Полный текст (8 687 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.
стр. 8261
قلت: بل هو غريب بهذا اللفظ الذي فيه الجزم، والصحيح هو باللفظ الأول.
وأبو صالح هو: مولى ضباعة واسمه ميناء وثّقه ابن حبان، وقال العجلي: ثقة روى عنه الكوفيون، وليّنه الحافظ في التقريب.
٢١ - باب انقطاع العذر بعد ستين سنة
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أعذر اللَّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٩) عن عبد السلام بن مطهر، حدّثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي رواية عند أحمد (٧٧١٣) من وجه آخر عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: "لقد أعذر اللَّه إلى عبد أحياه حتى بلغه ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر اللَّه إليه، لقد أعذر اللَّه إليه".
ورواه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٢٥)، والحاكم (٢/ ٤٢٨) كلاهما من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد نحوه.
وحماد بن زيد وهم فيه، وسلك الجادة، لأن أبا حازم من المكثرين في الرواية عن سهل بن سعد، لكن الجماعة رووه عن أبي حازم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وهو الصحيح، فإن الحديث حديث أبي هريرة.
وقد نصّ الدارقطني أيضًا على وهم حماد بن زيد. العلل (١٤٥٦).
ومعنى الحديث: أن العبد إذا بلغ ستين سنة ولم يتب عن المعصية فليس له عند اللَّه عذر على معصيته.
٢٢ - باب على المسلم أن ينظر في الدين إلى من فوقه، وفي الدنيا إلى من أسفل منه
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزْدروا نعمة اللَّه عليكم".
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٩: ٢٩٦٣) من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
قوله: "انظروا إلى من أسفل منكم": أي في أمور الدنيا، وأما أمور الدين فلينظر إلى من هو فوقه.
وقوله: "لا تزدروا": أي لا تحتقروا.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا نظر أحدُكم إلى من فُضل عليه في المال والخَلْق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممّن فُضل عليه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩٠)، ومسلم في الزهد (٨: ٢٩٦٣) كلاهما من طريق
стр. 8262
أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي ذر قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع: ومنها: أمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي.
صحيح: رواه أحمد (٢١٤١٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٥٤)، وصحّحه ابن حبّان (٤٤٩)، والطبراني في الدعاء (١٦٤٨) كلهم من حديث محمد بن واسع، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ، فذكره في حديث طويل وهو مخرج في تفسير سورة المائدة آية (٥٤). وإسناده صحيح.
وأما ما رُوي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خصلتان من كانتا فيه كتبه اللَّه شاكرًا صابرًا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه اللَّه شاكرًا ولا صابرًا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد اللَّه على ما فضّله به عليه كتبه اللَّه شاكرًا وصابرًا. ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه، لم يكتبه اللَّه شاكرًا ولا صابرًا". فهو ضعيف.
رواه الترمذيّ (٢٥١٢) من طريق عبد اللَّه بن المبارك -وهو في الزهد (١٨٠) - عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فذكره.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث غريب" أي ضعيف.
وهو كما قال؛ فإن المثنى بن الصباح ضعيف.
وفي الباب عن أنس، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبي سعيد الخدري وفي أسانيدها مقال.
٢٣ - باب التحذير من الاغترار بالعمل الصالح
• عن ابن أبان قال: أتيت عثمان بن عفان بطهور، وهو جالس على المقاعد، فتوضّأ، فأحسن الوضوء، ثم قال: رأيت النبي ﷺ توضأ، وهو في هذا المجلس، فأحسن الوضوء، ثم قال: "من توضأ مثل هذا الوضوء ثم أتى المسجد، فركع ركعتين، ثم جلس، غفر له ما تقدم من ذنبه" قال: وقال النبي ﷺ : "لا تغتروا".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٣) عن سعد بن حفص، حدّثنا شيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم القرشي قال: أخبرني معاذ بن عبد الرحمن أن ابن أبان أخبره، فذكره.
٢٤ - باب لن ينجو أحدٌ بعمله ولا يدخل الجنة
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لن يُدخل أحدًا عملُه الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه بفضل ورحمة، فسدّدوا وقاربوا، ولا يتمنينّ أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد
стр. 8263
خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المرضى (٥٦٧٣) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة قال: فذكره.
ورواه مسلم في صفات المنافقين (٢٨١٦) من طريق ابن شهاب بإسناده، ومن أوجه كثيرة غير أنه لم يذكر فيه النهي عن تمني الموت.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لن يُنجي أحدًا منكم عملُه" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة، سدّدوا وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٣) عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي الباب ما رواه ابن حبان (٦٥٧، ٦٥٩) من طريق حسين بن علي الجعفي، عن فضيل بن عياض، عن هشام، عن محمد (هو ابن سيرين)، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو يؤاخذني اللَّه، وابنَ مريم بما جَنَتْ هاتان -يعني الابهام والتي تليها- لعذّبنا، ثم لم يظلمنا شيئًا".
ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٢) بهذا الإسناد وقال: "غريب من حديث الفضيل وهشام، تفرد به عنه الحسين بن علي الجعفي". وهو كما قال.
• عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يُدخل الجنة أحدًا عملُه" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمة، واعلموا أن أحمبّ العملِ إلى اللَّه أدومه وإن قلَّ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٧، ٦٤٦٤)، ومسلم في صفة القيامة (٢٨١٨) كلاهما من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة، فذكرته. والسياق لمسلم.
٢٥ - باب التحذير من محقرات الذنوب
• عن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات.
قال أبو عبد اللَّه (وهو البخاري): يعني بذلك المهلكات.
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩٢) عن أبي الوليد، حدّثنا مهدي، عن غيلان، عن أنس، فذكره.
стр. 8264
• عن سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إياكم ومحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه".
صحيح: رواه أحمد (٢٢٨٠٨)، والرامهرمزي في الأمثال (٦٧)، والبيهقي في الشعب (٧٢٦٧) كلهم من طريق أنس بن عياض، حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: فذكره. وإسناده صحيح.
٢٦ - باب اغتنام الصحة والفراغ قبل فوات الأوان
• عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٢) عن المكي بن إبراهيم، أخبرنا عبد اللَّه بن سعيد (وهو ابن أبي هند)، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره.
٢٧ - باب أن الإسلام يهدم ما كان قبله إلا من أساء
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٢: ١٢١) من طرق عن حيوة بن شريح، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال أناس لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه، أنُؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أُخذ بعمله في الجاهلية والإسلام".
متفق عليه: رواه البخاريّ في استتابة المرتدّين والمعاندين وقتالهم (٦٩٢١)، ومسلم في الإيمان (١٨٩: ١٢٠) كلاهما من طريق منصور عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
التوفيق بين الحديثين: الحديث الأول يدل على الثبات على الإسلام، والحديث الثاني فيه إشارة إلى الارتداد أو الشرك، فإن من ارتدّ أو أشرك أخذ بما عمل في الجاهلية والإسلام من أعمال سوء. وقد ذكره البخاري في استتابة المرتدين.
٢٨ - باب الشكر على نعمة اللَّه
قال اللَّه تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [سورة إبراهيم: ٧]
• عن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن ثلاثة في بني إسرائيل، أبرص وأقرع
стр. 8265
وأعمى، فأراد اللَّه أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص فقال: أيّ شيء أحب إليك؟ قال: لونٌ حسن وجلدٌ حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه قذَرُه، وأُعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: الإبل -أو قال: البقر- شك إسحاق، إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر - قال: فأُعطيَ ناقة عُشَراء، فقال: بارك اللَّه لك فيها. قال: فأتى الأقرَع فقال: أيّ شيء أحب إليك؟ قال: شعرٌ حسنٌ ويذهب عنّي هذا الذي قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، وأُعطيَ شعرًا حسنا، قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، فقال: بارك اللَّه لك فيها، قال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحب إليك؟ قال: أن يردّ اللَّه إلي بصري فأُبصر به الناس، قال: فمسحه فردّ اللَّه إليه بصره، قال: فأيّ المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شماةً والدًا، فأُنتج هذان وولّد هذا، قال: فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم.
قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكين، قد انقطعت بيَ الحبال في سفري، فلا بلاغ ليَ اليوم إلا باللَّه ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرًا أتبلّغ عليه في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبْرص يقذرك الناس؟ فقيرًا فأعطاك اللَّه؟ فقال: إنما ورثت كابرًا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا، فصيّرك اللَّه إلى ما كنت.
قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ على هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيّرك اللَّه إلى ما كنت.
قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بيَ الحبال في سفري، فلا بلاغ ليَ اليوم إلا باللَّه ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك، شًاة أتبلّغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فردّ اللَّه إليّ بصري، فخذ ما شئت، ودعْ ما شئت، فواللَّه لا أجهدُك اليوم شيئًا أخذته للَّه، فقال: أمسك مالَك، فإنما ابتُليتم، فقد رُضيَ عنك وسُخط على صاحبيك".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٦٤)، ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٤) كلاهما من طريق همّام، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: حدّثنا فلان رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه
стр. 8266
سمع النبي ﷺ يقول: فذكر حديثًا، قال: وقال رسول اللَّه ﷺ : "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة العصر وصلاة الصبح، فتصعد ملائكة النهار في صلاة العصر، وتبقى فيكم ملائكة الليل، وتصعد ملائكة الليل في صلاة الصبح، وتبقى فيكم ملائكة النهار، ويقولون: أتيناهم وهم يصلّون، وتركنا هم وهم يصلون، وتركنا فيهم رجلًا لم يصبه خير قط، ولا بلاء قط، إلا علم أنه منك، فيقول: ابتلوا عبدي، أو زيدوا عبدي" قال سفيان: لا أدري بأيتهما بدأ، قال: "فيبتلونه، ثم يقول: ابتلوه فيُبتلى، ثم يقول: ابتلوه وهو أعلم، فيقولون: انتهى البلاء أي رب، فيقول: زيدوه، فيزاد، ثم يقول: زيدوه، فيزاد، ثم يقول: زيدوه، فيزاد، ثم يقول: زيدوه وهو أعلم، فيقولون: انتهى المزيد أي رب، فيقول: كيف تركتم عبدي في البلاء، وكيف رأيتموه في الرخاء؟ فيقولون: أي رب، أصبر عبد وأشكره، فيقول: اكتبوا عبدي ممن لا يبدّل ولا يغيّر، حتى يلقاني".
صحيح: رواه ابن أبي عمر العدني في مسنده كما في المطالب العالية (٣١٤٠) عن سفيان (هو ابن عيينة)، عن عطاء بن السائب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: فذكره.
وعطاء بن السائب ثقة إلا أنه اختلط، لكن رواية سفيان بن عيينة عنه قبل اختلاطه.
٢٩ - باب فيمن صبر على العيش الشديد
• عن أبي هريرة قال: بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء فجاء الرجل من سفره، فدخل على امرأته جائعا، قد أصابته مَسْغبة شديدة، فقال لامرأته: أعندكِ شيء؟ قالت: نعم، أبشر أتاك رزدتى اللَّه، فاستحثَّها، فقال: ويحكِ ابتغي إن كان عندك شيء، قالت: نعم، هُنَية، نرجو رحمة اللَّه حتى إذا طال عليه الطُّولُ، قال: ويحك، قومي فابتغي إن كان عندك خبز، فَأْتيني به، فإني قد بُلِغتُ وَجَهِدْتُ، فقالت: نعم، الآن يَنْضَج التَّنُّور فلا تعجل، فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أيضًا أن يقول لها، قالت هي من عند نفسها: لو قمتُ فنظرتُ إلى تنوري، فقامت فوجدت تنورها ملآن جنوب الغنم، ورَحْيَيْها تَطْحنان، فقامت إلى الرحى، فنفضتها وأخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم.
قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم ليده عن قول محمد ﷺ : "لو أخذت ما في رَحْيَيْها ولم تَنْفُضْها لطحنتها إلى يوم القيامة".
حسن: رواه أحمد (٩٤٦٤) عن هاشم بن القاسم قال: حدّثنا عبد الحميد يعني ابن بهرام،
стр. 8267
قال: حدّثنا شهر بن حوشب قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل شهر بن حوشب فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه، بل وقد توبع في هذا الحديث.
رواه أحمد (١٠٦٥٨) عن أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن هشام، عن محمد (هو ابن سيرين)، عن أبي هريرة، قال: فذكر الحديث بنحوه مختصرًا.
وإسناده حسن أيضًا من أجل أبي بكر هو ابن عياش الكوفي فإنه حسن الحديث.
٣٠ - باب أن أمر المؤمن كله خير
• عن صهيب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٩) من طرق عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، فذكره.
• * *
стр. 8268
جموع ما جاء في عيش النبي ﷺ وأصحابه
١ - باب أن لا عيش إلا عيش الآخرة
• عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قال:
"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فأصلح الأنصار والمهاجرة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٣)، ومسلم في الجهاد والسير (١٨٠٥) كلاهما من طريق محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، فذكره.
• عن سهل بن سعد الساعدي قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ ، وهو يحفر، ونحن ننقل التراب، ويمر بنا، فقال:
"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٤)، ومسلم في الجهاد والسير (١٨٠٤) كلاهما من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
٢ - باب كيف كان عيش النبي ﷺ -
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا". وفي رواية: "كفافا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٤٨٣٦)، ومسلم في الزهد والرقائق (١٠٥٥: ١٨ - ٢٠) كلاهما من طرق عن عمارة بن القعقعاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. والرواية الثانية لمسلم.
• عن أبي هريرة قال: والذي نفسي بيده ما شبع نبي اللَّه ﷺ وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأطعمة (٥٣٧٤)، ومسلم في الزهد والرقاق (٢٩٧٦) كلاهما من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره، واللفظ لمسلم.
• عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام برّ ثلاث ليال تباعًا حتى قبض.
стр. 8269
وفي رواية عنها قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول اللَّه ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٥٤)، ومسلم في الزهد والرقاق (٢٠: ٢٩٧٠) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، فذكرته. ورواه مسلم (٢٢: ٢٩٧٠) من طريق عبد الرحمن بن يزيد، صت الأسود، عن عائشة باللفظ الثاني.
• عن عائشة قالت: ما شبعَ آلُ محمد ﷺ من خبزِ بُرٍّ فوقَ ثلاثٍ.
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٣: ٢٩٧٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة قالت: ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر.
وفي رواية عنها قالت: ما شبع آل محمد ﷺ يومين من خبز برّ إلا وأحدهما تمر.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٥٥)، من طريق إسحاق الأزرق، عن مسعر بن كدام، عن هلال (هو ابن حميد)، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. باللفظ الأول.
ورواه مسلم في الزهد (٢٩٧١) من طريق وكيع عن مسعر به باللفظ الثاني.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لقد مات رسول اللَّه ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين.
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقاق (٢٩٧٤) من طرق عن عبد اللَّه بن وهب، أخبرني أبو صخر، عن يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة قالت: توفّي رسول اللَّه ﷺ وقد شبعنا من الأسودين: التمر والماء. وفي رواية: وما شبعنا من الأسودين.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأطعمة (٥٤٤٢)، فقال: قال محمد بن يوسف، عن سفيان، عن منصور بن صفية، حدثتني أمي، عن عائشة، فذكرته.
ورواه مسلم في الزهد والرقائق (٣١: ٢٩٧٥) من طريق عبد الرحمن (وهو ابن مهدي)، عن سفيان به، مثله.
ورواه مسلم (٣١: ٢٩٧٥) من طريق الأشجعي وأبي أحمد كلاهما عن سفيان بهذا الإسناد غير أن في حديثهما عن سفيان: وما شبعنا من الأسودين.
• عن عائشة قالت: توفّي رسول اللَّه ﷺ حين شبع الناس من الأسودين: التمر والماء.
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٣٠: ٢٩٧٥) من طرق عن داود بن عبد الرحمن العطار، حدثني منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن أمه صفية، عن عائشة، فذكرته.
стр. 8270
• عن عائشة قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا، إنما هو التمر والماء إلا أن نؤتى باللُحيم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٥٨) واللفظ له، ومسلم في الزهد (٢٩٢٧) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة أنها كانت تقول: واللَّه يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول اللَّه ﷺ نارٌ، قال: قلت: يا خالة، فما كان يُعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول اللَّه ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول اللَّه ﷺ من ألبانها، فيسقيناه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٥٩)، ومسلم في الزهد والرقائق (٢٨: ٢٩٧٢) كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. واللفظ لمسلم.
• عن عائشة قالت: توفي رسول اللَّه ﷺ وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير، في رفّ لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكِلتُه ففني.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣٠٩٧)، ومسلم في الزهد (٢٩٧٣) كلاهما من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة قالت: إنما كان فراش رسول اللَّه ﷺ الذي ينام عليها أدما، حشوه ليف.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقائق (٦٤٥٦)، ومسلم في اللباس (٣٨: ٢٠٨٢) كلاهما من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة قالت: كان وسادة رسول اللَّه ﷺ التي يتكئ عليها من أدم حشوها ليف.
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٣٧: ٢٠٨٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة أنها قالت: يا ابن أختي، كان شعر رسول اللَّه ﷺ فوق الوفْرة ودون الجُمّة، وايم اللَّه يا ابن أختي، إن كان ليمُرّ على آل محمد ﷺ الشهر ما يوقد في بيت رسول اللَّه ﷺ من نار إلا أن يكون اللحيم، وما هو إلا الأسودان. الماء والتمر، إلا أن حولنا أهل دور من الأنصار -جزاهم اللَّه خيرًا في الحديث والقديم- فكل يوم يبعثون إلى رسول اللَّه ﷺ بغزيرة شاتهم -يعني: فينال رسول اللَّه ﷺ من ذلك اللبن-
стр. 8271
ولقد توفّي رسول اللَّه ﷺ وما في رفّي من طعام يأكله ذو كبد إلا قريب من شطْر شعير، فأكلت منه حتى طال علي لا يفنى، فكِلته ففَني، فليتني لم أكن كِلته، وايم اللَّه لئن كان ضِجاعه من أدم حشوه ليف.
حسن: رواه أحمد (٢٤٧٦٨) عن سُريج، حدّثنا ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد فإنه حسن الحديث.
وأكثر فقرات الحديث في الصحيحين لكن لا يوجد بهذا السياق الطويل.
• عن عائشة قالت: لقد كان يأتي على آل محمد الشهر، ما يرى في بيتٍ من بيوته الدّخان، قلت: يا أمّهْ، وما كان طعامهم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، غير أنه كان له جيران صدْق من الأنصار، وكان لهم ربائب، فكانوا يبعثون إليه من ألبانها.
حسن: رواه ابن ماجه (٤١٤٥)، وأحمد (٢٥٤٩١) كلاهما من طريق يزيد بن هارون، حدّثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة فإنه حسن الحديث.
قوله: "وكان لهم ربائب": واحدها: ربيبة وهي الغنم التي تكون في البيت وليست بسائمة. وفي معناه ما روي عن أبي هريرة قال: كان يمرّ بآل الرسول ﷺ هلال، ثم هلال، لا يوقد في شيء من بيوتهم النار، لا لخبز، ولا لطبيخ، فقالوا: بأيّ شيء كانوا يعيشون با أبا هريرة؟ قال: الأسودان: التمر والماء، وكان لهم جيران من الأنصار، جزاهم اللَّه خيرًا، لهم منائح، يُرسلون إليهم شيئًا من لبن.
رواه أحمد (٩٢٤٩) عن خلف (هو ابن الوليد)، حدّثنا أبو معشر، عن سعيد (هو ابن أبي سعيد المقبري)، عن أبي هريرة قال: فذكره.
وأبو معشر هو: نجيح بن عبد الرحمن السندي ضعيف الحديث. والمعروف أن الحديث حديث عائشة فلعل الخطأ من أبي معشر فإنه أسن واختلط.
• عن عُليّ بن رباح قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: لقد أصبحتم وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول اللَّه ﷺ يَزهد فيه: أصبحتم ترغبون في الدنيا، وكان رسول اللَّه ﷺ يزهد فيها، واللَّه ما أتت على رسول اللَّه ﷺ ليلة من دهره إلا كان الذي عليه أكثر ممّا له، قال: فقال له بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ : قد رأينا رسول اللَّه ﷺ يستسلف.
صحيح: رواه أحمد (١٧٨١٧) عن يحيى بن إسحاق -هو السيلحيني-، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عُليّ بن رباح قال: فذكره. وإسناده صحيح.
стр. 8272
ورواه أحمد (١٧٧٧٣) عن عبد اللَّه بن يزيد قال: حدّثنا موسى (هو ابن عُليّ بن رباح) قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمرو بن العاص يخطب الناس بمصر يقول: ما أبْعَد هَدْيكم من هَدْي نبيّكم ﷺ ، أما هو فكان أزهد الناس في الدنيا، وأما أنتم فأرغب الناس فيها. وإسناده صحيح.
• عن عُليّ بن رباح قال: كنت عند عمرو بن العاص بالإسكَنْدريّة، فذكروا ما هم فيه من العيش، فقال رجل من الصحابة: لقد توفي رسول اللَّه ﷺ وما شبع أهله من الخبز الغَليث.
قال موسى: يعني الشعير والسُّلت إذا خلطا.
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٧٢) عن عبد اللَّه بن يزيد قال: حدّثنا موسى -هو ابن عُليّ بن رباح- قال: سمعت أبي يقول: فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أمّ سلمة قالت: أكثر ما علمت أُتيَ به نبيّ اللَّه من المال لخريطةٌ، فيها ثمان مئة درهم.
حسن: رواه أحمد (٢٦٥٧٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٩٩) كلاهما من طريق بكر بن مضر، حدّثنا موسى بن جبير، عن عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، عن أم سلمة، فذكرته.
وإسناده حسن من أجل موسى بن جبير الأنصاري، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في ثقاته وعرفه أبو سعيد بن يونس.
ورواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٤١٤ - ٤١٥) من طريق عمرو بن الحارث، عن موسى بن جبير به. وزاد فيه قصةً، إلا أن في بعض ألفاظها غرابة.
• عن النعمان بن بشير قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه.
زاد في رواية: وما ترضون دون ألوان التمر والزبد.
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٧٧) من طرق عن أبي الأحوص، عن سماك، عن النعمان بن بشير، فذكره.
ورواه من طريق زهير، عن سماك عنه نحوه، وزاد الزيادة المذكورة.
وقوله: "الدقل" التمر الرديء.
• عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان يخطب قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه.
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقاق (٢٩٧٨) من طرق عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سماك بن حرب، فذكره.
стр. 8273
• عن قتادة قال: كنا نأتي أنس بن مالك، وخبازه قائم وقال: كلوا فما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفا مرققا حتى لحق باللَّه، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط.
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٥٧) عن هدبة بن خالد، حدّثنا همام بن يحيى، حدّثنا قتادة، فذكره.
• عن أنس قال: لم يأكل النبي ﷺ على خوانٍ حتى مات، وما أكل خبزًا مرققا حتى مات.
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٥٠) عن أبي معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
• عن أنس، أن فاطمة جاءت بكسرة خبز إلى النبي ﷺ فقال: "ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ " قالت: قرص خبزتهن فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة، فقال: "أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام".
حسن: رواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٤٠٠)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٣٢) كلاهما من طريق هشام بن عبد الملك أبي الوليد الطيالسي، أخبرنا أبو هاشم صاحب الزعفران، أخبرنا محمد ابن عبد اللَّه أن أنس بن مالك حدثه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي هاشم -واسمه: عمار بن عمارة- ومحمد بن عبد اللَّه بن أبي سليم فإنهما حسنا الحديث.
ورواه أحمد (١٣٢٢٣) عن عبد الصمد (هو ابن عبد الوارث)، حدّثنا عمار أبو هاشم صاحب الزعفران، عن أنس بن مالك، فذكر نحوه.
وإسناده منقطع لأن عمار بن عمارة لم يسمع من أنس.
• عن أبي حازم قال: سألت سهل بن سعد فقلت: هل أكل رسول اللَّه ﷺ النقيَّ؟ فقال سهل: ما رأى رسول اللَّه ﷺ النقيّ من حين ابتعثه اللَّه حتى قبضه اللَّه. قال: فقلت: هل كانت لكم في عهد رسول اللَّه ﷺ مناخل؟ قال: ما رأى رسول اللَّه ﷺ منخلًا من حين ابتعثه اللَّه حتى قبضه. قال: قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطيرُ ما طار، وما بقي ثرّيناه فأكلناه.
صحيح: رواه البخاريّ في الأطعمة (٥٤١٣) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب، عن أبي حازم قال: فذكره.
قوله: "النقي" أي خبز الدقيق النظيف الأبيض.
وقوله: "مناخل" جمع منخل وهي أداة يغربل ويصفى فيها البر والشعير ونحوهما، والشيء
стр. 8274
المتبقي بعد التنقية والتصفية هو النُّخالة.
• عن أبي أمامة قال: ما كان يفضل عن أهل بيت النبي ﷺ خبز الشعير.
صحيح: رواه الترمذيّ في جامعه (٢٣٥٩)، وفي الشمائل (١٤٤)، وأحمد (٢٢٢٤٤) كلاهما من طريق حريز بن عثمان (هو الرحبي)، عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
• عن أنس قال: كان رسول اللَّه ﷺ لم يدّخر شيئًا لغدٍ.
حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٦٢)، وابن حبان (٦٣٥٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٣٩١) كلهم من طريق قتيبة بن سعيد، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل جعفر بن سليمان هو الضبعي فإنه حسن الحديث.
وأما الترمذيّ فقد أعله بالإرسال فقال: "هذا حديث غريب، وقد روي هذا الحديث عن جعفر ابن سليمان، عن ثابت، عن النبي ﷺ مرسلا" اهـ
قلت: وهذا الإرسال لا يضر لأن قتيبة بن سعيد الثقفي من الثقات الأثبات، وقد توبع على الوصل.
رواه أبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٨٢٤) من طريق قيس بن حفص، حدّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس مثله.
وقيس بن حفص هو التميمي الدارمي وهو أيضًا من الثقات، فهذا يقوّي جانب الوصل.
ولم أقف على الإسناد المرسل، ولم يذكره الترمذيّ أيضًا فالحكم للوصل.
ولا تعارض بين هذا الحديث وبين الحديث الذي رواه البخاري (٢٩٠٤)، ومسلم في الجهاد (١٧٥٧: ٤٨) وفيه: "أن أموال بني النضير كانت لرسول اللَّه ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل اللَّه".
لأن قول أنس كان قبل الفتوحات وكان للمسلمين حاجة إلى الأكل والشرب، فكان النبي ﷺ ينفق عليهم ما كان في يده، ولا يدّخر منه شيئًا، وأما بعد الفتوحات فاستغنى المسلمون ووسّع اللَّهُ عليهم من الدنيا فجعل النبي ﷺ يدّخر قوت أزواجه ما يكفيهم لمدة سنة.
• عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب قال: في حديث اعتزال النبي ﷺ نساءه -الطويل-: وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظا مضبورًا، وعند رأسه أهبًا معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنب رسول اللَّه ﷺ ، فبكيت فقال: "ما يبكيك؟ ". فقلت: يا رسول اللَّه، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما ترضى أن تكون
стр. 8275
لهما الدنيا ولك الآخرة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٩١٣) ومسلم في الطلاق (١٤٧٩: ٣١) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى، أخبرني عبيد بن حنين، أنه سمع عبد اللَّه بن عباس، يحدِّث، قال: فذكره، والسياق لمسلم. والحديث بطوله مذكور في تفسير سورة التحريم.
قوله: "من أدم" هو جلد مدبوغ جمع أديم.
وقوله: "مضبورًا" مجموعا.
وقوله: "أهبا معلقة" أهب جمع إهاب هو الجلد قبل الدباغ. وقيل: الجلد مطلقا.
• عن أنس بن مالك قال: دخلت على رسول اللَّه ﷺ ، وهو مضطجع على سرير مرمل بشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر فانحرف رسول اللَّه ﷺ انحرافة، فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا، وقد أثر الشريط بجنب النبي ﷺ ، فبكى عمر، فقال له النبي ﷺ : "ما يبكيك يا عمر؟ " قال: واللَّه ما أبكي إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على اللَّه من كسرى، وقيصر، وهما يعيثان في الدنيا فيما يعيثان فيه، وأنت يا رسول اللَّه، بالمكان الذي أرى. فقال النبي ﷺ : "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " قال عمر: بلى، قال: "فإنه كذاك"
حسن: رواه أحمد (١٢٤١٧)، وابن حبان (٦٣٦٢)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٦٣) كلهم من طريق مبارك بن فضالة، حدّثنا الحسن (هو البصري)، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل مبارك بن فضالة فإنه حسن الحديث إذا صرّحَ.
وتصريح مبارك بن فضالة والحسن جاء عند البخاري في الأدب المفرد.
• عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه ﷺ لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف.
صحيح: رواه الترمذيّ في الشمائل (١٣٩)، وأحمد (١٣٨٥٩)، وأبو يعلى (٣١٠٨)، وصحّحه ابن حبان (٦٣٥٩) كلهم من طريق عفان بن مسلم، حدّثنا أبان بن يزيد، حدّثنا قتادة، عن أنس قال: فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٥): "رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح".
قوله: "ضفف" بفتح الضاد والفاء: الضيق والشدة.
وقيل: اجتماع الناس أي مع الضيوف.
• عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ الجوعَ، ورفعنا عن بطوننا عن
стр. 8276
حجرٍ حجرٍ، فرفع رسول اللَّه ﷺ عن بطنه حجرين.
حسن: رواه الترمذيّ في الجامع (٢٣٧١)، وفي الشمائل (١٣٤)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ (٢٢٣) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن أبي زياد، قال: حدّثنا سيار بن حاتم، عن سهل بن أسلم، عن يزيد بن أبي منصور، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: فذكره.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وقال في الشمائل: "هذا حديث غريب من حديث أبي طلحة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
وهو كما قال، فإني لم أجدْ لحديث أبي طلحة إسنادًا آخر، وإسناده حسن من أجل سيار بن حاتم فإنه مختلف فيه غير أنه صدوق في نفسه، أُخِذَ عليه رواية بعض أحاديث الرقاق وقعتْ فيها مناكير، وأما الحديث المذكور فأصله ثابت من حديث جابر في صحيح البخاري (٤١٠١) وهو مخرج في غزوة الخندق.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أصبح في آل محمد إلا مدٌّ من طعام". أو "ما أصبح في آل محمد مدٌّ من طعام".
حسن: رواه ابن ماجه (٤١٤٨) عن محمد بن يحيى، حدّثنا أبو المغيرة (هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني)، حدّثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه، فذكره.
والمسعودي صدوق لكنه اختلط في آخر عمره، ولا يُعرف متى سمع أبو المغيرة منه، لكن المسعودي توبع.
رواه ابن الأعرابي في معجمه (٩٧٨)، والحاكم (١/ ٥٤٣)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ١٠٦) كلهم من طريق مسعر بن كدام، عن علي بن بذيمة به، نحوه.
وأبو عبيدة هو: ابن عبد اللَّه بن مسعود مشهور بكنيته، والراجح أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، لكنْ حديثه هذا له أصول صحيحة فيحمل على أنه سمع بعض أهل بيته، عن ابن مسعود.
• عن أنس قال: لقد سمدت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مما أمسى عند آل محمد ﷺ صاعُ برٍّ، ولا صاعُ حبّ"، وإنّ عنده لتسع نسوةٍ.
وفي لفظ: "ما أصبح لآل محمد ﷺ إلا صاع ولا أمسى" وإنهم لتسعة أبيات.
صحيح: رواه البخاريّ في البيوع (٢٠٦٩) من طرق عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس، فذكره.
واللفظ الثاني: رواه في الرهن (٢٥٠٨) من طريق هشام، حدّثنا قتادة، به.
وفي الباب ما روي عن أبي صالح قال: دعي النبي ﷺ إلى طعام فلما فرغ -وقال مرة-: فلما
стр. 8277
أكلَ، حَمِدَ اللَّهَ، ثم قال: "ما ملأتُ بطني بطعام سخن منذ كذا وكذا".
رواه أحمد في الزهد (٢٠) عن وكيع، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح (هو ذكوان السمان)، فذكره. وهذا مرسل.
ووصله ابن ماجه (٤١٥٠) عن سويد بن سعيد، حدّثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وسويد بن سعيد هو الحدثاني ضعيف، قال البخاري: "سويد بن سعيد فيه نظر، كان أعمى فيلقن ما ليس بحديثه". التاريخ الأوسط (٢/ ٢٦٢) ومع ذلك حسّن إسناده ابن حجر في الفتح (١١/ ٢٩٣)، ولعله حسّنه من أجل شواهده.
• عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه دينا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه، وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي ﷺ : "هلا مع صاحب الحق كنتم؟ " ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: "إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك"، فقالت: نعم، بأبي أنت يا رسول اللَّه، قال: فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال: أوفيت، أوفى اللَّه لك، فقال: "أولئك خيار الناس، إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع".
صحيح: رواه ابن ماجه (٢٤٢٦) واللفظ له، وابن أبي شيبة (٢٢٥٤٣) وعنه أبو يعلى (١٠٩١) من طريق محمد بن أبي عبيدة قال: حدثني أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: فذكره. وإسناده صحيح.
وقال المنذري في الترغيب (٢/ ٦١١): "رواه أبو يعلى ورواته رواة الصحيح".
ومحمد بن أبي عبيدة هو: محمد بن أبي عبيدة بن معن المسعودي، واسم أبي عبيدة: عبد الملك، وكلاهما ثقتان.
وقوله: "غير مُتعْتَعٍ" أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه أو يزعجه.
• عن أنس بن مالك أن أم سليم بعثتْه إلى رسول اللَّه ﷺ بقناع عليه رطب، فجعل يقبض قبضة فيبعث بها إلى بعض أزواجه، ثم يقبض القبضة فيبعث بها إلى بعض أزواجه، ثم جلس فأكل بقيته أكْلَ رجل يُعلم أنه يشتهيه.
صحيح: رواه أحمد (١٢٢٦٧)، وأبو يعلى (٢٨٩٦)، وابن حبان (٦٩٥) كلهم من طرق عن همام (هو ابن يحيى العوذي)، حدّثنا قتادة، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح.
стр. 8278
٣ - باب حرص النبي ﷺ على قسمة ما عنده من مال إلا شيئًا يرصده لدينه
• عن أبي ذر قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة فاستقبلنا أُحُدٌ فقال: "يا أبا ذر"، قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: "ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة، وعندي منه دينار، إلا شيئًا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد اللَّه هكذا وهكذا وهكذا" -عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- ثم مشى ثم قال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذأ وهكذا" -عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- "وقليلٌ ما هم"، ثم قال لي: "مكانك، لا تبرح حتى آتيك". ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى، فسمعت صوتا قد ارتفع، فتخوفت أن يكون أحدٌ عرض للنبي ﷺ فأردت أن آتيه، فذكرت قوله لي: لا تبرح حتى آتيك، فلم أبرح حتى أتاني، قلت: يا رسول اللَّه، لقد سمعت صوتا تخوفت، فذكرت له، فقال: "وهل سمعته؟ " قلت: نعم، قال: "ذاك جبريل أتاني، فقال: من مات من أمتك لا يضرك باللَّه شيئًا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٤)، ومسلم في الزكاة (٩٤: ٣٢) كلاهما من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرّني أن لا تمر علي ثلاث ليال، وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤٥)، ومسلم في الزكاة (٩٩١) كلاهما من طرق عن أبي هريرة، فذكره.
• عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "ما يسرني أن أحدًا لي ذهبا أنفقه في سبيل اللَّه أموت يوم أموت أترك منه دينارًا إلا دينارًا أعده لغريم إن كان" فمات رسول اللَّه ﷺ ، وما ترك دينارًا، ولا درهما، ولا عبدًا، ولا وليدًا، وترك درعه رهنا بثلاثين صاعا من شعير.
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٣٦٨٢) عن بشر بن معاذ العقدي، حدّثنا عباد بن العوام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هلال بن خباب وبشر بن معاذ العقدي فإنهما حسنا الحديث. وحسّنه أيضًا الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٢٦).
• عن أم سلمة، قالت: دخل علي رسول اللَّه ﷺ وهو ساهم الوجه. قالت:
стр. 8279
فحسبت أن ذلك من وجع، فقلت: يا نبي اللَّه، ما لك ساهم الوجه؟ قال: "من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا أمس، أمسينا وهي في خصم الفراش".
صحيح: رواه أحمد (٢٦٥١٤)، وأبو يعلى (٧٠١٧)، وابن حبان (٥١٦٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٢٧) كلهم من طريق عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن أم سلمة، فذكرته. وإسناده صحيح.
وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٣٨): "رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح".
قوله: "ساهم الوجه" أي متغير الوجه.
وقوله: "في خصم الفراش" أي في طرفه وجانبه.
والحديث يُحمل على خصائص النبي ﷺ فإنه ما كان يرضى أن يبقى شيء في بيته لغدٍ، وذلك لكمال توكله على اللَّه .
٤ - باب قول النبي ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا "
• عن أنس قال: قال النبي ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٨٦) عن سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن موسى ابن أنس، عن أنس، فذكره.
ورواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٩) كلاهما من طرق عن شعبة به في سياق طويل.
• عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا".
صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٣٧) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام -هو ابن يوسف- عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره.
٥ - باب عيش الصحابة
• عن سعد بن أبي وقاص قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل اللَّه، وكنا نغزو مع النبي ﷺ وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، لقد خبت إذًا، وضل عملي، وكانوا وشوا به إلى عمر قالوا: لا يحسن يصلي.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل الصحابة (٣٧٢٨)، ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٦) كلاهما
стр. 8280
من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: سمعت سعد بن أبي وقاص، فذكره.
واللفظ للبخاري، وليس عند مسلم ذكر الوشاية.
وقوله: "تعزرني" أي تقومني وتعلمني، ومنه تعزير السلطان وهو تقويمه بالتأديب.
• عن خالد بن عمير العدوي، قال: خطبنا عتبة بن غزوان، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم، فيهوي فيها سبعين عاما، لا يدرك لها قعرًا، وواللَّه لتملأن، أفعجبتم؟ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول اللَّه ﷺ ، ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ باللَّه أن أكون في نفسي عظيما، وعند اللَّه صغيرًا، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت، حتى يكون آخر عاقبتها ملكا، فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا.
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٦٧) من طرق عن سليمان بن المغيرة، حدّثنا حميد بن هلال، عن خالد بن عمير العدوي - وقد أدرك الجاهلية، فذكره.
وكان عتبة بن غزوان يومئذ أميرًا على البصرة.
• عن جابر بن عبد اللَّه، أنه قال: بعث رسول اللَّه ﷺ بعثا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة، قال: وأنا فيهم، قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتناه كل يوم قليلا قليلا، حتى فني، ولم تصبنا إلا تمرة تمرة. فقلت: وما تغني تمرة؟ ، فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. . . الحديث.
متفق عليه: رواه مالك في صفة النبي ﷺ (٢٤) عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. ورواه البخاريّ في الشركة (٢٤٨٣)، ومسلم في الصيد والذبائح (١٩٣٥: ٢١) كلاهما من طريق مالك، به.
وفي معناه ما روي عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، وكان بدريا، قال: لقد كان رسول اللَّه ﷺ يبعثنا في السرية يا بني، ما لنا زاد إلا السلف من التمر، فيقسمه قبضة قبضة حتى يصير إلى تمرة تمرة، قال: فقلت له: يا أبت، وما عسى أن تغني التمرة عنكم؟ ، قال: لا تقل ذلك يا بني فبعد أن
стр. 8281
فقدناها فاختللنا إليها.
رواه أحمد (١٥٦٩٢) عن يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن أبي بكر بن حفص بن عمر ابن سعد بن أبي وقاص، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، فذكره.
والمسعودي مختلط، وروى عنه يزيد بن هارون بعد اختلاطه.
ورواه الطبراني في الأوسط (٨٨٦٩) من طريق أسد بن موسى، عن المسعودي به.
وأسد بن موسى لا يعرف متى سمع من المسعودي قبل الاختلاط أم بعده.
• عن أبي هريرة، قال: قسم النبي ﷺ يوما بين أصحابه تمرًا، فأعطى كل إنسان سبع تمرات، فأعطاني سبع تمرات إحداهن حشفة، فلم يكن فيهن تمرة أعجب إلي منها، شدت في مضاغي.
صحيح: رواه البخاريّ في الأطعمة (٥٤١١) عن أبي النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن عباس الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، فذكره.
وجاء مفصلا في الحديث الآتي:
• عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: أقصت بالمدينة مع أبي هريرة سنة، فقال لي ذات يوم ونحن عند حجرة عائشة: لقد رأيتنا وما لنا ثياب إلا البراد المتفتقة، وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاما يقيم به صلبه، حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشده على أخمص بطنه، ثم يشده بثوبه ليقيم به صلبه، فقسم رسول اللَّه ﷺ ذات يوم بيننا تمرًا، فأصاب كل إنسان منا سبع تمرات فيهن حشفة، فما سرني أن لي مكانها تمرة جيدة، قال: قلت: لم؟ قال: تشد لي من مضغي. قال: فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من المنمام. قال: فقال لي: هل رأيت حجر موسى؟ قلت: وما حجر موسى؟ قال: إن بني إسرائيل قالوا لموسى قولا تحت ثيابه في مذاكيره، قال: فوضع ثيابه على صخرة وهو يغتسل، قال: فسعت بثيابه، قال: فتبعها في أثرها وهو يقول: يا حجر، ألق ثيابي، يا حجر، ألق ثيابي، حتى أتت به على بني إسرائيل، فرأوه سويا حسن الخلق، فلَحَبه ثلاث لحَبات، فوالذي نفس أبي هريرة بيده، لو كنت نظرت، لرأيت لحبات موسى فيه.
صحيح: رواه أحمد (٨٣٠١) عن عبد الصمد (هو ابن عبد الوارث)، حدثني أبي، حدّثنا الجريري، عن عبد اللَّه بن شقيق قال: فذكره. وإسناده صحيح.
والجريري هو: سعيد بن إياس اختلط لكن عبد الوارث سمع منه قبل اختلاطه.
стр. 8282
• عن فضالة بن عبيد قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى بالناس خر رجال من قامتهم في الصلاة لما بهم من الخصاصة وهم من أصحاب الصفة حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين، فإذا قضى رسول اللَّه ﷺ الصلاة انصرف إليهم، فقال لهم: "لو تعلمون ما لكم عند اللَّه لأحببتم لو أنكم تزدادون حاجة وفاقة" قال فضالة: وأنا مع رسول اللَّه ﷺ يومئذ.
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٦٨)، وأحمد (٢٣٩٣٨)، وصحّحه ابن حبان (٧٢٤) كلهم من طريق أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن يزيد المقري، حدّثنا حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانئ الخولاني حميد بن هانئ أن أبا علي عمرو بن مالك الجنبي أخبره عن فضالة بن عبيد، فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن معاوية بن قرة بن إياس قال: قال أبي: عمّرنا مع نبينا ﷺ وما لنا طعام إلا الأسودان، ثم قال: هل تدري ما الأسودان؟ قلت: لا، قال: التمر والماء.
صحيح: رواه أحمد (١٦٢٤٤) عن روح -هو ابن عبادة- قال: حدّثنا بسطام بن مسلم، عن معاوية بن قرة قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "الأسودان" قيل: الأسود تغليبا لسواد التمر فأطلق على الماء والتمر جميعا.
• عن أبي هريرة قال: ما كان لنا على عهد رسول اللَّه ﷺ طعام إلا الأسودين التمر والماء.
حسن: رواه أحمد (٧٩٦٢)، وابن حبان (٦٨٣) كلاهما من طريق شعبة، عن داود بن فراهيج قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره.
وإسناده حسن من أجل داود بن فراهيج المدني، فإنه مختلف فيه غير أن حديثه هذا له أصل صحيح، وبهذا يحسن هذا الحديث.
وفي الباب عن ابن عباس قال: جاء نبي اللَّه ﷺ رجلان، حاجتهما واحدة، فتكلم أحدهما، فوجد نبي اللَّه من فيه إخلافًا، فقال له: "ألا تستاك؟ " فقال: إني لأفعل، ولكني لم أطعم طعاما منذ ثلاث، فأمر به رجلا فآواه وقضى له حاجته.
رواه أحمد (٢٤٠٩) عن حسن بن موسى، حدّثنا زهير -هو ابن معاوية- عن قابوس أن أباه حدثه عن ابن عباس، فذكره.
وقابوس هو ابن أبي ظبيان حصين بن جندب قال ابن حبان: كان رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له. وهذا من روايته عن أبيه.
• عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: قدم رجل من أهل الشام المدينة، فلقي أصحاب النبي ﷺ فسلم عليهم، وكان عبد الرحمن بن عوف غائبا في أرض له
стр. 8283
بالجرف، فأتاه، فإذا هو واضع رداءه، والمسحاة في يده وهو يحول الماء في أرضه، فلما رآه عبد الرحمن وضع المسحاة من يده، ولبس رداءه، قال: فوقف عليه الرجل فسلم عليه وقال: جئت لأمر، فرأيت أعجب منه، ما أدري أعلمتم ما لم نعلم، أو جاءكم ما لم يأتنا، ما لنا نخف في الجهاد وتتثاقلون عنه، ونزهد في الدنيا وترغبون فيها، وأنتم سلفنا وأصحاب نبينا؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: ما علمنا إلا ما علمتم، ولا جاءنا إلا ما جاءكم، ولكنا ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر.
صحيح: رواه عبد الرزاق (٢٠٩٩٧) عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه الترمذيّ (٢٤٦٤) عن قتيبة، حدّثنا صفوان (واسمه: عبد اللَّه بن سعيد الأموي) عن يونس، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن عوف قال: ابتلينا مع رسول اللَّه ﷺ بالضراء فصبرنا، ثم ابتلينا بالسراء بعده فلم نصبر.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن".
قلت: وهو كما قال؛ فإن في رواية يونس عن الزهري بعض الأوهام.
ولكنه توبع في الإسناد الأول.
• عن أبي هريرة قال: رأيتُ سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجلٌ عليه رداء، إما إزارٌ وإما كساءٌ، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورتُه.
صحيح: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٤٢) عن يوسف بن عيسى، حدّثنا ابنُ فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره.
قوله: "رأيتُ سبعين من أصحاب الصفة" قال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٣٦): "هذا يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبي ﷺ في غزوة بئر معونة، وكانوا من أصحاب الصفة أيضًا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة".
• عن أبي حرب بن أبي الأسود، أن طلحة حدثه، وكان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، قال: أتيت المدينة، وليس لي بها معرفة، فنزلت في الصفة مع رجل فكان بيني وبينه كل يوم مد من تمر، فصلى رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، فلما انصرف، قال رجل من أصحاب الصفة: يا رسول اللَّه أحرق بطوننا التمر، وتخرقت عنا الخنف، فصعد رسول اللَّه ﷺ ، فخطب ثم قال: "واللَّه، لو وجدت خبزا أو لحما لأطعمتكموه، أما إنكم توشكون أن تدركوا، ومن أدرك ذاك منكم أن يراح عليكم بالجفان، وتلبسون
стр. 8284
مثل أستار الكعبة" قال: فمكثت أنا وصاحبي ثمانية عشر يوما وليلة، ما لنا طعام إلا البرير، حتى جئنا إلى إخواننا من الأنصار فواسونا، وكان خير ما أصبنا هذا التمر.
صحيح: رواه أحمد (١٥٩٨٨)، والبزار - كشف الأستار (٣٦٧٣)، وصحّحه ابن حبان (٦٦٨٤)، والحاكم (٣/ ١٥) كلهم من طرق عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، فذكره. وإسناده صحيح.
قال البزار: "وطلحة هذا سكن البصرة، وهو طلحة بن عمرو، ولم يرو إلا هذا الحديث".
• عن أبي جحيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنها ستفتح عليكم الدنيا حتى تنجدوا بيوتكم كما تنجد الكعبة". قلنا: ونحن على ديننا اليوم، قال: "وأنتم على دينكم اليوم". قلنا: فنحن يومئذ خير أم اليوم قال: "بل أنتم اليوم خير".
حسن: رواه البزار (٤٢٢٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٠٨) كلاهما من طرق عن أبي أحمد الزبيري، حدّثنا عبد الجبار بن العباس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الجبار بن العباس الشيباني فإنه حسن الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٢٣): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير عبد الجبار بن العباس وهو ثقة".
وقال ابن حجر في مختصر زوائد البزار: "غريب صحيح".
• عن جابر بن عبد اللَّه، قال: كان يقدم على النبي ﷺ قوم ليست لهم معارف، فيأخذ الرجل بيد الرجل، والرجل بيد الرجلين، والرجل بيد الثلاثة، على قدر طاقته، فأخذ ختني بيد رجلين فخلوت به، فلمته، فقلت: تأخذ رجلين، وعندك ما عندك، فقال: إن عندنا رزقا من رزق اللَّه، فانطلق حتى أريك، فانطلقت، فأراني شيئًا من بر، فقال: هذا عندنا، فقلت: من أين لك هذا؟ ، قال: اشتريناه من العير التي قدمت أمس، وأراني مثل جثوة البعير تمرا، فقال: وهذا عندنا، وأراني جرة فيها ودك، فقال: وهذا دهان وإدام، ثم غدا بهما إلى رسول اللَّه ﷺ ، أو راح بهما، وقد أطعمهما ودهنهما، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إني أرى صاحبيك حسني الحال، كم تطعمهما كل يوم من وجبة؟ قال: وجبتين، قال: "وجبتين؟ فلولا كانت واحدة".
صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٣٦٠٦) عن نصر بن علي، أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، ثنا الجريري، -واسمه: سعد بن إياس-، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
وإسناده صحيح، وعبد الأعلى سمع من الجريري قبل اختلاطه.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٣): "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح".
стр. 8285
• عن أبي موسى قال: لو رأيتنا ونحن مع نبينا ﷺ لحسبتَ إنما ريحنا ريح الضأن، إنما لباسنا الصوف، وطعامنا الأسودان: التمر والماء.
حسن: رواه الطبراني في الأوسط - مجمع البحرين (٥١٢٥) عن أحمد بن عمرو القطراني، حدّثنا أبو الربيع الزهراني، حدّثنا عبد اللَّه بن المبارك، حدّثنا أبو سلمة، عن قتادة، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي سلمة، وهو محمد بن أبي حفصة؛ فإنه حسن الحديث، وهو من رجال الصحيح.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٢٥): "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح". وهو كما قال.
ورواه أبو داود (٤٠٣٣) من طريق قتادة، عن أبي بردة، عن أبي موسى به مقتصرا على قوله: "أن ريحنا ريح الضأن". وهو مذكور في كتاب اللباس.
• * *
стр. 8286
جموع ما جاء في الترهيب من فتنة النساء وحُبّ المال
١ - باب التحذير من فتنة النساء
• عن أسامة بن زيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء".
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٠٩٦)، ومسلم في الرقاق (٢٧٤٠: ٩٧) كلاهما من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، فذكره.
• عن أسامة بن زيد بن حارثة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنهما حدثا عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما تركت بعدي في النالس فتنة أضر على الرجال من النساء".
صحيح: رواه مسلم في الرقاق (٢٧٤١) من طرق عن المعتمر بن سليمان قال: قال أبي: حدّثنا أبو عثمان، عن أسامة بن زيد بن حارثة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فذكراه.
• عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن اللَّه مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
صحيح: رواه مسلم في الرقاق (٢٧٤٢) من طريق محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي مسلمة قال: سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
٢ - باب الترهيب من فتنة المال
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة التغابن: ١٥]
• عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان بالكوفة أمير، قال: فخطب يوما، فقال: إن في إعطاء هذا المال فتنة، وفي إمساكه فتنة، وبذلك قام رسول اللَّه ﷺ في خطبته حتى فرغ، ثم نزل.
صحيح: رواه أحمد (٢٠٥٨٦) عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة قال: سمعت إسحاق بن سويد قال: سمعت مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فذكره.
وإسناده صحيح، وإسحاق بن سويد هو ابن هبيرة العدوي البصري، وثّقه الأئمة، منهم أحمد، وابن معين، والنسائي، وابن سعد وغيرهم.
стр. 8287
ومن طريقه رواه القضاعي في مسند الشهاب (٩٩٩)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٩١٠).
وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٨٧): "رجاله ثقات".
• عن كعب بن عياض قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال".
حسن. رواه الترمذيّ (٢٣٣٦)، وأحمد (١٧٤٧١)، وصحّحه ابن حبان (٣٢٢٣)، والحاكم (١/ ٣١٨) كلهم من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن كعب ابن عياض، فذكره.
وإسناده حسن من أجل معاوية بن صالح -وهو ابن حدير- فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث معاوية بن صالح".
• عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم".
صحيح: رواه ابن حبان (٦٩٤)، والطبراني في المعجم الأوسط - مجمع البحرين (٤٩٢١) كلاهما من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي موسى، فذكره. وإسناده صحيح.
وأما ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "استحيوا من اللَّه حق الحياء"، قال: قلنا يا رسول اللَّه إنا نستحيي والحمد للَّه، قال: "ليس ذاك ولكن الاستحياء من اللَّه حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللَّه حق الحياء" فإسناده ضعيف.
رواه الترمذيّ (٢٤٥٨)، وأحمد (٣٦٧١) كلاهما من طريق محمد بن عبيد، حدّثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمدني، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد".
قلت: وهو كما قال؛ فإن الصباح بن محمد البجلي ضعيف كما في التقريب.
وللحديث طريق آخر وهي أضعف مما ذُكرَ، فيه رجل متروك.
٣ - باب أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر
عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر".
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقاق (٢٩٥٦) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 8288
٤ - باب ما جاء في طول أمل الإنسان
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: خط النبي ﷺ خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: "هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤١٧) عن صدقة بن الفضل، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني أبي، عن منذر، عن ربيع بن خثيم، عن عبد اللَّه، فذكره.
• عن أنس قال: خط النبي ﷺ خطوطا فقال: "هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٤٦١٨) عن مسلم، عن همام، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس، فذكره.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "هذا ابن آدم، وهذا أجله"، ووضع يده عند قفاه ثم بسطها فقال: "وثم أملُه، وثَمَّ أمله".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٣٤)، وابن ماجه (٤٢٣٢)، وأحمد (١٢٤٤٤)، وصحّحه ابن حبان (٢٩٩٨) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن عبيد اللَّه بن أبي بكر بن أنس بن مالك، عن أنس بن ما لك، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن بريدة بن الحصيب قال: قال النبي ﷺ : "هل تدرون ما هذه وما هذه؟ "، ورمى بحصاتين؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "هذاك الأمل وهذاك الأجل".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٨٧٠) عن محمد بن إسماعيل، قال: حدّثنا خلاد بن يحيى، قال: حدّثنا بشير بن المهاجر، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل بشير بن المهاجر فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت بما ينكر عليه، ولحديثه أصول ثابتة.
وحسّنه أيضًا الترمذيّ فقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".
• عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ غرز بين يديه غرزًا، ثم غرز إلى جنبه آخر، ثم غرز الثالث، فأبعده ثم قال: "هل تدرون ما هذا؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "هذا الإنسان وهذا أجله وهذا أمله يتعاطى الأمل يختلجه دون ذلك".
стр. 8289
حسن: رواه أحمد (١١١٣٢) عن عبد الملك بن عمرو (هو أبو عامر العقدي) - والبيهقي في الزهد (٤٥٧) من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل - والبغوي في شرح السنة (٤٠٩١) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين - كلهم عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل (واسمه علي بن داود الناجي)، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
وإسناده حسن من أجل علي بن علي الرفاعي فإنه حسن الحديث.
وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٥): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة".
والحديث رواه ابن المبارك في الزهد (٢٥٤) عن علي بن علي الناجي، عن أبي المتوكل الناجي فأرسله، ولم يذكر "أبا سعيد الخدري" في الإسناد.
فهذا الإرسال لا يضر في صحة الحديث؛ لأن الذين وصلوه جماعة وهم من الثقات الأثبات.
قوله: "يختلجه" أي يجتذبه الأجلُ.
وقوله: "دون ذلك" أي دون الأمل.
وقال علي بن أبي طالب: ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. ذكره البخاري معلقا في باب الأمل وطوله من كتاب الرقاق.
• عن عبد اللَّه بن الشخير، عن النبي ﷺ : "مُثِّلَ ابن آدم، وإلى جنبه تسع وتسعون منية إنْ أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت".
حسن: رواه الترمذيّ (٢١٥٠، ٢٤٥٦)، والطبراني في الأوسط (٥٦٦٢) كلاهما من طريق سلم بن قتيبة، حدّثنا أبو العوام -وهو عمران القطان- عن قتادة، عن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير، عن أبيه، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
قلت: وهو كما قال، عمران هو ابن داور القطان مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يكن فيه ما ينكر عليه.
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٢٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٤٦: ١١٤) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري.
وعند مسلم: "قلب الشيخ شاب على حب اثنتين، طول الحياة وحب المال". ورواه مسلم (١٠٤٦: ١١٣)
стр. 8290
بلفظ: "حب العيش والمال".
• عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يهرم ابن آدم، وتشب منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر".
وفي لفظ: "يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال وطول العمر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٢١)، ومسلم في الزكاة (١٠٤٧) كلاهما من طرق عن قتادة، عن أنس، فذكره.
واللفظ الأول لمسلم، واللفظ الثاني للبخاري.
٥ - باب ما رفع اللَّه شيئًا إلا وضعه
• عن أنس قال كانت ناقة لرسول اللَّه ﷺ تسمى العضباء، وكانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سبقت العضباء، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن حقا على اللَّه أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٠١) عن محمد قال: أخبرنا الفزاري وأبو خالد الأحمر، عن حميد الطويل، عن أنس، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: كانت ناقة رسول اللَّه ﷺ العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فقال رسول اللَّه ﷺ : "حقا على اللَّه لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه".
صحيح: رواه البزار (٧٧٠٠)، والدارقطني (٤٨٢٦ - ٤٨٢٨) كلاهما من طرق عن معن بن عيسى، حدّثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح.
والحديث روي عن مالك مرسلا، ولا يضر لأن الراوي يصل الحديث عند نشاطه، وتارة يرسل عند عدم نشاطه.
قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رفعه إلا مالك، ولا عنه إلا معن، قال معن: كان مالك لا يسنده، فخرج علينا يوما نشيطا، فحدثنا به عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة".
٦ - باب التحذير من زهرة الدنيا والتنافس فيها
قال اللَّه تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]
• عن عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة أخبره أن عمرو بن عوف -وهو حليف
стр. 8291
لبني عامر بن لؤي كان شهد بدرًا مع رسول اللَّه ﷺ أخبره أن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول اللَّه ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافوا صلاة الفجر مع رسول اللَّه ﷺ ، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول اللَّه ﷺ حين رآهم وقال: "أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ " فقالوا: أجل يا رسول اللَّه، قال: "فأبشروا وأملوا ما يسركم، فواللَّه ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقائق (٦٤٢٥)، ومسلم في الزهد والرقاق (٢٩٦١) كلاهما من طرق عن الزهري، عن عروة بن الزبير، فذكره.
ورواه أحمد (١٨٩١٦) من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: فذكر الحديث نحوه. وجعله من مسند المسور بن مخرمة.
فلعل أحد الرواة اقتصر في الإسناد فلم يذكر عمرو بن عوف.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ " قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا اللَّه، قال رسول اللَّه ﷺ : "أو غير ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض".
صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٢) عن عمرو بن سواد العامري، أخبرنا عبد اللَّه ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه أن يزيد بن رباح - هو أبو فراس مولى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص حدثه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج اللَّه لكم من زهرة الدنيا"، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول اللَّه؟ قال: "بركات الأرض" قالوا: يا رسول اللَّه، وهل يأتي الخير بالشر؟ قال: "لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، لا يأتي الخير إلا بالخير، إن كل ما أنبت الربيع يقتل أو يلم إلا آكلة الخضر، فإنها تأكل حتى إذا امتدت خاصرتاها، استقبلت الشمس، ثم اجترت، وبالت، وثلطت، ثم عادت فأكلت، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان
стр. 8292
كالذي يأكل ولا يشبع".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٢٧)، ومسلم في الزكاة (١٠٥٢: ١٢٢) كلاهما من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري قال: جلس رسول اللَّه ﷺ على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: "إن مما أخاف عليكم بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها". فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر؟ يا رسول اللَّه! قال: فسكت عنه رسول اللَّه ﷺ . فقيل له: ما شأنك؟ تكلم رسول اللَّه ﷺ ولا يكلمك؟ قال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء، وقال: "إن هذا السائل" (وكأنه حمده) فقال: "إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم إلا أكلة الخضر، فإنها أكلت، حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت، وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل" (أو كما قال رسول اللَّه ﷺ ) "وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٦٥)، ومسلم في الزكاة (١٠٥٢: ١٢٣) كلاهما من طريق هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
• عن عقبة بن عامر أن رسول اللَّه ﷺ خرج يوما، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: "إني فرطكم، وأنا شهيد عليكم، وإني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض -أو مفاتيح الأرض- وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٢٦)، ومسلم في الفضائل (٢٢٩٦: ٣٠) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدّثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، فذكره.
قوله: "وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي" قال النووي: "معناه أن أمته ﷺ لا ترتدّ جملةً". أي لا يقعون في الشرك باللَّه عامة.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكنْ أخشى عليكم العمدَ".
стр. 8293
صحيح: رواه أحمد (٨٠٧٤)، وصحّحه ابن حبان (٣٢٢٢)، والحاكم (٢/ ٥٣٤) كلهم من طريق جعفر بن برقان، سمعت يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده صحيح.
وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٢١): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح".
• عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قام في أصحابه، فقال: "الفقر تخافون أو العوز، أو تهمكم الدنيا؟ ، إن اللَّه فاتح لكم فارس والروم، وتصب عليكم الدنيا صبًّا".
حسن: رواه البزار - كشف الأستار (٣٦١١)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٥٢) كلاهما من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عوف بن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد عنعن، لكن تقبل عنعنته إذا روى عن بحير بن سعد كما قال ابن عبد الهادي.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٥): "رواه الطبراني والبزار بنحوه، ورجاله وثقوا إلا أن بقية مدلس، وإن كان ثقة".
والمراد بـ "الروم" هي بلاد الشام، وهي الآن سوريا، والأردن، ولبنان، وفلسطين.
• عن محمد بن كعب القرظي قال: دعي عبد اللَّه بن يزيد الخطمي إلى طعام، فلما جاء رأى البيت منجدًا، فقعد خارجا وبكى، قالوا: ما يبكيك؟ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا شيع جيشا، فبلغ عقبة الوداع، قال: "أستودع اللَّه دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم"، فرأى رجلا ذات يوم قد رقع بردة له بقطعة فرو، قال: فاستقبل مطلع الشمس وقال بيده -وصف حماد ببطن الكفين ومد بيده-: "تطالعت عليكم الدنيا، تطالعت عليكم الدنيا". أي أقبلت حتى ظننا أن تقع علينا، ثم قال: "أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة، وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، وتستر بيوتكم كما تستر الكعبة".
صحيح: رواه أحمد في الزهد (١١٠٢) عن عفان، حدّثنا حماد بن سلمة، أنبأنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي قال: فذكره. وإسناده صحيح.
وأبو جعفر الخطمي هو عمير بن يزيد بن عمير الأنصاري، وثّقه ابن مهدي وابن نمير وابن معين والنسائي وغيرهم.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٥٨١): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير أبي جعفر الخطمي وهو ثقة".
ولم أقف عليه في مطبوعة الطبراني لأنه لم يطبع كاملًا إلى الآن.
стр. 8294
٧ - باب أن متاع الدنيا خضرة حلوة
قال اللَّه تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [سورة آل عمران: ١٤].
• عن حكيم بن حزام قال: سألت النبي ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٤١)، ومسلم في الزكاة (١٠٣٥) كلاهما من طريق سفيان، عن الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب، عن حكيم بن حزام، فذكره.
• عن معبد الجهني قال: كان معاوية، قلما يحدث عن النبي ﷺ قال: فكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن رسول اللَّه ﷺ يقول: "من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح، فإنه الذبح".
حسن: رواه أحمد (١٦٨٤٦)، وابن ماجه (٣٧٤٣) كلاهما من طرق عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن معبد الجهني، فذكره. واللفظ لأحمد، واختصره ابن ماجه. وإسناده حسن من أجل معبد بن خالد الجهني فإنه حسن الحديث.
ومعبد الجهني هو أول من أظهر القدر بالبصرة، لكن ليس في حديثه هذا ما يؤيّد بدعته.
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقه بورك له فيها، ورب متخوض فيما اشتهت نفسه ليس له يوم القيامة إلا النار".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (١٣/ ٤١٧) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن شعيب بن عبد اللَّه بن عمرو، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل شعيب وهو شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فإنه حسن الحديث.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٩، و ١٠/ ٢٤٦): "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات".
• عن عمرة بنت الحارث قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذ بحقها يبارك اللَّه له فيها، ورب متخوض في مال اللَّه ورسوله له النار يوم القيامة
стр. 8295
يوم يلقاه".
حسن: رواه البخاريّ في التاريخ الكبير (١/ ١٩٠)، وابن أبي عاصم في الأحاد والمثاني (٣٢٩٧)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٣٤٠) كلهم من طرق عن خالد بن سلمة المخزومي، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمته عمرة بنت الحارث قالت: فذكرته.
وإسناده حسن من أجل خالد بن سلمة المخزومي فإنه حسن الحديث.
وحسّنه أيضًا الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٧).
• عن زيد بن ثابت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن هذا المال خضرة حلوة".
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٥/ ١٥١) من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن أبي الزناد فإنه يحسن حديثه إذا كان له أصل.
وقد حسّنه أيضًا الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٦).
• عن خولة بنت ثامر الأنصارية، أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن رجالا يتخوضون في مال اللَّه بغير حق لهم النار يوم القيامة".
صحيح: رواه أحمد (٢٧٣١٨) عن عبد اللَّه بن يزيد، قال: حدّثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب، قال: حدثني أبو الأسود، عن النعمان بن أبي عياش الزرقي، عن خولة بنت ثامر الأنصارية، فذكرته.
ورواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١١٨) عن عبد اللَّه بن يزيد بهذا الإسناد إلا أنه لم يذكر: "إن الدنيا حلوة خضرة".
فالظاهر أنهما سمعا هذا الحديث من شيخهما عبد اللَّه بن يزيد في مجلسين.
ورواه الترمذيّ (٢٣٧٤) عن قتيبة، حدّثنا الليث، عن سعيد المقبري، عن أبي الوليد، قال: سمعت خولة بنت قيس -وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب- تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن هذا المال خضرة حلوة، من أصابه بحقه بورك له فيه، ورب متخوض فيما شاءت به نفسه من مال اللَّه ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار".
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح، وأبو الوليد اسمه: عبيد سنوطا".
قلت: عبيد سنوطا هو أبو الوليد المدني، وثّقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أجد فيه توثيقا لأحدٍ غيرهما، لكنه توبع كما تقدم.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه -قال يحيى: ذكر شيئًا لا أدري ما هو- بورك له فيه، ورب متخوض في مال اللَّه ورسوله فيما اشتهت نفسه، له النار يوم القيامة".
стр. 8296
صحيح: رواه أبو يعلى (٦٦٠٦) عن عبد الأعلى، حدّثنا داود العطار، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "قال يحيى" لم أقف على المراد منه، وكذلك ذكره الهيثمي في المقصد العلي (٤٩٤).
• عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه هذا المال".
حسن: رواه النسائي (٣٢٢٥)، وأحمد (٢٢٩٩٠)، وابن حبان (٦٩٩، ٧٠٠)، والحاكم (٢/ ١٦٣) كلهم من طريق حسين بن واقد، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكره. وإسناده حسن من أجل حسين بن واقد فإنه حسن الحديث.
• عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحسَبُ المالُ، والكرم التقوى".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٧١)، وابن ماجه (٤٢١٩)، والحاكم (٢/ ١٦٣) كلهم من طريق يونس بن محمد، حدّثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن سمرة، فذكره.
وسلام بن أبي مطيع تُكلّمَ في حديثه عن قتادة، لكنه لا يضر في هذا الحديث، وذلك من أجل وجود أصل صحيح.
والحسن البصري سمع من سمرة بن جندب في الجملة، والباقي عنده كتاب.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه".
حسن: رواه أحمد (٨٧٧٤)، وصحّحه ابن حبان (٤٨٣)، والحاكم (١/ ١٢٣) كلهم من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل مسلم بن خالد الزنجي إلا قوله في الحديث: "وحسبه خلقه"، فإنه ثبت في الأحاديث الأخرى: "الحسب المال".
ورواه البزار - كشف الأستار (٣٦٠٧)، وأبو يعلى (٦٤٥١) كلاهما من طريق معدي بن سليمان، حدّثنا ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حسب المرء مالُه، وكرمُه تقواه" -أو قال: "الحسبُ المال، والكرم التقوى".
إلا أن معدي بن سليمان هو: أبو سليمان صاحب الطعام ضعيف.
стр. 8297
٨ - باب من كانت الدنيا همّه فرّق اللَّه عليه أمره
• عن أبان بن عثمان بن عفان قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان بنصف النهار، قلت: ما بعث إليه هذه الساعة إلا لشيء يسأل عنه، فسألته، فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول اللَّه ﷺ ، سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "من كانت الدنيا همه، فرق اللَّه عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع اللَّه له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة".
صحيح: رواه ابن ماجه (٤١٠٥)، وأحمد (٢١٥٩)، وصحّحه ابن حبان (٦٨٠) كلهم من طريق شعبة، عن عمر بن سليمان -من ولد عمر بن الخطاب-، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان ابن عثمان بن عفان، يحدث عن أبيه قال: فذكره.
وإسناده صحيح. وعمر بن سليمان هو: ابن عاصم بن عمر بن الخطاب.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت الآخرة همه جعل اللَّه غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل اللَّه فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٦٥) عن هناد، حدّثنا وكيع، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان وهو الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
ويزيد بن أبان الرقاشي القاص قال أبو حاتم فيه: كان واعظا بكاءا كثير الرواية، وقال أبو داود: كان رجلا صالحا، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة.
قلت: أدركته غفلة الصالحين، ولذا ضعف في الحديث.
ولكن روي هذا الحديث من وجه آخر. رواه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٨٢) عن الفضل بن عبد اللَّه بن مخلد، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا المحاربي، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، فذكره.
وإسماعيل بن مسلم هو المكي قال سفيان: كان يخطئ في الحديث، جعل يحدث فيخطئ.
والخلاصة فيه كما قال ابن عدي: "أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة، إلا أنه ممن يكتب حديثه". وبهذين الإسنادين يرتقي الحديث إلى درجة الحسن.
• عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٦٦)، وابن ماجه (٤١٠٧)، وصحّحه ابن حبان (٣٩٣)، والحاكم (٢/ ٤٤٣) كلهم من طريق عمران بن زائدة بن نشيط، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي
стр. 8298
هريرة، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب".
قلت: وهو كما قال، فإن زائدة بن نشيط روى. عنه أكثر من واحد، ووثّقه ابن حبان، ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع. ولم أجد من تابعه، ولكن وجدت ما يقويه وهو حديث معقل بن يسار مرفوعا مثله.
رواه الحاكم (٤/ ٣٢٦) من طريق حفص بن عمر الحوضي، ثنا سلام بن أبي مطيع، ثنا زيد العمي، ثنا معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، فذكره.
وزيد العمي ضعيف.
تنبيه: وقع سقط في مطبوعة المستدرك للحاكم فقد سقط ذكر "زيد العمي" بين سلام بن أبي مطيع ومعاوية بن قرة، وهو مذكور في الحلية (٢/ ٣٠٣).
٩ - باب لا يبقى مع الإنسان بعد الموت إلا عمله
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يتبع الميتَ ثلاثةٌ، فيرجع اثنان، ويبقى واحدٌ، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥١٤)، ومسلم في الزهد (٢٩٦٠) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أنس بن مالك، فذكره.
• عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لكل إنسان ثلاثة أخلاء، فأما خليل فيقول: ما أنفقت فلك، وما أمسكت فليس لك، فذلك ماله. وأما خليل فيقول: أنا معك، فإذا أتيت باب الملك تركتك ورجعت، فذاك أهله وحشمه، وأما خليل فيقول: أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت، فذلك عمله، فيقول: إن كنت لأهون الثلاثة علي، أو قال: عليك".
حسن: رواه أبو داود الطيالسي (٢١٢٥)، والبزار (٧٢٦٥) كلاهما من طريق عمران، عن قتادة، عن إسحاق، فذكره.
وصحّحه ابن حبان (٣١٠٨)، والحاكم (١/ ٣٧١) كلاهما من طريق أبي داود الطيالسي، عن عمران به.
وإسناده حسن من أجل عمران هو ابن داور القطان فإنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل ابن آدم وماله وولده وعمله مثل رجل له ثلاثة أخلاء، قال له أحدهم: أنا معك ما دمت حيا، فإذا مت فلست مني ولا أنا منك، فذلك ماله. وقال الآخر: أنا معك، فإذا بلغت إلى قبرك فلست مني ولست
стр. 8299
لك، فذلك ولده، وقال الآخر: أنا معك حيا وميتا، فذلك عمله".
حسن: رواه البزار (٨٣٥٦)، وأبو الشيخ في الأمثال (٣٠٩)، والبيهقي في الشعب (٩٩٩٣) كلهم من طريق أبي عاصم -هو الضحاك بن مخلد النبيل- حدّثنا محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان وأبيه، فإنهما حسنا الحديث.
• عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل المؤمن ومثل الموت كمثل رجل له ثلاثة أخلاء، أحدهم ماله قال: خذ ما شئت ودع ما شئت، وقال الآخر: أنا معك أحملك، فإذا مت تركتك، وقال الآخر: أنا معك أدخل معك وأخرج معك، فأحدهما ماله، والآخر أهله وولده، والآخر عمله".
حسن: رواه البزار (٣٢٧٢)، والحاكم (١/ ٧٤، ٣٧٢) كلاهما من طرق عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب فإنه حسن الحديث.
وروي عن سماك عن النعمان بن بشير موقوفا. والحكم لمن وصل.
١٠ - باب لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب اللَّه على من تاب
• عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٩)، ومسلم في الزكاة (١٠٤٨: ١١٧) كلاهما من طريق الزهري، عن أنس، فذكره.
وقال البخاري (٦٤٤٠) وقال لنا أبو الوليد: حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي قال: كنا نُرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].
• عن عباس بن سهل بن سعد قال: سمعت ابن الزبير على المنبر بمكة في خطبته يقول: يا أيها الناس إن النبي ﷺ كان يقول: "لو أن ابن آدم أعطي واديا ملئا من ذهب أحب إليه ثانيا، ولو أعطي ثانيا أحب إليه ثالثا، ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٨) عن أبي نعيم، حدّثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن عباس بن سهل بن سعد قال: فذكره.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لو أن لابن آدم واديا مالا
стр. 8300
لأحب أن له مثله، ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
صحيح: رواه أحمد (١٤٦٥٧)، وابن حبان (٣٢٣٤) كلاهما من طرق عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أن لابن آدم واديين من مال لأحب أن يكون معهما ثالث، ولا يملأ نفسه إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
حسن: رواه ابن ماجه (٤٢٣٥) عن أبي مروان العثماني (هو محمد بن عثمان)، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي مروان وعبد العزيز والعلاء فكلهم حسن الحديث.
وصحّحه أيضًا البوصيري في زوائده.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى إليهما الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
حسن: رواه الطبراني في الصغير والأوسط - مجمع البحرين (٤٩١٣) عن الحسين بن إسحاق التستري، ثنا حامد بن يحيى البلخي، ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد بن أبي وقاص، فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٤): "ورواه الطبراني في الأوسط والصغير، ورجالهما رجال الصحيح غير حامد بن يحيى البلخي وهو ثقة".
قلت: إسناده حسن من أجل حامد بن يحيى البلخي روى عنه أبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال أبو حاتم: "صدوق" وذكره ابن حبان في الثقات.
• عن زيد بن أرقم قال: لقد كنا نقرأ على عهد رسول اللَّه ﷺ : "لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة، لابتغى إليهما آخر، ولا يملأ بطن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
صحيح: رواه أحمد (١٩٢٨٠)، والبزار - كشف الأستار (٣٦٣٩)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٠٧) كلهم من طريق يوسف بن صهيب، حدثني حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٣): "رواه أحمد والطبراني والبزار بنحوه، ورجالهم ثقات".
• عن أبي الأسود قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة، كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني قد حفظت منها: لو
следующие страницы →