Полный текст (8 687 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.
стр. 8366
• عن جندب بن عبد اللَّه البجلي قال: جئت يوم الجرعة، فإذا رجل جالس، فقلت: ليهراقن اليوم ههنا دماء، فقال ذاك الرجل: كلا واللَّه، قلت: بلى واللَّه، قال: كلا واللَّه قلت: بلى واللَّه، قال: كلا واللَّه، إنه لحديث رسول اللَّه ﷺ حدثنيه، قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم تسمعني أخالفك وقد سمعتَه من رسول اللَّه ﷺ فلا تنهاني؟ ثم قلت: ما هذا الغضب؟ فأقبلت عليه، أسأله فإذا الرجل حذيفة.
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٨٩٣) من طرق عن معاذ بن معاذ، حدّثنا ابن عون، عن محمد (هو ابن سيرين) قال: قال جندب: فذكره.
قوله: "الجرعة" موضع بقرب الكوفة، و"يوم الجرعة" يوم خرج فيه أهل الكوفة يتلقون واليًا ولاه عليهم عثمان، فردوه وسألوا عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري، فولاه.
قوله: "أخالفك" قال النووي: وقع في جميع نسخ بلادنا المعتمدة "أخالفك" بالخاء المعجمة، وقال القاضي: رواية شيوخنا كافة بالحاء المهملة من الحلف الذي هو اليمين، قال: ورواه بعضهم بالمعجمة وكلاهما صحيح، قال: لكن المهملة أظهر لتكرر الأيمان بينهما.
• عن أبي ثور قال: بعث عثمان يوم الجرعة بسعيد بن العاص قال: فخرجوا إليه، فردوه، قال: فكنت قاعدًا مع أبي مسعود وحذيفة، فقال أبو مسعود: ما كنت أرى أن يرجع لم يُهْرق فيه دما، قال: فقال حذيفة: ولكن قد علمتُ لترجعنَّ على عقبيها لم يُهرق فيها محجمة دم، وما علمتُ من ذلك شيئًا إلا علمته، ومحمد ﷺ حي، "حتى إن الرجل ليُصبح مؤمنًا ثم يُمسي ما معه منه شيء، ويُمسي مؤمنا ويصبح ما معه منه شيء، يقاتل فئته اليوم، ويقتله اللَّه غدًا، يُنكِّسُ قلبَه تعلوه استُه". قال: فقلت: أسفله؟ قال: استه.
حسن: رواه أحمد (٢٣٣٤٨)، والحاكم (٢/ ١٥٨) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي ثور الحداني، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي ثور الحداني فقد روى عنه الشعبي، وأبو البختري، والشعبي ممن لا يروي إلا عن ثقة، وقال أبو داود: كوفي جليل، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
• عن قيس بن عباد قال: قلتُ لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر عَليٍّ، أرأيا رأيتموه، أو شيئًا عهده إليكم رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول اللَّه ﷺ شيئًا لم يَعْهَده إلى الناس كافة، ولكن حذيفة أخبرني عن النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "في أصحابي اثنا عشر منافقا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلجَ
стр. 8367
الجملُ في سمِّ الخياط، ثمانية منهم تكفيه الدَّبيلة وأربعة". قال أسود بن عامر: لم أحفظ ما قال شعبة فيهم.
وفي رواية عنه: قلنا لعمار أرأيت قتالكم أرأيًا رأيتموه؟ فإن الرأي يُخطئ ويُصيب، أو عهدًا عهده إليكم رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول اللَّه ﷺ شيئًا لم يَعْهدْه إلى الناس كافة، وقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: إن في أمتي.
قال شعبة: وأحسبه قال: حدثني حذيفة. وقال غندر: أراه قال: "في أمتي اثنا عشر منافقًا، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحَها حتى يلجَ الجملُ في سمِّ الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدَّبيلة، سراج من النار، يظهر في أكتافهم حتى ينجُم من صُدورهم".
صحيح: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٧٩: ٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أسود ابن عامر، حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس، فذكره باللفظ الأول.
ورواه (٢٧٧٩: ١٠) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، به باللفظ الثاني.
• عن أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أَنْشدُك باللَّه، كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك، قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد باللَّه أن اثني عشر منهم حرب للَّه ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة، قالوا: ما سمعنا مناديَ رسول اللَّه ﷺ ، ولا عَلِمْنا بما أراد القوم، وقد كان في حرَّة، فمشى، فقال: "إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد. فوجد قوما قد سبقوه، فلعنهم يومئذ".
صحيح: رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٨٧٩: ١١) عن زهير بن حرب، حدّثنا أبو أحمد الكوفي، حدّثنا الوليد بن جميع، حدّثنا أبو الطفيل، فذكره.
قوله: "أصحاب العقبة" قال النووي: هذه العقبة ليست العقبة المشهورة بمنى التي كانت بها بيعة الأنصار، وإنما هذه عقبة على طريق تبوك، اجتمع المنافقون فيها للغدر برسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك، فعصمه اللَّه منهم.
• عن حذيفة قال: إنما كان النفاق على عهد النبي ﷺ ، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان.
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧١١٤) عن خلاد، حدّثنا مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الشعثاء، عن حذيفة قال: فذكره.
стр. 8368
• عن حذيفة بن اليمان قال: إدن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي ﷺ ، كانوا يومئذ يُسِرُّون، واليوم يَجْهرون.
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧١١٣) عن آدم بن أبي إياس، حدّثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان قال: فذكره.
• عن حذيفة أن نبي اللَّه ﷺ قال: "في أمتي كذابودن ودجالودن سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي".
صحيح: رواه أحمد (٢٣٣٥٨)، والطحاوي في شرح المشكل (٢٩٥٣)، والطبراني في الكبير (٣/ ١٨٨) كلهم من طريق معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده، ولم أسمعه منه، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث، عن حذيفة، فذكره.
وإسناده صحيح. وأبو معشر هو زياد بن كليب الحنظلي.
• عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليأتين على أمتي زمان يتمنون فيه الدجال" قلت: يا رسول اللَّه بأبي وأمي مم ذاك؟ قال: "مما يلقون من الضناء أو العناء".
حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٤٣٠١) عن عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال: نا أحمد بن عمر الوكيعي، قال: نا قبيصة بن عقبة، قال: نا عبيد بن طفيل أبو سيدان العبسي، قال: سمعت شداد بن عمار يقول: قال حذيفة: فذكره.
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد بن طفيل إلا قبيصة، تفرد به أحمد بن عمر الوكيعي".
وليس كما قال، فقد رواه أيضًا البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٢٥) عن قبيصة.
ورواه أيضًا البزار (٢٨٤٩) عن القاسم بن بشر بن معروف، قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا عبيد بن الطفيل، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة نحوه.
فسمي الراوي عن حذيفة: ربعي بن حراش وهو ثقة، فلعل الاثنين: عمار بن شداد وربعي بن حراش روياه عن حذيفة.
والإسناد حسن من أجل قبيصة وعبيد بن طفيل فإنهما صدوقان.
• عن ربعي بن حراش، عن عقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاري قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان، فقال له عقبة: حدِّثْني ما سمعت من رسول اللَّه ﷺ في الدجال قال: "إن الدجال يخرج، وإلن معه ماءً ونارًا، فأما الذي يراه الناس ماءً فنار تُحرق، وأما الذي يراه الناس نارًا، فماءٌ باردٌ عذبٌ، فمن أدرك ذلك منكم، فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماءٌ عذبٌ طيّبٌ". فقال عقبة: وأنا قد سمعته -تصديقا لحذيفة-.
стр. 8369
متفق عليه: رواه البخاريّ في الأنبياء (٣٤٥٠)، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٤ - ٢٩٣٥) كلاهما من طريق عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، فذكره، واللفظ لمسلم. وعقبة بن عمرو الأنصاري هو المعروف بأبي مسعود البدري.
• عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان: آحدهما رأى العين، ماء أبيض، والآخر رأى العين، نار تأجَّجُ، فإما أدركَنَّ أحدٌ، فليأت النهر الذي يراه نارًا وليُغَمّض، ثم ليُطأطئْ رأسَه فيشربَ منه، فإنه ماء بارد، وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٩٣٤: ١٠٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حِراش، عن حذيفة، فذكره.
• عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الدجال أعور العين اليسرى، جُفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار".
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٤) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة قال: فذكره.
قوله: "جُفال الشعر" أي كثير الشعر.
• عن حذيفة قال: كنا عند النبي ﷺ فذكر الدجال، فقال: "لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال، إنها ليستْ من فتنة صغيرة، ولا كبيرة إلا تتضع لفتنة الدجال، فمن نجا من فتنة ما قبلها، نجا منها، وإنه لا يضر مسلما، مكتوب بين عينيه: كافر مهجَاة: ك ف ر".
حسن: رواه البزار (٢٨٠٧)، وصحّحه ابن حبان (٦٨٠٧) واللفظ له، كلاهما عن أبي كريب قال: حدّثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق ابن شهاب، عن حذيفة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي بكر بن عياش فإنه حسن الحديث، وتابعه حفص بن غياث إلا أن روايته مختصرة، فقد روى الطبراني في الكبير (٣/ ١٨٥) عن عمر بن حفص بن غياث، حدثني أبي، حدّثنا الأعمش به. ولفظه: وذكر الدجال "مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مسلم". وإسناده صحيح.
• عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تكون فتنٌ، على أبوابها دعاةٌ إلى النار، فأن تموتَ وأنت عاضٌّ على جذل شجرةٍ خيرٌ لك من أن تتبع أحدًا منهم".
حسن: رواه ابن ماجه (٣٩٨١) عن محمد بن عمر بن علي المقدمي، حدّثنا أبو عامر الخزاز،
стр. 8370
عن حميد بن هلال، عن عبد الرحمن بن قرط، عن حذيفة، فذكره.
وعبد الرحمن بن قرط مجهول كما في التقريب، ولكنه توبع في الأسانيد السابقة سندًا ومتنًا.
• عن حذيفة: إن الناس كانوا يسألون رسول اللَّه ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فأَحدقه القوم بأبصارهم، فقال: إني قد أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت هذا الخير الذي أعطانا اللَّه تعالى أيكون بعده شر كما كان قبله؟ قال: "نعم" قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: "السيف" -قال قتيبة في حديثه- قلت: وهل للسيف يعني من بقية؟ قال: "نعم". قال: قلت: ماذا؟ قال: "هُدنة على دَخن" قال: قلت: يا رسول اللَّه ثم ماذا يكون؟ قال: "إن كان للَّه تعالى خليفة في الأرض فضربَ ظهرَك، وأخذ مالَك فأطعْه، وإلا فمُتْ وأنت عاضٌّ بجذلِ شجرة" قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحُطَّ وزرُه، ومن وقع في نهره وجب وزرُه وحُطَّ أجره". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم هي قيام الساعة".
حسن: رواه أبو داود (٤٢٤٤) -واللفظ له- وأحمد (٢٣٤٣٠)، والحاكم (٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣) كلهم من حديث أبي عوانة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن سبيع بن خالد وهو اليشكري قال: أتيت الكوفة في زمن فُتحت تُستر، أجلب منها بِغالًا، فدخلت المسجد، فإذا صدعٌ من الرجال، وإذا رجل جالس تَعرف إذا رأيته أنه من رجال أهل الحجاز، قال: قلت من هذا؟ فتجهَّمني القوم، وقالوا: أما تعرف هذا؟ هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول اللَّه ﷺ قال: فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل سبيع بن خالد، فقد روى عنه جماعة من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجلي كما في التهذيب، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد.
- وعن خالد بن خالد اليشكري بهذا الحديث قال -يعني حذيفة-: قلتُ: بعد السيف؟ قال - يعني النبي ﷺ : "بقيةٌ على أقذاءٍ، وهدنةٌ على دخن". ثم ساق الحديث.
قال: وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر: "على أقذاء" يقول: قذى، و"هدنة" يقول: صلح، و"على دخن" على ضغائن.
حسن: رواه أبو داود (٤٢٤٥) من حديث عبد الرزاق -وهو في مصنفه (٢٠٧١)، وعند أحمد (٢٣٤٢٩) عن معمر، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن خالد بن خالد اليشكري، فذكر الحديث بطوله كما عند أحمد، وجاء فيه كما عند أبي داود بزيادة.
وإسناده حسن من خالد بن خالد اليشكري، وهو سبيع بن خالد، ويقال له: خالد بن خالد وهو حسن الحديث كما مضى.
стр. 8371
- وعن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو ليث أتيناك نسألك عن حديث حذيفة. قال: أقبلنا مع أبي موسى قافلين، وغَلَت الدوابُّ بالكوفة قال: فسألت أبا موسى أنا وصاحب لي، فأذن لنا، فقدمنا الكوفة، فقلت لصاحبي: أنا داخل المسجد، فإذا قامت السوق خرجتُ إليك، قال: فدخلت المسجد، فإذا فيه حلقة كأنما قطعت رؤوسهم يستيعون إلى حديث رجل، قال: فقمت عليهم، فجاء رجل، فقام إلى جنبي قال: فقلت من هذا؟ قال: أبصري أنت؟ قال: قلت: نعم. قال: قد عرفتُ ولو كنت كوفيا، لم تسأل عن هذا، قال: فدنوتُ منه، فسمعتُ حذيفة يقول:
كان الناس يسألون رسول اللَّه ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وعرفتُ أن الخير لن يسبقني. قال: قلت: يا رسول اللَّه بعد هذا الخير شر؟ فقال: "يا حذيفة، تعلَّمْ كتاب اللَّه، واتَّبعْ ما فيه"، ثلاث مرار، قال: فقلت: يا رسول اللَّه بعد هذا الخير شر؟ فقال: "يا حذيفة، تعلَّمْ كتاب اللَّه، واتَّبعْ ما فيه"، قلت: يا رسول اللَّه بعد هذا الخير شر؟ قال: "فِتنة وشر" قلت: يا رسول اللَّه بعد هذا الشر خير؟ قال: "يا حذيفة، تعلَّمْ كتاب اللَّه، واتَّبعْ ما فيه" ثلاث مرات، قلت: يا رسول اللَّه بعد هذا الشر خير؟ قال: "هُدنة على دَخن، وجماعةٌ على أقْذاءٍ فيها أو فيهم"، فقلت: يا رسول اللَّه، الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: "لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه" قال: قلت: يا رسول اللَّه بعد هذا الخير شر؟ قال: "يا حذيفة، تعلَّمْ كتاب اللَّه، واتَّبعْ ما فيه" ثلاث مرار، قال: قلت: يا رسول اللَّه بعد هذا الخير شر؟ قال: "فتنة عمياءُ صمّاءُ عليها دعاةٌ على أبواب النار، فإن مُتَّ يا حذيفة وأنت عاضٌّ على جِذْلٍ خير لك من أن تتبع أحدًا منهم".
حسن: رواه أبو داود (٤٢٤٦)، وأحمد (٢٣٢٨٢)، وصحّحه ابن حبان (٥٩٦٣) كلهم من طريق سليمان بن المغيرة، عن حميد، عن نصر بن عاصم الليثي، فذكره.
وإسناده حسن من أجل اليشكري وهو خالد بن خالد أو سبيع بن خالد حسن الحديث.
- وعن سبيع بن خالد بهذا الحديث عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: "فإن لم تجد يومئذ خليفةً، فاهرب حتى تموت، فإن تَمُتْ وأنت عاضٌّ" وقال في آخره: قال: قلت: فما يكون بعد ذلك؟ قال: "لو أن رجلا نتج فرسًا لم تُنتج حتى تقوم الساعة".
حسن: رواه أبو داود (٤٢٤٧)، وأحمد (٢٣٤٢٥) كلاهماصت حديث أبي التياح، عن صخر ابن بدر العجلي، عن سبيع بن خالد، بهذا الحديث، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سبيع بن خالد، وأما صخر فهو ابن بدر العجلي فهو مجهول، ولكنه توبع فيما سبق.
قوله: "لو أن رجلا نتج. . . " فيه بيان قرب القيامة بعد ظهور علامات الساعة الكبرى التي يسبقها كما يُفهم من أحاديث حذيفة نفسه، ففيه حذف واختصار.
стр. 8372
الفائدة: يستفاد من سرد أحاديث حذيفة بن اليمان في مكانٍ واحدٍ أنه كان يروي مطولا، وأخرى مختصرًا، أو كان أصحابه يختصرون حسب الضرورة، وهي كلها صحيحة إلا بعض الكلمات التي وقع فيها الوهمُ من الرواة.
ومما روي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لُكع بن لُكع".
رواه الترمذيّ (٢٢٠٩)، وأحمد (٢٣٣٠٣) كلاهما من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عبد اللَّه ابن عبد الرحمن الأنصاري الأشهلي، عن حذيفة، فذكره.
وقال الترمذيّ: "حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو".
قلت: عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأشهلي تفرد بالرواية عنه عمرو بن أبي عمرو، ولم يوثّقه أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته على قاعدته في توثيق من لم يعرف فيه جرح. وقال ابن معين: "لا أعرفه".
والمتن ثابت من أحاديث صحابة آخرين كما هو مذكور في محله.
وقوله: "لُكع بن لُكع" على وزن زُفر، والمقصود منه من لا يعرف له أصل، ولا يحمد له خُلق.
وأما ما روي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرثُ دُنياكم شِرارُكم" فإسناده ضعيف.
رواه الترمذيّ (٢١٧٠)، وابن ماجه (٤٠٤٣)، وأحمد (٢٣٣٠٢) كلهم من طرق عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، فذكره.
وقال الترمذيّ: "حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو".
قلت: عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري مجهول، تفرد بالرواية عنه عمرو بن أبي عمرو، ولم يوثّقه أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته على قاعدته في توثيق من لم يُعرف فيه الجرح.
وقال ابن معين: لا أعرفه، وقال الذهبي في الميزان: "له حديث منكر"، أراد به هذا.
وكذلك لا يصح ما روي عن حذيفة بن اليمان: واللَّه ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا؟ واللَّه ما ترك رسول اللَّه ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته.
رواه أبو داود (٤٢٤٣) عن محمد بن يحيى بن فارس، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا ابن فروخ، قال: أخبرني أسامة بن زيد، قال: أخبرني ابن لقبيصة بن ذؤيب، عن أبيه قال: قال حذيفة ابن اليمان، فذكره.
وابن فروخ هو: عبد اللَّه الخراساني مختلف فيه غير أنه يحسن حديثه إذا كان لحديثه أصل، ولا يقبل عند التفرد والمخالفة، وقد تفرد بهذه الرواية.
стр. 8373
وابن قبيصة بن ذؤيب إنْ كان إسحاق فصدوق، وإلا فهو مجهول لا يُعرف.
قوله: "قائد فتنة" منكر، وإنما الصحيح هو أسماء المنافقين كما جاء في صحيح مسلم.
١٦ - باب أن ما بقي من الدنيا بلاء وفتنة
• عن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن ما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله".
حسن: رواه أحمد (١٦٨٥٣) واللفظ له، وابن ماجه (٤٠٣٥، ٤١٩٩)، وصحّحه ابن حبان (٣٩٢، ٦٩٠) كلهم من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني أبو عبد ربه قال: سمعت معاوية يقول على هذا المنبر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي عبد ربه ويقال: أبو عبد رب، فإنه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب القدر.
١٧ - باب ظهور الفتن
• عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ رسول اللَّه ﷺ ليلة فَزِعًا يقول: "سبحان اللَّه ماذا أنزل اللَّه من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يُوقظ صواحبَ الحجرات، -يريد أزواجه، لكي يُصلين- رب كاسية في الدنيا، عارية في الآخرة".
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٦٩) من طرق عن ابن شهاب الزهري، عن هند بنت الحارث الفراسية، أن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: فذكرته.
• عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "تدور رَحَى الإسلام بخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما" قال: قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: "مما مضى"
حسن: رواه أبو داود (٤٢٥٤)، وأحمد (٣٧٣٠ - ٣٧٣١)، والحاكم (٤/ ٥٢١، و ٣/ ١١٤) كلهم من طريق منصور بن المعتمر، عن رِبعي بن حِراش، عن البراء بن ناجية، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
والبراء بن ناجية فيه جهالة، تفرد بالرواية عنه ربعي بن حراش ولم يوثّقه سوى العجلي وابن حبان، ولذا قال الذهبي في الميزان: فيه جهالة لا يعرف إلا بحديث: "تدور رحى الإسلام بخمس وثلاثين سنة".
стр. 8374
وأما قول ابن حجر في التقريب: "ثقة" ففيه نظر.
وله طريقان آخران يقويان:
أحدهما: ما رواه أحمد (٣٧٠٧)، وصحّحه ابن حبان (٦٦٦٤) كلاهما من حديث يزيد بن هارون، أخبرنا العوّام بن حوشب، حدثني أبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان، عن القاسم بن عبد الرحمن (هو ابن عبد اللَّه بن مسعود)، عن أبيه، عن جده.
وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود لم يسمع من أبيه إلا النزر اليسير، ليس هذا منها.
والثاني: ما رواه البزار (١٩٤٢)، والطحاوي في شرح المشكل (١٦١٢) كلاهما من طريق شريك النخعي، عن مجالد بن سعيد، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره، وفيه: "فإن يصطلحوا فيما بينهم على غير قتال، يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدا، وإن يقتتلوا يركبوا سنن من كان قبلهم".
وشريك سيء الحفظ، وكذا شيخه وبمجموع هذه الطرق يصير الحديث حسنا.
ومعنى الحديث: أن الفتنة تقع بعد خمس وثلاثين سنة، أو بعد ست وثلاثين، أو بعد سبع وثلاثين، ليس على الشك بل متى شاء اللَّه تعالى. فقد شاء أن تقع بعد خمس وثلاثين سنة بعد قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، فكان ذلك سببا لوقوع الاختلاف، وتفرق كلمة المسلمين.
وقوله: "فإن يصطلحوا فيما بينهم. . . " أي أنهم لم يصطلحوا نيما بينهم، فكان قد وقع فيهم سنن اللَّه الكونية من سفك الدماء، والقتال فيما بينهم، ولكن اللَّه بنعمته ورحمته حفظ هذه الأمة من الارتداد والهلاك، وستبقى ما شاء اللَّه إلى يوم القيامة.
• عن كرز بن علقمة الخزاعي قال: قال أعرابي: يا رسول اللَّه، هل للإسلام من منتهى؟ قال: "نعم، أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد اللَّه بهم خيرًا أدخل عليهم الإسلام"، قال: ثم ماذا يا رسول اللَّه؟ قال: "ثم تقع فتن كأنها الظلل"، فقال الأعرابي: كلا يا رسول اللَّه، قال النبي ﷺ : "بلى والذي نفسي بيده لتعودن فيها أساودَ صُبا يضرب بعضكم رقاب بعض".
وزاد في رواية في آخرها: "وأفضل الناس مؤمن معتزل في شعب من الشعاب، يتقي ربه ﵎، ويدع الناس من شره".
صحيح: رواه أحمد (١٥٩١٨، ١٥٩١٧)، وصحّحه الحاكم (١/ ٣٤، و ٤/ ٤٥٤ - ٤٥٥) كلاهما من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير، عن كرز بن علقمة الخزاعي، فذكره.
وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح".
والرواية الثانية: رواها أحمد (١٥٩١٩)، وصحّحها ابن حبان (٥٩٥٦) كلاهما من طريق
стр. 8375
الأوزاعي قال: حدّثنا عبد الواحد بن قيس، حدّثنا عروة بن الزبير، عن كرز الخزاعي، فذكره.
وإسنادها حسن من أجل عبد الواحد بن قيس فإنه حسن الحديث.
قوله: "أساود" جمع أسود أي حيات.
قوله: "صُبًّا" بضم الصاد وتشديد الباء أي كأنهم حيات مصبوبة على الناس.
• عن عبد اللَّه بن عمر يقول: كنا قعودًا عند رسول اللَّه ﷺ فذكر الفتن، فأكثر فى ذكرها حتى ذكر فتنة الأَحلاس، فقال قائل: يا رسول اللَّه، وما فتنة الأحلاس؟ قال: "هي هربٌ وحربٌ ثم فتنة السَّرَّاء دَخَنُها من تحت قَدَمَيْ رجلٍ من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلحُ الناس على رجل كوركٍ على ضلعٍ، ثم فتنةُ الدُّهيماء لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمتْه لطمةً، فإذا قيل: انقضت، تمادت، يُصبح الرجل فيها مؤمنًا ويُمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فُسطاطَيْن: فُسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه، وفُسطاط نفاقٍ لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم، فانتظروا الدجال من يومه أو من غده".
حسن: رواه أبو داود (٤٢٤٢)، وأحمد (٦١٦٨)، والحاكم (٤/ ٤٦٦) كلهم من حديث أبي المغيرة، حدثني عبد اللَّه بن سالم (وهو الأشعري)، حدثني العلاء بن عتبة اليحصبي، عن عمير بن هانئ العنسي، سمعت عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قلت: وهو كذلك؛ فإن رجاله رجال الصحيح غير العلاء بن عتبة فإنه صدوق من رجال أبي داود إلا أن أبا حاتم يرى أنه ليس بصحيح كأنه موضوع. العلل (٢٧٥٧).
كذا قال! وهو إمام هذا الفن، ولكنه لم يبيّنْ سبب الوضع، فلعله أشكل عليه معنى الحديث مثله مثل نظرائه في أحاديث الفتن.
وقوله: "يزعم أنه مني وليس مني" لقد وقع هذا كثيرًا في تاريخ الإسلام الطويل، فأراد النبي ﷺ أن يحذّر أمته من هؤلاء الكذبة، ثم بيّن القاعدة العامة بقوله: "وإنما أوليائي المتقون"، وليس فيه نفيُ شرف لمن ثبت إليه ﷺ .
وأما ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يكون في هذه الأمة أربع فتن في آخرها الفناء". فلا يصح.
رواه أبو داود (٤٢٤١)، وابن أبي شيبة (٣٨٧٢٣) كلاهما من طريق بدر بن عثمان قال: أخبرني الشعبي، عن رجل، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره.
وإسناده ضعيف؛ فإن الراوي عن عبد اللَّه بن مسعود مبهم لم يسم.
стр. 8376
وكذلك ما رُويَ عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن، والزلازل، والقتل".
رواه أبو داود (٤٢٧٨)، وأحمد (١٩٦٧٨)، والحاكم (٤/ ٤٤٤) من طريق عبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
قلت: ولكن فيه المسعودي اختلط، وقد وقع اختلاف في إسناده، ساقه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٨ - ٣٩) ثم قال: "والخبر عن النبي ﷺ في الشّفاعة، وأن قوما يعذبون، ثم يخرجون، أكثر، وأبين، وأشهر".
١٨ - باب نزول الفتن كمواقع القطر
• عن أسامة بن زيد قال: أشرف النبي ﷺ على أُطُمٍ من آطام المدينة فقال: "هل ترون ما أرى؟ " قالوا: لا، قال: "فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر"
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٦٠)، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٨٨٥) كلاهما من طريق الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، فذكره.
١٩ - باب تعرض الفتن على القلوب
• عن حذيفة قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم سمع رسول اللَّه ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك تُكفّرها الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تَموج موجَ البحر، قال حذيفة: فأسكت القوم فقلت: أنا، قال: أنت للَّه أبوك، قال حذيفة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها كُكت فيه نكتةٌ سوداءُ، وأي قلب أَنكرها نُكت فيه نكتةٌ بيضاءُ، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أُشرب من هواه".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٤٤: ٢٣١) عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبو خالد -يعني سليمان بن حيان- عن سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة، فذكره.
٢٠ - باب تجيء الفتن يرقق بعضها بعضا
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ "إنه لم يكن نبي قبلي
стр. 8377
إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيُصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها وتجيء فتنة، فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه فمن أحب أن يُزحزح عن النار، ويدخل الجنة فلتأته منيته، وهو يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعْه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٨٤٤: ٤٦) من طريق جرير، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
٢١ - باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه
• عن الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: "اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم" سمعته من نبيكم ﷺ .
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٦٨) من طريق محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان (هو الثوري)، عن الزبير بن عدي قال: فذكره.
٢٢ - باب قول النبي ﷺ : لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضُكم رقاب بعض
• عن عبد اللَّه بن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لا ترجِعوا بعدي كفارًا يضرب بعضُكم رقاب بعض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٧٧)، ومسلم في الإيمان (٦٦) كلاهما من طريق شعبة، أخبرني واقد بن محمد بن زيد، أنه سمع أباه، يحدث عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
• عن جرير قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع: "استنصِت الناس" فقال: "لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضربُ بعضُكم رقاب بعض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٨٠)، ومسلم في الإيمان (٦٥) كلاهما من حديث شعبة، أخبرني علي بن مُدركة، سمعت أبا زرعة بن عمرو بن جرير، يحدث عن جدّه جرير، فذكره، ولفظهما سواء.
• عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "لا ترتدوا بعدي كفارا، يضرب بعضُكم رقابَ بعض".
стр. 8378
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٧٩) عن أحمد بن إشكاب، حدّثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
• عن أبي بكرة أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس، فقال: "ألا تدرون أيُّ يوم هذا؟ " قالوا: اللَّه ورسولُه أعلم، قال: حتى ظننا أنه سَيُسمّيه بغير اسمه، فقال: "أليس بيوم النحر"، قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "أي بلد هذا؟ أليست بالبلدة الحرام؟ " قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "فإن دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم وأبشارَكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلّغتُ؟ " قلنا: نعم، قال: "اللهم اشْهدْ، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فإنه رُبَّ مبلّغٍ يبلغه لمن هو أوعى له". فكان كذلك، قال: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٧٨)، ومسلم في القسامة (١٦٧٩: ٣١) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، حدّثنا قرة بن خالد، حدّثنا ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، وعن رجل آخر -هو أفضل في نفسي من عبد الرحمن بن أبي بكرة-، عن أبي بكرة، فذكره.
والرجل الآخر هو: حميد بن عبد الرحمن كما سماه يحيى بن سعيد في إسناد آخر عند الإمام مسلم.
• عن واثلة بن الأسقع يقول: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتزعمون أني آخركم وفاة؟ ألا إني من أولكم وفاة، وتتبعوني أفنادًا، يهلك بعضكم بعضا".
صحيح: رواه أحمد (١٦٩٧٨)، وأبو يعلى (٧٤٨٨، ٧٤٩٠)، وصحّحه ابن حبان (٦٦٤٦) كلهم من طرق عن الأوزاعي قال: حدثني ربيعة بن يزيد قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: فذكره. وإسناده صحيح.
قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٠٦): "رجال أحمد رجال الصحيح".
وقوله: "أفنادا" جمع فند أي جماعات متفرقين، قوما بعد قوم.
وقوله: "إني من أولكم وفاة" فيه إخبار عن قرب وفاته ﷺ ، وأنه سيموت قبل أصحابه الكبار مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، وكذلك قبل كثير من أصحابه، وهو وقع كما قال النبي ﷺ ، وآخر أصحابه موتًا توفي بعد وفاته ﷺ بمائة سنة.
• عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تزعمون أني من آخركم وفاةً، ألا وإني من أولكم وفاة، ولتتبعني أفنادًا، يضرب بعضكم رقاب بعض".
حسن: رواه أبو يعلى (٧٣٦٦)، والطبراني في الكبير (١٩٩٠٥) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم، حدّثنا مروان بن جناح، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن معاوية بن أبي سفيان، فذكره.
стр. 8379
واللفظ لأبي يعلى وسياق الطبراني أطول.
وإسناده حسن من أجل مروان بن جناح فإنه حسن الحديث.
٢٣ - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما فكلاهما في النار
• عن الأحنف بن قيس، قال: ذهبتُ لأنصر هذا الرجل (يعني عليَّ بن أبي طالب) فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريدُ؟ قلت: أنصرُ هذا الرجل. قال: ارجع، فإني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النار". فقلت: يا رسول اللَّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (٣١)، ومسلم في الفتن (٢٨٨٨) كلاهما من حديث حماد بن زيد، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، فذكره.
• عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا المسلمان حمل أحدُهما على أخيه السلاح، فهما في جُرف جهنم، فإن قتل أحدُهما صاحبَه، دخلاها جميعا".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٨٨٨: ١٦) من طريق محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي بكرة، فذكره.
وفي معناه ما روي عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول اللَّه، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه".
رواه النسائي (٤١١٩)، وابن ماجه (٣٩٦٤)، وأحمد (١٩٦٧٦) كلهم من طريق الحسن، عن أبي موسى الأشعري فذكره. واللفظ لابن ماجه.
والحسن هو البصري، ولم يسمع من أبي موسى الأشعري.
وفي معناه أيضًا ما روي عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلمين التقيا بأسيافهما إلا كان القاتل والمقتول في النار".
رواه ابن ماجه (٣٩٦٣)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٢٣) كلاهما من طريق مبارك بن سُحيم، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، فذكره.
ومبارك بن سُحيم متروك.
٢٤ - باب إذا وضع السيف في هذه الأمة لم يرفع عنها إلى يوم القيامة
• عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا وُضعَ السيفُ في أمتي لم يُرفع عنها إلى
стр. 8380
يوم القيامة".
صحيح: رواه أبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢٠٢)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وصحّحه ابن حبان (٧٢٣٨) كلهم من طريق أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، فذكره في أثناء حديث طويل، إلا أن الترمذيّ اقتصر في هذا الموضع على اللفظ المذكور. وقال: "هذا حديث صحيح".
٢٥ - باب إخبار النبي ﷺ بقتل أصحابه
• عن طارق بن أشيم أنه سمع النبي ﷺ يقول: "بحسب أصحابي القتل".
صحيح: رواه أحمد (١٥٨٧٦)، وابن أبي شيبة (٣٨٥٠٩) كلاهما عن يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق، عن أبيه، فذكره.
قوله: "بحسب أصحابي القتل" أي أن أصحابي لا يذنبون ذنوبا يعاقبون عليها في الدنيا مثل القصاص والرجم وغيرها، ولكن يكون فيهم القتل بسبب الغزوات والجهاد، والاختلافات فيما بينهم، وقد وقع كما أخبر النبي ﷺ .
وبمعناه ما روي عن سعيد بن زيد قال: كنا عند النبي ﷺ فذكر فتنة فعظم أمرها، فقلنا -أو قالوا-: يا رسول اللَّه، لئن أدركنا هذا لنهلكن، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كلا إن بحسبكم القتل". قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا.
رواه أبو داود (٤٢٧٧)، وأبو يعلى (٩٤٨) كلاهما من طريق أبي الأحوص سلام بن سليم، حدّثنا منصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد، فذكره.
وهلال بن يساف لم يسمعه من سعيد بن زيد، بينهما رجلان في هذا الإسناد، بيّنتْهما رواية الثوري، فقد رواه النسائي في الكبرى (٨١٤٩) من طريق سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن فلان بن حيان، عن عبد اللَّه بن ظالم، عن سعيد بن زيد نحوه في حديث طويل.
وفلان بن حيان لا يعرف من هو؟
وقد روي هذا الحديث من أوجه أخرى لا تخلو من علة.
٢٦ - باب قول النبي ﷺ : ويل للعرب من شر قد اقترب
• عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ النبي ﷺ من النوم محمرًّا وجهه يقول: "لا إله إلا اللَّه، ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" -وعقد سفيان تسعين أو مائة- قيل: أنهلك، وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثُرَ الخبثُ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٥٩)، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٨٨٠) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، أنه سمع الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم
стр. 8381
حبيبة، عن زينب بنت جحش، فذكرته.
واللفظ للبخاري، وعند مسلم: "وعقد سفيان بيده عشرة".
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ويل للعرب، من شر قد اقترب، أفلح من كف يده، تقربوا يا بني فروخ إلى الذكر، فإن العرب قد أعرضت، واللَّه إن منكم رجالًا، لو كان العلم بالثريا لنالوه".
صحيح: رواه أبو داود (٤٢٤٩)، وأحمد (٩٦٩١)، والطحاوي في شرح المشكاة (٢٢٩٩)، والبيهقي في الشعب (٤٩٤٥) كلهم من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
واللفظ للطحاوي والبيهقي، واقتصر أبو داود وأحمد على الشطر الأول.
وإسناده صحيح. ولكن رواه أبو معاوية عن الأعمش به موقوفًا إلا أن من رواه عن الأعمش مرفوعا هم ثقات أيضًا، وعددهم أكثر.
قوله: "يا بني فروخ" هم العجم، سموا بهذا الاسم لكثرتهم حول الجزيرة العربية، ولا يعرف أصلهم، لأن العجم لم يهتموا بأنسابهم مثل العرب، وقيل: هم من ولد إبراهيم الذين لم يستعربوا، ولم أجد له مستندًا.
وقوله: "لو كان العلم بالثريا لنالوه" وقد جاء في الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ وضع يده على سلمان الفارسي ثم قال: "رجال أو رجل من هؤلاء" رواه البخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦: ٢٣١)، وهذا يؤيّد ما سبق.
وقد وقع كما أخبر النبي ﷺ ، فقد اشتهر رجال من أبناء العجم في التفسير والحديث والفقه واللغة وغيرها.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ويلٌ للعرب من شر قد اقترب، من فتنة عمياء صماء بكماء، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ويل للساعي فيها من اللَّه تعالى يوم القيامة"
حسن: رواه نعيم بن حماد في الفتن (٤٦١)، وصحّحه ابن حبان (٦٧٠٥) كلاهما من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث (هو سالم المدني)، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن محمد الدراوردي فإنه حسن الحديث.
وقوله: "القاعد فيها خير من القائم. . . والماشي فيها خير من الساعي" متفق عليه من حديث أبي هريرة، وهو مذكور في موضعه.
• عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول: "ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتن
стр. 8382
كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا قليلٍ، المتمسكُ منهم يومئذ على دينه كالقابض على خبط الشوك أو جمر الغضى".
حسن: رواه أحمد (٩٠٧٣) عن يحيى بن إسحاق، وحسن (هو ابن موسى) -وجعفر الفريابي في صفة المنافق (١٠٠) عن قتيبة بن سعيد- كلاهما عن ابن لهيعة، عن أبي يونس -وهو سليم بن جبير مولى أبي هريرة- عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للفريابي. وإسناده حسن فإن ابن لهيعة -وإن كان سيء الحفظ- إلا أن بعض أهل العلم احتملوا ما رواه قتيبة عنه.
وقوله: "فتن كقطع الليل المظلم. . . يبجع دينه بعرض من الدنيا". رواه مسلم في الإيمان (١١٨) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو مذكور في موضعه.
ورواه الحاكم (٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، والداني في الفتن (٥٣) من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا: "ويل للعرب من شر قد اقترب، مُوتوا إن استطعتم" فقوله: "موتوا إن استطعتم" زيادة شاذّة.
٢٧ - باب فتنة القتال من أجل الدنيا
• عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثبَ ابن الزبير بمكة، ووَثَبَ القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره، وهو جالس في ظل عُلَيةٍ له من قَصبٍ، فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمُه الحديثَ، فقال: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبتُ عند اللَّه أني أصبحتُ ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب، كنتم على الحال الذي علمتم من الذلّةِ والقلّةِ والضلالة، وإن اللَّه أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ ، حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام، واللَّه إن يُقاتل إلا على الدنيا.
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧١١٢) عن أحمد بن يونس، حدّثنا أبو شهاب، عن عوف، عن أبي المنهال، فذكره.
٢٨ - باب ظهور الفتن إذا كُسِرَ الباب المغلق
• عن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ قول رسول اللَّه ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله. قال: إنك عليه أو عليها لجريء، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفّرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا
стр. 8383
أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر، قال: إذًا لا يُغلق أبدًا، قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقا، فسأله، فقال: الباب عمر.
وفي رواية زاد حذيفة وقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أَنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه".
قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا، يوشك أن يكسر، قال عمر: أكسرًا لا أبا لك! فلو أنه فتح لعله كان يعاد، قلت: لا بل يُكسر، وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت، حديثا ليس بالأغاليط. قال: يعني أنه عن رسول اللَّه ﷺ .
متفق عليه: رواه البخاريّ في مواقيت الصلاة (٥٢٥)، ومسلم في الفتن (١٤٤: ٢٦) كلاهما من حديث يحيى، عن الأعمش قال: حدثني شقيق قال: سمعت حذيفة، فذكره.
والرواية الثانية عند مسلم في الإيمان (١٤٤: ٢٣١) من طرق أخرى عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، فذكره. وهذا التفصيل ذكره مسلم لم يذكره البخاري.
ويُفهم من هذا الحديث أن الحائل بين الفتن والإسلام عمر وهو الباب، فلما استُشْهد أي كُسر الباب بدأت الفتن، فوقعت فتنة مقتل عثمان، وقد أشار إليه النبي ﷺ في الحديث الآتي:
• عن أبي موسى الأشعري قال: خرج النبي ﷺ يومًا إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في إثره، فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي ﷺ ولم يأمرني، فذهب النبي ﷺ ، وقضى حاجته، وجلس على قُفّ البئر، فكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فجاء أبو بكر، يستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما أنت، حتى أستأذن لك، فوقف، فجئت إلى النبي ﷺ فقلت: يا نبي اللَّه، أبو بكر يستأذن عليك، قال: "ائذن له وبشره بالجنة". فدخل فجاء عن يمين النبي ﷺ ، فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فجاء عمر فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبي ﷺ : "ائذن له وبشره بالجنة". فجاء عن يسار النبي ﷺ ، فكشف عن ساقيه فدلاهما في البئر، فامتلأ القُفُّ فلم يكن فيه مجلس، ثم جاء عثمان فقلت: كما أنت
стр. 8384
حتى أستأذن لك، فقال النبي ﷺ : "ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه". . . الحديث.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٩٧)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٣: ٢٩) كلاهما من طريق شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي موسى الأشعري قال: فذكره. واللفظ للبخاري.
٢٩ - باب فتنة مقتل عثمان ﵁
• عن ابن حوالة قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ ، وهو جالس في ظل دومة، وعنده كاتب له يُملي عليه، فقال: ألا أكتبك يا ابن حوالة؟ قلت: لا أدري، ما خار اللَّه لي ورسوله، فأعرض عني، وقال إسماعيل مرة في الأولى: نكتبك يا ابن حوالة، قلت: لا أدري، فيم يا رسول اللَّه؟ فأعرض عني، فأكب على كاتبه يملي عليه، ثم قال: "أنكتبك يا ابن حوالة"، قلت: لا أدري ما خار اللَّه لي ورسوله، فأعرض عني، فأكب على كاتبه يملي عليه، قال: فنظرت فإذا في الكتاب عمر، فقلت: إن عمر لا يكتب إلا في خير، ثم قال: "أنكتبك يا ابن حوالة"، قلت: نعم فقال: "يا ابن حوالة، كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ " قلت: لا أدري، ما خار اللَّه لي ورسوله، قال: "وكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الأولى فيها انتفاجةُ أرنب"، قلت: لا أدري، ما خار اللَّه لي ورسوله، قال: "اتّبعُوا هذا، قال: ورجل مُقَفِّيٌّ حينئذ"، قال: فانطلقت فسعيت، وأخذت بمنكبيه، فأقبلت بوجهه إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: هذا؟ قال: "نعم، قال: وإذا هو عثمان بن عفان رضي اللَّه تعالى عنه".
صحيح: رواه أحمد (١٧٠٠٤) عن إسماعيل بن إبراهيم (هو ابن علية)، حدّثنا الجريري، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن ابن حوالة، فذكره.
وإسناده صحيح، والجريري مختلط لكن ابن عليّة روى عنه قبل اختلاطه.
وابن حوالة: هو زائدة أو مزيدة بن حوالة كما روى الإمام أحمد (٢٠٣٥٤) عن يزيد (يعني بن هارون)، أخبرنا كهمس بن الحسن، حدّثنا عبد اللَّه بن شقيق، حدثني رجل من عنزة يقال له: زائدة أو مزيدة بن حوالة قال: فذكره.
وقد ورد في بعض طرق حديث الجريري: "عبد اللَّه بن حوالة" قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٢٧٩٢ - ترجمة زائدة بن حوالة): "وعبد اللَّه بن حوالة صحابي مشهور نزل الشام، وهو مشهور بالأزدي، وهو أشهر من زائدة راوي هذا الخبر، فلعل بعض رواته سماه عبد اللَّه ظنا منه أنه ابن حوالة المشهور فسمّاه عبد اللَّه، والصواب زائدة أو مزيدة على الشك، وليس هو أخا عبد اللَّه؛ لأن عبد اللَّه أزدي، ويقال: عامري حالف الأزد، وزائدة عنزي -بمهملة ونون وزاي- ولم
стр. 8385
أر له ذكرًا إلا في هذا الموضع من مسند أحمد.
• عن أبي حبيبة أنه دخل الدار، وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام، فأذن له، فقام فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافا -أو قال- اختلافا وفتنة" فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول اللَّه؟ قال: "عليكم بالأمين وأصحابه"، وهو يشير إلى عثمان بذلك.
حسن: رواه أحمد (٨٥٤١) واللفظ له، وابن أبي شيبة (٣٢٧١٢)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٩٩) كلهم من طريق موسى بن عقبة قال: حدثني جدي -أبو أمي- أبو حبيبة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي حبيبة وهو مولى الزبير بن العوام، ولا يعرف اسمه، ووثّقه العجلي وابن حبان، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه في أهل المدينة، أي أنه كان معروفا عند أهل المدينة.
تنبيه: تحرف "أبو حبيبة" عند الحاكم إلى "أبي حسنة".
• عن عبد اللَّه بن حوالة الأزدي، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من نجا من ثلاثٍ فقد نجا" قاله ثلاث مرات، قالوا: ماذا يا رسول اللَّه؟ قال: "موتي، ومِنْ قتلِ خليفةٍ مصطبرٍ بالحق يُعطيه، والدجالِ".
حسن: رواه أحمد (٢٢٤٨٨)، وابن أبي شيبة (٣٨٦٣٠)، وصحّحه الحاكم (٣/ ١٠١) كلهم من طرق عن الليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط التجيبي، عن عبد اللَّه ابن حوالة الأزدي، فذكره.
وإسناده حسن، من أجل ربيعة بن لقيط التجيبي فإنه حسن الحديث، فقد روى عنه جمع، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٢٣٠) وقال: وروى عنه أهل مصر.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وقوله: "موتي" لقد وقع كما أخبر النبي ﷺ فقد افتتن الناس عند موته، فمنهم من شك في موته، ومنهم من ارتد بعد موته فنجا اللَّه المؤمنين على يد أبي بكر، فألقى أبو بكر خطبته المشهورة: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت"، وأزال الشك عن قلوب المؤمنين كما قاتل أهل الردة، وأنقذ المسلمين من فتنة عظيمة.
وقوله: "مِنْ قتلِ خليفةٍ مصطبرٍ بالحق" أي مِنْ قتلِ خليفة قائم على الحق وهو يؤدي حق خلافته من رعاية الأمة ومصالحها.
وقوله: "الدجال" هو المسيح الدجال الذي يأتي في آخر الزمان.
стр. 8386
٣٠ - باب إخبار النبي ﷺ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية
• عن عكرمة أن ابن عباس قال له ولعلي بن عبد اللَّه: ائتيا أبا سعيد، فاسمعا من حديثه، فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسميانه، فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس، فقال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النبي ﷺ ، ومسح عن رأسه الغبار وقال: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى اللَّه، ويدعونه إلى النار".
صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨١٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عبد الوهاب، حدّثنا خالد، عن عكرمة، فذكره.
• عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول اللَّه ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: "بُؤْس ابن سمية، تقتلك فئة باغية".
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩١٥) من طرق عن محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي مسلمة، قال: سمعت أبا نضرة، يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: أخبرني من هو خير مني -يعني أبا قتادة-، فذكره.
• عن أم سلمة أن رسول اللَّه ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية"
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩١٦) من طرق عن شعبة، قال: سمعت خالدًا يحدث عن سعيد بن أبي الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، فذكرته.
• عن حنظلة بن خويلد العنبري قال: بينما أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما، أنا قتلته، فقال عبد اللَّه بن عمرو: ليَطِبْ به أحدُكما نفسا لصاحبه، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية"، قال معاوية: فما بالُك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: "أطعْ أباك ما دام حيا، ولا تعصه، فأنا معكم، ولستُ أقاتلُ".
صحيح: رواه أحمد (٦٥٣٨)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٩٠٠٠)، والنسائي في خصائص علي (١٦٤) كلهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا العوّام بن حوشب، حدثني الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خُويلد، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن عبد اللَّه بن الحارث قال: إني لأسير مع معاوية في منصرفه من صفين، بينه وبين عمرو بن العاص، قال: فقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: يا أبت ما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لعمار: "ويحك يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغيه"؟ قال: فقال
стр. 8387
عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنة، أنحن قتلناه؟ ! إنما قتله الذين جاءوا به.
صحيح: رواه أحمد (٦٤٩٩، ٦٥٠٠)، والنسائي في خصائص علي (١٦٧، ١٦٨) كلاهما من طريق الأعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، فذكره.
وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن زياد -وقيل: ابن أبي زياد- مولى بني هاشم، ثقة، وثّقه ابن معين والعجلي كما في التهذيب، وذكره ابن حبان في الثقات، وعبد اللَّه بن الحارث هو ابن نوفل له رؤية.
وقول معاوية: "إنما قتله الذين جاؤوا به" هو تأويل للحديث، وخروج من ظاهره.
وقوله: "الهنة" كناية عن الأمر القبيح، والفعل الذميم.
• عن عمار أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تقتلك الفئة الباغية"
صحيح: رواه أبو داود الطيالسي (٦٨٤)، والحارث في مسنده - بغية الباحث (١٠١٧) كلاهما من طريق أبي التياح (يزيد بن حميد)، عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل، عن عمار، فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَبْشِرْ يا عمار، تقتلك الفئة الباغية".
حسن: رواه الترمذيّ (٣٨٠٠)، والبزار (٨٣٣٧)، وأبو يعلى (٦٥٢٤) كلهم من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، (هو عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي)، عن أبي هريرة، فذكره.
هكذا ساقه الترمذيّ والبزار مختصرًا، وأما أبو يعلى فقد ذكر قصة حيث قال: كان رسول اللَّه ﷺ يبني المسجد فإذا نقل الناس حجرًا، نقل عمار حجرين، دياذا نقلوا لبنةً نقل لبِنتين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية".
وإسناده حسن من أجل العلاء بن عبد الرحمن الحرقي فإنه حسن الحديث.
وقال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب من حديث العلاء بن عبد الرحمن".
• عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: لما قتل عمارُ بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص، فقال: قُتل عمارٌ، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "تقتله الفئة الباغية"، فقام عمرو بن العاص فزعًا يرجّع حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتِل عمار، فقال معاوية: قد قتل عمار، فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تقتله الفئة الباغية"، فقال له معاوية: دحضتَ في بولك، أونحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا -أو قال-: بين سيوفنا.
صحيح: رواه أحمد (١٧٧٧٨)، وأبو يعلى (٧١٧٥)، وصحّحه الحاكم (٢/ ١٥٥ - ١٥٦) كلهم من طريق عبد الرزاق (وهو في مصنفه ٢٠٤٢٧)، حدّثنا معمر، عن ابن طاوس (واسمه عبد اللَّه)،
стр. 8388
عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: فذكره. وإسناده صحيح.
قوله: "يرجع" يعني يقول: "إنا للَّه وإنا إليه راجعون".
وقوله: "دحضت" أي عثرتَ وأخطأتَ في الفهم.
وروي عن أبي غادية قال: قُتل عمارُ بن ياسر فأخبر عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن قاتله وسالبه في النار"، فقيل لعمرو: فإنك هو ذا تُقاتله قال: إنما قال: "قاتله وسالبه".
رواه أحمد (١٧٧٧٦)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١) كلاهما عن عفان بن مسلم، حدّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو الأحوص وكلثوم بن جبر، عن أبي غادية (واسمه يسار بن سبع وله صحبة) قال: فذكره.
هكذا ساقه أحمد مختصرًا، وأما ابن سعد فقد ساقه بسياق أطول منه وفيه: عن أبي غادية قال: سمعت عمار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة قال: فتوعدته بالقتل قلت: لئن أمكنني اللَّه منك لأفعلن. فلما كان يوم صِفين جعل عمار يحمل على الناس، فقيل: هذا عمار، فرأيت فرجة بين الرئتين وبين الساقين، قال: فحملت عليه، فطعنته في ركبته، قال: فوقع، فقتلته، فقيل: قتلت عمار بن ياسر. وأخبر عمرو بن العاص فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "إن قاتله وسالبه في النار"، فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تُقاتله، فقال: إنما قال: قاتله وسالبه.
وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن نضلة، وفي مطبوعة المسند "أبو حفص"، والتصويب من إتحاف المهره (١٥٩٧٤).
والحديث مع جودة إسناده شاذّ مخالف للأحاديث الصّحيحة المتواترة، فإن الفئة الباغية هي القاتلة عمارًا، ولا القاتل وحده، فلعل عمرو بن العاص ﵁ قال: "إن قاتله وسالبه في النار" اجتهادا منه، فعزاه بعض الرواة إلى النبي ﷺ . واللَّه أعلم بالصواب.
وقوله: "عمار بن ياسر يقع في عثمان ويشتمه بالمدينة" لم يردْ في سيرة عمار بن ياسر في كتب التراجم وغيرها أنه كان يشتم عثمان، ولعل هذا فهمٌ من أبي غادية؛ لأنه كان من شيعة عثمان، وعمار كان من شيعة علي بن أبي طالب رضي اللَّه عن الجميع، فيمكن أن عمارًا قد تكلم في عثمان بعض الكلام، وفهمه أبو غادية سبًّا وشتمًا. واللَّه أعلم بالصواب.
وأما أبو الغادية فهو القاتل كما في الحديث الآتي:
• عن كلثوم بن جبر قال: كنا بواسط القَصَب عند عبد الأعلى بن عبد اللَّه بن عامر قال: فإذا عنده رجل يقال له: أبو الغادية استسقى ماءًا فأتي بإناءٍ مُفَضَّض، فأبى أن يشرب، وذكر النبي ﷺ ، فذكر هذا الحديث: "لا ترجعوأ بعدي كفارًا أو ضُلّالًا -شك ابن أبي عدي- يضرب بعضكم رقاب بعض"، فإذا رجل يسب فلانًا، فقلت:
стр. 8389
واللَّه لئن أمكنني اللَّه منك في كتيبة، فلما كان يوم صفين، إذا أنا به، وعليه درع، قال: ففطنتُ إلى الفَرْجة في جُربّان الدِّرع، فطعنتُه، فقتلتُه، فإذا هو عمار بن ياسر. قال: قلت: وأي يدٍ كَفَتَاهُ، يكره أن يشرب في إناء مُفَضَّضٍ، وقد قتل عمار بن ياسر! .
حسن: رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائده (١٦٦٩٨) عن محمد بن المثنى أبي موسى، حدّثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن كلثوم بن جبر قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل كلثوم بن جبر فإنه حسن الحديث.
٣١ - باب من أخبار وقعة الجمل
• عن عبد اللَّه بن زياد الأسدي قال: لما سار طلحةُ والزبيرُ وعائشةُ إلى البصرة، بعث عليٌّ عمارَ بن ياسر وحسنَ بن علي، فقدما علينا الكوفة، فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارًا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، وواللَّه إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن اللَّه ﵎ ابتلاكم ليعلم إياه تُطيعون أم هي؟ .
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧١٠٠) عن عبد اللَّه بن محمد، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا أبو بكر بن عياش، حدّثنا أبو حصين، حدّثنا أبو مريم عبد اللَّه بن زياد الأسدي، فذكره.
• عن أبي وائل قام عمار على منبر الكوفة، فذكر عائشة وذكر مسيرها وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة.
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧١٠١) عن أبي نُعيم، حدننا ابن أبي غَنية، عن الحكم، عن أبي وائل، فذكره.
٣٢ - باب ذكر فتنة الخوارج
• عن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول اللَّه ﷺ وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول اللَّه، اعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل! ". فقال عمر: يا رسول اللَّه، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: "دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يُجاوز تَراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه -وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود، إحدى
стр. 8390
عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول اللَّه ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به، حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته.
متفق عليه: رواه البخاريّ في علامات النبوة (٣٦١٠) ومسلم في الزكاة (١٤٨: ١٠٦٤) كلاهما من طريق الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
• عن أبي سعيد الخدري، قال: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ ابْنِ بَدْرٍ، وَأَقْرَعَ بْنِ حابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بن عُلَاثة وَإمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ. فَقَالَ رَجُل مِنْ أصحابهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاءِ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "أَلا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صبَاحًا وَمَسَاءً". قَالَ: فَقَامَ رَجُل غَائِرُ الْعَيْنيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الْإِزَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ. قَالَ: "وَيْلَكَ أَوَ لَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ". قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، فقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَال: "لا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي". قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ". قَال: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَال: "إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ". قال: أَظُنُّهُ قَالَ: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ".
وزاد في رواية: فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللَّه! ألا أضرب عنقه قال: لا، قال: ثم أدبر فقام إليه خالد سيف اللَّه فقال: يا رسول اللَّه! ألا أضرب عنقه قال: "لا"، فقال: "إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب اللَّه ليِّنًا رطبًا".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٥١)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٤) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدّثنا عبد الواحد، عن عمارة بن القعقاع، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي نُعم، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول: فذكره.
ورواه مسلم (١٠٦٤: ١٤٥) عن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد، وقال: "وعلقمة بن علاثة"، ولم يذكر عامر بن الطفيل، وقال: "نأتئ الجبهة" ولم يقل:
стр. 8391
"ناشز"، وزاد: فقام إليه عمر بن الخطاب. . . الخ.
وقد أكثر الشيخان من ذكر طرقه وألفاظه، وبعضها مذكورة في مواضع أخرى من الجامع الكامل.
• عن أبي سعيد أن النبي ﷺ ذكر قوما يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحالق، قال: "هم شر الخلق -أو من أشر الخلق- يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق"، قال فضرب النبي ﷺ لهم مثلا أو قال قولا: الرجل يرمي الرمية -أو قال: الغرض- فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النضي فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة. قال: قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق.
وفي لفظ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق".
وفي لفظ: "تكون في أمتي فرقتان فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٦٤: ١٤٩) عن محمد بن المثنى، حدّثنا ابن أبي عدي، عن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره باللفظ الأول.
ورواه (١٠٦٤: ١٥٠) عن شيبان بن فروخ، حدّثنا القاسم (هو ابن الفضل الحداني)، حدّثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري، فذكره باللفظ الثاني.
ورواه (١٠٦٤: ١٥١) من طريق قتيبة قال: حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري باللفظ الثالث.
• عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، حتى يعود السهم إلى فوقه" قيل: ما سيماهم؟ قال: "سيماهم التحليق -أو قال- التسبيد".
صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٦٢) عن أبي النعمان، حدّثنا مهدي بن ميمون، سمعت محمد بن سيرين، يحدث عن معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
وقوله: "التسبيد" معناه: حلق الرأس واستئصال الشعر، أو تركُ التدهنِ وغسلِ الرأس.
• عن يُسير بن عمرو قال: قلت لسهيل بن حنيف: هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول -وأهوى بيده قبل العراق-: "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن، لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية".
متفق عليه: رواه البخاريّ في استتابة المرتدين (٦٩٣٤)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٨: ١٥٩) كلاهما من حديث عبد الواحد، حدّثنا سليمان الشيباني، حدّثنا يسير بن عمرو، فذكره. والسياق للبخاري.
стр. 8392
ورواه مسلم (١٠٦٨: ١٦٠) من طريق يزيد بن هارون، عن العوّام بن حوشب، حدّثنا أبو إسحاق الشيباني، عن أُسير بن عمرو، عن سهل بن حنيف باللفظ الثاني.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: أتى رجلٌ رسولَ اللَّه ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول اللَّه ﷺ يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد، اعدلْ، قال: "ويلك، ومن يعدلُ إذا لم أكنْ أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر بن الخطاب دعني يا رسول اللَّه، فأقتل هذا المنافق فقال: "معاذ اللَّه أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية".
متفق عليه: رواه مسلم في الزكاة (١٠٦٣) عن محمد بن رمح بن المهاجر، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
ورواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٣٨) من وجه آخر عن جابر مختصرًا.
قوله: "لا يجاوز حناجرهم" قال القاضي عياض: فيه تأويلان:
أحدهما: لا تفقه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق.
والثاني: أي لا يصعد لهم عملٌ ولا تلاوة ولا يتقبّل، والحناجر جمع حنجرة.
قوله: "يمرقون من الدين" أي يخرجون منه.
• عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن بعدي من أمتي -أو سيكون بعدي من أمتي- قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة".
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٦٧) عن شيبان بن فروخ، حدّثنا سليمان بن المغيرة، حدّثنا حميد بن هلال، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر، فذكره.
قال عبد اللَّه بن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري، قلت ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا؟ فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول اللَّه ﷺ .
• عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "سيكون في أمتي خلاف وفرقة: قوم يُحسنون القِيل، ويُسيئون الفِعل، يقرؤون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يحقرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتَدَّ على فُوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب اللَّه، وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان
стр. 8393
أولى باللَّه منهم" قالوا: يا رسول اللَّه ما سيماهم؟ قال: "التحليق".
صحيح: رواه أبو داود (٤٧٦٣)، وأحمد (١٣٣٣٨)، والحاكم (٢/ ١٤٨) من طرق عن أبي عمرو الأوزاعي، حدثني قتادة، عن أنس وأبي سعيد الخدري، فذكراه. واللفظ لأحمد.
ورواه الحاكم (٢/ ١٤٧ - ١٤٨) من طريق محمد بن كثير المصيصي، حدّثنا الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس وحده.
ورواه أبو داود (٤٧٦٦)، وابن ماجه (١٧٥)، وأحمد (١٣٠٣٦) كلهم من طريق معمر، عن قتادة، عن أنس وحده بنحوه.
وإسناده صحيح عن أنس، وأما عن أبي سعيد ففيه انقطاع.
قال الحاكم: "لم يسمع هذا الحديث قتادة عن أبي سعيد الخدري، إنما سمعه من أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد، ثم أسنده".
وقد روي الحديث عن أبي سعيد الخدري من طرق متعددة صحيحة بألفاظ مطولة ومختصرة كما تقدم.
• عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: ينشأ نشء يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع، قال ابن عمر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "كلما خرج قرن قطع، أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في عراضهم الدجال".
حسن: رواه ابن ماجه (١٧٤) عن هشام بن عمار، حدّثنا يحيى بن حمزة، حدّثنا الأوزاعي، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل هشام بن عمار فإنه حسن الحديث.
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليقرأن القرآن ناس من أمتي، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".
حسن: رواه ابن ماجه (١٧١)، وأحمد (٢٣١٢) كلاهما من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سماك (هو ابن حرب) وهو وإنْ تكلم في روايته عن عكرمة خاصة لكن جزم الدارقطني بأن ما حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص فأحاديثهم عنه سليمة.
• عن عبد اللَّه بن عمر -وذكر الحرورية- فقال: قال النبي ﷺ : "يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية".
صحيح: رواه البخاريّ في استتابة المرتدين (٦٩٣٢) عن يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني عمر أن أباه حدثه عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يخرج في آخر الزمان قوم
стр. 8394
أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير الناس، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن لقيهم فليقتلهم، فإن قتلهم أجر عند اللَّه لمن قتلهم".
حسن: رواه الترمذيّ (٢١٨٨)، وابن ماجه (١٦٨)، وأحمد (٣٨٣١) كلهم من طريق أبي بكر ابن عياش، عن عاصم، عن زر (هو ابن حبيش)، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي بكر بن عياش وعاصم هو ابن أبي النجود فإنهما حسنا الحديث.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
• عن شريك بن شهاب قال: كنت أتمنى أن ألقى رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، أسأله عن الخوارج، فلقيت أبا برزة في يوم عيد في نفر من أصحابه، فقلت له: هل سمعت رسول اللَّه ﷺ يذكر الخوارج؟ فقال: نعم، سمعت رسول اللَّه ﷺ بأذني، ورأيته بعيني، أتي رسول اللَّه ﷺ بمال، فقسمه، فأعطى من عن يمينه، ومن عن شماله، ولم يعط من وراءه شيئًا، فقام رجل من ورائه، فقال: يا محمد، ما عدلت في القسمة، -رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان- فغضب رسول اللَّه ﷺ غضبًا شديدًا، وقال: "واللَّه لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني"، ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة".
حسن: رواه النسائي (٤١٠٣)، وأحمد (١٩٧٣٨)، والحاكم (٢/ ١٤٦ - ١٤٧) كلهم من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا الأزرق بن قيس، عن شريك بن شهاب، فذكره.
قال النسائي عقب الحديث: "شريك بن شهاب ليس بذلك المشهور". ولم يجرحه، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
وإسناده حسن من أجل شريك بن شهاب لأن النسائي عرفه ولم يجرحه، ولأن ما يرويه له أصل ثابت.
• عن علي بن أبي طالب قال: إذا حدثتكم عن رسول اللَّه ﷺ فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم،
стр. 8395
يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموه فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند اللَّه يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في استتابة المرتدين (٦٩٣٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٦٦: ١٥٤) كلاهما من طريق الأعمش، عن خيثمة، عن سويد بن غفلة قال: قال علي، فذكره.
• عن أبي بكرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سيخرج قوم أحداث أحداء أشداء ذلقة ألسنتهم بالقرآن يقرؤونه لا يجاوز تراقيهم فإذا لقيتموهم فأنيموهم ثم إذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنه يؤجر قاتلهم".
حسن: رواه أحمد (٢٠٣٨٢، ٢٠٤٤٦)، والبزار (٣٦٧٦)، والحاكم (٢/ ١٤٦) كلهم من طرق عن عثمان الشحام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، فذكره.
وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن أبي بكرة إلا بهذا الطريق، وقد روي عن النبي ﷺ هذا الكلام ونحوه من وجوه بألفاظ مختلفة، وفي حديث أبي بكرة شيء ليس في حديث غيره".
وإسناده حسن من أجل عثمان الشحام ومسلم بن أبي بكرة فإنهما حسنا الحديث.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
• عن مقسم أبي القاسم مولى عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتَليد ابن كلاب الليثي، حتى أتينا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهو يطوف بالبيت، معلقا نعليه بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول اللَّه ﷺ حين يكلمه التميمي يوم حنين؟ قال: نعم، أقبل رجل من بني تميم، يقال له: ذو الخويصرة، فوقف على رسول اللَّه ﷺ ، وهو يعطي الناس، قال: يا محمد، قد رأيت ما صنعتَ في هذا اليوم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أجل، فكيف رأيت؟ " قال: لم أرك عدلت، قال: فغضب رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "ويحك إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ " فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه ألا نقتله؟ قال: "لا، دعوه، فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين، حتى يخرجوا منه، كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يوجد شيء، ثم في القدح فلا يوجد شيء، ثم في الفوق فلا يوجد شيء، سبق الفرثَ والدمَ".
حسن: رواه أحمد (٧٠٣٨) عن يعقوب (هو ابن إبراهيم بن سعد الزهري)، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن مقسم أبي القاسم، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق فإنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث، وكذا أبو عبيدة بن محمد ومقسم حسنا الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٢٧ - ٢٢٨): "رجال أحمد ثقات".
стр. 8396
قوله: "سبق الفرثَ والدمَ" قال الحافظ في الفتح (٦/ ٦١٨): "شبَّه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدة سرعة خروجه -لقوة الرامي- لا يعلقُ من جسد الصيد شيءٌ".
• عن أبي غالب يقول: لما أتي برؤوس الأزارقة، فنصبت على درج دمشق، جاء أبو أمامة، فلما رآهم دمعت عيناه، فقال: كلاب النار، ثلاث مرات، هؤلاء شر قتلى قُتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى قُتلوا تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء، قال: فقلت: فما شأنك؟ دمعت عيناك، قال: رحمةً لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام، قال: قلنا: أَبِرأيك قلت: هؤلاء كلاب النار أو شيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: إني لجريء، بل سمعته من رسول اللَّه ﷺ غير مرة ولا ثنتين ولا ثلاث. قال: فعد مرارًا.
حسن: رواه أحمد (٢٢١٨٣) واللفظ له، والترمذي (٣٠٠٠)، وابن ماجه (١٧٦)، والطيالسي (١٢٣٢) كلهم من طرق عن أبي غالب، فذكره.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن، وأبو غالب اسمه حزور، وأبو أمامة الباهلي اسمه صدي ابن عجلان وهو سيد باهلة".
قلت: وهو كما قال؛ فإن أبا غالب مختلف فيه غير أنه حسن الحديث ما لم يأت بما ينكر عليه، وقد تابعه سيار الأموي -وهو صدوق- عند أحمد (٢٢١٥١)، وشداد بن عبد اللَّه أبو عمار عند الحاكم (٢/ ١٤٩)، وجاء في بعض الروايات أن أبا أمامة قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقد وقع في بعض الروايات أنه مرفوع، والصواب أنه موقوف.
وروي الحديث عن أبي أمامة بألفاظ مختلفة، في بعضها مناكير، لم يتابع عليها رواتها.
• عن سعيد بن جُمهان قال: أتيت عبد اللَّه بن أبي أوفى وهو محجوب البصر، فسلمت عليه، قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جمهان، قال: فما فعل والدك؟ قال: قلت: قتلتْه الأزارقة، قال: لعن اللَّه الأزارقة، لعن اللَّه الأزارقة، حدّثنا رسول اللَّه ﷺ : "أنهم كلاب النار"، قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ ، قال: بل الخوارج كلها. قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس، ويفعل بهم، قال: فتناول يدي، فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال: ويحك يا ابن جُمهان، عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك، فأْتِه في بيته، فأخبرْه بما تعلم، فإن قبلَ منك، وإلا فدعْه، فإنك لستَ بأعلم منه.
حسن: رواه أحمد (١٩٤١٥) عن أبي النضر، حدّثنا الحشرج بن نباتة العبسي، حدثني سعيد
стр. 8397
ابن جمهان، فذكره.
ورواه الحاكم (٣/ ٥٧١) من طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن حشرج به إلى قوله: "أنهم كلاب النار".
وإسناده حسن من أجل حشرج بن نباتة وسعيد بن جمهان فإنهما حسنا الحديث.
وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٣٠): "رجال أحمد ثقات".
ورواه ابن ماجه (١٧٣)، وأحمد (١٩١٣٠) كلاهما من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الخوارج كلاب النار".
والأعمش لم يسمع من عبد اللَّه بن أبي أوفى كما قال غير واحد من النقاد منهم: يحيى بن سعيد القطان، وابن معين، وأحمد، وأبو حاتم الرازي.
وقوله: "إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته" فيه توجيه عظيم لمن يريد نصح السلطان، ثم ليس على السلطان قبول نصيحة كل ناصح لأنه أعلم بأمور الحكم وسياسة البلاد ورعاية الأمة كما قال عبد اللَّه بن أبي أوفى: "فإنك لست بأعلم منه".
• عن جابر قال: مر على رسول اللَّه ﷺ رجلٌ، فقالوا فيه وأثنوا عليه فقال: "من يقتله؟ " قال أبو بكر: أنا، فانطلق فوجده قد خط على نفسه خطة فهو قائم يصلي فيها، فلما رآه على ذلك الحال، رجع ولم يقتله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من يقتله؟ " فقال عمر: أنا، فذهب، فرآه يصلي في خطة قائما يصلي، فرجع، ولم يقتله فقال: رسول اللَّه ﷺ : "من له - أو من يقتله؟ " فقال: علي: أنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنت، ولا أراك تدركه، فانطلق، فوجده قد ذهب".
حسن: رواه أبو يعلى (٢٣١٥)، وابن أبي شيبة وابن منيع في مسنديهما - كما في المطالب العالية (٢٩٩٣)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٣٢٩) كلهم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا العوّام بن حوشب، حدثني أبو سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل طلحة بن نافع فإنه حسن الحديث.
قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٢٧): "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح".
• عن أبي بكرة: أن نبي اللَّه ﷺ مر برجل ساجد، وهو ينطلق إلى الصلاة، فقضى الصلاة، ورجع عليه وهو ساجد، فقام النبي ﷺ ، فقال: "من يقتل هذا؟ " فقام رجل، فحسر عن يديه، فاخترط سيفه، وهزه، ثم قال: يا نبي اللَّه، بأبي أنت وأمي، كيف أقتل رجلًا ساجدًا، يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ ، ثم قال: "من يقتل هذا؟ " فقام رجل، فقال: أنا، فحسر عن ذراعيه، واخترط سيفَه، وهزه حتى أُرْعِدَتْ يدُه، فقال: يا نبي اللَّه، كيف أقتل رجلا ساجدًا، يشهد أن لا إله إلا اللَّه،
стр. 8398
وأن محمدا عبده ورسوله؟ فقال النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لو قتلتموه، لكان أولَ فتنةٍ وآخرَها".
حسن: رواه أحمد (٢٠٤٣١)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٧١) كلاهما من حديث روح بن عبادة، حدّثنا عثمان الشحام، حدّثنا مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عثمان بن الشحام ومسلم بن أبي بكرة فإنهما حسنا الحديث.
قوله: "لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها" فيه دلالة على أن النبي ﷺ لم يعزم على قتل رجلٍ يصلي؛ لأن في قتله فتنة عظيمة، إلا أن هذه القصة رويت بألفاظ مختلفة بعضها يرجع إلى اختلاف الرواة، والخلاصة كما قلت.
٣٣ - باب ما جاء في صفة المخدج من الخوارج
• عن علي -قال-: ذكر الخوارج، فقال: فيهم رجل مُخْدج اليد، أو مُودنُ اليد، أو مَثدُون اليد، لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد اللَّه الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ، قال: قلت: آنت سمعته من محمد ﷺ ؟ قال: إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة.
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٦٦: ١٥٥) من طرق عن حماد بن زيد وإسماعيل ابن علية كلاهما عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة، عن علي، فذكره.
قوله: "مودن اليد" أي ناقص اليد صغيرها، يقال: ودنتُ الشيء وأودنتُه: إذا نقصتَه وصغّرتَه.
وقوله: "مثدون اليد": أي صغير اليد مجتمعها، والمثدن والمثدون: الناقص الخلق.
• عن عبيد اللَّه بن أبي رافع مولى رسول اللَّه ﷺ أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب قالوا: لا حكم إلا للَّه، فقال عليٌّ: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول اللَّه ﷺ وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء: يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم -وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق اللَّه إليه، منهم أسود، إحدى يديه طُبي شاةٍ أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا فواللَّه ما كذَبتُ ولا كُذِبتُ، مرتين أو ثلاثا، ثم وجدوه في خَرِبة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد اللَّه: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول عليٍّ فيهم.
زاد يونس في روايته: قال بكير: وحدثني رجل عن ابن حنين أنه قال: رأيت ذلك
стр. 8399
الأسود.
صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٦٦: ١٥٧) من طرق عن عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع مولى رسول اللَّه ﷺ ، فذكره.
قوله: "طُبي" بالضم والكسر - والمراد: ضرع شاة وهو فيها مجاز واستعارة إنما أصله للكلبة والسباع. وفي النهاية: خِلْفٌ وضَرْعٌ جمعه أطباء أي الأخلاف، وقيل: يقال لموضع الأخلاف من الخلاف والسباع أطباء كما يقال في ذوات الخف والظلف: خِلْف وضرع. النهاية (٣/ ١١٥).
• عن كليب بن شهاب قال: كنت عند عَليٍّ جالسا إذ دخل رجل عليه ثياب السفر قال: وعلي يكلم الناس، ويكلمونه، فقال: يا أمير المؤمنين أتأذن أن أتكلم؟ فلم يلتفت إليه، وشغله ما هو فيه، فجلست إلى الرجل، فسألته ما خبرُك؟ قال: كنت معتمرًا، فلقيت عائشة، فقالت لي: هؤلاء القوم الذين خرجوا في أرضكم يسمون حرورية! قلت: خرجوا في موضع يسمى حروراء، فسموا بذلك، فقالت: طوبى لمن شهد هلكتهم، لو شاء ابن أبي طالب لأخبركم خبرهم، قال: فجئت أسأله عن خبرهم، فلما فرغ علي، قال: أين المستأذن؟ فقص عليه كما قص علينا، قال: إني دخلت على رسول اللَّه، وليس عنده أحد غير عائشة أم المؤمنين، فقال لي: "كيف أنت يا علي، وقوم كذا وكذا؟ "قلت: اللَّه ورسوله أعلم، وقال: ثم أشار بيده، فقال: "قوم يخرجون من المشرق يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فيهم رجل مخدج كأن يده ثدي". أنشدكم باللَّه أخبرتكم بهم، قالوا: نعم، قال: أناشدكم اللَّه أخبرتكم أنه فيهم؟ قالوا: نعم، قال: فأتيتموني، فأخبرتموني أنه ليس فيهم، فحلفت لكم باللَّه أنه فيهم، فأتيتموني به تجرونه كما نعتُّ لكم؟ قالوا: نعم، قال: صدق اللَّه ورسوله.
حسن: رواه النسائي في خصائص علي (١٨٣) واللفظ له، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند (١٣٧٩ - ١٣٧٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٩٤٦)، والبزار (٧٨٢ - ٧٨٣)، وأبو يعلى (٤٧٢، ٤٨٢) كلهم من طرق عن عاصم بن كليب، عن أبيه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل كليب بن شهاب فإنه صدوق.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٦٠٠): "إسناده جيد".
• عن زيد بن وهب الجهني: أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: أيها الناس إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قرائتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم
стр. 8400
بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تُجاوز صلاتُهم تَراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرقُ السهم من الرمية"، لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد، وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حَلَمة الثدي، عليه شعراتٌ بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريّكم وأموالكم، واللَّه إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سَرْح الناس، فسيروا على اسم اللَّه.
قال سلمة بن كهيل: فنزّلني زيد بن وهب منزلا حتى قال: مررنا على قنطرة، فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد اللَّه بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلّوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا، فوحشوا برماحهم، وسلّوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي: التمسوا فيهم المُخْدج، فالتمسوه، فلم يجدوه، فقام عليٌّ بنفسه، حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخروهم فوجدوه مما يلي الأرض، فكبّر، ثم قال: صدق اللَّه، وبلّغ رسولُه، قال: فقام إليه عَبيدةُ السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين، اللَّه الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: إي، واللَّه الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثا، وهو يحلف له.
صحيح: رواه مسلم في كتاب الزكاة (١٠٦٦: ١٥٦) عن عبد بن حميد، حدّثنا عبد الرزاق بن همام، حدّثنا عبد الملك بن أبي سليمان، حدّثنا سلمة بن كهيل، حدثني زيد بن وهب الجهني، فذكره.
قوله: "المخدج" قال عنه أبو مريم (وهو الثقفي): إن كان ذلك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد نجالسه بالليل والنهار وكان فقيرًا ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي ﵇ مع الناس وقد كسوته برنسا لي.
وقال أبو مريم: وكان المخدج يسمى نافعا ذا الثدية وكان في يده مثل ثدي المرأة على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعيرات مثل سبالة السنور.
رواه أبو داود (٤٧٧٠) عن بشر بن خالد، قال: ثنا شبابة بن سوار، عن نعيم بن حكيم، عن أبي مريم قال: فذكره.
وإسناده حسن، من أجل نعيم بن حكيم وأبي مريم (وهو الثقفي)؛ فإنهما حسن الحديث.
стр. 8401
٣٤ - باب قول النبي ﷺ : الفتنة من قبل المشرق
• عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال وهو مستقبل المشرق: "ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٩٢)، ومسلم في الفتن (٢٩٠٥: ٤٧) كلاهما من طريق ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، فذكره.
واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه إلا أن فيه شكا في قرن الشيطان أو قرن الشمس.
ولكن رواه الشيخان من طريق الليث، عن نافع، عن ابن عمر وفيه: "قرن الشيطان" بدون الشك.
ورواه مسلم (٢٩٠٥: ٤٨) من طريق عكرمة بن عمار، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعا: "رأس الكفر من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان" يعني المشرق.
• عن عبد اللَّه بن عمر يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ههنا، وأومأ بيده نحو المشرق، من حيث يطلع قرنا الشيطان" وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال اللَّه له: " ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠].
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٠٥: ٥٠) من طرق عن ابن فضيل عن أبيه قال سمعت سالم بن عبد اللَّه بن عمر يقول: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة سمعت أبي عبد اللَّه بن عمر يقول: فذكره.
• عن ابن عمر قال: ذكر النبي ﷺ : "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا"، قالوا: يا رسول اللَّه، وفي نجدنا، قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا"، قالوا: يا رسول اللَّه، وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان".
صحيح: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٩٤) عن علي بن عبد اللَّه، حدّثنا أزهر بن سعد، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وقوله: "نجدنا" المراد به بادية العراق ونواحيها، كما قال الخطابي.
٣٥ - باب أن أهل العراق والشام ومصر يمنعون زكاة أموالهم
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مُدْيها ودينارها، ومنعت مصر إردبَّها ودينارها، وعُدتم من حيث بدأتم، وعُدتم من حيث بدأتم، وعُدتم من حيث بدأتم"، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
стр. 8402
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٨٩٦) من طرق عن يحيى بن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد، حدّثنا زهير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: فذكره.
قوله: "القفيز" مكيال معروف لأهل العراق، قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك والمكوك: صاع ونصف.
قوله: "المُدْي" على وزن قُفْل مكيال معروف لأهل الشام قال العلماء: يسع خمسة عشر مكوكا.
قوله: "الإردب" مكيال معروف لأهل مصر، يسع أربعة وعشرين صاعا.
٣٦ - باب ما روي في البصرة
روي عن مسلم بن أبي بكرة قال: سمعت أبي يحدث: أن رسول اللَّه ﷺ قال "ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له: دجلة يكون عليه جسر يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين".
قال ابن يحيى: قال أبو معمر: "وتكون من أمصار المسلمين، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلها ثلاث فرق: فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية وهلكوا. وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا. وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم، ويقاتلونهم وهم الشهداء".
رواه أبو داود (٤٣٠٦)، وابن حبان (٦٧٤٨)، وأحمد (٢٠٤١٣) كلهم من حديث سعيد بن جمهان، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه. فذكره.
وسعيد بن جمهان عندي حسن الحديث إذا لم يخطئ ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه، وهنا أنه روى هذا الحديث بألوان كثيرة كما أنه أتى في متنه ما لم يتابع عليه.
وله أسانيد أخرى لا تفيد شيئًا، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث رواه درست بن زياد، عن راشد أبي محمد الحماني، عن أبي الحسن مولى أبي بكرة، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، وذكر الحديث باختلاف في بعض ألفاظه، فقال أبو حاتم: "هو حديث منكر". علل الحديث (٢/ ٤١٩).
وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "يا أنس، إن الناس يمصرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال له البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها، فإياك وسباخها وكلاءها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها؛ فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير".
رواه أبو داود (٤٣٠٧) عن عبد اللَّه بن الصباح، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، قال: ثنا موسى الحناط لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس، عن أنس، فذكره.
ولا يعرف هذا الحديث إلا عن أنس، وقد وقع شك في رواية الحناط، عن موسى بن أنس،
стр. 8403
وفي متنه غرابة.
وله طريقان آخران عن أنس وفيهما من هو متهم، وأورد أحدهما ابن الجوزي في الموضوعات.
وأما ما روي عن أبي هريرة مرفوعا: "يبعث من مسجد العشار الذي بالأُبلة شهداء، لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم". فهو منكر.
رواه أبو داود (٤٣٠٨)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٥٥)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٠٣) كلهم من طريق إبراهيم بن صالح بن درهم، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وعلته إبراهيم بن صالح قال البخاري: لا يتابع عليه، وضعفه الدارقطني.
وقال ابن عدي: "هذا الحديث بأي إسناد كان فهو منكر".
قوله: "مسجد العشار" قال أبو داود: هذا المسجد مما يلي النهر.
٣٧ - باب النهي عن تهييج الحبشة
• عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم".
حسن: رواه أبو داود (٤٣٠٢)، والنسائي (٣١٧٦) كلاهما من طريق ضمرة، عن أبي زرعة السيباني، عن أبي سكينة رجل من المحررين، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فذكره.
واقتصر أبو داود على اللفظ المذكور، وساقه النسائي مطولا كما هو مذكور في المغازي.
وإسناده حسن من أجل ضمرة وهو ابن ربيعة الفلسطيني فإنه حسن الحديث، وأبو سكينة مختلف في صحبته كما في التقريب. والكلام عليه مبسوط في المغازي.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: "اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة".
حسن: رواه أبو داود (٤٣٠٩)، وأحمد (٢٣١٥٥)، والحاكم (٤/ ٤٥٣) كلهم من طرق عن زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره. إلا أن في رواية أحمد: رجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
وإسناده حسن فإن موسى بن جبير روى عنه جمع، ووثّقه ابن حبان، وقال أبو سعيد بن يونس: قدم مصر وأقام بها، أي أنه معروف عند سعيد بن يونس ولو علم فيه جرحا لبيّنه ولذا يحسن حديثه هذا إلا أن يكون في حديثه نكارة فينظر.
стр. 8404
٣٨ - باب بيان خطر الأئمة المضلين على الأمة
• عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين".
صحيح: رواه أبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢٢٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، وأحمد (٢٢٣٩٣)، وصحّحه ابن حبان (٧٢٣٨) كلهم من طريق أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان في أثناء حديث طويل، واقتصر أحمد في هذا الموضع على هذا اللفظ.
وإسناده صحيح. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وروي نحوه عن عمر وأبي الدرداء وأبي ذر وغيرهم، أخرج أحاديثهم أحمد، وأسانيدها لا تخلو من مقال إلا أن مجموعها يقوّي معنى الحديث.
٣٩ - باب يكون في هذه الأمة رجال معهم سياط يغدون ويروحون في سخط اللَّه
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحَها، وإن ريحَها ليُوجد من مسيرة كذا وكذا".
صحيح: رواه مسلم في اللباس والزينة (٢١٢٨) عن زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يوشك إن طالت بك مدة أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب اللَّه ويروحون في سخط اللَّه".
صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٥٧) عن ابن نمير، حدّثنا زيد (يعني ابن حباب)، حدّثنا أفلح بن سعيد، حدّثنا عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره.
• عن أبي أمامة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يكون في هذه الأمة في آخر الزمان رجال -أو قال: يخرج رجال من هذه الأمة في آخر الزمان- معهم أسياط كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط اللَّه، ويروحون في غضبه".
حسن: رواه أحمد (٢٢١٥٠)، والطبراني (٨/ ٣٠٨)، والحاكم (٤/ ٤٣٦) كلهم من طرق عن عبد اللَّه بن بجير، عن سيار الشامي، عن أبي أمامة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سيار الشامي ذكره ابن حبان وابن خلفون في الثقات، ولحديثه أصل ثابت، ولا يوجد فيه نكارة، وقد حسّن له الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
стр. 8405
٤٠ - باب أن هذه الأمة يهلك بعضهم بعضا، ويَسبي بعضهم بعضا
• عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه زَوَى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغُ ملكُها ما زَوَى لي منها، وأُعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يُهلِكها بسنة عامة، وأن لا يُسلّط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بيضتَهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُرَدُّ، وإني أعطيتُك لأمتك أن لا أُهلكهم بسنةٍ عامّةٍ، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيحُ بيضتَهم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارِها -أو قال من بين أقطارها- حتى يكون بعضُهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضُهم بعضا".
صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٨٨٩) عن أبي الربيع العتكي وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، فذكره.
ورواه معمر عن أيوب بهذا الإسناد إلا أنه جعله من مسند شداد بن أوس، كما عند أحمد (١٧١١٥)، والقول قول حماد بن زيد.
قوله: "فرأيت مشارقها ومغاربها" معناه أن الفتوحات الإسلامية تبلغ من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب، ويندرج تحت المشارق والمغارب الشمال والجنوب؛ لأن الأصل في كوكب الأرض جهتان: الشرق والغرب، ووجود الشمال والجنوب باعتبار سكانها لا باعتبار تكوينها، ولذا قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] وقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠].
• عن ثوبان قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تعالى زوَى لي الأرض -أو قال: إن ربي زوى لي الأرض- فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يُهلكها بسنةٍ بعامةٍ، ولا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بنشة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها -أو قال بأقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضا. وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة. ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائلُ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائلُ من أمتي الأوثان. وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم
следующие страницы →