Полный текст (8 687 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.
стр. 8121
أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته، أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء -أو فلاة- فضلت راحلتك فدعوته، ردها عليك"، قال: قلت: اعهد إلي، قال: "لا تسبن أحدًا" قال: فما سببت بعده حرًّا، ولا عبدًا، ولا بعيرًا، ولا شاة، قال: "ولا تحقرن شيئًا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن اللَّه لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه".
صحيح: رواه أبو داود (٤٠٨٤) واللفظ له، والترمذي (٢٧٢٢)، والبيهقي في الشعب (٥٧٣٠) كلهم من حديث أبي غفار المثنى بن سعيد الطائي، عن أبي تميمة الهُجيمي، عن جابر بن سليم، فذكره.
واختصره الترمذيّ وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وصحّحه الحاكم (٤/ ١٨٦) وأخرج نحوه أحمد (٢٠٦٣٥) كلاهما من طريق أبي تميمة الهجيمي، عن جابر به، نحوه.
وله طرق أخرى عن غير أبي تميمة منها ما رواه ابن حبان في صحيحه (٥٢٢)، وأحمد (٢٠٦٣٣)، والبغوي في شرح السنة (٣٥٠٤) كلهم من طريق سلام بن مسكين، عن عقيل بن طلحة قال: حدثني أبو جري، فذكر نحوه.
وهذا إسناد أيضًا صحيح، وقد جاء هذا الحديث كاملًا ومختصرًا، وسبق الكلام عليه في كتاب الزكاة.
قوله: "عليك السلام تحية الميت". قال الخطابي: "يوهم أن السنة في تحية الميت أن يقال له: عليك السلام كما يفعله كثير من العامة". وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل المقبرة فقال: "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين" فقدم الدعاء على اسم المدعو له كهو في تحية الأحياء، وإنما قال ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات، إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء وهو مذكور في أشعارهم كقول الشاعر:
عليك سلام اللَّه قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
وكقول الشماخ:
عليك سلام من أديم وباركت ... ويد اللَّه في ذاك الأديم الممزّق
فالسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات". اهـ.
• عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، أنه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار، فقال: على الخبير سقطت، قال رسول اللَّه ﷺ : "إزرة المسلم إلى نصف
стр. 8122
الساق، ولا حرج -أو لا جناح عليه- فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جرَّ إزاره بطرًا لم ينظر اللَّه إليه".
صحيح: رواه مالك في اللباس (١٢) عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: فذكره.
ورواه أبو داود (٤٠٩٣)، وابن ماجه (٣٥٧٣)، وأحمد (١١٠١)، والبيهقي في الشعب (٥٧٢٦)، وصحّحه ابن حبان (٥٤٤٧) كلهم من هذا الوجه. وإسناده صحيح.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الإزار إلى نصف الساق"، فلما رأى شدة ذلك على المسلمين قال: "إلى الكعبين، لا خير فيما أسفل من ذلك".
صحيح: رواه أحمد (١٣٦٠٥) واللفظ له، وأيضا (١٢٤٢٤)، والبيهقي في الشعب (٥٧٢٩) كلاهما من طرق عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، فذكره.
• عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" قال: فقرأها رسول اللَّه ﷺ ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول اللَّه؟ قال: "المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٠٦) من طرق عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، فذكره.
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه لا ينظر إلى مسبل الإزار".
صحيح: رواه النسائي (٥٣٣٢)، وأحمد (٢٩٥٥) كلاهما من حديث أشعث بن أبي الشعثاء، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن الشريد الثقفي أن النبي ﷺ تبع رجلا من ثقيف حتى هرول في أثره، حتى أخذ ثوبه فقال: "ارفع إزارك" قال: فكشف الرجل عن ركبتيه فقال: يا رسول اللَّه، إني أحنف وتصطكّ ركبتاي. فقال رسول اللَّه ﷺ : "كل خلق اللَّه حسن".
قال: ولم ير ذلك الرجل إلا وإزاره إلى أنصاف ساقيه.
صحيح: رواه أحمد (١٩٤٧٢) عن روح، حدّثنا زكريا بن إسحاق، حدّثنا إبراهيم بن ميسرة، أنه سمع عمرو بن الشريد، يحدث عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "إني أحنف" من الحنف وهو إقبال القدم بأصابعها على القدم الأخرى لأن أصل الحنف الميل.
وقوله: "تصطكُّ ركبتاي" أي تضرب إحداهما الأخرى عند المشي.
• عن أبي أمامة قال: بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ إذ لحقنا عمرو بن زرارة
стр. 8123
الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل النبي ﷺ يأخذ بناحية ثوبه، ويتواضع لفه، ويقول: "اللهم عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك" حتى سمعها عمرو بن زرارة، فالتفتَ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إني أحمش الساقين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا عمرو بن زرارة، إن اللَّه قد أحسن كل خلقه، يا عمرو بن زرارة إن اللَّه لا يحب المسبلين". ثم قال رسول اللَّه ﷺ بكفه تحت ركبة نفسه فقال: "يا عمرو بن زرارة، هذا موضع الإزار" ثم رفعها، ثم وضعها تحت ذلك، فقال: "يا عمرو بن زرارة، هذا موضع الإزار" ثم رفعها، ثم وضعها تحت ذلك، فقال: "يا عمرو بن زرارة، هذا موضع الإزار".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٧) من طرق عن الوليد بن مسلم، عن الوليد بن أبي السائب، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل القاسم وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي فإنه حسن الحديث، ولكن في الإسناد الوليد بن مسلم وهو مدلس تدليس التسوية إلا أنه صرح بالسماع فيما رواه أحمد (١٧٧٨٢) عنه قال: حدّثنا الوليد بن سليمان (أي ابن أبي السائب) أن القاسم بن عبد الرحمن حدثهم، عن عمرو بن فلان الأنصاري قال: بينا هو يمشي قد أسبل إزاره، إذْ لحقه رسول اللَّه ﷺ ، فذكر القصة نحوه.
والقاسم بن عبد الرحمن لم يسمع من عمرو بن فلان وهو ابن زرارة كما في إسناد الطبراني، فقوله: "عن عمرو بن فلان" حكاية لا رواية؛ لأن القصة وقعت له وحذف الواسطة وهو أبو أمامة؛ لأن القاسم بن عبد الرحمن يعرف بصاحب أبي أمامة.
وقد حسّن أيضًا الحافظ ابن حجر في الإصابة (٦٠٣٥) إسناد أحمد، ولم يشر إلى أن القاسم لم يسمعه من عمرو بن فلان.
وفي الباب ما روي عن المغيرة بن شعبة قال: رأيت النبي ﷺ أخذ بحجزة سفيان بن سهل وهو يقول: "يا سفيان بن أبي سهل، لا تسبل إزارك؛ فإن اللَّه لا يحب المسبلين".
رواه ابن ماجه (٣٥٧٤)، وأحمد (١٨١٥١)، وابن حبان (٥٤٤٢) كلهم من طريق شريك، عن عبد اللَّه بن عمير، عن حصين بن قبيصة، عن المغيرة بن شعبة، فذكره.
وشريك هو ابن عبد اللَّه النخعي سيئ الحفظ، وللحديث طرق أخرى مدارها عليه، تفرد بهذه القصة وهو ممن لا يقبل تفرده.
وأما ما روي عن أبي هريرة قال: بيما رجل يصلي مسبلا إزاره، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "اذهب فتوضأ". فذهب فتوضأ، ثم جاء، ثم قال "اذهب فتوضأ". فقال له رجل: يا رسول اللَّه،
стр. 8124
ما لك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال: "إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن اللَّه لا يقبل صلاة رجل مسبل".
رواه أبو داود (٦٣٨، ٤٠٨٦) والبيهقي (٢/ ٢٤١) كلاهما من حديث موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه أحمد (٢٣٢١٧) من وجه آخر عن أبان وهشام الدستوائي كلاهما عن يحيى بإسناده إلا أنه أبهم ذكر الصحابي.
وإسناده ضعيف من أجل أبي جعفر قال عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي: "أبو جعفر هذا رجل من الأنصار"، وبهذا جزم ابن القطان وقال: إنه مجهول، وجهّله أيضًا الذهبي وابن حجر.
وقد قال الترمذيّ: "لا يعرف اسمه".
وقال الحافظ ابن حجر: "من زعم هو محمد بن علي بن الحسين فقد وهم".
٣٠ - باب موضع إزار النبي ﷺ -
• عن عكرمة أنه رأى ابن عباس يأتزر، فيضع حاشية إزاره من مقدمه على ظهر قدميه، ويرفع من مؤخره. قلت: لم تأتزر هذه الإزرة؟ قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يأتزرها.
صحيح: رواه أبو داود (٤٠٩٦)، والبيهقي في الشعب (٥٧٣٩) كلاهما من حديث يحيى (هو القطان)، عن محمد بن أبي يحيى قال: حدثني عكرمة، فذكره.
وإسناده صحيح. ومحمد بن أبي يحيى هو الأسلمي وثّقه ابن معين وأبو داود وابن سعد وغيرهم.
وفي معناه ما روي عن أشعث بن سليم، عن عمته، عن عمها، قال: إني لبسوق ذي المجاز علي بردة لي ملحاء أسحبها قال: فطعنني رجل بمخصرة فقال: "ارفع إزارك؛ فإنه أبقى وأنقى" فنظرت فإذا رسول اللَّه ﷺ ، فنظرت فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه.
رواه أحمد (٢٣٠٨٦) عن وكيع، عن سفيان، عن أشعث بن سليم، فذكره.
ورواه أيضًا من وجه آخر (٢٣٠٨٧) عن حسين بن محمد، حدّثنا سليمان بن قرم، عن الأشعث، عن عمته رهم، عن عمها عبيدة بن خلف قال: قدمت المدينة وأنا شاب متأزر ببردة لي ملحاء أجرها، فأدركني رجل، فغمزني بمخصرة معه، ثم قال: "أما لو رفعت ثوبك كان أبقى وأنقى"، فالتفت، فإذا هو رسول اللَّه ﷺ ، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنما هي بردة ملحاء. قال: "وإن كانت بردة ملحاء، أما لك في أسوتي". فنظرت إلى إزاره، فإذا فوق الكعبين، وتحت العضلة.
ورواه أيضًا البغوي في شرح السنة (١٢/ ١١)، والبيهقي في الشعب (٥٧٣٧، ٥٧٣٨) كلاهما من حديث الأشعث نحوه.
стр. 8125
وفي أسانيدهم جميعا عمة الأشعث وهي رهم بنت الأسود مجهولة.
قوله: "ملحاء" بردة فيها خطوط بيض وسود.
وقوله: "بمخصرة" أي بعصا.
وفي معناه ما روي أيضًا عن عثمان بن عفان أنه كان يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: هكذا صاحبي يعني النبي ﷺ . رواه الترمذيّ في الشمائل (١٢١)، وابن أبي شيبة (٤٨٤٣)، والبزار مسنده (٣٥٣) كلهم من حديث موسى بن عبيدة الربذي، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه, عن عثمان بن عفان، فذكره.
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه أحدًا رواه أعلى من عثمان في صفة إزرة رسول اللَّه ﷺ ، وإن كان قد روي من وجوه عن النبي ﷺ ، وروي عن أبي بكر، عن النبي ﷺ غير متصل".
وموسى بن عبيدة الربذي المدني ضعيف عند جمهور أهل العلم. قال أحمد: "اضرب حديثه". وبه أعله الهيثمي في المجمع (٥/ ١٢٢) بعد أن عزاه للبزار.
٣١ - باب كشف الفخذ
• عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ مضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول اللَّه ﷺ سوى ثيابه -قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم أحد- فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة".
صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠١) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد ابن أبي حرملة، عن عطاء وسليمان ابني يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: فذكرته.
ورواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٦٩٥) من وجه آخر عن محمد بن أبي حرملة بإسناده بدون الشك بأن الكشف كان عن الفخذ.
ورُوي نحوه عن حفصة بنت عمر بن الخطاب قالت: كان رسول اللَّه ﷺ ذات يوم قد وضع ثوبا بين فخذيه، فذكرت القصة.
رواه أحمد (٢٦٤٦٦)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٣١) كلهم من حديث ابن جريج قال: أخبرني أبو خالد، عن عبد اللَّه بن أبي سعيد المدني قال: حدثتني حفصة بنت عمر بن الخطاب، فذكر نحوه.
وعبد اللَّه بن أبي سعيد المدني مجهول وهو من رجال التعجيل، والصحيح أن القصة وقعت في
стр. 8126
بيت عائشة فمن المستبعد أن تكون حفصة أيضًا موجودة في البيت، أو أنها سمعت من عائشة فرجع الحديث إلى مسند عائشة.
• عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ غزا خيبر، قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلَس، فركب نبي اللَّه ﷺ ، وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي اللَّه ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمسّ فخذ نبي اللَّه ﷺ ، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي اللَّه ﷺ ، فلما دخل القرية قال: "اللَّه أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحُ المنذرين".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٣٧١) ومسلم في النكاح (١٣٦٥: ٨٤) كلاهما من طريق إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: فذكره. واللفظ للبخاري، وفي لفظ مسلم وكذا عند أحمد (١١٩٩٢): "وانحسر الإزارُ عن فخذ نبي اللَّه ﷺ بدلا من "ثم حسر الإزار عن فخذه".
فقوله: "وانحسر الإزار" أي بدون قصد واختيار منه ﷺ .
وأما ما يُذكر أن الفخذ عورة من حديث ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش فكلها معلولة.
قال البخاري رحمه اللَّه تعالى: في كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ: "ويُروى عن ابن عباس، وجرهد، ومحمد بن جحش، عن النبي ﷺ : "الفخذ عورة" وقال أنس بن مالك: "حسر النبي ﷺ عن فخذه" قال أبو عبد اللَّه: "وحديثُ أنس أسندُ، وحديثُ جرهد أحوطُ حتى يخرج من اختلافهم" انتهى.
البخاري ﵀ يشير إلى أن أحاديث هؤلاء "الفخذ عورة" لا تصح وهو كما قال، فكل حديث من أحاديث هؤلاء فيه علل، وقد بيّن الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٤١ - ٢٤٣) علل هذه الأحاديث.
وبعد دراسة هذه العلل تبين لي أنه ليس فيه شيءٌ على شرط الجامع الكامل، ولذا صرفتُ النظر عن تخريجها، وإن كان مجموعها يدل على أن له أصلا إذْ ليس فيهم متهمٌ.
ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده مرفوعا: "عورة الأمة من السرة إلى الركبة" وهو مخرج في موضعه بأن حديث أنس أن الفخذ ليس من العورة، وإنما العورة هي سوأتان فقط، وحديث عمرو بن شعيب يحمل على الاحتياط، فيكون الفخذ من العورة لأنه شامل لما بين السرة والركبة وإليه أشار البخاري بقوله: "حديث أنس أسند (يعني أن الفخذ ليس من العورة)، وحديث جرهد أحوط (يعني أن الفخذ من العورة).
ثم وقفت على كلام الحافظ ابن القيم: "وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم أن العورة عورتان، مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة الفخذان، ولا منافاة بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، بين كشفهما لكونهما عورة
стр. 8127
مخففة". تهذيب السنن (٦/ ١٧).
٣٢ - باب النهي عن افتخار في اللباس وجره خيلاء
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجل جمته، إذ خسف اللَّه به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة"
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٧٨٩)، ومسلم في اللباس (٢٠٨٨: ٤٩) كلاهما من طرق عن شعبة، حدّثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، فذكره.
واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه، وإنما أحال على الذي قبله، وهو ما رواه من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، بلفظ: "بينما رجل يمشي قد أعجبته جمته وبرداه، إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة"
كما رواه من طرق عن أبي هريرة (٢٠٨٨: ٥٠) بألفاظ متقاربة نحوها، وقال في رواية أبي رافع عن أبي هريرة: "إن رجلا ممن كان قبلكم يتبختر في حلة. . . " فذكره.
وزاد معمر في روايته عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة وفيه: "بينا رجل يتبختر في حلة معجبا بجمته قد أسبل إزاره خسفت به الأرض. . . ".
رواه عبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٨٢) عن معمر، عن محمد بن زياد بإسناده.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا ينظر اللَّه ﵎ يوم القيامة إلى من يجر إزاره بطرًا".
متفق عليه: رواه مالك في اللباس (١٠) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ في اللباس (٥٧٨٨) من طريق مالك، به مثله.
ورواه مسلم في اللباس (٢٠٨٧) من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة فذكره إلا أنه لم يقل: "يوم القيامة" وفي أوله قصة.
• عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "بينما رجل يتبختر في بردين، خسف اللَّه به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" فقال له فتى -قد سماه وهو في حلة له-: يا أبا هريرة، أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده، فعثر عثرة كاد يتكسر منها، فقال أبو هريرة: للمنخرين، وللفم، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥].
حسن: رواه الدارمي (٤٤١)، والهروي في ذم الكلام (٦٤٣) كلاهما من طريق الليث بن سعد، حدثني ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن عجلان وأبيه فإنهما حسنا الحديث.
стр. 8128
• عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا ينظر اللَّه يوم القيامة إلى من يجر ثوبه خيلاء"
متفق عليه: رواه مالك في اللباس (١١) عن نافع وعبد اللَّه بن دينار وزيد بن أسلم كلهم يخبره عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في اللباس (٥٧٨٣)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٨٥: ٤٢) كلاهما من طريق مالك به مثله.
• عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء، خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة"
صحيح: رواه البخاريّ في المناقب (٣٤٨٥) عن بشر بن محمد، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني سالم، أن ابن عمر، حدثه، فذكره.
• عن شعبة قال: لقيت محارب بن دثار على فرس وهو يأتي مكانه الذي يقضي فيه، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني فقال: سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "من جر ثوبه مخيلة لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة" فقلت لمحارب: أذكر إزارا؟ قال: ما خص إزارًا ولا قميصًا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٧٩١) عن مطر بن الفضل، حدّثنا شبابة، حدّثنا شعبة، قال: لقيت محارب بن دثار، فذكره. واللفظ له.
ورواه مسلم في اللباس (٢٠٨٥: . . .) من وجه آخر عن شعبة ولم يسق لفظه.
• عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة" قال أبو بكر: يا رسول اللَّه، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال النبي ﷺ : "لست ممن يصنعه خيلاء"
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٧٨٤) من طريق موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، فذكره.
ورواه مسلم في اللباس (٢٠٨٥) من طريق سالم وغيره من غير ذكر أبي بكر.
• عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من جر إزاره من الخيلاء لم ينظر اللَّه إليه".
قال زيد: وقد كان ابن عمر يحدث أن النبي ﷺ رآه وعليه إزار يتقعقع -يعني جديدًا- قال: "من هذا؟ ", قلت: عبد اللَّه. قال: "إن كنت عبد اللَّه فارفع إزارك"
стр. 8129
قال: فرفعته، قال: "زد" قال: فرفعته حتى بلغ نصف الساق، ثم التفت إلى أبي بكر، فقال: "من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: إن إزاري يسترخي أحيانا، فقال النبي ﷺ : "لست منهم".
صحيح: رواه عبد الرزاق (١٩٩٨٠) عن معمر، عن زيد بن أسلم قال: سمعت ابن عمر يقول: فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أحمد (٦٢٦٣) من وجه آخر عن زيد بن أسلم مختصرًا كما مضى.
• عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جرَّ شيئًا خيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة".
حسن: رواه النسائي (٥٣٣٤)، وابن ماجه (٣٥٧٦) كلاهما من حديث حسين بن علي، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن سالم، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن أبي رواد فإنه حسن الحديث.
وحسين بن علي هو ابن الوليد الجعفي مولاهم أبو عبد اللَّه الكوفي المقري من رجال الصحيح.
قال ابن عمر: ما قال رسول اللَّه ﷺ في الإزار فهو في القميص.
رواه أبو داود (٤٠٩٥)، وأحمد (٥٨٩١) وغيرهما بإسناد حسن من حديث عبد اللَّه بن المبارك، عن أبي الصباح، عن يزيد بن أبي سمية قال: سمعت ابن عمر يقول: فذكره.
وأبو الصباح هو سعدان بن سالم الأيلي حسن الحديث، قال ابن معين: ليس به بأس. ويزيد ابن أبي سمية هو الأيلي ثقة، وثّقه أبو زرعة وقال ابن سعد: كان صالح الحديث.
• عن عبد اللَّه بن عمرو، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "خرج رجل ممن كان قبلكم في حلة له يختال فيها، فأمر اللَّه الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها -أو قال: يتلجلج فيها- إلى يوم القيامة".
حسن: رواه هناد في الزهد (٨٤٢) ومن طريقه الترمذيّ (٢٤٩١) عن أبي الأحوص - وعبد اللَّه في زوائد المسند (٧٠٧٤) من رواية محمد بن فضيل- والبزار في مسنده (٢٤٠٧) من رواية جرير - ثلاثتهم عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث صحيح".
وإسناده حسن فإن عطاء بن السائب ممن اختلط بآخره، وابن فضيل ممن روى عنه بعد الاختلاط، أما أبو الأحوص وجرير فلا يُدرى متى رَوَيا عنه قبل الاختلاط أم بعده؟ ولكن الظاهر أنه لم يخطئ في هذا من أجل أصول صحيحة.
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد اللَّه بن عمرو إلا من هذا الوجه بهذا
стр. 8130
الإسناد" أي من طريق عطاء بن السائب.
• عن أبي الزبير، عن جابر قال: أحسبه رفعه: "أن رجلا كان في حلة حمراء، فتبختر، أو اختال فيها، فخسف اللَّه به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٩٥٥) عن عمرو بن علي، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي الزبير.
قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٢٩): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح".
وكذلك صحّحه الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد البزار (١١٧٩).
• عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "بينا رجل يمشي بين بردين مختالا خسف اللَّه به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة".
حسن: رواه أحمد (١١٣٥٣) عن معاوية بن هشام، حدّثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
ورواه البزار - كشف الأستار (٢٩٥٢) من وجه آخر عن حجاج بن أرطاة، عن عطية به نحوه.
وعطية هو ابن سعد العوفي وهو ضعيف إذا انفرد ولكنه توبع، فقد رواه البزار - كشف الأستار (٢٩٥٣) من وجه آخر عن مطرف -وهو ابن عبد اللَّه بن الشخير- عن أبي سعيد الخدري رفعه.
وبهذين الإسنادين يصير الحديث حسنا وفي رواية البزار من هو دون الثقة.
• عن هبيب بن مغفل الغفاري أنه رأى محمدًا القرشي قام يجر إزاره، فنظر إليه هبيب فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من وطئه خيلاء وطئه في النار".
صحيح: رواه أحمد (١٥٦٠٥)، وأبو يعلى (١٥٤٢) كلاهما من حديث هارون بن معروف، حدّثنا ابن وهب يعني عبد اللَّه بن وهب المصري، حدّثنا عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم بن أبي عمران، عن هبيب بن مغفل فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "وطئه" أي وطئ إزاره.
وفي معناه ما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بينما رجل ممن كان قبلكم يخرج في بردين، فاختال فيهما، فأمر اللَّه الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة"
رواه أبو يعلى (٤٣٠٢) عن أبي خيثمة، حدّثنا معلى بن منصور، أخبرني محمد بن مسلم قال: سمعت زيادًا النميري يحدث، عن أنس بن مالك، فذكره.
وزياد النميري هو: زياد بن عبد اللَّه البصري ضعيف، ضعفه ابن معين في رواية، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وضعّفه أيضًا أبو داود، وذكره ابن حبان في الضعفاء وقال: منكر
стр. 8131
الحديث يروي عن أنس أشياء لا تُشبه حديث الثقات، وذكره أيضًا في الثقات فقال: "يخطئ".
وبه أعله أيضًا الهيثمي في المجمع (٥/ ١٢٦).
٣٣ - باب كراهية التشبه بالكفار
• عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم".
حسن: رواه أبو داود (٤٠٣١) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا أبو النضر، حدّثنا عبد الرحمن ابن ثابت، حدّثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد الرحمن بن ثابت غير أنه حسن الحديث. والكلام عليه مبسوط في كتاب الجهاد وهو حديث طويل واختصره أبو داود.
وفي معناه ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
رواه البزار (٨٦٠٦) عن عمر بن الخطاب السجستاني، قال: حدّثنا أبو حفص التنيسي عمرو ابن أبي سلمة، قال: حدّثنا صدقة، يعني ابن عبد اللَّه، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
قال البزار: "وهذا الحديث قد خولف صدقة في إسناده، فرواه غيره عن الأوزاعي بغير هذا الإسناد مرسلا، ولم يتابع صدقة على روايته هذه، عن الأوزاعي بهذا الإسناد".
قلت: صدقة بن عبد اللَّه السمين أبو معاوية ويقال: أبو محمد الدمشقي منكر الحديث، ضعيف الحديث.
قال أحمد: "ما كان حديثه مرفوعا فهو منكر". وقال في موضع آخر: "ضعيف ليس يسوي حديثه شيئًا أحاديثه مناكير".
وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "يرويه الأوزاعي، واختلف عنه، فرواه صدقة بن عبد اللَّه بن السمين -وهو ضعيف- عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وخالفه الوليد بن مسلم، رواه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر. وهو الصحيح. العلل (١٧٥٤).
• عن حذيفة أن النبي ﷺ قال: "من تشبه بقوم فهو منهم".
حسن: رواه البزار (٢٩٦٦) عن محمد بن مرزوق، قال: أخبرنا عبد العزيز بن الخطاب، قال: أخبرنا علي بن غراب، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل علي بن غراب فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن في
стр. 8132
حديثه التشيع، وكذا أنه رمي بالتدليس إلا أنه صرح بالتحديث.
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن حذيفة مسندًا إلا من هذا الوجه، وقد رواه غير علي بن غراب عن هشام، عن محمد، عن أبي عبيدة، عن أبيه موقوفا".
لم أقف على هذا الطريق، ثم إن زيادة الثقة مقبولة في الوصل.
قال أبو عمران: نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة، فرأى طيالسة، فقال: كأنهم الساعة يهود خيبر. رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٠٨).
وعند ابن خزيمة: أن أنسا قال: ما شبهت الناس اليوم في المسجد، وكثرة الطيالسة إلا بيهود خيبر.
وفيه كراهة أنس بن مالك لباس الطيالسة لأنه لباس خاص من ألبسة اليهود.
٣٤ - باب في الفراش
• عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان".
صحيح: رواه مسلم في اللباس (٢٠٨٤) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، حدثني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن يقول: عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال: فذكره.
• عن جابر قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ لما تزوجت: "أتخذتَ أنماطا؟ " قلت: وأنى لنا أنماط؟ قال: "أما إنها ستكون".
وزاد في رواية: قال جابر: وعند امرأتي نمط، فأنا أقول: نحّيه عني، وتقول: قد قال رسول اللَّه ﷺ : "إنها ستكون".
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥١٦١)، ومسلم في اللباس (٢٠٨٣: ٣٩) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكره.
والرواية الأخرى لمسلم (٤٠) من طريق وكيع عن سفيان به.
قوله: "أنماطا" الأنماط جمع نمَط على وزن أخبار جمع خبر، وهو ظهر الفراش، ويطلق أيضًا على بساط لطيف له خمل يجعل على الهودج وقد يجعل سترًا.
وفي الحديث دليل على جواز اتخاذ الأنماط إذا لم يكن من حرير، وقد ظهرت معجزة النبي ﷺ فوقع كما أخبر.
• عن عائشة قالت: كان وسادة رسول اللَّه ﷺ التي يتكئ عليها من أدم، حشوها ليف.
صحيح: رواه مسلم في اللباس (٢٠٨٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
стр. 8133
وقولها: "أدم" جمع أديم وهو الجلد المدبوغ.
• عن عائشة قالت: إنما كان فراش رسول اللَّه ﷺ الذي ينام عليه أدما حشوه ليف.
صحيح: رواه مسلم في اللباس (٢٠٨٢: ٣٨) عن علي بن حجر السعدي، أخبرنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
ومن وجه آخر عن هشام بهذا الإسناد: "ضجاع رسول اللَّه ﷺ ينام عليه".
قوله: "الضجاع" -بكسر الضاد- من الاضطجاع وهو النوم كالجلسة من الجلوس. والمراد ما كان يضطجع عليه.
• عن أم سلمة أنها قالت: كان يفرش لي حيال مصلى رسول اللَّه ﷺ فكان يصلّي وأنا حياله.
صحيح: رواه أبو داود (٤١٤٨)، وابن ماجه (٩٥٧)، وأحمد (٢٦٧٣٣) كلهم من حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن زينب بن أبي سلمة، عن أم سلمة فأخبرته.
واللفظ لأحمد ولم يذكر أبو داود وابن ماجه: "فكان يصلي وأنا حياله".
٣٥ - باب المأمورات والمنهيات من الملابس والذهب والفضة
• عن معاوية بن سويد بن مقرن، قال: دخلت على البراء بن عازب، فسمعته يقول: أمرنا رسول اللَّه ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، أو المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم -أو عن تختم- بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجنائز (١٢٣٩)، ومسلم في اللباس (٢٠٦٦: ٣) كلاهما من طريق أشعث بن أبي الشعثاء، حدثني معاوية بن سويد بن مقرن، فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
وزاد في بعض الرواية: "فإنه من شرب فيها (أي في الفضة) في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة".
وكذلك زاد أيضًا: "والديباج وأن نجلس عليه".
وفي رواية: "وعن ركوب مياثر الحمر".
قوله: "والمياثر" من مراكب العجم تُعمل من حرير أو ديباج توضع على سرج الفرس، أو رحل البعير، كانت النساء تصنعه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر ومن الديباج.
وقوله: "والديباج" كلمة مولدة وهو نوع من الحرير.
وقوله: "القسي" بفتح القاف وتشديد السين هو نوع من الثياب تنسب إلى بلد بمصر يقال لها
стр. 8134
القَسّ. وحكى النووي عن العلماء أنه ثياب مخلوطة بالحرير.
وقوله: "الاستبرق" هو ما غلظ من الحرير والأبريسم، وهي لفظة أعجمية معربة أصلها: استبرهْ أو استفرهْ.
• عن أبي بردة بن أبي موسى قال: كنت جالسا مع أبي، فجاء علي، فقام علينا، فسلم ثم أمر أبا موسى بأمور من أمور الناس، قال: ثم قال علي: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "سل اللَّه الهدى، وأنت تعني بذلك هداية الطريق، واسأل اللَّه السداد، وأنت تعني بذلك تسديدك السهم". ونهاني رسول اللَّه ﷺ أن أجعل خاتمي في هذه أو هذه: السبابة والوسطى، قال: فكان قائما فما أدري في أيتهما.
قال: ونهاني رسول اللَّه ﷺ عن الميثرة، وعن القسية. قلنا له: يا أمير المؤمنين، وأي شيء الميثرة؟ قال: شيء يصنعه النساء لبعولتهن على رحالهن. قال: قلنا: وما القسية؟ قال: ثياب تأتينا من قبل الشام، مضلعة فيها أمثال الأترج. قال: قال أبو بردة: فلما رأيت السَّبَنِيَّ، عرفت أنها هي.
حسن: رواه أحمد (١١٢٤) عن علي بن عاصم، أخبرنا عاصم بن كليب الجرمي، عن أبي بردة ابن أبي موسى قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب فإنه حسن الحديث، وكذلك علي بن عاصم وإن كان فيه ضعف إلا أنه يحسن حديثه إذا كان له أصل.
قوله: "السبنية" نسبة إلى سبن، بلد بالمغرب، وهو ضرب من الثياب تتخذ من الكتان أغلظ ما يكون.
• عن معاوية قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تركبوا الخزّ، ولا النمار". وكان معاوية لا يتهم في الحديث عن رسول اللَّه ﷺ .
صحيح: رواه أبو داود (٤١٢٩)، وابن ماجه (٣٦٥٦)، وأحمد (١٦٨٤٠) كلهم من حديث وكيع، حدّثنا أبو المعتمر، عن ابن سيرين، عن معاوية، فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "لا تركبوا الخزّ" المراد منه لا تلبسوا الثوب من الحرير الخالص.
وقوله: "لا تركبوا النمار" أي لا تجلسوا على جلود النمر والسباع، ولا تسرجوا به لأن فيها تكبرًا وخيلاء.
• عن أبي شيخ الهنائي قال: كنت في ملأ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ عند معاوية، فقال معاوية: أنشدكم اللَّه أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لبس الحرير؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأنا أشهد. قال: أنشدكم اللَّه تعالى أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأنا أشهد. قال:
стр. 8135
أنشدكم اللَّه تعالى أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ركوب النمور؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأنا أشهد. قال: أنشدكم اللَّه تعالى أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن الشرب في آنية الفضة؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأنا أشهد. قال: أنشدكم اللَّه تعالى أتعلمون أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن جمع بين حج وعمرة؟ قالوا: أما هذا فلا، قال: أما إنها معهن.
حسن: رواه أحمد (١٦٨٣٣)، واللفظ له، وأبو داود (١٧٤٩) كلاهما من حديث قتادة، عن أبي الشيخ الهنائي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي شيخ الهُنائي -بضم الهاء- قيل: اسمه: حيوان وثّقه ابن سعد، والعجلي، وهو حسن الحديث.
• عن أسامة بن عمير الهذلي أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن جلود السباع أن تفترش.
صحيح: رواه أبو داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧٠) وأحمد (٢٠٧٠٦)، والحاكم (١/ ١٤٤) كلهم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه أسامة، فذكره.
وإسناده صحيح إلا أن الترمذيّ قال: "رواه شعبة، عن يزيد الرشك، عن أبي المليح، عن النبي ﷺ أنه نهى عن جلود السباع. وهذا أصح". يعني المرسل.
وقال الحاكم: "هذا الإسناد صحيح، فإن أبا المليح اسمه عامر بن أسامة، وأبوه أسامة بن عمير صحابي من بني لحيان، مخرج في المسانيد ولم يخرجاه".
• عن خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معديكرب، وعمرو بن الأسود، ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال: يا معاوية، إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني. قال: أفعل. قال: فأنشدك باللَّه هل تعلم أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لبس الذهب؟ قال نعم. قال: فأنشدك باللَّه هل سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عن لبس الحرير؟ قال نعم. قال: فأنشدك باللَّه هل تعلم أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال نعم.
حسن: رواه أبو داود (٤١٣١)، وأحمد (١٧١٨٩)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٦٩) كلهم من طرق عن بقية بن الوليد، حدّثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان قال: فذكره في سياق طويل، وهو مذكور في موضعه.
وإسناده حسن من أجل بقية بن الوليد فإنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، وذكره الذهبي في السير (٣/ ٢٥٨) وقال: "إسناده قوي"
стр. 8136
جموع ما جاء في تزيين الشَّعر، واتخاذ الطِّيب
١ - باب خصال الفطرة
• عن أبى هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "الفطرة خمس الاختتان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط"
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩١)، ومسلم في الطهارة (٢٥٧) كلاهما من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره.
قوله: "من الفطرة" بكسر الفاء أي أن اللَّه تعالى جعلها من فطرة الإنسان، وهو سبيل الأنبياء، والمرسلين، وسبيل كل إنسان قديما وحديثا إلا من انحرف عن الفطرة مثل أهل الكتاب والمجوس.
• عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من الفطرة: حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب"
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩٠)، عن أحمد ابن أبي رجاء، حدّثنا إسحاق بن سليمان، قال: سمعت حنظلة، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
• عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء"
قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٦١) من طريق وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب ابن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن عائشة فذكرته.
٢ - باب إعفاء اللحية، وقص الشارب
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "انهكوا الشوارب وأعفوا اللحى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩٣) عن محمد، أخبرنا عبدة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكره.
ورواه مسلم (١٥٩: ٥٢) من حديث يحيى بن سعيد القطان وغيره عن عبيد اللَّه بلفظ: "أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى".
стр. 8137
• عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين، وفّروا اللحى، وأحفوا الشوارب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩٢)، ومسلم في الطهارة (٢٥٩: ٥٤) كلاهما من حديث يزيد بن زريع، حدّثنا عمر بن محمد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. واللفظ للبخاري.
ولفظ مسلم: "خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى".
قال البخاري: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.
ورواه مالك في الحج (٢٠٠) عن نافع أن عبد اللَّه بن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه.
• عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحية.
صحيح: رواه مالك في الشعر (١) عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
ورواه مسلم في الطهارة (٢٥٩: ٥٣) عن قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، به، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "جزّوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٦٠: ٥٥) عن أبي بكر بن إسحاق، أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
هكذا وقع في رواية الأكثر: "أرخوا" ومعناه: اتركوها وأطيلوها، ووقع في رواية ابن هامان "أرجوا" بالجيم، ومعناه واحد، وهو في الأصل: "أرجئوا" بالهمزة فحذفت الهمزة تخفيفا ومعناه: أخروها.
• عن زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ قال: "من لم يأخذ من شاربه فليس منا".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٧٦١)، والنسائي (٥٠٤٧)، وأحمد (١٩٢٦٣) كلهم من حديث يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وقوله: "ليس منا" أي ليس على سنتنا.
• عن القاسم قال: سمعت أبا أمامة يقول: خرج رسول اللَّه ﷺ على مشيخةٍ من الأنصار بيض لحاهم، فقال: "يا معشر الأنصار، حمّروا، وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب". قال: فقلت: يا رسول اللَّه، إن أهل الكتاب يتسرولون، ولا يأتزرون.
стр. 8138
فقال رسول اللَّه ﷺ : "تسرولوا، وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب". قال: فقلت: يا رسولَ اللَّه، إن أهل الكتاب يتخففون، ولا ينتعلون. قال: فقال النبي ﷺ : "فتخففوا، وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب". قال: فقلنا: يا رسول اللَّه، إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفّرون سبالهم. قال: فقال النبي ﷺ : "قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب".
حسن: رواه أحمد (٢٢٢٨٣)، والطبراني في الكبير (٧٩٢٤) كلاهما من حديث زيد بن يحيى، حدّثنا عبد اللَّه بن العلاء بن زبر، حدثني القاسم، فذكره. واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل الكلام في القاسم وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث وهو صاحب أبي أمامة. وقد قيل: إنه لم يسمع إلا من أبي أمامة. والصحيح أنه سمع من غير أبي أمامة أيضًا.
وزيد بن يحيى هو ابن عبيد الخزاعي أبو عبد اللَّه الدمشقي من ثقات شيوخ أحمد.
قوله "سبالكم" السبال جمع سَبَلة وهي الشارب.
وقوله: "عثانينكم" عثانين جمع عُثنون وهو اللحية.
• عن المغيرة بن شعبة قال: ضفت بالنبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوي. قال: فأخذ الشفرة، فجعل يحز لي بها منه. قال: فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة، وقال: "ما له تربت يداه". قال مغيرة: وكان شاربي وفى، فقصه لي رسول اللَّه ﷺ على سواك، أو قال: "أقصه لك على سواك".
حسن: رواه أبو داود (١٨٨)، وأحمد (١٨٢١٢) كلاهما من حديث وكيع، حدّثنا مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن مغيرة بن عبد اللَّه، عن المغيرة بن شعبة قال: فذكره. واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل مغيرة بن عبد اللَّه فإنه حسن الحديث.
وأما ما روي عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقص شاربه، وكان أبوكم إبراهيم من قبله يقص شاربه. ففيه ضعف.
رواه الترمذيّ (٢٧٦٠)، وأحمد (٢٧٣٨) كلاهما من حديث سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وسماك بن حرب مضطرب في روايته عن عكرمة، وهذا منه.
وفي الباب ما روي عن عطاء بن يسار أخبره قال: كان رسول اللَّه ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول اللَّه ﷺ بيده أن اخرج، كأنه يعني، إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر
стр. 8139
الرأس كأنه شيطان".
رواه مالك في الشعر (٧) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار وهو مرسل.
وعن سعيد بن المسيب قال: كان إبراهيم ﷺ أول الناس ضيّف الضيف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قص شاربه، وأول الناس رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ فقال اللَّه ﵎: وقار يا إبراهيم، فقال: رب زدني وقارًا.
رواه مالك في صفة النبي ﷺ (٤) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب.
فقه الباب:
ورد في إعفاء اللحية خمس روايات وهي: أعفوا، وأوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفّروا. ومعناها كلها: تركها على حالها. هذا هو الظاهر من هذه الروايات. وبه قال جماعة من السلف، وكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها وعرضها.
وقال بعض أهل العلم: قد يحتمل أن يكون لاعفاء اللحية حدٌّ بناءً على ما جاء عن ابن عمر وغيره.
قال القاضي عياض: "يكره حلقها وقصّها وتحريقها، أما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره في قصها وجزّها".
وقال النووي: "ذكر العلماء في اللحية عشر خصال مكروهة بعضها أشد قبحا من بعض، فالتاسعة منها: تركها شعثة ملبدة إظهارًا للزهادة، وقلة المبادرة بنفسه".
ثم اختلف السلف هل لذلك حدٌّ؟
فمنهم من لم يحدد شيئًا في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة، بل يأخذ منها.
وكره مالك طولها جدا.
وذهب جماعة من السلف إلى أن ما زاد على القبضة يؤخذ الزائد لفعل ابن عمر وأبي هريرة، وهما رويا حديث الاعفاء.
وكان عمر فعل ذلك برجل كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٥٠).
وأما ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول اللَّه ﷺ كان يأخذ من لحيته وطولها بالسوية. فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٢٧٦٢) عن هناد، قال: حدّثنا عمر بن هارون، عن أسامة بن زيد، عن عمرو ابن شعيب، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث لا أعرف له حديثا ليس له أصل، أو قال: ينفرد به، إلا هذا الحديث: كان النبي ﷺ يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر.
قلت: عمر بن هارون هذا هو البلخي ضعفه أكثر أهل العلم فقال أبو داود: غير ثقة، وقال
стр. 8140
النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المعضلات، ويدعى شيوخا لم يرهم.
وأما قول النبي ﷺ : "خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى". فإنه كان من عادة الفرس إطالة الشوارب، وقص اللحى قصا شديدًا أو حلقها فمنع الشارع من ذلك لمخالفتهم.
وأما إحفاء الشوارب فمعناه المبالغة في القص لأنه جاء في رواية: جزّوا الشوارب. والجزُّ هو القطع، وعليه يدل لفظ الصحيحين: من الفطرة قص الشارب، وقصة المغيرة بن شعبة.
ولذا ذهب كثير من السلف إلى أنه يؤخذ من الشوارب ما طال عن الشفة، وقد قال مالك كما في الموطأ، كتاب صفة النبي ﷺ (٤): "يُؤخذ من الشارب حتى يبدو طرفُ الشفة، وهو الإطارُ، ولا يجزُّه فيُمثِّل بنفسه".
وكان ابن عمر إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه. ذكره مالك في الموطأ في الحج (٢٠٠).
وذهب أهل الكوفة إلى استئصاله وحلقه؛ لأن معنى الإحفاء في اللغة: الاستئصال يقال: فلان أحفى الشعر أي استأصله.
والأمران جائزان لدلالة السنة عليهما والخلاف في الأفضلية فذهب أهل المدينة إلى الجزّ، والقص، وذهب أهل الكوفة إلى الاستئصال.
٣ - باب التوقيت في قص الشارب، وسائر خصال الفطرة
• عن أنس بن مالك قال: وُقِّتَ لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة.
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥٨) من طريق جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، فذكره.
وأما ما رُوي عن أنس بن مالك، قال: "وقّت لنا رسول اللَّه ﷺ حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، أربعين يوما مرة". فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٤٢٠٠) عن مسلم بن إبراهيم، حدّثنا صدقة الدقيقي، حدّثنا أبو عمران الجوني، عن أنس بن مالك، فذكره.
قال أبو داود: "رواه جعفر بن سليمان، عن أبي عمران، عن أنس، لم يذكر النبي ﷺ قال: وقت لنا، وهذا أصح، وصدقة ليس بالقوي". انتهى.
قلت: وهو كما قال، فصدقة هو ابن موسى الدقيقي أبو المغيزة السلمي البصري ضعيف ضعّفه أبو داود، وقال أبو حاتم: "لين الحديث".
والصحيح فيه كما رواه مسلم من طريق جعفر بن سليمان، وأشار إليه أبو داود، وفيه: أن لا
стр. 8141
نترك أكثر من أربعين ليلة.
يعني متى دعت الحاجة قصصناها، وحدّد بعض العلماء من الجمعة إلى الجمعة.
٤ - باب النهي عن عقد اللحية
• عن رويفع بن ثابت يقول: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدًا ﷺ منه بريء".
صحيح: رواه النسائي (٥٠٦٧) واللفظ له، وأبو داود (٣٦)، وأحمد (١٦٩٩٥) كلهم من حديث عياش بن عباس القتباني، أن شييم بن بيتان، حدثه أنه سمع رويفع بن ثابت يقول: فذكره.
وإسناده صحيح، وله أسانيد أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها.
وقوله: "عقد لحيته" أي فتلُها كفعل الأعاجم.
٥ - باب كراهة نتف الشيب
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة".
وفي رواية: "إلا كتب اللَّه له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة".
حسن: رواه أبو داود (٤٢٠٢)، والترمذي (٢٨٢١)، والنسائي (٥٠٦٨)، وابن ماجه (٣٧٢١)، وأحمد (٦٦٧٢) كلهم من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث وكذا أبوه.
وليس في الحديث ما يدل على كراهية الخضاب.
• عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور يوم القيامة، ومن شاب شيبة في الإسلام، كتب له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة"
حسن: رواه ابن حبان (٢٩٨٥) عن أحمد بن علي بن المثنى قال: حدّثنا إبراهيم بن الحجاج السامي قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة فإنه حسن الحديث.
• عن عمرو بن عبسة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من شاب شيبة في سبيل اللَّه كانت له نورا يوم القيامة".
حسن: رواه الترمذيّ (١٦٣٥)، وأحمد (١٩٤٤٠) كلاهما من حديث حيوة بن شريح الحمصي، عن بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عمرو بن عبسة، فذكره.
стр. 8142
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب، وحيوة بن شريح هو: ابن يزيد الحمصي".
قلت: إسناده حسن من أجل بقية وهو ابن الوليد مدلس، ولكن تقبل عنعنته عن بحير بن سعد.
وقد رواه ابن حبان في صحيحه (٢٩٨٤) من وجه آخر عن عمرو بن عبسة وهو أبو نجيح السلمي، وله طرق أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها.
• عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة".
حسن: رواه ابن حبان (٢٩٨٣) عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي ببغداد، حدّثنا الهيثم بن خارجة -وكان يسمى شعبة الصغير- حدّثنا محمد بن حمير، عن ثابت بن عجلان، عن سليم بن عامر قال: سمعت عمر بن الخطاب، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن حمير وهو ابن أنيس، وشيخه ثابت بن عجلان فإنهما حسنا الحديث. وإنْ قال العقيلي في ثابت: لا يتابع في حديثه، ولكن وثّقه ابن معين وقال النسائي: ليس به بأس.
• عن فضالة بن عبيد، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من شاب شيبا في سبيل اللَّه كانت له نورًا يوم القيامة" فقال رجل: إن رجالا ينتفون الشيب، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من شاء فلينتفْ نوره"
وفي لفظ: "من شاء أن ينتف شيبه - أو قال: نوره".
حسن: رواه ابن أبي عاصم في الجهاد (١٦٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠٤) كلاهما من طرق عن وهب بن جرير بن حازم، حدّثنا أبي، سمعت يحيى بن أيوب، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن حنش (هو الصنعاني)، عن فضالة بن عبيد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن أبي الصعبة فإنه لا بأس به، ويحيى بن أيوب هو الغافقي صدوق وقد توبع.
ورواه أحمد (٢٣٩٥٢) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، به.
وابن لهيعة فيه كلام معروف لكن رواية قتيبة بن سعيد أصح كرواية العبادلة.
وفي معناه ما روي عن كعب بن مرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة".
رواه الترمذيّ (١٦٣٤)، وأحمد (١٨٠٦٤)، وابن حبان (٤٦١٦) كلهم من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد أن شرحبيل بن السمط قال: يا كعب بن مرة حدِّثنا عن رسول اللَّه ﷺ واحذر فقال: فذكر الحديث. وبهذا الإسناد روى عن كعب بن مرة
стр. 8143
عدة أحاديث منهم من جمع ومنهم من فرق.
قال الترمذيّ: "حديث كعب بن مرة هكذا رواه الأعمش، عن عمرو بن مرة، وقد روي هذا الحديث عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، وأدخل بينه وبين كعب بن مرة رجلا".
قلت: رواية سالم بن أبي الجعد عن شرحبيل منقطعة؛ فإنه لم يسمع منه كما قال أبو داود في سننه (٣٩٦٧) وغيره. ورواية سالم بن أبي الجعد عن كعب بن مرة أيضًا منقطعة بينهما رجل لا يعرف من هو؟
وقوله: "احذر" أي لا تزلّ فتزيد أو تنقص، ولم يرد بقوله هذا: واحذر أن لا تكذب لأن الصحابة كلهم عدول، ولم يثبت أن أحدًا منهم كذب على النبي ﷺ .
٦ - باب ما جاء في الخضاب، وتغيير الشيب
• عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم"
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩٩)، ومسلم في اللباس (٢١٠٣) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "غيّروا الشيب، ولا تشبّهوا باليهود ولا بالنصارى".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٧٥٢)، وأحمد (٧٥٤٥)، وصحّحه ابن حبان (٥٤٧٣) كلهم من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. واكتفى البعض بذكر اليهود فقط. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
• عن جابر قال: أتي بأبي قحافة -أو جاء- عام الفتح، أو يوم الفتح، ورأسه ولحيته مثل الثغام -أو الثغامة، فأمر - أو فأمر به- إلى نسائه، قال: "غيروا هذا بشيء".
وفي رواية: "غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد".
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢١٠٢: ٧٨) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة (هو زهير بن معاوية)، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره.
والرواية الثانية عند مسلم أيضًا (٧٩) عن أبي الطاهر، أخبرنا عبد اللَّه بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
لكن رواه أحمد (١٤٦٤١) عن حسن (هو ابن موسى الأشيب) وأحمد بن عبد الملك قالا: حدّثنا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال أحمد في حديثه: حدّثنا أبو الزبير، عن جابر قال: أتي
стр. 8144
رسول اللَّه ﷺ بأبي قحافة أو جاء عام الفتح ورأسه ولحيته مثل الثغام أو مثل الثغامة قال حسن: فأمر به إلى نسائه قال: "غيروا هذا الشيب".
قال حسن: قال زهير: قلت لأبي الزبير: أقال: جنبوه السواد؟ قال: لا.
وهذا إسناد أيضًا صحيح.
ورواه أبو داود الطيالسي (١٨٦٠) قال: حدّثنا زهير، عن أبي الزبير قال: قلت له: أحدثك جابر أن رسول اللَّه ﷺ قال لأبي قحافة: "غيروا، وجنبوه السواد". فقال: لا.
ورواه النسائي (٥٢٤٢)، والحاكم (٣/ ٢٤٥) بإسنادهما عن ابن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أتي النبي ﷺ بأبي قحافة، ورأسه ولحيته كأنها ثغامة، فقال النبي ﷺ : "غيروا - أو اخضبوا" ولم يذكر فيه: "جنبوه السواد".
فالمحفوظ في حديث جابر عدم ذكر "جنبوه السواد".
ولكن جاء ذكره في حديث أنس الآتي:
• عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ لم يكن شاب إلا يسيرًا، ولكن أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحناء والكتم. قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول اللَّه ﷺ يوم فتح مكة، يحمله حتى وضعه بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: "لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه" تكرمة لأبي بكر، فأسلم، ولحيته ورأسه كالثغامة بياضا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "غيروهما وجنبوه السواد".
صحيح: رواه أحمد (١٢٦٣٥)، وصحّحه ابن حبان (٥٤٧٢)، والحاكم (٣/ ٢٤٤) كلهم من حديث محمد بن سلمة الحراني، عن هشام بن حسان القردوسي، عن محمد بن سيرين، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "غيروا الشيب ولا تقربوه السواد".
حسن: رواه أحمد (١٣٥٨٨) عن قتيبة، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أنس بن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة؛ فإنه مختلط إلا أن رواية قتيبة وهو ابن سعيد عنه كان قبل اختلاطه، وهذا الحديث لعله مختصر مما سبق من قصة أبي قحافة.
• عن أسماء بنت أبي بكر قالت: دخل بأبي قحافة أبو بكر على رسول اللَّه ﷺ ورأسه كأنه ثغامة فقال رسول اللَّه ﷺ : "غيروا هذا من شعره".
حسن: رواه أحمد (٢٦٩٥٦)، وابن حبان (٧٢٠٨)، والحاكم (٣/ ٤٦ - ٤٧)، والبيهقي (٩/
стр. 8145
١٢١ - ١٢٢) كلهم من حديث ابن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: فذكرته في سياق طويل، وقد مضى في موضعه.
قوله: "الثغامة" بالثاء المثلثة المفتوحة والغين قال أبو عبيد: هو نبت أبيض الزهر والثمر، شبّه بياض الشيب به.
وقال ابن الأعرابي: شجرة تبيض كأنها الملح. ذكره النووي في شرح مسلم.
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة".
صحيح: رواه أبو داود (٤٢١٢)، والنسائي (٥٠٧٥)، وأحمد (٢٤٧٠) كلهم من طريق عبيد اللَّه بن عمرو -وهو الرقي- عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري الثقة المخرج له في الصحيح، وأخطأ من ظن أنه ابن أبي المخارق المتروك.
• عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أحسن ما غير به هذا الشيبُ الحناء والكتم".
صحيح: رواه أبو داود (٤٢٠٥)، والترمذي (١٧٥٣)، والنسائي (٥٠٧٨)، وابن ماجه (٣٦٢٢)، وأحمد (٢١٣٠٧)، وصحّحه ابن حبان (٥٤٧٤) كلهم من طرق عن عبد اللَّه بن بريدة الأسلمي، عن أبي الأسود، عن أبي ذر قال: فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، وأبو الأسود الديلي اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان".
• عن أبي مالك الأشجعي قال: سمعت أبي وسألته فقال: كان خضابنا مع رسول اللَّه ﷺ الورس والزعفران.
صحيح: رواه أحمد (١٥٨٨٢)، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٧٧)، والبزار - كشف الأستار (٢٩٧٥) كلهم من حديث بكر بن عيسى أبي بشر البصري الراسبي، قال: حدّثنا أبو عوانة قال: حدّثنا أبو مالك، فذكره. وإسناده صحيح.
وأبو مالك هو سعد بن طارق بن أشيم الأشجعي ثقة ضابط لا يختلفون فيه.
قوله: "كان خضابنا" أي في عهد رسول اللَّه ﷺ ، وفيه تقرير من النبي ﷺ بالخضاب بالورس والزعفران.
• عن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب، قال. أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ بقدح من ماء -وقبض إسرائيل ثلاث أصابع من قصة- فيه شعر من شعر النبي ﷺ ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبه، فاطلعت في
стр. 8146
الجلجل، فرأيت شعرات حمرًا.
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩٦) عن مالك بن إسماعيل، حدّثنا إسرائيل، عن عثمان ابن عبد اللَّه بن موهب، فذكره.
ورواه ابن ماجه (٣٦٢٣)، وأحمد (٢٦٥٣٥) من وجه آخر عن عثمان بن عبد اللَّه وفيه: "مخضوبا بالحناء والكتم".
ورواه ابن أبي عمر كما في المطالب (٢٢٥٧) عن المقري، ثنا حيوة، أخبرني الوليد أبو عثمان، عن أبي مالك قال: إنه رأى شعرًا من شعر رسول اللَّه ﷺ مصبوغا بالحناء، وليس بشديد الحمرة، قال: وكلنا نغسله بالماء.
وكذلك رواه حيوة عن أبي عقيل قال: إنه رأى شعرًا من شعر رسول اللَّه ﷺ مصبوغا بالحناء، قال: كنا نخضبه بالماء، ونشرب ذلك الماء.
• عن أنس أنه سئل عن شيب النبي ﷺ فقال: ما شانه اللَّه ببيضاء.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤١: ١٠٥) من طرق عن أبي داود، حدّثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، سمع أبا إياس، عن أنس، فذكره.
• عن ابن سيرين قال: سئل أنس بن مالك هل خضب رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: إنه لم يكن رأى من الشيب إلا -قال ابن إدريس: كأنه يقلّله- وقد خضب أبو بكر، وعمر بالحناء والكتم.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤١: ١٠٠) من طرق عن عبد اللَّه بن إدريس الأودي، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: فذكره.
• عن ثابت قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب النبي ﷺ ؟ فقال: لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه فعلت، وقال: لم يختضب. وقد اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩٥)، ومسلم في الفضائل (٢٣٤١: ١٠٣) كلاهما من حديث حماد بن زيد، حدّثنا ثابت، فذكره.
واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري مختصرًا.
وقوله: "شمطات" قال ابن الأثير: "الشمط الشيب، والشمطات الشعرات البيض التي كانت في شعر رأسه، يريد قلّتها.
• عن أنس بن مالك، قال: يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته، قال: ولم يختضب رسول اللَّه ﷺ ، إنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين
стр. 8147
وفي الرأس نبذ.
متفق عليه: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤١: ١٠٤) عن نصر بن علي الجهضمي، حدّثنا أبي، حدّثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره.
ورواه البخاريّ في المناقب (٣٥٥٠) عن أبي نعيم، حدّثنا همام، عن قتادة، قالي: سألت أنسا هل خضب النبي ﷺ ؟ قال: لا، إنما كان شيء في صدغيه.
قوله: "عنفقته" قال ابن الأثير: العنفقة الشعر الذي في الشفة السفلي، وقيل: الشعر الذي بينها وبين الذقن، وأصل العنفقة: خفة الشيء وقلته.
وقوله: "الصدغين" الصدغ ما بين الأذن والعين، ويقال ذلك أيضًا للشعر المتدلي من الرأس في ذلك المكان. الفتح (٦/ ٥٧٢).
• عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنس بن مالك أخضب النبي ﷺ ؟ قال: إنه لم ير من الشيب إلا قليلا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩٤)، ومسلم في الفضائل (٢٣٤١: ١٠٢) كلاهما من حديث وهيب بن خالد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، فذكره.
• عن ابن سيرين، قال: سألت أنس بن مالك هل كان رسول اللَّه ﷺ خضب؟ فقال: لم يبلغ الخضاب، كان في لحيته شعرات بيض. قال قلت له: أكان أبو بكر يخضب؟ قال: فقال: نعم، بالحناء والكتم.
صحيح رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤١: ١٠١) عن محمد بن بكار بن الريان، حدّثنا إسماعيل بن زكرياء، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، فذكره.
نفي أنس يدل على علمه أو تقليله أو اختلاف أوقاته ﷺ فإنه أحيانا يخضب، وأحيانا يترك.
وحديث ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة، وحديث أم سلمة: "رأيت شعرات حمر" مقدم على حديث أنس.
وأما اختلاف الروايات في قدر شَيْبه فالصحيح أنه كان شيئًا يسيرًا، فمن نفى ذلك أراد أنه لم يكن كثيرًا. انظر للمزيد: كتاب السيرة.
• عن حريز بن عثمان أنه سأل عبد اللَّه بن بسر صاحب النبي ﷺ ، قال: أرأيت النبي ﷺ كان شيخا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض.
صحيح: رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٤٦) عن عصام بن خالد، حدّثنا حريز بن عثمان، أنه سأل عبد اللَّه بن بسر، فذكره.
• عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ هذه منه بيضاء -وضع زهير بعض
стр. 8148
أصابعه على عنفقته- قيل له: مثل من أنت يومئذ؟ فقال: أبري النبل وأريشها.
متفق عليه: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٢) من طرق عن زهير أبي خيثمة، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، فذكره.
ورواه البخاريّ في المناقب (٣٥٤٥) من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن وهب أبي جحيفة السوائي قال: رأيت النبي ﷺ ، ورأيت بياضا من تحت شفته السفلى العنفقة.
• عن سماك بن حرب يقول: سمعت جابر بن سمرة سئل عن شيب النبي ﷺ فقال: كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيء، وإذا لم يدهن رئي منه.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٤) عن محمد بن المثنى، حدّثنا أبو داود سليمان بن داود، حدّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، فذكره.
• عن جابر بن سمرة، يقول: كان رسول اللَّه ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا ادهن لم يتبين، وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية، فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا، بل كان مثل الشمس والقمر، وكان مستديرًا، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٤: ١٠٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبيد اللَّه، عن إسرائيل، عن سماك، أنه سمع جابر بن سمرة، يقول: فذكره.
• عن زيد بن أسلم، أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة، فقيل له: لم تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول اللَّه ﷺ يصبغ بها، ولم يكن شيء أحب إليه منها، وقد كان يصبغ ثيابه كلها حتى عمامته.
حسن: رواه أبو داود (٤٠٦٤)، والنسائي (٥٠٨٦) كلاهما من حديث عبد العزيز يعني ابن محمد، عن زيد بن أسلم، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في عبد العزيز بن محمد هو الدراوردي إلا أنه توبع. رواه النسائي (٥١١٥)، وأحمد (٥٧١٧) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن زيد، عن أبيه بإسناده نحوه. واختصره النسائي.
وعبد اللَّه بن زيد متكلم فيه ولكن لا بأس به في المتابعة.
قوله: "وقد كان يصبغ بها ثيابه. . . " شاذ، والصحيح كما في أول الحديث: اللحية، وعليه يحمل قول عبيد بن جريج في الحديث الذي ورد التصريح عند أحمد (٤٦٧٢) أنه كان يصفّر لحيته.
وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال -وكان جليسا لهم، وكان أبيض اللحية والرأس قال-: فغدا عليهم ذات يوم وقد حمرهما، قال: فقال له
стр. 8149
القوم: هذا أحسن، فقال: إن أمي عائشة زوج النبي ﷺ أرسلت إلي البارحة جاريتها نخيلة، فأقسمت علي لأصبغن، وأخبرتني أن أبا بكر الصديق كان يصبغ.
رواه مالك في الشعر (٨) عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، فذكره. وإسناده صحيح غير أنه موقوف.
قال يحيى: سمعت مالكا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي. قال؟ وترك الصبغ كله واسع، إن شاء اللَّه، ليس على الناس فيه ضيق.
قال: وسمعت مالكا يقول: في هذا الحديث بيان أن رسول اللَّه ﷺ لم يصبغ، ولو صبغ رسول اللَّه ﷺ لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرحمن بن الأسود.
وفي الباب عن ابن عباس، قال: مر على النبي ﷺ رجل قد خضب بالحناء، فقال: "ما أحسن هذا " قال: فمر آخر قد خضب بالحناء والكتم، فقال: "هذا أحسن من هذا" قال: فمر آخر قد خضب بالصفرة، فقال: "هذا أحسن من هذا كله"
رواه أبو داود (٤٢١١)، وابن ماجه (٣٦٢٧)، والبيهقي (٧/ ٣١٠) كلهم من طريق محمد بن طلحة، عن حميد بن وهب، عن ابن طاوس، عن طاوس، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل حميد بن وهب القرشي أبي وهب المكي قال البخاري: منكر الحديث، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وحميد مجهول النقل، وجهّله أيضًا ابن المديني.
قلت: هذا الحديث تفرد به ولم يتابع عليه.
وأما ما روي عن ابن مسعود قال: كان النبي ﷺ يكره عشر خلال، فذكر منها: "تغيير الشيب". فهو منكر.
رواه أبو داود (٤٢٢٢)، والنسائي (٥٠٨٨)، وأحمد (٣٦٠٥)، وصحّحه ابن حبان (٥٦٨٢)، والحاكم (٤/ ١٩٥) كلهم من طريق الركين بن الربيع، يحدث عن القاسم بن حسان، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود، فذكر الحديث بطوله. وهو قوله: كان نبي اللَّه ﷺ يكره عشر خلال: الصفرة -يعني الخلوق- وتغيير الشيب، وجر الإزار، والتختم بالذهب، والتبرج بالزينة لغير محلها، والضرب بالكعاب، والرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم، وعزل الماء لغير أو غير محله -أو عن محله- وفساد الصبي غير محرمه.
قال أبو داود: "انفرد بإسناد هذا الحديث أهل البصرة".
قلت: عبد الرحمن بن حرملة لم يسمع من ابن مسعود، ولا يعرف من أصحابه إلا بهذا الحديث.
وقال البخاري: "هذا حديث منكر"، ذكره الذهبي في ترجمة قاسم بن حسان، من الميزان، وقال في التاريخ الكبير (٥/ ٢٧٠): "لم يصح حديثه".
وقاسم بن حسان لا يعرف كما قال ابن القطان، وقال الحافظ في التقريب: "مقبول" أي عند
стр. 8150
المتابعة، والحديث ليس على شرط الجامع الكامل وإنْ كان لبعض فقراته شواهد صحيحة.
فقه أحاديث الباب:
أحاديث الباب تدل على استحباب الخضاب للرجال.
واختلف السلف في الخضاب بالسواد، فكره قوم لحديث جابر: "تجنبوا السواد" وكان أكثر عمل السلف على هذا، فكانوا يخضبون بالصفرة. منهم ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو أمامة، وجرير ابن عبد اللَّه، والمغيرة بن شعبة، وعبد اللَّه بن بسر وغيرهم.
ولم يكرهه قوم فأجازوا الخضاب بالسواد منهم: عثمان، والحسن والحسين ابنا علي، وعقبة ابن عامر، وابن سيرين، وأبو بردة، والزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم.
سئل محمد بن علي عن الوسمة فقال: هو خضابنا أهل البيت.
وقال أيوب عن محمد بن سيرين: لا أعلم بخضاب السواد بأسا إلا أن يغر به رجل امرأة.
قال الزهري: أمر النبي ﷺ بالأصباغ، فأحلكها أحب إلينا - يعني أسودها. أخرجه عبد الرزاق (٢٠١٧٦) عن معمر، عن الزهري.
وكذلك رخص السلف في تسويد الشعر للنساء.
ذكر عبد الرزاق (٢٠١٨) عن معمر، عن قتادة قال: رُخّص في صباغ الشعر بالسواد للنساء.
وعن حماد بن سلمة، عن أم شبيب قالت: سألنا عائشة عن تسويد الشعر، قالت: لوددتُ أن عندي شيئًا سودت به شعري.
هذه الآثار ذكرها البغوي في شرح السنة (١٢/ ٩٣ - ٩٤)، والقاضي عياض، ونقلها عنه النووي في شرح مسلم.
وأما ترك الخضاب فلم ير قوم به بأسا.
قال مالك: ترك الصبغ كله واسع للناس، بل ذهب بعض المالكية إلى كراهية تغيير الشيب لأنه نور كما ورد في الأحاديث، وقد جاء النهي عن تغيير الشيب إلا أنه لم يثبت.
وممن روي عنه من السلف ترك الصبغ: أبو بكر وعمر وعلي، كما روي عنهم خلاف ذلك. قال أبو إسحاق: رأيت عليا على المنبر أبيض الرأس واللحية. أخرجه عبد الرزاق (٢٠١٨٨) عن معمر، عن أبي إسحاق.
وقال الحسن: رأيت أبي بن كعب أبيض الرأس واللحية.
وقال عدي بن عدي: رأيت جابر بن عبد اللَّه أبيض الرأس واللحية.
وكان أبو سعيد الخدري لا يخضب وكانت لحيته بيضاء.
وقال جرير بن حازم: رأيت عطاء بن أبي رباح، ورجاء بن حيوة، ومكحولا، والحكم بن عتيبة
стр. 8151
لحاهم بيض.
قال سعيد بن جبير: يعمد أحدكم إلى نور، جعله اللَّه في وجهه فيطفئه.
أخرجه عبد الرزاق (٢٠١٨٠) عن معمر، عن أيوب، سمعت سعيد بن جبير، فذكره.
قال أيوب: وذلك أني سألته عن الوسمة.
وكان سعيد بن المسيب شديد بياض الرأس واللحية. والأمر واسع، ولذا ذهب الشافعية إلى الخيار حسب أحوال الناس وظروفهم، وذهب الحنفية والحنابلة إلى الاستحباب، ولم يقل بوجوبها، وأما التجنب من السواد فهو أفضل خروجا من الخلاف.
٧ - باب التلبيد
• عن عمر بن الخطاب قال: من ضفر رأسه فليحلق، ولا تشبهوا بالتلبيد.
صحيح: رواه مالك في الحج (٢٠٤) عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فذكره.
ولكن خالفه عبد اللَّه بن عمر كما رواه البخاريّ في اللباس (٥٩١٤) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد اللَّه، أن عبد اللَّه بن عمر، قال: سمعت عمر يقول: " من ضفر فليحلق، ولا تشبهوا بالتلبيد" وكان ابن عمر يقول: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ ملبدًا.
يعني أن عمر بن الخطاب يرى وجوب الحلق على من لبّد رأسه في الإحرام بخلاف ابنه عبد اللَّه فإنه خالف أباه فقال: رأيت رسول اللَّه ﷺ ملبّدًا، ولم يوجب الحلق على من لبّد وهو وإن كان حلق ولكنه أجاز القصر أيضًا.
٨ - باب ما جاء في فرق شعر الرأس
• عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩١٧)، ومسلم في الفضائل (٢٣٣٦١) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، حدّثنا ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، فذكره.
قوله: "يسدلون أشعارهم" أي يرسلونه.
وقوله: "يفرقون رؤوسهم" فرق شعر الرأس هو قسمته من المفرق، وهو وسط الرأس، والمفرق هو مكان انقسام الشعر من الجبين إلى دارة وسط الرأس.
• عن عائشة قالت: كنت إذا أردت أن أفرق رأس رسول اللَّه ﷺ صدعت الفرق من يافوخه، وأرسل ناصيته بين عينيه.
стр. 8152
حسن: رواه أبو داود (٤١٨٩) عن يحيى بن خلف، حدّثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق لأنه صرّح بالتحديث.
وكذلك رواه أحمد (٢٤٥٩٤) عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، به.
ورواه ابن ماجه (٣٦٣٣) من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أفرق خلف يافوخ رسول اللَّه ﷺ ، ثم أسدل ناصيته.
وكلا الوجهين محفوظان كما قال الدارقطني في العلل (٣٥٦٨)
قولها: "صدعت فرقه" أي فرقتها.
وقوله: "اليافوخ": هو وسط الرأس.
٩ - باب في اتخاذ ذؤابة من شعر الرأس
• عن ابن عباس قال: بتُّ ليلة عند ميمونة بنت الحارث خالتي، وكان رسول اللَّه ﷺ عندها في ليلتها، قال: فقام رسول اللَّه ﷺ يصلي من الليل، فقمت عن يساره. قال: فأخذ بذؤابتي فجعلني عن يمينه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩١٩) من طريق هشيم (هو ابن بشير)، عن أبي بشر (هو جعفر بن أبي وحشية)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره.
ورواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٦٣) من وجوه أخرى عن ابن عباس بنحوه دون ذكر الذؤابة وفي بعضها: "فوضع رسول اللَّه ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها".
قوله: "فأخذ بذؤابتي": قال الحافظ: فيه تقريره ﷺ على اتخاذ الذؤابة.
١٠ - باب كراهية تطويل الشعر بدون تهذيب
• عن وائل بن حجر قال: أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل، فلما رآني رسول اللَّه ﷺ قال: "ذباب ذباب" قال: فرجعت فجززته، ثم أتيته من الغد. فقال: "إني لم أعنك، وهذا أحسن".
حسن: رواه أبو داود (٤١٩٠)، والنسائي (٥٠٥٢، ٥٠٦٦)، وابن ماجه (٣٦٣٦) كلهم من حديث سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن كليب وأبيه كليب بن شهاب فإنهما حسنا الحديث.
قوله: "ذباب" هو الشؤم أي هذا شؤم. وقيل: الذباب الشر الدائم، يقال: أصابك ذباب من هذا الأمر. كذا في النهاية.
стр. 8153
• عن سمرة بن فاتك أن النبي ﷺ قال: "نعم الفتى سمرة، لو أخذ من لمته، وشمر من مئزره". ففعل ذلك سمرة، أخذ من لمته، وشمر من مئزره.
حسن: رواه أحمد (١٧٧٨٨) عن يعمر بن بشر قال: حدّثنا عبد اللَّه قال: حدّثنا هشيم، عن داود بن عمرو، عن بسر بن عبيد اللَّه، عن سمرة بن فاتك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل يعمر بن بشر شيخ أحمد فقد قال فيه أحمد: لا بأس به، ووثّقه الدارقطني كما في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٥٧).
وعبد اللَّه هو ابن المبارك والحديث في كتابه الجهاد (١٠٩).
وروي نحوه عن أخيه خريم بن فاتك كما في الحديث الآتي:
قوله: "اللمة": هي الشعر المتجاوز شحمة الأذن.
وقوله: "شمّر": معناه قصر.
وسمرة بن فاتك وأخوه خريم بن فاتك أسلما بعد الفتح واختلف في نسبهما فقيل: الأسدي وهو الأصح.
• عن قيس بن بشر التغلبي قال: أخبرني أبي -وكان جليسا لأبي الدرداء- قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: ابن الحنظلية، وكان رجلا متوحدًا، قلما يجالس الناس، إنما هو في صلاة فإذا فرغ فإنما يسبح ويكبر حتى يأتي أهله، فمر بنا يوما ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك. قال: بعث رسول اللَّه ﷺ سرية فقدمت، فجاء رجل منهم، فجلس في المجلس الذي فيه رسول اللَّه ﷺ ، فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو، فحمل فلان فطعن، فقال: خذها وأنا الغلام الغفاري. كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد أبطل أجره. فسمع ذلك آخر، فقال: ما أرى بذلك بأسا. فتنازعا حتى سمع النبي ﷺ فقال: "سبحان اللَّه! لا بأس أن يحمد ويؤجر". قال: فرأيت أبا الدرداء سُرَّ بذلك، وجعل يرفع رأسه إليه، ويقول: آنت سمعت ذلك من رسول اللَّه ﷺ ؟ فيقول: نعم. فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول: ليبركن على ركبتيه.
قال: ثم مر بنا يوما آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك قال: قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "إن المنفق على الخيل في سبيل اللَّه كباسط يديه بالصدقة لا يقبضها".
قال: ثم مر بنا يوما آخر، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك. فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره"، فبلغ
стр. 8154
ذلك خريما، فجعل يأخذ شفرة يقطع بها شعره إلى أنصاف أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه.
قال: فأخبرني أبي قال: دخلت بعد ذلك على معاوية، فإذا عنده شيخ جمته فوق أذنيه، ورداؤه إلى ساقيه، فسألت عنه، فقالوا: هذا خريم الأسدي.
قال: ثم مر بنا يوما آخر، ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، فقال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم؛ فإن اللَّه لا يحب الفحش، ولا التفحش".
حسن: رواه أبو داود (٤٠٨٩)، وأحمد (١٧٦٢٢)، والحاكم (٤/ ١٨٣)، والبيهقي في الشعب (٥٧٩٣) كلهم من حديث هشام بن سعد، قال: حدّثنا قيس بن بشر التغلبي قال: أخبرني أبي -وكان جليسا لأبي الدرداء- قال: فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وإسناده حسن، من أجل بشر التغلبي والد قيس، وهو بشر بن قيس التغلبي وهو "صدوق" كما قال الحافظ. ولم يظهر من ترجمته في تهذيبه أي جرح فيه.
ومن أجل ابنه قيس وهو من رجال الصحيح قال فيه أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسا.
وأما ما رواه أحمد (١٨٨٩٩) عن عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن أبي إسحاق، عن شمر، عن خريم رجل من بني أسد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لولا أن فيك اثنتين كنت أنت". قال: إن واحدة تكفيني، قال: "تسبل إزارك، وتوفر شعرك" قال: لا جرم، واللَّه لا أفعل. فهو ضعيف.
وشمر هو ابن عطية الأسدي لم يدرك خريما كما في تهذيب الكمال، وله طرق أخرى لا يسلم منها شيء.
١١ - باب حلق الشعر كله، والنهي عن القزع
• عن عبد اللَّه بن جعفر، أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم، ثم أتاهم، فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم" ثم قال: "ادعوا لي بني أخي" فجيء بنا كأنا أفرخ، فقال: "ادعوا لي الحلاق"، فأمره فحلق رؤوسنا.
صحيح: رواه أبو داود (٤١٩٢)، والنسائي (٥٢٢٧) كلاهما من حديث وهب بن جرير، حدّثنا أبي، قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب، يحدث عن الحسن بن سعد، عن عبد اللَّه بن جعفر، فذكره. وإسناده صحيح.
ومن هذا الطريق رواه أحمد (١٧٥٠) مطولا، وهو مذكور في موضعه.
стр. 8155
• عن ابن عمر، أن النبي ﷺ رأى صبيا قد حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: "احلقوه كله، أو اتركوه كله"
صحيح: رواه أبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (٥٠٤٨)، وأحمد (٥٦١٥) كلهم عن عبد الرزاق -وهو في مصنفه (١٩٥٦٤) - حدّثنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده صحيح.
وساق مسلم هذا الإسناد (٢١٢٠) ولم يذكر لفظه، وإنما أحال على اللفظ المذكور قبله.
• عن عبيد اللَّه بن حفص، أن عمر بن نافع، أخبره، عن نافع، مولى عبد اللَّه: أنه سمع ابن عمر يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عن القزع.
قال عبيد اللَّه: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد اللَّه قال: إذا حلق الصبي، وترك ها هنا شعرة وها هنا وها هنا، فأشار لنا عبيد اللَّه إلى ناصيته وجانبي رأسه.
قيل لعبيد اللَّه: فالجارية والغلام؟ قال: لا أدري، هكذا قال: الصبي. قال عبيد اللَّه: وعاودته، فقال: أما القصة والقفا للغلام فلا بأس بهما، ولكن القزع أن يترك بناصيته شعر، وليس في رأسه غيره، وكذلك شق رأسه هذا وهذا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٢٠) من طريق ابن جريج قال: أخبرني عبيد اللَّه بن حفص به، فذكره. هذا لفظ البخاري.
قوله: "فأشار لنا عبيد اللَّه" فيه حذف تقديره فأشار لنا عبيد اللَّه ناقلا من كلام عمر بن نافع أنه قال: القزع إذا حلق الصبي، وترك ههنا شعرة وههنا وههنا.
وقوله في الإشارة الثانية: "فأشار لنا عبيد اللَّه إلى ناصيته وجانبي رأسه" من كلام عبد اللَّه نفسه. قاله العيني (٢٢/ ٥٨).
وقد يكون التفسير لنافع كما في صحيح مسلم (٢١٢٠) عن زهير بن حرب، حدثني يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه، أخبرني عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن القزع، قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: "يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض".
فالسائل قد يكون عمر بن نافع ابنه، وقد يكون عبيد اللَّه، ويكون سؤاله في وقت آخر، وجمع الراوي الحديث وتفسيره في سياق واحد.
وقد جاء تفسير الحديث من عبيد اللَّه نفسه كما رواه أحمد (٤٩٧٣) عن محمد بن بشر، عن عبيد اللَّه، عن عمر بن نافع، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن القزع. قال عبيد اللَّه: والقزع الترقيع في الرأس.
فكان عبيد اللَّه بن عمر يعزو التفسير إلى نافع مرة، ويعزوه إلى نفسه أخرى.
قال النووي: "القزع" -بفتح القاف والزاي- وهذا الذي فسره به نافع أو عبيد اللَّه هو الأصح،
стр. 8156
وهو أن القزع: حلق بعض الرأس مطلقا، ومنهم من قال: هو حلق مواضع متفرقة منه، والصحيح الأول؛ لأنه تفسير الراوي، وهو غير مخالف للظاهر فوجب العمل به". انتهى.
وقال الحافظ: "إلا أن تخصيصه بالصبي ليس قيدًا" يعني أنه عام يشمل أيضًا الرجل والمرأة".
وقوله: "أما القُصّة والقفا للغلام فلا بأس بهما" قال الحافظ: "القُصّة -بضم القاف ثم المهملة- والمراد بها هنا شعر الصدغين، والمراد بالقفا شعر القفا، والحاصل منه أن القزع مخصوص بشعر الرأس، وليس شعر الصدغين والقفا من الرأس".
١٢ - باب ما جاء في الطيب
• عن عائشة قالت: كنت أطيب النبي ﷺ بأطيب ما يجد حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٢٣)، ومسلم في الحج (١١٩٠: ٤٤) كلاهما من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة قالت: طيبتُ رسول اللَّه ﷺ بيديّ بذريرة في حجة الوداع للحلّ والإحرام. وفي رواية: بطيب فيه مسك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٣٠)، ومسلم في الحج (١١٨٩: ٣٥) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عمر بن عبد اللَّه بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة، فذكرته.
والرواية الأخرى لمسلم (١١٩١) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة.
قوله: "بذريرة" هي نوع من الطيب مجموع من أخلاط، وقيل: هو فتات قصب طيب يجاء به من الهند. فتح الباري (١٠/ ٣٧١).
• عن أنس بن مالك قال: كان للنبي ﷺ سكة يتطيب منها.
صحيح: رواه أبو داود (٤١٦٢)، والترمذي في الشمائل (٢١٧)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (ص ٨٨) كلهم من حديث عبد اللَّه بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "كانت امرأة من بني إسرائيل، قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتما من ذهب مغلق مطبق، ثم حشته مسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا" ونفض شعبة يده.
صحيح: رواه مسلم في الألفاظ من الأدب (٢٢٥٢: ١٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، عن شعبة، حدثني خليد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
стр. 8157
• عن نافع قال: كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بألوة، غير مطراة، وبكافور يطرحه مع الألوة، ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول اللَّه ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في الألفاظ من الأدب (٢٢٥٤) من طرق عن ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن نافع، فذكره.
قوله: "يستجمر" الاستجمار هنا استعمال الطيب، والتبخر به، مأخوذ من المجمر وهو البخور.
وقوله: "الألوة" بفتح الهمزة وضمها، وضم اللام هي العود يتبخر به.
وقوله: "غير مطراة" أي غير مخلوطة بغيرها من الطيب.
• عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ كانت تعجبه الفاغية، وكان أعجب الطعام إليه الدباء.
حسن: رواه أحمد (١٢٥٤٦) عن عبد الصمد، حدّثنا سليمان -يعنى ابن كثير-، حدّثنا عبد الحميد، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سليمان بن كثير هو العبدي البصري مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ.
وقوله: "الفاغية" من فغا يفغو فغوا، هو تفتّحَ نوره، ويقال: فغا الشيءُ ظهرت رائحته، والفاغية: نور الحناء خاصة، ونور كل نبت ذي رائحة طيبة.
ونور الحناء من أطيب الرياحين.
وقد ثبت أيضًا أن النبي ﷺ كان يداوي بالحناء أيضًا، وهو مخرج في كتاب الطب.
١٣ - باب كراهية ردّ الطيب
• عن أنس بن مالك أنه كان لا يرد الطيب، وزعم أن النبي ﷺ لا يردّ الطيب.
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٢٩) عن أبي نعيم (هو الفضل بن دُكين)، ثنا عزرة بن ثابت الأنصاري، ثني ثمامة بن عبد اللَّه، عن أنس، فذكره.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح".
صحيح: رواه مسلم في الألفاظ من الأدب (٢٢٥٣) من طريق أبي عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الإعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
١٤ - باب الفصل بين طيب الرجال وطيب النساء
• عن أنس، قال: أتى النبي ﷺ قوم يبايعونه، وفيهم رجل في يده أثر خلوق، فلم يزل يبايعهم، ويؤخره، ثم قال: "إن طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب
стр. 8158
النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٩٨٩)، والبيهقي في الشعب (٧٤٢٤) كلاهما من حديث سعيد بن سليمان الواسطي، حدّثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن زكريا الخلقاني مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يتبين خطؤه، وهو من رجال الجماعة.
وفي معناه ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه".
رواه الترمذيّ (٢٧٨٧) عن علي بن حجر، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن الطفاوي، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن إلا أن الطفاوي لا نعرفه إلا في هذا الحديث ولا نعرف اسمه، وحديث إسماعيل بن إبراهيم أتم وأطول".
ورواه أيضًا أبو داود (٢١٧٤) في حديث طويل، والنسائي (٥١١٨) كلاهما من أوجه أخرى عن الجريري بإسناده. انظر: تخريجه المفصل في كتاب النكاح باب لا تباشر المرأة المرأة.
والطفاوي مجهول كما قال الترمذيّ.
وقد رواه الترمذيّ قبله عن سفيان، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن رجل، عن أبي هريرة فذكره. والرجل المبهم هو الطفاوي.
وفي معناه ما روي أيضًا عن عمران بن حصين قال: قال لي النبي ﷺ : "إن خير طيب الرجل ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه".
رواه الترمذيّ (٢٧٨٨)، وأبو داود (٤٠٤٨)، وأحمد (١٩٩٧٥)، والحاكم (٤/ ١٩١) كلهم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن غريب من هذا الوجه".
قال أبو داود: "قال سعيد: أراه قال: إنما حملوا قوله في طيب النساء على أنها إذا خرجت، أما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت".
قلت: في إسناده الحسن البصري مدلس ولم يسمع من عمران بن حصين، ولكن قال الحاكم: " هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، فإن مشايخنا وإن اختلفوا في سماع الحسن عن عمران بن حصين فإن أكثرهم على أنه سمع منه". اهـ
كذا قال، والراجح أنه لم يسمع منه.
стр. 8159
١٥ - باب النهي عن الخلوق للرجال
• عن أنس بن مالك قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتزعفر الرجلُ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٤٦)، ومسلم في اللباس (٢١٠١) كلاهما من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، فذكره.
قوله: "الخلوق" هو طيب مركب من الزعفران وغيره، يغلب عليه الحمرة والصفرة، وهو من طيب النساء دون الرجال، تختضب به النساء في اليد والرجل، وحُرّم ذلك على الرجال لما فيه من تشبه بالنساء.
• عن أبي حبيبة عن ذلك الرجل قال: أتيت النبي ﷺ ولي حاجة، فرأى علي خلوقا فقال: "اذهب، فاغسله"، فغسلته، ثم عدت إليه فقال: "اذهب، فاغسله"، فذهبت، فوقعت في بئر، فأخذت مستقة، فجعلت أتتبعه، ثم عدت إليه فقال: "حاجتك".
حسن: رواه أحمد (١٧٠١٣) عن محمد هو ابن جعفر، حدّثنا شعبة، عن إسحاق هو ابن سويد، عن أبي حبيبة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي حبيبة وهو مولى الزبير بن العوام، وثّقه ابن حبان والعجلي، وروى عنه إسحاق بن سويد كما روى عنه أيضًا موسى بن عقبة وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن كما في التعجيل (١٢٤٨). وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: "حديثه في أهل المدينة، ولم يذكر له اسما".
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب، والسكران، والمتضمخ بالخلوق".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٩٣٠) عن العباس بن أبي طالب، ثنا أبو سلمة، ثنا أبان -يعني ابن يزيد-، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس، فذكره.
قال البزار: "رواه غير العباس بن أبي طالب مرسلا، ولا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، وروي عن عمار نحوه".
قلت: إسناده حسن من أجل العباس بن أبي طالب وهو العباس بن جعفر بن عبد اللَّه بن الزبرقان البغدادي أبو محمد بن أبي طالب حسن الحديث. قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو من رجال التهذيب، فلا يضر من خالفه، بل ذكره البخاري في التاريخ (٥/ ٧٤) قال: وقال حفص بن عمر، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس نحوه.
فقوله: "نحوه" أي مرفوعا نحوه لأنه عطف على حديث بريدة مرفوعا.
إلا أن حديث بريدة لا يصح وهو ما رواه البخاريّ في الموضع المشار إليه، والبزار - كشف
стр. 8160
الأستار (٢٩٢٩)، والعقيلي في الضعفاء (٧٩٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٥٦) كلهم من حديث عبد اللَّه بن حكيم أبي بكر الداهري قال: حدّثنا يوسف بن صهيب، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة لا يقربهم الملائكة: سكران، والمتخلق، والجنب أو الحائض" كما في بعض الروايات. قال البخاري: "لا يصح".
وقال العقيلي: "أبو بكر هذا يحدث بأحاديث لا أصل لها، ويحيل على الثقات".
ونقل عن يحيى أنه قال: "ليس حديثه بشيء". وقال ابن عدي: "هو منكر الحديث".
وأورده الهيثمي في المجمع (٥/ ١٥٦) وقال فيه: "عبد اللَّه بن حكيم ضعيف".
قلت: وقد اتهمه بعض أهل العلم.
وكذلك لا يصح ما روي عن عمار قال: قدمت على أهلي ليلا وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول اللَّه ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي: فقال: "اغسل هذا". قال: فذهبت، فغسلته، ثم جئت، وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي. وقال: "اغسل هذا عنك". فذهبت، فغسلته، ثم جئت، فسلمت عليه، فرد علي، ورحب بي، وقال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر، ولا المتضمخ بزعفران، ولا الجنب"، ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ.
رواه أحمد (١٨٨٨٦)، وأبو داود (٤١٧٦)، والترمذي (٦١٣) مختصرًا كلهم عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار، فذكره. واللفظ لأحمد.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
كذا قال مع أن فيه انقطاعا؛ فإن يحيى بن يعمر لم يلق عمار بن ياسر، قال أبو داود (٢٢٥): "بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر في هذا الحديث رجل.
قلت: وهو كما قال فقد رواه أبو داود (٤١٧٧)، وأحمد (١٨٨٩٠) من حديث ابن جريج قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أنه سمع يحيى بن يعمر، يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر - زعم عمر أن يحيى قد سمى ذلك الرجل ونسيه عمر أن عمارًا قال: فذكر نحوه.
وإسناده ضعيف لإبهام الرجل الذي حدث عن عمار بن ياسر.
ورواه أيضًا أبو داود (٤١٨٠) عن هارون بن عبد اللَّه، حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، حدّثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن الحسن بن أبي الحسن، عن عمار بن ياسر، فذكره مختصرًا.
وهذا أيضًا ضعيف فإن الحسن مدلس ولم يسمع من عمار بن ياسر.
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يقبل اللَّه تعالى صلاة رجلٍ في جسده شيء من خلوق". فإسناده ضعيف.
следующие страницы →