون" قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يومًا؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. "ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل" قال: "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عجْبُ الذَنَب، ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٣٥)، ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٥٥) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره، واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه.
تنبيه: رواه البخاري عن شيخه محمد، ولم ينسبه، وهو محمد بن سلام بن الفرج السلمي مولاهم البيكندي، وأما مسلم فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء بن كريب.
٥ - باب قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾
قوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ أي: فوزا ونجاة من النار.
قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ كواعب واحدها كاعب، وهي الجواري قد تكعبت ثُديُّهن، ﴿أَتْرَابًا﴾ أي: مستويات في السن.
٦ - باب قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾
قوله: ﴿يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ الروح هو: روح القدس، أي: جبريل ﵇، أفرد ذكره عن الملائكة لعظم شأنه.
وقيل: أرواح بني آدم والجن، ليصفَّ جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة أمام الله متواضعين خاشعين يوم القيامة.
٧ - باب قوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾
قوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ يتمنى الكافر يوم القيامة لما يلقى من العذاب فيقول: يا ليتني كنت ترابا ولم أُخْلق، ولم أُخرج إلى الوجود.
وقيل: إنما يود ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابا. فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي
стр. 7621
كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: كنت حيوانا فأرجع إلى التراب.
روي عن أبي هريرة قال: إن الله يحشر الخلق كلهم، كل دابة وطائر وإنسان، يقول للبهائم والطير والدواب: كونوا ترابا. فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.
رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٨٦) وابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٥٥) كلاهما من حديث معمر، قال: وحدثني جعفر بن بُرقان الجزري، عن بُديل بن الأصم، عن أبي هريرة، فذكره.
وروي نحوه مرفوعا في حديث طويل في حديث الصور المشهور عن أبي هريرة، رواه الطبراني في الطوالات (٣٦) والبيهقي في البعث والنشور (٦٦٩) وفي إسناده إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وهو ضعيف جدا، وفي ألفاظه غرابة ونكارة.
قال الحافظ ابن كثير: "ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك". [تفسير سورة الأنعام: ٧٣]
• * *
٧٩ - تفسير سورة النازعات وهي مكية، وعدد آياتها ٤٦
١ - باب قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾
قوله - ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ هي الملائكة التي تنزع نفوس بني آدم، وهو قول أكثر المفسرين.
وقوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ قال ابن عباس: هي نفس المؤمن تنشط للخروج عند الموت، لما يرى من الكرامة، لأنه تعرض عليه الجنة قبل أن يموت.
وقوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ قيل: هي النجوم والشمس والقمر تسبح في السماء، كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
وقوله: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ قيل: هي الخيل.
وقوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ قيل: هم الملائكة وُكِّلوا بتسيير أمور الدنيا من بداية الخلق إلى نهايته، وهو
стр. 7622
النفخ في الصور.
أقسم الله بهذه المخلوقات، وحذف جواب الشرط لتحقق وقوعه وهو الحساب يوم يبعثون بدلالة الآيات التي بعدها ولكن قال النحويون: لا يجوز حذف اللام في جواب اليمين، لأنها إذا حذفت لم يعرف موضعها.
قال ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٦٨): "والصواب من القول في ذلك عندنا أن جواب القسم في هذا الموضع مما استغني عنه بدلالة الكلام، فترك ذكره".
وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ هي النفخة الأولى، ويموت منها جميع الخلائق من في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ وهي النفخة الثانية، يحيى منها جميع الخلائق.
وهما الصيحتان، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
• عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه".
حسن: رواه أحمد (٢١٢٤١) عن وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، فذكره.
ورواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٦٧) عن كريب، قال: حدثنا وكيع، بإسناده، وقال فيه: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ فقال: "جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه".
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل، فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٧) من طريق وكيع، وزاد في أول الحديث: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" وكذا رواه أيضا الحاكم (٤/ ٣٠٨) من حديث عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان. فلم يتفرد وكيع بهذه الزيادة كما قال أبو نعيم.
ورواه الترمذي (٢٤٥٧) والحاكم (٢/ ٤٢١) من حديث قبيصة بن عقبة، عن سفيان، وجاء فيه: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل، قام فقال: "يا أيها الناس! اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه " قال أُبَي: قلت: يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت" قال: قلت: الربع؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك" قال: قلت: فالثلثين؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك" قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذا تُكْفى همُّك، ويُغفَر لك ذنبك".
قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وفي نسخة: "حسن صحيح".
стр. 7623
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
يظهر من هذا أن أبي بن كعب كان يُجَزِّئُ هذا الحديث، فيروي مرة جزءا، وأخرى جزءا، فجمعها قبيصة عن سفيان، ورواه غيره مجزءا، وليس فيه شيء منكر وغريب.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ أي: أئنا لنحيا بعد موتنا، ونبعث من مكاننا هذا؟ وهي شبهة جميع المشركين والمعاندين، ويرون أنه شيء مستحيل، ولكنهم نسوا قدرة الله تعالى الذي خلقهم من عدم، وإن الخلقة الثانية أهون من الخلقة الأولى.
﴿الْحَافِرَةِ﴾: أول الحال وابتداء الأمر، تقول العرب: رجع فلان في حافرته، أي: رجع من حيث جاء.
وقوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ أي: بالية.
﴿قَالُوا﴾ أي: المنكرين ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ رجعة خائبة، يعني: إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت من العذاب.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ أي: على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها، وذلك بعد النفخة الأخيرة، في قوله: أي: صيحة واحدة، وهو النفخ في الصور.
٢ - باب قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾
عقوبة الآخرة على كلمته، وهي قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وعقوبة الأولى على كلمته وهي قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، فأخذه الله بكلمتيه كلتيهما، فجعل نكال الآخرة العذاب بالنار، وجعل نكال الأولى الغرق في الدنيا، وقدَّم نكال الآخرة لشدتها وخلودها، وأخَّر نكال الأولى لخفتها.
وجرائم فرعون كثيرة، لكن دعواه للربوبية في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أشد جرما من غيرها، فإن الله تعالى له الربوبية المطلقة، وهو غني عن الندّ والنظير والشريك، ولا يرضى أن يشرك به، ولا يغفره قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
٣ - باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾
قوله: ﴿مُرْسَاهَا﴾ أي: قيامها مثل قيام العدل وقيام الحق، أي: يسألونك يا محمد، هؤلاء المكذبون بالبعث عن الساعة التي يبعث فيها الموتى من قبورهم، فليس عليك بيان ذلك، وإنما علمها عند الله،
стр. 7624
وما أنت إلا منذر، يوضح ذلك الحديث الآتي:
• عن عائشة قالت: لم يزل النبي ﷺ يسأل عن الساعة، حتى أنزل الله : ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ يعني علمها عند الله.
صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٢٢٧٩) وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٩٩) والحاكم (٢/ ٥١٣) كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه فإن ابن عيينة كان يرسله بآخره".
قلت: الرواية المرسلة هذه رواها عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٩٠، ٣٩١) عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: "لم يزل النبي ﷺ يسأل عن الساعة حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ فانتهى عن المسألة عنها".
ولكن الحكم لمن وصله. وخاصة الذين وصلوه من الثقات وهم الحميدي عبد الله بن الزبير كما عند الحاكم ويعقوب بن إبراهيم كما عند ابن جرير، إلا أن أبا زرعة رجّح المرسل كما في علل ابن أبي حاتم (١٦٩٣).
والضابط في مثل هذا إن كان الواصلون ضابطين ثقات ولو كانوا دون من أرسلهم يُحمل على أن الشيخ نفسه أسنده مرة، وأرسله أخرى، فالحكم لمن وصله، ثم وقفت على كلام الدارقطني في العلل (١٤/ ١٢٦) فقال: "ولعل ابن عيينة وصله مرة، وأرسله أخرى".
وأما كون الشيخين لم يخرجا هذا الحديث، فليس من أجل الاختلاف في الوصل والإرسال، وإنما من أجل الاختصار، فإنهما لم يلتزما بإخراج جميع ما صحَّ.
• عن طارق بن شهاب أن النبي ﷺ كان لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾.
صحيح: رواه النسائي في التفسير (١١٥٨١) وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ١٠٠) والطبراني في الكبير (٨/ ٣٨٧) كلهم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن طارق بن شهاب، فذكره.
وإسناده صحيح، وطارق بن شهاب من صغار الصحابة، الذين ثبتت رؤيتهم ولم تثبت روايتهم عن النبي ﷺ ، ومراسيل صغار الصحابة مقبولة عند المحدثين.
ثم أخبر النبي ﷺ بقرب قيام الساعة في الأحاديث الكثيرة، منها:
• عن سهل بن سعد قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بأصبعه هكذا، بالوسطى والتي تلي الإبهام: "بعثت والساعة كهاتين".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٣٦) عن أحمد بن المقدام، حدثنا الفضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل بن سعد، قال: فذكره.
стр. 7625
ورواه مسلم في الفتن (٢٩٥٠) من وجه آخر عن أبي حازم به نحوه.
• عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين".
متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٦٥٠٤) ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٥١: ١٣٤) كلاهما من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة وأبا التياح، يحدثان أنهما سمعا أنسا، يحدث: فذكره.
وزاد مسلم في روايته: "وقرن شعبة بين إصبعيه: المسبِّحة والوسطى، يحكيه"، وقال في رواية: "قال شعبة: وسمعت قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى، فلا أدري أذكره عن أنس، أو قاله قتادة".
• عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهاتين" قال: وضمَّ السبابة والوسطى.
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٥١: ١٣٥) عن أبي غسان المسمعي، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن معبد، عن أنس، قال: فذكره.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" يعني إصبعين.
صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٠٥) عن يحيى بن يوسف، أخبرنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ يعني الكفار الذين كذبوا بالبعث والنشور، فإذا قامت القيامة، وخرجوا من قبورهم فلشدة هولها يرون أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا وقتا قصيرا مثل العشية - وهي آخر النهار - أو ضحى تلك العشية.
• * *
стр. 7626
٨٠ - تفسير سورة عبس وهي مكية، وعدد آياتها ٤٣
١ - باب قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾
ذكر أن الأعمى الذي جاء ذكره في الآية هو ابن أم مكتوم، واسمه: عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي، والمشهور أن اسمه: عمرو، أسلم قديما في مكة، وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي ﷺ ، وقيل: بعده.
• عن عائشة قالت: أنزل في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: يا رسول الله! أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجل من المشركين، فجعل رسول الله ﷺ يُعرض عنه، ويُقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأسا؟ " فيقول: لا. ففي هذا أنزل. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
صحيح: رواه الترمذي (٣٣٣١) واللفظ له، وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ١٠٢) والحاكم (٢/ ٥١٤) كلهم من حديث سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه: عن عائشة".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، فقد أرسله جماعة عن هشام بن عروة".
قال الذهبي: "هكذا رواه يحيى بن سعيد الأموي مرفوعا عن هشام، وأرسله جماعة عن هشام وهو الصواب". انتهى.
قلت: وتابعه على رفعه عبد الله بن عمر الجعفي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن عروة بإسناده. رواه ابن حبان (٥٣٥) عن الحسن بن سفيان، قال: حدثنا عبد الله بن عمر الجعفي بإسناده.
وهذا إسناد صحيح، وهو يقوي الإسناد الأول.
وكذلك رواه أبو معاوية الضرير عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. رواه الدارقطني في العلل (١٤/ ١٧٥)
стр. 7627
إلا أنه رجح المرسل.
وأما المرسل فرواه مالك في الموطأ في كتاب القرآن (٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في عبد الله بن أم مكتوم، فذكره، وكذلك رواه وكيع عن هشام. ومن طريقه رواه ابن جرير.
وهذا المرسل وإن كان قويا فإنه لا يُعِلُّ الموصول، فإن رواته أيضا ثقات، فلعل عروة نفسه كان يروي مرة مرسلا، وأخرى موصولا، وله شواهد كثيرة في كتب السنة، وأوضحت ذلك مرارا في الجامع الكامل.
• عن أنس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أُبَي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ قال: فكان النبي ﷺ بعد ذلك يكرمه.
قال قتادة: وأخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسية، وعليه درع، ومعه راية سوداء، يعني ابن أم مكتوم.
صحيح: رواه أبو يعلى (٣١٢٣) عن محمد بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره.
هكذا أيضا ساقه ابن كثير في تفسيره، ولكن ليس في مطبوعة تفسير عبد الرزاق (٣/ ٣٩٢) ذكر أنس بن مالك، فلعله سقط منه لأنه كل من ذكر هذا الحديث جعله موصولا عن أنس.
وأبي بن خلف كان من كفار مكة، وهو الذي كان يقول إذا لقيه النبي ﷺ : يا محمد، لا نجوتُ إن نجوتَ، وجُرِح بيد النبي ﷺ يوم أحد ومات بمكة.
وأما ما روي عن ابن عباس قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدى لهم كثيرا، وجعل عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى، يقال له: عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله! علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ في وجهه وتولى، وكره كلامه، وأقبل على الآخرين؛ فلما قضى رسول الله ﷺ ، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خفق برأسه، ثم أنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله ﷺ وكلمه، وقال له: "ما حاجتك، هل تريد من شيء؟ " وإذا ذهب من عنده قال له: "هل لك حاجة في شيء؟ " وذلك لما أنزل الله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ فهو ضعيف.
رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ١٠٣) عن محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده مسلسل بالضعفاء.
стр. 7628
وقال ابن كثير في تفسيره: وفيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.
قلت: لعله يقصد بالغرابة والنكارة ذكر عتبة بن ربيعة وأبي جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب، والصحيح كما مضى هو أبي بن خلف.
٢ - باب قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾
قوله: ﴿سَفَرَةٍ﴾ واحده سافر، ويقال: سفرت؛ أي: كتبتُ، ومنه قيل للكاتب: سافر، وللكتاب: سفر، وجمعه أسفار.
والمراد منه الملائكة الكرام الكاتبون، وقد جاء في الصحيح.
• عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له، مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٣٧) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٧٩٨) كلاهما من طريق قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى، يحدث عن سعد بن هشام، عن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
٣ - باب قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾
وقوله: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ والقضب هو الرطبة.
وقوله: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ أي: غلاظا، عني به أشجار في بساتين غلاظ. والغُلْبُ جمع أغلب، وهو الغليظ الرقبة من الرجال. قاله ابن جرير.
وقوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ الفاكهة ما يأكله الناس، والأب ما يأكله الدواب، وهو قول ابن عباس وأصحابه وكثير من التابعين، لأن الله تعالى قال بعدها: أي: الفاكهة لكم، والأب لأنعامكم.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ أي: صيحة القيامة، والصاخَّة اسم من أسماء القيامة، سميت بها لأنها تصخُّ الأسماع، أي: تبالغ في الإسماع حتى تكاد تصمها.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ أي: لا يلتفت أحد إلى أحد منهم لشغله بنفسه، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "تحشرون حفاة عراة غرلا" قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: "الأمر أشد من
стр. 7629
أن يُهِمَهم ذاك".
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٢٧) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٥٩) كلاهما من طريق حاتم بن أبي صغيرة، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: حدثني القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري.
• عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يبعث الناس حفاة عراة غرلا، قد ألجمهم العرق، ويبلغ شحوم الآذان" فقلت: يا رسول الله! واسوأتاه، ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: "قد شُغِل الناس، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٠٦٦)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٤)، والحاكم (٢/ ٥١٤، ٥١٥) والبغوي في تفسيره (٤/ ٥٥٧) كلهم من طريق محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة، قالت: فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن أبي عياش، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات، فيحسن هذا الحديث من أجل أصل له في معناه.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٩/ ٣٧٤): "إسناده جيد، وليس هو في المسند، ولا في الكتب". أي في الكتب الستة.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، واتفقا على حديث حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة مختصرا".
قلت: لفظ سودة يختلف عن لفظ حديث عائشة، ولكن رواه الحاكم (٤/ ٥٦٥) من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدّثه أنه سمع عثمان بن عبد الرحمن القرظي يقول: قرأت على عائشة قول الله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] فقالت: يا رسول الله! واسوأتاه، أن الرجال والنساء يحشرون جميعا، ينظر بعضهم إلى سوءة بعض، فقال رسول الله ﷺ : ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد". تعقبه الذهبي فقال: "فيه انقطاع".
وهذه الرواية ما فيها من الكلام تقوي رواية سودة على منهج كثير من أهل العلم ويبدو منه أن عائشة نفسها كانت تحدّث مرة مختصرا، وأخرى مفصلا.
• * *
стр. 7630
٨١ - تفسير سورة التكوير وهي مكية، وعدد آياتها ٢٩
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ".
حسن: رواه الترمذي (٣٣٣٣) وأحمد (٤٨٠٦) والحاكم (٤/ ٥٧٦) كلهم من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الله بن بحير الصنعاني القاص، عن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني، قال: سمعت ابن عمر يقول: فذكره.
واللفظ للترمذي، وزاد أحمد: "وأحسب أنه قال: سورة هود".
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن بحير وشيخه عبد الرحمن بن يزيد، فكلاهما حسنا الحديث. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
وجوَّده الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٦٩٥).
• عن عمرو بن حريث أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٥٦) من طرق عن مسعر، قال: حدثني الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث، فذكره.
١ - باب قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾
أي: يجمع بعضها إلى بعض ويُلَفُّ، وكذلك القمر، فيختل تركيبهما ثم يختل نظام سيرهما، وقد جاء في الصحيح.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الشمس والقمر مكوَّران يوم القيامة".
صحيح: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٠٠) عن مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره.
٢ - باب قوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾
قوله: ﴿انْكَدَرَتْ﴾ أي: انتثرت، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢].
٣ - باب قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾
قوله: ﴿الْمَوْءُودَةُ﴾ هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى
стр. 7631
هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٩، ٥٨].
وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر، وتركها ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية، قال لأمها: زَيِّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذه البئر، فيدفعها من خلفها في البئر، ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، ذكره البغوي في تفسير سورة النحل.
والموؤودة تُسأل يوم القيامة بأنها على أي ذنب قتلت؟ ليكون ذلك تهديدا وتقريعا لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما الظن بالظالم إذا؟ فهو يُسأل عن هذا الذنب من باب أولى، ويجازى عليه عند الله تعالى يوم القيامة.
٤ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾
أي: رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ الذي كان يأتيه بالوحي من عند الله على الصورة التي خلقه الله عليها، وقد جاء في الصحيح.
• عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة! ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هنَّ؟ قالت: من زعم أنّ محمدًا ﷺ رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفريةَ. قال: وكنت متكئًا فجلستُ، فقلت: يا أمَّ المؤمنين! أنْظريني ولا تَعْجَلِيني، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]. فقالت: أنا أوّلُ هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ . فقال: "إنما هو جبريل، لم أرَهُ على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرّتين. رأيتُه مُنهبطا من السّماء سادًّا عِظمُ خَلْقِه ما بين السّماء إلى الأرض" ... الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، عن الشّعبيّ، عن مسروق، قال: فذكره في حديث طويل.
• * *
стр. 7632
٨٢ - تفسير سورة الانفطار وهي مكية، وعدد آياتها ١٩
• عن جابر قال: قام معاذ، فصلَّى العشاء الآخرة، فطوَّل، فقال النبي ﷺ : "أفتَّان يا معاذ؟ أفتَّان يا معاذ؟ أين كنت عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ".
صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١٠٦٩) وفي المجتبى (٩٩٧) عن محمد بن قدامة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر، قال: فذكره.
وإسناده صحيح.
ورواه البخاري في الأدب (٦١٠٦) ومسلم في الصلاة (٤٦٥) كلاهما من طريق عمرو بن دينار، حدثنا جابر بن عبد الله، فذكره، وجاء فيه: "فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى" وهذا لفظ مسلم، وفي البخاري بلفظ: "اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوها". فلم يرد ذكر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ عند البخاري ومسلم، وإنما تفرد به محارب بن دثار، عن جابر عند النسائي، ومحارب بن دثار ثقة، وزيادته مقبولة.
١ - باب قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾
أي: جعلك سويا معتدل القامة، في أحسن الهيئات والأشكال، وقد جاء في الحديث.
• عن بسر بن جحاش القرشي أن النبي ﷺ بزق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه ثم قال: "قال الله: ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟ ".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٧٠٧) وأحمد (١٧٨٤٢) واللفظ له، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٥٠٢) كلهم من طرق عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن حجاش القرشي، قال: فذكره.
وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي الحمصي وثَّقه ابن حبان والعجلي، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات.
وصحَّحه ابن حجر في الإصابة (٦٤٤).
стр. 7633
٢ - باب قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾
أي: إن عليكم ملائكة كراما كاتبين يكتبون جميع أعمالكم ويحفظونها لكم، ويشهدون بها يوم القيامة، كما جاء في الصحيح.
• عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك، فقال: "هل تدرون مِمَّ أضحك؟ ". قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة العبد ربه. يقول: يا رب! ألم تُجِرني من الظلم؟ . قال: يقول: بلى. قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي. قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعدا لكنّ وسُحقا. فعنكُنّ كنتُ أناضل".
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٩) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر، حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس بن مالك، فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾
وهذا كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقد جاء في الصحيح.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله ﷺ ! لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ! سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا".
متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٥٣)، ومسلم في الإيمان (٢٠٦) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: فذكره. وفي هذا المعنى أحاديث أخرى، وهي مذكورة في تفسير سورة الشعراء.
• * *
стр. 7634
٨٣ - تفسير سورة المطففين وهي مدنية، وعدد آياتها ٣٦
١ - باب قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾
قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ المطففين من طفّفَ، والطُّفاف - بضم الطاء - ما قصر عن ملأ الإناء من شراب أو طعام قليلا لا يُنتبه له.
• عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك.
حسن: رواه ابن ماجه (٢٢٢٣)، وصحَّحه ابن حبان (٤٩١٩)، والحاكم (٢/ ٣٣) كلهم من طريق علي بن الحسين بن واقد، أخبرنا أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل علي بن الحسين بن واقد فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وحسَّنه أيضا البوصيري في زوائد ابن ماجه.
وكان ممن اشتهر بالتطفيف في المدينة رجل يكنّى أبا جهينة، واسمه: عمرو، كان له صاعان يأخذ بأحدهما ويُعطِي بالآخر.
٢ - باب قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾
أي يوم القيامة يقوم الناس من قبورهم، ويقفون بين يدي الله للحساب والجزاء، ويكون ذلك الموقف صعبا للغاية، وقد جاء في الصحيح.
• عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه".
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٣١) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٢) كلاهما من طريق ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم".
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٣٢) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٣) كلاهما من طريق ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ
стр. 7635
مسلم نحوه.
• عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل". قال سُلَيم بن عامر: فوالله! ما أدرى ما يعني بالميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين؟ . قال: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما".
قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه.
صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٤) عن الحكم بن موسى أبي صالح، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن جابر، حدثني سُلَيم بن عامر، حدثني المقداد بن الأسود، قال: فذكره.
• عن عقبة بن عامر يقول: رأيت رسول الله ﷺ يقول: "تدنو الشمس من الأرض، فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى العجز، ومنهم من يبلغ إلى الخاصرة، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسط فيه"، وأشار بيده فألجمَ فاه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير هكذا، "ومنهم من يغطيه عرقه"، وضرب بيده إشارة.
صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٢) وابن حبان (٧٣٢٩) واللفظ له، والحاكم (٤/ ٥٧١) كلهم من طرق عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا عُشَّانة، حدّثه، أنه سمع عقبة بن عامر، يقول: فذكره.
وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
• عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزداد في حرها كذا وكذا، يغلي منها الهامُ كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق".
حسن: رواه أحمد (٢٢١٨٦) والطبراني في الكبير (٨/ ٢٢٢) كلاهما من طريق معاوية بن صالح، أن أبا عبد الرحمن، حدَّثه عن أبي أمامة الباهلي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل معاوية بن صالح وهو ابن حدير الحضرمي، فإنه حسن الحديث، وكذلك شيخه أبو عبد الرحمن وهو القاسم بن عبد الرحمن، فإنه أيضا حسن الحديث.
• عن عاصم بن حُميد قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ -
следующие страницы →