Полный текст (8 687 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.
стр. 8296
صحيح: رواه أبو يعلى (٦٦٠٦) عن عبد الأعلى، حدّثنا داود العطار، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "قال يحيى" لم أقف على المراد منه، وكذلك ذكره الهيثمي في المقصد العلي (٤٩٤).
• عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه هذا المال".
حسن: رواه النسائي (٣٢٢٥)، وأحمد (٢٢٩٩٠)، وابن حبان (٦٩٩، ٧٠٠)، والحاكم (٢/ ١٦٣) كلهم من طريق حسين بن واقد، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكره. وإسناده حسن من أجل حسين بن واقد فإنه حسن الحديث.
• عن سمرة بن جندب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الحسَبُ المالُ، والكرم التقوى".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٢٧١)، وابن ماجه (٤٢١٩)، والحاكم (٢/ ١٦٣) كلهم من طريق يونس بن محمد، حدّثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن سمرة، فذكره.
وسلام بن أبي مطيع تُكلّمَ في حديثه عن قتادة، لكنه لا يضر في هذا الحديث، وذلك من أجل وجود أصل صحيح.
والحسن البصري سمع من سمرة بن جندب في الجملة، والباقي عنده كتاب.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه".
حسن: رواه أحمد (٨٧٧٤)، وصحّحه ابن حبان (٤٨٣)، والحاكم (١/ ١٢٣) كلهم من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل مسلم بن خالد الزنجي إلا قوله في الحديث: "وحسبه خلقه"، فإنه ثبت في الأحاديث الأخرى: "الحسب المال".
ورواه البزار - كشف الأستار (٣٦٠٧)، وأبو يعلى (٦٤٥١) كلاهما من طريق معدي بن سليمان، حدّثنا ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حسب المرء مالُه، وكرمُه تقواه" -أو قال: "الحسبُ المال، والكرم التقوى".
إلا أن معدي بن سليمان هو: أبو سليمان صاحب الطعام ضعيف.
стр. 8297
٨ - باب من كانت الدنيا همّه فرّق اللَّه عليه أمره
• عن أبان بن عثمان بن عفان قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان بنصف النهار، قلت: ما بعث إليه هذه الساعة إلا لشيء يسأل عنه، فسألته، فقال: سألنا عن أشياء سمعناها من رسول اللَّه ﷺ ، سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "من كانت الدنيا همه، فرق اللَّه عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع اللَّه له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة".
صحيح: رواه ابن ماجه (٤١٠٥)، وأحمد (٢١٥٩)، وصحّحه ابن حبان (٦٨٠) كلهم من طريق شعبة، عن عمر بن سليمان -من ولد عمر بن الخطاب-، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان ابن عثمان بن عفان، يحدث عن أبيه قال: فذكره.
وإسناده صحيح. وعمر بن سليمان هو: ابن عاصم بن عمر بن الخطاب.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كانت الآخرة همه جعل اللَّه غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل اللَّه فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٦٥) عن هناد، حدّثنا وكيع، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان وهو الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: فذكره.
ويزيد بن أبان الرقاشي القاص قال أبو حاتم فيه: كان واعظا بكاءا كثير الرواية، وقال أبو داود: كان رجلا صالحا، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة.
قلت: أدركته غفلة الصالحين، ولذا ضعف في الحديث.
ولكن روي هذا الحديث من وجه آخر. رواه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٨٢) عن الفضل بن عبد اللَّه بن مخلد، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا المحاربي، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، فذكره.
وإسماعيل بن مسلم هو المكي قال سفيان: كان يخطئ في الحديث، جعل يحدث فيخطئ.
والخلاصة فيه كما قال ابن عدي: "أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والبصرة والكوفة، إلا أنه ممن يكتب حديثه". وبهذين الإسنادين يرتقي الحديث إلى درجة الحسن.
• عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٦٦)، وابن ماجه (٤١٠٧)، وصحّحه ابن حبان (٣٩٣)، والحاكم (٢/ ٤٤٣) كلهم من طريق عمران بن زائدة بن نشيط، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي
стр. 8298
هريرة، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب".
قلت: وهو كما قال، فإن زائدة بن نشيط روى. عنه أكثر من واحد، ووثّقه ابن حبان، ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع. ولم أجد من تابعه، ولكن وجدت ما يقويه وهو حديث معقل بن يسار مرفوعا مثله.
رواه الحاكم (٤/ ٣٢٦) من طريق حفص بن عمر الحوضي، ثنا سلام بن أبي مطيع، ثنا زيد العمي، ثنا معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، فذكره.
وزيد العمي ضعيف.
تنبيه: وقع سقط في مطبوعة المستدرك للحاكم فقد سقط ذكر "زيد العمي" بين سلام بن أبي مطيع ومعاوية بن قرة، وهو مذكور في الحلية (٢/ ٣٠٣).
٩ - باب لا يبقى مع الإنسان بعد الموت إلا عمله
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يتبع الميتَ ثلاثةٌ، فيرجع اثنان، ويبقى واحدٌ، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥١٤)، ومسلم في الزهد (٢٩٦٠) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أنس بن مالك، فذكره.
• عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لكل إنسان ثلاثة أخلاء، فأما خليل فيقول: ما أنفقت فلك، وما أمسكت فليس لك، فذلك ماله. وأما خليل فيقول: أنا معك، فإذا أتيت باب الملك تركتك ورجعت، فذاك أهله وحشمه، وأما خليل فيقول: أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت، فذلك عمله، فيقول: إن كنت لأهون الثلاثة علي، أو قال: عليك".
حسن: رواه أبو داود الطيالسي (٢١٢٥)، والبزار (٧٢٦٥) كلاهما من طريق عمران، عن قتادة، عن إسحاق، فذكره.
وصحّحه ابن حبان (٣١٠٨)، والحاكم (١/ ٣٧١) كلاهما من طريق أبي داود الطيالسي، عن عمران به.
وإسناده حسن من أجل عمران هو ابن داور القطان فإنه حسن الحديث.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل ابن آدم وماله وولده وعمله مثل رجل له ثلاثة أخلاء، قال له أحدهم: أنا معك ما دمت حيا، فإذا مت فلست مني ولا أنا منك، فذلك ماله. وقال الآخر: أنا معك، فإذا بلغت إلى قبرك فلست مني ولست
стр. 8299
لك، فذلك ولده، وقال الآخر: أنا معك حيا وميتا، فذلك عمله".
حسن: رواه البزار (٨٣٥٦)، وأبو الشيخ في الأمثال (٣٠٩)، والبيهقي في الشعب (٩٩٩٣) كلهم من طريق أبي عاصم -هو الضحاك بن مخلد النبيل- حدّثنا محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان وأبيه، فإنهما حسنا الحديث.
• عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثل المؤمن ومثل الموت كمثل رجل له ثلاثة أخلاء، أحدهم ماله قال: خذ ما شئت ودع ما شئت، وقال الآخر: أنا معك أحملك، فإذا مت تركتك، وقال الآخر: أنا معك أدخل معك وأخرج معك، فأحدهما ماله، والآخر أهله وولده، والآخر عمله".
حسن: رواه البزار (٣٢٧٢)، والحاكم (١/ ٧٤، ٣٧٢) كلاهما من طرق عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب فإنه حسن الحديث.
وروي عن سماك عن النعمان بن بشير موقوفا. والحكم لمن وصل.
١٠ - باب لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب اللَّه على من تاب
• عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٩)، ومسلم في الزكاة (١٠٤٨: ١١٧) كلاهما من طريق الزهري، عن أنس، فذكره.
وقال البخاري (٦٤٤٠) وقال لنا أبو الوليد: حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي قال: كنا نُرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].
• عن عباس بن سهل بن سعد قال: سمعت ابن الزبير على المنبر بمكة في خطبته يقول: يا أيها الناس إن النبي ﷺ كان يقول: "لو أن ابن آدم أعطي واديا ملئا من ذهب أحب إليه ثانيا، ولو أعطي ثانيا أحب إليه ثالثا، ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٨) عن أبي نعيم، حدّثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن عباس بن سهل بن سعد قال: فذكره.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لو أن لابن آدم واديا مالا
стр. 8300
لأحب أن له مثله، ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
صحيح: رواه أحمد (١٤٦٥٧)، وابن حبان (٣٢٣٤) كلاهما من طرق عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أن لابن آدم واديين من مال لأحب أن يكون معهما ثالث، ولا يملأ نفسه إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
حسن: رواه ابن ماجه (٤٢٣٥) عن أبي مروان العثماني (هو محمد بن عثمان)، حدّثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي مروان وعبد العزيز والعلاء فكلهم حسن الحديث.
وصحّحه أيضًا البوصيري في زوائده.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى إليهما الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
حسن: رواه الطبراني في الصغير والأوسط - مجمع البحرين (٤٩١٣) عن الحسين بن إسحاق التستري، ثنا حامد بن يحيى البلخي، ثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد بن أبي وقاص، فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٤): "ورواه الطبراني في الأوسط والصغير، ورجالهما رجال الصحيح غير حامد بن يحيى البلخي وهو ثقة".
قلت: إسناده حسن من أجل حامد بن يحيى البلخي روى عنه أبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال أبو حاتم: "صدوق" وذكره ابن حبان في الثقات.
• عن زيد بن أرقم قال: لقد كنا نقرأ على عهد رسول اللَّه ﷺ : "لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة، لابتغى إليهما آخر، ولا يملأ بطن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
صحيح: رواه أحمد (١٩٢٨٠)، والبزار - كشف الأستار (٣٦٣٩)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٠٧) كلهم من طريق يوسف بن صهيب، حدثني حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٣): "رواه أحمد والطبراني والبزار بنحوه، ورجالهم ثقات".
• عن أبي الأسود قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة، كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها، غير أني قد حفظت منها: لو
стр. 8301
كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيتها غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون، فتكتب شهادةً في أعناقكم، فتسألون عنها بيوم القيامة.
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٥٠) حدثني سويد بن سعيد، حدّثنا علي بن مسهر، عن داود، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه قال: فذكره.
هذا الحديث وغيره مما سيأتي ذكره بمعناه يدل على أن قوله: "لو كان لابن آدم واديان. . . " إلى آخر الحديث، كان من سورة البينة، بل قول أبي موسى الأشعري يدل على أن السورة التي فيها قوله: "لو كان لابن آدم" تشبه في الطول والشدة بسورة "البراءة" أي في الطول نحو (١٢٩) آية كما في سورة البراءة، ولم يبق منها إلا قوله: "لو كان لابن آدم" الحديث.
هذا القول وما سيأتي بعده كله يحمل على ظن هؤلاء الصحابة رضوان اللَّه عليهم بأنه من القرآن لنسق نظمها، فلما نزلت سورة: كما في حديث أنس في أول حديث الباب فهموا أن قوله: "لو كان لابن آدم" ليس من القرآن، وإنما هو من قول النبي ﷺ ، وروي هذا الحديث بالمعنى بألفاظ مختلفة في ظاهرها التعارض، والجمع ممكن بأن الأصل أنه ظن.
ونقل القرطبي في تفسيره (٢٠/ ١٣٩) قول أبي بكر الأنباري فقال: "حدّثنا أحمد بن الهيثم بن خالد، قال: حدّثنا علي بن الجعد، قال: حدّثنا عكرمة، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: في قراءة أبي بن كعب: ابن آدم لو أعطي واديا من مال لالتمس ثانيا، ولو أعطي واديين من مال لالتمس ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب. قال عكرمة: قرأ علي عاصم (لم يكن) ثلاثين آية، هذا فيها.
قال أبو بكر: هذا باطل عند أهل العلم، لأن قراءتي ابن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبي بن كعب، لا يقرأ فيهما هذا المذكور في (لم يكن) مما هو معروف في حديث رسول اللَّه ﷺ ، على أنه من كلام الرسول ﵇، لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن. وما رواه اثنان معهما الإجماع، أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة". اهـ.
• عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب أن يكون إليه مثله، ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب، واللَّه يتوب على من تاب"
قال ابن عباس: فلا أدري أمن القرآن هو أم لا؟
وفي لفظ: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".
стр. 8302
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٧)، ومسلم في الزكاة (١٠٤٩) كلاهما من طريقين عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس يقول، فذكره.
ورواه البخاري (٦٤٣٦) عن أبي عاصم، عن ابن جريج عن عطاء به.
• عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى عمر يسأله، فجعل ينظر إلى رأسه مرة، وإلى رجليه أخرى، هل يرى عليه من البؤس شيئًا؟ ثم قال له عمر: كم مالُك؟ قال: أربعون من الإبل. قال ابن عباس: فقلت: صدق اللَّه ورسوله، "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب"، فقال عمر: ما هذا؟ فقلت: هكذا أقرأنيها أبي، قال: فمر بنا إليه، قال: فجاء إلى أبي، فقال: ما يقول هذا؟ قال أبي: هكذا أقرأنيها رسول اللَّه ﷺ ، قال: أفأثبتها؟ قال: نعم، فأثبتها.
صحيح: رواه أحمد (٢١١١١)، وصحّحه ابن حبان (٣٢٣٧) كلاهما من طريق أبي معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني (واسمه: سليمان بن أبي سليمان الكوفي)، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي بن كعب قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه أمرني أن أقرأ عليك القرآن"، قال: فقرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] قال: فقرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه، لسأل ثانيا، ولو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب، وإن ذلك الدين عند اللَّه الحنيفية، غير المشركة، ولا اليهودية، ولا النصرانية، ومن يفعل خيرًا فلن يُكْفَرَه".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٨٩٨)، وأحمد (٢١٢٠٢)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٢٤ و ٥٣١) كلهم من طريق شعبة، عن عاصم قال: سمعت زر بن حبيش يحدث عن أبي بن كعب قال: فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وإسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة، فإنه حسن الحديث.
وأما ما روي عن بريدة بن الحصيب قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في الصلاة: "لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لابتغى إليه ثانيا، ولو أعطي ثانيا، لابتغى إليه ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب". فهو ضعيف.
رواه البزار - كشف الأستار (٣٦٣٤)، والروياني في مسنده (٤٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٠٣٦) كلهم من طرق عن أبي العلاء، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، فذكره.
وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٤): "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير صبيح أبي
стр. 8303
العلاء وهو ثقة".
وأبو العلاء هو صبيح الهذلي مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان على قاعدته.
• عن مسروق قال: سألت عائشة: هل كان رسول اللَّه ﷺ يتمثل؟ قالت: كان يقول إذا دخل بيته يتمثل يقول: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللَّه على من تاب، إنما جعل المال لتقضى به الصلاة، وتؤتى به الزكاة" قالت: فكنا نرى أنه مما نسخ من القرآن.
حسن: رواه أبو يعلى (٤٤٦٠) عن زكريا (هو ابن يحيى الواسطي) حدّثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل مجالد بن سعيد الهمداني، فإنه ليس بالقوي لأنه تغير في آخر عمره، لكن هشيم بن بشير ممن سمع منه قبل اختلاطه.
ورواه أحمد (٢٤٢٧٦) عن يحيى القطان، عن مجالد، به مثله. ويحيى هذا ممن روى عنه قبل الاختلاط.
قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٤): "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط، ولكن يحيى القطان لا يروي عنه ما حدث به في اختلاطه".
وللحديث طرق أخرى تقوي ما سبق.
• عن أبي واقد الليثي قال: كنا نأتي النبي ﷺ إذا أنزل عليه فيحدثنا، فقال لنا ذات يوم: "إن اللَّه قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد لأحب أدن يكون إليه ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب اللَّه على من تاب".
حسن: رواه أحمد (٢١٩٠٦)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٧٩) كلاهما من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام بن سعد فإنه حسن الحديث إذا روى عن زيد بن أسلم فإنه من أثبت الناس فيه.
١١ - باب في ذم من كان عبدًا للدنيا
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٣٥) عن يحيى بن يوسف، أخبرنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 8304
١٢ - باب ما جاء في حب المال والشرف
• عن كعب بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرَف لدينه".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٧٦) وأحمد (١٥٧٨٤)، وصحّحه ابن حبان (٣٢٢٨) كلهم من طرق عن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن ابن كعب بن مالك الأنصاري، عن أبيه، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وابن كعب بن مالك هكذا ورد في المصادر غير مسمى، فيحتمل أن يكون عبد اللَّه أو عبد الرحمن، وكلاهما ثقة من رجال الشيخين.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما ذئبان ضاريان جائعان في غنم افترقت أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأسرع فسادًا من امرئ في دينه يحب شرف الدنيا ومالها".
حسن: رواه أبو يعلى (٦٤٤٩) عن أبي بكر بن زنجويه، حدّثنا عمرو بن الربيع، حدّثنا يحيى ابن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف، ولم يأت بما ينكر عليه.
وكذلك عمارة بن غزية أيضًا حسن الحديث، وجوّد إسناده البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٧٢٥٢).
• عن جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما ذئبان جائعان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاؤها بأفسد من التماس الشرف والمال لدين المؤمن".
حسن: رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٠٥)، والبيهقي في الشعب (٩٧٨٧) كلاهما من طرق عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن معاذ بن رفاعة الأنصاري الزرقي، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل موسى بن يعقوب فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف.
١٣ - باب مثل الدنيا لأربعة نفر
• عن أبي كبشة الأنماري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثا فاحفظوه" قال: "فأما الثلاث الذي أقسم عليهن: فإنه ما نقصَ مالَ عبدٍ صدقةٌ، ولا ظُلِمَ عبد بمظلمةٍ فيصبرُ عليها إلا زاده اللَّهُ بها عزًّا، ولا
стр. 8305
يفتحُ عبدٌ بابَ مسألةٍ إلا فتح اللَّهُ له بابَ فقرٍ.
وأما الذي أحدثكم حديثا فاحفظوه فإنه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر:
عبدٌ رزقه اللَّه مالا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم للَّه فيه حقه، قال: فهذا بأفضل المنازل.
قال: وعبدٌ رزقه اللَّه علما ولم يرزقه مالا، قال: فهو يقول: لو كان لي مالٌ عملت بعمل فلان، قال: فأجرهما سواء.
قال: وعبدٌ رزقه اللَّه مالا ولم يرزقه علما، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه ، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم للَّه فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل.
قال: وعبدٌ لم يرزقه اللَّه مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مال لعملت بعمل فلان قال: هي نيته فوزرهما فيه سواء".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٢٥)، وأحمد (١٨٠٣١) - واللفظ له، كلاهما من طريق عبادة بن مسلم، حدثني يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، عن أبي كبشة الأنماري، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وهو كما قال، فإن إسناده حسن من أجل يونس بن خباب، ولا يضره تشيعه لأنه ليس فيه ما يؤيد مذهبه.
١٤ - باب الترهيب من اختيار الرهبانية وترك الدنيا
قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد: ٢٧].
• عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٠٦٣) من طريق حميد بن أبي حُميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك يقول: (فذكره). واللفظ له.
стр. 8306
ورواه مسلم في النكاح (١٤٠١) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، بمعناه.
• عن أبي جُحيفة قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدّرداء، فزار سلمان أبا الدّرداء فرأى أم الدرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كل فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدّرداء يقوم، قال: نمْ، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نَمْ. فلما كان آخر الليل قال سلمان: قمْ الآن. فصلّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النّبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : "صدق سلمان".
صحيح: رواه البخاريّ في الصوم (١٩٦٨)، عن محمد بن بشّار، حدّثنا جعفر بن عون، حدّثنا أبو العُميس، عن عَون بن أبي جحيفة، عن أبيه، فذكره.
• عن عائشة قالت: دخلت امرأة عثمان بن مظعون -واسمها خولة بنت حكيم- على عائشة وهي باذّة الهيئة، فسألتها: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار. فدخل النبي ﷺ فذكرت ذلك له عائشة، فلقي النبي ﷺ فقال: "يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيّ أسوة؟ فواللَّه إن أخشاكم للَّه، وأحفظكم لحدوده لأنا".
صحيح: رواه عبد الرزاق (١٠٣٧٥) عن معمر، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة قالت: فذكرته.
ومن هذا الطريق رواه البزار - كشف الأستار (١٤٥٨) وابن حبان (٩) ولكن عن عروة وحده.
ورواه أحمد (٢٥٨٩٣) عن عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، قال: دخلت امرأة عثمان، فذكره مرسلًا.
وإليه أشار الهيثمي في المجمع (٤/ ٣٠١) بقوله: "وأسانيد أحمد رجالها ثقات إلا أن طريق "إن أخشاكم" أسندها أحمد، ووصلها البزار برجال ثقات".
وأما ما قيل: لا رهبانية في الإسلام، فلم أجد له أصلا، وقد روي عن يزيد الفقير، عن جابر ابن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق لمن لا يملك، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وصال في صيام، ولا رضاع بعد فطام، ولا يتم بعد حلم، ولا رهبانية فينا".
وفيه سعيد بن المرزبان البقال ضعيف جدًّا، ومن طريقه أخرجه ابن حبان في المجروحين (٣٨٤)، وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٦٤١): "هذا حديث لا يصح لأجل سعيد بن المرزبان البقال فإنه متروك". وأما ما رُوي عن أبي أمامة مرفوعا: "ولا تكونوا كرهبانية النصارى" فهو ضعيف. رواه البيهقي (٧/ ٧٨) وفي إسناده محمد بن ثابت البصري، ضعفه أكثر أهل العلم.
стр. 8307
جموع ما جاء فيى عدم المبالغة في المباحات
١ - باب كراهة المبالغة في المباحات
روي عن عطية السعدي -وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يبلغ العبدُ أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس".
رواه الترمذيّ (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥)، والحاكم (٤/ ٣١٩) كلهم من طريق أبي عقيل عبد اللَّه بن عقيل الثقفي، حدّثنا عبد اللَّه بن يزيد، حدثني ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس، عن عطية السعدي، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
قلت: فيه عبد اللَّه بن يزيد الدمشقي ذكره الجوزجاني في أحوال الرجال (٢٩٠) وقال: "أحاديثه منكرة". ولم أقف من تابعه على ذلك، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ونقل عن أبيه: روى عنه أبو عقيل الثقفي ومحمد بن سعد الأنصاري". ولم يقل فيه شيئًا، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم أقف على توثيق غيره له فهو في أكثر أحواله مجهول الحال. ولكن أطلق عليه الحافظ في "التقريب" أنه ضعيف.
٢ - باب كراهية الاسراف والمبالغة في بناء البيت
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: مر بنا رسول اللَّه ﷺ ونحن نصلح خصا لنا، فقال: "ما هذا؟ " قلنا: خصا لنا وَهَى، فنحن نصلحه، قال: فقال: "أما إن الأمر أعجل من ذلك".
صحيح: رواه أبو داود (٥٢٣٦)، والترمذي (٢٣٣٥)، وابن ماجه (٤١٦٠)، وأحمد (٦٥٠٢)، وصحّحه ابن حبان (٢٩٩٧) كلهم من طريق أبي معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي السفر (واسمه: سعيد بن يحمد)، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
قوله: "الخص" بيت من شجر أو قصب.
وقوله: "وَهَى" وهى الحائطُ يهي إذا ضعفَ وهمَّ بالسقوط.
وقوله: "الأمرُ" يعني أمر الارتحال عن الدنيا والموت.
стр. 8308
• عن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه ﷺ خرج فرأى قبة مشرفة فقال: "ما هذه؟ " قال له أصحابه: هذه لفلان رجل من الأنصار، قال: فسكت وحملها في نفسه، حتى إذا جاء صاحبها رسولَ اللَّه ﷺ في الناس أعرض عنه، صنع ذلك مرارًا، حتى عرف الرجل الغضب فيه، والإعراض عنه، فشكا ذلك إلى أصحابه، فقال: واللَّه إني لأنكر رسول اللَّه ﷺ ، قالوا: خرج فرأى قبتك، قال: فرجع الرجل إلى قبته فهدمها، حتى سوّاها بالأرض، فخرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم، فلم يرها، قال: "ما فعلت القبة؟ " قالوا شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها فقال: "أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا" يعنى ما لا بد منه.
حسن: رواه أبو داود (٥٢٣٧)، وأبو يعلى (٤٣٤٧)، والطحاوي في شرح المشكل (٩٥٦) كلهم من طريق زهير بن معاوية، حدّثنا عثمان بن حكيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن حاطب القرشي، عن أبي طلحة الأسدي، عن أنس، فذكره.
وأبو طلحة الأسدي روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد توبع.
رواه ابن ماجه (٤١٦١) عن العباس بن عثمان الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى ابن عبد الأعلى بن أبي فروة، حدثني إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، فذكره.
وعيسى بن عبد الأعلى قال الذهبي: "لا يكاد يعرف"، وقال ابن حجر: "مجهول". لكن لا بأس في المتابعة، وبهذه المتابعة يرتقي الحديث على درجة الحسن.
وجوّده أيضًا العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ٢٣٦).
قوله: "كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا" يعني ما لا بد منه، فالوعيد لمن أسرف في البناء وتفاخر فيه.
وأما من بنى حسب حاجته وحاجة أهله وعياله فليس عليه شيء، ويدل عليه حديث ابن عمر الآتي:
• عن ابن عمر قال: رأيتني مع النبي ﷺ بنيتُ بيدي بيتا يُكنّني من المطر، ويظلّني من الشمس، ما أعانني عليه أحدٌ من خلق اللَّه.
صحيح: رواه البخاريّ في الاستئذان (٦٣٠٢) عن أبي نعيم، حدّثنا إسحاق (هو ابن سعيد) عن سعيد، عن ابن عمر، فذكره.
وقوله: "مع النبي ﷺ " أي في زمن النبي ﷺ . وروى البخاري (٦٣٠٣) من طريق سفيان بن عيينة قال عمرو: قال ابن عمر: واللَّه ما وضعت لبنة على لبنة، ولا غرست نخلة منذ قبض النبي ﷺ ، قال سفيان: فذكرته لبعض أهله قال: واللَّهِ لقد بنى، قال سفيان: قلت: فلعله قال قبل أن يبني.
стр. 8309
٣ - باب من كان له امرأة ومسكن فهو من الأغنياء
• عن أبي عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد اللَّه: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادما، قال: فأنت من الملوك.
قال أبو عبد الرحمن: وجاء ثلاثة نفر إلى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وأنا عنده فقالوا: يا أبا محمد، إنا واللَّه ما نقدر على شيء، لا نفقة ولا دابة ولا متاع، فقال لهم: ما شئتم إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر اللَّه لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا" قالوا: فإنا نصبر، لا نسأل شيئًا.
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٧٩) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو هانئ، سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: فذكره.
وأما ما روي مرفوعا عن جمع من الصحابة: "من أصبح منكم معافًى في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا". فكلها ضعيفة وليس شيء منها على شرط "الجامع الكامل".
٤ - باب الترغيب في الرضا بالكفاف
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم، ورُزقَ كفافا، وقنعه اللَّه بما آتاه".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل (وهو ابن شريك)، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكر الحديث.
• عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٤٩)، وأحمد (٢٣٩٤٤)، وصحّحه ابن حبان (٧٠٥)، والحاكم (١/ ٣٤ - ٣٥) كلهم من حديث أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن يزيد المقري، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانئ الخولاني، أن أبا علي عمرو بن مالك الجَنْبِي، أخبره عن فضالة بن عبيد، فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
قلت: إسناده حسن من أجل أبي هانئ -وهو حميد بن هانئ الخولاني-، فإنه حسن الحديث.
стр. 8310
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس".
حسن: رواه ابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٣٠٦) عن عبد اللَّه بن محمد، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي رجاء، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن واثلة ابن الأسقع، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن عياش فإنه حسن الحديث في روايته عن أهل بلده أهل الشام، وشيخه أبو رجاء اسمه محرز بن عبد اللَّه الجزري مولى هشام بن عبد الملك وهو أيضًا حسن الحديث، قال أبو داود: ليس به بأس، شامي يحدث عنه الكوفيون.
ورواه ابن ماجه (٤٢١٧) من وجه آخر عن أبي معاوية، عن أبي رجاء بإسناده أطول منه وهو مخرج في باب ما جاء في خصال الخير.
• عن أبي العلاء يزيد بن عبد اللَّه الشخير قال: حدثني أحد بني سليم ولا أحسبه إلا قد رأى رسول اللَّه ﷺ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ﵎ يبتلي عبده بما أعطاه، فمن رضي بما قسم اللَّه له، بارك اللَّه له فيه ووسّعه، ومن لم يرضَ لم يباركْ له".
صحيح: رواه أحمد (٢٠٢٧٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والبيهقي في الشعب (٩٧٢٥) كلهم من طريق يونس بن عبيد، عن أبي العلاء يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير قال: فذكره. وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر، ولا يُعرف اسم هذا الصحابي بالتحديد، لكنْ جاء في بعض الروايات أنه سُليم السلمي، ذكره المصنفون في الصحابة مثل ابن عبد البر وغيره.
٥ - باب كراهية التنعم في المباحات
• عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: "إياك والتنعم؛ فإن عباد اللَّه ليسوا بالمتنعمين".
حسن: رواه أحمد (٢٢١٠٥)، والطبراني في مسند الشاميين (١٣٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٥٥) -والسياق له- كلهم من طريق بقية بن الوليد، حدّثنا السري بن ينعم، عن مريح بن مسروق، عن معاذ بن جبل قال: فذكره.
وفي مسند أحمد "إياي والتنعم" بدل "إياك والتنعم".
والحديث إسناده حسن من أجل بقية بن الوليد وهو حسن الحديث إذا صرح، وقد جاء التصريح في رواية أبي نعيم، والسري بن ينعم ومريح بن مسروق روى عنهما جمعٌ، وذكرهما ابن حبان في الثقات، قوله: "فإن عباد اللَّه ليسوا بالمتنعمين" أي لا يبالغون في المباحات.
стр. 8311
٦ - باب الاقتصاد في العبادة والأمور كلها
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر، ولن يُشَادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة"
صحيح: رواه البخاريّ في الإيمان (٣٩) عن عبد السلام بن مُطهّر، قال: حدّثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: فذكره.
قوله: "سدّدوا" أي الزموا السداد، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط.
وقوله: "قاربوا" أي لا تُفرِطوا فتُجهدوا أنفسكم في العبادة، لئلا يُفضي ذلك إلى الملل، فتتركوها.
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين".
صحيح: رواه أحمد (١٨٥١)، وابن ماجه (٣٠٢٩)، والنسائي (٥/ ٢٦٨)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٨٦٧)، وابن حبان (٣٨٧١)، والحاكم (١/ ٤٦٦) كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة، عن زياد بن معين، عن أبي العالية، عن ابن عباس قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ غداة جمع: "هلم القط لي"، فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده، قال: "نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين. . . " الحديث. وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: زياد بن حصين الحنظلي أو الرياحي من رجال مسلم وحده.
• عن سهل بن حنيف الأنصاري عن النبي ﷺ قال: "لا تُشدّدوا على أنفسكم، فإنما هلك من قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات".
حسن: رواه البخاريّ في التاريخ الكبير (٤/ ٩٧)، والطبراني في الكبير (٤/ ٩٧)، والأوسط (٣٠٧٨)، والبيهقي في الشعب (٣٦٠١) كلهم من طريق عبد اللَّه بن صالح أبو صالح، حدثني أبو شريح، أنه سمع سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح وهو كاتب الليث فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث إذا كان له أصل، ولم يكن في حديثه نكارة، وأبو شريح: هو عبد الرحمن بن شريح بن عبيد اللَّه المعافري ثقة من رجال الصحيح.
• عن مسروق قال: سألتُ عائشة أي العمل كان أحب إلى النبي ﷺ ؟ قالت: الدائم. قال: قلت: فأي حين كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦١)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٤١) كلاهما من
стр. 8312
طريق أشعث، عن أبيه، عن مسروق، فذكره.
• عن علقمة قال: سألت أم المؤمنين عائشة قلت: يا أم المؤمنين كيف كان عمل النبي ﷺ ؟ هل كان يخص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان النبي ﷺ يستطيع.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٦)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٨٣: ٢١٧) كلاهما من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، فذكره.
• عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "أحب الأعمال إلى اللَّه تعالى أدومها وإن قلَّ".
قال: وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته.
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٧٨٣: ٢١٨) عن ابن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا سعد ابن سعيد، أخبرني القاسم بن محمد، فذكره.
• عن عائشة أنها قالت: سئل النبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى اللَّه؟ قال: "أدومها وإن قل". وقال: "اكلفوا من الأعمال ما تطيقون".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٥)، ومسلم في صلاة المسافرين (١٨٢٨: ٢١٦) كلاهما من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكرته.
• عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان أحب العمل إلى رسول اللَّه ﷺ الذي يدوم عليه صاحبه.
صحيح: رواه مالك في جامع الصلاة (٩٧) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. ورواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٦٢) من طريق مالك به.
• عن عائشة قالت: كانت عندي امرأة، فدخل علي النبي ﷺ ، فقال: "من هذه؟ " قلت: فلانة، لا تنام -تذكر من صلاتها- فقال النبي ﷺ : "مَهْ، عليكم بما تطيقون، فواللَّه لا يمل اللَّه حتى تملوا". قالت: وكان أحب الدين إليه الذي يدوم عليه صاحبه.
صحيح: رواه النسائي (١٦٤٢)، وابن ماجه (٤٢٣٨)، وصحّحه ابن خزيمة (١٢٨٢) كلهم من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. وإسناده صحيح.
• عن أم سلمة قالت: والذي ذهب بنفسه ﷺ ما مات حتى كان أكثر صلاته وهو جالس، وكان أحب الأعمال إليه العمل الصالح الذي يدوم عليه العبد، وإن كان يسيرًا.
صحيح: رواه النسائي (١٦٥٥)، وابن ماجه (١٢٢٥) - واللفظ له، وأحمد (٢٦٥٩٩)،
стр. 8313
وصحّحه ابن حبان (٢٥٠٧) كلهم من طرق عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة - فذكرته. وإسناده صحيح.
وبمعناه ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اكفلوا من العمل ما تطيقون، فإن خير العمل أدومه وإن قل".
رواه ابن ماجه (٤٢٤٠)، وأحمد (٨٦٠٠) كلاهما من طريق ابن لهيعة، حدّثنا عبد الرحمن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره.
وابن لهيعة فيه كلام معروف، وليس هذا من رواية العبادلة وقتيبة بن سعيد عنه.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: مرّ رسول اللَّه ﷺ على رجل يصلي على صخرة، فأتى ناحية مكة، فمكث مليا ثم انصرف، فوجد الرجل يصلي على حاله، فقام، فجمع يديه، ثم قال: "يا أيها الناس، عليكم بالقصد، -ثلاثا- فإن اللَّه لا يمل حتى تملّوا"
حسن: رواه ابن ماجه (٤٢٤١)، وأبو يعلى (١٧٩٧)، وابن حبان (٣٥٧) كلهم من طريق يعقوب بن عبد اللَّه الأشعري القمي، عن عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عيسى بن جارية قال فيه أبو زرعة: "لا بأس به". وقد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم مثل ابن معين وأبي داود وغيرهما إلا أن حديثه هذا له أصل ثابت.
• عن بريدة الأسلمي قال: خرجت يوما أمشي فرأيت رسول اللَّه ﷺ ، فظننته يريد حاجة، فعارضته حتى رآني فأرسل إلي، فأتيته فأخذ بيدي، فانطلقنا نمشي جميعا، فإذا رجل بين أيدينا يصلي يكثر الركوع والسجود، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تراه مرائيا؟ " قلت: اللَّه ورسوله أعلم، فأرسل يدي، فقال: "عليكم هديا قاصدًا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه"
حسن: رواه أحمد (١٩٧٨٩)، والبيهقي في الشعب (٣٦٠٠) واللفظ له، وصحّحه ابن خزيمة (١١٧٩)، والحاكم (١/ ٣١٢) كلهم من طريق عُيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن بريدة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن الغطفاني، قال فيه أحمد وابن معين: "ليس به بأس"، ووثّقه النسائي.
وكان يزيد بن هارون شيخ أحمد يروي عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي برزة الأسلمي في بغداد، والمحفوظ أنه من مسند بريدة الأسلمي ﵁.
وأما ما رُويَ عن ابن الأدرع قال: كنت أحرس النبي ﷺ ذات ليلة، فخرج لبعض حاجته، قال: فرآني، فأخذ بيدي، فانطلقنا، فمررنا على رجل يصلي يجهر بالقرآن، فقال النبي ﷺ : "عسى أن يكون مرائيا" قال: قلت: يا رسول اللَّه يصلي يجهر بالقرآن، قال: فرفض يدي، ثم قال: "إنكم
стр. 8314
لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة" فهو ضعيف.
رواه أحمد (١٨٩٧١) عن وكيع، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن الأدرع قال: فذكره في حديث طويل.
وهشام بن سعد ضعّفه جمهور أهل العلم، ولكن قال أبو حاتم: "يكتب حديثه" يعني عند المتابعة.
والمبالغة في شيء دليل الرياء، ولهذا نهى عنه.
وجاء في الأثر عن مطرف قال لابنه عبد اللَّه: العلم أفضل من العمل، والحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوسطها، وشرّ السير الحقحقة.
ذكره أبو عبيد في غريب الحديث (٤/ ٣٨٨)، ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٣٦٠٥).
قال أبو عبيد: قوله: "الحسنة بين السيئتين" أي أن الغلو في العمل سيئة، والتقصير عنه سيئة، والحسنة بينهما وهو القصد.
والحقحقة -هو المتعب من السير- وقيل: هو أن تُحمل الدابة على ما لا تطيقه، وفيه إشارة إلى الرفق في العبادة وعدم الغلو فيها.
ورواه البيهقي في الشعب من وجه آخر مرفوعا ولا يصح.
• * *
стр. 8315
٦٤ - كتاب الاعتصام بالقرآن والسنة
١ - باب وجوب التمسك بالكتاب والسنة
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الحشر: ٧]
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [سورة النساء: ٥٩]
والردُّ إلى اللَّه هو القرآن، والردُّ إلى الرسول هو سنته الصّحيحة.
وروى مالكٌ في الموطأ في كتاب القدر (٣) أنه بلغه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تركتُ فيكم أمرين، لن تضلّوا ما تمسكتم بهما كتاب اللَّه وسنة نبيه"
هكذا ذكره مالك بلاغا وهو حديث مشهور بين أهل العلم، ولذا استغنى مالك عن ذكر سنده، وقد روي بمعناه أحاديث وآثار كثيرة، منها:
• عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس في حجة الوداع، فقال: "قد يئس الشيطان أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب اللَّه وسنة نبيه، إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا، ولا ترجعوا من بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض".
حسن: رواه الحاكم (١/ ٩٣) من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي، عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل إسماعيل بن أبي أويس وأبيه.
وقال الحاكم: قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج مسلم بأبي أويس، وسائر رواته متفق عليهم، وهذا الحديث لخطبة النبي ﷺ متفق على إخراجه في الصحيح: "يا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه، وأنتم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " وذكر الاعتصام بالسنة في هذه الخطبة غريب ويحتاج إليها. اهـ، وهو يقصد به حديث
стр. 8316
جابر في صفة حجة النبي ﷺ كما سيأتي.
ثم ذكر الحاكم شاهدًا من حديث أبي هريرة وهو ما روي عنه مرفوعا بلفظ: "إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب اللَّه وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض"
رواه الحاكم (١/ ٩٣) عن أبي بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ محمد بن عيسى بن السكن الواسطي، ثنا داود بن عمرو الضبي، ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي إسناده صالح بن موسى الطلحي ضعيف عند جمهور أهل العلم.
وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، ولكنه يشبه عليه ويخطئ، وأكثر ما يرويه عن جده من الفضائل ما لا يتابعه عليه أحد". اهـ
وروي نحوه من حديث عمرو بن عوف، أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٣١)، وفي إسناده كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف ضعّفه أحمد والنسائي وابن معين وغيرهم.
• عن جابر بن عبد اللَّه في حديث طويل في صفة حجة النبي ﷺ جاء فيه: قال النبي ﷺ : "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب اللَّه، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. . الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨: ١٤٧) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره في حديث طويل.
• عن أبي رافع، عن النبي ﷺ قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، ونهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب اللَّه اتبعناه".
صحيح: رواه أبو داود (٤٦٠٥)، وأحمد (٢٣٨٧٦)، البخاري في المناقب (٣٥٥٧) عن قتيبة ابن سعيد، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره وصحّحه الحاكم (١/ ١٠٨) من طرق عن سفيان (وهو ابن عيينة)، عن أبي النضر سالم، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فذكره.
وقال الحاكم: "قد أقام سفيان بن عيينة هذا الإسناد، وهو صحيح على شرط الشيخين".
قلت: وكذلك رواه مالك بن أنس، عن سالم بن أبي النضر، ومن طريقه رواه ابن حبان (١٣).
وإسناده صحيح، وقد وقع اختلاف طويل في إسناده، ساقه الدارقطني في العلل (١١٧٢) ثم قال في آخره: "والصواب قول من قال: عن أبي النضر، عن ابن أبي رافع، عن أبيه" اهـ.
• عن المقدام بن معدي كرب عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب
стр. 8317
ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه".
صحيح: رواه أبو داود (٤٦٠٤) وأحمد (١٧١٧٤) كلاهما من طريق حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب، فذكره، واللفظ لأبي داود.
وهذا إسناد صحيح. وللحديث طرق أخرى عن المقدام بن معدي كرب.
ولا يصح ما روي عن عوف بن مالك قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ بالهاجرة وهو مرعوب فقال: "أطيعوني ما كنت بين أظهركم، وعليكم بآيات اللَّه، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه".
رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٨) من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا معاوية بن صالح، عن محمد بن حرب، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن نعيم ابن همار، عن المقدام بن معد يكرب، عن أبي أيوب الأنصاري، عن عوف بن مالك، فذكره.
وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث فقال: "هذا حديث باطل". علل ابن أبي حاتم (١٤١٠).
قلت: متنه غريب جدًّا؛ فإنه لم يثبت في الأحاديث الصّحيحة الثابتة في طاعة النبي ﷺ هذا القيد: "ما كنت فيكم"، بل أجمع أهل العلم أن طاعته ﷺ في حياته وبعد مماته على حد سواء.
وفي إسناده سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، وهو ابن بنت شرحبيل الدمشقي صدوق إلا أنه وقع في حديثه المناكير والأباطيل، وهذا منها.
ولا يصحُّ أيضًا ما رواه أحمد (٦٦٠٥) عن يحيى بن إسحاق، حدّثنا ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن مريح الخولاني، قال: سمعت أبا قيس مولى عمرو بن العاص، يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو، يقول: فذكر حديثا وفي آخره: "فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي، فعليكم بكتاب اللَّه، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه".
في إسناده ابن لهيعة سيء الحفظ، وعبد الرحمن بن شريح مجهول كما قال أبو حاتم.
• عن العرباض بن سارية السلمي قال: نزلنا مع النبي ﷺ خيبر، ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلًا ماردًا منكرًا، فأقبل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! ألكم أن تذبحوا حمرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا؟ ! فغضب -يعني: النبي ﷺ ، وقال: "يا ابن عوف! اركب فرسك، ثم ناد: ألا إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة" قال: فاجتمعوا، ثم صلى بهم النبي ﷺ ، ثم قام فقال:
стр. 8318
"أيحسب أحدكم متكئا على أريكته، قد يظن اللَّه أن اللَّه لم يحرم شيئًا إلا ما في هذا القرآن! ألا وإني -واللَّه- قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل هذا القرآن أو أكثر، وإن اللَّه لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم"
حسن: رواه أبو داود (٣٠٥٠) عن محمد بن عيسى، حدّثنا أشعث بن شعبة، حدّثنا أرطأة بن المنذر قال: اسمعت حكيم بن عمير أبا الأحوص، يحدث عن العرباض بن سارية السلمي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل حكيم بن عمير، فإنه حسن الحديث، ومن أجل أشعث بن شعبة، وثّقه أبو داود والطبراني في الدعاء عقب حديث (١٨٧)، وذكره ابن حبان في الثقات، ولكن قال أبو زرعة: "ليّن"، فمثله يحسن حديثه إذا لم يخالف، ولم يأت بما ينكر عليه.
• عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] فسلمنا، وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال عرباض: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللَّه، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى اللَّه، والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
حسن: رواه أبو داود (٤٦٠٧) وأحمد (١٧١٤٥) وصحّحه ابن حبان (٥) والحاكم (١/ ٩٧) كلهم من حديث الوليد بن مسلم قال: حدّثنا ثور بن يزيد، حدّثنا خالد بن معدان، حدّثنا عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: فذكراه.
ورواه الترمذيّ (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٤)، وأحمد (١٧١٤٤)، والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦) كلهم من طرق عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحده بنحوه، وليس في هذه الرواية ذكر نزول الآية فيه.
وهذا إسناد حسن، فإن عبد الرحمن بن عمرو السلمي روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات، ولذا قال ابن حجر في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة، وقد تابعه حجر بن حجر وهو أيضًا "مقبول" لأنه تفرد بالرواية عنه خالد بن معدان، وذكره ابن حبان في الثقات، وأما الحاكم فقد عده في المستدرك (١/ ٩٧) من الثقات الأثبات.
стр. 8319
كما تابعهما يحيى بن أبي المطاع القرشي، فقد رواه ابن ماجه (٤٢)، والحاكم (١/ ٩٧) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن العلاء بن زبر قال: حدثني يحيى بن أبي المطاع قال: سمعت العرباض ابن سارية يقول: فذكره نحوه.
واختلف في سماع يحيى بن أبي المطاع من العرباض بن سارية، فأثبته البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٦)، ونفاه غيره.
وله طرق أخرى عن العرباض بن سارية، ولذا صحّحه جمع من أهل العلم.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال البزار -فيما نقل عنه ابن عبد البر-: "حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين هذا حديث ثابت صحيح". جامع بيان العلم (٢/ ١١٦٥).
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، وليس له علة.
وقال أبو نعيم: "هذا حديث جيد من صحيح حديث الشاميين". (المسند المستدرك على صحيح مسلم (١/ ٣٦).
• عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، أنها قالت: أتيت عائشة زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها نحو السماء، وقالت: سبحان اللَّه، فقلت: آية؟ فأشارت أن نعم. قالت: فقمت حتى تجلاني الغشي فجعلت أصب فوق رأسي الماء، فحمد رسول اللَّه ﷺ وأثنى عليه، ثم قال: "ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار. ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبا من فتنة الدجال (لا أدري أيتهما قالت أسماء) يؤتى أحدكم، فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن (لا أدري أي ذلك قالت أسماء) فيقول: هو محمد رسول اللَّه ﷺ جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له: نم صالحا، قد علمنا إن كنت لمؤمنا. وأما المنافق أو المرتاب (لا أدرى أيتهما قالت أسماء) فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
متفق عليه: رواه مالك في الخسوف (٤) عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، فذكرته.
ورواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٨٧) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الكسوف (١١: ٩٠٥) من طريق ابن نمير، عن هشام، به.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى
стр. 8320
يكون هواه تبعا لما جئت به".
حسن: رواه الحسن بن سفيان النسوي في الأربعين (٩) -ومن طريقه الهروي في ذم الكلام (٣٢٠) - والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (٢٠٩) والخطيب في تاريخه (٤/ ٣٦٩) كلهم من طريق نعيم بن حماد، حدّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد ابن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وإسناده حسن من أجل نعيم بن حماد فإنه مختلف فيه غير أنه يحسن حديثه إذا لم يتبين خطؤه.
وهذا الحديث لم يذكره ابن عدي في الكامل، مع أنه تتبع ما أخطأ فيه نعيم بن حماد، وقال: "باقي حديثه مستقيم".
وصحّحه النووي في الأربعين، وخرجه أبو نعيم في كتاب الأربعين، وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه، وخرجه الأئمة في مسانيدهم.
وقد أعل الحديث بعلل أهمها تفرد نعيم بن حماد، وبه أعله البيهقي في المدخل، ولذا حكمت عليه بالضعف، والآن قد تبين لي أن كل حديث يتفرد به نعيم بن حماد لا يكون ضعيفا، بل قد يكون منه صالحًا وغير صالح. انظر بقية العلل في جامع العلوم والحكم (الحديث الحادي والأربعون).
وأما معنى الحديث فقد ورد في القرآن في غير موضع كما قال الحافظ ابن رجب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ٦٥]
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]
وأطال الكلام في شرح الحديث.
• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن مثلي ومثل ما بعثني اللَّه به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم، واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني، وكذب ما جئت به من الحق".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٨٣) ومسلم في الفضائل (٢٢٨٣) كلاهما عن أبي كريب، حدّثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره.
стр. 8321
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد ﷺ ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع اللَّه، ومن عصى محمدًا ﷺ فقد عصى اللَّه، ومحمد ﷺ فرقٌ بين الناس.
صحيح: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٨١) عن محمد بن عبادة، أخبرنا يزيد: حدّثنا سليمان بن حبان، حدّثنا سعيد بن ميناء، سمعت جابرا يقول: فذكره.
• عن أبي هريرة أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذكم بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٨٣)، ومسلم في الفضائل (١٧: ٢٢٨٤) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري.
• عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش، أو الذباب"
حسن: رواه أحمد (٣٧٠٤) عن وكيع، عن المسعودي، عن عثمان الثقفي أو الحسن بن سعد -شك المسعودي- عن عبدة النهدي، عن عبد اللَّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبدة هو ابن حزن النصري مختلف في صحبته، والصواب أنه لا صحبة له، إلا أنه حسن الحديث لأنه روى عنه جمعٌ، وذكره ابن حبان في الثقات.
ولا يضر شك المسعودي في تعيين شيخه لأن كليهما عثمان بن المغيرة الثقفي والحسن بن سعد الهاشمي ثقتان.
والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة اختلط، لكنْ روى عنه وكيع قبل اختلاطه.
قوله: "سيطلعها منكم مطلع" أي سيرتكبها منكم مرتكبٌ.
стр. 8322
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى". قالوا: يا رسول اللَّه، ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".
صحيح: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٨٠) عن محمد بن سنان، حدّثنا فليح: حدّثنا هلال ابن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره.
وبمعناه ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على اللَّه كشراد البعير"، قالوا: يا رسول اللَّه، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".
رواه ابن حبان (١٧)، والطبراني في الأوسط (٨١٢)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٣٢ - ٩٣٣) من طرق عن خلف بن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن العلاء بن المسيب إلا خلف بن خليفة.
قلت: خلف بن خليفة اختلط قبل موته، وفي ترجمته ساق ابن عدي هذا الحديث.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من أطاعني فتد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧١٣٧)، ومسلم في الإمارة (٣٣: ١٨٣٥) كلاهما من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، فذكره.
• عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ كان في نفر من أصحابه، فقال: "ألستم تعلمون أني رسول اللَّه إليكم؟ "، قالوا: بلى نشهد أنك رسول اللَّه، قال: "ألستم تعلمون أنه من أطاعني، فقد أطاع اللَّه، ومن طاعة اللَّه طاعتي؟ "، قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع اللَّه، ومن طاعة اللَّه طاعتك، قال: "فإن من طاعة اللَّه أن تطيعوني، ومن طاعتي أن تطيعوا أمرائكم، وإن صلوا قعودًا فصلوا قعودا".
وفي لفظ "أئمتكم" بدل "أمرائكم".
صحيح: رواه أحمد (٥٦٧٩) وصحّحه ابن حبان (٢١٠٩) من طريق عقبة بن أبي الصهباء، عن سالم بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
وإسناده صحيح. وهو مخرج في كتاب الصلاة، جموع ما جاء في الإمامة.
• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت منها الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان: لا تمسك ماء، ولا
стр. 8323
تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللَّه، ونفعه بما بعثني اللَّه به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به".
متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٧٩)، ومسلم في الفضائل (٢٢٨٢) من طرق عن أبي أسامة (حماد بن أسامة)، عن بريد بن عبد اللَّه، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكر الحديث. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٨٨)، ومسلم في الفضائل (١٣١: ١٣٣٧) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: فذكره. واللفظ للبخاري.
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن لكل عمل شرّةً، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك".
صحيح: رواه أحمد (٦٧٦٤) وصحّحه ابن خزيمة (٢١٠٥) وابن حبان (١١) كلهم من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره، واللفظ لأحمد. وإسناده صحيح، وهو جزء من حديث طويل مخرج في قيام الليل.
• عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن لكل شيء شِرةً، ولكل شرة فترةً، فإن كان صاحبها سدّد وقارب فارجوه، وإنْ أشير إليه بالأصابع فلا تعدّوه".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٥٣)، وصحّحه ابن حبان (٣٤٩)، والطحاوي في شرح المشكل (١٢٤٢) كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
وقوله: "الشرّة" أي الحرص على الشيء والنشاط له، والفترة ضدها. ومعنى الحديث أن العامل يجتهد في عمله ويبالغ فيه ثم تنكسر همته، فمنهم من يرجع حين الفتور إلى الاعتدال في الأمر فيفلح. ومنهم من يترك العبادة بالكلية فيهلك.
وفي الباب عن حبيب بن أبي فضالة المكي قال: لما بني هذا المسجد مسجد الجامع -قال: وعمران بن حصين جالس-، فذكروا عنده الشفاعة، فقال رجل من القوم يا أبا نجيد، لتحدثونا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن، فغضب عمران بن حصين، وقال لرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثا، وصلاة العشاء أربعا، وصلاة الغداء ركعتين،
стр. 8324
والأولى أربعا، والعصر أربعا؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا الشأن ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن رسول اللَّه ﷺ . أوجدتم في كل أربعين درهما درهم، وفي كل كذا وكذا شاة، وفي كل كذا وكذا بعير كذا؟ أوجدتم في القرآن؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا؟ أخذناه عن رسول اللَّه ﷺ وأخذتموه عنا. قال: فهل وجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وجدتم هذا طوفوا سبعا واركعوا ركعتين خلف المقام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ عمن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي اللَّه ﷺ . أوجدتم في القرآن لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام" قال: لا، قال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام" أسمعتم اللَّه يقول لأقوامه في كتابه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] حتى بلغ ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قال حبيب: أنا سمعت يقول الشّفاعة.
رواه أبو داود (١٥٦١) والطبراني في الكبير (١٨/ ٢١٩) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٠٨١) كلهم من حديث محمد بن بشار، حدثني محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، حدّثنا صرد بن أبي المنازل قال: سمعت حبيب بن أبي فضالة المالكي، فذكره. ولفظ أبي داود مختصر.
في إسناده صرد بن أبي المنازل لا يذكر له راو غير محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، ولم أجد من وثّقه إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، ولذا قال ابن حجر: مقبول أي عند المتابعة، ولم أجد من تابعه عن حبيب بن أبي فضالة.
وروي نحوه من وجوه عدة عن الحسن، عن عمران بن حصين، أخرج حديثه مسدد (المطالب العالية ٣٠٩٨) والحاكم (١/ ١٠٩) والهروي في ذم الكلام وأهله (٢٤٩) والحسن لم يسمع من عمران بن حصين كما قال ابن المديني وغيره. (انظر المراسيل لابن أبي حاتم ٣٨ - ٣٩).
• عن أبي هريرة قال رسول اللَّه ﷺ : "المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد"
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (مجمع البحرين ٢٥٧) عن محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، حدّثنا محمد بن صالح العدوي، حدّثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي هريرة، فذكره.
قال المنذري في الترغيب والترهيب (٦٢): "رواه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد لا بأس به".
وإسناده حسن من أجل محمد بن صالح العدوي، فقد روى عنه غير واحد منهم الأئمة الحفاظ كالطبري، والبزار، ومحمد بن أحمد بن أبي خيثمة، ولكن لم أر من ترجم له. وأخرج له أبو عوانة في مستخرجه. ولعل المنذري قال من أجل ذلك: "إسناده لا بأس به".
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٢): "فيه محمد بن صالح العدوي ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله ثقات".
стр. 8325
وفيه أيضًا عبد المجيد بن عبد العزيز، وأبوه حسنا الحديث.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى اللَّه إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة"
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٧٤) ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من طريق الليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: إن رسول ﷺ مر على أصحابه وهم جلوس ينتظرونه، فلما خرج وقف عليهم فجلس، فقال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وتشهدون أني رسول اللَّه، وتشهدون أن هذا القرآن من عند اللَّه ؟ قالوا: بلى نشهد على هذا، قال ﷺ : "أبشروا فإن هذا القرآن سبب من اللَّه تعالى، طرفه بيد اللَّه تعالى، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به، لا تضلوا ولا تهلكوا بعده أبدا".
صحيح: رواه أحمد بن منيع البغوي في مسنده (٣٤٩٦ - المطالب العالية) عن أبي النضر (هو هاشم بن القاسم)، حدّثنا ليث (هو ابن سعد)، حدثني سعيد بن أبي سعيد (هو المقبري)، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي شريح الخزاعي قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أبشروا، أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه؟ " قالوا: نعم، قال: "فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد اللَّه، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبدًا"
حسن: رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٦٢٨) ومن طريقه ابن حبان (١٢٢) والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨٨) من حديث أبي خالد الأحمر، عن عبد المجيد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح الخزاعي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي خالد الأحمر، واسمه سليمان بن حيان، وهو حسن الحديث.
وقال المنذري في الترغيب (٥٩): "رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد".
حثّ النبي ﷺ في هذه الأحاديث على الاعتصام بالكتاب، ولم يذكر سنته بقرينة أن القرآن قد أمرهم بطاعته ﷺ واتخاذه قدوة حسنة، وكان ﷺ يبين كلام ربه بأقواله وأفعاله، وكان الصحابة يسارعون إلى اتباعه في كل دقيق وجليل بكل انشراح وتسليم فحثه على التمسك بالكتاب يشمل التمسك بالسنة باللزوم، ولذا اكتفى أحيانا بالقرآن وحده.
وكان الصحابة يوصي بعضهم بعضا بالأخذ بكتاب اللَّه كما قال أنس بن مالك: أنه سمع عمر
стр. 8326
الغد حين بايع المسلمون أبا بكر، واستوى على منبر رسول اللَّه ﷺ تشهد قبل أبي بكر، فقال: أما بعد، فاختار اللَّه لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى اللَّه به رسولكم، فخذوا به تهتدوا، وإنما هدى اللَّه به رسوله.
رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٦٩) عن يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك، فذكره.
وثبت عن أبي برزة قال: إن اللَّه يغنيكم -أو نعشكم- بالإسلام وبمحمد ﷺ .
رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٧١) عن عبد اللَّه بن صباح، حدّثنا معتمر قال: سمعت عوفا أن أبا المنهال حدثه أنه سمع أبا برزة قال: فذكره.
٢ - باب الحث على لزوم الصراط المستقيم
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: خط لنا رسول اللَّه ﷺ خطا، ثم قال: "هذا سبيل اللَّه"، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: "هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٣]
حسن: رواه أحمد (٤١٤٢)، وصحّحه ابن حبان (٦، و ٧)، والحاكم (٢/ ٣١٨) من طرقٍ عن حماد بن زيد، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد".
وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود.
وقد روي عن ابن مسعود نحوه من وجوه أخرى.
وبمعناه ما روي عن جابر بن عبد اللَّه قال: كنا عند النبي ﷺ فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال: "هذا سبيل اللَّه"، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
رواه ابن ماجه (١١)، وأحمد (١٥٢٧٧) كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، فذكره.
وفي إسناده مجالد، وهو ابن سعيد ضعيف.
• عن النواس بن سمعان الأنصاري، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ضرب اللَّه مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس ادخلو الصراط جميعا، ولا تتعرجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال:
стр. 8327
ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. والصراط الإسلام، والسوران حدود اللَّه، والأبواب المفتحة محارم اللَّه، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب اللَّه، والداعي من فوق الصراط واعظ اللَّه في قلب كل مسلم".
صحيح: رواه أحمد (١٧٦٣٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٢١٤٢) والحاكم (١/ ٧٣) كلهم من طرق عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير حدثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة".
ورواه الترمذيّ (٢٨٥٩)، وأحمد (١٧٦٣٦)، والطحاوي في شرح المشكل (٢١٤٣) كلهم من طريق بقية بن الوليد قال: حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس، فذكر نحوه.
وبقية مدلس، وقد صرّح بالتحديث مع احتمال بعض الأئمة لحديثه عن بحير بن سعد ولو بدون تصريح.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب".
٣ - باب وجوب امتثال ما قاله النبي ﷺ شرعا دون ما ذكره من أمور الدنيا على سبيل الرأي
• عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: مررت مع رسول اللَّه ﷺ بقوم على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء؟ ". فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى، فيلقح، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول اللَّه ﷺ بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن اللَّه شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على اللَّه ".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦١) من طريق أبي عوانة، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، فذكره.
• عن رافع بن خديج قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل، فقال: "ما تصنعون؟ "، قالوا: كنا نصنعه، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرًا"، فتركوه، فنقضت أو فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر".
стр. 8328
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٢) من طريق النضر بن محمد، حدّثنا عكرمة هو (ابن عمار)، حدّثنا أبو النجاشي، حدثني رافع بن خديج، فذكره.
• عن عائشة وأنس أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح". قال: فخرج شيصا، فمر بهم، فقال: "ما لنخلكم؟ " قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
وزاد في رواية أنس: "فإذا كان من أمر دينكم فإليَّ".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٣) من طريق الأسود بن عامر، حدّثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وعن ثابت، عن أنس، فذكراه.
ورواه أحمد (١٢٥٤٤) عن عبد الصمد، عن حماد، عن ثابت، عن أنس، فذكر نحوه، وزاد: "فإذا كان من أمر دينكم فإلي".
قوله: "يلقحون" من التلقيح، وهو إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى.
وقوله: "شيصا" هو البسر الرديء إذا يبس صار حشفا.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما أخبرتكم أنه من عند اللَّه فهو الذي لا شك فيه".
حسن: رواه البزار (٨٩٠٠) عن أحمد بن منصور (هو الرمادي)، حدّثنا عبد اللَّه بن صالح، حدّثنا الليث (وهو ابن سعد)، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح (وهو السمان)، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي إسناده عبد اللَّه بن صالح وهو كاتب الليث، وفيه ضعف إلا أنه توبع.
قال ابن حبان عقب (٢١٠٦): قال ابن عجلان: حدثني زيد بن أسلم، فذكره بإسناده ومتنه.
والظاهر أنه معطوف على السند الذي قبله وهو: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدّثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، حدثني أبي، عن جدي، عن محمد بن عجلان.
وهذا إسناد حسن من أجل محمد بن عجلان.
٤ - باب أن النبي ﷺ ترك أمته على المحجة البيضاء
• عن أبي الدرداء قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: "الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هيه. وايم اللَّه، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء".
قال أبو الدرداء: صدق -واللَّه- رسول اللَّه ﷺ ، تركنا -واللَّه- على مثل البيضاء،
стр. 8329
ليلها ونهارها سواء.
حسن: رواه ابن ماجه (٥) عن هشام بن عمار الدمشقي، حدّثنا محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع، حدّثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام بن عمار، ومحمد بن عيسى فإنهما حسنا الحديث.
٥ - باب أن النبي ﷺ بعث بجوامع الكلم
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت بين يدي". قال أبو هريرة: فذهب رسول اللَّه ﷺ وأنتم تنتثلونها.
زاد البخاري في رواية: قال محمد: وبلغني أن جوامع الكلم أن اللَّه يجمع الأمور الكثيرة التي كان تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٧٣) ومسلم في المساجد (٦: ٥٢٣) كلاهما من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره.
والرواية الثانية عند البخاري في التعبير (٧٠١٣).
وقوله: "قال محمد" يعني به محمد بن شهاب الزهري.
٦ - باب قول النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق "
• عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ قال: "لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر اللَّه، وهم ظاهرون"
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣١١) واللفظ له، ومسلم في الإمارة (١٩٢١) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، فذكره.
وهذه الطائفة هم المتمسكون بالكتاب والسنة على منهج سلف الأمة.
• عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر اللَّه وهم كذلك"
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٢٠) من طرق عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، فذكره.
• عن جابر بن سمرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لن يبرح هذا الدين قائما، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة"
стр. 8330
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٢٢) من طريق محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك ابن حرب، عن جابر بن سمرة، فذكره.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﵇، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة اللَّه هذه الأمة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥٦) من طرق عن حجاج (وهو ابن محمد) عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أن جابر بن عبد اللَّه يقول: (فذكره)
ورواه في الإمارة (١٩٢٣) أيضًا من طريق حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: فذكره مختصرًا.
• عن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: كنت عند مسلمة بن مخلد، وعنده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فقال عبد اللَّه: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون اللَّه بشيء إلا رده عليهم. فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر فقال له مسلمة: يا عقبة! اسمع ما يقول عبد اللَّه، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر اللَّه، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك" فقال عبد اللَّه: أجل، ثم يبعث اللَّه ريحًا كريح المسك، مسها مس الحرير، فلا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، عليهم تقوم الساعة.
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٢٤) عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدّثنا عمي عبد اللَّه بن وهب، حدّثنا عمرو بن الحارث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثني عبد الرحمن بن شماسة المهري، فذكره.
• عن معاوية قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر اللَّه، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر اللَّه، وهم على ذلك"
متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٦٤١) ومسلم في الإمارة (١٧٤: ١٠٣٧) كلاهما من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، قال: سمعت معاوية على المنبر يقول فذكره، واللفظ للبخاري.
وزاد البخاري عقبه: قال عمير: فقال مالك بن يخامر: قال معاذ: وهم بالشام، فقال معاوية: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذا يقول: وهم بالشام.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزال أهل الغرب ظاهرين
стр. 8331
على الحق حتى تقوم الساعة"
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٢٥) عن يحيى بن يحيى، أخبرنا هشيم، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان، عن سعد بن أبي وقاص، فذكره.
• عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"
صحيح: رواه الترمذيّ (٢١٩٢) وابن ماجه (٦) وأحمد (١٥٥٩٦) وصحّحه ابن حبان (٧٣٠٢، ٦١) كلهم من طرق عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، فذكره، وليس عند ابن ماجه ذكر أهل الشام. وإسناده صحيح.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن عمران بن حصين أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يأتي أمر اللَّه، وينزل عيسى ابن مريم"
صحيح: رواه أحمد (١٩٨٥١) عن بهز، حدّثنا حماد بن سلمة، حدّثنا قتادة، عن مطرف، عن عمران بن حصين، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أبو داود (٢٤٨٤) والإمام أحمد (١٩٩٢٠) وصحّحه الحاكم (٢/ ١٧، ٤/ ٤٥٠) كلهم من وجه آخر عن حماد بن سلمة بإسناده وقالوا فيه بدل قوله: "حتى يأتي أمر اللَّه وينزل عيسى ابن مريم": "حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال" وآخرهم هو: عيسى ابن مريم، لأنه ينزل في آخر الزمان، ويكون مقررًا لشريعة محمد ﷺ ومجددًا لها، لأنه لا نبي بعد رسول اللَّه ﷺ ، فإنه خاتم النبيين، فيكون عيسى ابن مريم من أمته، وهو الذي يقاتل الدجال ويهلكه.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر اللَّه لا يضرها من خالفها".
وفي لفظ "لن يزال على هذا الأمر عصابة على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر اللَّه، وهم على ذلك".
حسن: رواه ابن ماجه (٧)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧) كلاهما من طريق يحيى بن حمزة، حدّثنا أبو علقمة نصر بن علقمة، عن عمير بن الأسود وكثير بن مرة الحضرمي، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي علقمة نصر بن علقمة، فقد وثّقه دحيم، وذكره ابن حبان في الثقات، ولا يعرف فيه جرح.
ورواه أحمد (٨٤٨٤)، وصحّحه ابن حبان (٦٨٣٥) كلاهما من طريق الليث بن سعد، عن
стр. 8332
محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح (هو ذكوان السمان)، عن أبي هريرة باللفظ الثاني.
وهذا إسناد حسن أيضًا من أجل محمد بن عجلان، فإنه حسن الحديث.
وفي الباب عن أبي عنبة الخولاني -وكان قد صلى القبلتين مع رسول اللَّه ﷺ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يزال اللَّه يغرسُ في هذا الدين غرسا يستعمله في طاعته".
رواه ابن ماجه (٨)، وأحمد (١٧٧٨٧)، وصحّحه ابن حبان (٣٢٦) كلهم من طريق الجراح بن مليح، حدّثنا بكر بن زرعة قال: سمعت أبا عنبة الخولاني، فذكره.
وبكر بن زرعة لم أجد من وثّقه إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، ولذا قال ابن حجر في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم أجد له متابعا.
وأما البوصيري فصحّح إسناده اعتمادا على توثيق ابن حبان.
٧ - باب إقرارِ النبي ﷺ حُجّةٌ
• عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد اللَّه يحلف باللَّه أن ابن الصياد الدجال. قلت: تحلف باللَّه؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ ، فلم ينكره النبي ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣٥٥) ومسلم في الفتن (٢٩٢٩) كلاهما من طريق عبيد اللَّه ابن معاذ العنبري، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن المنكدر، فذكره.
• عن ابن عباس قال: أهدت أم حفيد خالة ابن عباس إلى النبي ﷺ أقطا وسمنا وأضبا، فأكل النبي ﷺ من الأقط والسمن، وترك الضب تقذرًا، قال ابن عباس: فأكل على مائدة رسول اللَّه ﷺ ، ولو كان حراما ما أكل على مائدة رسول اللَّه ﷺ .
وفي لفظ: ولو كان حراما ما أكلن على مائدته ولا أمر بأكلهن.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الهبة (٢٥٧٥)، ومسلم في الصيد والذبائح (١٩٧٤) كلاهما من طريق شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
ورواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣٨٥) من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر به نحوه وفيه اللفظ الثاني.
٨ - باب بيان حرص الصحابة على الاقتداء بالنبي ﷺ وامتثال أوامره واجتناب نواهيه
• عن عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما من نبي بعثه اللَّه في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها
стр. 8333
تخلف من بعده خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٨٠: ٥٠) من طرق عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن صالح بن كيسان، عن الحارث، عن جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم، عن عبد الرحمن بن المسور، عن أبي رافع، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
• عن ابن عمر قال: اتخذ النبي ﷺ خاتما من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبي ﷺ : "إني اتخذت خاتما من ذهب" فنبذه وقال: "إني لن ألبسه أبدًا" فنبذ الناس خواتيمهم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٩٨) عن أبي نعيم، حدّثنا سفيان عن عبد اللَّه دينار، عن ابن عمر، فذكره.
ورواه مالك في صفة النبي ﷺ (٣٩) -ومن طريقه البخاري في اللباس (٥٨٦٧) - عن عبد اللَّه ابن دينار به نحوه مختصرا.
ورواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٥١)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٩١) من طريق نافع، عن ابن عمر بمعناه.
• عن عبد اللَّه بن عباس، أن رسول اللَّه ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه، فطرحه، وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده". فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول اللَّه ﷺ : خذ خاتمك وانتفع به، قال: لا واللَّه، لا آخذه أبدا، وقد طرحه رسول اللَّه ﷺ .
صحيح: رواه مسلم في اللباس (٢٠٩٠) من طريق محمد بن جعفر، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، فذكره.
• عن حذيفة قال: حدّثنا رسول اللَّه ﷺ : "إن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال، ونزل القرآن فقرؤوا القرآن، وعلموا من السنة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٧٦)، ومسلم في الإيمان (١٤٣) كلاهما من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، فذكره.
وكان الصحابة ﵃ يقفون عند كتاب اللَّه، وكانوا يحرصون على اقتدائه ﷺ في كل دقيق وجليل، وينفذون أوامره ونواهيه بالرضا والتسليم.
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، منها:
стр. 8334
ما رواه عبد اللَّه بن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحرِّ ابن قيس بن حصن -وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا- فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، واللَّه ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم بأن يقع به فقال الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن اللَّه تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين. فواللَّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب اللَّه.
رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٨٩) عن إسماعيل، حدثني ابن وهب، عن يونس عن ابن شهاب، حدثني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة أن عبد اللَّه بن عباس قال: فذكره.
ومنها: ما رواه أبو وائل قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا، فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. قال: هما المرآن يقتدى بهما.
رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٧٥) عن عمرو بن عباس، حدّثنا عبد الرحمن حدّثنا سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، فذكره.
وكان ابن عمر إذا سمع من رسول اللَّه ﷺ حديثا لم يعده، ولم يقصر دونه. رواه ابن ماجه (٤) بإسناد صحيح.
٩ - باب تفاوت الأجر بتفاوت تطبيق السنة
• عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الرجل لينصرفُ، وما كُتِبَ إلا عُشْرُ صلاته، تسعُها، ثمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعها، ثُلثها، نِصفُها".
حسن: رواه أبو داود (٧٩٦)، والنسائي في الكبرى (٦٥١)، وأحمد (١٨٨٩٤) كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن عمر بن الحكم، عن عبد اللَّه بن عنمة المزني، عن عمار بن ياسر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان فإنه حسن الحديث.
وقد روي هذا الحديث من أوجه أخرى عن أبي اليسر عند النسائي في الكبرى (٦١٦)، وأحمد (١٥٥٢٢)، والبزار (٢٣٠٣). وعن أبي هريرة عند النسائي في الكبرى (٦١٧). والمعروف أنه من حديث عمار بن ياسر.
١٠ - باب قد تخفى بعض السنن على بعض الصحابة
• عن عبيد بن عمير، أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثا، فكأنه وجده مشغولا،
стр. 8335
فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد اللَّه بن قيس، ائذنوا له، فدعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنا كنا نؤمر بهذا، قال: لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن، فخرج فانطلق إلى مجلس الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد، فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول اللَّه ﷺ ، ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣٥٣) ومسلم في الآداب (٣٦: ٢١٥٣) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، حدّثنا عطاء، عن عبيد بن عمر، فذكره.
١١ - باب التغليظ على من عارض حديث رسول اللَّه ﷺ -
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ٦٥]
• عن عبد اللَّه بن الزبير أنه حدثه أن رجلا خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ للزبير: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك". فغضب الأنصاري فقال: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فقال الزبير: واللَّه إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]
متفق عليه: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٥٩) ومسلم في الفضائل (٢٣٧٥) كلاهما من طريق الليث، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، أن عبد اللَّه بن الزبير حدثه، فذكره.
• عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها".
وفي رواية قال: فقال بلال بن عبد اللَّه: واللَّه لنمنعهن، فأقبل عليه عبد اللَّه فسبه سبًّا سيئًا، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول اللَّه ﷺ ، وتقول: واللَّه لنمنعهن.
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٢٣٨)، ومسلم في الصلاة (١٣٤: ٤٤٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، فذكره.
والرواية الثانية عند مسلم (١٣٥: ٤٤٢) من طريق يونس، عن الزهري، به.
• عن عبد اللَّه بن بريدة قال: رأى عبد اللَّه بن المغفل رجلا من أصحابه يخذف،
следующие страницы →