← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

حسن: رواه الترمذي (٣٧٩٣) وأحمد (٢١٢٠٢) واللفظ له، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٢٢٤) كلهم من حديث شعبة بن الحجاج، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة فإنه حسن الحديث. وفي معناه أحاديث أخرى مخرجة في كتاب الزهد، فليراجع شرحها هناك. قوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ يعني: منتهين عن كفرهم وشركهم وضلالهم. وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: البينة الواضحة والبرهان الساطع وهو القرآن. وقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ أي: محمد ﷺ الذي أرسله الله إليهم ليقرأ عليهم صحفا مطهرة، وهو القرآن، وكنى عنه بالصحف المطهرة لأنه مكتوب في الملأ الأعلى ومحفوظ عن قربان الشياطين، لا يمسها إلا المطهرون. وقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أي: إن فيها كتبا وهي السور والآيات. والقيمة: المراد بها أخبار صادقة وأوامر عادلة مستقيمة. فإذا جاءت هذه البينة فحينئذ يتبين من هو طالب الحق فيتبعه، ومن ليس بطالب الحق، فيهلك مثل ما وقع في الماضي لأهل العلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فيا من أرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وأنزل عليه هذا القرآن العظيم لا تكونوا مثل هؤلاء، كما قال تعالى في سورة آل عمران [١٠٥]: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع أنهم لم يؤمروا إلا أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا بالله أحدا، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ أي: معرضين عن سائر الأديان المخالفة لدين الإسلام. وقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ لأن من أفضل مظاهر الإخلاص لله المواظبة على الصلوات، لأنها من أشرف العبادات. والزكاة هي المواساة للفقراء والمساكين. والملة التي تتكون من هذه العناصر تكون ملة عادلة، وملة قائمة على الحق والإحسان. وأما جزاء من جاءتهم البينة ولم يقبلوها فمصيرهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ذلك لأنهم عرفوا الحق ولم يقبلوه، فلهم نار جهنم ماكثين فيها لا يحولون عنها، وهم وصفوا ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: شر الخليقة. وأما الذين قبلوا الحق، فهم الأبرار، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: إن الله رضي عنهم فأعد لهم الجنة ونعيمها، وهم رضوا بهذه النعم والفضل العظيم الذي منحهم الله تعالى.

стр. 7667

وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: إن هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله، واتقاه حق تقواه، وعبده حق عبادته. • * * ٩٩ - تفسير سورة الزلزال وهي مكية، وعدد آياتها ٨ • عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: أقرئني: يا رسول الله! قال له: "اقرأ ثلاثا من ذات ﴿الر﴾ " فقال الرجل: كبرت سني، واشتد قلبي، وغلظ لساني، قال: "فاقرأ من ذات ﴿حمّ﴾ " فقال مثل مقالته الأولى، فقال: "اقرأ ثلاثا من الْمُسَبِّحات " فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئنى يا رسول الله! سورة جامعة، فأقرأه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق! لا أزيد عليها أبدا، ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "أفلح الرويجل، أفلح الرويجل" ثم قال: "عليَّ به" فجاءه، فقال له: "أمرت بيوم الأضحى، جعله الله عيدا لهذه الأمة" فقال الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة ابني، أفأضحِّي بها؟ قال: "لا ولكن تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله". حسن: رواه أحمد (٦٥٧٥) والسياق له، وأبو داود (١٣٩٩، ٢٧٨٩) والنسائي (٤٣٦٥) وصحَّحه ابن حبان (٥٩١٤) والحاكم (٢/ ٥٣٢) كلهم من طريق عياش بن عباس القتباني، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. وإسناده حسن من أجل عيسى بن هلال، فقد روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات، والفسوي في ثقات التابعين من أهل مصر. وقوله: "من ذات"، أي: من السور التي تبدأ بهذه الأحرف الثلاثة التي تقرأ مقطعة: ألف، لام، را. والذي في القرآن منها خمس سور: يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر. وقوله: "من ذات حم"، أي: من السور التي تبدأ بهذين الحرفين: حا، ميم. وهي في القرآن سبع سور: غافر، وفصلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف. وقوله: "من المسبحات"، أي: السور التي أولها سبَّح، ويُسَبِّح، وسَبِّحْ، وهي: الحديد،

стр. 7668

والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، والأعلى. ١ - ما جاء في قراءة سورة الزلزال في ركعتين • عن معاذ بن عبد الله الجهني أن رجلا من جهينة أخبره، أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أنسي رسول الله ﷺ ؟ أم قرأ ذلك عمدا. حسن: رواه أبو داود (٨١٦) عن أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن معاذ بن عبد الله الجهني، فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن أبي هلال وشيخه معاذ بن عبد الله الجهني، فإنهما حسنا الحديث، وجهالة الصحابة لا تضر. وما ورد من فضائل سورة الزلزال بأنها تعدل نصف القرآن فهو ضعيف، روي ذلك عن أنس بن مالك، رواه الترمذي (٢٨٩٣) وغيره، وفيه الحسن بن سَلْم بن صالح العجلي مجهول، كما قال العقيلي وغيره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هذا الشيخ: الحسن بن سَلْم، وفي الباب عن ابن عباس". ثم رواه عنه (٢٨٩٤) هو والحاكم (١/ ٥٦٦) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا يمان بن المغيرة العنزي، حدثنا عطاء، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: "لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "بل يمان ضعفوه". قلت: وهو كما قال، فقد ضعَّفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة، وقال البخاري: منكر الحديث. ولم يُحَسِّن الترمذي أحد هذين الحديثين، مع أنه كان على رسمه في تحسينه؛ لأن ضعف حديث أنس ليس بشديد، ويقويه حديث ابن عباس، مع ضعف فيه، غير أنه ليس فيه من يتهم، ومع ذلك لم يحسنهما. وقوله: "نصف القرآن" أي إن القرآن يشمل أمرين: أمرا في الدنيا وأحكامها، وأمرا في الآخرة وأحكامها، فتكون هذه السورة تعدل نصف القرآن؛ لأنها تشتمل على أحكام الآخرة كما قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٣١٧، ٣١٨) وقال: "وأحرى بهذا الحديث أن يكون صحيحا". ٢ - باب قوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾ قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ أي: ألقت ما فيها من موتاها وكنوزها، فتلقيها على ظهرها.

стр. 7669

وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ٣ - ٤]. وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت. ويجيء القاطعُ فيقول: في هذا قطعتُ رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠١٣) من طرق عن محمد بن فُضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تحدث بما عمل العاملون على ظهرها. وروي في ذلك عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: "أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمِلْتَ عليَّ كذا وكذا، يوم كذا وكذا، قال: فهو أخبارها". رواه الترمذي (٢٤٢٩) وأحمد (٨٨٦٧) وصحَّحه ابن حبان (٧٣٦٠) والحاكم (٢/ ٥٣٢) والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩١٥) كلهم من حديث سعيد بن أبي أيوب، حدثني يحيى بن أبي سليم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. قال الترمذي: حسن غريب صحيح. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "يحيى هذا منكر الحديث، قاله البخاري". قلت: وهو كما قال، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي مضطرب الحديث، يكتب حديثه. ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٦٩١٣) من وجه آخر عن رشدين بن سعد، عن يحيى بن أبي سليمان، عن أبي حازم، عن أنس، أنه سمع يحدث أن رسول الله ﷺ قال: فذكر نحوه. ورشدين بن سعد ضعيف. قال البيهقي: "خالفه غيره عن يحيى بن أبي سليمان، فرواه كما ذكره، وقال: هذا أصح من رواية رشدين بن سعد، ورشدين بن سعد ضعيف" انتهى قوله. ولم يتكلم على يحيى بن أبي سليمان. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ أوحى لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها واحد كما قال البخاري. ومعنى الوحي هنا الأمر، أي: أمر الأرض أن تنشق عنهم. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ أشتات جمع شت، أي: يصدر الناس عن مواقف الحساب ﴿أَشْتَاتًا﴾ أنواعا وأصنافا ما بين شقي وسعيد، أي: أنهما يرجعون عن الموقف فرقا،

стр. 7670

لينزلوا منازلهم من الجنة والنار، فالذين هم في جهة اليمين يدخلون الجنة، والذين هم في جهة الشمال يدخلون النار. ٣ - باب قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ هذه الآية معدودة من جوامع الكلم، وقد وصفها النبي ﷺ بالجامعة الفاذة، كما في الحديث الآتي: • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن الحمر، قال: "ما أنزل الله عليَّ فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٢) ومسلم في الزكاة (٩٨٧) كلاهما من طريق زيد بن أسلم، أن أبا صالح ذكوان السمان، أخبره أنه سمع أبا هريرة، يقول: فذكره في سياق طويل. وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هذه أحكم آية في القرآن. وقال الحسن: قدم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبي ﷺ يستقرئ النبي ﷺ القرآن، فقرأ عليه هذه الآية، فقال صعصعة: حسبي، فقد انتهت الموعظة، لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها. وهو مرسل. • * * ١٠٠ - تفسير سورة العاديات وهي مكية، وعدد آياتها ١١ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ جمع العادية، وهو اسم فاعل من العدو وهو السير السريع، ولذا قال

стр. 7671

جمع من المفسرين من الصحابة والتابعين وغيرهم: هي الخيل العادية في سبيل الله. وقوله: ﴿ضَبْحًا﴾ من الضبح وهو اضطراب النفَس المتردد من الحنجرة دون أن يخرج من الفم، وهو من أصوات الخيل والسباع. قال ابن عباس: ليس شيء من الحيوانات تضبح غير الفرس والكلب والثعلب، وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغير حالها من تعب أو فزع، وهو من قولهم: ضبحته النار إذا غيرت لونه. قال علي بن أبي طالب وجماعة من التابعين وأتباعهم: هي الإبل. ويقال: إن ابن عباس رجع عن قوله الخيل إلى الإبل بعد أن ناقشه علي بن أبي طالب. والقول الأول رجَّحه ابن جرير وغيره. وقوله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ القَدْح: حكُّ الجسم على آخر ليقدح نارا، يقال: قدح فأورى، والمراد منه الخيل التي توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة. وقوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ أي: جمع الكفار من العدو. وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هذا هو المقسم عليه، ومعناه إنه لنعم ربه لجحود وكفور. وقوله: ﴿لَكَنُودٌ﴾ من كند وهو الكفور بالنعمة، يقال: أرض كنود، أي: الأرض التي لا تنبت شيئا. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ الضمير عائد إلى الإنسان حسب الظاهر الذي يقتضيه اتساق الضمائر. ولكن رأى جمهور أهل العلم إنه عائد إلى الله ، فإنه على ذلك لشهيد، أي: شاهد. ويؤيد القول الأول قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي: الإنسان، والخير هو المال، يعني: إن الإنسان لشديد المحبة للمال. وقوله: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور﴾ أي: أُبْرِز وأظهر ما في الصدور من خير أو شر. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِير﴾ قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ي: يوم الحساب ليحاسبهم ويجازيهم، وإلا فهو خبير في ذلك اليوم وفي غيره. • * *

стр. 7672

١٠١ - تفسير سورة القارعة وهي مكية، وقيل: مدنية، وعدد آياتها ١١ ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ قوله: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغيرها. والقرع هو ضرب جسم بآخر بشدة لها صوت، وأطلق هنا على الحدث العظيم وهو يوم القيامة. وقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ الفراش: فرخ الجراد حين يخرج من بيضه، وهو كما وصف الله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ أي: صارت كأنها الصوف المنفوش، الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته، وقد ورد ذكر الميزان للأعمال يوم القيامة كثيرا في القرآن. وقوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ العيشة اسم مصدر العيش، كالخيفة اسم للخوف، والمراد بالعيشة الحياة. قوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي في حياة سعيدة طيبة في الجنة. وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: رجحت سيئاته على حسناته. قوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ أي: ساقط هاوٍ بأم رأسه في نار جهنم. وهاوية هو: المكان المنخفض بين الجبلين الذي إذا سقط فيه إنسان أو دابة هلك. ويقال: سقط في الهاوية، يراد بها جهنم، وقيل: إنه اسم لجهنم. وقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ حارة شديدة الحر، قوية اللهب، وقد وصف نار جهنم كما في الصحيح. • عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم" قالوا: يا رسول الله! إن كانت لكافية، فقال: "إنها فُضِّلَتْ عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها".

стр. 7673

متفق عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (٣٢٦٥) ومسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٤٣) كلاهما من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ولفظهما سواء. • * * ١٠٢ - تفسير سورة التكاثر وهي مكية عند جمهور أهل العلم، إلا أن البخاري يرى أنها مدنية، كما قال القرطبي في تفسيره، وعدد آياتها ٨ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عن طاعة ربكم وامتثال أوامره. وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِر﴾ أي: صرتم من الميتين، ودُفنتم في المقابر، والمقابر جمع مقبرة، والأرض التي فيها قبور كثيرة تسمى مقبرة. وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ليس الأمر كما ظننتم بأن الأمر بالتكاثر والتفاخر بل ستعلمون قريبا بطلان ما كنتم ظننتم. وقوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ التكرار للتأكيد. وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ جواب لو محذوف، أي: لو تعلمون علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر. وإضافة ﴿عِلْمَ﴾ إلى ﴿الْيَقِينِ﴾ إضافة بيانية، فإن اليقين علم، أي لو علمتم علما مطابقا للواقع لما صارت هذه حالكم. المخاطبون في هذه الآيات كفار مكة الذين كفروا بالله، ولم يؤمنوا بهذا النبي الكريم الذي جاء ليخرجهم من الظلمات إلى النور. وفيه تحذير شديد للمؤمنين الذين يشغلهم التكاثر في الأموال والأولاد، وأنهم سوف يسألون يوم القيامة عن الأنعم إلا من ﵀، وأدى حق أنعمه.

стр. 7674

• عن أبي بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٤٠) فقال: وقال لنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي بن كعب، فذكره. وقوله: "وقال لنا" حكمه حكم المتصل، لأن أبا الوليد من شيوخه. وقول أبي: "هذا من القرآن" يشير إلى حديث أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". رواه البخاري في الرقاق (٦٤٣٩) ومسلم في الزكاة (١٠٤٨) كلاهما من حديث ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك، فذكره. وأبي بن كعب الخزرجي الأنصاري من قراء الصحابة، فقوله: "حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ الظاهر أنها نزلت بالمدينة. وقول القرطبي: "يرى البخاري أنها مدنية" يحمل على إخراجه حديث أبي بن كعب الخزرجي الأنصاري. • عن عبد الله بن الشخير قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي" قال: "وهل لك يا ابن آدم! من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدّقتَ فأمضيتَ" صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٥٨) عن هداب بن خالد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن أبيه عبد الله بن الشخير، فذكره. • عن الزبير قال: لما نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] قال الزبير: أي رسول الله! مع خصومتنا في الدنيا؟ قال: "نعم"، ولما نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الزبير: أي رسول الله! أي نعيم نسأل عنه، وإنما يعني: هما الأسودان: التمر والماء؟ قال: "أما إن ذلك سيكون". حسن: رواه أحمد (١٤٠٥) والترمذي (٣٣٥٦)، وابن ماجه (٤١٥٨) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير بن العوام، عن أبيه فذكره. واللفظ لأحمد ولفظ الآخرين نحوه. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة فإنه حسن الحديث. وحسّنه أيضا الترمذي فقال: "هذا حديث حسن". ورواه الترمذي (٣٣٥٧) عن عبد بن حميد، قال: حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن

стр. 7675

عياش، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الناس: يا رسول الله! عن أي نعيم نُسأل، فإنما هما الأسودان، والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: "إن ذلك سيكون". قال الترمذي: "وحديث ابن عيينة عن محمد بن عمرو عندي أصح من هذا، سفيان بن عيينة أحفظ وأصح حديثا من أبي بكر بن عياش". وهو كما قال، فإن أبا بكر بن عياش لما كبر ساء حفظه، فكان يخطئ في حديثه. وقوله: "أما إن ذلك سيكون" فيه إخبار عن كثرة المال في المستقبل، وقد حصل. • عن محمود بن لبيد، قال: لما نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فقرأها حتى بلغ ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قالوا: يا رسول الله! عن أي نعيم نُسْأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نُسْأل؟ قال: "إن ذلك سيكون". حسن: رواه أحمد (٢٣٦٤٠) عن يزيد بن هارون، وابن أبي شيبة (٣٥٤٨٦) عن محمد بن بشر، وهناد بن السري في الزهد (٧٦٨) عن عبدة بن سليمان، والبيهقي في الشعب (٤٢٧٨) من طريق أبي أسامة حماد بن سلمة، أربعتهم (يزيد، محمد بن بشر، عبدة وأبو أسامة) عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن صفوان بن سليم، عن محمود بن لبيد، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة فإنه حسن الحديث. وكلا الحديثين عن محمد بن عمرو بن علقمة محفوظان، أعني حديث الزبير بن العوام وحديث محمود بن لبيد. • عن جابر بن عبد الله قال: قتل أبي يوم أحد، وترك حديقتين، وليهودي عليه تمر، وتمر اليهودي يستوعب ما في الحديقتين، فقال له رسول الله ﷺ : "هل لك أن تأخذ العام بعضا، وتؤخر بعضا إلى قابل؟ " فأبى، فقال رسول الله ﷺ : "إذا حضر الجداد فآذني" قال: فآذنته، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر وعمر، فجعلنا نَجُدُّ، ويكال له من أسفل النخل، ورسول الله ﷺ يدعو بالبركة، حتى أوفيناه جميع حقه من أصغر الحديقتين - فيما يحسب عمار - ثم أتيناهم برطب وماء، فأكلوا وشربوا، ثم قال: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه". صحيح: رواه النسائي (٣٦٣٩) وأحمد (١٥٢٠٦) - واللفظ له -، وأبو يعلى (٢١٦١) وصحّحه ابن حبان (٣٤١١) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله، قال: فذكره. وإسناده صحيح.

стр. 7676

• عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول الله! قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوموا". فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأةُ قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله ﷺ : "أين فلان؟ "، قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، قال: فانطلق، فجاءهم بعذقٍ، فيه بُسرٌ وتمرٌ ورطبٌ. فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ : "إياك والحلوب". فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده! لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم". وفي رواية: "لا تذبحنَّ ذاتَ دُرٍّ". صحيح: رواه مسلم في الأشربة (٢٠٣٨: ١٤٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا خلف بن خليفة، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي عسيب قال: خرج رسول الله ﷺ ليلا فمَرَّ بي، فدعاني إليه فخرجت، ثم مرَّ بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مرَّ بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: "أطعمنا بسرا" فجاء بعذق فوضعه فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، فقال: "لتسألن عن هذا يوم القيامة" قال: فأخذ عمر العذق، فضرب به الأرض، حتى تناثر البسر قبك رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله! أإنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: "نعم إلا من ثلاث: خرقة كف بها الرجل عورته، أو كسرة سد بها جوعته، أو جحر يتدخل فيه من الحر والقر". حسن: رواه أحمد (٢٠٦٧٨) عن سريج (هو ابن النعمان)، حدثنا حشرج، عن أبي نصيرة (واسمه مسلم بن عبيد)، عن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ ، فذكره. وإسناده حسن من أجل حشرج وهو ابن نباتة الأشجعي، مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن في حديثه ما ينكر، وحديثه هذا له شواهد كثيرة. وفي الحديث إشارة إلى أن الحياة لا تستقيم إلا بثلاثة أشياء: وهي اللباس والطعام والسكن.

стр. 7677

• عن ابن عباس، قال: خرج أبو بكر بالهاجرة إلى المسجد، فسمع بذلك عمر، فقال: يا أبا بكر! ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: ما أخرجني إلا ما أجد من حاقِّ الجوع، قال: وأنا - والله - ما أخرجني غيره، فبينما هما كذلك، إذ خرج عليهما النبي ﷺ ، فقال: "ما أخرجكما هذه الساعة؟ " قالا: والله! ما أخرجنا إلا ما نجد في بطوننا من حاقِّ الجوع، قال: "وأنا والذي نفسي بيده! ما أخرجني غيره، فقوما". فانطلقوا حتى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري، وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله ﷺ طعاما أو لبنًا، فأبطأ عنه يومئذ، فلم يأت لحينه، فأطعمه لأهله، وانطلق إلى نخله يعمل فيه، فلما انتهوا إلى الباب، خرجت امرأته، فقالت: مرحبا بنبي الله ﷺ وبمن معه، فقال لها نبي الله ﷺ : "فأين أبو أيوب؟ " فسمعه وهو يعمل في نخل له، فجاء يشتد، فقال: مرحبا بنبي الله ﷺ وبمن معه، يا نبي الله! ليس بالحين الذي كنت تجيء فيه، فقال له النبي ﷺ : "صدقت" قال: فانطلق، فقطع عذقًا من النخل فيه من كل التمر والرطب والبسر، فقال النبي ﷺ : "ما أردت إلى هذا، ألا جنيت لنا من تمره؟ " فقال: يا نبي الله! أحببت أن تأكل من تمره ورطبه وبسره، ولأذبحنّ لك مع هذا. قال: "إن ذبحت، فلا تذبحن ذات در"، فأخذ عناقًا أو جديًا، فذبحه، وقال لامرأته: اخبزي واعجني لنا وأنت أعلم بالخبز، فأخذ الجدي، فطبخه وشوى نصفه. فلما أدرك الطعام، وضع بين يدي النبي ﷺ وأصحابه، فأخذ من الجدي، فجعله في رغيف، فقال: "يا أبا أيوب! أبلغ بهذا فاطمة، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام"، فذهب به أبو أيوب إلى فاطمة، فلما أكلوا وشبعوا، قال النبي ﷺ : "خبز ولحم وتمر وبسر ورطب" ودمعت عيناه، "والذي نفسي بيده! إن هذا لهو النعيم الذي تسألون عنه، قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، فهذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة" فكبر ذلك على أصحابه، فقال: "بل إذا أصبتم مثل هذا، فضربتم بأيديكم، فقولوا: بسم الله، وإذا شبعتم، فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا، وأنعم علينا وأفضل، فإن هذا كفاف بها". فلما نهض، قال لأبي أيوب "ائتنا غدًا"، وكان لا يأتي إليه أحد معروفًا إلا أحب أن يجازية، قال: وأن أبا أيوب لي يسمع ذلك، فقال عمر: إن النبي ﷺ أمرك أن تأتيه غدًا، فأتاه من الغد، فأعطاه وليدته، فقال: "يا أبا أيوب! استوص بها خيرًا، فإنا لم نرى إلا خيرًا ما دامت عندنا"، فلما جاء بها أبو أيوب من عند رسول الله ﷺ قال: لا

стр. 7678

أجد لوصية رسول الله ﷺ خيرًا من أن أعتقها، فأعتقها. حسن: رواه ابن حبان (٥٢١٦) والطبراني في الصغير (١٨٥) كلاهما من طريق علي بن خشرم، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن عبد الله بن كيسان، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن كيسان، وهو المروزي، فإنه حسن الحديث، إلا في رواية ابنه عنه، فإنه يتقى منه، كما قال ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٣) إلا أن في بعض ألفاظه غرابة، وقد اعترف ابن حبان في أول إسناده بأنه خبر غريب. • * * ١٠٣ - تفسير سورة العصر وهي مكية، وعدد آياتها ٣ ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ سورة العصر هي إحدى سور ثلاث هن أقصر السور، وعدد آياتها ثلاث، هي والكوثر، والنصر. وسورة العصر مع قصرها تشتمل على أهم ثلاثة أمور في حياة الإنسان، وهي: ١ - الخسران للكفار والمشركين. ٢ - النجاة للمؤمنين. ٣ - الصبر على ما يصيب الإنسان في التواصي بالخير. ولذا كان الإمام الشافعي يقول: لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم، وفي رواية: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم. وقال غيره: إنها شملت جميع علوم القرآن. قوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ أي: أقسم الله تعالى بالعصر، والمراد منه الدهر، كما قال ابن عباس، وهو الظاهر، وإن كان العصر استعمل لمعان عدة، وأشهرها آخر النهار، وهو وقت صلاة العصر. وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي: جنس الإنسان، وهو يستغرق جميع أفراد الإنسان عند نزول هذه الآية الكريمة ومن جاء بعدهم، سواء بلغتهم الدعوة ومن لم تبلغهم، فالخسران صفة لازمة للإنسان، والخسر هو الهلكة، وقيل: العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩].

стр. 7679

وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ استثنى من الخسران: الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبقي حكم الخسران متحققا في غير المؤمنين على مرّ الدهور إلى يوم القيامة. وهذه مناسبة للقسم بالعصر، أي: الدهر. وقوله: التواصي بالحق من الأعمال الصالحة، وقد يلحقه الأذى والمشقة كما حصلت للأنبياء ﵈، ومن على طريقتهم في الدعوة والتبليغ، فأمروا بالتواصي بالصبر، لأن الصبر مفتاح النجاح، ولذا أمر الله تعالى في سورة البقرة [٤٥]: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. رويَ عن أبي مدينة الدارمي - وكانت له صحبة - قال: كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ : إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر﴾، ثم يسلّم أحدهما على الآخر. قال علي بن المديني: اسم أبي مدينة عبد الله بن حصن. رواه الطبراني في الأوسط (٥١٢٠) عن محمد بن هشام المستملي، حدثنا عبيد الله بن عائشة، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أبي مدينة الدارمي قال: فذكره. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٠٧): "رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير ابن عائشة وهو ثقة". وهو كما قال إلا ان أبا مدينة الدارمي واسمه كما قال علي بن المديني عبد الله بن حصن، هو من التابعين من يكنى بهذه الكنية واسمه واسم أبيه مثله إلا أنه ينسب إلى سدوس، ذكره البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والله أعلم بالصواب. والأمر لا يخرج من كون هذا العمل منقولا من الصحابي أو التابعي، وليس فيه شيء مرفوعا، وهو ليس على شرط الجامع الكامل. • * *

стр. 7680

١٠٤ - تفسير سورة الهمزة وهي مكية، وعدد آياتها ٩ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩﴾ قوله: ﴿وَيْلٌ﴾ هو الخزي والعذاب والهلكة والدعاء على المجرور. وقوله: ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قال ابن عباس: هم المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة. والهمزة: على وزن فُعلة، وهي صيغة تدل على كثرة صدور هذا الفعل، وهو مشتق من الهمز. وقوله: ﴿لُمَزَةٍ﴾ من اللمز، يقال: إن الهمزة الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة: الذي يغتاب في الوجه. وقال سفيان الثوري: الهمزة الذي يهمز بلسانه، واللمزة الذي يلمز بعينيه. والوصف الجامع للهمزة اللمزة كثرة الغيبة، وقد اشتهر الكفار والمشركون بهذين الوصفين لأذى المسلمين، وهما من الصفات الذميمة، يجب على المسلم أن يجتنب منهما. قوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ هي لزيادة تشنيع للهمازين واللمازين، الذين جمعوا المال، ولم يؤدوا حقه، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨]. وقوله: ﴿وَعَدَّدَهُ﴾ أي: أحصاه، وأكثر من عدِّه لشدة ولعه بجمعه، فالتضعيف للمبالغة في عَدَّ. وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ أي: أنه يظن أن ماله يبقيه حيا لا يموت، لأن الخلود في الدنيا أقصى ما يتمناه الكافر بخلاف المؤمن. وقوله: ﴿كَلَّ﴾ فيه إبطال ما ظنوه. وقوله: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ النبذ هو الإلقاء والطرح، وهو أكثر ما يستعمل في المكروه، كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمّ﴾ [القصص: ٤٠]. والحطمة: على وزن فُعلة مثل الهمزة. والحطمة هي نار الله، سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه، وهي من أسماء جهنم، ودرجتها غير معلومة، وما قيل فيها كله ظن وخرص. وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ للتعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها، والاستفهام يفيد تهويل الحطمة. وقوله: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ جواب عن جملة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾. وقوله: ﴿الْمُوقَدَةُ﴾ اسم مفعول من أوقد النار، إذا أشعلها وألهبها.

стр. 7681

ووصف النار بأنها "موقدة" يفيد بأنها لا تزال مشتعلة غير خامدة. وقوله: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي: تحرقهم إلى الأفئدة، وهم أحياء. وقوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ يجوز أن تكون الصفة الثالثة لنار الله. وموصدة اسم مفعول من أوصد الباب إذا أغلقه غلقا محكما ومطبقا. وقوله: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ في بمعنى الباء، أي: موصدة بعمد ممددة، قاله ابن مسعود، وهي في قراءته ﴿بعمد ممددة﴾. وقال ابن عباس: إن العمد الممددة إغلال في أعناقهم. وكل هذه الأوصاف تفيد شدة الإغلاظ عليهم. • * * ١٠٥ - تفسير سورة الفيل وهي مكية، وعدد آياتها ٥ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ إن الله تعالى امتن على قريش خاصة، وأهل مكة عامة، بأنه صرف عنهم أصحاب الفيل، وهو أبرهة وأصحابه، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود، وقصدوا مكة ومعهم فيل عظيم كبير الجثة لم ير مثله، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة، وكان معه أيضا عدد من الأفيال، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس - وهو قريب من مكة - نزل به، وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له: الأسود بن مفصود، فهجاه بعض العرب - فيما ذكره ابن إسحاق - وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت، فجاء حناطة، فدل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله! ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه، فوالله! ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة: فاذهب معي إليه، فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر. ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط،

стр. 7682

وقال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟ ! فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال: أنت وذاك. فلما أراد أبرهة وجيشه دخول مكة أرسل الله عليهم طيرا من البحر مثل الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك، فهلك معظم الجيش، وأدبر الباقون، وكان ممن أصاب أبرهة نفسه، فخرجوا به حتى قدموا صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى صدع صدره عن قلبه. وغنم قريش مالا كثيرا من أسلابهم. هكذا كفى الله أهل مكة أمر عدوهم، وكان ذلك في شهر المحرم الموافق شهر فبراير سنة ٥٧٠ م. وبعد هذه الحادثة العظيمة بخمسين يوما ولد سيد البشر محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه في أصح أقوال أهل العلم. قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وقد تواترت الأخبار عن قصة أصحاب الفيل عند أهل مكة، وبقيت بعض آثارها شاهدة عليها، والنبي ﷺ خاطب قريشا بهذه القصة. وقوله: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي: إن ربك هو الذي أبطل ما أرادوا مع قوتهم وبأسهم، وفيه تطمين للنبي ﷺ بأن الله قادر على كل شيء، وقد جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليهم رسول الله ﷺ والمؤمنين". متفق عليه: رواه البخاري في العلم (١١٢) ومسلم في الحج (١٣٥٥: ٤٤٨) كلاهما من حديث شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره في سياق طويل، كما هو مذكور في فتح مكة. وقوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ أبابيل هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومعناه جماعات. وقوله: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ السجيل: هو شديد الصلب، هو حجر أصله من طين، وهو مثل قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾، [٨٢] أي: ليست حجرا صخريا، ولكنها طين متحجر مخلوق لعذابهم، لأن هذا الحجر كان إذا وقع على أحدهم خرج به الجدري، مع أن الجدري لم يكن معروفا في مكة قبل ذلك، والحجر الصخري لا يمرض مرض الجدري. وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ العصف هو: ورق الزرع، والعصف إذا دخلته البهائم فأكلته، وداسته بأرجلها، وطرحته على الأرض بعد أن كان أخضر يانعا، هذا تمثيل لحال أصحاب

стр. 7683

الفيل، كيف صاروا متساقطين على الأرض بعد أن كانوا أقوياء. وقال ابن عباس: العصف: القشرة التي تكون على الحبة كالغلاف على الحنطة. • عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. حسن: رواه ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة، فذكرته. السيرة لابن هشام (١/ ٥٧). ومن طريقه رواه البزار - كشف الأستار (٢/ ٤٨). وإسناده حسن من أجل تصريح ابن إسحاق. • * * ١٠٦ - تفسير سورة قريش وهي مكية، وعدد آياتها ٤ ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ • عن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "خص الله قريشا بسبع خصال: فضَّلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين، لا يعبده إلا قرشي، وفضَّلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضَّلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيهم غيرهم، ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾، فضَّلهم بأن فيهم النبوة، والخلافة، والحجابة، والسقاية". حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٩١٦٩) عن مصعب (وهو ابن إبراهيم بن حمزة الزبيري)، حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الله بن مصعب بن الزبير، فهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ. قال فيه أبو حاتم: "هو شيخ بابة عبد الرحمن بن أبي الزناد"، وذكره ابن حبان في الثقات، ولكن ضعَّفه ابن معين، ومثله يستشهد به، وقد روي أيضا عن أم هانئ مثله، رواه الحاكم (٢/

стр. 7684

٥٣٦) عن بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، ثنا أحمد بن عبيد الله النرسي، ثنا يعقوب بن محمد الزهري، ثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت بن شرحبيل، حدثني عثمان بن عبد الله بن أبي عتيق، عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة، عن أبيه، عن جدته أم هانئ، فذكرته. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وتعقبه الذهبي فقال: "يعقوب ضعيف، وإبراهيم صاحب مناكير، هذا أنكرها". قلت: يعقوب بن محمد الزهري مختلف فيه. وإبراهيم بن محمد قال فيه أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، فمثله لا بأس به في الاستشهاد. وقوله: "فضَّلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين، لا يعبده إلا قرشي"، أي: عشر سنين من بعثة النبي ﷺ إلى بيعة العقبة التي كانت بعدها، يعني غالب من دخل في هذه الفترة في الإسلام كانوا من قبيلة قريش. قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم، وتقديم المجرور للاهتمام به، وقريش هو لقب جد النبي ﷺ الأعلى، وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة على قول الجمهور. فيكون نظم الكلام لهذه السورة: ليعبد قريش رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف. وكانت لقريش رحلتان: إحداهما إلى اليمن، وهي: رحلة الشتاء، والأخرى إلى الشام، وهي: رحلة الصيف. أي: أنكم في هاتين الرحلتين لا تخافون الهلاك، لأنكم من سكان البلد الحرام، والناس يحترمونكم لعظمته عندهم. ولذا وجب عليكم أن تعبدوا الله وحده وتشكروه، ولا تشركوا به أحدا. • عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ قال: " ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾، ويحكم يا قريش! اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع، وآمنكم من خوف". حسن: رواه أحمد (٢٧٦٠٧) والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٧٨، ١٧٧) وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٦٤٧) والحاكم (٢/ ٢٥٦) كلهم من طرق عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن في حديثه نكارة. وقال الحاكم: "هذا حديث غريب عال في هذا الباب، والشيخان لا يحتجان بشهر بن حوشب". وهو كما قال، لأنه مختلف فيه، كما بينت، غير أنه حسن الحديث عندي إذا لم يرو ما ينكر عليه، ولم يثبت وهمه.

стр. 7685

١٠٧ - تفسير سورة الماعون وهي مكية، وعدد آياتها ٥ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ فيه استنكار من الله تعالى على الذين يكذبون بالدين، وهو المعاد والجزاء والثواب، ثم بيَّن بعض صفات هؤلاء، فقال: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ أي: يقهر اليتيم ولا يحسن إليه. ومعنى ﴿يَدُعُّ﴾ يدفع بعنف وقهر كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]. وقوله: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ الحض: الحث، ونفي الحض يستلزم نفي الإطعام، وهو من الأخلاق السيئة لهؤلاء المكذبين بيوم الدين. وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. ١ - المراد منه المنافقون الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها. ٢ - أو لا يؤدون الصلاة بأركانها وشروطها خاشعين وخاضعين. ٣ - أو يتركون الصلاة أصلا إذا كان في السر لا يراه غيرهم. والأحاديث الواردة في صلاة المنافقين كثيرة جدا، منها ما جاء في الصحيح. • عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٦٢٢) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك، في داره بالبصرة، فذكره. وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل في صلاتهم ساهون. قال عطاء بن دينار: "والحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل في صلاتهم ساهون". وقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أي: يعملون عملا ليراه الناس، وليس لله ، وهو وصف آخر للمنافقين، كما جاء في سورة النساء: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [١٤٢]

стр. 7686

أي: إن صلَّاها صلَّاها رياء، وإن فاتته لا يندم. وقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ من الصدقة والزكاة والعارية، لأن الماعون يطلق على الإعانة بالمال. ويطلق الماعون على القلة أيضا: مثل الماء والملح والنار، وهذا وصف آخر للمنافقين الذين يبخلون من إعانة الآخرين حتى بالماء والملح والنار. • * * ١٠٨ - تفسير سورة الكوثر وهي مكية، وعدد آياتها ٣ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ قوله: ﴿الْكَوْثَرَ﴾ على وزن فوعل، ومعناه الخير الكثير، والعرب تسمي كل شيء كثير في القدر والعدد كوثرا. والمراد هنا نهر في الجنة، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. • عن أنس قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء، قال: "أتيت على نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٤) عن آدم؛ حدثنا شيبان؛ حدثنا قتادة، عن أنس، قال: فذكره. • عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغْفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه مبتسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنزلت عليّ آنفًا سورة". فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾. ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟ ". فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنّه نهر وعدنيه ربّي ، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمّتي يوم القيامة، آنيته عدد النّجوم، فيختلج العبد منهم. فأقول: ربّ! إنّه من أمّتي. فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك". صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٠٠) من طرق عن علي بن مسهر، عن المختار، عن

стр. 7687

أنس، فذكره. • عن أبي عبيدة، عن عائشة، قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالتْ: هو نهر أعطيه نبيّكم ﷺ ، شاطئاه عليه دُرّ مجوّف، آنيته كعدد النّجوم. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩٦٥) عن خالد بن يزيد الكاهليّ، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، فذكره. • عن ابن عباس قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٦) عن يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: شكرا لله الذي أعطاك الكوثر، وانحر: أي: البدن لتأكل أنت وأهلك، وتقسم على الفقراء والمساكين، والمراد منه الضحايا يوم عيد النحر. وقد استنبط بعض الفقهاء فقالوا: المراد هنا بالصلاة صلاة العيد، والمراد بالنحر الضحايا، فتكون الضحية بعد الصلاة. وقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الأبتر: هو المقطوع بعضه، وغلب على المقطوع ذنبه من الدواب، ثم استعمل لكل من له البنون والبنات، ثم مات البنون وبقي البنات. وقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ فاعل من الشناءة، وهي البغض والعداوة، أي: إن مبغضك يا محمد، ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان هو الأبتر الأذل المنقطع ذكره. وهي نزلت في جماعة من كفار مكة، لما قالوا للنبي ﷺ : دعوه فإنه رجل أبتر، لا عقب له، إذا مات انقطع ذكره، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وقد صار كما قال الله تعالى، فقد انقطع خبر أبي لهب وأبي جهل وغيرهما من صناديد قريش، وأبقى الله ذكره ﷺ في السماء: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ كما أبقى ذكره في الأرض: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فصار ذكره ﷺ على رؤوس الأشهاد، ما تمر لمحة من لمحات إلا يذكر اسمه بصوت عال في أرجاء المعمورة: "وأشهد أن محمدا رسول الله" وقد جعل الله شريعته باقية إلى يوم الحشر والمعاد. • عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، قال: أنتم خير منه، فنزلت: ﴿إِنَّ

стр. 7688

شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، ونزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢، ٥١]. صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١٦٤٣)، والبزار - كشف الأستار (٢٢٩٣) وصحَّحه ابن حبان (٦٥٧٢) كلهم من طريق ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. • * * ١٠٩ - تفسير سورة الكافرون وهي مكية، وعدد آياتها ٦ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الفجر. صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٧٢٦) من طرق عن مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. • عن ابن عمر أن رسول الله قرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. صحيح: رواه أحمد (٤٧٦٣) عن وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، فذكره. • عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كنت أسير مع النبي ﷺ فسمع رجلا يقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى ختمها، قال: "قد برئ هذا من الشرك"، ثم سرنا، فسمع آخر يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: "أما هذا فقد غفر له". صحيح: رواه أحمد (١٦٦٠٥، ١٦٦١٧) والنسائي في الكبرى (٧٩٧٤) والدارمي في مسنده (٣٤٦٩) كلهم من طرق عن أبي الحسن مهاجر الصائغ، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال:

стр. 7689

فذكره. وإسناده صحيح. • عن فروة بن نوفل الأشجعي، عن أبيه، قال: دفع إلي النبي ﷺ ابنة أم سلمة، وقال: "إنما أنت ظئري" قال: فمكث ما شاء الله، ثم أتيته، فقال: "ما فعلت الجارية، أو الجويرية؟ " قال: قلت: عند أمها، قال: "فمجيء ما جئت؟ "، قال: قلت: تعلمني ما أقول عند منامي، فقال: "اقرأ عند منامك ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ " قال: "ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك". حسن: رواه أحمد (٢٣٨٠٧)، والترمذي (٣٤٠٣ م)، وصححه الحاكم (١/ ٥٦٥) من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن فروة بن نوفل الأشجعي، عن أبيه قال: فذكره. واللفظ لأحمد والحاكم، وأحال الترمذي على حديث قبله. ورواه أبو داود (٥٠٥٥)، وصحّحه ابن حبان (٧٩٠)، والحاكم (٢/ ٥٣٨) من طرق عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق به نحوه. وإسناده حسن من أجل فروة بن نوفل فإنه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الأذكار. يقال في سبب نزول هذه السورة إن كفار مكة طلبوا من النبي ﷺ أن يعبد أوثانهم سنة، وهم يعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة. وأمر رسوله أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في الماضي ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، في المستقبل، ولذا قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ في الحال، وعليه نستمر إلا من شرح الله صدره للإسلام، فيُسْلم، ويعبد ما أعبد، ويترك أوثانكم. • * * ١١٠ - تفسير سورة النصر وهي مدنية، وعدد آياتها ٣ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ قوله: ﴿وَالْفَتْحُ﴾ لا خلاف بين أهل العلم أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة، فإن أحياء العرب كانت تلوّمُ بإسلام أهل مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في

стр. 7690

دين الله أفواجا، وقد جاء في الصحيح: • عن عمرو بن سلمة قال: فذكر الحديث بطوله، وجاء فيه: وكانت العرب تلوّمُ بإسلامهم الفتحَ، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إنْ ظهر عليهم فهو نبيٌّ صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدرَ أبي قومي بإسلامهم. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٣٠٢) عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، فذكره في حديث طويل. • عن عائشة قالت: ما صلَّى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلا يقول فيها: "سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم! اغفر لي". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٧) ومسلم في الصلاة (٤٨٤: ٢١٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت: فذكرته، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يُكْثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم! ربنا وبحمدك، اللهم! اغفر لي" يتأوَّلُ القرآن. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٦٨)، ومسلم في الصلاة (٤٨٤) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن أبي الضُحى، عن مسروق، عن عائشة، قالت: فذكرته، ولفظهما سواء. • عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" قالت: فقلت: يا رسول الله! أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: "خبَّرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، فتح مكة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾. صحيح: رواه مسلم في الصلاه (٤٨٤: ٢٢٠) عن محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: فذكرته. • عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تُدْخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم. قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما أريته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾؟ حتى ختم

стр. 7691

السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئا. فقال لي: يا ابن عباس! أكذاك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ هو فتح مكة فذاك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٤٢٩٤) عن أبي النعمان، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره. • عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ هو علم النبي ﷺ أنه قد نعيت إليه نفسه، فقيل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ السورة كلها. حسن: رواه أحمد (٣٢٠١) وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٧٠٩) كلاهما من حديث سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم فإنه حسن الحديث. • عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: تعلم آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعا؟ قلت: نعم، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قال: صدقت. صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٤) من طرق عن جعفر بن عون، أخبرنا أبو عميس، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: فذكره. قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ فيه حث لكل من عرف قرب أجله من مرض أو كبر سن على أن يكثر من الاستغفار، ولذا كان رسول الله ﷺ يتأول القرآن، ويُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم! وبحمدك، اللهم! اغفرْ لي" كما ذكرت عائشة ﵂. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ المبالغة من قوله: تاب عليه. • * *

стр. 7692

١١١ - تفسير سورة المسد وهي مكية، وعدد آياتها ٥ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ أبو لهب هو: عبد العزى بن عبد المطلب، وهو أحد أعمام رسول الله ﷺ ، وكان شديد العداوة والأذى للنبي ﷺ ، فذمّه الله تعالى بهذا الذمّ العظيم الذي هو خزي عليه إلى يوم القيامة، وكنيته أبو عتبة، باسم ولده، وأما كنيته أبو لهب فأراد الله أن يكون مصيره إلى النار، فاشتهر بهذه الكنية في الجاهلية، كما جاء في حديث ربيعة بن عباد، وبه خاطبه القرآن. • عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد من بني الديل، وكان جاهليا. قال: رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فذكروا لي نسب رسول الله ﷺ وقالوا لي: هذا عمه أبو لهب. حسن: رواه أحمد (١٩٠٠٤) والحاكم (١/ ١٥) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن ربيعة بن عباد، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، إذا لم يكن في حديثه ما ينكر عليه. • عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] ورهطك منهم المخلصين. خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا فهتف: "يا صباحاه". فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه فقال: "يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب" فاجتمعوا إليه فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ؟ ". قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". قال: فقال أبو لهب: تبا لك، أما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام، فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.

стр. 7693

متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٩٧١) ومسلم في الإيمان (٢٠٨) كلاهما من طريق أبي أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ الأول دعاء عليه، أي: خسرت وخابت. والثاني خبر عنه، وقد تبَّ أي تحققت خسارته وهلاكه. وإسناد التب إلى اليدين لما روي أن أبا لهب كان أخذ حجرا بيده ليرمي به النبي ﷺ . وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ المال في الغالب كان يطلق عند العرب على الإبل والغنم. وقوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ أي: ما جمع من نقود من الذهب والفضة والسلاح. وروي عن عبد الله بن عباس وغيره: يعني ولده، لأن الولد من كسب أبيه. وروي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإيمان قال أبو لهب: إذا كان ما يقول ابن أخي حقا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾. وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ يصلى نارا، أي: يشوى بها، يقال: صلاه بالنار إذا شواه، أي: ذات شرر ولهيب، وإحراق شديد. والسين للتحقيق مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]. وكانت هذه الآية نزلت في حياة أبي لهب، وقد مات كافرا، فكانت هذه الآية إعلاما بأنه لا يسلم، ولا ينجو من نار ذات لهب، وكانت من دلائل نبوته ﷺ . وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ هي زوجته، واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فتكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم، فتحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد على ما هو فيه. وقيل: إنها كانت تضع الشوكة في طريق النبي ﷺ من بيته إلى الكعبة. وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ عطف على الضمير المستتر في ﴿سَيَصْلَى﴾ أي: وتصلى امرأته نارا. وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ صفة ثانية لهذه المرأة الخبيثة، أي جُعِل في عنقها حبل تحمل فيه الحطب في جهنم لإسعار النار على زوجها. والجيد: العنق، وغلب على عنق المرآة على محل القلادة، لبيان الحسن، وهذه المرأة وُصِفَت بهذه الصفات جزاء لعملها في الدنيا. وهذه المرأة أيضا ماتت على الكفر والشرك، وتحقق فيها أيضا دلائل النبوة، كما تحقق في زوجها، فكلاهما ماتا على الكفر ويدخلان النار.

стр. 7694

وكانت هذه المرأة بذيئة كما جاء في الحديث: • عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول: مذمم أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، والنبي ﷺ جالس في المسجد، ثم قرأ قرآنا ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول الله ﷺ : "إنها لن تراني"، وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥] فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله ﷺ ، فقالت: يا أبا بكر! إني أخبرت أن صاحبك هجاني. فقال: لا، ورب هذا البيت! ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها. قال: فقال الوليد في حديثه أو قال غيره: فعثرت أم جميل وهي تطوف بالبيت في مرطها، فقالت: تعس مذمم. فقالت أم حكيم ابنة عبد المطلب: إني لحصان فما أكلم، وثقاف فما أعلم، فكلتانا من بني العم، قريش بعد أعلم. حسن: رواه الحميدي (٣٢٣) - وعنه الحاكم (٢/ ٣٦١) - عن سفيان، ثنا الوليد بن كثير، عن ابن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته. واللفظ للحميدي، ولم يذكر الحاكم: قال الوليد في حديثه ... الخ. وابن تدرس هو يزيد بن تدرس لا يعرف من هو؟ ولكن رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ١٩٦) من وجه آخر عن سعيد بن كثير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر. وإسناده حسن من أجل هذه المتابعة. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وبمعناه ما روي عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي ﷺ ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! إنها امرأة بذيئة وأخاف أن تؤذيك فلو قمت؟ قال: "إنها لن تراني"، فجاءت فقالت: يا أبا بكر! إن صاحبك هجاني. قال: ما يقول الشعر. قالت: أنت عندي مصدق، وانصرفت. فقلت: يا رسول الله! لم ترك قال: "لم يزل ملك يسترني منها بجناحيه". رواه أبو يعلى (٢٥، ٢٣٥٨) وعنه ابن حبان (٦٥١١) والبزار - كشف الأستار (٢٢٩٤) كلهم من حديث أبي أحمد الزبيري، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده ضعيف من أجل عطاء بن السائب، فإنه اختلط، وروى عنه عبد السلام بن حرب في حالة الاختلاط، وقد نص الحافظ ابن حجر في "هدي الساري": "من روى عنه بعد الاختلاط

стр. 7695

فحديثه ضعيف". وحسَّنه في الفتح (٨/ ٧٣٨) فلعله لشاهده. وله شاهد آخر عن زيد بن أرقم عند الحاكم (٢/ ٥٢٦) ولكن فيه علّة بيّنَها الحاكم نفسه. هذه السورة تُعتبر من المعجزات الكبرى للقرآن الكريم، فإن الله أنزل هذه السورة، وأبو لهب وامرأته لا يزالان أحياء لم يموتا بعد، فأخبر الله تعالى أنهما يدخلان النار، ويعذّبان فيها لأنهما لا يُسلمان، فوقع كما أخبر الله تعالى عالم الغيب والشهادة. • * * ١١٢ - تفسير سورة الإخلاص وهي مكية، وعدد آياتها ٤ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ • عن أبي بن كعب قال: إنّ المشركين قالوا: يا محمد! انسُب لنا ربَّك، فأنزل الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ قال: الصّمد الذي لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ لأنه ليس شيءٌ يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلّا سيورث، وإنّ الله لا يموت ولا يورث ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء. حسن: رواه الترمذيّ (٣٣٦٤)، وأحمد (٢١٢١٩) والحاكم (٢/ ٥٤٠) كلهم من حديث أبي جعفر الرّازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، فذكره، واللفظ للحاكم، وقال: "صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل أبي جعفر الرازيّ فإنه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. • عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ ، أنّ النبيّ ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ ﷺ فقال: "سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه فقال: لأنّها صفة الرحمن، وأنا أحبُّ

стр. 7696

أن أقرأ بها. فقال النبيُّ ﷺ : "أخبروه أنّ الله يحبُّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٧٥)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٣) كلاهما من حديث عبد الله بن وهب، حدّثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدّثه، عن أمِّه عمرة بنت عبد الرحمن - وكانت في حجْر عائشة -، عن عائشة، فذكرته. • عن أبي هريرة قال: أقبلت مع رسول الله ﷺ ، فسمع رجلا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فقال رسول الله ﷺ : "وجبت"، فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: "الجنة" فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إليه، فأبشِّره، ثم فَرِقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله ﷺ ، فآثرت الغداء مع رسول الله ﷺ ، ثم ذهبت إلى الرجل، فوجدته، قد ذهب. صحيح: رواه مالك في كتاب القرآن (١٨) عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب، أنه قال: سمعت أبا هريرة، يقول: فذكره. ومن طريقه رواه الترمذي (٢٨٩٧) والنسائي (٩٩٤) وأحمد (٨٠١١) وصحّحه الحاكم (١/ ٥٦٦). وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك". • عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤُمهم في مسجد قباء. فكان كلما افتتح سورةً يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعَها وتقرأ بسورة أخرى، قال: ما أنا بتاركها، إن أَحببتم أن أؤمكم بها فعلتُ، وإن كرهتُم تركتكم. وكانوا يرونه أفضلَهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر. فقال: "يا فلان! ما يمنعك مما يأمر به أصحابُك، وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ ". فقال: يا رسول الله! إني أحبها، فقال رسول الله ﷺ : "إن حُبَّها أدخلك الجنة". صحيح: أخرجه الترمذي (٢٩٠١) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل (البخاري) حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكر الحديث. قال الترمذي: "حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن عمر، عن ثابت". وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله! إني أحب هذه

стр. 7697

السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فقال: "إن حبك إياها يُدخلك الجنة" قال: حدثنا بذلك أبو داود سليمان بن الأشعت، ثنا أبو الوليد، حدثنا مبارك بن فضالة بهذا. انتهى. قلت: ومن هذا الوجه أخرجه أحمد (١٢٥١٢) وابن حبان (٧٩٢) والدارمي (٣٤٧٨). وذكره البخاري في الأذان (٧٧٤) معلقًا عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس. قلت: وهو الذي وصله الترمذي عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس كما سبق. • عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يُرَدِّدها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له - وكأن الرجل يتقالُّها - فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن". صحيح: رواه البخاري في فضائل القرآن (٥٠١٣) عن عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. • عن قتادة بن النعمان قال: إن رجلا قام في زمن النبي ﷺ يقرأ من السحر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يرددها لا يزيد عليها، فلما أصبح أتى رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن فلانا قام الليلة، فقرأ في السحر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ يُرَدِّدُها لا يزيد عليها - كأن الرجل يتقالّها - قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن". صحيح: رواه أبو يعلى (١٥٤٨) عن أبي معمر الهذلي إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن مالك بن أنس، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، قال: أخبرني أخي قتادة بن النعمان، فذكره. وإسناده صحيح. وقتادة بن النعمان هو أخو أبي سعيد الخدري لأمه، كان من فضلاء الصحابة وأعيانهم، توفي سنة ثلاث وعشرين. في رواية يحيى الليثي عن مالك في القرآن (١٧) عن أبي سعيد. ولم يذكر فيه "قتادة بن النعمان". وفي رواية عبد الله بن يوسف عن مالك، كما عند البخاري: "أن رجلا سمع رجلا" يعني أبهم أبو سعيد ذكر أخيه. وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن مالك كما عند أبي يعلى التصريح بذكر قتادة بن النعمان. وأشار إلى هذه الرواية البخاري عقب حديث أبي سعيد (٥٠١٤) معلقا بقوله: وزاد أبو معمر، حدثنا إسماعيل بن جعفر بإسناده مثله. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ " فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال:

стр. 7698

الله الواحد الصمد ثلث القرآن. صحيح: رواه البخاري في فضائل القرآن (٥٠١٥) عن عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا الضحاك المشرقي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. • عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن". قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ "يعدل ثلث القرآن". صحيح: رواه مسلم في فضائل القرآن (٨١١: ٢٥٩) من طرق عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، فذكره. ورواه من طريق آخر عن قتادة بهذا الإسناد (٨١١: ٢٦٠) بلفظ: "إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جزءا من أجزاء القرآن". • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن" فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله ﷺ ، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبر جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: "إني قلت لكم: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن". صحيح: رواه مسلم في فضائل القرآن (٨١٢: ٢٦١) من طرق عن يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، حدثنا أبو حازم، عن أبي هريرة، قال: فذكره. وقوله: "احشدوا"، أي: اجتمعوا، والحشد هو الجماعة. • عن أبي مسعود أن النبي ﷺ قال: "أيغلب أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن كل ليلة؟ " قلنا: ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثلث القرآن". حسن: رواه الطيالسي (٦٥١) وابن ماجه (٣٧٨٩) وأحمد (١٧١٠٦) كلهم من حديث أبي قيس، عن عمرو بن ميمون، عن أبي مسعود، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي قيس وهو عبد الرحمن بن ثروان الكوفي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف. وللحديث طرق أخرى غير أن الذي ذكرته أحسنُها. • عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن كل ليلة؟ " قالوا: ومن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١٠٥١١) والبزار (١٨٦٦) وابن حبان (٢٥٧٦) كلهم من طريق شعبة، عن علي بن مدرك، حدثنا إبراهيم النخعي، عن الربيع بن خثيم، عن ابن مسعود، فذكره. وإسناده صحيح. وقد روي موقوفا، رواه الدارمي (٣٤٧٦) من طريقين، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود من

стр. 7699

قوله، والحكم لمن رفع. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن". صحيح: رواه ابن ماجه (٣٧٨٨) عن الحسن بن علي بن الخلال، حدثنا يزيد بن هارون، عن جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح. • عن أبي بن كعب أو عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ كأنما قرأ بثلث القرآن". صحيح: رواه أحمد (٢١٢٧٥) وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص ٢٦٨) كلاهما عن هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن هلال بن يساف، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب أو عن رجل من الأنصار، فذكره. وإسناده صحيح. وهشيم هو ابن بشير، وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي. ذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١٤٧) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". وقوله: "أو رجل من الأنصار" لا يضر هذا الشك، فإن الرجل من الأنصار أيضا صحابي، مع أنه جاء من طرق أخرى عن أبي كعب بدون الشك، وهو أولى، لأن أبي بن كعب كان من كبار قراء الصحابة. وفي معناه روي أيضا عن أبي أيوب الأنصاري، وعن أم كلثوم بنت عقبة وغيرهما من الصحابة وفي أسانيدها علل. ومعنى كون قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن يعني أن القرآن يشتمل على التوحيد والرسالة ويوم القيامة وتفاصيله، وسورة الإخلاص كلها لبيان التوحيد بأجمل العبارات وأقصر الألفاظ، فمن قرأها فكأنه عرف معنى التوحيد، وهو أحد الثلاث، ويكون أجره كمن قرأ ثلث القرآن إلا أنه لا يساوي من أحيا الليلة كلها في قراءة القرآن لأن أجر قراءة القرآن له منازل عند الله تعالى. وقد اختلف أهل العلم في شرح هذا الحديث وتأويله اختلافا كثيرا يصعب حصرها حتى قال ابن عبد البر: السكوت عن هذه المسألة أفضل من الكلام فيها. • عن عقبة بن عامر قال: لقيتُ رسول الله ﷺ فقال لي: يا عقبة بن عامر! ألا أعلّمك سورا ما أنزلت في التوراة ولا في الزبور ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلهن، لا يأتينَّ عليك ليلةٌ إلا قرأتَهنّ فيها ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. قال عقبة: فما أتتْ عليَّ ليلةٌ إلا قرأتهن فيها، وحُقَّ لي أن لا أدعهن، وقد أمرني بهن رسول الله ﷺ .

стр. 7700

حسن: رواه أحمد (١٧٥٤٢)، عن حسين بن محمد، حدثنا ابنُ عيّاش (هو: إسماعيل)، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي (وهو الرملي)، عن فروة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر فذكره. وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عيّاش فإنه حسن الحديث إذا روى عن الشاميين، وهذا منها. وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ صيغة قصر تفيد أن الصمدية لله وحده، وهو السيد المصمود يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم، وفيه إبطال لما كان عليه أهل الشرك في الجاهلية في دعائهم أصنامهم في قضاء حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم. والصمد هو: السيد الذي يُصمد إليه في الأمر. وقيل: الصمد، هو من لا جوف له، فلا يأكل ولا يشرب، ولا يلد ولا يولد، لأن من يولد سيموت، وقد جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٩٧٤) عن أبي اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ أي: ليس له ولد كما زعمت اليهود والنصارى، ولا والد له، ولا صاحبة. وقد قال به أيضا كفار مكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ [مريم: ٨٨] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقد جاء في الصحيح. • عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "ليس أحد - أو ليس شيء - أصبرَ على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا، إنه ليعافيهم ويرزقهم". متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٦٠٩٩) ومسلم في صفة القيامة (٢٨٠٤) كلاهما من حديث الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى، فذكره، واللفظ للبخاري. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ والكفؤ: المساوي والمماثل في الصفات. وفيه أيضا إبطال لقول المشركين: الملائكة بنات الله، وقول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله. فكذّبهم الله تعالى في دعواهم، ونفى عن ذاته الولادة والمثلية.

стр. 7701

١١٣ - تفسير سورة الفلق وهي مدنية، وعدد آياتها ٥ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ • عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح عنه بيده رجاء بركتها. متفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (٥٠١٦) ومسلم في السلام (٢١٩٢: ٥١) كلاهما من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: فذكرته. • عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات. صحيح: رواه البخاري في فضائل القرآن (٥٠١٧) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا المفضل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. • عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] ". صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨١٤: ٢٦٤) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر، فذكره. • عن عقبة بن عامر قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: "يا عقبة! قل" فقلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ فسكت عني، ثم قال: "يا عقبة! قل" قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ فسكت عني، فقلت: اللهم اردده عليَّ، فقال: "يا عقبة! قل" قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ فقال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ "، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: "قل " قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ " فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما".

стр. 7702

حسن: رواه النسائي (٥٤٣٨) عن قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عقبة بن عامر، قال: فذكره. ورواه الدارمي (٥٤٣٨) عن أحمد بن عبد الله، عن الليث بإسناده، وليس فيه ذكر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. وإسناده حسن من أجل ابن عجلان فإنه حسن الحديث. • عن عقبة بن عامر، يقول: تعلقت بقدم رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أقرئني سورة هود وسورة يوسف، فقال لي رسول الله ﷺ : يا عقبة بن عامر! إنك لم تقرأ سورة أحب إلى الله، ولا أبلغ عنده من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾. صحيح: رواه أحمد (١٧٤١٨) والطبراني في الكبير (١٧/ ٣١٢) والدارمي (٣٤٨٢) كلهم من حديث عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة وابن لهيعة، قالا: سمعنا يزيد بن أبي حبيب، يقول: حدثني أبو عمران، أنه سمع عقبة بن عامر، فذكره. قال يزيد: لم يكن أبو عمران يدعها، وكان لا يزال يقرؤها في صلاة المغرب. وإسناده صحيح. وأبو عمران هو أسلم بن يزيد التجيبي. • عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن رجل من قومه، أن رسول الله ﷺ مر به فقال: "اقرأ بهما في صلاتك" أي: بالمعوذتين. صحيح: رواه أحمد (٢٠٧٤٤) عن عفان، حدثنا شعبة، عن الجريري، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: فذكره. والرجل المبهم هو عقبة بن عامر كما في الحديث السابق. وإسناده صحيح، والجريري هو سعيد بن إياس اختلط قبل موته، وكان سماع شعبة عنه قبل الاختلاط. • عن زر، قال: سألت أبي بن كعب قلت: يا أبا المنذر! إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال أبي: سألت رسول الله ﷺ : فقال لي: "قيل لي فقلت" قال: فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ . صحيح: رواه البخاري في كتاب التفسير (٤٩٧٧) عن علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش، فذكره. قلت: لأن المشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، بل كان يحك المعوذتين من المصحف، ويقول: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما. والصحيح ما ذهب إليه جمهور الصحابة الذين حفظوهما وكتبوهما في مصاحف الإمام،

стр. 7703

ونفذوها إلى سائر الآفاق. وأما عبد الله بن مسعود فلعله لم يسمع من النبي ﷺ أنه من القرآن، أو نسي ذلك، وقد ثبت أن النبي ﷺ قرأ بهما في الصلاة. • عن عقبة بن عامر، قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من تلك النقاب، إذ قال لي: "يا عقب، ألا تركب؟ " قال: فأجللت رسول الله ﷺ أن أركب مركبه، ثم قال: "يا عقب، ألا تركب؟ " قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنية، ثم ركب، ثم قال: "يا عقب، ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مر بي، قال: "كيف رأيت يا عقب؟ اقرأ بهما كلما نمت، وكلما قمت". صحيح: رواه النسائي (٥٤٢٧) وأحمد (١٧٢٩٦) وصححه ابن خزيمة (٥٣٤) كلهم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر، فذكره. واللفظ لأحمد. وإسناده صحيح. وابن جابر هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أبو عتبة الشامي، ثقة، وثَّقه ابن معين وابن سعد وغيرهما. • عن عقبة بن عامر، قال: كنت أقود برسول الله ﷺ ناقته. قال: فقال لي: "ألا أعلمك سورتين لم يقرأ بمثلهما؟ " قلت: بلى. فعلَّمني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فلم يرني أعجبت بهما، فلما نزل الصبح فقرأ بهما، ثم قال لي: "كيف رأيت يا عقبة؟ ". صحيح: رواه أبو داود (١٤٦٢) والنسائي (٥٤٣٦) وأحمد (١٧٣٥٠) وابن خزيمة (٥٣٥) كلهم من طريق معاوية بن صالح، حدثنا العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن مولى معاوية بن أبي سفيان، عن عقبة بن عامر، فذكره. هذه بعض الطرق عن عقبة بن عامر، وتركت الباقي خشية الطول، ويظهر منه جليا أن المعوذتين من القرآن، وعليه جمهور أصحاب النبي ﷺ والتابعون. فلعل عبد الله بن مسعود لم يسمع من النبي ﷺ أو أنه نسي إن كان سمع منه، ثم رجع إلى مصحف الإمام الذي أمر بإعداده عثمان بن عفان، وحرق نسخته بأمر أمير المؤمنين كما بيّنتُ ذلك في مقدمة التفسير. قوله: ﴿الْفَلَقِ﴾ هو الصبح. وحقيقة الفلق هو الانبثاق عن باطن شيء، فيكون الصبح بعد ظلمة الليل.

стр. 7704

وقوله: ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ هو الله تعالى، لأنه هو الذي يقلب الليل والنهار. وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ أي: من شر جميع المخلوقات، لا سيما من إبليس وذريته. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ الغاسق: وصف الليل إذا اشتدت ظلمته. يقال: غسق الليل يغسق، إذا أظلم، ومنه قوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ إذا غاب، ومنه وقبت الشمس إذا غابت. والمراد منه زيادة اشتداد ظلمة الليل. وخص التعوذ بأشد أوقات الليل لانتشار الهوام والغول وذرية الشياطين فيها بكثرة. • عن عائشة قالت: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع، فقال: "تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب". حسن: رواه أحمد (٢٤٣٢٣) والترمذي (٣٣٦٦) والحاكم (٢/ ٥٤٠) والبيهقي في الدعوات (٣١٤) وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٧٤٨) كلهم من حديث ابن أبي ذئب، عن الحارث، عن أبي سلمة، قال: قالت عائشة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل الحارث وهو ابن عبد الرحمن القرشي العامري، خال ابن أبي ذئب، فإنه حسن الحديث، غير أن ابن المديني جهَّله، ويحمل هذا على قلة حديثه. وقوله: النفث: هو النفخ، يفعله السحرة إذا وصفوا علاج سحرهم في شيء، وعقدوا عليه عُقدا، ثم نفثوا عليها. والنفاثات: النساء الساحرات، يظهر من الآية الكريمة أن النساء يكثرن عمل السحر، لأن غالب سحرهم كان للتفريق بين الرجل وزوجته، وأن النساء لا شغل لهن بعد إعداد لوازم البيت، فيكثر اتجاههن إلى السحر للغرض المذكور، وكُنَّ معروفات في المجتمع الجاهلي بالسحر. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ الحسد: هو تمني زوال نعمة الغير، ويكثر ذلك في الرجال دون النساء، لأن الحاسد يسعى لإتلاف أسباب النعمة من المحسود. وجاء في الصحيح: • عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد! اشتكيت؟ فقال: "نعم" قال: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك". صحيح: رواه مسلم في السلام (٢١٨٦) عن بشر بن هلال الصواف، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره. وذلك عندما سحر النبي ﷺ من السحرة الحساد من اليهود، فعافاه الله وشفاه، ثم هو عام في الاستعاذة من شر كل حاسد إذا حسد.

стр. 7705

١١٤ - تفسير سورة الناس وهي مدنية، وعدد آياتها ٦ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ فيه ذكر ثلاث من صفات الله ، وهي: الربوبية، والملك، والألوهية. فهو رب كل شيء ومليكه، والمتفرد بألوهيته، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس الذي هو الشيطان الموكل بالإنسان. والخناس: الشديد الخنس، والخنس والخنوس: الاختفاء، وهو لقب الشيطان، لأنه يوسوس في النفوس والعقول بدون أن يظهر. فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش، والمعصوم من عصمه الله، كما جاء في الصحيح. • عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن" قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير". صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٨١٤) من طرق عن جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: فذكره. • عن عاصم قال: سمعت أبا تميمة، يحدث عن رديف النبي ﷺ ، قال: عثر بالنبي ﷺ حماره، فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ : "لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: بسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب". صحيح: رواه أحمد (٢٠٥٩٢) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، فذكره. وإسناده صحيح، والكلام عليه مبسوط في موضع آخر. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "تفرد به أحمد، إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب". قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ الجنة اسم جمع جني، والمراد منه نوع الجن. والقول الأظهر أن هذه الآية تفسير لقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ فهم من
следующие страницы →