← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

صحيح: رواه البخاريّ في الهبة (٢٦١٣) عن محمد بن جعفر أبي جعفر، حدّثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قوله: "موشيا" أي منقشا ومزخرفا. ٨ - باب جواز اللعبة بالمجسمات والصور • عن عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول اللَّه ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن إلي فيلعبن معي. متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٦١٣٠) واللفظ له، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٤٠) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. قولها: "يتقمعن" أي يتغيبن. وقولها: "فيسربهن" أي يُرسلهن. • عن عائشة قالت: قدم رسول اللَّه ﷺ من غزوة تبوك، أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب، فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن؟ " قالت: فرس، قال: "وما هذا الذي عليه؟ " قالت: جناحان، قال: "فرس له جناحان؟ " قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه. حسن: رواه أبو داود (٤٩٣٢)، وابن حبان (٥٨٦٤)، والبيهقي (١٠/ ٢١٩) كلهم من حديث يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن أبي النضر، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وإسناده حسن من أجل يحيى بن أيوب الغافقي فإنه حسن الحديث. قولها: "وفي سهوتها ستر" والسهوة شبيهة بالرف والطاق. • عن الربيع بنت معوذ قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: "من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائما فليصم"، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. متفق عليه: رواه البخاريّ في الصوم (٩٦٠)، ومسلم في الصيام (١١٣٦) كلاهما من حديث بشر بن المفضل، حدّثنا خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: فذكرته. واللفظ للبخاري، وفي لفظ مسلم: "ونصنع لهم اللعبة من العهن، فنذهب به معنا، فإذا سألونا

стр. 8227

الطعام، أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم". فقه الباب: يجوز اتخاذ صور البنات والحيوانات وغيرها من أجل لعب الأولاد، وخُصَّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور. وبه جزم القاضي عياض ونقله عن الجمهور كما ذكره الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٢٧). قلت: هذا أولى من قول من قال: إنه منسوخ لأن النهي عن اتخاذ الصور والتماثيل يُحمل على التعظيم، وهو قد يؤدي إلى الشرك كما حصل لليهود والنصارى وكفار مكة، فمنع الشارع منه سدّا للذرائع. وأما اتخاذ الصور والتماثيل للّعب فهو منافٍ للتعظيم، والجمع بين النصوص أولى من الحكم بالنسخ. وكذلك أجاز أهل العلم اتخاذ الصور للتعليم مثل الطب والجغرافيا والقبض على المجرمين وغيرها من الأسباب المبيحة ليس فيها من محظور. ٩ - باب إزالة الأصنام من الكعبة ومِنْ حولها • عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت، لم يدخل حتى أمر بها، فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بأيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم اللَّه، واللَّه إن استقسما بالأزلام قط" صحيح: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٣٥٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة، وحول الكعبة ثلاث مائة وستون نصبا، فجعل يطعنها بعود في يده، وجعل يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [سورة الإسراء: ٨١] متفق عليه: رواه البخاريّ في المظالم (٢٤٧٨)، ومسلم في الجهاد (١٧٨١) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد اللَّه، فذكره. وفي رواية: "صنما". وفي رواية: "يوم الفتح". وفي رواية: "وقرأ أيضًا: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ [سورة سبأ: ٤٩] • عن جابر بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ نهى عن الصور في البيت، ونهى الرجل أن يصنع ذلك، وأن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة، فيمحو كل صورة فيها، ولم يدخل البيت حتى محيت كل صورة فيه. حسن: رواه أحمد (١٤٥٩٦) عن عبد اللَّه بن الحارث، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير، أنه

стр. 8228

سمع جابر بن عبد اللَّه يزعم أن النبي ﷺ نهى، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي الزبير. وصحّحه ابن حبان (٥٨٤٤)، فذكره من وجه آخر عن ابن جريج مختصرًا بدون قصة عمر، ورواه أبو داود (٤١٥٦) من وجه آخر عن جابر أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب، فذكر القصة. • * *

стр. 8229

٦٣ - كتاب الزهد والرقاق جموع ما جاء في فضل الزهد والرقاق ١ - باب فضل العزلة • عن أبي سعيد الخدري قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أي الناس خير؟ قال: "رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل فى شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من شره". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩٤)، ومسلم في الإمارة (١٨٨٨) كلاهما من حديث الأوزاعي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري قال: فذكره. وقوله: "في شعب من الشعاب": ليس المراد به الشعب الذي يكون بين جبلين، بل المراد: الانفراد والاعتزال. وقد روي عن عمر بن الخطاب قال: "خذوا نصيبكم من العزلة". وروي عن مكحول قال: إن كان مخالطة الناس خير، فإن في العزلة سلامة. وروي عن وهيب بن الورد قال: كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت، والعاشر عزلة الناس. قال: فعالجت نفسي على الصمت فلم أجدني أضبط كما أريد، فرأيت أن خير هذه العشرة عاشرها عزلة الناس. قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه. هذه الآثار ذكرها البيهقي في كتاب الزهد. ٢ - باب كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل • عن عبد اللَّه بن عمر قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بمنكبي، فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٦) عن علي بن عبد اللَّه، حدّثنا محمد بن عبد الرحمن

стр. 8230

أبو المنذر الطفاوي، عن سليمان الأعمش قال: حدثني مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: نام رسول اللَّه ﷺ على حصير فقام وقد أثَّر في جنْبه، فقلنا: يا رسول اللَّه لو اتخذنا لك وطاء، فقال: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها". حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٧٧)، وابن ماجه (٤١٠٩)، وأحمد (٤٢٠٨)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٣١٠) كلهم من طرق عن المسعودي (هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة)، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد اللَّه، فذكره. وإسناده حسن من أجل المسعودي فإنه مختلط، لكن رواية وكيع بن الجراح كما عند الإمام أحمد قبل اختلاطه. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". قوله: "وِطَاءً": أي فراشا. • عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليه عمر، وهو على حصير قد أثَّر في جنْبه، فقال: يا نبي اللَّه، لو اتخذت فراشا أوْثَرَ من هذا؟ فقال: "ما لي وللدنيا، ما مَثَلي ومثَل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح فتركها". حسن: رواه أحمد (٢٧٤٤)، وصحّحه ابن حبان (٦٣٥٢)، والحاكم (٤/ ٣٠٩) كلهم من طريق ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل هلال بن خباب العبدي فإنه حسن الحديث. وأما قول الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٢٦): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة". فهو ليس على إطلاقه، بل هو مختلف فيه، ولذا ذكره ابن عدي في الكامل: وقال: "أرجو أنه لا بأس به". وقد ذكره ابن حبان في الثقات، ثم كرر ذكره في المجروحين (١١٤٨) وقال: "كان ممن اختلط في آخر عمره، فكان يحدث بالشيء على التوهم، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، وأما فيما وافق الثقات فإن احتج به محتج أرجو أنه لم يجرح في فعله ذلك". كذا قال. ولم يبين هل روى ثابت بن يزيد عنه قبل الاختلاط أو بعده؟ ولكن إخراجه في الصحيح مشعر بأنه روى عنه قبل الاختلاط. قوله: "أوثر من هذا": أي ألين من هذا. • عن أنس بن مالك قال: اشتكى سلمان فعاده سعد، فرآه يبكي، فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول اللَّه ﷺ ؟ أليس، أليس؟ قال سلمان: ما

стр. 8231

أبكي واحدة من اثنتين، ما أبكي حبا للدنيا ولا كراهية للآخرة، ولكن رسول اللَّه ﷺ عهد إلينا عهدا، فما أُراني إلا قد تعديت، قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إلي أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب ولا أُراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد، فاتّق اللَّه عند حُكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا أقسمت، وعند همك إذا هممت، قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعة وعشرين درهما من نفيقة كانت عنده. حسن: رواه ابن ماجه (٤١٠٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ٢٧٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٩٧) كلهم من طريق الحسن بن أبي الربيع، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وإسناده حسن، من أجل الحسن بن أبي الربيع -وهو الحسن بن يحيى بن الجعد العبدي الجرجاني- وجعفر بن سليمان الضبعي، فإنهما حسنا الحديث. • عن يحيى بن جعدة قال: عاد ناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ خبابا، فقالوا: أبشر أبا عبد اللَّه ترِد على محمد ﷺ الحوض، فقال: كيف بهذا، وهذا أسفل البيت وأعلاه! وقد قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "إنما يكفي أحدكم من الدنيا كقدر زاد الراكب". صحيح: رواه ابن أبي شيبة (٣٥٤٥٠)، وأبو يعلى (٧٢١٤)، والطبراني في الكبير (٤/ ٧٨) كلهم من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو -هو ابن دينار- عن يحيى بن جعدة قال: فذكره. وإسناده صحيح متصل. وليس فيه شبهة انقطاع؛ فإن يحيى بن جعدة من التابعين الثقات، قد سمع من الصحابة الذين زاروا خباب بن الأرت، ولا يلزم منه أن يدرك خبابا. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٤): "رواه أبو يعلى والطبراني ورجاله رجال الصحيح غير يحيى بن جعدة وهو ثقة". ٣ - باب الغنى غنى النفس • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٦)، ومسلم في الزكاة (١٠٥١) كلاهما من طرق عن أبي هريرة، فذكره. ومعنى غنى النفس: هو أن لا يكون لها طمع وميل إلى ما في أيدي الناس. • عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس".

стр. 8232

صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٣٦١٧)، وأبو الشيخ في الأمثال (٧٥)، والطبراني في الأوسط - مجمع البحرين (٤٩٧٣)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٢٠) كلهم من طرق عن أنس قال: فذكره. وإسناده صحيح. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٣٧): "رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح". وفاته العزو إلى البزار. • عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى"؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: "فترى قلّة المال هو الفقر"؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب". ثم سألني عن رجل من قريش، فقال: "هل تعرف فلانا"؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: "فكيف تَراه وتُراه"؟ قلت: إذا سأل أُعطي، وإذا حضر أدخل، ثم سألني عن رجل من أهل الصفة فقال: "هل تعرف فلانا"؟ قلت: لا واللَّه ما أعرفه يا رسول اللَّه، قال: فما زال يحلّيه وينعته حتى عرفته، فقلت: قد عرفته يا رسول اللَّه، قال: "فكيف تَراه أو تُراه"؟ قلت: رجل مسكين من أهل الصفة، فقال: "هو خير من طلاع الأرض من الآخر". قلت: يا رسول اللَّه، أفلا يعطى من بعض ما يعطى الآخر؟ فقال: "إذا أعطي خيرًا فهو أهله، وإن صرف عنه فقد أعطي حسنة". صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١٧٨٥)، وصحّحه ابن حبان (٦٨٥)، والحاكم (٤/ ٣٢٧) كلهم من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي ذر قال: فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما أخرجاه من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر مختصرًا". قلت: لم أهتدِ إلى الحديث الذي يشير إليه الحاكم. ٤ - باب من أحبَّ لقاءَ اللَّه أحبَّ اللَّهُ لقاءَه • عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٠٨)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٨٦) من طرق عن أبي أسامة، عن بُريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره. • عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه،

стр. 8233

ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٠٧)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٨٣) كلاهما من طريق همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت، فذكره. واللفظ للبخاري. • عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه"، فقلت: يا نبي اللَّه، أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت، فقال: "ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة اللَّه ورضوانه وجنته أحب لقاء اللَّه، فأحب اللَّه لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب اللَّه وسخطه كره لقاء اللَّه، وكره اللَّه لقاءه". صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (١٥: ٢٦٨٤) عن محمد بن عبد اللَّه الرزي، حدّثنا خالد ابن الحارث الهجيمي، حدّثنا سعيد عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة، فذكرته. وأشار البخاري عقب (٦٥٠٧) إلى حديث عائشة هذا تعليقًا. • عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه، والموت قبل لقاء اللَّه". صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (١٦: ٢٦٨٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن مسهر، عن زكريا، عن الشعبي، عن شريح بن هانئ، عن عائشة، فذكرته. • عن شريح بن هانئ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه". قال: فأتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول اللَّه حديثا، إن كان كذلك فقد هلكنا، فقالت: إن الهالك من هلك بقول رسول اللَّه ﷺ . وما ذاك؟ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه". وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت، فقالت: قد قاله رسول اللَّه ﷺ وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخَص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنّجت الأصابع، فعند ذلك، من أحب لقاء اللَّه، أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه، كره اللَّه لقاءه. صحيح: رواه مسلم في الذكر والدعاء (٢٦٨٥) عن سعيد بن عمرو الأشعثي، أخبرنا عبثر، عن مطرف، عن عامر، عن شريح بن هانئ، فذكره. • عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أحب لقاء اللَّه، أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه، كره اللَّه لقاءه". قلنا: يا رسول اللَّه، كلنا نكره الموت، قال: "ليس ذاك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا جاءه البشير من اللَّه بما هو صائر إليه، فليس

стр. 8234

شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي اللَّه، فأحب اللَّه لقاءه وإن الفاجر -أو الكافر- إذا حُضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر -أو ما يلقى من الشر- فكره لقاء اللَّه وكره اللَّه لقاءه". صحيح: رواه أحمد (١٢٠٤٧) عن ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، فذكره. ورواه أبو يعلى (٣٨٧٧)، والبزار -كشف الأستار- (٧٨٠) كلاهما من طريق حميد، عن أنس، فذكره. واللفظ لأحمد، ورواية البزار مختصرة. أورد الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣٢٠) وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح". • عن عطاء بن السائب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو في جنازة، وذلك أول يوم عرفته فيه، سمعته يقول: ثنا فلان رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من أحب لقاء اللَّه ، أحب اللَّه تعالى لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه تعالى، كره اللَّه لقاءه". فبكى القوم، فقالوا: يا رسول اللَّه، وأينا لا يكره الموت؟ قال ﷺ : "لست ذلك أعني، ولكن اللَّه ﵎ قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾ [سورة الواقعة: ٨٨ - ٨٩]، فإذا كان عند ذلك أحب لقاء اللَّه تعالى، واللَّه للقائه أحب، ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)﴾ [الواقعة: ٩٢ - ٩٣]، فإذا كان كذلك، كره لقاء اللَّه تعالى، واللَّه للقائه أكره". صحيح: رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده -كما في المطالب (٣٢١١) - عن سفيان (هو ابن عيينة)، عن عطاء بن السائب قال: فذكره. وإسناده صحيح. وعطاء بن السائب ثقة إلا أنه اختلط، لكن ابن عيينة سمع منه قبل اختلاطه. ورواه أحمد (١٨٢٨٣) عن عفان، حدّثنا همّام، حدّثنا عطاء بن السائب قال: فذكره. وهمّام ابن يحيى سمع من عطاء بعد اختلاطه. ٥ - باب إذا همَّ العبدُ بحسنةٍ كُتِبَتْ، وإذا همَّ بسيئةٍ لم تُكْتَبْ • عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: "إن اللَّه كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها اللَّه له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها اللَّه له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها اللَّه له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ

стр. 8235

بها فعملها كتبها اللَّه له سيئة واحدة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩١)، ومسلم في الإيمان (١٣١) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن الجعد أبي عثمان، حدّثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس، فذكره. وزاد مسلم: "ومحاها اللَّه، ولا يهلك عن اللَّه إلا هالك". • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يقول اللَّه: إذا أراد عبدي أن يعمل سيّئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها، فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٠١)، ومسلم في الإيمان (٢٠٣: ١٢٨) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى اللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٤٢)، ومسلم في الإيمان (٢٠٥: ١٢٩) كلاهما من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة عن رسول اللَّه ﷺ قال: "قال اللَّه : إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف. وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٤: ١٢٨) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال اللَّه : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٩) عن محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبّه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد

стр. 8236

أن يعمل سيئة (وهو أبصر به) فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرّائي". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢٩) عن محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبّه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة ضعف، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٣٠) عن أبي كريب، حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره. ٦ - باب المكثرون في الدنيا هم المقلون في الآخرة إلا من عمل فيها خيرًا • عن أبي ذرّ قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفتَ فرآني، فقال: "من هذا؟ " فقلت: أبو ذر، جعلني اللَّه فداك، قال: "يا أبا ذر تعالهْ" قال: فمشيت معه ساعة، فقال: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللَّه خيرًا، فنفح فيه يمينه وشماله، وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرا" قال: فمشيت معه ساعة، فقال: "اجلس ههنا" قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: "اجلس ههنا حتى أرجع إليك" قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني، فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: "وإن سرق وإن زنى" قال: فلما جاء لم أصبر فقلت: يا نبي اللَّه جعلني اللَّه فداك، من تكلم في جانب الحرة؟ ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا، قال: "ذاك جبريل، عرض لي في جانب الحرة، فقال: بشّر أمتك أنه من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة، فقلت: يا جبريل وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قال قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قال قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٣)، ومسلم في الزكاة (٣٣: ٩٤) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدثني جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، فذكره. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحن الآخرون والأولون يوم القيامة، وإن الأكثرين هم الأسفلون إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن يساره،

стр. 8237

ومن خلفه وبين يديه، ويحثي بثوبه". صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٣٢١٧) عن الفريابي، قال: حدّثنا علي بن حجر السعدي، قال: حدّثنا علي بن مسهر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. وإسناده صحيح. • عن أبي هريرة قال: كنت أمشي مع رسول اللَّه ﷺ في نخل لبعض أهل المدينة، فقال: "يا أبا هريرة، هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا -ثلاث مرات: حثى بكفيه عن يمينه وعن يساره وبين يديه- وقليل ما هم". ثم مشى ساعة فقال: "يا أبا هريرة، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ " فقلت: بلى يا رسول اللَّه. فقال: "لا حول ولا قوة إلا باللَّه، ولا ملجأ من اللَّه إلا إليه". ثم مشى ساعة فقال: "يا أبا هريرة، هل تدري ما حق الناس على اللَّه، وما حق اللَّه على الناس؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإن حق اللَّه على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، فإذا فعلوا ذلك فحق عليه أن لا يعذبهم". صحيح: رواه عبد الرزاق (٢٠٥٤٧) - وعنه أحمد (٨٠٨٥) عن معمر، عن أبي إسحاق، عن كميل بن زياد، عن أبي هريرة قال: فذكره. وإسناده صحيح. والكلام عليه مبسوط في كتاب الأدعية والأذكار. تنبيه: في مطبوعة عبد الرزاق "كهيل بن زياد" وهو تحريف، والصواب "كميل بن زياد" كما في مسند أحمد والمصادر الأخرى. ورواه ابن ماجه (٤١٣١) وأحمد (٩٥٢٦) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن محمد ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المكثرون هم الأسفلون، إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا" أمامه وعن يمينه وعن شماله وخلفه. وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان وأبيه فإنهما حسنا الحديث. ٧ - باب ما قدّم الإنسان من ماله فهو له، وما أخره فهو لورثته • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ " قالوا: يا رسول اللَّه، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: "فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٢) عن عمر بن حفص، حدثني أبي، حدّثنا الأعمش، حدثني إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد قال: قال عبد اللَّه، فذكره.

стр. 8238

• عن مطرف، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي" قال: "وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٥٨) عن هداب بن خالد، حدّثنا همّام، حدّثنا قتادة، عن مطرف، عن أبيه قال: فذكره. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٥٩) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ٨ - باب ما جاء في الترغيب عن الدنيا • عن المستورد بن شداد أخي بني فهر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "واللَّه ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع". صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (٥٥: ٢٨٥٨) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، حدّثنا قيس قال: سمعت مستوردًا، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربةً من ماء". حسن: رواه ابن أبي عاصم في الزهد (١٣٠)، والبزار (٨١٧٦) كلاهما من طرق عن محمد بن عمار بن جعفر المدني، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمار وشيخه صالح مولى التوأمة فإنهما حسنا الحديث إلا أن صالحًا مولى التوأمة اختلط بآخره، ولا يدرى متى سمع محمد بن عمار عنه، إلا أن الحديث له أصل ثابت، فالظاهر أن صالحًا مولى التوأمة لم يختلط في هذا الحديث. كما أن له إسنادا آخر رواه ابن أبي عاصم في الزهد (١٢٩) من طريق أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مثله. وأبو معشر: هو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف، إلا أنه يقوّي بعضه بعضا. ٩ - باب ما جاء في حقارة الدنيا • عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ مرّ بالسوق داخلا من بعض العالية

стр. 8239

والناس كَنَفَتيه، فمرّ بجدي أسكّ ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ " فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟ " قالوا: واللَّه لو كان حيا كان عيبا فيه، لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: "فواللَّه للدنيا أهون على اللَّه من هذا عليكم". صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٥٧) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدّثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، فذكره. وقوله: "كنفتيه" أي جانبيه. وقوله: "جدي" أي ولد المعز. وقوله: "أسك" أي صغير الأذنين. • عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ بذي الحُليفة، فإذا هو بشاة ميّتة شائلة برجلها، فقال: "أترون هذه هيّنة على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيده! للدنيا أهون على اللَّه من هذه على صاحبها، ولو كانت الدنيا تزن عند اللَّه جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها قطرة أبدًا". حسن: رواه ابن ماجه (٤١١٠)، والحاكم (٤/ ٣٠٦) كلاهما من طرق عن أبي يحيى زكريا بن منظور، قال: حدّثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، فذكره. وزكريا بن منظور هو القرظي المدني ضعيف لكنه توبع. رواه الترمذيّ (٢٣٢٠) من طريق عبد الحميد بن سليمان -والطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٢١٩) من طريق زمعة بن صالح- كلاهما (عبد الحميد وزمعة) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره. وعبد الحميد بن سليمان وزمعة بن صالح كلاهما ضعيفان. وبهذه المتابعات يرتقي الحديث إلى درجة الحسن. • عن أبي الدرداء قال: مرّ النبي ﷺ بدمنة قوم فيها سخلة ميتة، قال: "ما لأهلها فيها حاجة؟ " قالوا: يا نبي اللَّه لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها، قال: "فواللَّه للدنيا أهون على اللَّه من هذه السخلة على أهلها، فلا ألفينها أهلكت أحدًا منكم". صحيح: رواه البزار (٤١١٣) عن محمد بن عامر (هو الأنطاكي)، قال: نا الربيع (هو ابن نافع أبو توبة الحلبي)، حدثني محمد بن مهاجر، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس عائذ اللَّه، عن أبي الدرداء، فذكره. وإسناده صحيح، وقد صحّحه البزار فقال: "وإسناده صحيح من حديث أهل الشام، وفي حديث أبي الدرداء زيادة على سائر الأحاديث: "فلا ألفينها أهلكت أحدا منكم".

стр. 8240

وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٨٧): "رواه البزار، ورجاله ثقات". • عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ مرّ بسخلة ميّتة، فقال لهم: "ترون هذه هانت على أهلها؟ " قالوا: نعم يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفس محمد بيده للدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها". حسن: رواه ابن أبي عاصم في الزهد (١٣٤)، والبزار (٧٢٠٠) كلاهما عن أبي كامل الجحدري الفضيل بن الحسين، أخبرنا القناد (وهو أبو إسماعيل)، أخبرنا قتادة، عن أنس، فذكره. وإسناده حسن من أجل القنّاد أبي إسماعيل واسمه إبراهيم بن عبد الملك وهو مختلف فيه، فضعّفه ابن معين وابن المديني، ومشّاه النسائي والبزار، وقال العقيلي: "إنه غير محفوظ عن قتادة". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٨٧): "رواه البزار ورجاله وُثّقوا". والظاهر أن قول العقيلي صحيح لأن قتادة من المكثرين، لم يتابعه عليه أحد، إلا أن الحديث له أصل من الصحابة الآخرين فلا بأس به والحال هذه. • عن المستورد بن شدّاد قال: كنت في ركب مع رسول اللَّه ﷺ إذ مرّ بسخلة ميّتة منبوذة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أترون هذه هانت على أهلها؟ " فقالوا: يا رسول اللَّه من هوانها ألقوها، قال: "فوالذي نفس محمد بيده، للدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها". حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٢١)، وابن ماجه (٤١١١)، وأحمد (١٨٠١٣) كلهم من طريق (حماد بن زيد وابن المبارك)، عن مجالد بن سعيد الهمداني، عن قيس بن أبي حازم الهمداني، عن المستورد بن شداد، فذكره. وإسناده حسن من أجل مجالد بن سعيد فإنه اختلط بآخره، ورواية حماد بن زيد كانت قبل الاختلاط وكان البخاري حسن الرأي فيه. وبمعناه روي عن عبد اللَّه بن عمر قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم من منزله ومعه أناس من أصحابه، فأخذ في بعض طرق المدينة، فمز بفناء قوم، وسخلة ميّتة مطروحة بفنائهم، فقام رسول اللَّه ﷺ فنظر إليها، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: "ترون هذه السخلة هانت على أهلها إذ طرحوها هكذا؟ ". قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال: "فواللَّه للدنيا أهون على اللَّه من هذه السخلة على أهلها". رواه الطبراني في الكبير (١٣/ ٢٧٩) من طرق عن بكار بن سُقير، حدثني أبي سُقير، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره. وبكار بن سقير وأبوه مجهولان لم أقف على من وثّقهما إلا أن ابن حبان ذكرهما في الثقات على قاعدته.

стр. 8241

وفي الباب ما روي عن عبد اللَّه بن ربيعة قال: كان النبي ﷺ في سفر، فسمع مؤذنا يقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فقال النبي ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا اللَّه" قال: أشهد أن محمدا رسول اللَّه، قال النبي ﷺ : "أشهد أني محمد رسول اللَّه" فقال النبي ﷺ : "تجدونه راعي غنم أو عازبا عن أهله" فلما هبط الوادي قال: مرّ على سخلة منبوذة، فقال: "أترون هذه هيّنة على أهلها، للدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها". رواه أحمد (١٨٩٦٤) -واللفظ له- والنسائي (٦٦٥) كلاهما من طريق شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد اللَّه بن ربيعة السلمي، فذكره. رجاله ثقات إلا أنه مرسل، عبد اللَّه بن ربيعة السلمي تابعي كما قال أبو حاتم وغيره. انظر: المراسيل (رقم ١٦٤). وفي الباب عن ابن عباس قال: مرّ رسول اللَّه ﷺ بشاة ميّتة قد ألقاها أهلها، فقال: "والذي نفسي بيده للدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها". رواه ابن أبي شيبة (٣٥٥٣٠)، وأحمد (٣٠٧٤)، وابن أبي عاصم في الزهد (٣٢) كلهم من طريق محمد بن مصعب، حدّثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس، فذكره. ومحمد بن مصعب هو القرقساني ضعّفه ابن معين وغيره. • عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر اللَّه وما والاه أو عالما أو متعلما". حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٢٢)، وابن ماجه (٤١١٢) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: سمعت عطاء بن قرّة، قال: سمعت عبد اللَّه بن ضمرة السّلولي، قال: حدّثنا أبو هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن ثوبان وشيخه وشيخ شيخه فالثلاثة كلهم بمرتبة صدوق. • عن المقدام بن معدي كرب الكندي قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أُكلات يُقِمن صُلبه، فإن كان لا محالة، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنَفَسه". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٨٠)، وأحمد (١٧١٨٦)، وصحّحه ابن حبان (٥٢٣٦)، والحاكم (٤/ ٣٣١) كلهم من طرق عن يحيى بن جابر الطائي، قال: سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي، فذكره. وإسناده صحيح. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".

стр. 8242

وأما قول أبي حاتم في المراسيل (٩١١): "يحيى بن جابر عن المقدام مرسل". فقد جاء تصريح يحيى بن جابر بالسماع عن المقدام في هذا الحديث كما عند أحمد والحاكم، فهذا محمول على الاتصال. وأما ما لم يصرّح فيه بالسماع فهو محمول على الإرسال كما قال أبو حاتم، وبين وفاه المقدام ويحيى بن جابر تسعة وثلاثون سنة فيمكن لقاؤهما. وعلى ذلك فهو من الطبقة الخامسة -يعني الذين رأوا الواحد أو الاثنين من الصحابة- وليس من الطبقة السادسة الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كما ذكره ابن حجر في ترجمة يحيى بن جابر الطائي في التقريب. ويقوّيه ما رواه ابن حبّان (٥٢٣٦) من طريق صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه، عن جده المقدام، فذكر مثله. وصالح بن يحيى بن المقدام وأبوه ذكرهما ابن حبّان في الثقات ولم يوثقهما غيره. لكنه لا بأس بهما في المتابعات. • عن أبي بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن مطعم ابن آدم جُعل مثلا للدنيا، وإن قزَحَه، وملَحَه، فانظروا إلى ما يصير". حسن: رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد مسند أبيه (٢١٢٣٩)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢٠٥)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٢) كلهم من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود، حدّثنا سفيان، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عُتي -هو ابن ضمرة- عن أبي بن كعب، فذكره. وإسناده حسن من أجل موسى بن مسعود فإنه حسن الحديث. والحديث روي أيضًا موقوفا ولا يضر. عُتيّ: هو ابن ضمرة التيمي السعدي البصري. قال ابن سعد: "كان ثقة قليل الحديث". ووثّقه العجلي وابن حبّان، ولكن قال ابن المديني: "مجهول، وحديثه يشبه حديث أهل الصدق وإن كان لا يعرف". أي لقلة حديثه. وقوله: "وإن قزحه" أي: أصلحه بالأبزار، يعني حبوب التوابل. وقوله: "وملحه" أي: طرح فيه من الملح بقدرٍ. وأما ما روي عن أبي عثمان، عن سلمان قال: جاء قوم إلى رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: "ألكم طعام؟ " قالوا: نعم، قال: "فلكم شراب؟ " قالوا: نعم، فقال: "فتصفونه؟ " قالوا: نعم، قال: "وتبردونه؟ " قالوا: نعم، قال: "فإن معادهما كمعاد الدنيا، يقوم أحدكم إلى خلف بيته، فيمسك على أنفه من نتنه". فالصواب أنه مرسل. رواه يحيى بن صاعد في زوائد الزهد لابن المبارك (٤٩٢)، والطبراني في الكبير (٦/ ٣٠٤)

стр. 8243

كلاهما من طريق محمد بن يوسف الفريابي، حدّثنا سفيان -هو الثوري- عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان، فذكره. ومحمد بن يوسف الفريابي يخطئ في حديث سفيان، وخالفه عبد اللَّه بن المبارك فرواه في الزهد (٤١٩) عن سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان به مرسلا. وهو الصواب. وفي الباب ما روي عن أبي موسى الأشعري أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى". رواه أحمد (١٩٦٩٧)، والبغوي في شرح السنة (٤٠٣٨)، وصحّحه ابن حبّان (٧٠٩)، والحاكم (٤/ ٣٠٨) كلهم من طرق عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب، عن أبي موسى الأشعري، فذكره. وإسناده منقطع، فإن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب لم يعرف له سماع من الصحابة كما قال البخاري وغيره. وأما قول الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين". فتعقبه الذهبي بقوله: "فيه انقطاع". وكذلك قول الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٩): "رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله ثقات". لا يستلزم صحة الإسناد كما ذكرت مرارًا لوجود علة كما في هذا الحديث. وفي الباب أيضًا ما روي عن أبي أمامة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من شر الناس منزلة عند اللَّه يوم القيامة عبدٌ أذهب آخرته بدنيا غيره". رواه ابن ماجه (٣٩٦٦)، والطبراني في الكبير (٨/ ١٤٤) من طرق عن مروان بن معاوية، عن عبد الحكم السدوسي قال: حدّثنا شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، فذكره. وجعله بعضهم من مسند أبي هريرة، فقد رواه أبو داود الطيالسي (٢٥٢٠) عن عبد الحكم بن ذكوان، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة. ومداره على عبد الحكم بن ذكوان السدوسي لم يوثّقه أحدٌ إلا أن ابن حبّان ذكره في ثقاته على قاعدته في توثيق من لا يعرف فيه الجرح. وقال ابن معين: "لا أعرفه". ١٠ - باب فضل العبد التقي الغني الخفي • عن عامر بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ باللَّه من شر هذا الراكب، فنزل، فقال له: أنزلت في إبلك وغنمك، وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم، فضرب سعد في صدره، فقال: اسكت، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي".

стр. 8244

صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٥٦) من طرق عن أبي بكر الحنفي قال: حدّثنا بكير ابن مسمار، حدثني عامر بن سعد فذكره. • عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن بين أيديكم عقبة كؤودًا لا ينجو فيها إلا كل مخفّ". حسن: رواه البزار (٤١١٨)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٦١٨) كلاهما من طريق أسد بن موسى، حدّثنا أبو معاوية، عن موسى الصغير، عن هلال بن يساف، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل أسد بن موسى فإنه حسن الحديث. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٣): "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير أسد بن موسى وموسى بن مسلم الصغير، وهما ثقتان". قوله: "عقبة كؤودًا" أي: عقبة شاقة. وقوله: "كل مخفّ" يقال: أخفّ الرجل فهو مُخِفّ وخفّ وخَفيف، إذا خفّت حاله ودابّته، وإذا كان قليل الثقل يريد به المخفّ من الذنوب وأسباب الدنيا وعُلَقها. • عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قيل لرسول اللَّه ﷺ : أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب، صدوق اللسان"، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقيّ النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غلّ ولا حسد". صحيح: رواه ابن ماجه (٤٢١٦)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (٤٥)، والطبراني في مسند الشاميين (١٢١٨) كلهم من طريق زيد بن واقد، حدّثنا مغيث بن سمي، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه أبو حاتم فقال: "هذا حديث صحيح حسن، وزيد محلّه الصدق، وكان يرى رأي القدر". علل الحديث (١٨٧٣). قلت: زيد بن واقد ثقة عند جمهور النقاد، وثّقه أحمد بن حنبل، وابن معين، والدارقطني، وغيرهم. ١١ - باب فضل البكاء من خشية اللَّه • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يلج النار أحد بكى من خشية اللَّه حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل اللَّه ودخان جهنم في منخري امرئ أبدًا". صحيح: رواه أحمد (١٠٥٦٠) -واللفظ له- عن يزيد (هو ابن هارون) وأبي عبد الرحمن المقري - والترمذي (١٦٣٣)، والنسائي (٣١٠٨) من طريق ابن المبارك - والحاكم (٤/ ٢٦٠) من طريق جعفر بن عون - كلهم عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعودي، عن محمد بن عبد الرحمن

стр. 8245

مولى آل طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح. والمسعودي اختلط في آخره، لكن سماع أبي عبد الرحمن -وهو عبد اللَّه بن يزيد المقري- وجعفر بن عون قبل الاختلاط. انظر: الكواكب النيرات (٢٩٣). وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الجهاد، باب فضل الحراسة في سبجل اللَّه. وروي عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية اللَّه تحاتَّت عنه خطاياه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها". رواه البزار (١٣٢٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٠٢٢)، والبيهقي في الشعب (٧٨٢) كلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم كلثوم بنت العباس، عن العباس بن عبد المطلب قال: فذكره. وأم كلثوم بنت العباس لم يوثّقها أحد ومع ذلك صحّحه ابن حجر في مختصر زوائد البزار (٢٢٢٩). ١٢ - باب احتقار العبد عملَه يوم القيامة • عن عتبة بن عبد قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة اللَّه لحقره يوم القيامة" حسن: رواه أحمد (١٧٦٤٩)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ١٥)، والبيهقي في الشعب (٧٦٧) كلهم من طرق عن بقية بن الوليد، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عُتبة بن عبد قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل بقية بن الوليد فإنه حسن الحديث إذا صرّح. قال أبو نعيم: "غريب من حديث خالد، تفرد به بقية عن بحير". قلت: وهو كما قال إلا أنه لا يضر. ويقوّيه ما روي موقوفا عن محمد بن أبي عميرة وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم وُلِدَ إلى أن يموت هرما في طاعة اللَّه، لحقره ذلك اليوم ولودَّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب. رواه أحمد (١٧٦٥٠) عن علي بن إسحاق، حدّثنا عبد اللَّه يعني ابن المبارك، حدّثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عميرة قال: فذكره. ورجاله ثقات. ١٣ - باب ما جاء في ذكر الموت • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أكثروا ذكر هاذم اللذات" يعني الموت.

стр. 8246

حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٠٧)، والنسائي (١٨٢٤)، وابن ماجه (٤٢٥٨)، وأحمد (٧٩٢٥)، وابن حبان (٢٩٩٢)، والحاكم (٤/ ٣٢١)، كلهم من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة فإنه حسن الحديث. والكلام عليه مبسوط في كتاب الجنائز. قوله: "هاذم اللّذات": أي قاطعها، وقيل: "هادم" بالدال من هدم البناء. والمراد به الموت. • عن أنس بن مالك قال: مر النبي ﷺ بقوم من الأنصار يضحكون، فقال: "أكثروا ذكر هادم اللذات". حسن: رواه البزار "كشف الأستار" (٣٦٢٣)، والطبراني في الأوسط (٦٩٥) كلاهما من طريق مؤمل بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس، فذكره. ومؤمل بن إسماعيل ضعيف لكنه توبع، كما تقدم تفصيله في كتاب الجنائز، باب كثرة ذكر الموت. • عن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبُلَّ لحيتُه، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه". حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٤٢٦٧) كلاهما من حديث يحيى بن معين، حدّثنا هشام بن يوسف، عن عبد اللَّه بن بَحير، عن هانئ مولى عثمان، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف". وإسناده حسن من أجل هانئ مولى عثمان، فإنه حسن الحديث. ١٤ - باب ما جاء في خصال الخير • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا هريرة! كن وَرِعا تكن أعبد الناس، وكن قَنِعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وأقلَّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب". حسن: رواه ابن ماجه (٤٢١٧) -واللفظ له- والبخاري في الأدب المفرد (٢٥٢)، والبيهقي في الزهد (٨٢٢) كلهم من طرق عن أبي رجاء، عن بُرد بن سنان، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل أبي رجاء وهو محرز بن عبد اللَّه الجزري حسن الحديث. وحسّنه أيضًا

стр. 8247

البوصيري في زوائد ابن ماجه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تكثروا الضحكَ فإن كثرة الضحك تُميت القلبَ". حسن: رواه ابن ماجه (٤١٩٣) -واللفظ له-، والبخاري في الأدب المفرد (٢٥٣) كلاهما من طريق أبي بكر الحنفي (واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد البصري)، حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن حُنين، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد الحميد بن جعفر فإنه حسن الحديث. وفي معناه مع زيادة ما رواه الترمذيّ (٢٣٠٥)، وأحمد (٨٠٩٥) كلاهما من حديث جعفر بن سليمان، عن أبي طارق، عن الحسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن، أو يُعلّم من يعمل بهن؟ " فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول اللَّه، فأخذ بيدي فعدّ خمسا وقال: "اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم اللَّه لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب". وإسناده ضعيف. قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا، هكذا روي عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد، وروى أبو عبيدة الناجي عن الحسن هذا الحديث قولَه، ولم يذكر فيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . قلت: مع انقطاع فيه أبو طارق وهو السعدي البصري مجهول كما في التقريب. • عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي: "يا عقبة بن عامر، صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك" قال: ثم أتيت رسول اللَّه ﷺ فقال لي: "يا عقبة بن عامر، أمْلِكْ لسانَك، وابْكِ على خطيئتك، وليسَعْكَ بيتُك" قال: ثم لقيتُ رسول اللَّه ﷺ فقال لي: "يا عقبة بن عامر، ألا أعلّمك سورًا ما أنزلت في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلُهُنَّ، لا يأتيَنَّ عليك ليلة إلا قرأتَهن فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ قال عقبة: فما أتت علي ليلةٌ إلا قرأتهن فيها، وحُقَّ لي أن لا أدعهن وقد أمرني بهن رسول اللَّه ﷺ . حسن: رواه أحمد (١٧٤٥٢) عن حسين بن محمد، حدّثنا ابن عياش (هو إسماعيل)، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي (الرملي)، عن فروة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر، فذكره. وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عيّاش فإنه حسن الحديث إذا روى عن الشاميين، وهذا منها.

стр. 8248

• عن أنس قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "اعمل للَّه رأي العين كأنك تراه، فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، وأسبغ طهورك إذا دخلت المسجد، واذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل يذكر الموت في صلاته لحريٌّ أن يحسن صلاته، وصلّ صلاة رجل لا يظن أن يصلي صلاة غيرها، وإياك وكل ما يعتذر منه". حسن: رواه البيهقي في الزهد الكبير (٥٢٧)، والديلمي في مسند الفردوس كما ذكره السخاوي في مقاصد الحسنة (ص ١٤٤ رقم ٢٧٥) كلاهما من طريق أبي عاصم، حدّثنا شبيب بن بشر، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره. وإسناده حسن من أجل شبيب بن بشر فإنه حسن الحديث. وحسّنه أيضًا ابن حجر كما نقل عنه السخاوي. • عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقلنا: هل سمعت من رسول اللَّه ﷺ شيئًا؟ قال: نعم، سمعته يقول: "إنك لن تدع شيئًا للَّه، إلا بدّلك اللَّه به ما هو خير لك منه". صحيح: رواه وكيع بن الجراح في الزهد (٣٥٦) -وعنه أحمد (٢٣٠٧٤)، وهنّاد بن السري في الزهد (٩٣٨) - عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا: فذكراه. وإسناده صحيح. ١٥ - باب حديث أبي اليسر وجابر بن عبد اللَّه في الزهد والرقاق • عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار، قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر، صاحب رسول اللَّه ﷺ ، ومعه غلام له، معه ضمامة من صحف، وعلى أبي اليسر بُردة ومَعَافري، وعلى غلامه بُردة ومَعَافري، فقال له أبي: يا عم! إني أرى في وجهك سفعةً من غضب، قال: أجل، كان لي على فلان بن فلان الحراميّ مال، فأتيت أهله فسلّمت، فقلت: ثم هو؟ قالوا: لا، فخرج علي ابن له جَفْر، فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتَك فدخل أريكة أمّي، فقلت: اخرج إلي، فقد علمت أين أنت، فخرج فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا واللَّه أحدثك ثم لا أكذِبُك، خشيت واللَّه أن أحدثك فأكذِبَك، وأن أعدك فأُخلفك، وكنتَ صاحب رسول اللَّه ﷺ ، وكنتُ واللَّه معسرا، قال: قلت: آللَّه! قال: اللَّه. قلت: آللَّه! قال: اللَّه. قلت: آللَّه! قال: اللَّه. قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، فقال: إن وجدت قضاءً فاقضني،

стр. 8249

وإلا أنت في حل، فأشهدُ بصرُ عينيَّ هاتين (ووضع إصبعيْه على عينيْه)، وسمْعُ أذُنيَّ هاتين، ووعاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه) رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: "من أنظر معسرًا، أو وضَعَ عنه، أظلَّه اللَّه في ظلِّه". قال: فقلت له أنا: يا عمّ! لو أنك أخذت بُرْدة غلامك وأعطيته معافِرِيَّك، وأخذت معافِرِيَّه وأعطيته بُرْدتك، فكانت عليك حُلَّة وعليه حُلَّة، فمسح رأسي وقال: اللهم بارك فيه. يا ابن أخي! بصرُ عينيَّ هاتين، وسمْعُ أُذُنيَّ هاتيْن، ووَعَاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه)، رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: "أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون" وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون عليّ من أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة. ثم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد اللَّه في مسجده، وهو يصلّي في ثوب واحد مشتملا به، فتخطّيت القوم حتى جلست بينه وبين القبلة، فقلت: يرحمك اللَّه! أتصلّي في ثوب واحد ورداؤك إلى جنبك؟ قال: فقال بيده في صدري هكذا، وفرّق بين أصابعه وقوَّسها: أردت أن يدخل عليّ الأحمق مثلك، فيراني كيف أصنع، فيصنع مثله. أتانا رسول اللَّه ﷺ في مسجدنا هذا، وفي يده عُرْجُون ابن طاب، فرأى في قبلة المسجد نُخامةً فحكَّها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: "أيّكم يحب أن يعرض اللَّه عنه؟ " قال: فخشعنا، ثم قال: "أيكم يحب أن يعرض اللَّه عنه؟ " قال: فخشعنا، ثم قال: "أيكم يحب أن يعرض اللَّه عنه؟ " قلنا: لا أيُّنا يا رسول اللَّه! قال: "فإن أحدكم إذا قام يصلّي، فإن اللَّه ﵎ قِبَل وجهه، فلا يبصقنَّ قِبَل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عَجِلت به بادرة، فليقل بثوبه هكذا" ثم طوى ثوبه بعضه على بعض فقال: "أروني عبيرًا" فقام فتًى من الحيّ يشتدّ إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته، فأخذه رسول اللَّه ﷺ فجعله على رأس العُرْجون، ثم لَطَخ به على أثر النّخامة. فقال جابر: فمن هناك جعلتم الخَلوق في مساجدكم. سرنا مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة بطن بُواط، وهو يَطلب المَجديّ بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعْقُبُه منّا الخمسة والستّة والسّبعة، فدارت عقْبة رجل من الأنصار على ناضِحٍ له، فأناخه فركبه، ثم بعثه فتلدَّن عليه بعض التلدُّن، فقال له: شأ، لعنك اللَّه، فقال رَسول اللَّه ﷺ : "من هذا اللاعنُ بعيرَه؟ " قال: أنا يا رسول اللَّه، قال: "انزل عنه، فلا تصحبْنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من اللَّه ساعة يُسأل فيها عطاء،

стр. 8250

فيستجيبُ لكم". سِرْنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى إذا كانت عُشيْشِيَةٌ ودَنَوْنا ماءً من مياه العرب، قال رسول اللَّه ﷺ : "مَن رجل يتقدَّمُنا فيَمْدُر الحوض فيشرب ويسقينا؟ " قال جابر: فقمت فقلتْ هذا رجل يا رسول اللَّه! فقال رسول اللَّه ﷺ : "أي رجل مع جابر؟ " فقام جبّار ابن صخر، فانطلقنا إلى البئر، فنزعنا في الحوض سَجلا أو سَجلين، ثم مدَرناه، ثم نزعنا فيه حتى أفْهَقْناه، فكان أول طالع علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتأذنان؟ " قلنا: نعم يا رسول اللَّه! فأشرع ناقته فشربت، شَنَق لها فشَجَت فبالت، ثم عدَل بها فأناخها، ثم جاء رسول اللَّه ﷺ إلى الحوض فتوضأ منه، ثم قمت فتوضّأت من مُتوضّإ رسول اللَّه ﷺ ، فذهب جبّار بن صخر يقضي حاجته، فقام رسول اللَّه ﷺ ليصلّي، وكانت عليّ بردة ذهبْت أن أُخالف بين طرفيها فلم تبلغ لي، وكانت لها ذَباذِب فنكَّستها، ثم خالفْت بين طرفيها، ثم تواقصْتُ عليها، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول اللَّه ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبّار بن صخر فتوضّأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول اللَّه ﷺ ، فأخذ رسول اللَّه ﷺ بيدينا جميعا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه، فجعل رسول اللَّه ﷺ يرمُقُني وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال هكذا بيده، يعني شُدّ وسَطَك، فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ قال: "يا جابر" قلت: لبيك يا رسول اللَّه! قال: "إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيّقا فاشدده على حَقْوِك". سِرْنا مع رسول اللَّه ﷺ وكان قوت كل رجل منا في كل يوم تمرة، فكان يمصّها ثم يصرّها في ثوبه، وكنا نختبط بقِسِيّنا ونأكل، حتى قرِحت أشْداقنا، فأُقسم أُخطئَها رجل منا يوما، فانطلقنا به نَنَعشه، فشهدنا أنه لم يُعطها، فأعطيها فقام فأخذها. سِرْنا مع رسول اللَّه ﷺ حتى نزلنا واديا أفْيح، فذهب رسول اللَّه ﷺ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول اللَّه ﷺ فلم ير شيئًا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول اللَّه ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذن اللَّه" فانقادت معه كالبعير المخشوش، الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: "انقادي علي بإذن اللَّه" فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمَنْصف مما بينهما، لَأَمَ بينهما (يعني جمعهما) فقال: "التئما عليّ بإذن اللَّه" فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أُحضر مخافة أن يُحِسّ رسول اللَّه

стр. 8251

- ﷺ بقربي فيبتعد، (وقال محمد بن عباد: فيتَبَعَّد) فجلست أحدتْ نفسي، فحانت منّي لفتة، فإذا أنا برسول اللَّه ﷺ مقبلا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول اللَّه ﷺ وقف وقفة، فقال برأسه هكذا (وأشار أبو إسمعيل برأسه يمينا وشمالًا) ثم أقبل، فلما انتهى إليّ قال: "يا جابر! هل رأيت مقامي؟ " قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: "فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا، فأقبل بهما، حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك". قال جابر: فقمت فأخذت حجرًا فكسرته وحسرته، فانذلق لي، فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجُرّهما حتى قمت مقام رسول اللَّه ﷺ ، أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحقته فقلت: قد فعلت يا رسول اللَّه! فعم ذاك؟ قال: "إني مررت بقبرين يعذّبان، فأحببت بشفاعتي أن يُرفّه عنهما، ما دام الغصنان رطبين". قال: فأتينا العسكر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا جابر! ناد بوضوء" فقلت: ألا وَضوءَ؟ ألا وَضوءَ؟ ألا وَضوءَ؟ قال قلت: يا رسول اللَّه! ما وجدت في الرّكب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يُبرّد لرسول اللَّه ﷺ الماء في أشجاب له على حِمارة من جريد، قال: فقال لي: "انطلق إلى فلان بن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيء؟ " قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجْب منها، لو أني أُفرِغه لشربه يابِسه، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه! إني لم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أني أُفرِغه لشربه يابسه، قال: "اذهب فأتني به"، فأتيته به، فأخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمزه بيديه، ثم أعطانيه فقال: "يا جابر! ناد بجفنة" فقلت: يا جفنة الركب! فأُتيت بها تُحمل، فوضعتها بين يديه، فقال رسول اللَّه ﷺ بيده في الجفنة هكذا، فبسطها وفرّق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجَفنة، وقال: "خذ يا جابر، فصبّ علي، وقل: باسم اللَّه" فصببت عليه وقلت: باسم اللَّه، فرأيمت الماء يفور من بين أصابع رسول اللَّه ﷺ ، ثم فارَت الجَفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: "يا جابر، ناد من كان له حاجة بماء" قال: فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، قال فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول اللَّه ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى. وشكا الناس إلى رسول اللَّه ﷺ الجوع، فقال: "عسى اللَّه أن يطعمكم" فأتينا سيف

стр. 8252

البحر، فزخر البحر زخرة، فألقى دابة، فأَوْرَينا على شِقّها النار، فاطَّبخْنا واشتوينا وأكلنا حتى شبعنا، قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عد خمسة في حِجَاج عينها، ما يرانا أحد، حتى خرجنا فأخذنا ضِلَعا من أضلاعه فقوَّسناه، ثم دعونا بأعظم رجل في الرّكب، وأعظم جمل في الركب، وأعظم كِفْل في الركب، فدخل تحته ما يُطَأْطئُ رأسه. صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٣٠٠٦ - ٣٠١٤) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، فذكره. والحديث قد جاء ذكر بعض أجزائه في صحيح البخاري، لكن لم يأت بهذا السياق الطويل. ولذا أفردتُه. شرح الكلمات الغريبة: - قوله: "معه ضمامة من صحف": أي رزمة يضم بعضها إلى بعض. - قوله: "بردة": وهي شملة مخططة. - قوله: "معافري": نوع من الثياب يعمل بقرية تسمى معافر. - قوله: "سفعة من غضب": علامة وتغير. - قوله: "جفر": هو الذي قارب البلوغ. - قوله: "مناط قلبه": هو عرق معلق بالقلب. - قوله: "حلة": هي إزار ورداء. - قوله: "عرجون": هو الغصن. - قوله: "ابن طاب": نوع من التمر. - قوله: "عبيرا": قال أبو عبيد: هو الزعفران وحده. وقال الأصمعي: هو أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران. - قوله: "بخلوق": هو طيب من أنواع مختلفة يجمع بالزعفران وهو العبير كما قال الأصمعي. - قوله: "بطن بواط": هو جبل من جبال جهينة. - قوله: "الناضح": أي البعير الذي يستقى عليه. - قوله: "شأ لعنك اللَّه": هي كلمة زجر للبعير يقال: شأشأت البعير - إذا زجرته وقلت له: شأ. - قوله: "فيمدر الحوض": أي يطينه ويصلحه. - قوله: "حتى أفهقناه": أي ملأناه. - قوله: "فأشرع ناقته": أرسل رأسها في الماء لتشرب.

стр. 8253

- قوله: "شنق لها": يقال: شنقها وأشنقها أي كففها بزمامها وأنت راكبها. - قوله: "فَشَجتْ": يقال: فشَج البعير إذا فرج بين رجليه للبول. - قوله: "ذباذب": واحدها ذِبذِب، سميت بذلك لأنها تتذبذب على صاحبها إذا مشى -أي أنها تتحرك وتضطرب-. - قوله: "فنكستها": أي قلبته، ومنه قيل: ولد منكوس، إذا خرج رجلاه قبل رأسه. - قوله: "تواقصت عليها": أي أمسكت عليها بعنقي وحنيته عليها لئلا تسقط. - قوله: "فاشدده على حقوك": هو معقد الإزار، المراد هنا: أن يبلغ السرة. - قوله: "وكنا نختبط بقسيّنا": معنى نختبط نضرب الشجر ليتحات ورقه فنأكله. والقسي جمع قوس. - قوله: "حتى قرحت أشداقنا": أي تجرحت من خشونة الورق وحرراته. - وقوله: "ننعشه": أي نرفعه ونُقيمه من شدة الضعف والجهد. - قوله: "واديا أفيح": أي واسعا. - قوله: "كالبعير المخشوش": هو الذي يجعل في أنفه خشاش. وهو عود يجعل فى أنف البعير إذا كان صعبا، ويشد فيه حبل ليذل وينقاد. - قوله: "بالمنصف": هو نصف المسافة. - قوله: "فخرجت أحضر": أي أعدو وأسعى سعيا شديدا. - قوله: "فحانت مني لفتة": اللفتة النظرة إلى جنب. - قوله: "وحسرته": أي أحددته. - قوله: "فانذلق": أي صار حادا. - قوله: "أن يُرفّه عنهما": أي يخفف. - قوله: "في أشجاب له": الأشجاب جمع شجْب وهو السقاء الذي قد أخلق وبلى وصار شنّا. - قوله: "حمارة": هي أعواد تعلق عليها أسقية الماء. - قوله: "عزلاء": هي فم القربة. - قوله: "لشربه يابسه": معناه أنه قليل جدًّا. - قوله: "ويغمزه بيديه": أي يعصره. - قوله: "سِيف البحر": أي ساحله. - قوله: "فزخر البحر": أي علا موجه. - قوله: "فأورينا": أي أوقدنا.

стр. 8254

- قوله: "حجاج عينها": هو عظمها المستدير بها. - قوله: "وأعظم كفل": المراد بالكفل هنا الكساء الذي يُحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط، فيحفظ الكفل الراكب. ١٦ - باب فضل الضعفاء والمساكين • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللَّه لأبرّه". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٢٢) عن سويد بن سعيد، حدثني حفص بن ميسرة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أنس بن مالك أن نبي اللَّه ﷺ قال: "رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على اللَّه لأبرّه". حسن: رواه عبد بن حميد (١٢٣٦ - المنتخب)، والبزار (٦٤٥٩)، والطبراني في الأوسط (٥٠٥٤ - مجمع البحرين) كلهم من طريق أسامة بن زيد، عن حفص بن عبجد اللَّه بن أنس، عن جده أنس، فذكره. وإسناده حسن من أجل أسامة بن زيد فإنه حسن الحديث. ورواه الترمذيّ (٣٨٥٤) من طريق آخر عن أنس به، وزاد في آخره: "ومنهم البراء بن مالك"، وقال: "هذا حديث حسن". وفي الباب عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن من أمّتي مَن لو جاء أحدكم فسأله دينارًا لم يعطه، ولو سأله درهمًا لم يعطه، ولو سأله فلسًا لم يعطه، ولو سأل اللَّه الجنة لأعطاه إياها، ذو طِمرَين لا يُؤْبه له، لو أقسم على اللَّه لأبرّه". رواه الطبراني في الأوسط (٥٠٤٨) عن محمد بن إبراهيم العسّال، حدّثنا سهل بن عثمان، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، فذكره. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٤): "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح". قلت: وهو كما قال إلا أن إسناده منقطع؛ فإن سالم بن أبي الجعد لم يدرك ثوبان ولم يسمع منه. قاله أحمد وأبو حاتم والبخاري. انظر: تحفة التحصيل (ص ١٢٠). ومع ذلك صحّحه المنذري في الترغيب (٤٨١٧) وتبعه العراقي. • عن سهل بن سعد الساعدي قال: مرّ رجل على رسول اللَّه ﷺ فقال لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا؟ " فقال: رجل من أشراف الناس، هذا واللَّه حريّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يُشفَّع، قال فسكت رسول اللَّه ﷺ ، ثم مرّ رجل، فقال

стр. 8255

له رسول اللَّه ﷺ : "ما رأيك في هذا؟ " فقال: يا رسول اللَّه، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خَطبَ أن لا يُنكح، وإن شفع أن لا يُشفّع، وإن قال أن لا يُسمَع لقوله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٧) عن إسماعيل، حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد الساعدي قال: فذكره. • عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا ذرّ، ارفع بَصرك فانظر أرفَعَ رجل تراه في المسجد" قال: فنظرت، فإذا رجل جالس عليه حلّة، قال: فقلت: هذا. قال: فقال: "يا أبا ذر، ارفع بصَرَك فانظر أوْضَع رجل تراه في المسجد" قال: فنظرت، فإذا رجل ضعيف عليه أخلاق، قال: فقلت: هذا. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده، لهذا أفضل عند اللَّه يوم القيامة من قراب الأرض مثل هذا". صحيح: رواه أحمد (٢١٤٩٣) -واللفظ له- وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٥٧)، وهنّاد بن السري في الزهد (٨١٥) كلهم من طريق أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، فذكره. وإسناده صحيح. • عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخياركم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "الذين إذا رُؤوا، ذُكر اللَّه تعالى" ثم قال: "ألا أخبركم بشِراركم؟ المشّاؤودن بالنميمة، المفسدودن بين الأحبة، الباغودن للبُرآء العَنَت". حسن: رواه أحمد (٢٧٥٩٩) -واللفظ له- وابن ماجه (٤١١٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٢٣) كلهم من طرق عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، فذكرته. وإسناده حسن من أجل شهر بن حوشب فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه. وعبد اللَّه بن عثمان بن خثيم أيضًا حسن الحديث. واختلف على شهر بن حوشب من وجوه والذي ذكرته هو أصحُّها. • عن ابن اعباس قال: قال رجل: يا رسول اللَّه، من أولياء اللَّه؟ قال: "الذين إذا رُؤوا، ذُكر اللَّه". حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٣٦٢٦)، والطبراني في الكبير (١٢٣٢٥)، وابن صاعد في زياداته على الزهد لابن المبارك (٢١٨) كلهم من طرق عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل جعفر بن أبي المغيرة فإنه حسن الحديث.

стр. 8256

وروي هذا الحديث عن سعيد بن جبير مرسلا والحكم للموصول. وفي معناه أحاديث أخرى ضعيفة. ١٧ - باب التزود في الدنيا بالأعمال الصالحة لتنفع في الآخرة قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] • عن جرير بن عبد اللَّه البجلي عن النبي ﷺ قال: "من يتزوّد في الدنيا ينفَعْه في الآخرة". حسن: رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦) عن عبدان بن أحمد (هو عبد اللَّه بن أحمد بن موسى، وعبدان لقبه)، حدّثنا هشام بن عمّار، حدّثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس (هو ابن أبي حازم)، عن جرير قال: فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل هشام بن عمّار بن نُصير السلمي فإنه حسن الحديث. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣١١): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". قوله: "من يتزوّد في الدنيا": يعني من الأعمال الصالحة. وفي معناه ما روي عن شداد بن أوس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الكيّسُ من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على اللَّه". رواه الترمذيّ (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، وأحمد (١٧١٢٣)، والحاكم (١/ ٥٧) كلهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم الغسّاني، عن ضمرة بن حبيب، عن شدّاد بن أوس، فذكره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري". وتعقبه الذهبي فقال: "لا، واللَّه أبو بكر واهٍ". قلت: وهو كما قال، فإن أبا بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم الغساني ضعيف باتفاق أهل العلم؛ لأنه طرقتْه لصوصٌ فأخذوا متاعه فاختلط كما قال أبو حاتم، فلعل هذا القول لأحد الصالحين فنسبه خطأً إلى النبي ﷺ . وله طريق آخر عن شداد بن أوس عند الطبراني في الكبير (٧١٤١)، وفي إسناده عمرو بن بكر السكسكي متروك. قال الترمذيّ: "ومعنى قوله من دان نفسه يقول حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب يوم القيامة، ويروى عن عمر بن الخطاب قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخفُّ الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا. ويروى عن ميمون بن مهران قال: لا يكون العبد تقيا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه

стр. 8257

وملبسه" اهـ. ١٨ - باب فضل التوكل على اللَّه قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] • عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو أنكم توكّلون على اللَّه حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤)، وأحمد (٢٠٥)، وصحّحه ابن حبّان (٧٣٠)، والحاكم (٨/ ٣١٤) كلهم من طرقٍ عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني (هو: عبد اللَّه بن مالك بن أبي الأسحم)، عن عمر بن الخطاب، فذكره. وإسناده صحيح. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه". قوله: "خماصًا": أي ضامرة البطون من الجوع. وقوله: "بطانًا": أي ممتلئة البطون. • عن أنس بن مالك قال: كان أخوانِ على عهد النبي ﷺ ، فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ ، والآخر يحترف، فشكى المحترف أخاه إلى النبي ﷺ فقال: "لعلك ترزق به". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٤٥)، والبزار (٦٩٨٨)، وصحّحه الحاكم (١/ ٩٣) كلهم من طريق أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". • عن عمرو بن أمية الضمري قال: قال رجل للنبي ﷺ : أُرسِل ناقتي وأتوكَّل؟ قال: "اعقلها وتوكَّل". حسن: رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٧٠)، وصحّحه ابن حبّان (٧٣١)، والحاكم (٣/ ٦٢٣) كلهم من طرق عن حاتم بن إسماعيل، حدّثنا يعقوب بن عمرو بن عبد اللَّه بن أمية الضمري، عن جعفر بن أمية، عن أبيه عمرو بن أمية الضمري قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل يعقوب بن عمرو بن عبد اللَّه، ذكره ابن حبّان فى الثقات وروى عنه اثنان، وقال عنه ابن حبّان: "مشهور مأمون". وقد جوّد إسناده الذهبي في تلخيص المستدرك. وفي الباب ما روي عن أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول اللَّه أعقلها وأتوكّل، أو أُطلقها وأتوكّل؟ قال: "اعقلها وتوكّل".

стр. 8258

رواه الترمذيّ (٢٥١٧) عن عمرو بن علي، حدّثنا يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا المغيرة بن أبي قرّة السدوسي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: فذكره. قال عمرو بن علي: قال يحيى: "وهذا عندي حديث منكر". قال الترمذيّ: "وهذا حديث غريب من حديث أنس لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وهو كما قال، فإن المغيرة بن أبي قرة السدوسي مستور كما قال الحافظ. والمراد من قول يحيى القطان: "حديث منكر". يعني تفرّد به المستور. • عن أمّ سلمة أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: "بسم اللَّه توكّلت على اللَّه، اللهم إنا نعوذ بك من أن نزِلّ أو نضِلّ أو نَظلِم أو نُظلَم أو نَجهل أو يُجهل علينا". صحيح: رواه أبو داود (٥٠٩٤)، والترمذي (٣٤٢٧)، والنسائي (٥٤٨٦)، وابن ماجه (٣٨٨٤)، وأحمد (٢٦٦١٦، ٢٦٧٠٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٧٧)، والحاكم (١/ ٥١٩) كلهم من طرق عن منصور، عن الشعبي، عن أمّ سلمة، فذكرته. والسياق للترمذي. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وربما توهّم متوهّم أن الشعبي لم يسمع من أمّ سلمة وليس كذلك، فإنه دخل على عائشة وأم سلمة جميعا، ثم أكثر الرواية عنهما جميعا". اهـ والكلام عليه مبسوط في الأذكار. معنى التوكّل: ليس التوكل القعود عن الكسب، بل التوكل: هو السعي والجهد في طلب الرزق من الطرق المشروعة ثم التفويض إلى اللَّه ما قدّره له. روي عن عمر بن الخطاب أنه لقي أناسًا من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكّلون. قال: بل أنتم المتّكلون، إنما المتوكل الذي يُلقي حبّه في الأرض، ويتوكل على اللَّه . رواه ابن أبي الدنيا في التوكل (١٠) بإسناده عن معاوية بن قرة أن عمر بن الخطاب لقي ناسًا، فذكره. ومعاوية بن قرة لم يدرك عمر بن الخطاب لأنه ولد سنة ٣٧ هـ. وقال عبد اللَّه بن مسعود: إن أشد آية في القرآن تفويضًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وفي رواية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. ذكره ابن أبي الدنيا في التوكل (٥٠)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١) وغيرهما. قال بعض الحكماء: التوكل على ثلاث درجات: - أولها: ترك الشكاية. والثانية: الرضى. والثالثة: المحبة. فترك الشكاية درجة الصبر، والرضى

стр. 8259

سكون القلب بما قسم اللَّه له، وهي أرفع من الأولى، والمحبة أن يكون حبه كما يصنع اللَّه به. فالأولى: للزاهدين. والثانية: للصادقين. والثالثة: للمرسلين. ذكره ابن أبي الدنيا في التوكل (٤٦). ١٩ - باب من طال عمره وحسن عمله • عن عبد اللَّه بن بُسر قال: أتى النبي ﷺ أعرابيان، فقال أحدهما: من خير الرجال يا محمد؟ قال النبي ﷺ : "من طال عُمُره وحَسُن عمله" وقال الآخر: إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فبابٌ نتمسّك به جامع؟ قال: "لا يزال لسانك رَطْبا من ذكر اللَّه". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٢٩، ٣٣٧٥)، وأحمد (١٧٦٨٠، ١٧٦٩٨) -والسياق له- كلاهما من طرق عن عمرو بن قيس الكندي، عن عبد اللَّه بن بسر، فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أنبّئكمَ بخيركم؟ " قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال: "خياركم أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أعمالًا". حسن: رواه أحمد (٧٢١٢)، والبزار - كشف الأستار (١٩٧١)، وصحّحه ابن حبان (٢٩٨١) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التميمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرّح. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أخبركم بخياركم؟ خياركم أطولكم أعمارًا، وأحسنكم أعمالًا". صحيح: رواه عبد بن حميد (١٠٨٦)، والبزار - كشف الأستار (٣٥٨٥)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٣٤٦)، وصحّحه الحاكم (١/ ٣٣٩٩) كلهم من طرف عن محمد بن المنكدر، عن جابر، فذكره. وإسناده صحيح. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". ورواه عبد العزيز بن الماجشون عن ابن المنكدر مرسلا، إلا أن هذا الإرسال لا يضر، لأن الذين رفعوه جماعة وفيهم زيد بن أسلم عند الحاكم وهو من الثقات. وقد سئل الدارقطني فذكر الخلاف على ابن المنكدر، وسكت. انظر: علل الدارقطني (٣٢٠٢). • عن أبي بكرة أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله" قال: فأي الناس شرّ؟ قال: "من طال عمره وساء عمله".

стр. 8260

حسن: رواه أحمد (٢٠٤٤٤)، والحاكم (١/ ٣٣٩)، كلاهما من طريق حماد بن سلمة، عن حميد ويونس، عن الحسن، عن أبي بكرة، فذكره. وقرن الحاكم مع حميد ويونس ثابتا. والحسن هو: ابن أبي الحسن البصري مدلس إلا أن سماعه من أبي بكرة ثابت، كما في حديث: "إن ابني هذا سيّد. . . " رواه البخاريّ في الفتن (٧١٠٩)، ولذا أخرج البخاري عدة أحاديث عن الحسن عن أبي بكرة بالعنعنة منها حديث الكسوف (١٠٤٠)، وحديث: "زادك اللَّه حرصًا ولا تعد" (٧٨٣). فلعل البخاري وقف على سماع منه في طرق أخرى وإلا فيبقى عنعنة الحسن محل نظر حتى يصرّح. والحديث المذكور وإن لم يصرح فيه الحسن البصري إلا أن له إسناذا آخر يقوّيه. رواه الترمذيّ (٢٣٣٠)، والطيالسي (٩٠٥)، وأحمد (٢٠٤١٥)، والدارمي (٢٧٨٤) كلهم من طرق عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه أبي بكرة، فذكره. وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف إلا أن كلًّا منهما يقوّي الآخر. وأما قول الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". فليس كما قال، إنما حسّنّاه بمجموع الإسنادين. ٢٠ - باب ما جاء في أعمار أمة محمد ﷺ - • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك". حسن: رواه الترمذيّ (٣٥٥٠)، وابن ماجه (٤٢٣٦)، وابن حبان (٢٩٨٠)، والحاكم (٢/ ٤٢٧) كلهم من حديث الحسن بن عرفة، حدثني عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو الليثي؛ فإنه حسن الحديث. وحسّنه أيضًا الحافظ في الفتح (١١/ ٢٤٠). قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه". وهو ما رواه الترمذيّ نفسه (٢٣٣١) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدّثنا محمد بن ربيعة، عن كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة". وقال: "هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة".

стр. 8261

قلت: بل هو غريب بهذا اللفظ الذي فيه الجزم، والصحيح هو باللفظ الأول. وأبو صالح هو: مولى ضباعة واسمه ميناء وثّقه ابن حبان، وقال العجلي: ثقة روى عنه الكوفيون، وليّنه الحافظ في التقريب. ٢١ - باب انقطاع العذر بعد ستين سنة • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أعذر اللَّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٩) عن عبد السلام بن مطهر، حدّثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. وفي رواية عند أحمد (٧٧١٣) من وجه آخر عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: "لقد أعذر اللَّه إلى عبد أحياه حتى بلغه ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر اللَّه إليه، لقد أعذر اللَّه إليه". ورواه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٢٥)، والحاكم (٢/ ٤٢٨) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد نحوه. وحماد بن زيد وهم فيه، وسلك الجادة، لأن أبا حازم من المكثرين في الرواية عن سهل بن سعد، لكن الجماعة رووه عن أبي حازم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وهو الصحيح، فإن الحديث حديث أبي هريرة. وقد نصّ الدارقطني أيضًا على وهم حماد بن زيد. العلل (١٤٥٦). ومعنى الحديث: أن العبد إذا بلغ ستين سنة ولم يتب عن المعصية فليس له عند اللَّه عذر على معصيته. ٢٢ - باب على المسلم أن ينظر في الدين إلى من فوقه، وفي الدنيا إلى من أسفل منه • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزْدروا نعمة اللَّه عليكم". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٩: ٢٩٦٣) من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. قوله: "انظروا إلى من أسفل منكم": أي في أمور الدنيا، وأما أمور الدين فلينظر إلى من هو فوقه. وقوله: "لا تزدروا": أي لا تحتقروا. • عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا نظر أحدُكم إلى من فُضل عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممّن فُضل عليه". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩٠)، ومسلم في الزهد (٨: ٢٩٦٣) كلاهما من طريق

стр. 8262

أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي ذر قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع: ومنها: أمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي. صحيح: رواه أحمد (٢١٤١٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٥٤)، وصحّحه ابن حبّان (٤٤٩)، والطبراني في الدعاء (١٦٤٨) كلهم من حديث محمد بن واسع، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ، فذكره في حديث طويل وهو مخرج في تفسير سورة المائدة آية (٥٤). وإسناده صحيح. وأما ما رُوي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خصلتان من كانتا فيه كتبه اللَّه شاكرًا صابرًا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه اللَّه شاكرًا ولا صابرًا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد اللَّه على ما فضّله به عليه كتبه اللَّه شاكرًا وصابرًا. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه، لم يكتبه اللَّه شاكرًا ولا صابرًا". فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٢٥١٢) من طريق عبد اللَّه بن المبارك -وهو في الزهد (١٨٠) - عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث غريب" أي ضعيف. وهو كما قال؛ فإن المثنى بن الصباح ضعيف. وفي الباب عن أنس، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبي سعيد الخدري وفي أسانيدها مقال. ٢٣ - باب التحذير من الاغترار بالعمل الصالح • عن ابن أبان قال: أتيت عثمان بن عفان بطهور، وهو جالس على المقاعد، فتوضّأ، فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت النبي ﷺ توضأ، وهو في هذا المجلس، فأحسن الوضوء، ثم قال: "من توضأ مثل هذا الوضوء ثم أتى المسجد، فركع ركعتين، ثم جلس، غفر له ما تقدم من ذنبه" قال: وقال النبي ﷺ : "لا تغتروا". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٣) عن سعد بن حفص، حدّثنا شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم القرشي قال: أخبرني معاذ بن عبد الرحمن أن ابن أبان أخبره، فذكره. ٢٤ - باب لن ينجو أحدٌ بعمله ولا يدخل الجنة • عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لن يُدخل أحدًا عملُه الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه بفضل ورحمة، فسدّدوا وقاربوا، ولا يتمنينّ أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد

стр. 8263

خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب". متفق عليه: رواه البخاريّ في المرضى (٥٦٧٣) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة قال: فذكره. ورواه مسلم في صفات المنافقين (٢٨١٦) من طريق ابن شهاب بإسناده، ومن أوجه كثيرة غير أنه لم يذكر فيه النهي عن تمني الموت. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لن يُنجي أحدًا منكم عملُه" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة، سدّدوا وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٣) عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره. وفي الباب ما رواه ابن حبان (٦٥٧، ٦٥٩) من طريق حسين بن علي الجعفي، عن فضيل بن عياض، عن هشام، عن محمد (هو ابن سيرين)، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يؤاخذني اللَّه، وابنَ مريم بما جَنَتْ هاتان -يعني الابهام والتي تليها- لعذّبنا، ثم لم يظلمنا شيئًا". ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٢) بهذا الإسناد وقال: "غريب من حديث الفضيل وهشام، تفرد به عنه الحسين بن علي الجعفي". وهو كما قال. • عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدًا عملُه" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمة، واعلموا أن أحمبّ العملِ إلى اللَّه أدومه وإن قلَّ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٧، ٦٤٦٤)، ومسلم في صفة القيامة (٢٨١٨) كلاهما من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة، فذكرته. والسياق لمسلم. ٢٥ - باب التحذير من محقرات الذنوب • عن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات. قال أبو عبد اللَّه (وهو البخاري): يعني بذلك المهلكات. صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩٢) عن أبي الوليد، حدّثنا مهدي، عن غيلان، عن أنس، فذكره.

стр. 8264

• عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه". صحيح: رواه أحمد (٢٢٨٠٨)، والرامهرمزي في الأمثال (٦٧)، والبيهقي في الشعب (٧٢٦٧) كلهم من طريق أنس بن عياض، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: فذكره. وإسناده صحيح. ٢٦ - باب اغتنام الصحة والفراغ قبل فوات الأوان • عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٢) عن المكي بن إبراهيم، أخبرنا عبد اللَّه بن سعيد (وهو ابن أبي هند)، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. ٢٧ - باب أن الإسلام يهدم ما كان قبله إلا من أساء • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٢: ١٢١) من طرق عن حيوة بن شريح، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال أناس لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه، أنُؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أُخذ بعمله في الجاهلية والإسلام". متفق عليه: رواه البخاريّ في استتابة المرتدّين والمعاندين وقتالهم (٦٩٢١)، ومسلم في الإيمان (١٨٩: ١٢٠) كلاهما من طريق منصور عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. التوفيق بين الحديثين: الحديث الأول يدل على الثبات على الإسلام، والحديث الثاني فيه إشارة إلى الارتداد أو الشرك، فإن من ارتدّ أو أشرك أخذ بما عمل في الجاهلية والإسلام من أعمال سوء. وقد ذكره البخاري في استتابة المرتدين. ٢٨ - باب الشكر على نعمة اللَّه قال اللَّه تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم: ٧] • عن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن ثلاثة في بني إسرائيل، أبرص وأقرع

стр. 8265

وأعمى، فأراد اللَّه أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص فقال: أيّ شيء أحب إليك؟ قال: لونٌ حسن وجلدٌ حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه قذَرُه، وأُعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: الإبل -أو قال: البقر- شك إسحاق، إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر - قال: فأُعطيَ ناقة عُشَراء، فقال: بارك اللَّه لك فيها. قال: فأتى الأقرَع فقال: أيّ شيء أحب إليك؟ قال: شعرٌ حسنٌ ويذهب عنّي هذا الذي قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، وأُعطيَ شعرًا حسنا، قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، فقال: بارك اللَّه لك فيها، قال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحب إليك؟ قال: أن يردّ اللَّه إلي بصري فأُبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللَّه إليه بصره، قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شماةً والدًا، فأُنتج هذان وولّد هذا، قال: فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين، قد انقطعت بيَ الحبال في سفري، فلا بلاغ ليَ اليوم إلا باللَّه ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرًا أتبلّغ عليه في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبْرص يقذرك الناس؟ فقيرًا فأعطاك اللَّه؟ فقال: إنما ورثت كابرًا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا، فصيّرك اللَّه إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ على هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك اللَّه إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بيَ الحبال في سفري، فلا بلاغ ليَ اليوم إلا باللَّه ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك، شًاة أتبلّغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فردّ اللَّه إليّ بصري، فخذ ما شئت، ودعْ ما شئت، فواللَّه لا أجهدُك اليوم شيئًا أخذته للَّه، فقال: أمسك مالَك، فإنما ابتُليتم، فقد رُضيَ عنك وسُخط على صاحبيك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٦٤)، ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٤) كلاهما من طريق همّام، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، فذكره. • عن عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: حدّثنا فلان رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه
следующие страницы →