Полный текст (8 687 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.
стр. 8156
وهو أن القزع: حلق بعض الرأس مطلقا، ومنهم من قال: هو حلق مواضع متفرقة منه، والصحيح الأول؛ لأنه تفسير الراوي، وهو غير مخالف للظاهر فوجب العمل به". انتهى.
وقال الحافظ: "إلا أن تخصيصه بالصبي ليس قيدًا" يعني أنه عام يشمل أيضًا الرجل والمرأة".
وقوله: "أما القُصّة والقفا للغلام فلا بأس بهما" قال الحافظ: "القُصّة -بضم القاف ثم المهملة- والمراد بها هنا شعر الصدغين، والمراد بالقفا شعر القفا، والحاصل منه أن القزع مخصوص بشعر الرأس، وليس شعر الصدغين والقفا من الرأس".
١٢ - باب ما جاء في الطيب
• عن عائشة قالت: كنت أطيب النبي ﷺ بأطيب ما يجد حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٢٣)، ومسلم في الحج (١١٩٠: ٤٤) كلاهما من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة قالت: طيبتُ رسول اللَّه ﷺ بيديّ بذريرة في حجة الوداع للحلّ والإحرام. وفي رواية: بطيب فيه مسك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٣٠)، ومسلم في الحج (١١٨٩: ٣٥) كلاهما من طريق ابن جريج، أخبرني عمر بن عبد اللَّه بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبران عن عائشة، فذكرته.
والرواية الأخرى لمسلم (١١٩١) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة.
قوله: "بذريرة" هي نوع من الطيب مجموع من أخلاط، وقيل: هو فتات قصب طيب يجاء به من الهند. فتح الباري (١٠/ ٣٧١).
• عن أنس بن مالك قال: كان للنبي ﷺ سكة يتطيب منها.
صحيح: رواه أبو داود (٤١٦٢)، والترمذي في الشمائل (٢١٧)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (ص ٨٨) كلهم من حديث عبد اللَّه بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "كانت امرأة من بني إسرائيل، قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتما من ذهب مغلق مطبق، ثم حشته مسكا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا" ونفض شعبة يده.
صحيح: رواه مسلم في الألفاظ من الأدب (٢٢٥٢: ١٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، عن شعبة، حدثني خليد بن جعفر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
стр. 8157
• عن نافع قال: كان ابن عمر إذا استجمر استجمر بألوة، غير مطراة، وبكافور يطرحه مع الألوة، ثم قال: هكذا كان يستجمر رسول اللَّه ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في الألفاظ من الأدب (٢٢٥٤) من طرق عن ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن نافع، فذكره.
قوله: "يستجمر" الاستجمار هنا استعمال الطيب، والتبخر به، مأخوذ من المجمر وهو البخور.
وقوله: "الألوة" بفتح الهمزة وضمها، وضم اللام هي العود يتبخر به.
وقوله: "غير مطراة" أي غير مخلوطة بغيرها من الطيب.
• عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ كانت تعجبه الفاغية، وكان أعجب الطعام إليه الدباء.
حسن: رواه أحمد (١٢٥٤٦) عن عبد الصمد، حدّثنا سليمان -يعنى ابن كثير-، حدّثنا عبد الحميد، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سليمان بن كثير هو العبدي البصري مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ.
وقوله: "الفاغية" من فغا يفغو فغوا، هو تفتّحَ نوره، ويقال: فغا الشيءُ ظهرت رائحته، والفاغية: نور الحناء خاصة، ونور كل نبت ذي رائحة طيبة.
ونور الحناء من أطيب الرياحين.
وقد ثبت أيضًا أن النبي ﷺ كان يداوي بالحناء أيضًا، وهو مخرج في كتاب الطب.
١٣ - باب كراهية ردّ الطيب
• عن أنس بن مالك أنه كان لا يرد الطيب، وزعم أن النبي ﷺ لا يردّ الطيب.
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٢٩) عن أبي نعيم (هو الفضل بن دُكين)، ثنا عزرة بن ثابت الأنصاري، ثني ثمامة بن عبد اللَّه، عن أنس، فذكره.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح".
صحيح: رواه مسلم في الألفاظ من الأدب (٢٢٥٣) من طريق أبي عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن الإعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
١٤ - باب الفصل بين طيب الرجال وطيب النساء
• عن أنس، قال: أتى النبي ﷺ قوم يبايعونه، وفيهم رجل في يده أثر خلوق، فلم يزل يبايعهم، ويؤخره، ثم قال: "إن طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب
стр. 8158
النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٩٨٩)، والبيهقي في الشعب (٧٤٢٤) كلاهما من حديث سعيد بن سليمان الواسطي، حدّثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن زكريا الخلقاني مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يتبين خطؤه، وهو من رجال الجماعة.
وفي معناه ما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه".
رواه الترمذيّ (٢٧٨٧) عن علي بن حجر، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن الطفاوي، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن إلا أن الطفاوي لا نعرفه إلا في هذا الحديث ولا نعرف اسمه، وحديث إسماعيل بن إبراهيم أتم وأطول".
ورواه أيضًا أبو داود (٢١٧٤) في حديث طويل، والنسائي (٥١١٨) كلاهما من أوجه أخرى عن الجريري بإسناده. انظر: تخريجه المفصل في كتاب النكاح باب لا تباشر المرأة المرأة.
والطفاوي مجهول كما قال الترمذيّ.
وقد رواه الترمذيّ قبله عن سفيان، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن رجل، عن أبي هريرة فذكره. والرجل المبهم هو الطفاوي.
وفي معناه ما روي أيضًا عن عمران بن حصين قال: قال لي النبي ﷺ : "إن خير طيب الرجل ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه".
رواه الترمذيّ (٢٧٨٨)، وأبو داود (٤٠٤٨)، وأحمد (١٩٩٧٥)، والحاكم (٤/ ١٩١) كلهم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن غريب من هذا الوجه".
قال أبو داود: "قال سعيد: أراه قال: إنما حملوا قوله في طيب النساء على أنها إذا خرجت، أما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت".
قلت: في إسناده الحسن البصري مدلس ولم يسمع من عمران بن حصين، ولكن قال الحاكم: " هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، فإن مشايخنا وإن اختلفوا في سماع الحسن عن عمران بن حصين فإن أكثرهم على أنه سمع منه". اهـ
كذا قال، والراجح أنه لم يسمع منه.
стр. 8159
١٥ - باب النهي عن الخلوق للرجال
• عن أنس بن مالك قال: نهى رسول اللَّه ﷺ أن يتزعفر الرجلُ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٤٦)، ومسلم في اللباس (٢١٠١) كلاهما من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، فذكره.
قوله: "الخلوق" هو طيب مركب من الزعفران وغيره، يغلب عليه الحمرة والصفرة، وهو من طيب النساء دون الرجال، تختضب به النساء في اليد والرجل، وحُرّم ذلك على الرجال لما فيه من تشبه بالنساء.
• عن أبي حبيبة عن ذلك الرجل قال: أتيت النبي ﷺ ولي حاجة، فرأى علي خلوقا فقال: "اذهب، فاغسله"، فغسلته، ثم عدت إليه فقال: "اذهب، فاغسله"، فذهبت، فوقعت في بئر، فأخذت مستقة، فجعلت أتتبعه، ثم عدت إليه فقال: "حاجتك".
حسن: رواه أحمد (١٧٠١٣) عن محمد هو ابن جعفر، حدّثنا شعبة، عن إسحاق هو ابن سويد، عن أبي حبيبة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي حبيبة وهو مولى الزبير بن العوام، وثّقه ابن حبان والعجلي، وروى عنه إسحاق بن سويد كما روى عنه أيضًا موسى بن عقبة وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن كما في التعجيل (١٢٤٨). وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: "حديثه في أهل المدينة، ولم يذكر له اسما".
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب، والسكران، والمتضمخ بالخلوق".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٢٩٣٠) عن العباس بن أبي طالب، ثنا أبو سلمة، ثنا أبان -يعني ابن يزيد-، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس، فذكره.
قال البزار: "رواه غير العباس بن أبي طالب مرسلا، ولا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، وروي عن عمار نحوه".
قلت: إسناده حسن من أجل العباس بن أبي طالب وهو العباس بن جعفر بن عبد اللَّه بن الزبرقان البغدادي أبو محمد بن أبي طالب حسن الحديث. قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو من رجال التهذيب، فلا يضر من خالفه، بل ذكره البخاري في التاريخ (٥/ ٧٤) قال: وقال حفص بن عمر، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس نحوه.
فقوله: "نحوه" أي مرفوعا نحوه لأنه عطف على حديث بريدة مرفوعا.
إلا أن حديث بريدة لا يصح وهو ما رواه البخاريّ في الموضع المشار إليه، والبزار - كشف
стр. 8160
الأستار (٢٩٢٩)، والعقيلي في الضعفاء (٧٩٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٥٦) كلهم من حديث عبد اللَّه بن حكيم أبي بكر الداهري قال: حدّثنا يوسف بن صهيب، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثة لا يقربهم الملائكة: سكران، والمتخلق، والجنب أو الحائض" كما في بعض الروايات. قال البخاري: "لا يصح".
وقال العقيلي: "أبو بكر هذا يحدث بأحاديث لا أصل لها، ويحيل على الثقات".
ونقل عن يحيى أنه قال: "ليس حديثه بشيء". وقال ابن عدي: "هو منكر الحديث".
وأورده الهيثمي في المجمع (٥/ ١٥٦) وقال فيه: "عبد اللَّه بن حكيم ضعيف".
قلت: وقد اتهمه بعض أهل العلم.
وكذلك لا يصح ما روي عن عمار قال: قدمت على أهلي ليلا وقد تشققت يداي، فضمخوني بالزعفران، فغدوت على رسول اللَّه ﷺ ، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي: فقال: "اغسل هذا". قال: فذهبت، فغسلته، ثم جئت، وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه، فلم يرد علي، ولم يرحب بي. وقال: "اغسل هذا عنك". فذهبت، فغسلته، ثم جئت، فسلمت عليه، فرد علي، ورحب بي، وقال: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر، ولا المتضمخ بزعفران، ولا الجنب"، ورخص للجنب إذا نام أو أكل أو شرب أن يتوضأ.
رواه أحمد (١٨٨٨٦)، وأبو داود (٤١٧٦)، والترمذي (٦١٣) مختصرًا كلهم عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار، فذكره. واللفظ لأحمد.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
كذا قال مع أن فيه انقطاعا؛ فإن يحيى بن يعمر لم يلق عمار بن ياسر، قال أبو داود (٢٢٥): "بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر في هذا الحديث رجل.
قلت: وهو كما قال فقد رواه أبو داود (٤١٧٧)، وأحمد (١٨٨٩٠) من حديث ابن جريج قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أنه سمع يحيى بن يعمر، يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر - زعم عمر أن يحيى قد سمى ذلك الرجل ونسيه عمر أن عمارًا قال: فذكر نحوه.
وإسناده ضعيف لإبهام الرجل الذي حدث عن عمار بن ياسر.
ورواه أيضًا أبو داود (٤١٨٠) عن هارون بن عبد اللَّه، حدّثنا عبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، حدّثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن الحسن بن أبي الحسن، عن عمار بن ياسر، فذكره مختصرًا.
وهذا أيضًا ضعيف فإن الحسن مدلس ولم يسمع من عمار بن ياسر.
وكذلك لا يصح ما روي عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يقبل اللَّه تعالى صلاة رجلٍ في جسده شيء من خلوق". فإسناده ضعيف.
стр. 8161
رواه أبو داود (٤١٧٨)، وأحمد (١٩٦١٣) كلاهما من حديث محمد بن عبد اللَّه بن حرب الأسدي، حدّثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن جديه قالا: سمعنا أبا موسى، فذكر الحديث. وجدّا الربيع مجهولان.
وأبو جعفر هو عيسى بن أبي عيسى عبد اللَّه بن ماهان وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ.
• * *
стр. 8162
جموع ما جاء في لباس المرأة وزينتها
١ - باب تحريم الحرير على الرجال دون النساء
• عن عقبة بن عامر أنه قال: أهدي لرسول اللَّه ﷺ فروج حرير فلبسه، ثم صلى فيه، ثم انصرف، فنزعه نزعا شديدًا، كالكاره له، ثم قال: "لا ينبغي هذا للمتقين"
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٠١)، ومسلم في اللباس (٢٠٧٥) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدّثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، فذكره.
وفي الحديث دليل على أن لبس الحرير للرجال كان مباحا، ولذا لبس النبى ﷺ وصلى فيه، وأن النهي عن لبسه كان بعد إباحته، وهذا الذي تدل عليه أحاديث الباب.
• عن عقبة بن عامر قال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، وأشهد أني سمعته يقول: "من لبس الحرير في الدنيا، حرمه أن يلبسه في الآخرة"
حسن: رواه أحمد (١٧٤٣١)، وأبو يعلى (١٧٥١)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٢٧) وصحّحه ابن حبان (٥٤٣٦) كلهم من طرق عن ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن هشام بن أبي رقية حدثه قال: سمعت مسلمة بن مخلد -وهو قاعد على المنبر يخطب الناس- وهو يقول: يا أيها الناس، أما لكم في العصب والكتان ما يكفيكم عن الحرير، وهذا رجل فيكم يخبركم عن رسول اللَّه ﷺ ، قم يا عقبة، فقام عقبة بن عامر وأنا أسمع فقال: فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل هشام بن أبي رقية وهو من رجال "التعجيل" روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٠١)، وقال العجلي: "مصري تابعي ثقة"، وقال البخاري: "هو من المصريين روى عن عمرو بن العاص".
• عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الحرير والذهب حرامٌ على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثهم".
حسن: رواه الطحاوي في شرح المشكل (٤١٦) عن إبراهيم بن أبي داود، وفهد، قالا: حدّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني الحسن بن ثوبان، وعمرو بن الحارث، عن هشام بن أبي رقية اللخمي، قال: سمعت مسلمة بن مخلد يقول لعقبة بن عامر: قم فحدث الناس بما سمعت من رسول اللَّه ﷺ فقام عقبة، فذكر هذا الحديث، وحديثا آخر وهو: "من كذب علي فليتبوأ بيته من جهنم".
стр. 8163
وإسناده حسن من أجل هشام بن أبي رقية، وحسّنه أيضًا الحافظ ابن حجر.
• عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن، فاستسقى، فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة، فرماه به، وقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته، قال رسول اللَّه ﷺ : "الذهب والفضة، والحرير، والديباج، هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة"
وزاد في رواية: وأن نجلس عليه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٣١)، ومسلم في اللباس (٢٠٦٧) كلاهما من طريق شعبة، عن الحكم أنه سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره.
والسياق للبخاري، وأما مسلم فلم يسق لفظه، وإنما أحال على معنى حديث عبد اللَّه بن عكيم عن حذيفة.
والزيادة للبخاري (٥٨٣٧) من طريق مجاهد، عن ابن أبي ليلى به.
• عن أبي أمامة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢٠٧٤) عن إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا شعيب ابن إسحاق الدمشقي، عن الأوزاعي، حدثني شداد أبو عمار، حدثني أبو أمامة، فذكره.
• عن أبي أمامة أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يلبس حريرًا ولا ذهبًا".
حسن: رواه أحمد (٢٢٢٤٨، ٢٢٢٤٩) من وجهين عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم مولى عبد الرحمن، عن أبي أمامة، فذكره.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا الحاكم (٤/ ١٩١) وقال: "صحيح الإسناد".
وإسناده حسن من أجل القاسم وهو ابن عبد الرحمن الدمشقي مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد الأموي صاحب أبي أمامة حسن الحديث وثقه ابن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: "حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به".
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لبس الذهب من أمتي فمات وهو يلبسه لم يلبس من ذهب الجنة" وقال هوذة: "حرم اللَّه عليه ذهب الجنة، ومن لبس الحرير من أمتي فمات وهو يلبسه حرم اللَّه عليه حرير الجنة".
حسن: رواه أحمد (٦٩٤٧) عن إسحاق بن يوسف الأزرق وهوذة بن خليفة قالا: حدّثنا عوف، عن ميمون بن أستاذ قال: قال عبد اللَّه بن عمرو، فذكره. وإسناده حسن من أجل ميمون بن أستاذ فإنه حسن الحديث، وقد وثّقه ابن معين وذكره ابن
стр. 8164
حبان في الثقات.
وفي معناه ما روي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي إحدى يديه ثوب من حرير، وفي الأخرى ذهب، فقال: "إن هذين محرم على ذكور أمتي، حل لإناثهم".
رواه ابن ماجه (٣٥٩٧) عن أبي بكر قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن الإفريقي، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل الإفريقي وهو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم -بفتح أوله، وسكون النون، وضم المهملة- ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم.
وكذلك شيخه عبد الرحمن بن رافع التنوخي المصري قاضي إفريقيا.
• عن عمران بن حطان قال: سألت عائشة عن الحرير فقالت: ائت ابن عباس فسلْه، قال: فسألته فقال: سَلْ ابن عمر، قال: فسألت ابن عمر، فقال: أخبرني أبو حفص -يعني عمر بن الخطاب- أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" فقلت: صدق، وما كذب أبو حفص على رسول اللَّه ﷺ .
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٣٥) عن محمد بن بشار، حدّثنا عثمان بن عمر، حدّثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمران بن حطان، فذكره.
وقوله: "خلاق" أي نصيب.
• عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٣٤)، ومسلم في اللباس (٢٠٦٩: ١١) كلاهما من حديث شعبة، عن أبي ذبيان خليفة بن كعب قال: سمعت ابن الزبير يقول: سمعت عمر يقول: فذكره.
واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: سمعت عبد اللَّه بن الزبير يخطب يقول: ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: فذكره.
وقوله: "لا تلبسوا نساءكم الحرير" اجتهاد منه.
• عن عبد اللَّه بن الزبير قال: قال محمد ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
صحيح: رواه البخاري (٥٨٣٣) عن سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن ثابت قال: سمعت ابن الزبير يخطب يقول: فذكره. والظاهر أنه سمعه من عمر بن الخطاب.
وقوله: "لم يلبسه في الآخرة" كناية عن عدم دخوله الجنة دخولا أوليًّا؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]
стр. 8165
• عن أبي هريرة، أن عمر قال: يا رسول اللَّه إن عطاردًا التميمي كان يقيم حلة حرير، فلو اشتريتها فلبستها إذا جاءك وفود الناس، قال: فقال: "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له"
حسن: رواه أحمد (٨٤٤٤)، والبزار - كشف الأستار (٢٩٩٧) كلاهما من حديث سالم بن دينار أبي جميع، حدّثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سالم بن دينار فإنه حسن الحديث.
• عن حفصة أن عطارد بن حاجب قدم معه بثوب ديباج كساه إياه كسرى فقال عمر: يا رسول اللَّه لو اشتريته؟ فقال: "إنما يلبسه من لا خلاق له"
صحيح: رواه أحمد (٢٦٤٦٩)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٠٦) كلاهما من حديث حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، عن أبي مجلز -وهو لاحق بن حميد-، عن حفصة، فذكرته. وإسناه صحيح.
• عن جابر بن عبد اللَّه يقول لبس النبي ﷺ يوما قباء من ديباج أهدي له، ثم أوشك أن نزعه، فأرسل به إلى عمر بن الخطاب، فقيل له: قد أوشك ما نزعته يا رسول اللَّه، فقال: "نهاني عنه جبريل"، فجاءه عمر يبكي، فقال: يا رسول اللَّه، كرهت أمرًا، وأعطيتنيه فما لي؟ قال: "إني لم أعطكه لتلبسه، إنما أعطيتكه تبيعه"، فباعه بألفي درهم.
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢٠٧٠) من طريق روح بن عبادة، ثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن عمر، أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، لو اشتريت هذه الحلة، فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة"، ثم جاء رسول اللَّه ﷺ منها حلل، فأعطى عمر بن الخطاب منها حلة، فقال عمر: يا رسول اللَّه، أكسوتنيها، وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لم أكسكها لتلبسها"، فكساها عمر أخا له مشركا بمكة.
متفق عليه: رواه مالك في اللباس (١٨) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في الجمعة (٨٨٦)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٦٨) كلاهما من طريق مالك، به.
ورواه البخاريّ في اللباس (٥٨٤١) من طريق جويرية، عن نافع به بنحوه، وفيه: "وأن النبي ﷺ بعث بعد ذلك إلى عمر حلة سيراء حرير".
стр. 8166
قوله: "حلة سيراء" السيراء بكسر السين وفتح الياء والمد نوع من البرود يخالطه حرير كالسيور.
حلةً سيراءَ هكذا يروى على الصفة، وقيل: إنما هو حلةَ سيراءَ على الإضافة، واحتجوا بقول سيبويه بأن فِعلاء لم يأت صفة، ولكن اسما. وشرح السيراء بالحرير الصافي، ومعناه: حلة حرير. انظر: النهاية.
• عن أنس بن مالك قال: بعث رسول اللَّه ﷺ إلى عمر بجبة سندس، فقال عمر: بعثت بها إلي وقد قلت فيها ما قلت، قال: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، وإنما بعثت بها إليك لتنتفع بثمنها".
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢٠٧٢) من طريق أبي عوانة، عن عبد الرحمن بن الأصم، عن أنس بن مالك، فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٣٢)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٧٣) كلاهما من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك، فذكره.
وفي معناه ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
رواه أحمد (١١١٧٩)، وابن حبان (٥٤٣٧)، والحاكم (٤/ ١٩١) كلهم من حديث هشام الدستوائي، أخبرنا قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد، فذكره.
واللفظ لأحمد، وزاد ابن حبان والحاكم: "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو".
وداود بن السراج الثقفي المصري لم يوثقه غير ابن حبان ولم يرو عنه غير قتادة، وقال ابن المديني: "مجهول لا أعرفه". ومع ذلك قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، وهذه اللفظة تعلل الأحاديث المختصرة: أن من لبسها لم يدخل الجنة".
كذا قال مع أن هذه اللفظة فيها نكارة لتفردها فإن من دخل الجنة فله ما تشتهي نفسه قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١]
• عن علي بن أبي طالب قال: نهاني -يعني النبي ﷺ أن أجعل خاتمي في هذه، أو التي تليها -لم يدر عاصم في أي الثنتين- ونهاني عن لبس القسي، وعن جلوس على المياثر.
قال: فأما القسي: فثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام فيها شبه كذا، وأما المياثر: فشيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطائف الأرجوان.
стр. 8167
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢٠٧٨: ٦٤) من طريق ابن إدريس، قال: سمعت عاصم بن كليب، عن أبي بردة، عن علي، فذكره.
• عن علي قال: نهاني رسول اللَّه ﷺ عن خاتم الذهب، وعن لبس القسي، والميثرة الحمراء.
حسن: رواه أبو داود (٤٠٥١)، والترمذي (٢٨٠٨)، وابن ماجه (٣٦٥٤)، وأحمد (٧٢٢)، وصحّحه ابن حبان (٥٤٣٨) كلهم من طريق أبي إسحاق، عن هبيرة، عن علي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هبيرة وهو ابن يريم الشيباني فإنه لا بأس به كما قال أحمد. وجهله الآخرون إلا أنه توبع. رواه أبو داود (٤٠٥٠) من وجه آخر عن عبيدة السلماني عن علي مختصرًا.
وللحديث طرق أخرى مع زيادة في لفظه رواه أحمد (٩٦٣)، والنسائي (٥١٦٩ - ٥١٧١) وهي معلولة. وأعله أيضًا الدارقطني (٣/ ٢٤٥).
قوله: "المياثر" من مراكب العجم تُعمل من حرير أو ديباج.
وقوله: "الأرجوان": صبغ أحمر، ويتخذ كالفراش الصغير، ويُحشى بقطن أو صوف ثم يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال.
• عن علي بن أبي طالب قال: كساني النبي ﷺ حلة سيراء، فخرجت فيها، فرأيت الغضب في وجهه، فشققتها بين نسائي.
وفي لفظ: "إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرًا بين النساء".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٤٠)، ومسلم في اللباس (٢٠٧١: ١٩) من طريق غندر، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب، عن علي، فذكره.
واللفظ الآخر لمسلم (١٧) من طريق شعبة، عن أبي عون (هو محمد بن عبيد اللَّه الثقفي) قال: سمعت أبا صالح يحدث عن علي، فذكره.
وأبو صالح هو عبد الرحمن بن قيس الحنفي الكوفي.
وأما ما روي عن أم هانئ أن النبي ﷺ أهديت له حلة سيراء، فأرسل بها إلى علي بن أبي طالب، فراح علي وهي عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ لعلي: "لا أرضى لك ما لا أرضى لنفسي، إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم". فإسناده ضعيف.
رواه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٣٧) عن الحسين بن إسحاق التستري، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي فاختة: حدثتني أم هانئ، فذكرته.
وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي، ضعفه جمهور أهل العلم وبه أعله أيضًا الهيثمي في المجمع (٥/ ١٤٢).
стр. 8168
قوله: "الفواطم" المراد منه:
١ - فاطمة بنت النبي ﷺ .
٢ - فاطمة بنت أسد بن هاشم والدة علي بن أبي طالب.
٣ - فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب.
٤ - فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب.
• عن علي بن أبي طالب يقول: إن نبي اللَّه ﷺ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في شماله، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي".
حسن: رواه أبو داود في سننه (٤٠٥٧)، والنسائي في المجتبى (٥١٤٤)، وفي السنن الكبرى (٩٣٨٢) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح الهمداني، عن عبد اللَّه بن زُرير أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: فذكره.
هكذا رواه قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد، وخالفه أصحاب الليث بن سعد الثقات وهم: عبد اللَّه بن المبارك، وعيسى بن حماد، وحجاج بن محمد، وشعيب بن الليث فأدخلوا بين يزيد بن أبي حبيب وبين أبي أفلح الهمداني "عبد العزيز بن أبي الصعبة".
وحديث هؤلاء مخرج في السنن والمسانيد.
فحديث ابن المبارك، وعيسى بن حماد في سنن النسائي الكبرى (٩٣٨٣، ٩٣٨٤)، وحديث حجاج بن محمد عند أحمد (٩٣٥)، وحديث شعيب بن الليث عند الطحاوي في شرحه (٤/ ٢٥٠) فقال هؤلاء (ابن المبارك، وعيسى بن حماد، وحجاج بن محمد): عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الصعبة عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن رجل من همدان يقال له: أبو أفلح، عن ابن زرير أنه سمع عليًّا يقول. فذكر الحديث.
ورواية الجماعة أولى أن تكون محفوظة.
وإسناده حسن من أجل أبي أفلح فإنه حسن الحديث.
• عن أبي عامر -أو أبي مالك- أنه سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب عَلَم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم -يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدًا فيبيّتهم اللَّه، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة".
صحيح: رواه البخاريّ في الأشربة (٥٥٩٠) قال: وقال هشام بن عمار، حدّثنا صدقة بن خالد، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدّثنا عطية بن قيس الكلابي، حدّثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر -أو أبو مالك- الأشعري -واللَّه ما كذبني- سمع النبي ﷺ -
стр. 8169
يقول: فذكره.
هكذا رواه البخاري بقوله: قال:
وهشام بن عمار من شيوخ البخاري، وقد احتج به البخاري في غير حديث كما بيّنه الحافظ ابن حجر في ترجمته في مقدمة الفتح، ولذا قال غير واحد من أهل العلم أن قول البخاري: "قال" يُحمل على "حدثني" أو "أخبرني" أو "عن" يعني به الاتصال. وهو الذي رجّحه ابن الصلاح.
ورواه ابن حبان (٦٧٥٤) عن الحسين بن عبد اللَّه القطان، قال: حدّثنا هشام بن عمار بإسناده مختصرًا.
قوله: "الحر" بالحاء هو الفرج.
اختلف أهل العلم في هذه الكلمة هل هي الحر كما في رواية البخاري التي عندنا، أو "الخز"، والمشهور كما قال ابن الأثير في النهاية: "في رواية هذا الحديث على اختلاف طرقه: "يستحلون الخزّ" بالخاء والزاي، وهو ضرب من ثياب الإبريسم معروف" انتهى.
قلت: هكذا جاء في سنن أبي داود (٤٠٣٩) وغيره وهو نوع من الحرير.
قوله: "الخز" ما يتخذ من وبر ذكر الأرنب، وهذا الخز ليس فيه وعيد ولا عقوبة.
• عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يتبع الحرير من الثياب فينزعه.
حسن: رواه أحمد (٨٢٦١) عن أبي عبد الرحمن (المقري)، حدّثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أن أبا سعيد الغفاري أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي سعيد الغفاري وقيل: أبو سعد الغفاري ترجمه البخاري في التاريخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه أبو هانئ حميد بن هانئ، وخلاد بن سليمان الحضرمي المصري وهو من رجال "التعجيل" (١٢٨٢)، ولم يعرف فيه جرح فيكون حديثه حسنا لأن له أصلا وهو تحريم الحرير على الرجال.
• عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة، إنما يلبس الحرير من لا خلاق له".
حسن: رواه أحمد (٨٣٥٥) عن أبي النضر، حدّثنا المبارك، عن الحسن، عن أبي هريرة، فذكره.
والمبارك هو ابن فضالة البصري المشهور بالتدليس يدلس ويسوي، والحسن هو الإمام البصري المشهور مدلس ولم يسمع من أبي هريرة.
ولكن رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٦٥٣٩)، والحاكم (٤/ ١٤١) من وجه آخر عن يحيى بن حمزة، قال: حدثني زيد بن واقد، أن خالد بن عبد اللَّه بن حسين، حدثه قال: حدثني أبو هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الفضة والذهب، لم يشرب بهما في الآخرة" ثم
стр. 8170
قال: "لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة". واللفظ للطحاوي.
وخالد بن عبد اللَّه بن حسين قال فيه أبو داود: "كان أعقل زمانه"، وقال البخاري: "أنه سمع أبا هريرة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جمع فحديثه حسن، ويعضده الإسناد الأول مع ما فيه من كلام، والحديث حديث أبي هريرة.
• عن ابن عباس قال: إنما نهى رسول اللَّه ﷺ عن الثوب المصمت حريرا.
صحيح: رواه أحمد (٢٨٥٦)، -ومن طريقه الحاكم (٤/ ١٩٢) - عن محمد بن بكير، حدّثنا ابن جريج، أخبرني عكرمة بن خالد (يعني ابن العاص بن هشام المخزومي)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين.
ورواه أحمد أيضًا (٢٩٥١)، وأبو داود (٤٠٥٥) من وجه آخر عن خصيف، عن سعيد بن جبير، وعن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه قال: إنما نهى النبي ﷺ عن الثوب الحرير المصمت، فأما الثوب الذي سداه حرير ليس بحرير مصمت فلا نرى به بأسا، وإنما نهى النبى ﷺ أن يشرب في إناء الفضة.
واللفظ لأحمد ولفظ أبي داود مختصر.
والخصيف هو: ابن عبد الرحمن الجزري أبو عون رمي بسوء الحفظ إلا أنه لم يخطئ في هذا لمتابعة عكرمة بن خالد له في الإسناد الأول.
قوله: "المصمت": هو الثوب الذي جميعه حرير، لا يخالطه قطن ولا صوف ولا غيرهما.
وقوله: " سدى الثوب": هو ما يمد طولا في النسيج.
• عن أنس بن مالك أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول للَّه ﷺ برد حرير سيراء.
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٤٢) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، عن أنس، فذكره.
• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "أحلّ لبس الحرير والذهب لنساء أمتي، وحُرَمَ على ذكورها".
صحيح: رواه الترمذيّ (١٧٢٠)، والنسائي (٥٢٦٥)، وأحمد (١٩٦٤٥)، والبيهقي (٤/ ٤٢٥) كلهم من حديث عبيد اللَّه، أخبرني نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "حديث أبي موسى حسن صحيح".
стр. 8171
٢ - باب القدر الذي يجوز فيه استعمال الحرير للرجال
• عن أبي عثمان قال: كتب إلينا عمر، ونحن بأذربيجان: يا عتبة بن فرقد، إنه ليس من كدّك، ولا من كدّ أبيك، ولا من كدّ أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول اللَّه ﷺ نهى عن لبوس الحرير، قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول اللَّه ﷺ إصبعيه: الوسطى والسبابة وضمّهما.
قال زهير: قال عاصم: هذا في الكتاب، قال: ورفع زهير إصبعيه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٢٩)، ومسلم في اللباس (٢٠٦٩: ١٢) كلاهما عن أحمد ابن عبد اللَّه بن يونس، حدّثنا زهير، حدّثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، فذكره. واللفظ لمسلم.
• عن سويد بن غفلة، أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية، فقال: نهى نبي اللَّه ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين، أو ثلاث، أو أربع.
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢٠٦٩: ١٥) من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عامر الشعبي، عن سويد بن غفلة، فذكره.
٣ - باب قبول هدية الحرير دون لبسه بعد التحريم للرجال
• عن البراء بن عازب قال: أتي رسول اللَّه ﷺ بثوب من حرير، فجعلوا يعجبون من حُسْنِه ولِينِه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لمناديلُ سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٨٠٢)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٨) كلاهما من حديث محمد بن جعفر غندر، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: فذكره. واللفظ للبخاري.
ولفظ مسلم: أهديت لرسول اللَّه ﷺ حلة حرير فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها.
• عن أنس قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندلس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الهبة (٢٦١٥)، ومسلم في الفضائل (٢٤٦٩) كلاهما من حديث يونس بن محمد، حدّثنا شيبان، عن قتادة، حدّثنا أنس، فذكره.
ورواه مسلم من وجه آخر عن عمر بن عامر، عن قتادة، عن أنس أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول اللَّه ﷺ حلة، فذكر نحوه، ولم يذكر فيه: "وكان ينهى عن الحرير".
стр. 8172
ورواه أحمد (١٣٩٣٨) عن أبي داود، أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن أنس وفيه: "فجعلوا يمسحونه، وينظرون إليه".
قوله: "وكان ينهى عن الحرير" قال البيهقي (٣/ ٢٧٤): "قبل أن ينهى عن الحرير" هي أشبه بالصحة من رواية من روى: "وكان ينهى عن الحرير".
وهو كما قال. وذلك أن البخاري ذكر بعده حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن أنس معلقا (٢٦١٦) ولكنه لم يسق لفظه.
فإذا نظرنا إلى لفظه وجدنا أنه يقول: "قبل أن ينهى عنه" كما في الحديث الآتي، وكذلك الحديث الذي بعده.
• عن أنس بن مالك أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول اللَّه ﷺ جبة حرير، وذلك قبل أن ينهى نبي اللَّه ﷺ عن الحرير، فلبسها، فعجب الناس منها، فقال النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه".
صحيح: رواه أحمد (١٣٤٥٥) عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح.
وسعيد بن أبي عروبة وإن كان اختلط ولكنه كان من أثبت الناس في قتادة.
• عن واقد بن عمرو قال: دخلت على أنس بن مالك فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ. قال: إنك بسعد أشبه، ثم بكى وأكثر البكاء، فقال: رحمة اللَّه على سعد، كان من أعظم الناس وأطولهم، ثم قال: بعث رسول اللَّه ﷺ جيشا إلى أكيدر دومة، فأرسل إلى رسول اللَّه ﷺ بجبة من ديباج منسوج فيه الذهب، فلبسها رسول اللَّه ﷺ ، فقام على المنبر، أو جلس، فلم يتكلم، ثم نزل فجعل الناس يلمسون الجبة، وينظرون إليها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أتعجبون منها؟ ". قالوا: ما رأينا ثوبا قط أحسن منه، فقال النبي ﷺ : "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون".
حسن: رواه أحمد (١٢٢٢٣)، والترمذي (١٧٢٣)، وابن حبان (٧٠٣٧) كلهم من حديث محمد بن عمرو، قال: أخبرني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، قال محمد: وكان واقد من أحسن الناس، وأعظمهم، وأطولهم قال: دخلت على أنس بن مالك، فذكره. واللفظ لأحمد.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي فإنه حسن الحديث. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وأكيدر - تصغير أكدر، وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن -بالجيم والنون- وكان نصرانيا،
стр. 8173
وهو ملك دومة -بالضم- بلد بين الحجاز والشام وهي دومة الجندل، مدينة قريبة من تبوك، كان النبي ﷺ أرسل إليه خالد بن الوليد في سرية، فأسر وقدم به إلى المدينة فصالحه النبي ﷺ على الجزية وأطلقه، ورجع إلى بلاده نصرانيًّا، ووهم من قال: إنه أسلم.
٤ - باب الرخصة في لبس الحرير عند الضرورة للرجال
• عن أنس بن مالك قال: رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما.
وفي لفظ: مِنْ حكة كانت بهما أو وجَعٍ كان بهما.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٣٩)، ومسلم في اللباس (٢٠٧٦: ٢٥) كلاهما من طريق وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس فذكره.
واللفظ الآخر لمسلم (٢٤) من رواية سعيد بن أبي عروبة: ثنا قتادة، به.
• عن أسماء بنت أبي بكر تقول: عندي للزبير ساعدان من ديباج كان النبي ﷺ أعطاهما إياه يقاتل فيهما.
حسن: رواه أحمد (٢٦٩٧٥) عن يعمر، حدّثنا عبد اللَّه -يعني ابن المبارك- قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، قال: سمعت عبد اللَّه مولى أسماء أنه سمع أسماء بنت أبي بكر، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل يعمر وهو ابن بشر الخراساني من رجال التعجيل (١٢٠٣) حسن الحديث، قال فيه أحمد: "ما أرى به بأسا"، ووثّقه ابن حبان والدارقطني.
وابن لهيعة فيه كلام معروف ولكن رواية العبادلة -ومنهم عبد اللَّه بن المبارك- مستقيمة، وهذا منها.
وفي الأثر أن عبد الرحمن بن عوف دخل على عمر ﵁ وعليه قميص حرير، فقال عمر: ذُكر لي أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، فقال عبد الرحمن: إني لأرجو أن ألبسه في الدنيا والآخرة.
رواه مسدد كما في المطالب (٢٢٤٤) عن يحيى، عن شعبة، حدثني أبو بكر بن حفص، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة قال: دخل عبد الرحمن بن عوف على عمر، فذكره. ورواته ثقات.
٥ - باب تحريم استعمال الذهب
• عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار، فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار، فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار، فليسوّره سوارا من ذهب، ولكن
стр. 8174
عليكم بالفضة، فالعبوا بها".
حسن: رواه أبو داود (٤٢٣٦)، وأحمد (٨٩١٠) كلاهما من حديث عبد العزيز، عن أسيد بن أبي أسيد البراد، عن نافع بن عياش، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن محمد وشيخه أسيد بن أبي أسيد فإنهما حسنا الحديث.
وخالفه عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار فرواه عن أسيد بن أبي أسيد عن ابن أبي موسى، عن أبيه، أو عن ابن أبي قتادة، عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: فذكر نحوه.
وعبد الرحمن هذا فيه لين كما قال أبو حاتم، وقال ابن عدي: بعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء.
قلت: فمثله إذا خالف لا يقبل، والحديث حديث أبي هريرة.
• عن ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ حدثه: أن ابنة هبيرة دخلت على رسول اللَّه ﷺ وفي يدها خواتيم من ذهب، يقال لها: الفتخ، فجعل رسول اللَّه ﷺ يقرع يدها بعصية معه، يقول لها: "يسرك أن يجعل اللَّه في يدك خواتيم من نار؟ "
فأتتْ فاطمةَ فشكتْ إليها ما صنع بها رسول اللَّه ﷺ ، قال: وانطلقت أنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فقام خلف الباب، وكان إذا استأذن قام خلف الباب، قال: فقالت لها فاطمة: انظري إلى هذه السلسلة التي أهداها إلي أبو حسن. قال: وفي يدها سلسلة من ذهب، فدخل النبي ﷺ فقال: "يا فاطمة بالعدل أن يقول الناس: فاطمة بنت محمد وفي يدك سلسلة من نار؟ ! "، ثم عذمها عذما شديدًا، ثم خرج ولم يقعد، فأمرتْ بالسلسلة فبيعتْ فاشترتْ بثمنها عبدًا، فأعتقته، فلما سمع بذلك النبيُّ ﷺ كبّر، وقال: "الحمد للَّه الذي نجّى فاطمةَ من النار".
صحيح: رواه النسائي (٥١٤٠)، وأحمد (٢٢٣٩٨)، والحاكم (٣/ ١٥٣) كلهم من حديث يحيى بن أبي كثير قال: حدثني زيد بن سلام، أن جده حدثه أن أبا أسماء حدثه، أن ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ حدثه، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أسماء بنت يزيد أن رسول اللَّه ﷺ جمع نساء المسلمين للبيعة، فقالت له أسماء: ألا تحسر لنا عن يدك يا رسول اللَّه؟ فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "إني لست أصافح النساء، ولكن آخذ عليهن"، وفي النساء خالة لها عليها قُلبان من ذهب، وخواتيم من ذهب. فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "يا هذه، هل يسرك أن يحليك اللَّه يوم القيامة من جمر جهنم سوارين وخواتيم؟ " فقالت: أعوذ باللَّه يا نبي اللَّه، قالت:
стр. 8175
قلت: يا خالتي، اطرحي ما عليك، فطرحته فحدثتني أسماء، واللَّه يا بني لقد طرحته، فما أدري من لقطه من مكانه، ولا التفت منا أحد إليه، قالت أسماء: فقلت: يا نبي اللَّه إن إحداهن تصلف عند زوجها، إذا لم تملح له، أو تحلى لى، قال نبي اللَّه ﷺ : "ما على إحداكن أن تتخذ قرطين من فضة، وتتخذ لها جمانتين من فضة، فتدرجه بين أناملها بشيء من زعفران، فإذا هو كالذهب يبرق".
حسن: رواه أحمد (٢٧٥٧٢) عن هاشم هو ابن القاسم، حدّثنا عبد الحميد، قال: حدّثنا شهر ابن حوشب، قال: حدثتني أسماء بنت يزيد، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل شهر بن حوشب فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف.
وفي الحديث الذي بعده أن أسماء هي التي طرحت السوارين من الذهب، فيحمل على أن القصة وقعت للاثنتين معا في مجلس واحد.
• عن أسماء بنت يزيد قالت: أتيت رسول اللَّه ﷺ لأبايعه، فدنوت، وعليّ سواران من ذهب، فبصر ببصيصهما، فقال: "ألقي السوارين يا أسماء، أما تخافين أن يسورك اللَّه بسوار من نار".
قالت: فألقيتهما، فما أدري من أخذهما.
حسن: رواه أحمد (٢٧٥٦٣) واللفظ له، والطبرانى (٢٤/ ١٨٢) كلاهما من طريق شهر بن حوشب أنه لقي أسماء بنت يزيد قال: فحدثتني، فذكرت الحديث.
وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت في حديثه بما ينكر عليه.
ورواه أيضًا أحمد (٢٧٥٧٨) من وجه آخر عن شهر بن حوشب عن أسماء نحوه.
وروى أبو داود (٤٢٣٨)، والنسائي (٥١٣٩) كلاهما من حديث يحيى بن أبي كثير أن محمود ابن عمرو الأنصاري حدثه أن أسماء بنت يزيد، حدثته، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب، قلدت في عنقها مثله من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصا من ذهب، جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة".
وفيه محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن الأنصاري لم يوثّقه غير ابن حبان، ولذا قال الحافظ: "مقبول" وهو كذلك لأنه قد توبع.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر".
حسن: رواه ابن حبان (٥٩٦٨)، والبيهقي في الشعب (٥٧٨٠) كلاهما من حديث سريج بن يونس، قال: حدّثنا عباد بن عباد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
стр. 8176
فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة فإنه حسن الحديث.
وعباد بن عباد هو ابن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة البصري روى عن محمد بن عمرو بن علقمة، وعنه سريج بن يونس وهو ثقة، ومن ظن أنه عباد بن عباد الرملي الأرسوفي فضعف هذا الإسناد، مع أنه صدوق أيضًا عند جمهور أهل العلم إلا أنه متأخر عن ابن أةي صفرة وهو لم يدرك محمد بن عمرو بن علقمة.
وفي الباب ما روي عن عائشة أن النبي ﷺ رأى عليها مسكتي ذهب، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا، لو نزعت هذا وجعلت مسكتين من ورق، ثم صفرتهما بزعفران كانتا حسنتين".
رواه النسائي (٥١٤٣)، والطحاوي في شرح المشكل (٤٨٠٣) كلاهما عن إسحاق بن بكر (هو: ابن مضر) قال: حدثني أبي، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
قال النسائي: "هذا غير محفوظ".
قلت: وهو يشير إلى الخلاف الواقع على الزهري، وقال الدارقطني في العلل (١٤/ ١١٥ - ١١٦) بعد أن ذكر الخلاف على الزهري: "والصحيح قول من قال: عن الزهري، عن عبد الحميد ابن عبد الرحمن مرسلا، عن النبي ﷺ " انتهى.
قلت: وقد روي أيضًا من وجه آخر عن عائشة قالت: لما نهى رسول اللَّه ﷺ عن لبس الذهب قلنا: يا رسول اللَّه ألا نربط المسك بشيء من ذهب؟ قال: "أفلا تربطونه بالفضة، ثم تلطخونه بزعفران، فيكون مثل الذهب".
رواه أحمد (٢٤٠٤٧)، وأبو يعلى (٦٩٥٢) كلاهما من طريق خصيف ومروان بن شجاع، عن مجاهد، عن عائشة، فذكرته.
وخصيف هو ابن عبد الرحمن الجزري الغالب عليه الضعف لسوء حفظه، وكذلك مروان بن شجاع وهو الجزري أيضًا، ولكنه لا بأس به في المتابعة إلا أنهما اضطربا في هذا الحديث، فروياه أيضًا عن عطاء، عن أم سلمة مثله. رواه أحمد (٢٤٠٤٨)، ورواه أيضًا عن خصيف وحده (٢٦٦٣٩).
ورواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨٢) من وجهين عن خصيف، عن مجاهد، عن عائشة، وعن عبد الكريم، عن أم سلمة.
وعكرمة هو مولى ابن عباس قال علي بن المديني: "لا أعلمه سمع من أحد من أزواج النبي ﷺ شيئًا" ذكره العلائي.
وفي معناه ما روي عن أخت حذيفة قالت: خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا معشر النساء، أما
стр. 8177
لكن في الفضة ما تحلين، أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به".
رواه النسائي (٥١٣٧)، وأحمد (٢٧٠١١) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثني سفيان، عن منصور، عن ربعي، عن امرأته، عن أخت حذيفة قالت: فذكرته. وفي الإسناد امرأة ربعي مجهولة لا نعرف عنها شيئًا.
وفي معناه ما روي عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: جعلت شعائر من ذهب في رقبتها، فدخل النبي ﷺ ، فأعرض عنها، فقلت: ألا تنظر إلى زينتها؟ فقال: "عن زينتك أعرض".
قال (الراوي): زعموا أنه قال: "ما ضر إحداكن لو جعلت خرصا من ورق ثم جعلته بزعفران".
رواه أحمد (٢٦٦٨٢) عن روح، حدّثنا ابن جريج، قال: أخبرنا عطاء، عن أم سلمة، فذكرته. وفيه انقطاع؛ فإن عطاء هو ابن أبي رباح لم يسمع من أم سلمة كما قال علي بن المديني.
وفي الباب ما روي عن أبي هريرة قال: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ ، فجاءته امرأة، فقالت: يا رسول اللَّه طوق من ذهب؟ قال: "طوق من نار". قالت: يا رسول اللَّه سواران من ذهب؟ قال: "سواران من نار". قالت: قرطان من ذهب؟ قال: "قرطان من نار". قال: وكان عليها سوار من ذهب، فرمت به، ثم قالت: يا رسول اللَّه، إن إحدانا إذا لم تزين لزوجها صلفت عنده، قال: فقال: "ما يمنع إحداكن تصنع قرطين من فضة ثم تصفرهما بالزعفران".
رواه أحمد (٩٦٧٧)، والنسائي (٥١٤٢) كلاهما من حديث أسباط، قال: حدّثنا مطرف، عن أبي الجهم، عن أبي زيد، عن أبي هريرة، فذكره.
وأبو زيد مجهول لم يوثّقه أحد، وذكر من رواته أبو الجهم فقط.
وأما ما ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب: "أخرج أحمد من طريق شعبة، عن أبي زيد مولى الحسن بن علي، عن أبى هريرة حديثا غير هذا، فكأنه هو، ورواية شعبة عنه مما يقوي أمره". ففيه وهمٌ فإن الحافظ نفسه لم يذكر في إتحاف المهرة من رواية أبي زيد عن أبي هريرة غير حديث الذهب المذكور أعلاه.
وفي معناه ما روي عن عبد اللَّه بن عمر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن الميثرة والقسية وحلقة الذهب والمفدم.
قال يزيد: والميثرة جلود السباع، والقسية ثياب مضلعة من إبريسم يجاء بها من مصر، والمفدم المشبع بالعصفر.
رواه أحمد (٥٧٥١) عن حسين بن محمد، حدّثنا يزيد يعني ابن عطاء، عن يزيد بن أبي زياد، حدثني الحسن بن سهيل -أو سهيل- بن عمرو بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد اللَّه بن عمر قال: فذكره.
ورواه ابن ماجه (٣٦٤٣) من وجه آخر عن يزيد بن أبي زياد مقتصرًا على قوله: نهى رسول اللَّه
стр. 8178
- ﷺ عن خاتم الذهب.
وإسناده ضعيف من أجل يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي القرشي ضعيف باتفاق أهل العلم.
فقه الحديث:
حملت أحاديث النهي عن استعمال الذهب والفضة للنساء ما لم تؤد زكاته، أو كانت تلبس إظهارًا للفخر.
وقد يُحمل التحريم على الجميع في أول الإسلام، ثم أبيحت للنساء وبقي التحريم على الرجال كما يظهر ذلك جليًّا في الباب الذي يليه:
٦ - باب بقي الحظر على الرجال دون النساء
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه نهى عن خاتم الذهب.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٦٤)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٨٩) كلاهما من طريق شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن البراء بن عازب يقول: نهانا النبي ﷺ عن سبع: نهانا عن خاتم الذهب أو قال: حلقة الذهب، وعن الحرير، والإستبرق، والديباج، والميثرة الحمراء، والقسي، وآنية الفضة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٦٣)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٦٦) كلاهما من طريق شعبة، حدّثنا أشعث بن سليم، قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن، قال: سمعت البراء ابن عازب يقول: فذكره.
• عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ اصطنع خاتما من ذهب، فكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه، فقال: "إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصه من داخل"، فرمى به، ثم قال: "واللَّه، لا ألبسه أبدًا"، فنبذ الناس خواتيمهم.
وفي رواية: واتخذ خاتما من ورق.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٧٦)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٩١) كلاهما من حديث نافع، عن عبد اللَّه، فذكره. والسياق لمسلم.
قال جويرية: ولا أحسبه إلا قال: في يده اليمنى.
• عن عبد اللَّه بن عباس، أن رسول اللَّه ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه، وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده"، فقيل للرجل
стр. 8179
بعد ما ذهب رسول اللَّه ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، قال: لا واللَّه، لا آخذه أبدًا وقد طرحه رسول اللَّه ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢٠٩٠) عن محمد بن سهل التميمي، حدّثنا ابن أبي مريم (هو سعيد)، أخبرني محمد بن جعفر، أخبرني إبراهيم بن عقبة، عن كريب، مولى ابن عباس، عن عبد اللَّه بن عباس، فذكره.
• عن أنس بن مالك أنه رأى في يد رسول اللَّه ﷺ خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول اللَّه ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٦٨) من طريق يونس (هو ابن يزيد الأيلي)، ومسلم في اللباس (٢٠٩٣: ٥٩) من طريق إبراهيم بن سعد، و (٦٠) من طريق زياد (هو ابن سعد) ثلاثتُهم عن الزهري قال: حدثني أنس، فذكره.
وقوله: "خاتما من ورق" مشكل لأن المعروف أن الخاتم الذي طرحه النبي ﷺ بسبب اتخاذ الناس مثله إنما هو خاتم الذهب كما سبق من حديث ابن عمر.
لذلك ذهب جمهور أهل العلم على توهيم الزهري في ذكر الورق في هذا الحديث، بل نسبه النووي تبعا للقاضي عياض لجميع أهل الحديث. هذا هو الصحيح بخلاف من حاول تأويله.
• عن علقمة، قال: كنا جلوسا مع ابن مسعود، فجاء خباب، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أيستطيع هؤلاء الشباب أن يقرؤوا كما تقرأ؟ قال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك؟ قال: أجل، قال: اقرأ يا علقمة، فقال زيد بن حدير، أخو زياد ابن حدير: أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ قال: أما إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي ﷺ في قومك وقومه؟ فقرأت خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد اللَّه: كيف ترى؟ قال: قد أحسن، قال عبد اللَّه: ما أقرأ شيئًا إلا وهو يقرؤه، ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب، فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى، قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم، فألقاه.
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٩١) عن عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، ، فذكره.
وفي معناه أيضًا ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: نهانا رسول اللَّه ﷺ عن خاتم الذهب، أو حلقة الذهب.
رواه أحمد (٣٧١٥)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٥٩)، وأبو يعلى (٥١٥٢) كلهم من طريق
стр. 8180
شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي سعد، عن أبي كنود، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
ويزيد بن أبي زياد هو الهاشمي ضعيف باتفاق أهل العلم، وشيخه أبو سعد هو الأزدي مجهول.
• عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن خاتم الذهب، وعن القسي، وعن الميثرة، وعن الجعة.
حسن: رواه الترمذيّ (٢٨٠٨)، وأبو داود (٤٠٥١)، والنسائي (٥١٦٥)، وابن ماجه (٣٦٥٤)، وابن أبي شيبة (٨/ ١١٠)، وأحمد (١١٠٢) كلهم من حديث أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي، فذكره.
واللفظ للترمذي، واختصره البعض.
قال أبو الأحوص: الجعة: هو شراب يتخذ بمصر من الشعير.
واسناده حسن من أجل هبيرة بن يريم فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وأبو إسحاق هو السبيعي مدلس، ولكن رواه أيضًا شعبة عند أبي داود وهو القائل: كفيتكم عن تدليس أبي إسحاق.
• عن عائشة قالت: قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي، قالت: فأخذه رسول اللَّه ﷺ بعود معرضا عنه -أو ببعض أصابعه- ثم دعا أمامة ابنة أبي العاص، ابنة ابنته زينب، فقال: "تحلي بهذا يا بنية".
حسن: رواه أبو داود (٤٢٣٥)، وابن ماجه (٣٦٤٤)، وأحمد (٢٤٨٨٠) كلهم من حديث محمد بن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد اللَّه، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل تصريح ابن إسحاق عند أبي داود.
• عن زينب بنت نبيط بن جابر قال: حدثتني أمي وخالتي، أن النبي ﷺ حلاهن رعاثا من الذهب.
حسن: رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٦٨) عن هشام بن عمار، ثنا سعيد بن يحيى اللخمي، ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، حدثني محمد بن عمارة بن حزم، عن زينب بنت نبيط بن جابر، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة وشيخه محمد بن عمارة بن حرام فإنهما حسنا الحديث.
ورواه الطبراني في الكبير (٢٥/ ١٨٥) من وجه آخر عن محمد بن عمرو بن علقمة به مطولا.
ذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ١٥٠) من جهة الطبراني وقال: "وفيه محمد بن عمرو بن علقمة،
стр. 8181
وأقل مراتب حديثه الحسن وبقية رجاله ثقات".
قلت: وتابعه عبد اللَّه بن جعفر عن محمد بن عمارة، رواه ابن مندة في معرفة الصحابة كما ذكره ابن حجر في الإصابة (٧/ ٦٨٦)، وقد روي مرسلا، والحكم لمن وصل.
وقولها: "رعاثا" الرعاث القرطة وهي من حلي الأذن، واحدتها رعثة.
• عن عمران بن حصين أنه قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن التختم بالذهب.
حسن: رواه الترمذيّ (١٧٣٨)، والنسائي (٥١٨٧)، وأحمد (١٩٩٨٠)، وابن حبان (٥٤٠٦) كلهم من حديث أبي التياح، قال: حدثني حفص الليثي، قال: أشهد على عمران بن حصين أنه قال: فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل حفص هو ابن عبد اللَّه الليثي البصري لم يرو عنه سوى أبي التياح (يزيد ابن حميد الضبعي)، ولم يوثّقه غير ابن حبان، فهو في عداد المجهولين حتى نجد له متابعا.
ولذلك قال الحافظ في التقريب "مقبول" أي إذا توبع، وهو كذلك فقد تابعه أبو نضرة عن أبي سعيد أو عن عمران بن حصين أنه قال: أشهد على رسول اللَّه ﷺ أنه نهى عن لبس الحرير، وعن الشرب في الحناتم. رواه أحمد (١٩٨٤٩).
وهو جزء من الحديث، والحديث بكامله رواه أحمد (١٩٨٣٨) عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي التياح قال: سمعت رجلا من بني ليث قال: أشهد على عمران بن حصين - قال شعبة أو قال عمران: أشهد على رسول اللَّه ﷺ أنه نهى عن الحناتم -أو قال الحنتم- وخاتم الذهب، والحرير.
ورجل من بني ليث هو حفص بن عبد اللَّه الليثي كما سبق.
• عن رجل من أشجع قال: رأى رسول اللَّه ﷺ علي خاتما من ذهب، فأمرني أن أطرحه، فطرحته إلى يومي هذا.
صحيح: رواه أحمد (١٨٢٩٠) عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل منا من أشجع، فذكره.
وإسناده صحيح، وحصين هو ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل الكوفي قال أبو حاتم: "ثقة مأمون من كبار أصحاب الحديث". وإبهام الصحابي لا يضر.
ورواه أيضًا أحمد (٢٢٣٣٦) عن علي بن عاصم، حدّثنا حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن رجل من قومه، فذكر نحوه وزاد فيه: "إنما أمرتك أن تستمتع به ولا تطرحه".
وعلي بن عاصم بن صهيب تكلم فيه ابن المديني والبخاري والعقيلي وغيرهم، ويقال: إنه يخطئ ويصر فلعله أخطأ في ذكر الزيادة.
стр. 8182
• عن أبي الشيخ أنه سمع معاوية -وعنده جمع من أصحاب النبي ﷺ قال: أتعلمون أن نبي اللَّه ﷺ نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا؟ قالوا: نعم.
حسن: رواه النسائي (٥١٥١) عن محمد بن المثنى قال: حدّثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الشيخ، أنه سمع معاوية، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي شيخ الهنائي وقيل: اسمه حيوان - حسن الحديث.
انظر: تخريجه مفصلا في النهي عن ركوب النمر.
وللحديث طرق أخرى كثيرة، منها ما رواه النضر بن شميل قال: حدّثنا بيهس بن فهدان قال: حدّثنا أبو شيخ الهنائي، فذكره. رواه النسائي (٥١٥٩).
قال النسائي: وخالفه علي بن غراب. رواه عن بيهس، عن أبي شيخ، عن ابن عمر قال: نهى رسول اللَّه ﷺ عن لبس الذهب إلا مقطعا.
قال النسائي: حديث النضر أشبه بالصواب.
قلت: وهو كما قال، فإن علي بن غراب ضعيف، ضعفه أبو داود، وأفرط فيه ابن حبان فقال: حدث بالأشياء الموضوعة فبطل الاحتجاج به.
وأما النضر بن شميل فثقة ثبت من رجال الجماعة.
وقوله: "مقطعا" أي مقطوعا وهو شيء يسير مثل الزر والسن والأنف، بخلاف الكثير فإنه حرام من أجل السرف والخيلاء، والزمن زمن جهاد فالإنفاق في سبيل اللَّه أولى من ادخار الذهب.
• عن عمرو بن أبي عمرو قال: سألت القاسم بن محمد قلت: إن ناسا يزعمون أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن الأحمرين العصفر والذهب، فقال: كذبوا، واللَّه لقد رأيتُ عائشة تلبس المعصفرات وتلبس خواتم الذهب.
حسن: رواه ابن سعد (٨/ ٧٠) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن محمد وهو الدراوردي فإنه حسن الحديث.
وجاء في أثر حسن رواه البيهقي في الكبرى (١/ ٢٩) عن أبي عبد اللَّه الحافظ، حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدّثنا يحيى بن أبي طالب، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد، عن ابن سيرين، عن عمرة أنها قالت: كنا مع عائشة فما زلنا بها حتى رخصت لنا في الحلي، ولم ترخص لنا في الإناء المفضض.
وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف حسن الحديث إذا لم يأت بما ينكر عليه. وسعيد هو ابن أبي عروبة.
وبمعناه ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول اللَّه ﷺ رأى في إصبعه خاتما من ذهب، فجعل
стр. 8183
يقرع يده بعود معه، فغفل النبي ﷺ عنه، فأخذ الخاتم فرمى به. فنظر النبي ﷺ ، فلم يره في إصبعه، فقال: "ما أرانا إلا قد أوجعناك وأغرمناك".
رواه أحمد (١٧٧٤٩)، والنسائي (٥١٩٠) كلاهما عن عفان، حدّثنا وهيب، قال: حدّثنا النعمان بن راشد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي ثعلبة الخشني، فذكره.
وفيه النعمان بن راشد وهو الجزري وصف بأنه سيء الحفظ وكثير الغلط فإن أصحاب الزهري رووه مرسلا، منهم: يونس كما قال النسائي فإنه خالفه فرواه عن الزهري، عن أبي إدريس مرسلا.
رواه عبد اللَّه بن وهب في جامعه (٥٨٩) وعنه النسائي (٥١٩١) قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو إدريس الخولاني أن رجلا ممن أدرك النبي ﷺ لبس خاتما من ذهب، فذكر نحوه.
قال النسائي بعد أن ساق عدة روايات عن أصحاب الزهري: "والمراسيل أشبه بالصواب". وكذلك رجح الدارقطني في علله (٦/ ٣٢٠) المرسل.
وأما ما نقله الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣١٧): عن يونس، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن رجل له صحبة قال: فذكر الحديث.
فالظاهر أنه وقع فيه تحريف من "أن رجلا" إلى "عن رجل" لأن قوله: عن رجل يجعل الإسناد متصلا، وجميع من نقل عن يونس قال: إن رجلا أي مرسلا.
فقه هذا الباب:
كان الذهب والفضة في أول الإسلام مباحا للرجال والنساء على البراءة الأصلية، فوقع الحظر على الجميع، ثم أبيحت للنساء دون الرجال.
ولقد ثبت عن عائشة أنها كانت تحلّي بنات أختها الذهب، وكانت أم سلمة تكره ذلك، وتنكره. رواه الطحاوي في شرح المشكل (١٢/ ٢٩٩) بإسناد صحيح.
قال الطحاوي: "فكان في إباحة عائشة تحلي بنات أختها الذهب بعد سماعها من النبي ﷺ ما قد ذكرناه عنها في هذا الباب: أن ذلك لم يكن منها إلا بعد وقوفها على حل ذلك لهن ولأمثالهن بعد حرمته كان عليهن وعلى أمثالهن، فثبت بذلك نسخ ما كانت علمته من منع رسول اللَّه ﷺ ما كان منع منه" اهـ.
وقال ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (ص ٤٤٦): "وكان في أول الإسلام يلبس الرجال خواتيم الذهب، وغير ذلك، وكان الحظر قد وقع على الناس كلهم، ثم أباحه رسول اللَّه ﷺ للنساء دون الرجال، فصار ما كان على النساء من الحظر مباحا لهن فنسخت الإباحة الحظر".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٥/ ٦٤): "وباب اللباس أوسع من باب الآنية فإن آنية الذهب والفضة تحرم على الرجال والنساء. وأما باب اللباس: فإن لباس الذهب
стр. 8184
والفضة يباح للنساء بالاتفاق، ويباح للرجل ما يحتاج إليه من ذلك. ويباح يسير الفضة للزينة وكذلك يسير الذهب التابع لغيره كالطرز ونحوه في أصح القولين في مذهب أحمد وغيره؛ فإن النبي ﷺ نهى عن الذهب إلا مقطعًا" اهـ.
٧ - باب جواز ربط الأنف والأسنان بالذهب
• عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد أصيب أنفه في الجاهلية يوم الكِلاب، فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفا يعني من ذهب.
حسن: رواه أبو داود (٤٢٣٢)، والترمذي (١٧٧٠)، والنسائي (٥١٦١)، وأحمد (٢٠٢٦٩)، وصحّحه ابن حبان (٥٤٦٢) كلهم من حديث أبي الأشهب، عن عبد الرحمن بن طرفة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن طرفة فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث عبد الرحمن بن طرفة، وقد روى سلم بن زرير، عن عبد الرحمن بن طرفة نحو حديث أبي الأشهب، وقد روى غير واحد من أهل العلم أنهم شدّوا أسنانهم بالذهب، وفي هذا الحديث حجة لهم.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: "سلم بن رزين وهمٌ، وزرير أصح" انتهى كلام الترمذيّ.
ويوم الكلاب: يوم معروف من أيام الجاهلية، ووقعة مذكورة من وقائعهم. قاله الخطابي.
وقال الخطابي: "فيه إباحة استعمال اليسير من الذهب للرجال عند الضرورة كربط الأسنان به، وما جرى مجراه مما لا يجري غيره فيه مجراه".
٨ - باب ذم المتشبّهين بالنساء والمتشبّهات بالرجال
• عن ابن عباس قال: لعن رسول اللَّه ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٨٥) عن محمد بن بشار، حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
هذا التشبه يحمل على التشبه في اللباس والزينة والحركات، وأما ما سوى ذلك من التشبه في الحياة الاجتماعية والأسرية كطلب العلم ونشره وتولي المناصب الإدارية ما يناسب كلا منهما فليس من التشبه المحرم.
• عن ابن عباس قال: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء وقال: "أخرجوهم من بيوتكم".
قال: وأخرج النبي ﷺ فلانا، وأخرج عمر فلانا.
стр. 8185
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٨٦) عن معاذ بن فضالة، حدّثنا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: لعن رسول اللَّه ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل.
صحيح: رواه أبو داود (٤٠٩٨)، وابن ماجه (١٩٠٣)، وأحمد (٨٣٠٩)، وصحّحه ابن حبان (٥٧٥١)، والحاكم (٤/ ١٩٤) كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث لا يدخلون الجنة، ولا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: العاق بوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث".
حسن: رواه أحمد (٦١٨٠)، والبزار - كشف الأستار (١٨٧٦)، وأبو يعلى (٥٥٥١)، وصحّحه ابن حبان (٧٣٤٠)، والحاكم (١/ ٧٢) كلهم من حديث عبد اللَّه بن يسار مولى ابن عمر قال: أشهد لقد سمعت سالما يقول: قال عبد اللَّه، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن يسار فإنه حسن الحديث.
٩ - باب النهي عن الوصل والوشم وغيرها
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: لعن النبي ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٤٧)، ومسلم في اللباس والزينة (٢١٢٤) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد (هو القطان)، عن عبيد اللَّه، أخبرني نافع، عن ابن عمر، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "العين حق"، ونهى عن الوشم.
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٤٤) عن يحيى، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة فذكره.
ورواه مسلم في السلام (٢١٨٧) من طريق عبد الرزاق به، وليس عنده ذكر النهي عن الوشم.
• عن أبي هريرة قال: أتي عمر بامرأة تشم، فقام فقال: أنشدكم باللَّه، من سمع من النبي ﷺ في الوشم؟ فقال أبو هريرة: فقمت فقلت: يا أمير المؤمنين أنا سمعت، قال: ما سمعت؟ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لا تشمن ولا تستوشمن"
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٤٦) عن زهير بن حرب، ثنا جرير، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عون بن أبي جحيفة، قال: رأيت أبي، فقال: إن النبي ﷺ نهى عن ثمن
стр. 8186
الدم، وثمن الكلب، وآكل الربا وموكله، والواشمة والمستوشمة.
صحيح: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٤٥) عن سليمان بن حرب، ثنا شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لعن اللَّه الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق اللَّه، فقال عبد اللَّه: وما لي لا ألعن من لعن رسول اللَّه ﷺ ؟ وهو في كتاب اللَّه، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال اللَّه : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: ٧] فقالت المرأة: فإني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن، قال: اذهبي فانظري، قال: فدخلت على امرأة عبد اللَّه فلم تر شيئًا، فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٣٩)، ومسلم في اللباس والزينة (٢١٢٥: ١٢٠) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه، فذكره. والسياق لمسلم.
قوله: "والمتنمّصات" جمع متنمّصة وهي التي تطلب النماص، والنماص إزالة شعر الحاجبين (لتلوينهما كما تفعل المرأة اليوم للتجمل) فهذا لا يجوز أصلا.
وأما إنْ كان الشعر متصلا بين الحاجبين، أوكان كثيفا فوق العادة يشوّه الوجه ويؤذيه فلا بأس بإصلاحها، وإنْ نبتَ الشعرُ في الوجه مثل اللحية والشارب فلا بأس بإزالتها لأنه خلافٌ لفطرة المرأة التي خلقها اللَّهُ عليها.
وقوله: "والمتفلجات" جمع متفلجة وهي التي تطلب الفلج، والفلج انفراج ما بين الثنيتين، والتفلج أن يفرج بين المتلاصقين بالمبرد ونحوه، وهو مختص عادة بالثنايا والرباعيات.
• عن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود فقالت: أنبئت أنك تنهى عن الواصلة، قال: نعم. فقالت: أشيء تجده في كتاب اللَّه أم سمعته عن رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: أجده في كتاب اللَّه وعن رسول اللَّه ﷺ فقالت: واللَّه لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف، فما وجدت فيه الذي تقول. قال: فهل وجدت فيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: نعم. قال: فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ نهى عن النامصة، والواشرة، والواصلة، والواشمة إلا من داء. قالت المرأة: فلعله في بعض
стр. 8187
نسائك. قال لها: ادخلي، فدخلت، ثم خرجت، فقالت: ما رأيت بأسا. قال: ما حفظت إذًا وصية العبد الصالح: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ﴾ [سورة هود: ٨٨]
صحيح: رواه أحمد (٣٩٤٥)، والنسائي (٥٠٩٨) كلاهما من حديث قتادة، عن عزرة، عن الحسن العرني، عن يحيى الجزار، عن مسروق، فذكره. وإسناده صحيح.
وقوله: "الواشرة" من الوشر بفتح الواو وسكون الشين وهو معالجة الأسنان بما يحددها، ويرقق أطرافها، تفعلها المرأة المسنة تتشبه بذلك بالشواب.
وفي معناه ما روي عن أبي ريحانة مرفوعا: نهى رسول اللَّه ﷺ عن عشرة: منها الوشر. وفي إسناده كلام. انظر: كتاب النكاح، باب لا تباشر المرأةُ المرأةَ.
• عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج وهو على المنبر، وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عن مثل هذه، ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم".
متفق عليه: رواه مالك في كتاب الشعر (٢) عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فذكره. ورواه البخاريّ في اللباس (٥٩٣٢)، ومسلم في اللباس والزينة (٢١٢٧: ١٢٢) كلاهما من طريق مالك، به.
والقصة هنا هي وصل الشعر بالشعر المستعار.
• عن سعيد بن المسيب، قال: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها، فخطبنا، فأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعل هذا غير اليهود، وإن النبي ﷺ سماه الزور يعني الوصال في الشعر.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٨٨)، ومسلم في اللباس (٢١٢٧: ١٢٣) كلاهما من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، فذكره.
وقوله: "كبة" هي شعر مكفوف بعضه على بعض.
• عن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أيما امرأة أدخلت في شعرها من شعر غيرها فإنما تدخله زورًا".
صحيح: رواه أحمد (١٦٩٢٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٤٢) كلاهما من طريق أبي نعيم (هو الفضل بن دكين)، حدّثنا عبد اللَّه بن مبشر مولى أم حبيبة، عن زيد بن أبي عتاب، عن معاوية، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أسماء قالت: سألتْ امرأةٌ النبي ﷺ فقالتْ: يا رسول اللَّه، إن ابنتي
стр. 8188
أصابتها الحصبةُ، فامّرق شعرُها، وإني زوجتها، أفأصل فيه؟ فقال: "لعن اللَّه الواصلة والموصولة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٤١)، ومسلم في اللباس (٢١٢٢: ١١٥) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، فذكرته.
قوله: "فامّرق" وفي صحيح مسلم: "فتمرق" بالراء المهملة قال النووي: "وهو بمعنى تساقط وتمرط كما ذكر في باقي الروايات".
• عن عائشة: أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي ﷺ فقال: "لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة"
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٩٣٤)، ومسلم في اللباس والزينة (٢١٢٣: ١١٧) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت الحسن بن مسلم بن يناق، يحدث، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، فذكرته.
قوله: "فتمعط" أي خرج من أصله، وأصل المعط المدّ كأنه مُدّ إلى أن تقطع، ويطلق أيضًا على من سقط شعره. فتح الباري (١٠/ ٣٧٦).
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: زجر النبي ﷺ أن يصل المرأة برأسها شيئًا.
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢١٢٦) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
• عن ابن عباس قال: لُعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء.
حسن: رواه أبو داود (٤١٧٠) عن ابن السرح، حدّثنا ابن وهب، عن أسامة، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل أسامة وهو ابن زيد الليثي.
وقوله: "لُعنت" له حكم الرفع كقوله: "أمرنا أو نهينا". وقد جاء مرفوعا من طريق آخر عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ لعن الواصلة، والموصولة، والمتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
رواه أحمد (٢٢٦٣)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٠٤) كلاهما من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وفي الإسناد ابن لهيعة سيء الحفظ إلا أنه يتقوى بالإسناد الأول.
قال أبو داود عقب حديث ابن عباس المذكور: "وتفسير الواصلة: التي تصل الشعر بشعر
стр. 8189
النساء، والمستوصلة: المعمول بها، والنامصة: التي تنقش الحاجب حتى ترقه، والمتنمصة: المعمول بها، والواشمة: التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة: المعمول بها" انتهى.
والواصلة: في الأصل التي تصل الشعر بشعر النساء، وأما إن كان الوصل من خيوط الحرير وغيرها فلا بأس به كما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: لا بأس بالقرامل.
رواه أبو داود (٤١٧١) بإسناد فيه شريك بن عبد اللَّه النخعي سيء الحفظ.
قال أبو داود عقب قول سعيد بن جبير هذا: "كأنه يذهب إلى المنهي عنه شعور النساء. ثم قال أبو داود: كان أحمد يقول: القرامل ليس به بأس.
والقرامل: هي ضفائر من شعر، أو صوف، أو إبريسم تصل به المرأة شعرها.
١٠ - باب النهي عن التبرج
• عن فضالة بن عبيد، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: ثلاثة لا تُسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه ومات عاصيًا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة الدنيا، فتبرجت بعده فلا تُسأل عنهم.
صحيح: رواه أحمد (٢٣٩٤٣)، وصحّحه ابن حبان (٤٥٥٩)، والحاكم (١/ ١١٩) كلهم من حديث أبي عبد الرحمن (المقري)، حدّثنا حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانئ الخولاني المصري أن أبا علي عمرو بن مالك الجنبي حدثه فضالة بن عبيد، فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "لا تُسأل عنهم" أي لا تسأل عن سوء حالهم وقبح مآلهم، وهي كناية عن غاية شناعة حالهم.
والأحاديث الواردة في كشف الوجه إما منسوخة بعد نزول آية الحجاب، أو أنه أبيح في حالات تستدعي كشفه مثل أن ترغب المرأة أن تتزوج شابا كما وقع في عهد النبي ﷺ في قصة الواهبة نفسها؛ فإنها لا بد أن تكشف عن وجهها ليعرف منها جمالها من عدمه، أو كانت من القواعد التي أذن اللَّه لهن أن يضعن ثيابهن غير متبرجات.
١١ - باب الاختمار
• عن عائشة كانت تقول: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [سورة النور: ٣١] أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٥٩) عن أبي نعيم، حدّثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن ابن مسلم، عن صفية بنت شيبة: أن عائشة قالت: فذكرته.
• عن عائشة قالت: يرحم اللَّه نساء المهاجرات الأُوَل، لما أنزل اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ
стр. 8190
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٥٨) فقال: قال أحمد بن شبيب: حدّثنا أبي، عن يونس، قال ابن شهاب: عن عروة، عن عائشة، فذكرته.
وأحمد بن شبيب من شيوخ البخاري فقوله: قال: محمول على الاتصال.
قوله: "المروط": واحدها مرط وهو كساء يؤتزر به.
• عن عائشة قالت: ذكرت نساء الأنصار، فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفا، وقالت: لما نزلت سورة النور، عمدن إلى حجز -أو حجوز- مناطقهن، فشققنه، ثم اتخذن منه خمرًا، وأنها دخلت امرأة منهن على رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسول اللَّه أخبرني عن الطهور من المحيض؟ فقال: "نعم لتأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فلتطهر، ثم لتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، ثم لتلزق بشؤون رأسها، ثم تدلكه، فإن ذلك طهور، ثم تصب عليها من الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة، فلتطهر بها". قالت: يا رسول اللَّه، كيف أتطهر بها؟ فكان رسول اللَّه ﷺ يكني عن ذلك، فقالت عائشة: تتبع بها أثر الدم.
صحيح: رواه أحمد (٢٥٥٥١) عن عبد الرحمن وعفان قالا: حدّثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، فذكرته.
ورواه أبو داود (٤١٠٠) عن أبي عوانة بإسناده عن عائشة أنها ذكرت نساء الأنصار، فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفا، وقالت: لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجور -أو حجوز، شك أبو كامل (شيخ أبي داود) - فشققنهن فاتخذنه خمرًا.
وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر تكلم فيه من قبل حفظه، وقد رواه مسلم في الحيض (٣٣٢: ٦١) جزءًا من القصة من طريقه، وتابعه منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة.
قوله: "حجور" بالراء قال الخطابي: لا معنى ههنا، وإنما هو بالزاي معجمة. هكذا حدثني عبد اللَّه بن أحمد المكي قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة. وذكر الحديث. فقال: "عمدن إلى حجز أو حجوز مناطقهن فشققنهن".
والحجز جمع الحجزة، وأصل الحجزة: موضع ملاث الإزار ثم قيل للإزار: الحجزة. وأما الحجوز فهو جمع الحجز يقال: احتجز الرجل بالإزار إذا شده على وسطه.
• عن أم سلمة قالت: لما نزلت: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٩]، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية.
حسن: رواه أبو داود (٤١٠١) عن محمد بن عبيد، حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن خثيم،
стр. 8191
عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل ابن خثيم وهو عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم القاري المكي فإنه حسن الحديث.
• عن صفية بنت شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة قالت: وذكرت نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة: إن لنساء قريش لفضلا، وإني واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب اللَّه، ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل اللَّه من كتابه، فأصبحن يصلين وراء رسول اللَّه ﷺ الصبح معتجرات كأن على رؤوسهم الغربان.
حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥٧٥) عن أبيه، ثنا أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدثني الزنجي بن خالد، حدثني عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن صفية بنت شيبة قالت: فذكرته.
وإسناده حسن من أجل الزنجي بن خالد وشيخه عبد اللَّه بن عثمان، فإنهما حسنا الحديث.
• عن أم سلمة، أن النبي ﷺ دخل عليها وهي تختمر، فقال: "لَيّةً لا ليَّتَيْنِ"
صحيح: رواه أبو داود (٤١١٥)، وأحمد (٢٦٥٢٢)، والحاكم (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) كلهم من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن وهب مولى أبي أحمد، عن أم سلمة، فذكرته.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قلت: وهو كما قال، وقد اختلف في تعيين وهب مولى أبي أحمد، فذهب الحاكم إلى أنه أبو سفيان وهو من رجال الشيخين، ولذا صحّح هذا الإسناد، وإنه تبع في ذلك شيخه الدارقطني، واختاره المزي، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن عبد البر أنه قال: قيل: اسمه قزمان، ولا يصح له اسم غير كنيته.
قلت: الأول أصح واللَّه أعلم.
قال أبو داود: "معنى قوله: "لية لا ليتين" يقول: لا تعتم مثل الرجل، لا تكرره طاقا أو طاقين".
١٢ - باب ما جاء في حجاب المرأة المسلمة
قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور: ٣١]
стр. 8192
في الآية الكريمة ذكر اللَّه جملة المحارم الذين يجوز لهم إبداء الزينة إلا أنهم جميعا ليسوا على مرتبة واحدة.
قال القرطبي في تفسيره: "لما ذكر اللَّه تعالى الأزواج وبدأ بهم، ثنى بذوي المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر. فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها. وتختلف مراتب ما يبدى لهم؛ فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج".
• عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان".
صحيح: رواه الترمذيّ (١١٧٣)، وابن خزيمة (١٦٨٥)، وابن حبان (٥٥٩٨) كلهم من حديث عمرو بن عاصم، قال: حدّثنا همام، عن قتادة، عن مورِّق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، فذكره. واللفظ للترمذي. وإسناده صحيح.
وزاد ابن خزيمة: "وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها".
وقد روي عن علي، عن النبي ﷺ قال: "عورة الرجل على الرجل كعورة المرأة على الرجل، وعورة المرأة على المرأة كعورة المرأة على الرجل".
رواه الحاكم (٤/ ١٨٠) عن علي بن حمشاذ العدل، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي وعلي بن الصقر السكري قالا: ثنا إبراهيم بن حمزة الزهري، ثنا إبراهيم بن علي الرافعي، حدثني علي بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي فقال: الرافعي ضعفّوه.
قلت: وهو كما قال، والرافعي هو إبراهيم بن علي بن حسن بن أبي رافع المدني ضعّفه الدارقطني وابن حبان وغيرهما، ومشّاه ابن معين وقال أبو حاتم: "شيخ".
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فقد اختلفت أقوال الصحابة في تعيين هذه الزينة.
فقال ابن مسعود: كالرداء والثياب.
وروي عنه أنه قال: الزينة زينتان: زينة لا يراها إلا الزوج، الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب.
وقال ابن عباس: الكف ورقعة الوجه. أخرجه ابن أبي شيبة (١٧٢٨١) عن زياد بن الربيع، عن صالح الدهان، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن، صالح الدهان هو: صالح بن إبراهيم أبو نوح وثّقه ابن معين وقال أبو حاتم: "ليس به بأس". الجرح والتعديل (٤/ ٣٩٣).
стр. 8193
كما روي عنه أيضًا أنه قال: الكحل والخاتم. ذكره البيهقي (٢/ ٢٢٥).
وروى ابن جرير في تفسيره (١٧/ ٢٥٩) بإسناده عن ابن عباس قال: "الزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم. فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها". أي من المحارم.
وجمع بعض أهل العلم قولي ابن عباس فقالوا: قوله: الوجه والكفان قبل نزول الحجاب، والكحل والعين وخضاب الكف والخاتم بعد الحجاب لأن وضع المرأة اختلف بعد نزول الحجاب كما قالت عائشة، وعليه يدل الأحاديث والآثار الآتية.
وقد كانت المرأة قبل نزول الحجاب تبرز للرجال فمنعها اللَّه عن ذلك فقال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]
وكانت آية الحجاب نزلت بناء على طلب عمر بن الخطاب.
• عن أنس قال: قال عمر: يا رسول اللَّه يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل اللَّه آية الحجاب.
صحيح: رواه البخاري (٤٧٩٠) عن مسدد، عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث ومنها: آية الحجاب.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٠٢) عن عمرو بن عون، قال: حدّثنا هشيم، عن حميد، عن أنس، فذكر الحديث بطوله وهو مخرج في موضعه.
ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٣٩٩) من وجه آخر عن ابن عمر، عن عمر مختصرًا.
إلا أن النبي ﷺ الذي كان أعلم من عمر وأغير منه لم يفعل ذلك حتى نزل الوحي، كما في سورة الأحزاب في قصة زينب بنت جحش الآتية.
والخطأ في هذا من ظنَّ أن عمر طلب من النبي ﷺ احتجاب أمهات المؤمنين فأنزل اللَّه آية الحجاب مباشرة.
• عن أنس قال: لما انقضتْ عدة زينب، قال رسولُ اللَّه ﷺ لزيد: "فاذكرها علي" قال: فانطلق زيد حتى أتاها، وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول اللَّه ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب: أرسل رسول اللَّه ﷺ يذكركِ، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول اللَّه ﷺ ، فدخل عليها بغير إذن، قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول اللَّه ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام،
стр. 8194
فخرج رسول اللَّه ﷺ واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول اللَّه، كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به، زاد ابن رافع في حديثه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٣].
صحيح: رواه مسلم في النكاح (١٤٢٨) من طرق عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
• عن عائشة قالت (في حديث الإفك حين جاءها صفوان بن المعطل): "فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي. . . ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٥٠)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) كلاهما من حديث يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة، فذكرته.
• عن عائشة قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، أما واللَّه ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٩٥)، ومسلم في السلام (٢١٧٠) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
قوله: "لا تخفى على من يعرفها" أي من ضخامة جسمها لا من وجهها.
• عن أم سلمة قالت: لما نزلت: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من الأكسية.
حسن: رواه أبو داود (٤١٠١) عن محمد بن عبيد، حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل ابن خثيم وهو عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم القاري المكي فإنه حسن الحديث.
• عن أنس قال: كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمس قدم رسول اللَّه ﷺ . قال: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم
стр. 8195
ومكاتلهم ومرورهم. فقالوا: محمد، والخميس. قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" قال: وهزمهم اللَّه . ووقعت في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول اللَّه ﷺ بسبعة أرؤس. ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها. -قال: وأحسبه قال- وتعتد في بيتها، وهي صفية بنت حيي. قال: وجعل رسول اللَّه ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن، فحصت الأرض أفاحيص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، وجيء بالأقط والسمن فشبع الناس. قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد؟ قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها.
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٢٠٠) ومسلم في النكاح (٨٧: ١٣٦٥) كلاهما من طريق ثابت، عن أنس قال: فذكره. والسياق لمسلم، وسياق البخاري مختصر. إلا أنه ذكره في مواضع كثيرة.
عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق.
رواه مالك في الحج (١٨) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، فذكرته.
وفي معناه ما روي عن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا.
رواه أبو داود (١٨٣٣)، وابن ماجه (٢٩٣٥)، وأحمد (٢٤٠٢١)، وابن خزيمة (٢٦٩١) كلهم من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عائشة، فذكرته.
ويزيد بن أبي زياد الهاشمي لما كبر تغير فصار يتلقن، فضُعِّفَ من أجله.
وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره بقول النبي ﷺ : "لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين" أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن. ذكره في تفسير سورة النور.
قلت: وعلى هذا فيحمل كل حديث فيه كشف عن وجه المرأة أن ذلك كان قبل نزول الحجاب.
وأما ما روي عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللَّه ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول اللَّه ﷺ وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه. فهو ضعيف.
رواه أبو داود (٤١٠٤)، والبيهقي (٢/ ٢٢٦) كلاهما من حديث الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد، عن ابن دريك، عن عائشة، فذكرته.
قال أبو داود: "هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة، وسعيد بن بشير ليس بالقوي".
следующие страницы →