← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل: ٥٩، ٥٨]. وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر، وتركها ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية، قال لأمها: زَيِّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذه البئر، فيدفعها من خلفها في البئر، ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، ذكره البغوي في تفسير سورة النحل. والموؤودة تُسأل يوم القيامة بأنها على أي ذنب قتلت؟ ليكون ذلك تهديدا وتقريعا لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما الظن بالظالم إذا؟ فهو يُسأل عن هذا الذنب من باب أولى، ويجازى عليه عند الله تعالى يوم القيامة. ٤ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾ أي: رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ الذي كان يأتيه بالوحي من عند الله على الصورة التي خلقه الله عليها، وقد جاء في الصحيح. • عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة! ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هنَّ؟ قالت: من زعم أنّ محمدًا ﷺ رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفريةَ. قال: وكنت متكئًا فجلستُ، فقلت: يا أمَّ المؤمنين! أنْظريني ولا تَعْجَلِيني، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]. فقالت: أنا أوّلُ هذه الأمّة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ . فقال: "إنما هو جبريل، لم أرَهُ على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المرّتين. رأيتُه مُنهبطا من السّماء سادًّا عِظمُ خَلْقِه ما بين السّماء إلى الأرض" ... الحديث. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٧٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، عن الشّعبيّ، عن مسروق، قال: فذكره في حديث طويل. • * *

стр. 7632

٨٢ - تفسير سورة الانفطار وهي مكية، وعدد آياتها ١٩ • عن جابر قال: قام معاذ، فصلَّى العشاء الآخرة، فطوَّل، فقال النبي ﷺ : "أفتَّان يا معاذ؟ أفتَّان يا معاذ؟ أين كنت عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ". صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١٠٦٩) وفي المجتبى (٩٩٧) عن محمد بن قدامة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر، قال: فذكره. وإسناده صحيح. ورواه البخاري في الأدب (٦١٠٦) ومسلم في الصلاة (٤٦٥) كلاهما من طريق عمرو بن دينار، حدثنا جابر بن عبد الله، فذكره، وجاء فيه: "فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى" وهذا لفظ مسلم، وفي البخاري بلفظ: "اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوها". فلم يرد ذكر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ عند البخاري ومسلم، وإنما تفرد به محارب بن دثار، عن جابر عند النسائي، ومحارب بن دثار ثقة، وزيادته مقبولة. ١ - باب قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧)﴾ أي: جعلك سويا معتدل القامة، في أحسن الهيئات والأشكال، وقد جاء في الحديث. • عن بسر بن جحاش القرشي أن النبي ﷺ بزق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه ثم قال: "قال الله: ابن آدم! أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟ ". صحيح: رواه ابن ماجه (٢٧٠٧) وأحمد (١٧٨٤٢) واللفظ له، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٥٠٢) كلهم من طرق عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن حجاش القرشي، قال: فذكره. وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي الحمصي وثَّقه ابن حبان والعجلي، وقال أبو داود: شيوخ حريز كلهم ثقات. وصحَّحه ابن حجر في الإصابة (٦٤٤).

стр. 7633

٢ - باب قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ أي: إن عليكم ملائكة كراما كاتبين يكتبون جميع أعمالكم ويحفظونها لكم، ويشهدون بها يوم القيامة، كما جاء في الصحيح. • عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك، فقال: "هل تدرون مِمَّ أضحك؟ ". قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "من مخاطبة العبد ربه. يقول: يا رب! ألم تُجِرني من الظلم؟ . قال: يقول: بلى. قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي. قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعدا لكنّ وسُحقا. فعنكُنّ كنتُ أناضل". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٩) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر، حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس بن مالك، فذكره. ٣ - باب قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقد جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] "يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله ﷺ ! لا أغني عنك من الله شيئا. يا فاطمة بنت رسول الله ﷺ ! سليني بما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا". متفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (٢٧٥٣)، ومسلم في الإيمان (٢٠٦) كلاهما من حديث الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: فذكره. وفي هذا المعنى أحاديث أخرى، وهي مذكورة في تفسير سورة الشعراء. • * *

стр. 7634

٨٣ - تفسير سورة المطففين وهي مدنية، وعدد آياتها ٣٦ ١ - باب قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ المطففين من طفّفَ، والطُّفاف - بضم الطاء - ما قصر عن ملأ الإناء من شراب أو طعام قليلا لا يُنتبه له. • عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك. حسن: رواه ابن ماجه (٢٢٢٣)، وصحَّحه ابن حبان (٤٩١٩)، والحاكم (٢/ ٣٣) كلهم من طريق علي بن الحسين بن واقد، أخبرنا أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن الحسين بن واقد فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وحسَّنه أيضا البوصيري في زوائد ابن ماجه. وكان ممن اشتهر بالتطفيف في المدينة رجل يكنّى أبا جهينة، واسمه: عمرو، كان له صاعان يأخذ بأحدهما ويُعطِي بالآخر. ٢ - باب قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ أي يوم القيامة يقوم الناس من قبورهم، ويقفون بين يدي الله للحساب والجزاء، ويكون ذلك الموقف صعبا للغاية، وقد جاء في الصحيح. • عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٣١) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٢) كلاهما من طريق ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٣٢) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٣) كلاهما من طريق ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ

стр. 7635

مسلم نحوه. • عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل". قال سُلَيم بن عامر: فوالله! ما أدرى ما يعني بالميل، أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين؟ . قال: "فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما". قال: وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه. صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٤) عن الحكم بن موسى أبي صالح، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن جابر، حدثني سُلَيم بن عامر، حدثني المقداد بن الأسود، قال: فذكره. • عن عقبة بن عامر يقول: رأيت رسول الله ﷺ يقول: "تدنو الشمس من الأرض، فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى العجز، ومنهم من يبلغ إلى الخاصرة، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسط فيه"، وأشار بيده فألجمَ فاه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير هكذا، "ومنهم من يغطيه عرقه"، وضرب بيده إشارة. صحيح: رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٢) وابن حبان (٧٣٢٩) واللفظ له، والحاكم (٤/ ٥٧١) كلهم من طرق عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا عُشَّانة، حدّثه، أنه سمع عقبة بن عامر، يقول: فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". • عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله ﷺ قال: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزداد في حرها كذا وكذا، يغلي منها الهامُ كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق". حسن: رواه أحمد (٢٢١٨٦) والطبراني في الكبير (٨/ ٢٢٢) كلاهما من طريق معاوية بن صالح، أن أبا عبد الرحمن، حدَّثه عن أبي أمامة الباهلي، فذكره. وإسناده حسن من أجل معاوية بن صالح وهو ابن حدير الحضرمي، فإنه حسن الحديث، وكذلك شيخه أبو عبد الرحمن وهو القاسم بن عبد الرحمن، فإنه أيضا حسن الحديث. • عن عاصم بن حُميد قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ -

стр. 7636

قيام الليل؟ فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبَّر عَشرًا، وحَمِدَ الله عشرًا، وسبَّح عشرًا، وهلَّل عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: "اللَّهم اغفر لي، واهدني، وارزقني" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة. حسن: رواه أبو داود (٧٦٦)، والنسائي (١٦١٨)، وابن ماجه (١٣٥٦) وصحَّحه ابن حبان (٢٦٠٢) كلّهم من حديث زيد بن الحُباب، عن معاوية بن صالح، قال: حدثني أزهر بن سعيد، عن عاصم بن حُميد، فذكره. وإسناده حسن من أجل معاوية بن صالح بن حُدير، وأزهر بن سعيد الحرازي فإن كل واحد منهما حسن الحديث. ٣ - باب قوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه. فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. فإن زاد زادت. فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ". حسن: رواه الترمذي (٣٣٣٤)، وابن ماجه (٤٢٤٤)، وأحمد (٧٩٥٢)، وصححه ابن حبان (٩٣٠)، والحاكم (٢/ ٥١٧) كلهم من حديث محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان فإنه حسن الحديث. وقال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". • * * ٨٤ - تفسير سورة الانشقاق وهي مكية، وعدد آياتها ٢٥ • عن أبي سلمة قال: رأيت أبا هريرة قرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة! أَلَمْ أَرَكَ تسجد؟ قال: لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد. متفق عليه: رواه البخاري في سجود القرآن (١٠٧٤)، ومسلم في المساجد (٥٧٨) كلاهما من

стр. 7637

طريق هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد وإنما أحال على حديث قبله. ١ - باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ • عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ليس أحد يحاسب إلا هلك" قالت: يا رسول الله! جعلني الله فداك، أليس يقول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قال: "ذاك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك". وفي رواية: "عُذِّبَ". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٣٩)، ومسلم في الجنة (٢٨٧٦: ٨٠) كلاهما من طريق ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة، فذكرته. واللفظ للبخاري. • عن عائشة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهم! حاسبني حسابا يسيرا" فلما انصرف قلت: يا نبي الله! ما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه، فيتجاوَزَ عنه، إنه من نُوقش الحساب يومئذ يا عائشةُ هلك. وكلُّ ما يصيبُ المؤمنَ يكفّرُ الله عنه حتى الشوكة تشوكُه". حسن: رواه أحمد (٢٤٢١٥)، وصحَّحه ابن خزيمة (٨٤٩) والحاكم (١/ ٢٥٥، ٥٧) كلهم من حديث إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث. ٢ - باب قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ قوله: ﴿بِالشَّفَقِ﴾ هي حمرة الأفق بعد غروب الشمس، وقد جاء في الصحيح. • عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق" الحديث. صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦١٢: ١٧٣) عن أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، فذكره في حديث طويل. ٣ - باب قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ • عن ابن عباس قال: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالا بعد حال، قال هذا نبيكم ﷺ . صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٤٠) عن سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر جعفر بن إياس، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: فذكره.

стр. 7638

٨٥ - تفسير سورة البروج وهي مكية، وعدد آياتها ٢٢ ١ - باب قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ • عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر، قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إليَّ غلاما أعلمه السحر. فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهبٌ فقعد إليه، وسمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه. فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر، فقل: حبسني أهلي. هاذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم آلساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا، فقال: اللهم! إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرماها فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني! أنت اليوم أفضل مني. قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت، فلا تدل عليّ. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملك، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني! قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل. فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى فدعا بالمئشار، فوضع المئشار في مفرق رأسه، فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى فوضع المنشار في

стр. 7639

مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم! اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به، فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت. فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام. ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام. ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام. فأُتِيَ الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله! نزل بك حذرك. قد آمن الناس. فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها. أو قيل له اقتحم. ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري، فإنك على الحق". صحيح: رواه مسلم في الزهد (٣٠٠٥) عن هداب بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، فذكره. ورواه أحمد (٢٣٩٣١) عن عفان، حدثنا حماد بن سلمة بإسناده، وفيه: "فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار". قلت: وهذا الصبي هو الرابع من تكلم في المهد، فيحمل حديث أبي هريرة في قول النبي ﷺ : "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة" - كما مضى في أخبار الماضيين - أنه متقدم، ثم أوحي إليه، فصار الحصر في حديث أبي هريرة منقوضا، وهذا أولى من قول من يقول: "بابن لها ترضعه" شاذ. قوله: "قرقور" قيل: هي السفينة الصغيرة. وقوله: "فانكفأت به السفينة" أي: انقلبت. وقوله: "فأحموه فيها" أي: فأقحموه فيها.

стр. 7640

٨٦ - تفسير سورة الطارق وهي مكية، وعدد آياتها ١٧ • عن جابر قال: صلَّى معاذ المغرب، فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي ﷺ : "أفتَّان يا معاذ؟ ! ما كان يكفيك أن تقرأ بـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ". صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١٦٠٠) عن عمرو بن منصور، حدثنا أبو نعيم، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن جابر، قال: فذكره. وإسناده صحيح. ورواه البخاري في الأذان (٧٠٥) عن آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محارب بن دثار به، فذكره في حديث طويل، وجاء فيه: "فلولا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ " الحديث. فلم يذكر "المغرب"، وإنما تفرد به مسعر عن محارب بن دثار، عن جابر عند النسائي، ومسعر هو ابن كِدام بن ظهير الهلالي، وهو ثقة ثبت، وزيادته مقبولة. ١ - باب قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾ قوله: ﴿وَالطَّارِقِ﴾ من الطروق، وهو المجيء ليلا، وسمي النجم طارقا لأنه لا يُرى في النهار، وإنما يرى في الليل فقط. ٢ - باب قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ قوله: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي: خارج بقوة وسرعة، والأشهر أنه يطلق على نطفة الرجل. وقوله: ﴿الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ الصلب هو العمود العظمي الكائن في وسط الظهر وهو ذو فقرات. والترائب جمع تريبة، وهي ضلوع الصدر. ٣ - باب قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ أي: الكفار يريدون أن يصرفوا الناس عن دعوة الإسلام، ويكيدون لذلك بكل ما في وسعهم، والله يرد عليهم كيدهم، فلا يصلون بكيدهم ومكرهم إلى تحقيق مآربهم الخبيثة البتة. ونسبة الكيد إلى الله جاء على وجه المقابلة، لا على وجه الإطلاق، فلا يوصف الله به إلا على وجه المقابلة، لأنه في حال المقابلة يدل على القوة والكمال والغلبة لله . وأما الوصف به ابتداء أو مطلقا فإنه يقتضي الذم والنقص، والله منزه عن كل نقص.

стр. 7641

فهذه الصفة وما شاكلها كالمكر والخداع لا تنسب إلى الله على الإطلاق، وإنما تنسب إلى الله على وجه المقابلة كما جاءت في النصوص. • • • ٨٧ - تفسير سورة الأعلى وهي مكية، وعدد آياتها ٩١ • عن البراء قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٤١) عن عبدان، قال: أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: فذكره. • عن جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل، فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق. فقال النبي ﷺ : "يا معاذ! أفتان أنت - ثلاثا - اقرأ، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوها". متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٦١٠٦) ومسلم في الصلاة (٤٦٥) كلاهما من طريق عمرو بن دينار، حدثنا جابر بن عبد الله، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن النعمان بشير قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، يقرأ بهما أيضا في الصلاتين.

стр. 7642

صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٨) من طرق عن جرير، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير، قال: فذكره. • عن أُبَيِّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. صحيح: رواه أبو داود (١٤٢٣)، وابن ماجه (١١٧١)، وأحمد (٢١١٤١) وصحَّحه ابن حبان (٢٤٣٦) والحاكم (٢/ ٢٥٧) كلهم من حديث أبي حفص الأبَّار، قال: حدَّثنا الأعشم، عن طلحة وزُبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزى، عن أبيه، عن أُبَيِّ بن كعب، فذكره، وزاد ابن ماجه بين طلحة وزبيد "ذرا" وهو: ابن عبد الله المرهبي ثقة من رجال الجماعة. وهذا إسناد صحيح، وقد صحَّحه النووي أيضا في الخلاصة (١٨٨٦). • عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. صحيح: رواه النسائي (١٧٠٢)، والدارمي (١٥٩٦) كلاهما من طريق أَبِي أُسَامة، حدَّثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وهذا إسناد صحيح. والكلام عليه مبسوط في كتاب الصلاة. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الصلاة. ١ - باب قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ أي: الكافر لا يموت في النار فيستريح، ولا يحيى فيها حياة تنفعه وتُسْعده، بل هم يبقون في عذابهم خالدين، قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وقد جاء في الصحيح. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "أمّا أهل النّار الذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النّارُ بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم)، فأماتهم إماتةً حتَّى إذا كانوا فحمًا أُذن بالشّفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثُّوا على أنهار الجنّة، ثم قيل: يا أهل الجنّة! أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبَّةِ تكون في حَميل السّيل". فقال رجل من القوم: كأنّ رسول الله ﷺ قد كان بالبادية. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٥) من طرق عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره.

стр. 7643

قوله: "ضبائر" وهو جمع ضبارة - بكسر الضاد وفتحها - بمعنى جماعات في تفرقة. وقوله: "فبُثُّوا" أي فرقّوا. ٢ - باب قوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ أي: الدنيا ومتاعها زائلة، والآخرة وما فيها باقية، وهذا يقتضي إيثار الباقي على الفاني، وأن لا يضر المرء آخرته بدنياه، فلا يكون همه كله للدنيا، وقد جاء في الحديث. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من طلب الدنيا أضرَّ بالآخرة، ومن طلب الآخرة أضرَّ بالدنيا" فسمعته قال: "فأضِرُّوا بالفاني للباقي". حسن: رواه ابن أبي عاصم في الزهد (١٦١) عن هدبة بن عبد الوهاب، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل هدبة بن عبد الوهاب ومحمد بن عمرو فكلاهما حسن الحديث. • عن عبد الله بن مسعود قال: نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثَّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاء، فقال: "مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها". حسن: رواه الترمذي (٢٣٧٧) وابن ماجه (٤١٠٩) وأحمد (٤٢٠٨) وصحَّحه الحاكم (٤/ ٣١٠) كلهم من طرق عن المسعودي (هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة)، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل المسعودي فإنه مختلط لكن رواه وكيع بن الجراح عنه كما عند الإمام أحمد، وروايته عنه قبل اختلاطه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قوله: "وطاء" أي: فراشا. وفي هذا المعنى أحاديث أخرى، وهي مذكورة في كتاب الزهد. • * *

стр. 7644

٨٨ - تفسير سورة الغاشية وهي مكية، وعدد آياتها ٢٦ • عن عبيد الله بن عبد الله قال: كتب الضحاك بن قيس إلى النعمان بن بشير يسأله: أي شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال: كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾. صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٧٨: ٦٣) عن عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: فذكره. ١ - باب قوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ نَبَّه الله بذكر هذه المخلوقات العظيمة التي يراها الناس دائما على عظيم قدرته تعالى، وأنه وحده هو المستحق للعبادة دون سواه، وقد جاء في الصحيح. • عن أنس بن مالك قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيءٍ، فكان يعجبنا أن يجيء الرّجلُ من أهل البادية العاقلُ، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد! أتانا رسولُك فزعم لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك قال: "صدق" قال: فمن خلق السّماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله" قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السّماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، الله أرسلك؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا زكاةً في أموالنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولُك أنّ علينا صوْمَ شهر رمضان في سنتنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟ قال: "نعم" قال: وزعم رسولُك أنّ علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: "صدق" قال: ثم ولى، قال: والذي بعثك بالحق! لا أزيد عليهن ولا أنقص منهنّ، فقال النّبيُّ ﷺ : "لئن صَدقَ لَيَدْخُلَنَّ الجنَّةَ". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢) عن عمرو بن محمد بن بكير النّاقد، حدثنا هاشم بن قاسم أبو النّضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، فذكره.

стр. 7645

٢ - باب قوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ • عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله". ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢١) من طرق عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر فذكره. ٣ - باب قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤﴾ قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَر﴾ أي عن طاعة الله ورسوله. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". صحيح: رواه البخاري في الاعتصام (٧٢٨٠) عن محمد بن سنان، حدثنا فليح، حدثنا هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره. • عن علي بن خالد، أن أبا أمامة الباهلي مرَّ على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله". حسن: رواه أحمد (٢٢٢٢٦) والحاكم (١/ ٥٥، ٥٦) كلاهما من طريق ليث - هو ابن سعد -، عن سعيد بن أبي هلال، عن علي بن خالد، فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن خالد، فإنه حسن الحديث. • * * ٨٩ - تفسير سورة الفجر وهي مكية، وعدد آياتها ٣٠ ١ - باب قوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ قوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ المراد بها عشر ذي الحجة، ﴿وَالشَّفْعِ﴾ هو يوم النحر، ﴿وَالْوَتْر﴾ يوم عرفة، وقد

стр. 7646

جاء في الحديث. • عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر". حسن: رواه أحمد (١٤٥١١) والبزار - كشف الأستار (٢٢٨٦) والنسائي في الكبرى (١١٦٠٨) والحاكم (٤/ ٢٢٠) كلهم من طريق زيد بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، فذكره. وإسناده حسن، فإن رجال الإسناد كلهم حسن الحديث. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٣٧): "رواه البزار وأحمد ورجالهما رجال الصحيح غير عياش بن عقبة وهو ثقة". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم". قوله: "العشر عشر الأضحى" هو رأي كثير من أهل العلم، وقد ورد في فضلها أحاديث منها: • عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه". قالوا: ولا الجهاد؟ قال: "ولا الجهاد، إلّا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء". صحيح: رواه البخاري في العيدين (٩٦٩) عن محمد بن عرعرة، قال: حدّثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أيام أعظم عند الله، ولا العمل فيهن أحبّ إلى الله من هذه الأيام، فأكثروا فيها التهليل والتحميد" يعني أيام العشر. صحيح: رواه أبو عوانة في "مسنده" (٣٠٢٤) عن أبي يحيى عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة، حدّثنا عبد الحميد بن غزوان البصريّ، حدّثنا أبو عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح، وموسى بن أبي عائشة ثقة من رجال الجماعة. • عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت عند رسول الله ﷺ قال: فذكرت الأعمال، فقال: "ما من أيام العمل فيهن أفضل من هذه العشر". قالوا: يا رسول الله! الجهاد في سبيل الله؟ قال: فأكبره، فقال: "ولا الجهاد إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله في سبيل الله، ثم تكون مُهجة نفسه فيه". حسن: رواه أحمد (٦٥٥٩)، وابن أبي عاصم في "الجهاد" (١٥٧)، والطيالسيّ (٢٣٩٧)

стр. 7647

كلّهم من حديث زهير بن معاوية، حدثنا إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، فذ كره. وإسناده حسن من أجل الاختلاف في إبراهيم بن المهاجر، فضعّفه أبو حاتم ومشّاه أحمد وأبو داود والعجلي وابن سعد وغيرهم، وهو حسن الحديث. ٢ - باب قوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧)﴾ هذه الآية الكريمة فيها ذم للذين لا يكرمون اليتيم، ولا يحسنون إليه، ولا يعطونه حقه، والذي يكرم اليتيم ويكفله موعود بالجنة، كما جاء في الصحيح. • عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وقال بأصبعيه السبابة والوسطى. صحيح: رواه البخاري في الأدب (٦٠٠٥) عن عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني أبي، قال: سمعت سهل بن سعد، فذكره. ٣ - باب قوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ قوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ أي: يؤتى بجهنم يوم القيامة، يأتي بها جمع كبير من الملائكة، وقد جاء في الصحيح. • عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجُرُّونها". صحيح: رواه مسلم في الجنة (٢٨٤٢) عن عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، فذكره. ٤ - باب قوله: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ • عن عتبة بن عبدٍ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلا يَخِرُّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هَرَما في مرضاة الله لحقره يوم القيامة". صحيح: رواه أحمد (١٧٦٤٩) والطبراني في الكبير (١٧/ ١٢٣، ١٢٢) والبيهقي في شعب الإيمان (٧٥١) كلهم من طرق عن بقية بن الوليد، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبدٍ، قال: فذكره. وإسناده صحيح، وبقية بن الوليد قد صرَّح بالتحديث. ويقويه ما جاء عن محمد بن أبي عميرة موقوفا، وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: لو أن عبدا خَرَّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرما في طاعة الله لَحَقَرَه ذلك اليوم، ولوَدَّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب.

стр. 7648

رواه أحمد (١٧٦٥٠) وابن المبارك في الزهد (٣٤) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٢٤) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٤٩) كلهم من طرق عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عميرة، فذكره. ورجاله ثقات. • * * ٩٠ - تفسير سورة البلد وهي مكية، وعدد آياتها ٢٠ ١ - باب قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ قوله: ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ المراد به مكة. وقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ فيه إخبار بهجرة النبي ﷺ من مكة وخروجه منها، ثم عودته إليها مرة أخرى فاتحا لها، وقد تم هذا الوعد الإلهي في السنة الثامنة من الهجرة بدخول النبي ﷺ مع عشرة آلاف من الصحابة فاتحا لها، ولأهل العلم في بيان معنى الآية أقوال أخرى، وهي مذكورة في كتب التفاسير. ٢ - باب قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: فكها من الرق بعتقها أو مساعدتها على حصول العتق، وقد جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "أيما رجل أعتق امرأ مسلما، استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار". قال سعيد بن مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن حسين، فعمد علي بن حسين إلى عبد له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم أو ألف دينار، فأعتقه. متفق عليه: رواه البخاري في العتق (٢٥١٧)، ومسلم في العتق (١٥٠٩: ٢٤) كلاهما من طريق عاصم بن محمد العمري، حدثني واقد بن محمد (يعني أخاه)، حدثني سعيد بن مرجانة صاحب علي بن حسين قال: قال لي أبو هريرة: فذكره. ٣ - باب قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ أي: يطعمون الطعام وقت الحاجة والشدة والجوع، وقد جاء في الصحيح.

стр. 7649

• عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال رسول الله ﷺ : "ألا رجل يضيِّفه هذه الليلة، يرحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله! فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ ، لا تدخريه شيئا. قالت: والله! ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالى، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ ، فقال: "لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة" فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٨٨٩)، ومسلم في الأشربة (٢٠٥٤) كلاهما من طريق فضيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. وفي رواية عند مسلم: "فقام رجل من الأنصار، يقال له: أبو طلحة". • عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله! إني إذا رأيتك طابَتْ نفسِي وقرَّتْ عَيني، فأنْبِئني عن كل شيء. فقال: "كل شيء خُلق من ماء" قال: قلت: أنْبئْني عن أمر إذا أخذتُ به دخلتُ الجنةَ. قال: "أفْشِ السلامَ، وأَطْعِم الطعامَ، وصِلِ الأَرْحَام، وقُم بالليلِ والناسُ نِيام، ثم ادخُلِ الجنّةَ بسلامٍ". صحيح: رواه أحمد (٧٩٣٢) وصحّحه ابن حبان (٥٠٨)، والحاكم (٤/ ١٦٠) كلهم من طريق هَمَّام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، قال: فذكره. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وهو كما قال. ٤ - باب قوله: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ أي: هو يتيم وفقير وله قرابة أيضا، فإطعامه ومساعدته والإنفاق عليه أولى وأفضل من غيره، وقد جاء في الحديث. • عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح". صحيح: رواه الحاكم (١/ ٤٠٦) - وعنه البيهقي (٧/ ٢٧) - من طريق عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمه كلثوم بنت عقبة، فذكرته. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".

стр. 7650

والكلام عليه مبسوط في كتاب الزكاة. وقد وردت الأحاديث في كفالة اليتيم عموما منها ما جاء في الصحيح. • عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وقال بأصبعيه السبابة والوسطى. صحيح: رواه البخاري في الأدب (٦٠٠٥) عن عبد الله بن عبد الوهاب، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني أبي، قال: سمعت سهل بن سعد، فذكره. ٥ - باب قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾ قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي تواصوا على الرحمة فيما بينهم، وقد جاء في الصحيح. • عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ". متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٣٧٦) ومسلم في الفضائل (٢٣١٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب وأبي ظبيان، عن جرير بن عبد الله، قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • * * ٩١ - تفسير سورة الشمس وهي مكية، وعدد آياتها ١٥ • عن جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل، فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق. فقال النبي ﷺ : "يا معاذ! أفتان أنت - ثلاثا - اقرأ، ﴿وَالشَّمْسِ﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوها". متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٦١٠٦) ومسلم في الصلاة (٤٦٥) كلاهما من طريق

стр. 7651

عمرو بن دينار، حدثنا جابر بن عبد الله، فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. ١ - باب قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ أي: خلقها سوية على الفطرة، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ١٣٠] وقد جاء في الصحيح. • عن عياض بن حمار المجاشعي، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: "خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ... ". صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٨٦٥) من طرق عن معاذ بن هثام، عن أبيه، من قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشِّخّير، عن عياض بن حمار المجاشعي، فذكره في حديث طويل. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجّسانه، كما تُنتج البهيمة ببهيمة جمعاء، هل تُحِسُّون فيها من جدعاء؟ ". ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٥٩)، ومسلم في القدر (٢٦٥٨) كلاهما من حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، أنّ أبا هريرة، قال: فذكره. وقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أي: بَيَّن لها الخير والشر، والطاعة والمعصية، وما تأتي من الخير والبر وما تذر من الشر والفساد، وقد قدَّرها عليهم، ويسَّرها لهم، وقد جاء في الصحيح. • عن أبي الأسود الدّيليّ، قال: قال لي عِمران بن الحصين: أرأيتَ ما يعمل النّاسُ اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم منْ قَدَرِ ما سَبَقَ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيُّهم وثَبتَت الحجَّةُ عليهم؟ فقلت: بلْ شيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظُلْمًا؟ قال: ففزعتُ من ذلك فزعًا شديدًا، وقلتُ: كلّ شيءٍ خَلْقُ اللهِ ومِلْكُ يده فلا يُسألُ عمَّا يفعل وهم يُسْألون. فقال لي: يرحمك الله، إنِّي لَمْ أُرِدْ بما سألتك إلّا لأَحْزِر عَقْلَكَ. إنَّ رجلين من مُزينة أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة

стр. 7652

عليهم؟ فقال: "لا بلْ شيء قُضي عليهم ومضى فيهم"، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٠) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ، حدّثنا عثمان بن عمر، حدّثنا عزْرة بن ثابت، عن يحيى بن عُقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدِّيليّ، قال (فذكره). • عن عمران بن حُصين، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! أيُعرف أهل الجنّة من أهل النّار؟ قال: "نعم". قال: فلِمَ يعمل العاملون؟ قال: "كلٌّ يعمل لما خُلقَ له، أو لما يُسِّرَ له". متفق عليه: رواه البخاريّ في القدر (٦٥٩٦)، ومسلم في القدر (٢٦٤٩)، كلاهما من حديث شعبة، عن يزيد الرِّشك، قال: سمعت مطرّف بن عبد الله بن الشّخِّير يحدَّثُ عن عمران بن حصين، فذكره، ولفظهما سواء. • عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول: كان يقول: "اللهم! إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب القبر، اللَّهم! آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللَّهم! إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها". صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٧٢٢) من طرق عن أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد الله بن الحارث، وعن أبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم، فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ • عن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذكر الناقة والذي عقر، فقال رسول الله ﷺ : "انبعث لها رجل عزيز عارم، منيع في رهطه، مثل أبي زمعة" الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٤٢) ومسلم في الجنة (٢٨٥٥) كلاهما من طريق هشام بن سعد، عن أبيه، أنه أخبره عبد الله بن زمعة، فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • * *

стр. 7653

٩٢ - تفسير سورة الليل وهي مكية، وعدد آياتها ٣١ ١ - باب قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ • عن علقمة قال: دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشام، فسمع بنا أبو الدرداء، فأتانا فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا: نعم. قال: فأيكم أقرأ؟ فأشاروا إليَّ، فقال: اقرأ. فقرأت: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ والذكر والأنثى قال: أنت سمعتها من في صاحبك؟ قلت: نعم. قال: وأنا سمعتها من في النبي ﷺ ، وهؤلاء يأبون علينا. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٤٣) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٨٢٤) كلاهما من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه، وزاد مسلم: "ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ فلا أتابعهم" وهو عند البخاري في رواية (٤٩٤٤): "هؤلاء يريدوني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ والله! لا أتابعهم". • عن علقمة قال: قدمت الشام، فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم! يسر لي جليسا صالحا. فأتيت قوما، فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جنبي. قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء. فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليسا صالحا، فيسرك لي. قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة؟ قال: أوليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوساد والمطهرة؟ وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان - يعني على لسان نبيه ﷺ - أوليس فيكم صاحب سر النبي ﷺ الذي لا يعلم أحد غيره؟ ثم قال: كيف يقرأ عبد الله؟ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فقرأت عليه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ والذكر والأنثى. قال: والله! لقد أقرأنيها رسول الله ﷺ من فيه إلى فيَّ. متفق عليه: رواه البخاري في فضائل الصحابة (٣٧٤٢) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٨٢٣: ٢٨٣) كلاهما من طريق المغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن علقمة قال: لقيت أبا الدرداء، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل العراق. قال: من أيهم؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: هل تقرأ على قراءة عبد الله

стр. 7654

ابن مسعود؟ قال؟ قلت: نعم. قال: فاقرأ؟ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال: فقرأت: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ والذكر والأنثى. قال: فضحك، ثم قال: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها. صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٢٣: ٢٨٤) عن علي بن حجر السعدى، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، قال: فذكره. وقراءة ابن مسعود المذكورة في الروايات قراءة شاذة، رويت بإسناد صحيح، وكان يقرأ بها في الدور الأول عند الصحابة والتابعين، ثم وقع الإجماع على الاكتفاء بالقراءات المتواترة المشهورة، تجنبا من وقوع الاختلاف في القرآن، فلا يجوز لأحد الآن أن يقرأها في الصلاة ويتعبد بها، ولا أن يكتبها في المصحف. ٢ - باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ • عن عبد الله بن الزبير قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: يا بُنيَّ! إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جُلْدا يمنعونك ويقومون دونك؟ قال: فقال أبو بكر: يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله ، قال: فيُتَحَدَّثُ ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيه، وفيما قال له أبوه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلي قوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. [الليل: ٥ - ٢١]. حسن: رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على" فضائل الصحابة" لأبيه (٦٦)، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٥٢٥) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، ومن أجل شيخه محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، ذكره ابن حبان في الثقات ووثقه الدارقطني، وقال الذهلي: "مقارب الحديث". والكلام عليه مبسوط في كتاب الفضائل. • عن علي قال: كنّا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرَة، فنكّس فجعل ينكتُ بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلّا وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنّار، وإلّا وقد كُتبتْ شقية أو سعيدة". قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: "مَنْ كان من أهل السّعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومَنْ كان من أهل

стр. 7655

الشّقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشّقاوة" فقال: "اعملوا فكل مُيَسَّر، أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السّعادة، وأمّا أهلُ الشّقاوة فيُيَسَّرون لعمل أهل الشّقاوة". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٤٨)، ومسلم في القدر (٢٦٤٧) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي، عن عليّ، قال: فذكره، واللّفظ لمسلم. وفي هذا المعنى أحاديث أخرى وهي مذكورة في كتاب الإيمان. ٣ - باب قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ قوله: ﴿تَلَظَّى﴾ أي: تتوقَّد وتتوهَّج. • عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "أنذرتكم النارَ! أنذرتكم النارَ! " حتَّى لو كان رجلٌ في أقصى السوق سمِعه، وسمع أهل السوق صوتَه وهو على المنبر. وفي رواية: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجله. حسنٌ: رواه أحمد (١٨٣٦٠، ١٨٣٩٨، ١٨٣٩٩)، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٤٤، ٦٦٧) والحاكم (١/ ٢٨٧)، كلهم من طريق شعبة، عن سماك، قال: سمعت النعمان بن بشيرٍ، فذكره. وإسناده حسنٌ؛ من أجل سماك بن حرب؛ فإنَّه حسن الحديث في غير روايته عن عكرمة، وهذا منه. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلمٍ، ولم يُخرجاه". • عن النعمان بن بشير سمعت النبي ﷺ يقول: "إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٦١) ومسلم في الإيمان (٢١٣) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق، قال: سمعت النعمان بن بشير، فذكره، واللفظ للبخاري. • * *

стр. 7656

٩٣ - تفسير سورة الضحى وهي مكية، وعدد آياتها ١١ ١ - باب قوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ وقوله: ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: ما أبغضك الله . • عن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءته امرأة، فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قَرِبَك منذ ليلتين أو ثلاث، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٥٠) ومسلم في الجهاد والسير (١٧٩٧: ١١٥) كلاهما من طريق زهير، عن الأسود بن قيس، قال: سمعت جندب بن سفيان، يقول: فذكره. هذه المرأة هي: امرأة أبي لهب حمَّالة الحطب، واسمها العوراء بنت حرب، أخت أبي سفيان، وكنيتها أم جميل. ٢ - باب قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية [إبراهيم: ٣٦]. وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يديه، وقال: "اللهم! أمتي أمتي". وبكى، "فقال الله : يا جبريل! اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسَلْه ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال - وهو أعلم - فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٢) عن يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة، حدَّثه عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. • عن عبد الله بن عباس قال: عُرِض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من

стр. 7657

بعده كَفرا كَفرا، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف قصر، في كل قصر ما ينبغي من الأزواج والخدم. صحيح: رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٤٨٧ - ٤٨٨) والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٣٧) والحاكم (٢/ ٥٢٦) والبيهقي في الدلائل (٧/ ٦١) والواحدي في أسباب النزول (ص: ٤٩٠، ٤٩١) كلهم من طرق عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وقال الحافظ ابن كثير: "هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس". قلت: وحكمه مرفوع لأنه لا يقال بالرأي في الغيبيات. ٣ - باب قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلَّمك ما لم تكن تعلم، ووفَّقك لأحسن الأعمال والأخلاق، قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. ومثله ما جاء عن موسى ليه السلام في قوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]. ليس المراد بالضلال هنا اتباع الباطل والوقوع في الكفر والشرك؛ فإن الأنبياء ﵈ معصومون من ذلك كله قبل النبوة وبعدها بالاتفاق. • * * ٩٤ - تفسير سورة الشرح وهي مكية، وعدد آياتها ٨ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ أي: جعلنا صدرك واسعا فسيحا منورا بنور الهداية والعرفان، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ

стр. 7658

اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وكذلك شُرِح صدر النبي ﷺ وشُقَّ عن قلبه مرتين، وأُخْرِجَ منه حظ الشيطان، ومليء إيمانا وحكمة، فقد جاء في الصحيح. • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان. فأخذه فصرعه فشق عن قلبه. فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئْره) فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٢: ٢٦١) عن شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكره. • عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه ... " الحديث. متفق عليه: رواه البخاري في الصلاة (٣٤٩) ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: فذكره بطوله في قصة الإسراء والمعراج. • عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله، فقلت: يا رب، قد كانت قبلي رسل، منهم من سخرت له الرياح، ومنهم من كان يحيي الموتى، قال: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا فهديتك؟ ألم أشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك؟ قلت: بلى يا رب". صحيح: رواه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٨/ ٤٣٠) والطبراني في الأوسط (٣٦٦٤) وفي الكبير (١١/ ٤٥٥) والحاكم (٢/ ٥٢٦) كلهم من طرق عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح، وحماد بن زيد ممن سمع عطاء بن السائب قبل اختلاطه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". قال الطبراني في الأوسط: "لم يرفع هذا الحديث عن حماد بن زيد إلا أبو الربيع الزهراني، وسليمان بن أيوب صاحب البصري". قلت: بل رفعه أيضا أبو عمر الحوضي عند ابن أبي حاتم، وعارم أبو النعمان عند الطبراني في الكبير، وعبد الله بن الجراح عند الحاكم، كلهم عن حماد بن زيد به مرفوعا. ورفع هؤلاء يقدم على من وقَّفه.

стр. 7659

وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أي: خَفَّفْنا عنك أعباء النبوة، وسهَّلْنا عليك القيام بأمورها، وخَفَّفْنا من هَمِّك الشديد وحزنك البالغ من أجل إعراض المشركين عن الإسلام، وعدم اتباعهم لك، ورفضهم لما جئت به من الحق والهدى، وإصرارهم على دين آبائهم دين الشرك والوثنية. وقيل: غير ذلك، وهذا أصح وأولى وأنسب لمقام النبوة. • * * ٩٥ - تفسير سورة التين وهي مكية، وعدد آياتها ٨ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ • عن البراء، أن النبي ﷺ كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٥٢) ومسلم في الصلاة (٤٦٤) كلاهما من طريق شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه، وزاد البخاري (٧٦٩) ومسلم في رواية من وجه آخر عن عدي به: "فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه". قوله: ﴿وَالتِّينِ﴾ ثمرة معروفة بهذا الاسم، لها فوائد كثيرة، ولذا يقسم الله بها ليمتن على عباده بأنه خلقها لهم ليتمتعوا بها. وقوله ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ الزيتون ثمرة معروفة بهذا الاسم، يستخرج منه الزيت، وزيته أفضل أنواع الزيوت. على ظاهر هذين الاسمين لا يختلف فيه أحد من المفسرين المتقدمين والمتأخرين، ولكن لما ذكر مع هذين: ﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ توجه بعض المفسرين إلى تفسير آخر يكون ملائما لذكر طور سينين والبلد الأمين، وهو أن المراد بالتين والزيتون الأرض المباركة التي يكثر فيها زرع هذين الشجرتين، وهي بلاد الشام، بل منهم من قال: إنهما اسمان لمساجد في بلاد الشام، قال

стр. 7660

محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيلياء. وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ هو الجبل المعروف بطور سيناء. الطور: بمعنى الجبل عند الكنعانيين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇. وقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ وهو مكة بدون خلاف؛ لأن الله جعله بلدا آمنا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]. وقال بعض أهل العلم: هذه الآيات فيها إشارة إلى ثلاثة من أولي العزم من الرسل، ومكان بعثتهم ونزول الوحي إليهم. فقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فيه إشارة إلى بيت المقدس وما جاورها حيث بعث عيسى ﵇، فإن تلك الأرض معروفة بكثرة التين والزيتون. وقوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ هو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى ﵇. وقوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ أي مكة فإنه البلد الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي نُبِّيَ فيه نبينا محمد ﷺ . وأولى الأقوال عندي حمله على ظاهر المعنى. هذه كلها أقسام، والمقسم عليه قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أي: أعدل قامة، وأحسن صورة، وذلك أنه خلق كل حيوان منكبا على وجهه، وخلق الإنسان مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، مع العقل والتمييز. وقوله: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قد يحمل على إدراك الإنسان غاية خلقه، وهو كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لأن قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] مشعر إلى أنه إذا أخطأ الطريق فسيكون من أسفل السافلين أي: النار. وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ يستثنى من هؤلاء الإنسان الذي لم يخطئ الطريق، وأدرك مقاصد حياته من خلقه، فتبع الرسل، وعمل وفق شرائعهم، فلهم عند الله أجر عظيم لا ينقطع أبدا. وقوله: ﴿بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: أنه أقوى الحاكمين، وفي كل قضائه حكمة ومصلحة. وقد روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين". رواه أحمد (٧٣٩١) والترمذي (٣٣٤٧) وأبو داود (٨٨٧) كلهم من حديث إسماعيل بن أمية، سمعه من شيخ، فقال مرة: سمعته من رجل من أهل البادية أعرابي، سمعت أبا هريرة يقول: فذكره. وإسناده ضعيف من أجل رجل لم يُسَمَّ. قال الترمذي: "هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي، عن أبي هريرة، ولا يُسَمَّى".

стр. 7661

٩٦ - تفسير سورة العلق وهي مكية، وعدد آياتها ١٩ ١ - باب قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ • عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنث فيه - قال: والتحنث: التعبد - اللّيالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوّد بمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال رسول الله ﷺ : "ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني" فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة فقال: "زمِّلوني زمِّلوني"، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوعُ، قال لخديجة: "أي: خديجة، ما لي لقد خشيت على نفسي؟ " فأخبرها الخبر، قالت خديجة: كلا، أبشر، فواللهِ! لا يخزيك الله أبدا، فوالله! إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحملُ الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل - وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرءًا تنصَّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرًا قد عمي -، فقالت خديجة: يا ابنَ عمِّ! اسمع من ابن أخيك. قال ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟ ، فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا النّاموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جَذَعٌ، ليتني أكونُ حيًّا - ذكر حرفا - قال رسول الله ﷺ : "أو مخرجيَّ هُمْ؟ ! " قال ورقة:

стр. 7662

نعم، لم يأتِ رجلٌ بما جئتَ به إلّا أوذي، وإنْ يدركني يومُك حيا أنصرك نصرا مؤزّزًا. ثم لم ينشبْ ورقةُ أن توفي، وفَتَرَ الوحيُ فترة حتى حزن رسول الله ﷺ . متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٥٣)، ومسلم في الإيمان (١٦٠) كلاهما من طريق يونس بن يزيد، قال: أخبرني ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: فذكرته. واللفظ للبخاريّ. ٢ - باب قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ • عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى. زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا". قال: فأنزل الله لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه -: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يعني أبا جهل، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾ زاد عبيد الله في حديثه قال: وأمره بما أمره به. وزاد ابن عبد الأعلى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ يعني: قومه. صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٧٩٧) من طرق عن المعتمر (وهو ابن سليمان)، عن أبيه، حدثني نُعَيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. • عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي ﷺ فقال: "لو فعله لأخذته الملائكة". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٥٨) عن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قال ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن

стр. 7663

هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ ، فزبره. فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ فقال ابن عباس: والله! لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله. صحيح: رواه الترمذي (٣٣٤٩) عن أبي سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وفيه عن أبي هريرة. قوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ يعني ناصية أبي جهل، كاذبة في مقالها، خاطئة في فعالها. وقوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي: قومه وعشيرته. وقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ جمع زِبْنى، مأخوذ من الزبن، وهو الدفع، وهم الملائكة الغلاظ الشداد يدفعونه إلى العذاب. • * * ٩٧ - تفسير سورة القدر وهي مكية، وعدد آياتها ٥ ١ - باب قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ أي: إن الله أنزل القرآن في ليلة القدر، وهي ليلة مباركة، كما في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وليلة القدر في شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ . وليلة القدر على الصحيح أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان في ليالي الوتر. • عن أبي سلمة قال: سألت أبا سعيد - وكان لي صديقا - فقال: اعتكفنا مع النبي ﷺ العشر الأوسط من رمضان، فخرج صبيحة عشرين، فخطبنا وقال: "إني أريت ليلة القدر، ثم أنسيتها - أو نُسِّيتها - فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت

стр. 7664

أني أسجد في ماء وطين". متفق عليه: رواه البخاري في فضل ليلة القدر (٢٠١٦) ومسلم في الصيام (١١٦٧: ٢١٦) كلاهما من حديث هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ أي: إن العمل الصالح في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر في غير ليلة القدر، ومن العمل الصالح قراءة القرآن، وقيام الليل، والذكر والدعاء، والصدقة، وصلة الأرحام وغير ذلك. وجاء في الصحيح. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا كفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه: رواه البخاري في الصوم (١٩٠١) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٠) كلاهما من حديث هشام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. وفي ليلة القدر أحاديث كثيرة مخرجة في موضعها. ٣ - باب قوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ والروح المراد به جبريل ﵇، ويكون معه الملائكة، وهذا من باب عطف الخاص على العام. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي: إن نزولهم إلى الأرض يكون فيه كل نوع من الخير والبركة. وقال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور، وتقدر الآجال والأرزاق، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. وقوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: يسلمون على كل مصل، وجالس في المسجد للذكر، وعلى كل من يعمل عملا صالحا في هذه الليلة المباركة، وينتهي هذا النزول بطلوع الفجر. • * *

стр. 7665

٩٨ - تفسير سورة البيّنة وهي مدنية، وعدد آياتها ٨ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ " قال: وسمَّاني لك؟ قال: "نعم"، قال: فبكى. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٥٩) ومسلم في صلاة المسافرين (٧٩٩: ٢٤٦) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث عن أنس، قال: فذكره، واللفظ لمسلم. • عن أنس بن مالك أن نبي الله ﷺ قال لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرئك القرآن" قال: الله سماني لك؟ قال: "نعم قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: "نعم" فذرفت عيناه. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦١) عن أحمد بن أبي داود أبي جعفر المنادي، حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره. • عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن" قال: فقرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: فقرأ فيها: "ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه، لسأل ثانيا، ولو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذلك الدين عند الله الحنيفية غير المشركة، ولا اليهودية، ولا النصرانية، ومن يفعل خيرا فلن يُكْفَرْه".

стр. 7666

حسن: رواه الترمذي (٣٧٩٣) وأحمد (٢١٢٠٢) واللفظ له، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٢٢٤) كلهم من حديث شعبة بن الحجاج، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة فإنه حسن الحديث. وفي معناه أحاديث أخرى مخرجة في كتاب الزهد، فليراجع شرحها هناك. قوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يعني: منتهين عن كفرهم وشركهم وضلالهم. وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: البينة الواضحة والبرهان الساطع وهو القرآن. وقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ أي: محمد ﷺ الذي أرسله الله إليهم ليقرأ عليهم صحفا مطهرة، وهو القرآن، وكنى عنه بالصحف المطهرة لأنه مكتوب في الملأ الأعلى ومحفوظ عن قربان الشياطين، لا يمسها إلا المطهرون. وقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: إن فيها كتبا وهي السور والآيات. والقيمة: المراد بها أخبار صادقة وأوامر عادلة مستقيمة. فإذا جاءت هذه البينة فحينئذ يتبين من هو طالب الحق فيتبعه، ومن ليس بطالب الحق، فيهلك مثل ما وقع في الماضي لأهل العلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فيا من أرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وأنزل عليه هذا القرآن العظيم لا تكونوا مثل هؤلاء، كما قال تعالى في سورة آل عمران [١٠٥]: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع أنهم لم يؤمروا إلا أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا بالله أحدا، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ أي: معرضين عن سائر الأديان المخالفة لدين الإسلام. وقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ لأن من أفضل مظاهر الإخلاص لله المواظبة على الصلوات، لأنها من أشرف العبادات. والزكاة هي المواساة للفقراء والمساكين. والملة التي تتكون من هذه العناصر تكون ملة عادلة، وملة قائمة على الحق والإحسان. وأما جزاء من جاءتهم البينة ولم يقبلوها فمصيرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ذلك لأنهم عرفوا الحق ولم يقبلوه، فلهم نار جهنم ماكثين فيها لا يحولون عنها، وهم وصفوا ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: شر الخليقة. وأما الذين قبلوا الحق، فهم الأبرار، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: إن الله رضي عنهم فأعد لهم الجنة ونعيمها، وهم رضوا بهذه النعم والفضل العظيم الذي منحهم الله تعالى.

стр. 7667

وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: إن هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله، واتقاه حق تقواه، وعبده حق عبادته. • * * ٩٩ - تفسير سورة الزلزال وهي مكية، وعدد آياتها ٨ • عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: أقرئني: يا رسول الله! قال له: "اقرأ ثلاثا من ذات ﴿الر﴾ " فقال الرجل: كبرت سني، واشتد قلبي، وغلظ لساني، قال: "فاقرأ من ذات ﴿حمّ﴾ " فقال مثل مقالته الأولى، فقال: "اقرأ ثلاثا من الْمُسَبِّحات " فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئنى يا رسول الله! سورة جامعة، فأقرأه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق! لا أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "أفلح الرويجل، أفلح الرويجل" ثم قال: "عليَّ به" فجاءه، فقال له: "أمرت بيوم الأضحى، جعله الله عيدا لهذه الأمة" فقال الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة ابني، أفأضحِّي بها؟ قال: "لا ولكن تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله". حسن: رواه أحمد (٦٥٧٥) والسياق له، وأبو داود (١٣٩٩، ٢٧٨٩) والنسائي (٤٣٦٥) وصحَّحه ابن حبان (٥٩١٤) والحاكم (٢/ ٥٣٢) كلهم من طريق عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. وإسناده حسن من أجل عيسى بن هلال، فقد روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، والفسوي في ثقات التابعين من أهل مصر. وقوله: "من ذات"، أي: من السور التي تبدأ بهذه الأحرف الثلاثة التي تقرأ مقطعة: ألف، لام، را. والذي في القرآن منها خمس سور: يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر. وقوله: "من ذات حم"، أي: من السور التي تبدأ بهذين الحرفين: حا، ميم. وهي في القرآن سبع سور: غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف. وقوله: "من المسبحات"، أي: السور التي أولها سبَّح، ويُسَبِّح، وسَبِّحْ، وهي: الحديد،

стр. 7668

والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى. ١ - ما جاء في قراءة سورة الزلزال في ركعتين • عن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلا من جهينة أخبره، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ ؟ أم قرأ ذلك عمدا. حسن: رواه أبو داود (٨١٦) عن أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن معاذ بن عبد الله الجهني، فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن أبي هلال وشيخه معاذ بن عبد الله الجهني، فإنهما حسنا الحديث، وجهالة الصحابة لا تضر. وما ورد من فضائل سورة الزلزال بأنها تعدل نصف القرآن فهو ضعيف، روي ذلك عن أنس بن مالك، رواه الترمذي (٢٨٩٣) وغيره، وفيه الحسن بن سَلْم بن صالح العجلي مجهول، كما قال العقيلي وغيره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هذا الشيخ: الحسن بن سَلْم، وفي الباب عن ابن عباس". ثم رواه عنه (٢٨٩٤) هو والحاكم (١/ ٥٦٦) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا يمان بن المغيرة العنزي، حدثنا عطاء، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: "لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "بل يمان ضعفوه". قلت: وهو كما قال، فقد ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة، وقال البخاري: منكر الحديث. ولم يُحَسِّن الترمذي أحد هذين الحديثين، مع أنه كان على رسمه في تحسينه؛ لأن ضعف حديث أنس ليس بشديد، ويقويه حديث ابن عباس، مع ضعف فيه، غير أنه ليس فيه من يتهم، ومع ذلك لم يحسنهما. وقوله: "نصف القرآن" أي إن القرآن يشمل أمرين: أمرا في الدنيا وأحكامها، وأمرا في الآخرة وأحكامها، فتكون هذه السورة تعدل نصف القرآن؛ لأنها تشتمل على أحكام الآخرة كما قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٣١٧، ٣١٨) وقال: "وأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحا". ٢ - باب قوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ أي: ألقت ما فيها من موتاها وكنوزها، فتلقيها على ظهرها.

стр. 7669

وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ٣ - ٤]. وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت. ويجيء القاطعُ فيقول: في هذا قطعتُ رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٣) من طرق عن محمد بن فُضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تحدث بما عمل العاملون على ظهرها. وروي في ذلك عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: "أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمِلْتَ عليَّ كذا وكذا، يوم كذا وكذا، قال: فهو أخبارها". رواه الترمذي (٢٤٢٩) وأحمد (٨٨٦٧) وصحَّحه ابن حبان (٧٣٦٠) والحاكم (٢/ ٥٣٢) والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩١٥) كلهم من حديث سعيد بن أبي أيوب، حدثني يحيى بن أبي سليم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. قال الترمذي: حسن غريب صحيح. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "يحيى هذا منكر الحديث، قاله البخاري". قلت: وهو كما قال، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي مضطرب الحديث، يكتب حديثه. ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٦٩١٣) من وجه آخر عن رشدين بن سعد، عن يحيى بن أبي سليمان، عن أبي حازم، عن أنس، أنه سمع يحدث أن رسول الله ﷺ قال: فذكر نحوه. ورشدين بن سعد ضعيف. قال البيهقي: "خالفه غيره عن يحيى بن أبي سليمان، فرواه كما ذكره، وقال: هذا أصح من رواية رشدين بن سعد، ورشدين بن سعد ضعيف" انتهى قوله. ولم يتكلم على يحيى بن أبي سليمان. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أوحى لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها واحد كما قال البخاري. ومعنى الوحي هنا الأمر، أي: أمر الأرض أن تنشق عنهم. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ أشتات جمع شت، أي: يصدر الناس عن مواقف الحساب ﴿أَشْتَاتًا﴾ أنواعا وأصنافا ما بين شقي وسعيد، أي: أنهما يرجعون عن الموقف فرقا،

стр. 7670

لينزلوا منازلهم من الجنة والنار، فالذين هم في جهة اليمين يدخلون الجنة، والذين هم في جهة الشمال يدخلون النار. ٣ - باب قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ هذه الآية معدودة من جوامع الكلم، وقد وصفها النبي ﷺ بالجامعة الفاذة، كما في الحديث الآتي: • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن الحمر، قال: "ما أنزل الله عليَّ فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٢) ومسلم في الزكاة (٩٨٧) كلاهما من طريق زيد بن أسلم، أن أبا صالح ذكوان السمان، أخبره أنه سمع أبا هريرة، يقول: فذكره في سياق طويل. وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هذه أحكم آية في القرآن. وقال الحسن: قدم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبي ﷺ يستقرئ النبي ﷺ القرآن، فقرأ عليه هذه الآية، فقال صعصعة: حسبي، فقد انتهت الموعظة، لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها. وهو مرسل. • * * ١٠٠ - تفسير سورة العاديات وهي مكية، وعدد آياتها ١١ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ جمع العادية، وهو اسم فاعل من العدو وهو السير السريع، ولذا قال
следующие страницы →