← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قوله: "كرشي" أي بطانتي وخاصتي. قال القزّاز: "ضرب المثل بالكرش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال: لفلان كرش منثورة - أي عيال كثيرة". و"العيبة" بفتح المهملة، وسكون المثناة بعدها موحدة: ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده - يريد أنهم موضع سرّه وأمانته. قال ابن دريد: "هذا من كلامه ﷺ الموجز الذي لم يُسبق إليه". انظر الفتح (٧/ ١٢١). ٥٥ - باب الترغيب في إكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهم • عن جابر، أنّ النبيّ ﷺ ، كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد -يعني في القبر- ثم يقول: "أيّهما أكثر أخذًا للقرآن؟ " فإذا أشير إلى أحدهما قدّمه في اللّحد. صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٣٤٣) عن عبد اللَّه بن يوسف، عن الليث، حدثني أبن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. • عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ من إجلال اللَّه إكرامَ ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذي السلطان المقْسط". حسن: رواه أبو داود (٤٨٤٣) عن إسحاق بن إبراهيم الصواف، عن عبد اللَّه بن حُمران، أخبرنا عوف بن أبي جميلة، عن زياد بن مخراق، عن أبي كتانة، عن أبي موسى، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن حمران فإنه "صدوق". وأمّا ما روي عن أبي أمامة مرفوعًا: "ثلاثة لا يستخف بهم إلّا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط". فهو ضعيف. رواه الطبراني في "الكبير". قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٢٧): "رواه الطبراني في الكبير من رواية عبيد اللَّه بن زحر، عن علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف". ٥٦ - باب القيام لأهل العلم وغيرهم على وجه الإكرام • عن أبي سعيد الخدريّ قال: لما نزلتْ بنو قريظة على حكم سعد، بعث رسول اللَّه ﷺ إليه، وكان قريبًا، فجاء على حمار، فلما دنا قال النبيّ ﷺ : "قوموا إلى سيّدكم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٣٠٤٣)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٦٨) كلاهما من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي أمامة وهو ابن سهل بن حُنيف، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. قال مسلم بن الحجاج: ولا أعلم في قيام الرّجل للرّجل حديثًا أصح من هذا، وهذا القيام على وجه البرّ لا على وجه التعظيم، أمر النبيُّ ﷺ في الأنصار أن يقوموا إلى سيّدهم". رواه البيهقيّ في "المدخل" (٧٠٨) بإسناده إلى مسلم بن الحجاج.

стр. 842

وقال الخطّابي في "معالم السنن" (٥/ ٣٩٠): "إنّ قيام المرء بين يدي الرّئيس الفاضل، والوالي العادل، وقيام المتعلم للعالم مستحب غير مكروه، وإنّما جاءت الكراهيّة فيمن كان بخلاف أهل هذه الصّفات". • عن كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلّف عن رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك. فذكر الحديث بطوله. قال فيه لما بُشّر بالتوبة: انطلقتُ إلى رسول اللَّه ﷺ فتلقاني النّاس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتّوبة، يقولون: لتهنئك توبة اللَّه عليك حتّى دخلت المسجد، فقام إليَّ طلحةُ بن عبيد اللَّه يُهرول حتّى صافحني وهنّأني، ما قام إليَّ رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. متفق عليه: رواه البخاريّ (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، أنّ عبد اللَّه بن كعب -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال: سمعت كعب بن مالك، فذكر الحديث. • عن عائشة أم المؤمنين قالت: ما رأيت أحدا أشبه سَمتا ودَلّا وهديا برسول اللَّه ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ قالت: وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها، فلما مرِض النبي ﷺ دخلت فاطمة، فأكبت عليه فقبلته، ثم رفعت رأسها فبكت، ثم أكبت عليه ثم رفعت رأسها فضحكت، فقلت: إن كنت لأظن أن هذه من أعقل نسائنا فإذا هي من النساء، فلما توفي النبي ﷺ قلت لها: أرأيت حين أكببت على النبي ﷺ فرفعت رأسك فبكيت، ثم أكببت عليه فرفعت رأسك فضحك ما حملك على ذلك؟ قالت: إني إذا لَبذرة أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أخبرني أني أسرعُ أهله لُحوقا به فذاك حين ضحكت. صحيح: رواه أبو داود (٥٢١٧)، والترمذي (٣٨٧٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٤٧)، والنسائي في الكبرى (٨٣١١)، وصحّحه ابن حبان (٦٩٥٣)، والحاكم (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣) كلّهم من طريق إسرائيل، أخبرنا ميسرة بن حبيب، أخبرني المنهال بن عمرو، حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين فذكرته. والسياق للترمذي، والباقون نحوه إلا أن أبا داود اقتصر على الشطر الأول. وإسناده صحيح قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد رُوي هذا الحديث من غير

стр. 843

وجه عن عائشة". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا على حديث الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂" اهـ. قلت: حديث الشعبي المشار إليه عند البخاري في المناقب (٣٦٢٣، ٣٦٢٤)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٠: ٩٨) مقتصرا على قصة المرض، وليس عندهما الشطر الأول من الحديث. ٥٧ - باب من كره أن يقام له على وجه التعظيم مخافة الكبر • عن جابر قال: اشتكى رسول اللَّه ﷺ فصلينا وراءه، وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناسَ تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلَّم قال: "إنْ كدْتم آنفًا لَتفعلون فِعَل فارس والرّوم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، انتموا بأئمتكم، إن صلّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإن صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا". صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤١٣) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره. • عن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أحبَّ أن يَمْثُل له الرّجال قيامًا فليتبوّأُ مقعده من النّار". صحيح: رواه أبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥) كلاهما من حديث حبيب بن الشّهيد، عن أبي مِجْلز، قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام إليه ابن عامر، وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلسْ فإنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث). ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (١٦٨٣٠)، والبخاريّ في الأدب المفرد (٩٧٧)، والبغوي في شرح السنة (٣٣٣٠) كلّهم من حديث شعبة، عن حبيب بن الشهيد، بإسناده، مثله. وفي رواية: "من سرّه أن يستخيم له بنو آدم قيامًا، وجبت له النّار". رواه البيهقيّ في "المدخل" (٧٢١)، والخطيب في تاريخه (١٣/ ١٩٣) كلاهما من حديث عباس بن محمد الدوري، ثنا شبابة بن سوار، حدثني المغيرة بن مسلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، قال: سمعت معاوية يقول (فذكره مثله). وقوله: "يستخيم" بمثل. • عن أنس، قال: ما كان شخص أحبَّ إليهم من رسول اللَّه ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك. صحيح: رواه الترمذيّ (٢٧٥٤)، وأحمد (١٢٣٤٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٤٦)، وأبو

стр. 844

يعلى (٣٧٨٤) كلّهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه". وأما ما رُوي عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ متوكئًا على عصاه فقمنا إليه، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضها بعضًا" فهو ضعيف. رواه أبو داود (٥٢٣٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبد اللَّه بن نمير، عن مسعر، عن أبي العنبس، عن أبي العدبَّس، عن أبي مرزوق، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، فذكره. ورواه أحمد (٢٢١٨١) عن عبد اللَّه بن نمير بإسناده وزاد فيه من الدعاء: "اللهمّ اغفر لنا، وارحمنا، وارضَ عنا، وتقبل منا، وأدخلنا الجنّة، ونجِّنا من النّار، وأصلح لنا شأننا كلَّه". فكأنّنا اشتهينا أن يزيدنا فقال: "قد جمعت لكم الأمر". وفي إسناده رجال ضعفاء مع الاضطراب، فأبو العدبَّس مجهول، وشيخه أبو مرزوق قال فيه الحافظ: لين، وشيخه أبو غالب ضعفه النسائيّ وابن سعد، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقد وقع خلط واضطراب في الإسناد، فرواه ابن ماجه (٣٨٣٦) عن علي بن محمد، قال: حدّثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي مرزوق، عن أبي العدبّس، عن أبي أمامة، فذكره. قال المزيُّ في "تحفة الأشراف" (٤/ ١٨٣): "كذا عنده وهو وهم، والصواب الأول" يعني إسناد أبي داود ثم قال: "ووقع في بعض النسخ المتأخرة عن أبي مرزوق، عن أبي وائل، عن أبي أمامة، وهو وهم ممن دون المصنف".

стр. 845

جموع أبواب ما ورد من الترهيب في أبواب العلم ١ - باب رفع العلم وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان • عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أشراط السّاعة أن يقلَّ العلمُ، ويظهَر الجهلُ، ويظهرَ الزِّنا، وتَكْثُرَ النّساءُ، ويقلَّ الرِّجالُ، حتّى يكون لخمسين امرأةً القيِّمُ الواحدُ". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٨١)، ومسلم في العلم (٢٦٧١: ٩) كلاهما من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: لأحدِّثُكم حديثًا لا يحدِّثُكم أحدٌ بعدي، فذكره. • عن عبد اللَّه وأبي موسى، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ بين يدي السّاعة أيامًا يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرْجُ، -والهرْجُ: القتل-". متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٦٢)، ومسلم في العلم (٢٦٧٢) كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: كنت جالسًا مع عبد اللَّه وأبي موسى، فقالا (فذكراه). • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من النّاس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يترك عالمًا اتّخذ النّاسُ رؤوسًا جهّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (١٠٠) عن إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو. ولا يوجد هذا الحديث في رواية يحيى بن يحيى الليثي عن مالك. ورواه مسلم في العلم (٢٦٧٣) من طرق -وليس فيهم مالك بن أنس-، عن هشام بن عروة، به، مثله. • عن عروة بن الزّبير، قال: قالت عائشة: يا ابن أختي! بلغني أنّ عبد اللَّه بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحجّ فالقَه فسائلْه فإنّه قد حمل عن النّبيّ ﷺ علمًا كثيرًا، قال: فلقيته فسألتُه عن أشياء يذكرها عن رسول اللَّه ﷺ . قال عروة: فكان فيما ذكر أنّ النّبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه لا ينتزع العلم من النّاس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويُبْقي في النّاس رؤوسًا جهالًا

стр. 846

يفتونهم بغير علم، فيَضلّون، ويُضلّون". قال عروة: فلّما حدّثتُ عائشةَ بذلك، أعظمتْ ذلك، وأنكرته، قالت: أحدَّثَكَ أنه سمع النّبيّ ﷺ يقول هذا؟ . قال عروة: حتّى إذا كان قابلٌ، قالت له: إنّ ابن عمرو قد قدم فَالْقَه، ثم فاتحه حتّى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم. قال: فلقيتهُ فسألُه، فذكره لي نحو ما حدّثني به في مرّته الأولى. قال عروة: فلمّا أخبرتُها بذلك، قالت: ما أحسَبه إلّا قد صدق، أَراه لم يَزِدْ فيه شيئًا ولم يَنْقُصْ". متفق عليه: رواه مسلم في العلم (٢٦٧٣) عن حرملة بن يحيى التّجيبيّ، أخبرنا عبد اللَّه بن وهب، حدّثني أبو شريح، أنّ أبا الأسود حدّثه عن عروة بن الزبير، قال (فذكره). ورواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣٠٧) عن سعيد بن تليد، حدّثني ابن وهب، حدّثني عبد الرحمن بن شريح وغيره بإسناده مختصرًا، وفيه: واللَّه لقد حفظ عبد اللَّه بن عمرو. وقد رُوي هذا الحديث عن عائشة، فرواه البزّار (٢٣٣ - كشف الأستار) عن أحمد بن منصور، ثنا عبد اللَّه بن صالح، ثنا اللّيث، عن يونس، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه ﵎ لا ينزع العلم من النّاس انتزاعًا بعد أن يؤتيهم إيّاه، ولكن يذهب بالعلماء: وكلّما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتّى يبقى من لا يعلم فيضلّوا ويُضلوا". قال عقبه البزّار: "تفرّد به يونس، ورواه معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عبد اللَّه بن عمرو". قلت: هذه إشارة من البزّار ﵀ إلى علّة هذا الحديث؛ فإنّ المعروف والمشهور أنّ عروة يروي هذا الحديث عن عبد اللَّه بن عمرو، وأنّه هو الذي حدّث به عائشة عن ابن عمرو، فأعظمتْ ذلك وأنكرته -كما سبق- فلو كان هذا الحديث عندها لما أنكرته، واللَّه أعلم. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يتقارب الزّمان ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويُلقى الشُّح، ويكثر الهرج". قالوا: وما الهرْج؟ قال: "القتل". متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (٨٥)، ومسلم أيضًا في العلم (١٥٧) كلاهما من طريق الزّهريّ، حدّثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، أنّ أبا هريرة قال (فذكره). واللّفظ لمسلم. وفي لفظ البخاريّ: قيل: يا رسول اللَّه! وما الهَرْج؟ فقال هكذا بيده فحرَّفها، كأنّه يريد القتل. ولذا بوَّب عليه البخاريّ: باب مَنْ أجاب الفتيا بإشارة الرّأس واليد. وقد ورد تفسير "قبض العلم" على لسان عمر بن الخطّاب عند البزّار، فقد روى البزّار هذا الحديث (٢٣٦ - كشف الأستار) من وجه آخر عن أبي هريرة، فذكر نحوه، وفي آخره: قال عمر

стр. 847

لما سمع أبا هريرة يأثره عن رسول اللَّه ﷺ : قال: "أما إن قبض العلم ليس شيءُ ينزع من صدور الرّجال، ولكنَّه فناء العلماء". • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "تظهر الفتن، ويكثر الهرج، ويُرفع العلم". فلمّا سمع عمر أبا هريرة يقول: "يُرفع العلم". قال عمر: أما إنّه ليس يُنزع من صدور العلماء، ولكن يذهب العلماء. صحيح: رواه الإمام أحمد (١٠٢٣١) عن وكيع، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده صحيح. قال الهيثميّ في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٠٢) بعد أن عزاه إلى البزّار أيضًا: "ورجاله رجال الصّحيح". • وعن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "سيأتي على أمّتي زمان يكثر القرّاء، ويقلُّ الفقهاء، ويقبض العلم، ويكثر الهرج". قالوا: وما الهرجُ؟ قال: "القتل بينكم، ثم يأتي بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال لا يجاوز تراقيهم، ثم يأتي زمان يجادل المنافق المشركُ المؤمن". حسن: رواه الطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ٢٧٣) عن بكر بن سهل، ثنا عبد اللَّه بن يوسف، ثنا ابن لهيعة، ثنا دراج، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال الطبرانيّ: "لم يرو عن ابن حجيرة إلّا درّاج، تفرّد به ابنُ لهيعة". قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة، فقد تابعه عمرو بن الحارث، أنّ درّاجًا أبا السّمح حدّثه، بإسناده مثله. رواه الحاكم (٤/ ٤٥٧)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٠٤٣) كلاهما من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، بإسناده. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". قلت: إسناده حسن من أجل درّاج وهو ابن سمعان القرشيّ السّهميّ مولاهم المصريّ، مختلف فيه، فقال أحمد: حديثه منكر، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: منكر الحديث، وقال الدّارقطني: ضعيف، وقال في موضع آخر: متروك. ولكن وثّقه ابن معين، وقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة إلّا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. وأخرج ابن عدي في "الكامل" جملة من أحاديثه ولم يذكر فيها حديث الباب وقال: وأرجو أن أحاديثه بعد هذه التي أُنكرتْ عليه لا بأس بها، وذكره ابنُ حبان في الثقات. وفي التقريب: "صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف". وهنا يروي عن عبد الرحمن بن حجيرة. • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّه لا ينزع العلم منكم بعدما أعطاكموه انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء بعلمهم، ويبقى جهال، فيسألون فيفتون،

стр. 848

فيّضِلُّون ويُضلُّون". حسن: رواه الطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ٣٣٤) عن مطلب، ثنا عبد اللَّه، حدّثني الليث، عن عمر بن السّائب، عن أسامة بن زيد، عن يعقوب بن الأشجّ، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. ومطلب هو ابن شعيب، ثقة من شيوخ الطّبرانيّ. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح كاتب اللّيث فمختلف فيه، والخلاصة كما في التقريب: "صدوق كثير الغلط، ثبت في الكتابة". وشيخه وشيخ شيخه كلّهم صدوق. • عن عوف بن مالك الأشجعيّ، أنّ رسول اللَّه ﷺ نظر إلى السماء يومًا، فقال: "هذا أوانُ يُرفعُ العلم". فقال رجلٌ من الأنصار يقال له: لبيد بن زياد: يا رسول اللَّه! يُرفعُ العلم، وقد أُثبِتَ ووعتْه القلوب؟ ! فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إن كنتُ لأحسبُك من أفقه أهل المدينة". وذكر له ضلالة اليهود والنّصارى على ما في أيديهم من كتاب اللَّه. قال: فلقيتُ شدّاد بن أوْس، فحدّثتهُ بحديث عوف بن مالك، فقال: صدق عوفٌ، ألا أخبرُك بأوّل ذلك يرفع؟ قلت: بلى. قال: الخشوع، حتّى لا ترى خاشعًا. صحيح: رواه النسائيّ في السنن الكبرى (٥٨٧٨) عن الربيع بن سليمان، ثنا عبد اللَّه بن وهب، قال: سمعت اللّيث بن سعد، يقول: حدّثني إبراهيم بن أبي عبلة، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشيّ، عن جبير بن نفير، قال: حدّثني عوفُ بن مالك الأشجعي، فذكره. وإسناده صحيح. وقد صحّحه ابن حبان (٤٥٧٢)، والحاكم (١/ ٩٨ - ٩٩) فروياه من طريق اللّيث بن سعد، بإسناده. قال الحاكم بعد أن صحّح الحديث: "سمع جبير بن نفير الحديث منهما جميعًا (أي من عوف ابن مالك، وشدّاد بن أوس) ومن ثالث من الصّحابة وهو أبو الدّرداء". • عن أبي الدرداء قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ فشخص ببصره إلى السّماء ثم قال: "هذا أوانُ يُختلسُ العلمُ من النّاس حتّى لا يقدروا منه على شيء". فقال زياد ابن لبيد الأنصاريّ: كيف يُختلس منّا وقد قرأنا القرآن؟ ! فواللَّه! لنُقرأنَّه ولنقرئنَّه نساءنا وأبناءَنا. فقال: "ثكلتك أمُّك يا زياد! إنْ كنتُ لأَعَدُّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التّوراة والإنجيل عند اليهود والنّصارى فماذا تغني عنهم؟ ! ". قال جبيرٌ: فلقيتُ عبادة بن الصّامت قلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدّثنَّك بأوّل عِلم يُرفع من النّاس: الخشوع يُوشِكُ أن تدخل مسجد جماعةٍ فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا.

стр. 849

حسن: رواه الترمذيّ (٢٦٥٣) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا عبد اللَّه بن صالح، حدّثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه جبير بن نفير، عن أبي الدّرداء، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح، وهو كاتب الليث فإنه صدوق حسن الحديث، أما معاوية بن صالح، فقد قال فيه الحافظ: "صدوق له أوهام". كذا في القريب، لكنه ثقة في قول جمهور النّقّاد: لذا قال الترمذيّ عقب هذا الحديث: "هذا حديثٌ حسنٌ غريب، ومعاوية بن صالح ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدًا تكلّم فيه غير يحيى بن سعيد القطّان، وقد روي عن معاوية ابن صالح نحو هذا. وروى بعضُهم هذا الحديث عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك عن النبي ﷺ ". انتهى كلام الترمذيّ. وصحّحه الحاكم (١/ ٩٩) فأخرجه من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد اللَّه بن صالح، به. . . ثم قال: "هذا إسناد صحيح من حديث البصريين". ثم قال: "ولعلّ متوهّمًا أنّ جبير بن نفير رواه مرة عن عوف بن مالك الأشجعيّ، ومرّة عن أبي الدّرداء فيصير الحديث به معلولًا، وليس كذلك؛ فإنّ رواة الإسنادين جميعًا ثقات، وجبير بن نفير الحضرميّ من أكابر تابعي الشّام؛ فإذا صحّ الحديث عنه بالإسنادين جميعًا فقد ظهر أنّه سمعه. من الصّحابين جميعًا. . . . ". قلت: وهذا كلام جيدٌ مقبول، مبنيٌّ على قواعد أهل هذا الفنّ. وقد رُوي هذا الحديث عن زياد بن لبيد أيضًا قال: ذكر النبيّ ﷺ شيئًا فقال: "ذاك عند أوان ذهاب العلم". قلت: يا رسول اللَّه! وكف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويُقرئُه أبناؤنا أبناءَهم إلى يوم القيامة؟ قال: "ثكلتك أمّك زياد! إنْ كنتُ لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنّصارى يقرأون التّوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما". رواه ابن ماجه (٤٠٤٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد، قال: فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٧٤٧٣، ١٧٩١٩)، وأبو خيثمة في العلم (٥٢)، والحاكم (٣/ ٥٩٠) كلّهم من طريق الأعمش، بإسناده، مثله. قال الحاكم: صحيح على شرط الشّيخين. قلت: فيه علّة وهي أنّ سالم بن أبي الجعد لم يسمع من زياد. قال البخاريّ في التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٤): "لا أراه سمع من زياد"، وجزم الحافظ في الإصابة بأنه لم يلقه، فلعلّ هذه العلّة خفيت على الحاكم فصحّح الحديث. وأمّا الذّهبيّ فسكت عليه ولم يوافقه كعادته، فلعلّه شكّ في سماع سالم بن أبي الجعد من زياد، واللَّه تعالى أعلم. وكذلك علّله البوصيريّ في "مصباح الزّجاجة" (٣/ ٢٥٣) بأنّ سالمًا بن أبي الجعد لم يسمع

стр. 850

من زياد، وقال: "رجاله ثقات إلّا أنّه منقطع". ورواه الطبرانيّ في المعجم الكبير (٥/ ٣٠٦) من وجه آخر عن أبي طوالة، عن زياد بن لبيد، وفيه أيضًا انقطاع؛ فإنّ أبا طوالة لم يسمع من زياد كما قال الحافظ في الإصابة في ترجمة زياد بن لبيد الأنصاريّ (١/ ٥٥٨). وأمّا ما رُوي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تعلّموا القرآن والفرائض، وعلّموا النّاس، فإنّي مقبوض". فيه اضطراب كما قال الترمذيّ (٢٠٩١)، ورواه عن عبد الأعلى بن واصل، حدّثنا محمد بن القاسم الأسدي، حدّثنا الفضل بن دلهم، حدّثنا عوف، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال الترمذيّ: "هذا حديث فيه اضطراب، وروى أبو أسامة هذا الحديث عن عوف، عن رجل، عن سليمان بن جابر، عن ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ . حدّثنا بذلك الحسين بن حريث، أخبرنا أبو أسامة، عن عوف، بهذا، بمعناه. ومحمد بن القاسم الأسديّ قد ضعّفه أحمد بن حنبل وغيره". انتهى كلام الترمذيّ. قلت: ورواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٠٢٩) من وجه آخر عن هوذة بن خليفة، حدّثنا عوف الأعرابيّ، بإسناده. وزاد بعد قوله: "إنّي مقبوض": "وإنّ العلم يُقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان أحدًا يفصل بينهما". وإسناده فيه رجل مبهم، وقد روى بعضهم عن عوف، عن سليمان بن جابر بدون إبهام الرّجل، فهو على كلّ حال منقطع مع الاضطراب كما قال الترمذيّ، وسليمان بن جابر الهجريّ مجهول. ورواه ابن ماجه (٤/ ٧٩)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٧٩١) من وجه آخر عن أبي هريرة. وفيه حفص بن عمر بن أبي العطاف "ضعيف". انظر للمزيد: التلخيص الحبير (٤/ ٧٩)، والمقاصد الحسنة (٣٣٩). وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي أمامة مرفوعًا: "عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبضُه أن يُرفع" وجمع بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام هكذا ثم قال: "العالم والمتعلم شريكان في الأجر، ولا خير في سائر النّاس". رواه ابن ماجه (٢٢٨) عن هشام بن عمّار قال: حدّثنا صدقة بن خالد، قال: حدّثنا عثمان بن أبي عاتكة، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، فذكره. وإسناده ضعيف من أجل علي بن زيد الألهانيّ، قال يحيى بن معين: "علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة هي ضعاف كلّها". ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا الإمام أحمد (٢٢٢٩٠)، والطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٦) مطوّلًا.

стр. 851

وقد رُوي عن الحجاج بن أرطاة، عن الوليد بن أبي مالك، عن القاسم، عن أبي أمامة، مختصرًا. رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٧٦). والحجاج بن أرطاة مدلّس. ٢ - باب ما جاء في كراهة الفتوى بغير علم • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أُفْيِتَي بغير علمٍ كان إثمُه على مَنْ أفتاه". حسن: رواه أبو داود (٣٦٥٧) عن الحسن بن علي، حدّثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدّثنا سعيد -يعني ابن أبي أيوب-، عن بكر بن عمرو، عن مسلم بن يسار -أبي عثمان-، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل بكر بن عمرو، فإنه صدوق حسن الحديث. ورواه ابن ماجه (٥٣) من وجه آخر عن مسلم بن يسار، به. ورواه أبو داود عن سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، حدّثني يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن عمرو بن أبي نُعيمة، عن أبي عثمان الطُنبُذي (وهو مسلم بن يسار) رضيع عبد الملك بن مروان، قال: سمعت أبا هريرة، فذكر نحوه. وزاد فيه: "ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أنّ الرّشد في غيره فقد خانه". وهذه الزّيادة ضعيفة، من أجل عمرو بن أبي نُعيمة، فإنه مجهول. وقال الدارقطنيّ: "مصري، مجهول يترك". وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يخطئ". وبكر بن عمرو روي عن مسلم بن يسار كما قال المزيّ، وقيل: عن عمرو بن أبي نعيمة عنه. فالظّاهر أنّ زيادة عمرو بن أبي نُعيمة بين بكر بن عمرو ومسلم بن يسار يعتبر من المزيد في متصل الأسانيد؛ لأنّ أبا عبد الرحمن المقرئ أقام هذا الإسناد ومن طريقه الحاكم في المستدرك (١/ ١٢٦)، وصحّحه على شرط الشّيخين وقال: "ولا أعرف له علة". وقد كره السّلف الفتوى بغير علم. قال عبد اللَّه بن عباس: "من أفتى بفتيا هو يعمي فيها كان إثمها عليه". انظر المدخل (١٨٦). وعن ابن مسعود قال: "من كان عنده علم فليقلْ بعلمه، ومن لم يكن عنده علم فليقلْ: اللَّه أعلم, فإنّ اللَّه قال لنبيّه ﵇: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [سورة ص: ٨٦] ". انظر تخريجه في "المدخل" (٧٩٧). وقيل لابن المبارك: "متى يُفتي الرّجل؟ قال: إذا كان عالمًا بالأثر، بصيرًا بالرّأي". المدخل (١٨٧). ٣ - باب الترهيب من المراء والجدال في كتاب اللَّه • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: سمع النبيُّ ﷺ قومًا يتدارؤون فقال: "إنّما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، وإنّما نزل

стр. 852

كتاب اللَّه يصدِّق بعضه بعضًا، فلا تكذّبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكِلوه إلى عالمه". حسن: رواه الإمام أحمد (٦٧٤١) عن عبد الرزّاق - وهو في مصنفه (٢٠٣٦٧) قال: أخبرنا معمر، عن الزّهرّي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكر الحديث. ومن هذا الطّريق رواه أيضًا البخاريّ في خلق أفعال العباد (٢١٨)، والبغويّ في شرح السنة (١٢١)، والبيهقيّ في المدخل (٧٨٩). وإسناده حسن من أجل الكلام في عمرو بن شعيب فإنه حسن الحديث. وانظر للمزيد: "القدر". • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "المِراءُ في القرآن كفر". صحيح: رواه أبو داود (٤٦٠٣) عن أحمد بن حنبل، حدّثنا يزيد -يعني ابن هارون-، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٧٥٠٨) عن يزيد، أخبرنا زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: "جدالٌ في القرآن كفرٌ". وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح. وفي لفظ آخر عند أحمد (٧٩٨٩) أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، المِراء في القرآن كفر -ثلاث مرات- فما عرفتم منه فاعملوا، وما جهلتم منه فرُدّوه إلى عالمه". رواه عن أنس بن عياض، حدّثني أبو حازم، عن أبي سلمة، قال: لا أعلمه إلّا عن أبي هريرة، فذكره. وهذا أيضًا إسناد صحيح، وصحّحه ابنُ حبان (٧٤) من هذا الوجه. ورواه البزار (كشف الأستار - ٢٣١٣) من وجه آخر عن محمد بن عمرو، به وزاد فيه: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر". ٤ - باب النّهي عن تتبع المتشابه من القرآن • عن عائشة، قالت: تلا رسول اللَّه ﷺ في هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [سورة آل عمران: ٧]، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى اللَّه فاحذروهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٤٧)، ومسلم في العلم (٢٦٦٥) كلاهما عن عبد اللَّه ابن مسلمة، حدّثنا يزيد بن إبراهيم التسْتريّ، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، فذكرته.

стр. 853

• عن جندب بن عبد اللَّه البجليّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبُكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا". متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٦٠)، ومسلم في العلم (٢٦٦٧) كلاهما من حديث أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد اللَّه البجليّ، فذكره. • عن عبد اللَّه بن مسعود، أنّه سمع رجلًا يقرأ آية، سمع النّبيَّ ﷺ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبيّ ﷺ فقال: "كلاكما محسن، فاقرآ" أكبر علمي قال: "فإنّ من كان قبلكم اختلفوا فأَهْلَكَهْمْ". صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٦٢) عن سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، عن عبد اللَّه، فذكره. • عن عبد اللَّه بن عمرو قال: هجّرتُ إلى رسول اللَّه ﷺ يومًا قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول اللَّه ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنّما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٦٦) عن أبي كامل فضيل بن حسين الجحدريّ، حدّثنا حماد ابن زيد، حدّثنا أبو عمران الجونيّ، قال: كتب إليَّ عبد اللَّه بن رباح الأنصاريّ، أنّ عبد اللَّه بن عمرو، قال: فذكره. • عن أبي سعيد قال: كنّا جلوسًا على باب رسول اللَّه ﷺ نتذاكر، ينزع هذا بآية، وينزع هذا بأية، فخرج علينا رسول اللَّه ﷺ كأنّما تفقّأ في وجهه حبُّ الزمان، فقال: "يا هؤلاء، أبهذا بُعْثتم؟ أم بهذا أُمرتم؟ لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". حسن: رواه البزّار (كشف الأستار - ١٧٩)، والطبراني في كبيره (٦/ ٤٥) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن المبارك العيشيّ، ثنا سويد أبو حاتم، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكر الحديث. وإسناده حسن، عبد الرحمن بن المبارك، وشيخه سويد - وهو ابن إبراهيم أبو حاتم صدوقان، وبقية رجاله ثقات. قوله: "ينزع هذا بآية" أي يستخرج منها معنى. وقوله: "كأنّما تفقأ في وجهه حبُّ الرمان" أي تنشق، وهي كناية عن تغيّر ملامح وجهه ﷺ وشدّة تأثّره من الغضب.

стр. 854

٥ - باب الترهيب من تحريم الحلال، وتحليل الحرام قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [سورة النحل: ١١٦]. • عن عبد اللَّه بن عمر أنّه سمع رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنّ محرِّمَ الحلالِ كمُحِلِّ الحرام". حسن: رواه الطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ٢٦٨): ثنا موسى بن هارون، ثنا أبو موسى الأنصاريّ، ثنا عاصم بن عبد العزيز الأشجعيّ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، فذكر الحديث. قال الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١٧٦): "رجاله رجال الصّحيح". قلت: إسناده حسن، فيه عاصم بن عبد العزيز، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وقد قال الحافظ في كلٍّ منهما: "صدوق يهم" وبقية رجاله ثقات. إلا أن أبا حاتم قال: "هذا حديث منكر". قلت: لعله لتفرد عاصم وشيخه، وللحديث أسانيد أخرى وكلها معلولة. ٦ - باب التّرهيب من الدّعوى في العلم والقرآن • عن أبي بن كعب، عن النّبيّ ﷺ قال: "قام موسى ﵇ خطيبًا في بني إسرائيل فسُئل: أيّ النّاس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب اللَّه عليه، إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى اللَّهُ إليه: أنّ عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال: يا ربّ كيف به؟ فقيل له: احمل حوتًا في مكتل فإذا فقدته فهو ثَمَّ". فذكر الحديث بطوله في اجتماعه بالخضر إلى أن قال: "فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليس لهما سفينة، فمرّتْ بهما سفينة فكلّموهم أن يحملوهما، فعُرف الخضر فحملوهما بغير نَول، فجاء عصفور فوقع على حرف السّفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى! ما نقص علمي وعلمك من علم اللَّه إلّا كنقرة هذا العصفور في هذا البحر" فذكر الحديث بطوله. متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (١٢٢)، ومسلم في الفضائل (٢٣٨٠) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، حدّثنا عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إنّ نوفًا البكاليّ يزعم أنّ موسى ﵇ صاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر ﵇! فقال: كذب عدّو اللَّه، سمعتُ أبي بن كعب يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث بطوله)، وسيأتي في موضعه بكامله.

стр. 855

• عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يظهر الإسلام حتى تخوض الخيلُ البحار، وحتّى يختلف التجّار في البحر، ثم يظهر قومٌ يقرأون القرآن يقولون: من أقرأ منا؟ من أفقه منا؟ ". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "هل في أولئك خير؟ ". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "أولئك وقود النّار، أولئك منكم من هذه الأمّة". حسن: رواه البزّار (كشف الأستار - ١٧٣) عن عبد اللَّه بن شبيب، ثنا إسحاق بن محمد الفروي، ثنا عبد اللَّه بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، عن عمر، فذكر الحديث. وهذا إسناد ضعيف، عبد اللَّه بن شبيب قال فيه الذهبي: "أخباريٌّ علّامة، لكنّه واه". وشيخه إسحاق بن محمد الفروي، قال فيه النسائيّ: "متروك"، وقال الدّارقطنيّ: "ضعيف". وأمّا أبو حاتم: فقال: " كان صدوقًا"، وشيخه عبد اللَّه بن زيد بن أسلم مختلف فيه، فوثّقه الإمام أحمد، وضعّفه أبو زرعة والنّسائيّ، وفي التقريب: "صدوق فيه لين". ولكن رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٦٢٤٢) عن محمد بن علي الصّائغ، قال: نا خالد بن يزيد العُمَريّ، قال: ثنا عبد اللَّه بن زيد بن أسلم، به. وقال الطبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن عبد اللَّه بن زيد بن أسلم إلا خالد بن يزيد العمري". وكأنّه لم يقف على إسناد البزّار، وفيه متابعة الفروي للعمري، فانحصرتْ العلّة في عبد اللَّه بن زيد بن أسلم وهو صدوق فيه لين، ولعله لذلك قال المنذريّ في الترغيب والترهيب (٢٣٠): "رواه الطبراني والبزّار بإسناد لا بأس به". وهذا أولى من قول الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٨٦): "رواه الطبرانيّ في الأوسط، والبزار، ورجال البزار موثقون". فقوله: "موثقون". بعد التتبع تبين أنه يقصد به توثيق ابن حبان، وابن حبان أدخل عبد اللَّه بن شبيب بن خالد في "المجروحين" (٥٧٦)، وقال فيه: "يقلب الأخبار ويسرقها، لا يجوز الاحتجاج به لكثرة ما خالف أقرانه في الروايات عن الأثبات". ويشهد له الحديث الآتي وهو ما رواه البزار (كشف الأستار - ١٧٤)، وأبو يعلى (٦٦٩٨) كلاهما من حديث موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن ابن الهاد، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فذكر نحوه. ولكن فيه موسى بن عبيدة وهو الزّبذيّ ضعيف، وبه علّله الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، والبوصيريّ في إتحاف المهرة. وابن الهاد هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد لم يدرك العباس. ولكن رواه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٢٥/ ٢٧ - ٢٨) عن محمد بن نصر الصّائغ البغداديّ، ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيريّ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن الهاد، قال: حدّثتني هند بنت الحارث الخثعميّة امرأة عبد اللَّه بن شدّاد، عن أمّ الفضل وعبد اللَّه بن عباس، عن

стр. 856

رسول اللَّه ﷺ أنه قام ليلة بمكة من اللّيل فقال: "اللهمّ هل بلّغت؟ " ثلاث مرّات. فقام عمر بن الخطاب فقال: اللهم نعم، فحرصت ونصحت وجهدت. فأصبح فقال: "ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخاض البحار بالإسلام، وليأتين على النّاس زمان يتعلّمون فيه القرآن، فيعلّمونه ويقرؤونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلّمنا، فمن ذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه! ومن أولئك؟ قال: "أولئك منكم، وأولئك وقود النّار". فجعل الحديث من مسند أمّ عبد اللَّه بن عباس وهي زوجة عباس بن عبد المطلب، ولعلّ هذا الخلط يعود إلى هند بنت الحارث فإنّها لم يوثقها أحد، وإنما ذكرها ابن حبان في الثقات (٥/ ٥١٧). وقال الحافظ في التقريب: "مقبولة". أي عند المتابعة. وإني لم أجد لها متابعًا في مسند أم عبد اللَّه بن عباس، وإن كانت هي توبع في مسند عمر بن الخطاب، ولكن مخرجه يختلف عن مخرج حديث أمّ ابن عباس. وأمّا قول الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٨٩): "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات إلّا أنّ هند بنت الحارث الخثعمية التابعية لم أرّ من وثّقها ولا جرّحها". فكأنّه خفى عليه ترجمتها في "الثقات" وإلّا فكتاب "الثقات" عمدة للهيثمي في توثيق الرجال. والخلاصة: أن الحديث حسن بضم بعضه إلى بعض، وقد حضنه أيضًا الحافظ المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (٢٣١). ٧ - باب الترهيب من الكذب على النبيّ ﷺ - • عن علي بن أبي طالب، قال: قال النبيُّ ﷺ : "لا تكذبوا عليَّ، فإنّه مَنْ كذب عليَّ فلْيلج النّار". صحيح: رواه البخاريّ في العلم (١٠٦)، ومسلم في المقدمة (١) كلاهما من طرق عن شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش، أنّه سمع عليًّا، فذكره. واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم مثله إلّا في قوله: "فليلج النّار". فعند مسلم: "يلج النار". • عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "تَسمُّوا باسْمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشّيطان لا يتمثّل في صورتي، ومن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار". صحيح: رواه البخاريّ في العلم (١١٠)، ومسلم في المقدمة (٣) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. واللّفظ للبخاريّ أمّا مسلم فاكتفى بالجملة الأخيرة فقط. • عن أنس، قال: إنَّه ليمنعني أن أُحدِّثكم حديثًا كثيرًا أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "من

стр. 857

تعتمّد عليَّ كذبًا فليتبوّأ مقعده من النّار". صحيح: رواه البخاريّ في العلم (١٠٨) ثنا أبو معمر، قال: حدّثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، قال أنس. ورواه مسلم في المقدمة (٢) من وجه آخر عن أنس. وأما ما جاء في بعض روايات هذا الحديث عن أنس من زيادة: "من كذب عليَّ في رواية حديث فليتبوأ مقعده من النّار". فزيادة قوله في هذا الحديث: "في رواية حديثٍ" ضعيفة، رواه البزار (٢١٢) حدّثنا أحمد بن عمرو بن عبيدة القصريّ، ثنا بكر بن بكار، ثنا عائذ بن شريح، عن أنس، فذكره. قال البزار: "لا نعلم أحدًا قال: "في رواية حديث" إلّا عائذ بن شريح. قلت: وعائذ بن شريح ضعيف، وكذا الرّاوي عنه. فلا يقبل تفردهما. واللَّه أعلم. • عن المغيرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النّار". صحيح: رواه البخاريّ في الجنائز (١٢٩١)، ومسلم في المقدمة (٤) من طريق علي بن ربيعة الأسدي، عن المغيرة بن شعبة، فذكره. • عن الزّبير بن العوام قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كذب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النّار". صحيح: رواه البخاريّ في العلم (١٠٧) عن أبي الوليد، قال: حدّثنا شعبة، عن جامع بن شداد، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزير، عن أبيه، قلت للزبير: إنّي لا أسمعك تحدِّث عن رسول اللَّه ﷺ كما يحدِّث فلان وفلان- قال: أما إنّي لم أفارقه، ولكن سمعته يقول (فذكر الحديث). وأبو الوليد المذكور في هذا الإسناد - هو هشام بن عبد الملك. • عن سلمة بن الأكوع، قال: سمعت النّبيَّ ﷺ يقول: "من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النّار". صحيح: رواه البخاريّ في العلم (١٠٩) عن مكي بن إبراهيم، قال حدّثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، فذكره. • عن عبد اللَّه بن عمرو، أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "بلِّغوا عنّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني اسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار". صحيح: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤١١) عن أبي عاصم الضّحاك بن مخلد، أخبرنا الأوزاعيّ، حدّثنا حسان بن عطية، عن أبي كبشة، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث.

стр. 858

• عن ابن عمر، عن النّبيّ ﷺ قال: "من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ بيتًا في النّار". صحيح: رواه الإمام أحمد (٤٧٤٢)، والبزّار (كشف الأستار - ٢١٠)، والطّبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين - ٢٩٦)، وفي الكبير (١٣١٥٣، ١٣١٥٤) من طرق عن عبيد اللَّه بن عمر، عن أبي بكر بن سالم، عن أبيه (سالم بن عبد اللَّه بن عمر)، عن جدّه، فذكر نحوه. واللّفظ للطبرانيّ. ولفظ أحمد: "إنّ الذي يكذب عليّ يبنى له بيتٌ في النّار". وإسناده صحيح. • عن أبي قتادة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول على هذا المنبر: "يا أيّها النّاس إيّاكم وكثرة الحديث عنّي، من قال عليَّ فلا يقولنَّ إلّا حقًّا -أو صدقًا- فمن قال عليَّ ما لم أقل، فليتبوّأ مقعده من النّار". حسن: رواه ابن ماجه (٣٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يعلى التّميميّ، عن محمد ابن إسحاق، عن معبد بن كعب، عن أبي قتادة، فذكر الحديث. وإسناده حسن؛ من أجل معبد بن كعب، فإنه لا ينزل عن درجة الحسن؛ لأنّه وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وروي له صاحبا الصحيح، وليس لأحد فيه جرحٌ، ولم يأت بما يستنكر. ومحمد بن إسحاق مدلِّس، لكن قد بيَّن السَّماع في رواية الإمام أحمد (٢٢٥٣٨) فارتفع بذلك احتمال التدليس. • عن هشام بن أبي رقية، قال: سمعت مَسلمة بن مُخَلَّد -وهو قاعد على المنبر يخطبُ النّاسَ- وهو يقول: "يا أيُّها النّاس! أما لكم في العَصْب والكَتَّان ما يكفيكم من الحرير، وهذا رجل فيكم يُخبركم عن رسول اللَّه ﷺ قُمْ يا عُقبة! فقام عقبة بن عامر وأنا أسمع، فقال: إنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار". وأشهدُ أنّي سمعتُه يقول: "من لبس الحريرَ في الدُّنيا، حُرِمه أن يلبسَه في الآخرة". صحيح: رواه أحمد (١٧٤٣١)، وأبو يعلى (١٧٥١) كلاهما عن هارون بن معروف، ثنا ابن وهب، أخبرني عمر (هو ابن الحارث المصريّ)، أنّ هشام بن أبي رقية حدّثه، به، فذكره. وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير هشام بن أبي رقية، وهو ثقة من رجال تعجيل المنفعة. وصحّحه ابن حبان، فرواه (٥٤٣٦) من طريق ابن وهب، به. • عن زيد بن أرقم، قال: بعث إليَّ عبيد اللَّه بن زياد، فأتيتهُ فقال: "ما أحاديث تحدِّثُها وترويها عن رسول اللَّه ﷺ لا نجدها في كتاب اللَّه ؟ تحدِّث أنّ له حوضًا في الجنّة؟ قال: لقد حدثناه رسول اللَّه ﷺ ووعدناه. قال: كذبتَ، ولكنّك شيخٌ قد

стр. 859

خَرِفْتَ! . قال: إنّي قد سَمِعَتْه أذناي، ووعاه قلبي من رسول اللَّه ﷺ يقول: "من كذب عليَّ متعمِّدًا، فليتبوأ مقعده من جهنّم". وما كذبتُ على رسول اللَّه ﷺ . صحيح: رواه الإمام أحمد (١٩٢٦٦)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، والبزار -كشف الأستار (٢١٧) - كلّهم من طريق أبي حيان التّيميّ، حدّثني يزيد بن حيان التّيميّ، قال: حدّثنا زيد بن أرقم في مجلسه، قال: بعث إلى عبيد اللَّه بن زياد، فذكره. وإسناده صحيح، ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (١/ ٧٧) وقال: "على شرط مسلم". قوله: "خَرِفتَ" يقال: خَرِف الرّجل، كسَمِع -بإعجام الخاء، وإهمال الرّاء- أي: فسد عقله لكبره. • عن رياح بن الحارث، قال: كنّا عند المغيرة بن شعبة ﵁ -وهو في المسجد، وعنده أهل الكوفة- فجاء سعيد بن زيد ﵁، فأوسع له المغيرة ﵁، فقال: هنا فاجلس، فأجلسه معه على السّرير، فقال سعيد بن زيد ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار". صحيح: رواه أبو يعلى في المسند (المطالب - ٣١١٣)، عن إبراهيم بن الحجاج، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا صدقة بن المثنى، حدثني رباح بن الحارث، فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه الضّياء المقدسيّ، فرواه في المختارة (٣/ ٢٨٦) من طريق عبد الواحد بن زياد، به. • عن عثمان بن عفّان، قال: ما يمنعني أن أحدِّث عن رسول اللَّه ﷺ أن لا أكون أوعى أصحابه عنه، ولكنّي أشهدُ لسمعته يقول: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النّار". حسن: رواه أحمد (٤٦٩) من طريقين، عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عامر بن سعد، قال: سمعت عثمان بن عفّان، فذكر الحديث. ورواه أحمد (٥٠٧)، والبزّار (٣٨٤) كلاهما من طريق عبد الكبير بن عبد المجيد -أبي بكر الحنفي-، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن محمود بن ليد، عن عثمان بن عفّان، فذكر نحوه. قال الهيثميّ: "وهو حديث رجاله رجال الصّحيح، والطّريق الأول فيها عبد الرحمن بن أبي الزّناد، وهو ضعيف وقد وُثِّق" انتهى. وأمّا الطّريق الثانية: فهي من رواية محمود بن لبيد عن عثمان، ومحمود بن لبيد لا يعرف له سماع من عثمان، قال البزّار: "لا يعلم سمع محمود بن لبيد عن عثمان، وإن كان قديمًا". إلّا أن أحدهما يقوي الآخر. • عن ابن عمر، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "مِنْ أفرى الفِرى من ادّعى إلى غير والده،

стр. 860

ومِنْ أفرى الفِري من أرڑي عينيه ما لم ترَ، ومن أفرى الفِرى من قال عليَّ ما لم أقل". صحيح: رواه البزّار (٢١١): حدّثنا محمد بن مسكين، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا نافع بن يزيد، عن الوليد بن أبي الوليد، عن يزيد بن الهاد، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، فذكر الحديث. وإسناده صحيح، والوليد بن أبي الوليد هو أبو عثمان المدني، قال الحافظ: "لين الحديث". لكن الرّاجح فيه أنه ثقة صحيح الحديث، وثقه أبو زرعة، وابن معين، والعجليّ، والفسويّ، وغيرهم. وأخرجه البخاريّ (٧٠٤٣) من طريق عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن أبيه، واكتفى منه بقوله: "مِنْ أفرى الفِرى أن يُري عينيه ما لم ترَ". وقوله: "الفِرى" جمع فِرية وهي الكِذْبة. وقوله: "من أرى عينيه ما لم ترَ" أي أن يقول: رأيتُ في النّوم كذا وكذا، ولم يكن رأى شيئًا. • عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النّبيّ ﷺ قال: "من كذب عليَّ متعمِّدًا ليُضلَّ به النَّاسَ، فليتبوّأْ مقعده من النّار". حسن: رواه أبو بكر البزّار (كشف الأستار - ٢٠٩) عن عبد اللَّه بن سعيد، عن يونس بن بكير، ثنا الأعمش، عن طلحة بن مصرِّف، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد اللَّه، فذكر الحديث. وإسناده حسن. قال الهيثميّ: "رجاله رجال الصّحيح". قلت: عبد اللَّه بن سعيد -شيخ البزّار- هو أبو سعيد الأشجّ، أحد الثّقات، ويونس بن بكير، هو أبو بكر الجمّال الكوفيّ، قال الحافظ: "صدوق يخطئ". وبقية رجاله ثقات معروفون. وروى هذا الحديث الترمذيّ (٢٦٥٩) عن أبي هشام الرّفاعيّ، بإسناده عن ابن مسعود. وأبو هشام الرّفاعيّ اسمه محمد بن يزيد بن محمد بن كثير، وهو ضعيف؛ قال البخاريّ: "رأيتهم مجمعين على ضعفه". ورواه أيضًا (٢٢٥٧) هو وابن ماجه (٣٠) من وجه آخر عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، فذكر نحوه مطوَّلًا، وليس فيه لفظة: "ليضلّ به النَّاسَ". وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود لم يسمع من أبيه إِلَّا أحرفًا معدودة حصرها بعضُ أهل العلم، وليس هذا منها. • عن أبي سعيد الخدريّ، عن النّبيّ ﷺ قال: "من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار". صحيح: رواه أحمد (١١٤٠٤)، وأبو يعلى (١٢٢٩)، والطَّبرانيّ في جزء "من كذب عليَّ متعمِّدًا" (ص ٨٩) كلّهم من حديث أبي مسلمة، أنّه سمع أبا نضرة يحدّث عن أبي سعيد الخدريّ،

стр. 861

فذكر الحديث. وإسناده صحيح، وأبو مسلمة هو سعيد بن يزيد البصريّ ثقة من رجال الشّيخين، وشيخه أبو نضرة: هو المنذر بن مالك العبديّ من رجال مسلم. وأمّا ما روي عن عبد اللَّه بن عمرو، أنّ رجلًا لبس حلَّةً مثل حلَّة النّبيّ ﷺ ، ثم أتى أهل بيت من المدينة، فقال: إنّ النّبيّ ﷺ أمرني أيَّ أهل بيت شئتُ استطلعتُ، فقالوا: عهدنا برسول اللَّه ﷺ ، وهو لا يأمر بالفواحش، قال: فأعَدّوا له بيتًا، وأرسلوا رسولًا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره، فقال لأبي بكر وعمر: "انطلقا إليه، فإن وجدتماه حيًّا فاقتلاه، ثم حرِّقاه بالنَّار، وإن وجدتماه قد كُفيتماه -ولا أراكما إِلَّا وقد كُفيتما- فحرّقاه". فأَتَيَاهُ، فوجداه قد خرج من اللّيل يبول، فلدغته حيّة أفعى فمات، فحرّقاه بالنّار، ثم رجعا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبراه الخبر، فقال رسول اللَّه ﷺ : "من كذب عليّ متعمِّدًا، فليتبوّأ مقعده من النّار". فهو ضعيف. رواه الطبرانيّ (مجمع البحرين - ٢٩١) عن أحمد، ثنا أبو طلحة موسى بن عبد اللَّه الخزاعيّ، ثنا أحمد بن إسحاق الحضرميّ، ثنا وهب بن خالد، ثنا عطاء بن السّائب، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث. قال الطبرانيّ: "لم يروه عن عطاء إِلَّا وهيب، ولا عنه إِلَّا أحمد بن إسحاق، تفرّد به أبو طلحة". قلت: أبو طلحة قد روى عنه النسائيّ، وقال: "لا بأس به". وأحمد بن إسحاق الحضرميّ من الثّقات، ولكن العلة في رواية وهيب عن عطاء بن السّائب، فإنّ عطاء بن السّائب ممن اختلط وساء حفظه في آخر عمره، فرواية البصريين عنه فيها تخاليط لأنّه قدم عليهم في آخر عمره. ووهيب بن خالد بصريّ، وقد روي عنه بعد الاختلاط. قال أبو حاتم الرّازيّ في عطاء بن السائب: "كان محلّه الصّدق قديمًا قبل أن يختلط، صالح مستقيم الحديث، ثم بآخره تغيَّر حفظه، في حديثه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان، وشعبة. وفي حديث البصريين الذين يحدّثون عنه تخالط كثيرة؛ لأنّه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين، فرفعها إلى الصّحابة". "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٣٤). ولكن المرفوع منه فهو صحيح، وقد سبق تخريجه، وفي الجملة: فالحديث متواتر وقد ألف الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبرانيّ جزءًا ذكر فيه طرق حديث: "من كذب عليَّ متعمِّدًا" وتتبّع فيه ما رُوي عن عدد من الصّحابة فما صحّ منه ذكرته، ومنها ما لم يصح كحديث أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وطلحة بن عبيد اللَّه، وعمرو بن عبسة، وجابر، وأبي أمامة، وغيرهم.

стр. 862

٨ - باب كراهية منع العلم وهو علم الكتاب والسنة قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٧]. • عن أبي هريرة قال: إنّ النّاس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب اللَّه ما حدَّثْتُ حديثًا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]، إنّ إخواننا من المهاجرين كان يَشْغَلُهم الصَّفْق بالأسواق، وإنَّ إخواننا من الأنصار كان يَشْغَلُهم العمل في أموالهم، وإنَّ أبا هريرة كان يلزم رسول اللَّه ﷺ بِشِبَعِ بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. متفق عليه: رواه البخاريّ في العلم (١١٨)، ومسلم في فضائل الصّحابة (٢٤٩٢) كلاهما من طرق عن الزّهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، واللّفظ للبخاريّ. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من سُئل عن علم ثم كتمه أُلجم يوم القيامة بِلِجام من نار". صحيح: رواه أبو داود (٣٦٥٨)، والتّرمذيّ (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦١) كلّهم من طرق عن علي بن الحكم، عن عطاء (وهو ابن أبي رباح)، عن أبي هريرة، فذكره. قال الترمذيّ: "حديث حسن". قلت: لأنّ الترمذيّ رواه من طريق عمارة بن زاذان الصّيدلانيّ وهو مختلف فيه غير أنّه حسن الحديث، وقد تُوبع، فرواه أبو داود، وأحمد (٢/ ٢٦٣)، وابن حبان (٩٥) من طرق عن حمّاد بن سلمة، عن علي بن الحكم البنانيّ، بإسناده، مثله. ورواه الحاكم (١/ ١٠١) من وجه آخر عن عطاء وقال: "هذا حديث تداوله النّاس بأسانيد كثيرة تجمع ويذاكر بها. وهذا الإسناد صحيح على شرط الشّيخين". ولكن قال الحاكم: ذاكرتُ أبا علي الحافظ (هو الحسين بن علي) بهذا الباب ثم سألته: هل يصح شيء من هذه الأسانيد عن عطاء؟ فقال: لا. قلتُ: لِم؟ قال: لأنّ عطاء لم يسمعه من أبي هريرة". ثم ذكر الحاكم عدّة طرق لهذا الحديث وعرضه على شيخه فاستحسنه، واعترف له به، ثم قال الحاكم: "لما جمعتُ الباب وجدتُ جماعة ذكروا فيه سماع عطاء من أبي هريرة، ووجدنا الحديث بإسناد صحيح لا غبار عليه".

стр. 863

• عن عبد اللَّه بن عمرو، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من كتمَ علْمًا ألجمه اللَّهُ يوم القيامة بلجامٍ من نار". حسن: رواه ابن حبان (٩٦)، والحاكم (١/ ١٠٢)، والبيهقيّ في المدخل (٥٧٥) كلّهم من طريق ابن وهب، عن عبد اللَّه بن عباس بن عباس، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن الحبليّ، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح من حديث المصريين على شرط الشّيخين، وليس له علّة". قلت: وهو ليس كما قال، فإنّ عبد اللَّه بن عياش بن عباس لم يخرِّج له سوى مسلم، ثم هو مختلف فيه، فضعّفه النسائيّ، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، صدوق، وذكره ابن حبان في الثّقات (٧/ ٥١) وقال الحافظ في التقريب: "صدوق يغلط، أخرج له مسلم في الشواهد". وفي الباب ما رُوي عن ابن عباس مرفوعًا: "من سُئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار، ومن قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار". رواه أبو يعلى (٢٥٨٥) عن زهير، حدّثنا يونس بن محمد، حدّثنا أبو عوانة، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وأورده ابنُ حجر في المطالب العالية (٣/ ١١٥) من جهة أبي يعلى وقال: "صحيح". وقال الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١٦٣): "رواه أبو يعلى، والطَّبرانيّ في "الكبير" باختصار قوله في القرآن - ورجال أبي يعلى رجال الصّحيح". وأخرج الترمذيّ (٢٩٥٠) من وجه آخر عن سفيان، عن عبد الأعلى بإسناده الجزء الثاني من الحديث، وقال: "حسن صحيح". قلت: لعل هؤلاء صحّحوا هذا الحديث لشواهده، وإلّا في إسناده عبد الأعلى وهو ابن عامر الثعلبيّ الكوفيّ، فقد ضعّفه أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، وابن عديّ، وابن معين، ويحيى بن سعيد، وأبو علي الكرابيسيّ، والعقيليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن سعد، والدَّارقطنيّ، وغيرهم. ٩ - باب كراهية من تعلَّم العلم ثم لا يحدِّث به • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "مثل الذي يتعلَّم العلم ثم لا يحدِّث به، كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه". حسن: رواه الطَّبرانيّ في "الأوسط" (٦٨٩)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٧٧٤) كلاهما من حديث ابن وهب، قال: حدّثني ابن لهيعة، عن درّاج أبي السّمح، عن أبي الهيثم وعبد الرحمن بن حُجيرة، عن أبي هريرة، فذكره. ولم يذكر ابن عبد البر أبا الهيثم متابعًا لابن حجيرة.

стр. 864

وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة، فإنّ رواية ابن وهب عنه مستقيمة، ودرّاج أبو السّمح حسن الحديث عن ابن حجيرة. وأورده المنذريّ في الترغيب والترهيب (٢٠٤)، وعزاه إلى الأوسط للطبرانيّ وقال: "في إسناده ابن لهيعة". وكأنَّه لم يفرِّق بين رواية العبادلة عنه وغيرهم. وقد صرَّح الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١٦٤) فقال: "فيه ابن لهيعة وهو ضعيف". وهذا دأب الهيثميّ في رواية ابن لهيعة، فإمّا أن يصرِّح بضعيفه أو أن يقول: فيه كلام معروف بدون فرق بين رواية العبادلة عنه وغيرهم، فتنّبه لذلك. ولحديث أبي هريرة أسانيد أخرى غير أنّ ما ذكرته هو أصحّها. وفي الباب عن جندب بن عبد اللَّه الأزديّ صاحب النبيّ ﷺ ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "مثل الذي يعلِّم النّاس الخير ويني نفسَه كمثل السّراج يضيءُ للنّاس ويحرق نفسَه". رواه الطّبرانيّ في الكبير (٢/ ١٧٨) عن أحمد بن المعلي الدمشقي والحسن بن علي العمريّ، قالا: ثنا هشام بن عمار، ثنا علي بن سليمان الكلبيّ، حدّثني الأعمش، عن أبي تميمة، عن جندب، فذكره. ذكره الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١٨٤ - ١٨٥) فقال: "رجاله موثقون"، اعتمادًا على توثيق ابن حبان، وفي الإسناد علي بن سليمان الكلبيّ، لم يوثقه غير ابن حبان فإنه قد ذكره في ثقاته (٧/ ٢١٣) وقال: "يغرب". ثم عاد الهيثميّ في حديث آخر من طريق علي بن سليمان الكلبي فقال في "المجمع" (٦/ ٢٣٢): "علي بن سليمان الكلبي لم أعرفه". وأمّا المنذري فحسنه في "الترغيب والترهيب" (٣٢٠) فقال: "وإسناده حسن إن شاء اللَّه تعالى". وقد روي موقوفًا بإسناد حسن، رواه أحمد في الزهد (١١٢٧) وأبو داود في الزهد (٣٩٢) كلاهما من حديث حمّاد بن سلمة، حدّثنا الجريريّ، عن أبي السوار العدويّ، أنهم أتوا جندبا، فذكر نحوه، وحماد بن سلمة ممن سمع الجريري قبل اختلاطه. وكذلك رُوي عن أبي برزة مرفوعًا: "مثل الذي يعلِّم النّاس الخيرَ وينسى نفسه مثل الفتيلة تُضِيءُ على النّاس وتحرق نفسها". أورده المنذريّ في "الترغيب والترهيب" (٢١٨) وقال: "رواه البزّار". ولم أقف على إسناده. ورُوي عن ابن عمر مرفوعًا قال: "علمٌ لا يقال به، ككنز لا ينفق منه". رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٧٧٨) قال: أخبرنا أحمد بن محمد، نا علي بن عمر، نا الحسن بن عبد اللَّه، نا أبو يعلى بن زهير، نا عمر بن يحيى بن نافع، نا عيسى بن شعيب، نا روح بن القاسم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وفيه رواة لم أهتد إلى تراجمهم.

стр. 865

وفي الباب عن ابن مسعود مرفوعًا ولا يصح، وعن ابن عباس، وسلمان الفارسيّ موقوفًا عليهما. راجع "جامع بيان العلم"، و"العلم" لأبي خيثمة. ١٠ - باب النّهي عن الحديث بكلِّ ما سمع • وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكلِّ ما سمع". صحيح: رواه مسلم في المقدمة (٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن حفص، حدّثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: فذكره. وصحَّ عن عمر بن الخطّاب أنه قال: "بحسب المرء من الكذب أن يحدِّث بكلِّ ما سمع". وفي هذا الباب آثارٌ عن السّلف أورد جملة وافرة منها الإمامُ مسلم في مقدّمة صحيحه. ١١ - باب النّهي عن الرّواية عن الكذّابين والاحتياط في التّحمّل والأداء • عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حدّث عنّي بحديث يُرى أنّه كذبٌ فهو أحد الكاذبين". صحيح: رواه مسلم في المقدمة (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع، عن شعبة وسفيان، عن حبيب، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن شعبة، فذكره. • عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من حدَّث عنّي بحديث يُري أنّه كذب فهو أحد الكاذبين". صحيح: رواه مسلم في المقدمة (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سمرة بن جندب، فذكره. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يكون في آخر الزّمان دجّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم، لا يضلُّونكم، ولا يفتنونكم". صحيح: رواه مسلم في المقدمة (٦، ٧) من طرق عن مسلم بن يسار، أنّه سمع أبا هريرة يقول (فذكر الحديث). • عن علي، عن النّبيّ ﷺ قال: "من روى عنّي حديثًا، وهو يرى أنّه كذبٌ فهو أحد الكاذِبَيْن". صحيح: رواه ابن ماجه (٤٠) عن عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. وأمّا ما روي عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ أنه قال: "لا أعرفن ما يحدث أحدكم عني الحديث

стр. 866

وهو متكئ على أريكته، فيقول: اقرأ قرآنا، ما قيل من قول حسن فأنا قلته". فهو منكر. رواه ابن ماجه (٢١) من طريق محمد بن الفضيل، حدّثنا المقبريّ، عن جده، عن أبي هريرة فذكره. وفي إسناده المقبري وهو عبد اللَّه بن سعيد بن أبي سعيد متروك الحديث. ورواه أحمد (٨٨٠١) عن خلف، قال: حدّثنا أبو معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا أعرفن أحدًا منكم أتاه عني حديث، وهو متكئ في أريكته، فيقول: اتلوا علي به قرآنا، ما جاءكم عني من خبر قلته، أو لم أقله، فأنا أقوله، وما أتاكم عني من شر، فأنا لا أقول الشر". وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندي ضعيف، وقد نصَّ ابن المديني والفلاس على أنه كان يحدث عن المقبري أحاديث منكرة. وهذا منه. ١٢ - باب ما جاء في ذمّ الدّنيا إِلَّا عالمًا أو متعلِّمًا • عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "الدُّنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إِلَّا ذكر اللَّه وما والاه، أو عالمًا، أو متعلِّمًا". حسن: رواه الترمذيّ (٢٣٢٢)، وابن ماجه (٤١١٢) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: سمعت عطاء بن قرّة، قال: سمعت عبد اللَّه بن ضمرة السّلوليّ، قال: حدّثنا أبو هريرة، فذكره. وإسناده حسن، من أجل ابن ثوبان، وشيخه وشيخ شيخه فالثّلاثة كلّهم بمرتبة "صدوق". ١٣ - باب الترهيب من طلب العلم لغير وجه اللَّه • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تعلّم علمًا مما يُبتغي به وجه اللَّه ، لا يتعلّمه إِلَّا ليصيب به عرضًا من الدّنيا، لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة". حسن: رواه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢) كلاهما من طريق سريج بن النّعمان، قال: حدّثنا فليح بن سليمان، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر أبي طوالة، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره. وصحّحه ابن حبان (٧٨)، والحاكم (١/ ٨٥) وروياه من طريق ابن وهب، قال: أخبرني أبو يحيى فليح بن سليمان، بإسناده مثله. قال الحاكم: هذا حديث صحيح سنده ثقات روانه على شرط الشّيخين ولم يخرجاه، وقد أسنده ووصله عن فليح جماعة غير ابن وهب". انتهى. ورواه أيضًا الخطيب في كتبه "الفقيه والمتفقه" (٨١١)، وتاريخ بغداد (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، واقتضاء العلم العمل (١٠٢)، والإمام أحمد (٣/ ٣٣٨) كلّهم من طرق عن فليح بن سليمان، بإسناده، مثله.

стр. 867

وفليح بن سليمان مختلف فيه، أكثر أهل العلم على تضعيفه، ولكن قال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وقال الدّارقطنيّ: يختلفون فيه، وليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثّقات (٧/ ٣٢٤)، وقال الحافظ: صدوق كثير الخطأ. قلت: هو عندي ضعيف في الأحكام إذا انفرد، ولا بأس به في الفضائل إذا كان له شواهد، وهذا منها، وقد أشار الحاكم كما سيأتي إلى وجود شواهد له. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تعلّموا العلم لتُباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السُّفهاء، ولا لتحتازوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنَّارُ النَّارُ". حسن: رواه ابن ماجه (٢٥٤) عن محمد بن يحيى، حدّثنا ابن أبي مريم، قال: أنبأنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد اللَّه، (فذكره). وصحّحه ابن حبان (٧٧)، والحاكم (١/ ٨٦) كلاهما من طريق ابن أبي مريم، بإسناده، مثله. ورواه ابن وهب، قال: سمعت ابن جريج يحدّث، فذكر الحديث موقوفًا عليه. رواه الحاكم (١٨٦) من طريقه وقال: "هذا إسناد يحيى بن أيوب المصريّ، عن ابن جريج، فوصله، ويحيى متفق على إخراجه في الصحيحين، وقد أرسله عبد اللَّه بن وهب فأنا على الأصل الذي أصّلته في قبول الزّيادة من الثقة في الأسانيد والمتون" انتهى. وقال الحافظ البوصيريّ في "زوائد ابن ماجه": "هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم". وإسناده حسن من أجل أبي الزّبير فإنه حسن الحديث. وفي الباب ما رُوي عن كعب بن مالك، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من طلب العلم ليُجاري به العلماء، أو ليُماري به السّفهاء، أو يصرف به وجوه النّاس إليه أدخله اللَّه النّار". رواه الترمذيّ (٢٦٥٤) من طريق أحمد بن المقدام، عن أمية بن خالد، حدّثنا إسحاق بن يحيى ابن طلحة، حدّثني ابن كعب بن مالك، عن أبيه، فذكر الحديث. ورواه الحاكم (١/ ٨٦) من طريق آخر عن إسحاق بن يحيى بن طلحة. قال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه، وإسحاق بن يحيى بن طلحة ليس بذاك القوي عندهم، تُكلِّم فيه من قبل حفظه". قلت: وهو كما قال، فقد تكلَّم فيه أحمد، وابن معين، والبخاريّ، والنسائيّ، وأبو حاتم، وابن حبان، وغيرهم من أهل العلم. وفي التقريب: "ضعيف". وأمّا الحاكم فقال: لم يخرج الشيخان إسحاق بن يحيى شيئًا، وإنّما جعلته شاهدًا لما قدمت من شرطهما، وإسحاق بن يحيى من أشراف قريش". وهو يقصد به حديث أبي هريرة وجابر بن عبد اللَّه. وفي الباب أحاديث أخرى عن ابن عمر عند ابن ماجه (٢٥٣)، وفيه حمّاد بن عبد الرحمن

стр. 868

الكلبيّ القنَّسريني ضعيف، وشيخه أبو كرب الأزديّ، قال فيه أبو حاتم: "مجهول". وعن حذيفة، رواه ابن ماجه (٢٥٩)، وفيه بشير بن ميمون الواسطيّ، أهل العلم مجمعون على تضعيفه، قال الحافظ في التقريب: "متروك متهم". وعن أنس: رواه البزّار (كشف الأستار - ١٧٨) قال البزّار: "لا نعلمه يروى عن أنس إِلَّا بهذا الإسناد، تفرّد به سليمان، ولم يتابع عليه، ورواه عنه غير واحد". انتهى. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١/ ١٨٣ - ١٨٤) وقال: "رواه الطبرانيّ في الأوسط، والبزّار، وفيه سليمان بن زياد الواسطيّ. قال الطبرانيّ والبزّار: تفرّد به سليمان. زاد الطبرانيّ: ولم يتابع عليه. وقال صاحب الميزان: لا ندري من ذا". قلت: قول الطبرانيّ: "ولم يتابع عليه". ذكره أيضًا البزّار كما سبق، فلا معنى لقول الهيثميّ: "وزاد الطبرانيّ. . . ". والحديث يتقوّى بهذه الشواهد وغيرها كما قال الحاكم وغيره، واللَّه أعلم. ١٤ - باب النّهي عن كثرة المسألة عمَّا لم يكن ولم ينزل به وحي قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠١]. • عن أنس بن مالك، قال: خطب رسول اللَّه ﷺ خطبة ما سمعتُ مثلها قطّ. فقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا". قال: فغطّى أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجوههم لهم حنين. فقال رجل: مَنْ أبي؟ قال: "أبوك فلان". فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٩) كلاهما من حديث شعبة، حدّثنا موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، فذكره. • عن ابن عباس، قال: كان قومٌ يسألون رسول اللَّه ﷺ استهزاءً، فيقول الرّجل: مَنْ أبي؟ ويقول الرّجل تضلُّ ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل اللَّه فيهم هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلّها. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢٢) عن الفضل بن سهل، قال: حدّثنا أبو النضر، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا أبو الجويرية، عن ابن عباس، فذكر الحديث. • عن أبي موسى الأشعريّ، قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن أشياء كرهها، فلما أكثروا عليه المسألة غضب وقال: "سلوني". فقام رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه! مَنْ

стр. 869

أبي؟ فقال: "أبوك حذافة". ثم قام آخر فقال: يا رسول اللَّه، مَنْ أَبي؟ فقال: "أبوك سالم مولى شيبة". فلمّا رأى عمر ما بوجه رسول اللَّه ﷺ من الغضب قال: إنّا نتوب إلى اللَّه . متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٩١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٦٠) كلاهما من حديث أبي أسامة، عن بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكر الحديث. • عن أبي فراس -رجل من أسلم- قال: قال رسول اللَّه ﷺ ذات يوم: "سلوني عمَّا شئتم". فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه! مَنْ أبي؟ قال: "أبوك فلان الذي تدعى إليه. وسأله رجلٌ: أفي الجنّة أنا؟ فقال: "في الجنّة". وقال آخر: أفي الجنّة أنا؟ قال: "في النّار". فقام عمر ﵁، فقال: رضينا باللَّه ربًّا. حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٤٥٨٠) عن محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، ثنا عمر بن محمد ابن الحسن الأسديّ، ثنا أبيّ، ثنا عبد العزيز بن عبد الصّمد العميّ، عن أبي عمران الجونيّ، عن أبي فراس -رجل من أسلم-، فذكر الحديث. قال الهيثميّ: "رجاله رجال الصّحيح". قلت: هو كما قال؛ فإن رجالهم كلّهم -غير شيخ الطبرانيّ- من رجال البخاريّ، لكن عمر بن محمد بن الحسن الأسدي هو وأبوه صدوقان. • وعن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "ادعوني ما تركتكم إنّما هلك مَنْ كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨) عن إسماعيل، حدّثني مالك، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وهذا الحديث رواه مالك خارج الموطأ. ورواه مسلم في الحجّ (١٣٣٧) عن زهير بن حرب، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الربيع بن مسلم القرشيّ، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أيَّها النّاس! قد فرض اللَّه عليكم الحجَّ فحُجُّوا". فقال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسول اللَّه؟ ! فسكت، حتّى قالها ثلاثًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم". ثم قال: (فذكر باقي الحديث). • عن المغيرة بن شعبة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ اللَّه حرَّم عليكم عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومنعًا وهاتِ، وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".

стр. 870

متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٥٩٧٥)، ومسلم في الأقضية (٥٩٣: ٤٤٨٤) كلاهما من حديث ورّاد مولى المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، فذكر الحديث. وفي رواية عندهما: "كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليَّ بشيء سمعتّه من رسول اللَّه ﷺ قال: فكتب إليه، وكان ورّاد هو كاتبه، أملى عليه المغيرة بن شعبة". • عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعظم المسلمين في المسلمين جرما مَنْ سأل عن أمر لم يحرم فحرم على النّاس من أجل مسألته". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٨٩)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٨) كلاهما من حديث ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه، فذكره. • عن سهل بن سعد، أنّ عويمرًا أتي عاصم بن عدي -وكان سيّد بني عجلان- فقال: "كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله، أم كيف يصنع به؟ سلْ لي رسول اللَّه ﷺ عن ذلك. فأتى عاصمٌ النّبيَّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! فكره رسولُ اللَّه ﷺ المسائلَ: فسأله عويمر، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كره المسائل وعابها. قال عويمر: واللَّهِ! لا أنتهي حتّى أسأل رسول اللَّه عن ذلك. . . " إلخ. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٤٥)، ومسلم في اللّعان (١٤٩٢) كلاهما من حديث ابن شهاب، عن سهل بن سعد السّاعديّ، فذكر الحديث بطوله، وسيأتي في موضعه. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لن يبرح النَّاسُ يتساءلون حتّى يقولوا: هذا اللَّه خالقُ كلِّ شيءٍ، فمن خلق اللَّه؟ ! ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٩٦) عن الحسن بن صباح، حدّثنا شبابة، حدّثنا ورقاء، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، سمعت أنس بن مالك، فذكره. ورواه مسلم في الإيمان (١٣٦) من وجه آخر عن أنس، نحوه. • عن معقل بن يسار، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه جلّ وعزّ كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال". حسن: رواه الطبرانيّ في كبيره (٢٠/ ٢٢٤) من طرق عن سَلْم بن قتيبة، عن عمران القطّان، عن قتادة، عن أبي عبد اللَّه الحسري، عن معقل بن يسار، فذكره. وإسناده حسن من أجل سلم بن قتيبة -وهو الشعيريّ-، وعمران القطّان -هو عمران بن داور- فهما صدوقان، وبقية رجاله ثقات. • عن أنس، قال: كنّا عند عمر فقال: نُهينا عن التّكلُّف. صحيح: رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٢٩٣) عن سليمان بن حرب، حدّثنا حمّاد بن زيد، عن ثابت،

стр. 871

عن أنس، فذكره. وفي سنن الدّارميّ (١٢٣) عن مسلم بن إبراهيم، حدّثنا حمّاد بن زيد المنقريّ، حدّثنا أبي، قال: جاء رجل يومًا إلى ابن عمر، فسأله عن شيء لا أدري ما هو. فقال له ابن عمر: "لا تسأل عما لم يكن، فإنِّي سمعت عمر بن الخطّاب يلعن مَنْ سأل عمَّا لم يكن". وإسناده حسن، ويزيد المنقريّ هو يزيد بن مسلم، ذكره ابن حبان في "الثّقات" (٥/ ٥٤٥) ولم يوثقه غيره إِلَّا أنه توبع عند أبي خيثمة في "العلم" (١٤٤)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٨٢٠) وغيرهما. وعن طاوس قال: قال عمر ﵁ على المنبر: "أُحرِّج باللَّه على رجل سأل عمَّا لم يكن، فإنّ اللَّه قد بيّن ما هو كائن". رواه الدّارميّ في سننه (١٢٦)، والبيهقيّ في المدخل (٢٩٣)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١٨٠٧، ١٨٠٨)، والخطيب في "الفقه والمتفقه" (٢/ ٧) كلّهم من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، فذكر مثله. وفي لفظ الخطيب: "أحرج عليكم أن تسألونا عمّا لم يكن، فإنّ لنا فيما كان شغلًا". وكان يقول: "إيَّاكم وهذه العضل، فإنَّها إذا نزلت بعث اللَّه لها من يقيمها أو يفسّرها". رواه البيهقيّ في "المدخل" (٢٩٤) وإسناده حسن. وقال البيهقيّ ﵀: "وقد كره السّلف للعوام المسألة عمّا لم يكن، ولم ينص به كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا أثر ليعملوا عليه إذا وقع، وكرهوا للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع؛ لأنّ الاجتهاد إنّما أبيح للضّرورة، ولا ضرورة قبل الواقعة، فينظر اجتهادهم عند الواقعة، فلا يغنيهم ما مضى من الاجتهاد". انظر "المدخل" (٢٨٦). ١٥ - باب ما ورد من الوعيد للقرّاء المرائين • عن سليمان بن يسار، قال: تفرّق النّاس عن أبي هريرة، فقال له ناتلُ أهل الشام: أيّها الشّيخ! حدِّثْنا حديثًا سمعْتَه منْ رسولِ اللَّه ﷺ . قال: نعم، سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ أوَّل النّاس يُقضى يوم القيامة عليه، رجلٌ اسشهد، فأُتي به فعرَّفه نِعَمه فعرفها، قال: ما عملْتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتّى اسْتُشهدتُ. قال: كذَبْتَ، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنَّكَ تَعَلَّمْتَ العِلْمَ ليُقال عالم، وقرأتَ القرآنَ ليُقال هو

стр. 872

قارئ، فقد قيل. ثم أُمِرَ به فسحب على وجهه حتّى أُلقي في النّار. ورجلٌ وسَّع اللَّهُ عليه وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتي به فعرَّفه نِعمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تُحبُّ أن يُنفَق فيها إِلَّا أنفقتُ فيها لك. قال: كذبتَ، ولكنّك فعلت ليقال: هو جواد. فقد قيل. ثم أُمر به فسُحب على وجهه، ثم أُلقي في النّار". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٠٥) عن يحيى بن حبيب الحارثيّ، ثنا خالد بن الحارث، ثنا ابن جريج، حدّثني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار، فذكره. قوله: "ناتل أهل الشّام" هو ناتل بن قيس الحزامي الشّاميّ. كان أبوه صحابيًّا، وكان ناتل كبير قومه وزعيمهم. • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ أكثر منافقي أمّتي قرّاؤها". حسن: رواه الإمام أحمد (٦٦٣٣) عن زيد بن الحباب -من كتابه-، حدّثنا عبد الرحمن بن شريح، سمعت شرحبيل بن يزيد المعافريّ، أنّه سمع محمد بن هديّة الصدفيّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص يقول. . . فذكر الحديث. وهذا إسنادٌ حسن، شرحبيل بن يزيد - هو المعافريّ، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثّقات، ووثقه الذّهبيّ في الكاشف، وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق". ومحمد بن هديّة -بالياء المشدَّدة- وثقه الفسويّ في تاريخه (٢/ ٥٢٨). ثم قد توبع محمد بن هدية على هذا الحديث؛ فقد تابعه عبد الرحمن بن جبير، فرواه عن عمرو ابن العاص. أخرجه أحمد (٦٦٣٤): عن حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا درّاج، عن عبد الرحمن بن جبير. وهذا الإسناد فيه ابن لهيعة، وفيه كلام إِلَّا أن هذا الحديث من صحيح حديثه؛ فقد رواه ابن بطّة في الإيمان (٩٤٢) من طريق يونس بن عبد الأعلى الصّدفيّ، عن عبد اللَّه بن وهب، عن ابن لهيعة، به. وابن وهب أحد العبادلة الذين رووا عن ابن لهيعة قبل تغيّره، وأحاديثهم عنه مستقيمة. فائدة: قوله: "أكثر منافقي أمّتي قرَّاؤها". نقل المناويّ في فيض القدير (٢/ ٨٠) عن الزّمخشريّ قوله: "أراد بالنّفاق الرّياء؛ لأنّ كلًا منهما إرادة ما في الظّاهر خلاف ما في الباطن". قلت: وهذا أقرب ما فُسِّر به هذا الحديث، واللَّه أعلم. • عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أكثر منافقي هذه الأمَّة قرَّاؤها". حسن: رواه الإمام أحمد (١٧٣٦٧) عن أبي عبد الرحمن، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا أبو

стр. 873

المصعب، قال: سمعت عقبة بن عامر، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل أبي المصعب وهو مشرح بن هاعان، وهو مختلف فيه، فوثقه ابن معين، والعجليّ، والذّهبيّ في الكاشف، وقال في الميزان: "صدوق". وذكره ابن عدي في الكامل فقال: أرجو أنه لا بأس به. وأبو عبد الرحمن هو: عبد اللَّه بن يزيد المقرئ أحد العبادلة الذين سمعوا ابن لهيعة قبل اختلاطه. ١٦ - باب في التحذير من كثرة القصص • عن خباب، عن النّبيّ ﷺ قال: "إنّ بني إسرائيل لما هلكوا قصُّوا". حسن: رواه الطّبرانيّ في كبيره (٣٧٠٥) من طريقين، عن أبي أحمد الزّبيريّ، ثنا سفيان، عن الأجلح، عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل، عن خباب، فذكر الحديث. ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦٢) من هذا الوجه ثم قال: "غريب من حديث الأجلح والثوريّ، تفرّد به أبو أحمد". قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله رجال مسلم غير الأجلح، وهو ابن عبد اللَّه بن حجية، وهو شيعي صدوق اللهجة. قوله: "لما هلكوا قصوا". قال ابن الأثير: "أي اتّكلوا على القول وتركوا العمل، فكان ذلك سبب هلاكهم أو بالعكس: لما هلكوا بترك العمل أخلدوا إلى القصص". • عن الحارث بن معاوية الكنديّ أنّه ركب إلى عمر بن الخطّاب يسأله عن ثلاث خلال، قال: فقدم المدينة، فسأله عمر: ما أقدمك؟ قال: لأسألك عن ثلاث خلال. قال: وما هنّ؟ قال: ربما كنت أنا والمرأة في بناء ضيّق، فتحضرُ الصّلاة، فإنْ صلّيت أنا وهيّ، كانت بحذائيّ، وإن صلَّتْ خلفي، خرجتْ من البناء، فقال عمر: تستُر بينك وبينها بثوب، ثم تصلّي بحذائك إن شئت. وعن الرّكعتين بعد العصر؟ فقال: نهاني عنهما رسول اللَّه ﷺ . قال: وعن القَصَص، فإنَّهم أرادوني على القَصَص. فقال: ما شئت، كأنّه كره أن يمنعه، قال: إنّما أردتُ أن أنتهي إلى قولِك. قال: أخشى عليك أن تَقُصَّ فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقصّ فترتفع، حتّى يخيّل إليك أنّك فوقهم بمنزلة الثُّرَيَّا، فيضعك اللَّه تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك. حسن: رواه أحمد (١١١) عن أبي المغيرة، ثنا صفوان، ثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن الحارث بن معاوية الكندي، فذكره. قال الهيثميّ: "الحارث بن معاوية الكندي وثقه ابن حبان، وروى عنه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصّحيح".

стр. 874

قلت: إسناده حن من أجل الحارث بن معاوية، وقد قال الحافظ في "تعجيل المنفعة": "الذي يظهر أنه من المخضرمين". قلت: وبقية رجاله ثقات، واللَّه أعلم. • عن أبي صالح سعيد بن عبد الرحمن الغفاريّ، أنّ سليم بن عنَزٍ التُّجيبيّ كان يقصُّ على النّاس وهو قائم، فقال له صلة بن الحارث الغفاريّ -وهو من أصحاب النبيّ ﷺ : واللَّهِ ما تركنا عهدَ نبيِّنا، ولا قطعنا أرحامنا حتّى قمت أنت وأصحابُك بين أظهرنا. حسن: رواه الطّبرانيّ في كبيره (٧٤٠٤) عن بشر بن موسى، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن حيوة بن شريح، حدّثني الحارث بن شداد الصنعانيّ، أنّ أبا صالح سعيد بن عبد الرحمن الغفاري أخبره، فذكره. قال الهيثميّ: "إسناده حسن". • عن الأسود بن هلال، عن عبد اللَّه، قال: "ذكروا له رجلًا يقصّ، فجاء فجلس في القوم، فسمعته يقول: سبحان اللَّه -كذا وكذا- فلمّا سمع ذلك قام، فقال: ألا تسمعوا؟ فلمّا نظروا إليه. قال: إنّكم لأهْدى من محمّد ﷺ وأصحابه؟ إنّكم لمتمسِّكون بطَرَف ضلالة". صحيح: رواه الطبرانيّ في الكبير (٨٦٣٩) عن علي بن عبد العزيز، ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، ثنا إسرائيل، عن الأشعث بن أبي الشّعثاء، عن الأسود بن هلال، فذكره. وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشّيخين إِلَّا شيخ الطّبرانيّ وهو ثقة. قلت: والرجل المبهم الذي كان يقصّ وهو عمرو بن زرارة. فقد رواه الطبرانيّ في كبيره (٨٦٥٣٧) من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن عمرو بن زرارة، قال: وقف علي عبد اللَّه، وأنا أقصُّ في المسجد، فقال: يا عمرو! لقد ابتدعتم بدعة ضلالة، أو إنكم لأهدى من محمّد ﷺ وأصحابه. ولقد رأيتهم تفرّقوا عني حتّى رأيت مكاني ما فيه أحد. أمَّا ما رُوي عن عمرو بن دينار، أنّ تميمًا الدّاريّ استأذن عمر في القَصَص، فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه، فقال: إن شئت. . . وأشار بيده - يعني الذبحَ". فهو منقطع. رواه الطبرانيّ في الكبير (١٢٤٩) عن محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، ثنا أحمد بن يونس، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار. ورجال إسناده ثقات إِلَّا أنّ عمرو بن دينار لم يسمع من عمر، واللَّه أعلم. وكذلك ما رُوي عن السّائب بن يزيد، أنه قال: "لم يقصّ على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ولا أبي بكر، وعمر حتّى كان أوّل من قصَّ تميمٌ الدَّاريّ، واستأذن عمر ﵁، فأذن له فقصّ

стр. 875

قائمًا". فإنه ضعيف. رواه الطبرانيّ في "المعجم الكبير" (٦٦٥٦) من طريق بقية بن الوليد، عن الزبيديّ، عن الزّهريّ، عن السائب. وبقية مدلّس وقد عنعن. ١٧ - باب الزَّجر عن النَّظر في كتب أهل الكتاب • عن جابر، قال: نسخَ عمر كتابًا من التوراة بالعربية، فجاء به إلى النبيّ ﷺ ، فجعل يقرأ ووجه رسول اللَّه لا يتغيّر ﷺ ، فقال رجل من الأنصار: ويحك يا ابن الخطّاب! ألا ترى وجه رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنَّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، وإنَّكم إما أن تكذِّبوا بحق، أو تصدِّقوا بباطل، واللَّه! لو كان موسى بين أظهركم ما حلّ له إِلَّا أن يتبعني". حسن: رواه البزّار - (كشف الأستار - ١٢٤) -، عن عبد الواحد بن غياث، أنا حمّاد بن زيد، ثنا خالد، حدّثني عامر، ثنا جابر، فذكره. وإسناده حسن، رجاله ثقات غير خالد وهو ابن سعيد بن سلمة المخزوميّ -المشهور بالفأفاء- فهو صدوق. وتابعه في هذا الحديث مجالد بن سعيد وهو الحديث الآتي: • عن جابر بن عبد اللَّه، أن عمر بن الخطّاب، أتى النبيّ ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه على النبيّ ﷺ فغضب وقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطّاب! والذي نفسي بيده! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده! لو أن موسى كان حيا، ما وسعه إِلَّا أن يتبعني". حسن: رواه الإمام أحمد (١٥١٥٦)، وابن أبي شيبة (٢٦٩٤٩)، والبزّار -كشف الأستار- (١٢٤)، كلّهم من طرق عن هشيم بن بشير، أخبرنا مجالد، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد اللَّه فذكره. والسياق لأحمد. ورواه أحمد (١٤٦٣١)، وأبو يعلى (٢١٣٥) كلاهما من طريق حمّاد بن زيد، عن مجالد به المرفوع فقط. وإسناده حسن من أجل مجالد بن سعيد فإنه -وإنْ كان لين الحديث- فقد قال ابن مهدي: "حديث مجالد عند الأحداث وأبي أسامة ليس بشيء، ولكن حديث شعبة، وحماد بن زيد، وهشيم وهؤلاء القدماء". يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره، يعني هؤلاء رووا عنه قبل تغيره.

стр. 876

وقال ابن عدي: "له عن الشعبيّ، عن جابر أحاديث صالحة". قلت: وهذا الحديث مما رواه هشيم، وحماد بن زيد، عن مجالد، ومجالد رواه عن الشعبيّ، عن جابر، فالظاهر أنه مستقيم. وفي معناه ما روي عن أبي الدّرداء قال: جاء عمر بجوامع من التوراة، فقال: يا رسول اللَّه أخذتها من أخ لي من بني زريق، فتغير وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال عبد اللَّه بن زيد الذي أري النداء: أمسخ اللَّه عقلك؟ ألا ترى الذي بوجه رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا باللَّه ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فسُرّي عن وجه رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "والذي نفسي بيده، لو كان موسى بين أظهركم ما وسعه إِلَّا اتباعيّ، ثم لو كان بين أظهركم ثم تبعتموه لضللتم ضلالًا بعيدًا، أنتم حظي من الأمم، وأنا حظكم من الأنبياء". رواه الطبرانيّ في الكبير - كما في جامع المسانيد والسنن (١١١٧١) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا منجاب بن الحارث، حدّثنا أبو عامر العقديّ، عن سفيان (هو الثوري)، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة، عن أبي الدّرداء فذكره. وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٧٤): "رواه الطبرانيّ في الكبير، وفيه أبو عامر القاسم بن محمد الأسديّ، ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله موثقون". قلت: ترجمه ابنُ أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١١٩)، وفيه أبو حبيبة هو الطائيّ، لا يُعرف له راو غير أبي إسحاق، ولم أجد من وثقه إِلَّا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم أجد له متابعا. ووقع في مطبوعة مجمع الزوائد "أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي" لكن في مطبوعة جامع المسانيد "أبو عامر العقدي". فإن كان الأمر كما في جامع المسانيد ففي الرواة عن الثوري: أبو عامر العقدي واسمه عبد الملك بن عمرو البصريّ، وهو ثقة. واللَّه أعلم. وفي الباب أحاديث أخرى في أسانيدها مقال. وثبت عن ابن عباس في الصحيح أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول اللَّه ﷺ أحدث تقرؤونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب اللَّه، وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا هو من عند اللَّه ليشتروا به ثمنًا قليلا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا واللَّه ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم. رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣٦٣) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن ابن عباس قال: فذكره. وثبت عن حميد بن عبد الرحمن أيضًا في الصّحيح أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يتحدثون عن أهل الكتاب

стр. 877

وإن كنا -مع ذلك- لنبلو عليه الكذب. رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣٦١) قال: وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن فذكره. يحمل هذا النهي للاهتداء بكتب أهل الكتاب والملل الأخرى، وأمّا النظر فيها للنقد وبيان فسادها فهو مباح، بل قد يكون واجبا على من يتصدى من العلماء الراسخين لبيان تزييف هذه الملل والديانات، وعليه جرى عمل السلف من القرن الأوّل إلى يومنا هذا كما بينت ذلك في كتابي: "دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند". ١٨ - باب ما جاء في الزّجر عن علم النّجوم • عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السّحر زاد ما زاد". صحيح: رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦) من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن الأخنس، عن الوليد بن عبد اللَّه، عن يونس بن ماهك، عن ابن عباس، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. وعبيد اللَّه بن الأخنس، ثقة في قول جمهور الأئمّة كأحمد بن حنبل، وابن معين، وأبي داود، والنسائيّ، وقد احتجّ به الشيخان في الصّحيح، وكذا أخرج له بقية أصحاب الكتب السّتة. ١٩ - باب النّهي عن التّنطّع في الدّين • عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "هلك المتنطِّعون". قالها ثلاثًا. صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٧٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص بن غياث، ويحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن سلمان بن عتيق، عن طلق بن حيب، عن الأحنف بن قيس، عن عبد اللَّه، فذكر الحديث. والمتنطّعون: هم الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. وفي الباب ما رُوي عن معاوية: "أنّ النبيّ ﷺ نهى عن الأغلوطات". رواه أبو داود (٣٦٥٦) عن إبراهيم بن موسى الرازيّ، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ، عن عبد اللَّه بن سعد، عن الصنابحيّ، عن معاوية، فذكره. وعبد اللَّه بن سعد هو ابن فروة البجلي مولاهم الدّمشقيّ لم يوثقه أحد، وإنّما ذكره ابن حبان في الثّقات وقال: "يخطئ". وقال أبو حاتم: "مجهول". ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٥/ ٤٣٥)، والطَّبرانيّ في الكبير (١٩/ ٩٨٢)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٦٣٥)، والبيهقي في "المدخل" (٣٠٤). و"الأغلوطات" قال الأوزاعيّ: شِداد المسائل وصِعابها.

стр. 878

وقال الخطّابي: "نهى أن يُعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط، ليُستنزلوا بها، ويسقط رأيهم فيها، وفيه كراهية التّعمق والتّكلف لما لا حاجة بالإنسان إليه من المسألة، ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به". انظر: معالم السنن، وغريب الحديث (١/ ٣٥٤) له. ٢٠ - باب ما جاء من الوعيد للعالم الذي لا يعمل بعلمه، وإن كان علمه ينتفع به غيره قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف: ٢ - ٣]. قد شبه اللَّه اليهود بالحمار في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الجمعة: ٥]. • عن أسامة بن زيد، قال: قيل له: ألا تدخلُ على عثمان فتُكلِّمَه؟ فقال: أترونَ أنِّي لا أُكلِّمه إِلَّا أُسمِعُكم؟ واللَّه! لقد كلَّمْتُه فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتَح أمرًا لا أُحبُّ أن أكونَ أوّل مَنْ فتحه، ولا أقول لأحد يكون عليَّ أميرًا: إنّه خير النّاس بعد ما سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يؤتى بالرّجل يوم القيامة، فيلقى في النّار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرَّحى، فيجتمعُ إليه أهل النّار. فيقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تكنْ تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول: بلى قد كنتُ آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنْهى عن المنْكر وآتيه". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٦٧)، ومسلم في الزّهد والرّقائق (٢٩٨٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن شقيق، عن أسامة بن زيد، فذكره. قوله: "فتندلق أقتاب بطنه". أقتاب: جمع قِتْب -بكسر القاف وسكون المثناة- وهي الأمعاء، واندلاقها خروجها بسرعة. • عن زيد بن أرقم، أنّ النبيّ ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ! إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يستجاب لها". صحيح: رواه مسلم في الذّكر والدّعاء (٣٧٢٢) من حديث أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن

стр. 879

الحارث، وعن أبي عثمان النّهديّ، عن زيد بن أرقم، فذكره في حديث أطول، وسيأتي في موضعه. • عن أبي برزة الأسلميّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه". حسن: رواه الترمذيّ (٢٤١٧) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا الأسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد اللَّه بن جريج، عن أبي برزة الأسلميّ، فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وفي معناه ما رُوي عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربِّه حتّى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم". رواه الترمذيّ (٢٤١٦) عن حُميد بن مسعدة، حدّثنا حصين بن نُمير أبو مِحْصن، حدّثنا حسين ابن قيس الرّحبيّ، حدّثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، عن ابن مسعود، فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ إِلَّا من حديث الحسين بن قيس، والحسين يضعّف في الحديث من قبل حفظه". • عن أسامة بن زيد، قال: سمعتُ رسول اللَّه يقول: "يؤتى بالرّجل الذي كان يطاع في معصية اللَّه، فيُقْذف في النّار، فتندلِقُ به أقتابه، فيستدير فيها كما يستديرُ الحمار في الرَّحى، فيأتي عليه أهلُ طاعته من النّاس فيقولون: أيْ فُلُ! أين ما كنتَ تأمرُنا به؟ فيقول: إنّي كنتُ آمرُكم بأمر وأخالفُكم إلى غيره". حسن: رواه أحمد (٢١٧٩٤) عن عبد الصمد، ثنا حمّاد، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قيل لأسامة بن زيد، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم -وهو ابن أبي النّجود- فإنّه صدوق، وباقي رجاله ثقات. ورواه الحاكم (٤/ ٨٩) من هذا الوجه، وصحّحه. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مررتُ ليلة أُسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أهل الدُّنيا ممّن كانوا يأمرون النّاس بالبر، وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون". صحيح: رواه أحمد (١٢٢١١) عن وكيع، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، فذكر الحديث. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف علي بن زيد، وهو ابن جُدعان، لكنّه متابع. فرواه أبو يعلى (٤٠٦٩) من طريق معتمر بن سليمان.

стр. 880

وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٢) من طريق ابن المبارك كلاهما عن سليمان التيميّ، عن أنس، والإسنادان صحيحان. ورواه ابن حبان (٥٣) من وجه آخر عن أنس، وصحّحه. • عن أبي تميمة عن جندب بن عبد اللَّه الأزديّ صاحب النّبيّ ﷺ قال: انطلقتُ أنا وهو إلى البصرة، حتّى أتينا مكانًا يقال له: بيت المسكين، وهو من البصرة على مثل الثَّوِيَّة من الكوفة، فقال: هل كنت تدارس أحدًا القرآن؟ قلت: نعم، قال: فإذا أتينا البصرة، فأتني بهم، فأتيته بصالح بن مسرح، وبأبي بلال، ونَجدة، ونافع بن الأزرق، وهم في نفسي يومئذ من أفاضل أهل البصرة، فأنشأ يحدِّثني عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال جندب: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثلُ العالم الذي يعلِّمُ النَّاسَ الخيرَ وينسى نفسه، كمثل السِّراج يُضيء للنّاس ويُحْرق نفسه". وقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَحُولَنَّ بين أحدِكم وبين الجنّة وهو ينظر إلى أبوابها مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دم مُسلمٍ أَهْراقَهُ ظُلْمًا". قال: فتكلّم القومُ، فذكروا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، - وهو ساكت يستمع منهم، ثم قال: لم أرَ كاليوم قطّ أحقّ بالنّجاة إن كانوا صادقين". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (١٦٨١) من طريق هشام بن عمار، عن علي بن سليمان الكلبي، حدثني الأعمش، عن أبي تميمة، عن جندب بن عبد اللَّه الأزديّ، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل علي بن سليمان الكلبي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا، صالح الحديث، ليس بالمشهور. وقد جاء عن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أنه قال: "يُفسد الزّمان ثلاثة: أئمّة مضلّون، وجدال منافق بالقرآن -والقرآن حقّ-، وزلّة العالم". انظر تخريجه في "المدخل" (٨٣٣). وعن ابن عباس، قال: "ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: وكيف ذلك يا ابن عباس؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى من هو أعلم منه برسول اللَّه ﷺ منه فيخبره ويرجع، ويقضي الأتباع بما حكم". "المدخل" (٨٣٦). وعن أبي الدّرداء قال: "إنّي لآمركم بالأمر، وما أفعله، ولكن لعلّ اللَّه أن يأجرني فيه". المدخل (٨٣٨). وأنشأ ابنُ عيينة يقول: خذ بعلمي وإن قصرتُ في عملي ... ينفعك علمي ولا يضرُّك تقصيري وعن ابن عباس قال: "خذ الحكمة ممن سمعت، فإنّ الرّجل يتكلّم بالحكمة وليس بالحكيم، فتكون كالرمية خرجت من غير رامٍ". "المدخل" (٨٤٣). وعن سعيد بن أبي بردة، قال: "كان يقال: الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيث وجدها".
следующие страницы →