Полный текст (8 687 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وقال ابن عدي: "له عن الشعبيّ، عن جابر أحاديث صالحة".
قلت: وهذا الحديث مما رواه هشيم، وحماد بن زيد، عن مجالد، ومجالد رواه عن الشعبيّ، عن جابر، فالظاهر أنه مستقيم.
وفي معناه ما روي عن أبي الدّرداء قال: جاء عمر بجوامع من التوراة، فقال: يا رسول اللَّه أخذتها من أخ لي من بني زريق، فتغير وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال عبد اللَّه بن زيد الذي أري النداء: أمسخ اللَّه عقلك؟ ألا ترى الذي بوجه رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا باللَّه ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فسُرّي عن وجه رسول اللَّه ﷺ ، وقال: "والذي نفسي بيده، لو كان موسى بين أظهركم ما وسعه إِلَّا اتباعيّ، ثم لو كان بين أظهركم ثم تبعتموه لضللتم ضلالًا بعيدًا، أنتم حظي من الأمم، وأنا حظكم من الأنبياء".
رواه الطبرانيّ في الكبير - كما في جامع المسانيد والسنن (١١١٧١) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا منجاب بن الحارث، حدّثنا أبو عامر العقديّ، عن سفيان (هو الثوري)، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة، عن أبي الدّرداء فذكره.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ١٧٤): "رواه الطبرانيّ في الكبير، وفيه أبو عامر القاسم بن محمد الأسديّ، ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله موثقون".
قلت: ترجمه ابنُ أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١١٩)، وفيه أبو حبيبة هو الطائيّ، لا يُعرف له راو غير أبي إسحاق، ولم أجد من وثقه إِلَّا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، ولذا قال الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم أجد له متابعا. ووقع في مطبوعة مجمع الزوائد "أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي" لكن في مطبوعة جامع المسانيد "أبو عامر العقدي".
فإن كان الأمر كما في جامع المسانيد ففي الرواة عن الثوري: أبو عامر العقدي واسمه عبد الملك بن عمرو البصريّ، وهو ثقة. واللَّه أعلم.
وفي الباب أحاديث أخرى في أسانيدها مقال.
وثبت عن ابن عباس في الصحيح أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول اللَّه ﷺ أحدث تقرؤونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب اللَّه، وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا هو من عند اللَّه ليشتروا به ثمنًا قليلا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا واللَّه ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣٦٣) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، أن ابن عباس قال: فذكره.
وثبت عن حميد بن عبد الرحمن أيضًا في الصّحيح أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يتحدثون عن أهل الكتاب
стр. 877
وإن كنا -مع ذلك- لنبلو عليه الكذب.
رواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣٦١) قال: وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن فذكره.
يحمل هذا النهي للاهتداء بكتب أهل الكتاب والملل الأخرى، وأمّا النظر فيها للنقد وبيان فسادها فهو مباح، بل قد يكون واجبا على من يتصدى من العلماء الراسخين لبيان تزييف هذه الملل والديانات، وعليه جرى عمل السلف من القرن الأوّل إلى يومنا هذا كما بينت ذلك في كتابي: "دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند".
١٨ - باب ما جاء في الزّجر عن علم النّجوم
• عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السّحر زاد ما زاد".
صحيح: رواه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦) من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن الأخنس، عن الوليد بن عبد اللَّه، عن يونس بن ماهك، عن ابن عباس، فذكر الحديث. وإسناده صحيح.
وعبيد اللَّه بن الأخنس، ثقة في قول جمهور الأئمّة كأحمد بن حنبل، وابن معين، وأبي داود، والنسائيّ، وقد احتجّ به الشيخان في الصّحيح، وكذا أخرج له بقية أصحاب الكتب السّتة.
١٩ - باب النّهي عن التّنطّع في الدّين
• عن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "هلك المتنطِّعون". قالها ثلاثًا.
صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٧٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حفص بن غياث، ويحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن سلمان بن عتيق، عن طلق بن حيب، عن الأحنف بن قيس، عن عبد اللَّه، فذكر الحديث.
والمتنطّعون: هم الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
وفي الباب ما رُوي عن معاوية: "أنّ النبيّ ﷺ نهى عن الأغلوطات".
رواه أبو داود (٣٦٥٦) عن إبراهيم بن موسى الرازيّ، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ، عن عبد اللَّه بن سعد، عن الصنابحيّ، عن معاوية، فذكره.
وعبد اللَّه بن سعد هو ابن فروة البجلي مولاهم الدّمشقيّ لم يوثقه أحد، وإنّما ذكره ابن حبان في الثّقات وقال: "يخطئ". وقال أبو حاتم: "مجهول".
ومن طريقه رواه الإمام أحمد (٥/ ٤٣٥)، والطَّبرانيّ في الكبير (١٩/ ٩٨٢)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٦٣٥)، والبيهقي في "المدخل" (٣٠٤).
و"الأغلوطات" قال الأوزاعيّ: شِداد المسائل وصِعابها.
стр. 878
وقال الخطّابي: "نهى أن يُعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط، ليُستنزلوا بها، ويسقط رأيهم فيها، وفيه كراهية التّعمق والتّكلف لما لا حاجة بالإنسان إليه من المسألة، ووجوب التوقف عما لا علم للمسؤول به".
انظر: معالم السنن، وغريب الحديث (١/ ٣٥٤) له.
٢٠ - باب ما جاء من الوعيد للعالم الذي لا يعمل بعلمه، وإن كان علمه ينتفع به غيره
قال اللَّه تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف: ٢ - ٣].
قد شبه اللَّه اليهود بالحمار في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الجمعة: ٥].
• عن أسامة بن زيد، قال: قيل له: ألا تدخلُ على عثمان فتُكلِّمَه؟ فقال: أترونَ أنِّي لا أُكلِّمه إِلَّا أُسمِعُكم؟ واللَّه! لقد كلَّمْتُه فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتَح أمرًا لا أُحبُّ أن أكونَ أوّل مَنْ فتحه، ولا أقول لأحد يكون عليَّ أميرًا: إنّه خير النّاس بعد ما سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يؤتى بالرّجل يوم القيامة، فيلقى في النّار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرَّحى، فيجتمعُ إليه أهل النّار. فيقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تكنْ تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر، فيقول: بلى قد كنتُ آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنْهى عن المنْكر وآتيه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٦٧)، ومسلم في الزّهد والرّقائق (٢٩٨٩) كلاهما من طريق الأعمش، عن شقيق، عن أسامة بن زيد، فذكره.
قوله: "فتندلق أقتاب بطنه". أقتاب: جمع قِتْب -بكسر القاف وسكون المثناة- وهي الأمعاء، واندلاقها خروجها بسرعة.
• عن زيد بن أرقم، أنّ النبيّ ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ! إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يستجاب لها".
صحيح: رواه مسلم في الذّكر والدّعاء (٣٧٢٢) من حديث أبي معاوية، عن عاصم، عن عبد اللَّه بن
стр. 879
الحارث، وعن أبي عثمان النّهديّ، عن زيد بن أرقم، فذكره في حديث أطول، وسيأتي في موضعه.
• عن أبي برزة الأسلميّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه".
حسن: رواه الترمذيّ (٢٤١٧) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا الأسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد اللَّه بن جريج، عن أبي برزة الأسلميّ، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وفي معناه ما رُوي عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربِّه حتّى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم".
رواه الترمذيّ (٢٤١٦) عن حُميد بن مسعدة، حدّثنا حصين بن نُمير أبو مِحْصن، حدّثنا حسين ابن قيس الرّحبيّ، حدّثنا عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، عن ابن مسعود، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ إِلَّا من حديث الحسين بن قيس، والحسين يضعّف في الحديث من قبل حفظه".
• عن أسامة بن زيد، قال: سمعتُ رسول اللَّه يقول: "يؤتى بالرّجل الذي كان يطاع في معصية اللَّه، فيُقْذف في النّار، فتندلِقُ به أقتابه، فيستدير فيها كما يستديرُ الحمار في الرَّحى، فيأتي عليه أهلُ طاعته من النّاس فيقولون: أيْ فُلُ! أين ما كنتَ تأمرُنا به؟ فيقول: إنّي كنتُ آمرُكم بأمر وأخالفُكم إلى غيره".
حسن: رواه أحمد (٢١٧٩٤) عن عبد الصمد، ثنا حمّاد، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قيل لأسامة بن زيد، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم -وهو ابن أبي النّجود- فإنّه صدوق، وباقي رجاله ثقات. ورواه الحاكم (٤/ ٨٩) من هذا الوجه، وصحّحه.
• عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مررتُ ليلة أُسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أهل الدُّنيا ممّن كانوا يأمرون النّاس بالبر، وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون".
صحيح: رواه أحمد (١٢٢١١) عن وكيع، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، فذكر الحديث.
وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف علي بن زيد، وهو ابن جُدعان، لكنّه متابع.
فرواه أبو يعلى (٤٠٦٩) من طريق معتمر بن سليمان.
стр. 880
وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٧٢) من طريق ابن المبارك كلاهما عن سليمان التيميّ، عن أنس، والإسنادان صحيحان. ورواه ابن حبان (٥٣) من وجه آخر عن أنس، وصحّحه.
• عن أبي تميمة عن جندب بن عبد اللَّه الأزديّ صاحب النّبيّ ﷺ قال: انطلقتُ أنا وهو إلى البصرة، حتّى أتينا مكانًا يقال له: بيت المسكين، وهو من البصرة على مثل الثَّوِيَّة من الكوفة، فقال: هل كنت تدارس أحدًا القرآن؟ قلت: نعم، قال: فإذا أتينا البصرة، فأتني بهم، فأتيته بصالح بن مسرح، وبأبي بلال، ونَجدة، ونافع بن الأزرق، وهم في نفسي يومئذ من أفاضل أهل البصرة، فأنشأ يحدِّثني عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال جندب: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثلُ العالم الذي يعلِّمُ النَّاسَ الخيرَ وينسى نفسه، كمثل السِّراج يُضيء للنّاس ويُحْرق نفسه". وقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يَحُولَنَّ بين أحدِكم وبين الجنّة وهو ينظر إلى أبوابها مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دم مُسلمٍ أَهْراقَهُ ظُلْمًا". قال: فتكلّم القومُ، فذكروا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، - وهو ساكت يستمع منهم، ثم قال: لم أرَ كاليوم قطّ أحقّ بالنّجاة إن كانوا صادقين".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (١٦٨١) من طريق هشام بن عمار، عن علي بن سليمان الكلبي، حدثني الأعمش، عن أبي تميمة، عن جندب بن عبد اللَّه الأزديّ، فذكر الحديث.
وإسناده حسن من أجل علي بن سليمان الكلبي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا، صالح الحديث، ليس بالمشهور.
وقد جاء عن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أنه قال: "يُفسد الزّمان ثلاثة: أئمّة مضلّون، وجدال منافق بالقرآن -والقرآن حقّ-، وزلّة العالم". انظر تخريجه في "المدخل" (٨٣٣).
وعن ابن عباس، قال: "ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: وكيف ذلك يا ابن عباس؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى من هو أعلم منه برسول اللَّه ﷺ منه فيخبره ويرجع، ويقضي الأتباع بما حكم". "المدخل" (٨٣٦).
وعن أبي الدّرداء قال: "إنّي لآمركم بالأمر، وما أفعله، ولكن لعلّ اللَّه أن يأجرني فيه". المدخل (٨٣٨).
وأنشأ ابنُ عيينة يقول:
خذ بعلمي وإن قصرتُ في عملي ... ينفعك علمي ولا يضرُّك تقصيري
وعن ابن عباس قال: "خذ الحكمة ممن سمعت، فإنّ الرّجل يتكلّم بالحكمة وليس بالحكيم، فتكون كالرمية خرجت من غير رامٍ". "المدخل" (٨٤٣).
وعن سعيد بن أبي بردة، قال: "كان يقال: الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيث وجدها".
стр. 881
"المدخل" (٨٤٤).
وروي مرفوعًا ولا يصح، رواه الترمذيّ (٢٦٨٧)، وابن ماجه (٤١٦٩) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن نمير، عن إبراهيم بن الفضل، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، مرفوعًا، ولفظه: "الحكمة ضالّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقُّ بها".
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المخزوميّ ضعيف في الحديث".
قلت: وهو كما قال فإنّ إبراهيم بن الفضل المخزوميّ المدنيّ أبو إسحاق، ويقال: إبراهيم بن إسحاق، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، وقال الدّارقطنيّ: "متروك"، واعتمده الحافظ في التقريب.
٢١ - باب ما رُوي في حفظ أربعين حديثًا
رُوي في هذا الباب عن عدد من الصحابة، منهم: أنس، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وكلّها معلولة لا يثبت منها شيء.
ومن ذلك ما رُوي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا: "من حفظ على أمّتي أربعين حديثًا من السنة حتّى يؤديها إليهم كنت له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة".
رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠٥) بإسناد فيه يعقوب بن إسحاق العسقلانيّ، وهو متهم بالكذب، ثم قال ابن عبد البر: "هذا أحسن إسناد جاء به هذا الحديث، ولكنه غير محفوظ، ولا معروف من حديث مالك، ومن رواه عن مالك فقد أخطأ عليه، وأضاف ما ليس من روايته إليه". انتهى.
ويعقوب بن إسحاق العسقلانيّ، قال فيه الذهبيّ في الميزان (٤/ ٤٤٩): "كذّاب".
وكذا قال أيضًا في "تذكرة الحفّاظ" (٤/ ١٢٣٩): "هذا مما تحرم روايته إلّا مقرونًا بأنّه مكذوب من غير تردّد، وقبَّح اللَّهُ مَنْ وضعه".
стр. 882
٤ - كتاب الطهارة
١ - باب الوضوء بماء البحر
• عن المغيرة بن أبي بردة أنه سمع أبا هريرة يقول: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! إنا نركبُ البحْرَ، ونَحْمِلُ معنا القَليلَ من الماء، فإن توضَّأنا به عَطِشْنا، أفنتوضَّأُ به؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هو الطَّهور ماؤه، الحِلُّ ميتتُه".
صحيح: رواه مالك في الطهارة (١٢) عن صفوان بن سُليم، عن سعيد بن سلمة -من آل بني الأزرق- عن المغيرة بن أبي بُرْدة -وهو من بني عبد الدار- فذكر الحديث. ومن طريق مالك رواه أبو داود (٨٣) والترمذي (٦٩) والنسائي (٥٩) وابن ماجه (٣٨٦).
وكون بعض الرواة أدخلوا بين المغيرة بن أبي بردة وأبي هريرة (أبا بردة) لا يضر بصحة الحديث؛ فإن المغيرة بن أبي بردة صرَّح بأنه سمع من أبي هريرة.
صححه البخاري فيما حكي عنه الترمذيّ في العلل (١/ ١٣٦)، قال الترمذيّ: قلت: هُشيم يقول في هذا الحديث: "المغيرة بن أبي برزة"، فقال البخاري: وهم فيه، وإنما هو المغيرة بن أبي بردة، وهُشيم بهم في الإسناد، وهو في المقطعات أحفظ".
أما الترمذيّ نفسه فقال: حسن صحيح. وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (١/ ٥٩) وابن حبان (١٢٤٣) وقال الحاكم (١/ ١٤٠ - ١٤٢): "هو أصل صدَّر به مالك كتاب الموطأ، وتداوله فقهاء الإسلام من عصره إلى وقتنا هذا".
كذا قال وليس كذلك بل مالك صدّر كتابه بحديث جبريل في وقوت الصّلاة.
• عن جابر أن النبي ﷺ سُئل عن ماء البحر، فقال: "هو الطَّهور ماؤه، الحل ميتَتُه".
حسن: رواه ابن ماجه (٣٨٨)، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو القاسم بن أبي الزّناد، قال: حدثني إسحاق بن حازم، عن عبد اللَّه -وهو ابن مِقْسم- عن جابر، فذكر الحديث.
إسناده حسن؛ رجاله ثقات غير أبي القاسم بن أبي الزّناد، فهو ليس به بأس، وإسحاق بن حازم صدوق.
وقال الحافظ أبو علي بن السكن: حديث جابر أصحّ ما روي في هذا الباب، وأخرجه في سننه "الصّحاح المأثورة"، انظر: "تحفة المحتاج" (١/ ١٣٦ برقم ٣) "التلخيص" (١/ ١١).
والحديث في مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٧٣) ومن طريقه رواه أيضًا ابن خزيمة (١١٢) وابن حبان (١٢٤٤).
стр. 883
وأخرجه أيضًا الحاكم (١/ ١٤٣) شاهدا لحديث أبي هريرة، ولكن من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر مثله. وأبو الزبير مدلس وقد عنعن.
وفي الباب عن علي بن أبي طالب رواه الدارقطني (١/ ٣٥) والحاكم (١/ ١٤٢) وسكت عليه الحاكم.
قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٢): من طريق أهل البيت وفي إسناده من لا يُعرف.
وعن أنس بن مالك رواه عبد الرزراق (٣٢٠) والدارقطني (١/ ٣٥) عن الثوري، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس قال الدارقطني: أبان متروك.
وعن ابن عباس رواه الدارقطني والحاكم، وصحَّح الدارقطني وقفه.
وعن عبد اللَّه بن عمرو، رواه الدارقطني والحاكم من جهة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وسكت عليه الحاكم: وهو من طريق المثنى، عن عمرو بن شعيب قال الحافظ: والمثنى ضعيف.
ومن حديث أبي بكر الصديق رواه الدارقطني، وفي سنده عبد العزيز بن عمران وهو ابن أبي ثابت. قال الذهبي: مجمع على ضعفه.
وله طريق آخر إلا أنه موقوف.
ومن حديث ابن الفراس رواه ابن ماجه.
قال الترمذيّ: سألت محمدًا عنه فقال: هذا مرسل، لم يدرك ابن الفراس النبي ﷺ والفراس له صحبة. قال الحافظ: "فعلى هذا كأنه سقط من الرواية: عن أبيه، أو أن قوله: ابن - زيادة، فقد ذكر الإمام البخاري أن مسلم بن مخشي لم يدرك الفراس نفسه، وإنما يروى عن ابنه، وإن الابن ليس له صحبة. وقد رواه البيهقي من طريق شيخ شيخ ابن ماجه - يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن مسلم بن مخشي أنه حدثه أن الفراس قال: كنت أصيد. . فهذا السياق مجود، وهو على رأي البخاري مرسل" انظر للمزيد: نصب الراية (١/ ٩٩).
وأما حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ فلم يصح، وهو ما رواه أبو داود (٨٤) والترمذي (٨٨) وابن ماجه (٣٨٤) أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: "ما في إداوتك؟ " قال: نبيذ. قال: "تمر طيبة وماء طهور" فإن مداره على أبي زيد، عن ابن مسعود، وهو رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث كما قال الترمذيّ، وقال البخاري: "أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود رجل مجهول، لا يُعرف بصحبة عبد اللَّه".
وقال ابن عبد البر: "أبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول عندهم، لا يعرف، وحديثه عن ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ منكر لا أصل له، ولا رواه من يوثق به، ولا يثبت".
قلت: وقد روى مسلم (٤٥٠) بإسناده عن ابن مسعود قال: "لم أكن مع رسول اللَّه ﷺ ليلة الجن، ووددت أني كنت معه".
стр. 884
وروي أيضًا عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء" وهو حديث منكر، رواه الدارقطني (١/ ٧٥) والبيهقي (١/ ١٢) من حديث المسيب بن واضح، نا مبشر ابن إسماعيل، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قال البيهقي في السنن الكبري (١/ ١١): "هذا حديث مختلف فيه على المسيب بن واضح، وهو واهم فيه في موضعين: في ذكر ابن عباس، وفي ذكر النبي ﷺ ، والمحفوظ من قول عكرمة غير مرفوع"، انتهى.
٢ - باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده في الإناء قبل غسلهما
• عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يُدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين بانت يدُه".
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٩) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره.
ورواه البخاريّ في الوضوء (١٦٢) من طريق مالك، به. إلا أنّه جمع هذا الحديث مع حديث: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر"، ولعله لاتحاد سندهما، وأما مالك ففرَّقه، وكذا مسلم؛ فإنه رواه في الطهارة (٢٧٨) من طريق المغيرة الحِزامي، عن أبي الزّناد عنه به، ورواه أيضًا من طرق أخرى عن أبي هريرة.
٣ - باب أن الماء إذا كان قُلَّتين لا يُنَجِّسه شيء
• عن عبد اللَّه بن عمر قال: سئل رسول اللَّه ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبَث".
صحيح: رواه أبو داود (٦٣، ٦٤) والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢) وابن ماجه (٥١٧) كلّهم عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه عبد اللَّه بن عمر، إلا الترمذيّ فإنه قال: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر.
وإسناده صحيح، وصحّحه أيضًا ابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١٢٤٩)، والحاكم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) وقال: صحيح على شرط الشّيخين، فقد احتجاج بجميع رواته ولم يخرجاه وأظنّهما -واللَّه أعلم- لم يخرجاه لخلاف فيه على أبي أسامة، عن الوليد بن كثير. انتهى
وعبيد اللَّه المصغَّر وعبد اللَّه المكبر كلاهما ثقتان، يرويان عن أبيهما عبد اللَّه بن عمر، كنية عبيد اللَّه أبو بكر، وهو شقيق سالم، وكنية عبد اللَّه أبو عبد الرحمن المدني، توفي عبيد اللَّه سنة ١٠٦ هـ، وتوفي عبد اللَّه سنة ١٠٥ هـ.
انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٢٧٨).
وقوله: (ينوبه) إذا تردد إليه مرة بعد مرة، ونوبة بعد نوبة، مِن ناب المكان وانتابه.
стр. 885
والقُلّة: إناء للعرب كالجرة الكبيرة، وقد قدرها الفقهاء مائتين وخمسين رطلا إلى ثلاثمائة.
• عن ابن عباس قال: اغتسل بعضُ أزواج النبي ﷺ في جَفْنةٍ، فجاء النبي ﷺ ليتوضّأَ منها -أو يغتسلَ- فقالت له: يا رسول اللَّه! إني كنت جنبًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الماء لا يُجْنِبُ".
حسن: رواه أبو داود (٦٨) والترمذي (٦٥) والنسائي (٣٢٥) وابن ماجه (٣٧٠، ٣٧١) كلّهم من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قال الترمذيّ: حسن صحيح.
قلت: إسناده حسن لأجل سماك بن حرب، وقد أعِلَّ بأنه كان يقبل التلقين، ولكن رواه ابن خزيمة (٩١)، من طريق شعبة عنه، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم. وصحَّحه أيضًا ابن حبان (١٢٤٢)، والحاكم (١/ ١٥٩) كلاهما من هذا الوجه، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيحٌ في الطهارة ولم يُخرجاه، ولا يُحفظ له علَّة". والجَفْنةُ: القصعة الكبيرة.
• عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول اللَّه! أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يُطرح فيها الحيضُ ولحوم الكلاب والنَّتْنُ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "الماء طهور لا يُنَجِّسه شيء".
حسن: رواه أبو داود (٦٦) والترمذي (٦٦) والنسائي (٣٢٦) كلّهم من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب القُرَظي، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري.
قال أبو سعيد في رواية عند النسائي: مررت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النَّتْن؟ فقال: "الماء لا ينجسه شيء".
قال الترمذيّ: حديث حسن، وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث؛ فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة (عن الوليد بن كثير)، وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. انتهى.
قلت: إسناده حسن لغيره ورجاله ثقات غير عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع؛ فلم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٧١).
ولكن للحديث طرق أخرى كما قال الترمذيّ، منها ما رواه أبو داود (٦٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو يقال له: إنه يُستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحومُ الكلاب والمحايِض وعِذَر النّاس، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الماء طهور لا ينجسه شيء".
محمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وسليط بن أيوب ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٣٠)
стр. 886
وقال الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة.
ورواه النسائي (٣٢٨) من طريق مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: مررت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن؟ فقال: "الماء لا ينجسه شيء".
وفيه خالد بن أبي نوف، ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٦٤) وقال الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة.
وللحديث أسانيد أخرى كلها معلولة؛ ولذا نقل ابن الجوزي عن الدارقطني أنّه قال: "إنّه ليس بثابت". وتعقَّبه النووي في الخُلاصة (١/ ٦٥) فقال: حسَّنه الترمذيّ، وفي بعض النسخ: "حسن صحيح" وقال الإمام أحمد بن حنبل: "هو صحيح" وكذا قال آخرون، وقولهم مقدَّمٌ على قول الدارقطني: "إنَّه غير ثابت". انتهى.
وكذلك صحَّحه أيضًا يحيى بن معين، وأبو محمد بن حزم كما في "التلخيص الحبير" (١/ ١٣).
وأمّا قول الدارقطني: "إنّه ليس بثابتٍ" فيقول الحافظ: "ولم نر ذلك في العلل له ولا في السنن" انتهى.
قلت: قاله الدّارقطني في حديث أبي هريرة في العلل (٨/ ١٥٧).
ثم إن صحَّ هذا الحديث المطلق فهو مقيد بحديث ابن عمر السابق، وهو أن يكون الماء قلتين فأكثر ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه، فهو طاهر بالإجماع كما حكاه ابن المنذر في كتابه "الإجماع" (ص ٣٣).
وأمّا الأحاديث الواردة عن ثوبان، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "الماء طهور إلّا ما غلب على طعمه أو ريحه". رواه الدّارقطني وغيره، فهو ضعيف.
وكذلك ما روي عن أبي أمامة عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ الماء لا ينجسه شيء إلّا ما غلب على طعمه وريحه ولونه".
رواه ابن ماجه (٥٢١) وغيره، فهو ضعيف أيضًا.
وكذلك لا يصح ما روي عن جابر بن عبد اللَّه، رواه ابن ماجه (٥٢٠) وفيه طريف بن شهاب أجمعوا على تضعيفه.
وفي الباب ما رُوي عن سهل بن سعد السّاعديّ قال: "سقيتُ رسول اللَّه ﷺ بيدي من بضاعة".
رواه الإمام أحمد (٢٢٨٦٠) عن حسين بن محمد، حدّثنا الفضيل -يعني ابن سليمان-، حدّثنا محمد بن أبي يحيى، عن أمّه، قالت: سمعت سهل بن سعد يقول (فذكر الحديث).
ورواه الدّارقطنيّ (٤٨) من وجه آخر عن فضيل بن سليمان النّميريّ، عن أبي حازم، عن سهل ابن سعد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء".
وإسناده ضعيف من أجل الكلام في فضيل بن سليمان النميريّ، فقد ضعّفه ابن معين والنسائي،
стр. 887
وقال أبو زرعة: لين الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ليس بالقوي.
قلت: روى له الجماعة وكان علي بن المديني مع تعنته في الرجال روي عنه، فلعله انتقى من حديثه.
ولا تنفعه متابعة حاتم بن إسماعيل لاضطرابه في إسناده فقد رواه أبو يعلى (٧٥١٩)، والطبرانيّ في الكبير (٦٠٢٦)، والبيهقيّ في السنن (١/ ٢٥٩)، وفي المعرفة (١٨٢٣) كلّهم من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى، عن أبيه، قال: دخلتُ على سهل بن سعد السّاعدي في نسوة فقال: "لو أني أسقيكم من بضاعة لكرهتم ذلك، وقد -واللَّه- سقيتُ رسول اللَّه ﷺ بيدي منها".
قال البيهقي: هذا إسناد حسن موصول.
ولكن رواه الطحاوي في شرحه (٤) من هذا الطريق وقال: "عن أمه" بدلا من "أبيه" وهو موافق لما رواه الفضيل بن سليمان عند الإمام أحمد، وأمُّه لا تعرف من هي وما حالها، فكيف يكون إسناده حسنًا مع اضطرابه في الإسناد والمتن.
وله إسناد آخر أضعف من هذا وهو ما رواه القاسم بن أصبغ في "مصنفه" قال: ثنا محمد بن وضاح، ثنا عبد الصمد بن أبي سكينة الحلبي بحلب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: قالوا: يا رسول اللَّه! إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وفيها ما يُنجي الناسُ والمحائض والخبث، فقال رسول اللَّه ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء".
وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن في مستخرجه على سنن أبي داود: حدّثنا محمد بن وضاح به، قال ابن وضاح: لقيت ابن أبي سكينة بحلب، فذكره. وقال قاسم بن أصبغ: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة، وقال ابن حزم: عبد الصمد ثقة مشهور، قال قاسم: ويروى عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق هذا خيرها، فاعلم ذلك. انتهى كلام ابن القطّان.
وقال الحافظ: ابن أبي سكينة الذي زعم ابن حزم أنه مشهور، قال ابن عبد البر وغير واحد: إنه مجهول، ولم نجد عنه راويا إلا محمد بن وضاح. انتهى.
انظر: التلخيص الحبير (١/ ١٣).
قلت: وهو كما قال فإنّي لم أقف على ترجمته في الكتب المتداولة، فكيف يكون مثله مشهورًا؟ ! .
فائدة:
قال الشافعي: كانت بئر بضاعة كبيرة واسعة، وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونًا ولا طعمًا ولا يظهر له ريح.
وقال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عُمُقِها قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة
стр. 888
بردائي مددته عليها ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغير اللون. انتهى
قلت: لعل ذلك لطول المكث وعدم الاستعمال به.
وقوله: يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن، قال الخطابيّ في "معالم السنن" (١/ ٧٣): قد يتوهم كثير من النّاس إذا سمع هذا الحديث أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدا وتعمدا، وهذا ما لا يجوز أن يُظن بذمي، بل بوثني، فضلا عن مسلم، ولم يزل من عادة النّاس قديما وحديثا، مسلمهم وكافرهم تَنْزيه المياه وصونها عن النجاسات، فكيف يظن بأهل ذلك الزمان -وهم أعلى طبقات أهل الدين، وأفضل جماعة المسلمين، والماء في بلادهم أعز، والحاجة إليه أمسّ- أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له، وقد لعن رسول اللَّه ﷺ من تغوّط في موارد الماء ومشارعه، فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدًا للأنجاس ومطرحا للأقذار؟ ! هذا ما لا يليق بحالهم، وإنما كان هذا من أجل أن هذه البئر موضعها في حَدور من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية، وتحملها فتلقيها فيها، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء، ولا يغيره، فسألوا رسول اللَّه ﷺ عن شأنها. . .
٤ - باب مصافحة الجنب
• عن أبي هريرة قال: لقيني رسول اللَّه ﷺ وأنا جنب، فأخذ بيدي فمشيتُ معه حتى قعد، فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت، ثم جئت وهو قاعد، فقال: "أين كنت يا أبا هريرة؟ "، فقلت له، فقال: "سبحان اللَّه يا أبا هريرة! إن المؤمن لا ينجُس".
متفق عليه: رواه البخاري (٢٨٥)، واللّفظ له، ومسلم في الحيض (٣٧١)، كلاهما عن أبي رافع، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
• عن حذيفة أن رسول اللَّه ﷺ لقيه وهو جنب، فحاد عنه، فاغتسل، ثم جاء فقال: كنت جُنبًا، قال ﷺ : "إن المسلم لا ينجس".
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٧٢). عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب قالا: حدّثنا وكيع، عن مِسْعَرٍ، عن وَاصِل، عن أبي وائل، عن حذيفة فذكر الحديث.
٥ - باب استعمال أواني النّحاس للوضوء وغيره
• عن عبد اللَّه بن زيد قال: أتى رسولُ اللَّه ﷺ ، فأخرجنا له ماءً في تَوْرٍ من صُفْر، فتوضأ، فغسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين مرتين، ومسح برأسه فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (١٩٧) ومسلم في الطهارة (٢٣٥: ١٨) كلاهما من
стр. 889
حديث عبد اللَّه بن زيد بن عاصم، واللّفظ للبخاريّ، وهذا مختصر من حديث طويل في صفة وضوء النبي ﷺ . انظر: كتاب الوضوء.
والصُّفْر هو: النحاس. والتور -بفتح المثناة-: شبه الطست، وقيل: هو الطست.
وفي الباب عن زينب بنت جحش أنه كان لها مِخْضب من صُفر، قالت: كنتُ أُرَجَّل رأس رسول اللَّه ﷺ فيه.
رواه ابن ماجه (٤٧٢) قال: حدّثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن جحش، عن أبيه، عن زينب بنت جحش، فذكر الحديث.
قال البوصيري في زوائده: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
قُلت: ليس كما قال؛ فإنّ عبد العزيز بن محمد الدّراورديّ يغلط في أحاديث عبد اللَّه بن عمر العمريّ المكبّر الضّعيف، فيجعلها عن عبيد اللَّه بن عمر المصغّر الثّقة، قال الإمام أحمد: ربما قلب حديث عبد اللَّه بن عمر يرويها عن عبد اللَّه بن عمر.
وقال أيضًا: ما حدّث عن عبيد اللَّه بن عمر فهو عن عبد اللَّه بن عمر.
وقال النسائي: حديثه عن عبيد اللَّه منكر.
وهذا هو الصّحيح فإنّ هذا الحديث هو عن عبد اللَّه بن عمر العمري، رواه الإمام أحمد (٢٦٨٥٢) عن حماد بن خالد، عنه، عن إبراهيم بن محمد، عن أبيه، عن زينب بنت جحش، فذكرتْ نحوه.
قال الدّارقطنيّ في العلل ١٥/ ٣٨٢: لا أعلم رواه عن عبيد اللَّه غير الدراورديّ. ثم ذكر الاختلاف فيه على الدراوردي، وعلي عبد اللَّه بن عمر العمريّ ثم قال: والحديث شديد الاضطراب. اهـ.
٦ - باب حكم ولوغ الكلب في الإناء
• عن أبي هريرة أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات".
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٣٥) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
ومن طريقه البخاري في الوضوء (١٧٢) ومسلم في الطهارة (٢٧٩).
وفي رواية عند مسلم من طريق علي بن مسهر، نا الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة "فليرقه"، ورواه من طريق إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش بهذا الإسناد، ولم يقل: "فليرقه".
قال النسائي (١/ ٥٣): لا أعلم أحدا تابع عَلِيَّ بن مسهر على قوله: "فليرقه".
стр. 890
وفي رواية عنده -أي عند مسلم-: "أُولاهُنَّ بالتراب".
وفي رواية عند أبي داود (٧٣) من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مثله، وزاد: "السابعة بالتراب"، قال أبو داود: وأما أبو صالح وأبو رزين والأعرج وثابت الأحنف وهمام بن منبه وأبو السدي عبد الرحمن رووه عن أبي هريرة ولم يذكروا التراب. فيكون ذكر التراب في المرة السابعة شاذا، والمحفوظ: "أولاهن"، وهو الذي رواه مسلم من طريق محمد بن سيرين، فالظاهر أن الذي زاده يكون من بعده. وانظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٢٣٧).
• عن عبد اللَّه بنُ المُغفَّل قال: أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالُهم وبالُ الكلاب؟ "، ثم رخَّصَ في كلب الصيدِ وكلب الغَنَم، وقال: "إذا وَلَغَ الكلبُ في الإناءِ فاغْسِلُوه سبعَ مرات، وعَفِّرُوه الثامنةَ في التراب".
وفي رواية: ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع.
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٨٠). من طريق شعبة، عن أبي التيَّاح. سمع مُطَرِّفَ بن عبد اللَّه يحدث عن ابن المُغَفَّل فذكر الحديث.
قوله (عَفِّروه): من العَفَر -بفتحتين- وهو وجه الأرض، ويطلق على التراب، وعفرت الإناء عفرا: دلكته بالعفر.
• عن عمران بن حصين، قال: "شربنا ونحن أربعون رجلًا عِطاشٌ، من مزادة امرأة مشركةٍ، وغسَّلنا صاحبنا (الجنب) ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٧١)، ومسلمٌ في المساجدِ (٦٨٢)، كلاهما من حديث سلْم بن زريرٍ، قال: سمعت أبا رجاء العُطاردي، قال: حدَّثنا عمران بن حصين. . فذكر الحديث، في حديثٍ طويلٍ، سيأتي بتمامه في دلائل النبوَّةِ.
وأمّا المشهور في كتب الفقهِ، وكتب الحديث الجامعة لأدلَّة الأحكام، كالمنتقى لمجد الدين ابن تيمية، والمحرر لابن عبد الهادي، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر: أنّ النبيَّ ﷺ وأصحابه توضَّؤوا من مَزادة امرأةٍ مشركة. فلم أجده بهذا اللفظِ، والظاهر أنَّهم أخذوا بالمعنى. .
وقوله: "المزادة" بفتح الميم والزاي: قِربة كبيرة، يزاد فيها جلدٌ من غيرها.
أمَّا بقيَّة أحاديثِ الأواني من الذهب والفضَّة وغيرهما، فستأتي في كتاب الأطعمة والأشربة -إن شاء اللَّه تعالى-.
٧ - باب طهارة سؤر الهِرّة
• عن حُميدة بنت أبي عُبَيدة بن فروة، عن خالتها كَبْشةَ بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة الأنصاري، أنها أخبرتْها أن أبا قتادةَ دخل عليها فسَكَبتُ
стр. 891
له وضوءًا، فجاءت هِرّةٌ لتشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربتْ، قالت كَبْشةُ: فرآني أنظر إليه، فقال: أتَعْجَبين يا ابنةَ أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنها ليستْ بنجسٍ؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات".
حسن: رواه مالك في الطهارة (١٣) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن حُميدة بنت أبي عبيدة، فذكرت الحديث.
وعن مالك رواه أبو داود (٧٥) والترمذي (٩٢) والنسائي (٦٨) وابن ماجه (٣٦٧).
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
قلت: رجاله ثقات، رجال الشيخين غير حُميدة بنت أبي عُبيدة ذكرها ابن حبان في الثقات، وتصحيح الترمذيّ للحديث دليل على توثيقه إياها، ونقل الحافظ في التلخيص تصحيحه أيضًا عن البخاري والدارقطني والعقيلي.
قال البيهقي (١/ ٢٤٥) قال أبو عيسى: سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: جوَّد مالك بن أنس هذا الحديث، وروايته أصح من رواية غيره.
قال البيهقي: وقد رواه حسين المعلم بقريب من رواية مالك، ثم رواه من طريقه ومن طريق همام بن يحيى كلاهما عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أم يحيى، عن خالتها بنت كعب (وكانت عند عبد اللَّه بن أبي قتادة) فذكر الحديث. وذكر له طرقًا أخرى ثم قال: وكل ذلك شاهد لصحة رواية مالك. انتهى.
قلت: ورواه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (١٠٤)، وابن حبان (١٢٩٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٦٠) من طريق مالك.
قال الحاكم: "صحيح لم يخرجاه، على أنهما على ما أصَّلاه في تركه غير أنهما قد شهدا جميعًا لمالك بن أنس أنه الحكم في حديث المدنيين، وهذا الحديث مما صحّحه مالك، واحتج به في الموطأ". انتهى.
وللحديث شاهد عن عائشة رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم إلا أنه لا يخلو طريق منها من ضعيف أو مجهول.
هذا هو الصحيح الثابت في طهارة سؤر الهِرّة.
وأما ما روي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "يُغسل الإناء إذا ولغ الكلب فيه سبع مرات، وإذا ولغت الهرُ غُسل مرة" فهو ضعيف؛ فإن ذكر ولوغ الهِرّ موقوف على أبي هريرة، فقد رواه أبو داود (٧٢) عن مسدد، عن المغيرة بن سليمان، (ح) وعن محمد بن عبيد، ثنا حماد بن زيد، جميعًا عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ولم يرفعاه، وزاد: "وإذا ولغ الهر غسل مرة"، وذلك بعد أن رواه عن أحمد بن يونس، ثنا زائدة في حديث هشام، عن محمد بن سيرين، عنه مرفوعا في
стр. 892
ولوغ الكلب في إناء أحدكم، كما رواه مسلم وغيره، وسبق ذلك في الباب الذي قبل هذا.
ورواه الترمذيّ (٩١) عن سوّار بن عبد اللَّه العنبري، ثنا المعتمر بن سليمان، به مرفوعا، وقال: ورُوِي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا، ولم يذكر فيه: "إذا ولغتْ فيه الهرةُ غُسِل مرةً".
وقال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١/ ٣١١) بعد أن أخرج الحديث من طريق أبي داود، عن مسدد: "وأما حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: "إذا ولغ الهر غسل مرة" فقد أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي ﷺ في ولوغ الكلب، ووهموا فيه، والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي الهر موقوف".
٨ - باب خصال الفطرة
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٨٩، ٥٨٩١، ٦٢٩٧) ومسلم في الطهارة (٢٥٧). كلاهما من حديث ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
وقوله: "الاستحداد" معناه حلق العانة، وسُمِّي استحدادًا لاستعمال الحديدة. وهي الموسى.
• عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين؛ وفِّروا اللِّحَى، واحفوا الشوارب".
وكان ابن عمر إذا حجّ أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه.
وفي رواية: "أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في اللباس (٥٨٩٢، ٥٨٩٣) واللّفظ له، ومسلم في الطهارة (٢٥٩) وفيه: "أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى" وفي لفظ: "أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى"، وفي لفظ عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية.
ولم يذكر مسلم أن ابن عمر إذا حجّ أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد أخذه.
رواه البخاري بالإسناد السابق.
وأخرجه أيضًا مالك في الموطأ في الحج (١٨٧) عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرةٍ أخذ من لحيته وشاربه.
وإحفاء الشارب معناه: أن يؤخذ منه حتى يحفى ويرق، وقد يكون أيضًا معناه: الاستقصاء في أخذه، من قولك: (أحفيت في المسألة) إذا استقصيت فيها، أفاده الخطابي.
وسوف يأتي من حديث أبي هريرة: "جزُّوا الشوارب". والجزُّ هو قطع الصوف من الخروف،
стр. 893
ولا يكون فيه الاستقصاء، أو الاستئصال؛ ولذا ذهب كثير من السلف إلى منع الحلق والاستئصال منهم الإمام مالك، كان يرى تأديب من حلقه. فالمختار هو القص حتى يبدو طرف الشفة، أو الإحفاء. وقد قيل للإمام أحمد: ترى للرجل يأخذ شاربه ويحفيه، أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصًّا فلا بأس.
• عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "عشْر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء".
قال زكريا: قال مصعب: ونسيتُ العاشرة، إلا أن تكون المضمضة.
زاد ابن قتيبة: قال وكيع: انقاص الماء يعني الاستنجاء.
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٦١). من حديث وكيع، عن زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن عائشة فذكرت الحديث.
قلت: هذا الحديث أخرجه أيضًا أحمد (٦/ ١٣٧) وأصحاب السنن: أبو داود (٥٣) والترمذي (٢٩٠٦) وابن ماجه (٢٩٣) والنسائي (٥٠٤٠) وقال النسائي بعد أن أخرج الحديث عن إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع به مثله. ثم رواه من طريق المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه سليمان التيمي قال: سمعتُ طلقًا يذكر عشرة من الفطرة، وكذلك رواه من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر جعفر بن إياس عن طلق بن حبيب قال: عشرة من السنة ثم قال: حديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة. ومصعب بن شيبة منكر الحديث". انتهى.
وممن تكلم في هذا الحديث أيضًا الدارقطني في العلل ١٤/ ٨٩ فرجَّح رواية سليمان التيمي وجعفر بن إياس على رواية مصعب بن شيبة قائلًا: هما أثبت من مصعب بن شيبة، وأصح حديثًا.
ونقل عن أحمد أنه قال: معصب بن شيبة أحاديثه مناكير منها: عشرة من الفطرة.
قال تقي الدين ابن دقيق العيد في الإمام: ولم يلتفت مسلم إلى هذه العلة، لأن مصعبًا عنده ثقة، والثقة إذا وصل حديثًا يقدم وصله على الإرسال". انظر: "نصب الراية" (١/ ٧٦).
وزاد السيوطي في تعليقه على سنن النسائي بعد أن نقل قول تقي الدين. قال: وقد يقال في تقوية رواية مصعب أن تثبته في الفرق بين ما حفظه، وبين ما شك فيه جهة مقوية لعدم الغفلة، ومن لا يُتَّهم بالكذب، إذا ظهر منه ما يدل على التثبت قَوِيتْ روايتُه. وأيضًا لروايته شاهدٌ صحيح مرفوع في كثير من هذا العدد من حديث أبي هريرة أخرجه الشيخان. انتهى.
وقوله: "البراجم" جمع برُجمة، وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "جُزّوا الشواربَ وأرخُوا اللِّحى؛
стр. 894
خالِفُوا المجوس".
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٦٠). من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرَقَةِ، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر الحديث.
وقوله: "أرخوا" و"أعفوا" و"أوفوا" معناها: توفيرها.
• عن أنس قال: وُقِّت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة؛ أن لا تترك أكثر من أربعين يومًا.
صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٥٨)، من حديث أبي عمران الجونيِّ، عن أنس فذكر الحديث. وحكمه مرفوع، وقد جاء التصريح بذلك في رواية أبي داود (٤٢٠٠) بقوله: "وقَّتَ لنا رسول اللَّه ﷺ . . . ".
• عن المغيرة بن شعبة، قال: ضِفتُ النبي -وفي رواية بالنبي ﷺ ذات ليلةٍ، فأمر بجنبٍ فشُوي. قال: فأخذ الشفرة، فجعل يجزُّ لي بها منه. قال: فجاء بلالٌ يؤْذِنه بالصلاة، فألقى الشفرة، وقال: "ما له؟ تربت يداه! " قال المغيرة: وكان شاربي وفَي فقصَّه لي رسول اللَّه ﷺ على سواكٍ، أو قال: "أقصُّه لك على سواك".
حسن: رواه أبو داود (١٨٨) والترمذي في الشمائل (١٥٩) كلاهما من طريق مسعر، عن أبي صخر جامع بن شداد، عن المغيرة بن عبد اللَّه (اليشكري) عن المغيرة بن شعبة فذكر الحديث. واللّفظ لأبي داود، ولفظ الترمذيّ مختصر، ومن هذا الطريق رواه أيضًا الإمام أحمد (١٨٢١٢). وإسناده حسنٌ؛ لأجل المغيرة بن عبد اللَّه اليشكري؛ فهو حسن الحديث، وانظر المزيد من التفصيل في كتاب الوضوء، باب ترك الوضوء مما مسَّته النّار.
• عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لم يأخذ شاربه فليس منَّا".
صحيح: رواه الترمذيّ (٢٧٦١) والنسائي (١٣) كلاهما من طريق يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم فذكر مثله.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
قلت: وهو كما قال؛ فإنّ رجاله ثقات، وإسناده صحيح، وقد جاء في بعض الروايات ذكر أبي رملة، وهو عبد اللَّه بن أبي أمامة الحارثي المدني بين حبيب بن يسار وبين زيد بن أرقم، فهو من المزيد في متَّصل الأسانيد.
وأمّا ما رُوي عن ابن عباس قال: كان النبيُّ ﷺ يقصُّ، أو يأخذ من شاربه، وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله. فهو ضعيف، رواه الترمذيّ (٢٧٦٠) من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكر مثله. وسماك هو ابن حرب بن أوس الكوفي، وهو "صدوق" لكن في روايته عن عكرمة
стр. 895
مضطربٌ، وقد تغيَّر بأخرة فكان ربَّما يتلقَّن، ولم أقف على من تابعه على روايته هذه. انظر بقية الأحاديث في كتاب الأدب واللباس.
٩ - باب ما جاء في الختان
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنةً بالقدُّومِ".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٦) ومسلم في كتاب الفضائل (٢٣٧٠) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدَّثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكر مثله.
وقوله: "بالقدُّوم" بالمشدَّدة في هذه الرواية. وفي رواية أخرى: عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزّناد: "بالقَدُوم" مخفَّفةٌ. رواه البخاري (٦٢٩٨) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة به.
والقدوم مخففًا اسم موضع بالشام، وبالتشديد: اسم للآلة وهو الفأس، والظاهر أنّ المقصود به إنّما هو الآلة، وهو الذي رجَّحه ابن القيم وغيره.
وحديث الباب لا يعارضه ما رُوي في بعض الأحاديث بأنَّه ﵇ اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنةً؛ فإنّه معلولٌ، رواه يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قوله. والمرفوع رواه أبو أويس وهو عبد اللَّه بن عبد اللَّه المدني، عن أبي الزّناد، فخالف المغيرةَ بن شعبة، وشعيبَ ابن أبي حمزة في روايتهما عن أبي الزّناد كما مضى. وروايتُهما أولى من رواية أبي أويس. وأبو أويس وإن كان من رجال مسلم إلَّا أنّه اختلفت فيه الرواية عن ابن معين؛ ففي رواية الدوري: في حديثه ضَعفٌ. ورُوِي عنه توثيقه. انظر للمزيد: "تحفة الودود بأحكام المولود" (٩٦ - ٩٨).
وأمّا توقيت الختان فلم يثبت فيه شيءٌ، إلَّا أنَّ وجوبه يكون عند البلوغ لأنّه حينئذٍ تجب عليه العبادات. وقد سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قُبض النبي ﷺ ؟ فقال: "أنا يومئذٍ مختونٌ". قال: "وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرك". رواه البخاريّ في الاستئذان (٦٢٩٩).
واختُلف في سنِّ ابن عباس عند وفاة رسول اللَّه ﷺ : فقال الزبير والواقدي: وُلد في الشِّعب قبل خروج بني هاشم منه قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول اللَّه ﷺ وله ثلاث عشرة سنة. وقيل غير ذلك.
قال الحافظ ابن القيم: والذي عليه أكثر أهل السير والأخبار: أنّ سِنَّه كان يوم وفاة رسول اللَّه ﷺ ثلاث عشرة سنة.
وأحاديث هذا الباب والذي قبله تدلُّ على أن الختان من سنن الفطرة وهو من شعائر الإسلام فلا ينبغي التهاون بها، وعلى الأولياء أن يبادروا إلى ختان صبيانهم قبل دخولهم في سن البلوغ.
أما إن أسلم مجوسيّ أو نصرانيّ فلا يؤمر بالختان لأنه ليس من شروط صحة دخوله في
стр. 896
الإسلام، ولكن إن تيسّر له ذلك بدون مشقة تتعلق بالمجتمع الذي يعيش فيه مثل المجتمع الإسلامي فليختتن، أما إذا كان في مجتمع كافر ويخشى إن اختتن أن يلحقه ضرر منهم فلا يختتن.
وقد سئلت اللجنة الدائمة: هل الختان شرط من شروط صحة الإسلام؟ فأجابت بقولها: "الختان من سنن الفطرة، في حق الرجال وفي حق النساء، وينبغي للدعاة إلى اللَّه سبحانه الإغضاء عن الكلام في الختان عند دعوة الكفار إلى الإسلام، إذا كان ذلك ينفره من الدخول في الإسلام، فإن الإسلام والعبادة تصح من غير المختون، وبعدما يستقر الإسلام في قلبه يشعر بمشروعية الختان" اهـ. (فتاوى اللجنة الدائمة ٥/ ١٣٥، ١٣٦).
انظر مزيدًا من التفصيل في "المنة الكبرى" (٧/ ٣٨٩ - ٣٩٣).
وأمّا ما رُوي عن جابر: أنّ رسول اللَّه ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام؛ فهو ضعيف. رواه الطبراني في الأوسط (٦٧٠٤) والصغير (٨٩١) عن محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي، قال: حدّثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، قال: حدَّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابرٍ فذكر مثله.
قال الطبراني: "لم يقل في هذا الحديث أحد من الرواة: "وختنهما لسبعة أيام إلَّا زهير بن محمد".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٥٩): رواه الطبراني في الصغيرة والكبير باختصار الختان، وفيه محمد بن أبي السري، وثّقه ابن حبان وغيره، وفيه لين".
قلت: محمد بن أبي السري هو: ابن المتوكل بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم، العسقلاني المعروف بابن أبي السري، وثّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليِّن الحديث. وقال ابن عدي: كثير الغلط. وفي التقريب: "صدوق عارف له أوهام كثيرة".
ومن هذا الوجه رواه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٧٥) في ترجمة زهير بن محمد الخراساني، عن الحسن بن سفيان، حدثني محمد بن المتوكل (وهو ابن أبي السري) به مثله. وعنه البيهقي (٨/ ٣٢٤).
قال ابن عدي: "لا أعلم رواه عن الوليد غير محمد بن المتوكل، وهو محمد بن أبي السري". وظهر من قول الطبراني وابن عدي أنّ قوله: "وختنهما لسبعة أيام" منكرٌ؛ لأنّه تفرّد به محمد بن أبي السري، ولم يتابعه أحد على هذه الزيادة.
وفي الإسناد أيضًا زهير بن محمد الخراساني، سكن الشام ثمَّ الحجاز، رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضُعِّف بسببها. وقد ضعّفه النسائي وغيره. قال أبو حاتم: حدّث بالشام من حفظه فكثر غلطه.
قلت: والوليد بن مسلم الراوي عنه من الشاميين، فلعلَّ هذا مما غلط فيه زهير بن محمد.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عباس موقوفًا عليه: "سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يُسمى، ويُختتن، ويُماط عنه الأذى، وتثقب أذنه، ويُعقُّ عنه، ويُحلق رأسه، ويُلطَّخ بدم عقيقته،
стр. 897
ويُتصدَّق بوزن شعره في رأسه ذهبًا أو فضة". رواه الطبراني في الأوسط -مجمع البحرين- (١٩١٣)؛ فإنّ في إسناده روَّاد بن الجراح مختلَف فيه؛ فمشاه ابن معين وأحمد وأبو حاتم، وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه لا يُتابعه النّاس عليه، وكان شيخًا صالحًا". وفي "التقريب": "صدوقٌ اختلط بآخره فتُرك".
قال ابن المنذر: "ليس في هذا الباب نهي يثبت، وليس لوقوع الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تستعمل، فالأشياء على الإباحة، ولا يجوز حظر شيءٍ منها إلَّا بحجَّةٍ، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجَّةً". انتهى من "تحفة المودود بأحكام المولود" (١١٣).
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن جريج قال: أُخبرتُ عن عُثيم بن كليب، عن أبيه، عن جدِّه، أنّه جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: قد أسلمتُ. فقال له النبيُّ ﷺ : "ألقِ عنك شعر الكفر". يقول: احلق. قال: وأخبرني آخر أنّ النبي ﷺ قال لآخر معه: "ألق عنك شعر الكفر واختتن". فإنّه ضعيفٌ، رواه أبو داود (٣٥٦) عن مخلد بن خالد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: فذكر مثله.
والحديث في مصنَّف عبد الرزاق (٩٨٣٥) وعنه رواه الإمام أحمد (١٥٤٣٢).
وعُثيم بن كُلَيب -بضم العين- هو عُثيم بن كثير بن كليب الحضرمي، ويقال: الجهني، وقد نُسب إلى جده، هو وأبوه مجهولان، كما أنّ الواسطة بين ابن جريج وبين عثيم غير معروف.
وقال ابن عدي في "الكامل": "وهذا الذي قاله ابن جريج في هذا الإسناد: وأُخبرتُ عنه، عن عثيم بن كُليب، إنّما حدّثه إبراهيم بن أبي يحيى، فكنَّى عن اسمه".
وإبراهيم بن محمد أبي يحيى الأسلمي ضعيف جدًّا جدًّا، وقد كذَّبه مالك وغيره.
قال أبو الحسن ابن القطّان الفاسي: "هذا إسناد غاية في الضعف، مع الانقطاع الذي في قول ابن جريج: "أُخبرت". وذلك أنّ عثيم بن كليب وأباه وجدَّه مجهولون". "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٤٣).
قلت: إن ثبت كون جده صحابيًا فجهالته لا تضر، وقد ذكره ابن حجر في القسم الأول من حرف الكاف في الإصابة. واللَّه أعلم.
وأخرجه ابن قانع في ترجمة كلاب (٩٤٢) من وجهٍ آخر عن محمد بن زياد الزيادي، نا إبراهيم ابن أبي يحيى، عن غُنيم بن كثير بن كلاب، عن أبيه، عن جدِّه، أنّه قدم على رسول اللَّه ﷺ فقال له: "أحلق شعر الكفر عنك".
ولم يذكر: "اختتن". وفيه: "غُنَيم" وهو تصحيف.
والصّواب "عُثيم" كما في سائر مصادر التخريج، وكذلك جاء ضبطه في الإكمال لابن ماكولا.
وأخرجه أيضًا ابن قانع في ترجمة كليب الجهني (٩٣١) من وجه آخر عن كثير بن كليب، عن أبيه فذكر الحديث، ولم يذكر فيه: "واختتن".
стр. 898
وترجمة الحافظ في "الإصابة" في الكنى (٤/ ١٦٧): أبو كليب وقال: جد عثيم بن كليب. وعثيم نسب إلى جده، وإنّما هو: عثيم بن كثير بن كليب، والصحبة لجده كليب. وروايته في سنن أبي داود. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أبي أيوب: "أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطُّر، والسواك، والنكاح". فإنّه ضعيفٌ أيضًا، رواه الترمذيّ (١٠٨٠) عن سفيان بن وكيع، حدّثنا حفص ابن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي الشمال، عن أبي أيوب فذكر مثله، إلَّا أنّ فيه: "الحياء" بدلا من "الختان". قال الترمذيّ: "حسن غريب. وروى هذا الحديث هُشيم ومحمد بن يزيد الواسطي وأبو معاوية وغير واحد، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي أيوب، ولم يذكروا فيه: "عن أبي الشمال" والأول أصحُّ".
قلت: وأخرجه الإمام أحمد (٥/ ٤٢٠) كالثاني عن يزيد، ثنا الحجاج بن أرطاة، عن مكحول قال: قال أبو أيوب فذكر مثله. وهذا مرسلٌ.
قال الدارقطني في "العلل" (٦/ ١٢٣): "هذا الاختلاف من الحجاج بن أرطاة؛ فإنّه كثير الوهم".
ولذا تكلم النّاس في تحسين الترمذيّ لهذا الحديث؛ فإن الحجاج بن أرطاة ضعيف، وأبو الشمال مجهول، سئل عنه أبو زرعة فقال: "لا أعرفه إلا في هذا الحديث، ولا أعرف اسمه". وضعّفه أيضًا النووي في "شرح المهذّب" (١/ ٣٣٩).
تنبيهٌ: وقع في بعض نسخ سنن الترمذيّ: "الختان" بالخاء والنون، وقال بعضهم: "الحناء" بالحاء والنون، وهذه كلُّها مصحَّفة، وإنّما هو: "الحياء" بالياء كما في مسند الإمام أحمد وغيره.
وكذلك لا يصح أيضًا ما رُوي من ختان النساء عن أم عطية الأنصارية، أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ : "لا تُنهكي، فإنّ ذلك أحظى للمرأة، وأحبُّ إلى البعلِ". رواه أبو داود (٥٢٧١) عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، وعبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي، قالا: حدّثنا مروان، حدّثنا محمد بن حسان -قال عبد الوهاب: - الكوفي، عن عبد الملك بن عُمير، عن أم عطية فذكرت مثله.
قال أبو داود: "رُوي عن عبيد اللَّه بن عَمرو، عن عبد الملك بمعناه وإسناده".
قال أبو داود: "ليس هذا بالقوي، وقد رُوي مرسلًا".
قال أبو داود: "ومحمد بن حسان مجهولٌ، وهذا الحديث ضعيفٌ" انتهى.
وضعَّفه أيضًا النووي في "الخلاصة" (١١٧).
وقوله: "لا تُنهكي" معناه: لا تُبالغي في الخفض. والنهك: المبالغة في الضرب، والقطع، والشتم. وجاء في رواية أخرى: "أشِمِّي ولا تنهكي".
قال الحافظ ابن القيم: "وفي الحديث ما يدل على الأمر بالإقلال من القطع؛ فإنَّ قوله: "أشِمِّي
стр. 899
ولا تنهكي" أي اتركي الموضع أشم. والأشم: المرتفع". (تحفة المودود (١٩١)).
وللحديث إسناد آخر رواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٠٨٣) من طريق زائدة بن أبي الرقاد، ثنا ثابت، عن أنس، أنّ النبي ﷺ قال لأم عطية: "إذا خفضتِ فأشمي، ولا تنهكي؛ فإنَّه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج".
قال ابن عدي: "هذا يرويه عن ثابتٍ زائدةُ بن أبي الرقاد، ولا أعلم يرويه غيره، وزائدة بن أبي الرقاد له أحاديث حسان، يروي عنه المقدمي، والقواريري، ومحمد بن سلام، وغيرهم، وهي أحاديث إفرادات، وفي بعض أحاديثه ما يُنكر".
وروى الحاكم ٣/ ٥٢٥ من طريق هلال بن العلاء الرقي، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الملك بن عُمير، عن الضحاك بن قيس، قال: "كان بالمدينة امرأة يقال لها أم عطية، تخفض النساء، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "اخفضي ولا تُنهِكي؛ فإنّه أنضر للوجه، وأحظى عند الزوج". والعلاء أبو محمد الرقي، قال فيه الحافظ: "فيه لين" ونقل في التهذيب كلام أهل العلم فيه يظهر منه أنَّه ضعيفٌ جدًّا، بل متَّهم؛ وقد ذكره سبط بن العجمي في "الكشف الحثيث عمَّن رُمِي بوضع الحديث".
قلت: وفي إسناده الضّحاك بن قيس، جزم ابن معين، والخطيب وغيرهما أنه غير الفهريّ الصّحابي الصّغير، فإذا كان كذلك فهو مجهول لا يعرف، وهذه علّة أخرى، واللَّه أعلم.
ورُوي عن عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: "يا نساء الأنصار! اختضبن غمسًا، واخفضن، ولا تنهكن، فإنّه أحظى عند أزواجكن، وإياكنَّ وكفران النعم".
رواه البزار في "البحر الزّخار" (٦١٧٨)، وفي إسناده مندل بن علي العنزي، وهو ضعيف. ورواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٩٠٠) وفي إسناده خالد بن عمرو القرشي، وهو أضعف من مندل. انظر "التلخيص الحبير" (٤/ ٨٣).
وقال ابن عدي: "وخالد بن عمرو هذا له غير ما ذكرت من الحديث عن من يحدث عنهم، وكلها أو عامتها موضوعة، وهو بين الأمر في الضعفاء".
ورُوي أيضًا عن علي بن أبي طالب وغيره ولا يثبت.
وكذلك لا يصح ما رُوي مرفوعًا: "الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء". رواه الإمام أحمد (٢٠٧١٩) عن سريج، حدَّثنا عبَّاد -يعني ابن العوام-، عن الحجاج، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه، مرفوعًا.
وأبو المليح اسمه: عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد. ثقة. روى له الجماعة. والحجاج هو ابن أرطاة، مدلس، وقد عنعن.
واضطرب فيه حجّاج، فرواه هكذا تارة، وتارة رواه بزيادة "شداد بن أوس" بعد والد أبي المليح،
стр. 900
كما رواه الطبراني في "الكبير" (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠). وتارة رواه عن مكحول، عن أبي أيوب. أخرجه الإمام أحمد، وذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٢٤٧)، وحكي عن أبيه أنَّه خطأ من حجاج، أو الراوي عنه، وهو عبد الواحد بن زياد. وقال البيهقي: (٨/ ٢٣٥): "وهو ضعيف منقطع".
وقال ابن عبد البر: وهذا الحديث يدور على حجاج بن أرطاة. وليس ممن يُحتجُّ بما انفرد به". "التمهيد" (٢١/ ٥٩).
وقال الحافظ ابن الملقن في "البدر المنير" (٨/ ٧٤٣): "هذا الحديث ضعيفٌ مرَّة، وهو مروي من طرق".
وله طريق آخر غير طريق الحجاج، رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ٢٣٣) والبيهقي: (٨/ ٣٢٤ - ٣٢٥) عن عبدان بن أحمد، ثنا أيوب بن محمد الوزان، ثنا الوليد بن الوليد، ثنا ابن ثوبان، عن محمد بن عجلان، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء". قال البيهقي: "هذا إسناد ضعيف، والمحفوظ موقوفٌ. ثمَّ رواه من وجهٍ آخر مرقوفًا على ابن عباسٍ.
وقال ابن القيم: "هذا الحديث يُروى عن ابن عباس بإسناد ضعيف، والمحفوظ أنَّه موقوف عليه، ويروى أيضًا عن الحجاج بن أرطاة، وهو ممن لا يُحتجُّ به ... ذكر ذلك كلَّه البيهقي". انتهى.
انظر "تحفة المودود" (١٠٨). و"المنة الكبرى" (٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨).
وأمَّا كلام أهل العلم في حكم الختان للرجال؛ فذهب جمهور العلماء منهم: مالك، والشافعي، وأحمد، إلى أنَّه واجب، وشدَّد فيه مالك فقال: "من لم يختتن لم تجز إمامته، ولم تقبل صلاته".
وقال أبو حنيفة وأصحابه، وبعض أصحاب الإمام أحمد: إنَّه سنَّة. وكذلك نقل القاضي عياض عن مالكٍ أيضًا وعامَّة العلماء.
وأمَّا حكم ختان النساء؛ فجمهور العلماء ذهبوا إلى أنَّه سنَّة في النساء غير واجب إلا من جعل الأوامر الشرعية سواء للرجال والنساء مثل الصلاة والزكاة والصيام وغيرها. وأما الأحاديث فلم يسلم شيء منها من علة.
١٠ - باب ذكر الله تعالى في كل حال
• عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٧٣). من حديث ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن البَهِيَّ، عن عروة، عن عائشة فذكرت الحديث.
١١ - باب ما جاء: لا يمس القرآن إلّا طاهر
• عن عمرو بن حزم، قال: كان في كتاب رسول الله ﷺ : ولا يمسُّ القرآن إلّا طاهر".
стр. 901
صحيح وجادة: رواه مالك في كتاب القرآن (١) عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم كان فيه (فذكر الحديث).
وكذلك رواه عبد الرزاق (١٣٢٨)، والدارقطني (٤٣٥)، والبيهقي (١/ ٨٧) كلهم من حديث معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، قال: كان في كتاب النبيّ ﷺ لعمرو بن حزم (فذكر مثله).
وهذا مرسل فإن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يرويه عن أبيه، وهو أبو بكر، وعن جدّه وهو محمد بن عمرو بن حزم.
ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري أبو عبد الملك المدني، له رؤية وليس له سماع إلا من الصّحابة؛ ولذا قال الدارقطني: "هو مرسل ورواته ثقات".
وقد روي موصولًا، وسيأتي تفصيله في كتاب الزّكاة.
قال ابن عبد البر: "لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد رُوي مسندًا من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد".
قلت: ويشهد له الأحاديث الآتية في الباب، وإن كان أحد منها لا يخلو من ضعف.
ومنها ما رُوي عن حكيم بن حزام، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لا تمسَّ القرآن إلّا وأنت طاهر".
رواه الطبرانيّ في الكبير (٣/ ٢٢٩) عن بكر بن مقبل البصري، ثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب القُوهي، قال: سمعت أبي، ثنا سويد أبو حاتم، ثنا مطر الورّاق، عن حسان بن بلال، عن حكيم بن حزام، قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال (فذكر الحديث).
ورواه الدّارقطني (٤٤٠)، وصحّحه الحاكم (٣/ ٤٨٥) كلاهما من طريق إسماعيل بن إبراهيم، بإسناده، مثله. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفيه سويد أبو حاتم الجحدريّ الحباط، واسم أبي حاتم: إبراهيم، مختلف فيه، فقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال النسائي: ضعيف، وأفحش القول فيه ابن حبان، ولكن قال ابن معين: أرجو أن لا بأس به، وقال الحافظ في التقريب: "صدوق سيء الحفظ له أغلاط". وحسّن الحازميّ إسناده، كما نقله في "التلخيص".
وشيخه مطر الوراق، مختلف فيه أيضًا قضعّفه النّسائيّ وابن سعد، ومشّاه الآخرون إلّا حديثه عن عطاء ففيه ضعف، كما في "التقريب" وقال: "صدوق كثير الخطأ".
وقد نقل بعض العلماء عن الدارقطني أنه قال: "كلّهم ثقات".
إلّا أني لم أقف على قوله هذا في كتابه "السنن".
فتحسين الحازمي له وجه، وإن كانت النّفس لا تطمئن إلى تحسينه.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "لا يمس القرآن إلّا طاهر". رواه الطبرانيّ في الكبير (١٣٢١٧)، وفي الصغير (١١٦٢)، والدارقطني (٤٣٧)، وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٨٨)،
стр. 902
وفي "الخلافات" (٢٩٨)، والجوزجاني في "الأباطيل" (١/ ٣٧١ - ٣٧٢)، كلّهم من حديث سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، قال: سمعت سالمًا يحدّث عن أبيه، قال (فذكر الحديث).
وسليمان بن موسى وهو الأشدق مختلف فيه، فقال البخاري: عنده مناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث، ووثقه يحيى بن معين، ودحيم، والترمذي، وابن عدي وغيرهم فهو "صدوق في حديثه بعض لين" كما في التقريب.
وقال الحافظ في التلخيص (١/ ١٣١): إسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أنّ أحمد احتجّ به". وقال الهيثميّ أيضًا في "المجمع" (١/ ٢٧٦): "رواه الطبراني في الكبير والصغير ورجاله موثقون".
وقال الجوزجانيّ في الأباطيل (١/ ٣٧٢): "هذا حديث مشهور حسن".
وفي الباب أيضًا عن عثمان بن أبي العاص مرفوعًا: "لا تمسَّ القرآن إلّا وأنت طاهر". رواه الطبراني في الكبير (٩/ ٣٣) عن أحمد بن عمرو الخلال المكيّ، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا هشام بن سليمان، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن سعيد بن عبد الملك، عن المغيرة بن شعبة، عن عثمان بن أبي العاص، فذكر حديثًا طويلًا في زكاة الماشية وغيرها، وفيها الجزء المذكور.
وذكره الزّيلعيّ في "نصب الرّاية" (١/ ١٩٨).
وأورده الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٧٧) وقال: "فيه إسماعيل بن رافع ضعّفه يحيى بن معين والنسائي، وقال البخاري: ثقة مأمون".
وقال أيضًا (٣/ ٧٤): "فيه هشام بن سليمان، وقد ضعّفه جماعة من الأئمّة، ووثّقه البخاريّ.
ولكن قال الحافظ في التلخيص (١/ ١٣١): "في رواية الطبراني من لا يعرف".
وقال "ورواه ابن أبي داود في المصاحف (٧٣٨)، وفيه انقطاع".
قلت: لأنه من رواية القاسم بن برزة، عن عثمان بن أبي العاص قال: كان فيما عهد إليَّ رسول الله ﷺ : "لا تمس المصحف، وأنت غير طاهر".
والقاسم لم يدرك عثمان، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم المكي ضعيف، تركهـ بعضهم.
وخلاصة القول في هذا الباب: إنّ الحديث صحيح وجادة، وأحاديث الباب تقوّي هذه الوجادة، والنّفس تطمئن إلى صحة مثل هذا الحديث، وقد قال به عدد من الصحابة والتابعين والأئمّة المهديين بعدهم.
قال مصعب بن سعد بن أبي وقاص: "كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككتُ.
فقال سعد: لعلّك مسستَ ذكركَ؟ قلت: نعم. فقال: قم فتوضأ. فقمتُ فتوضّأت ثم رجعت".
رواه مالك في الطهارة (٥٩) عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص. وإسناده صحيح.
стр. 903
وقد كره سالم وعطاء وطاوس والقاسم وعامر الشعبي القراءة في المصحف على غير وضوء. ذكره الجوزجاني في الأباطيل (١/ ٣٧٣).
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١٠ - ١١): "وأجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا الطّاهر، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وأبي عبيد، وهؤلاء أئمّة الرّأي والحديث في أعصارهم. ورُوي ذلك عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وطاوس والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وعطاء، وهؤلاء من أئمّة التابعين بالمدينة ومكة واليمن والكوفة والبصرة.
قال إسحاق بن راهويه: "لا يقرأ أحدٌ في المصحف إلّا هو متوضّئ، وليس ذلك لقول الله : ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة: ٧٩]، ولكن لقول رسول الله ﷺ : "لا يمس القرآن إلّا طاهر". انتهى ما في الاستذكار.
وأجاز قومٌ مسّ المصحف على غير وضوء مستدلين بقول النّبيّ ﷺ : "المؤمن لا ينجس" وهو متفق عليه.
وحملوا النّهي في حديث الباب على الجنب والحائض، وقولهَ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ بأنه كتاب الله الذي في السماء لا يمسه إلا الملائكة المطّهرون.
قال البغوي في شرح السنة (٢/ ٤٨): "وجوّز الحَكَم وحماد وأبو حنيفة حمله ومسّه. وقال أبو حنيفة: لا يمس الموضع المكتوب".
وروى عبد الرزّاق (١٣٤٧) عن شيخ من أهل مكة، قال: سمعت سفيان العصفريّ يقول: "رأيت سعيد بن جبير بال ثم غسل وجهه، ثم أخذ المصحف فقرأ فيه".
قال أبو بكر (هو عبد الرزّاق): وسمعته من مروان بن معاوية الفزاريّ. انتهى.
قلت: ومروان بن معاوية كوفيٌّ سكن مكة، فلعلّ عبد الرزاق ما عرفه أوّلًا، ثم تبيّن له أنه هو والإسناد متصل.
ورواه ابن أبي داود في كتاب المصاحف (٧٦٠) عن عبد الله بن بشار، قال: نا يحيى (بن سعيد القطان)، نا أبو الورقاء (وهو سفيان بن زياد العصفريّ)، قال: سمعت سعيد بن جبير، فذكر مثله.
وروى أيضًا بإسناده الشعبيّ قال: منّ المصحف ما لم تكن جنبًا. انتهى.
وممن ذهب إلى هذا ابن عباس، والضّحاك، وغيرهما كما ذكره الشّوكانيّ في نيل الأوطار (١/ ٣١٦)، ولعل قول أبي حنيفة والشعبي وغيرهما الذين ذكرهم ابن عبد البر يحمل على الجنب والحائض، والله أعلم بالصّواب.
وأما قراءة القرآن للجنب والحائض بدون مسّ المصحف فقد روي عن ابن عمر مرفوعا: "لا
стр. 904
يقرأ القرآن الجنبُ ولا الحائض" فهو ضعيف، أخرجه الترمذي (١٣١) وابن ماجه (٥٩٥) كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر الحديث.
قال الترمذي: "لا نعلمه يُرْوَى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه".
قلت: في الإسناد إسماعيل بن عياش، وهو منكر الحديث عن أهل الحجاز، كما قال البخاري. وقال الإمام أحمد: هذا حديث يتفرد به إسماعيل بن عياش، وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج به.
وقال ابن أبي حاتم في عِلله (١/ ٤٩): سمعت أبي، وذكر حديث إسماعيل بن عياش هذا، فقال: خطأ، إنما هو قول ابن عمر. انتهي.
وللحديث طرق أخرى ذكرها الدارقطني في "العلل" (١/ ١١٧)، إلا أنها كلها ضعيفة لا تقوم بها حجة.
وكذلك ما روي عن جابر بن عبد الله مرفوعا: "لا يقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئًا" فهو أيضًا ضعيف، رواه الدارقطني (٢/ ٨٧) من طريق محمد بن الفضل، عن أبيه، عن طاوس، عن جابر، فذكر الحديث.
ومحمد بن الفضل ضعيف جدا، رواه ابن عدي في الكامل وأعله بمحمد بن الفضل، وأغلظ في تضعيفه عن البخاري والنسائي وأحمد وابن معين.
ورواه الدارقطني أيضًا (١/ ١٢١) موقوفا على جابر، وفيه ابن أبي أنيسة، ضعيف.
وكذلك ما روي عن علي قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جنبا".
رواه أصحاب السنن: أبو داود (٢٢٩) والترمذي (١/ ٢١٤) واللفظ له، والنسائي (٢٦٦) وابن ماجه (٥٩٤) كلهم من طريق عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمة، عن علي بن أبي طالب، قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: والصواب أنه ضعيف؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة.
قال المنذري: ذكر أبو بكر البزار أنه لا يُروى عن عَليّ إلا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة. وحكى البخاري عن عمرو بن مرة: كان عبد الله - يعني ابن سلمة - يحدثنا، فنعرف وننكر، وكان قد كبر، ولا يتابع على حديثه. وذكر الشافعي هذا الحديث وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه.
قال البيهقي: وإنما نوقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما رَوَى هذا الحديث بعدما كَبِر، قاله شعبة. هذا آخر كلامه.
وقوله "ليس الجنابة" معناه: غير الجنابة.
стр. 905
قال الخطابي: كان الإمام أحمد يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها، وكان يوهن حديث عليّ هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة، وكذلك قال مالك في الجنب: إنه يقرأ الآية ونحوها، وقد حكي عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب؛ لأن الحائض إذا لم تقرأ نسبت القرآن؛ لأن أيام الحيض تتطاول، ومدة الجنابة لا تطول. وروي عن ابن المسيب وعكرمة أنهما لا يريان بأسا بقراءة الجنب القرآن. وأكثر العلماء على تحريمه. انتهى كلامه.
وقال الترمذي عقب حديث ابن عمر - "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن" -: هو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. قالوا: لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئًا، إلا طرف الآية والحرف ونحو ذلك، ورخصوا للجنب والحائض في التسبيح والتهليل. انتهى.
وهذا الذي جرى عليه أهل العلم فمنعوا للحائض أن تقرأ القرآن إلا لحاجة.
وقد سئل فضيلة الشيخ العثيمين ﵀ عن قراءة القرآن للحائض فأجازها عند الحاجة، منها: الأوراد كآية الكرسي والآيتين الآخرتين من سورة البقرة، وقل هو الله أحد، والمعوذات، وغيرها مما ورد من الأوراد.
ومن الحاجة: أن تخاف نسيانه فتقرأه ولا بأس.
ومن الحاجة: أن تكون معلِّمة تعلِّمُ القرآن ولو كانت حائضًا ولا بأس.
ومن الحاجة: أن تكون متعلَّمة فتُسْمعُ القرآن معلمتها.
١٢ - باب استعمال فضل الوضوء
• عن أبي جحيفة يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ بالهاجرة، فأُتِي بوَضُوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضوئه، فيتمسحون به، فصلى النبي ﷺ الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٨٧)، وبوّب بقوله: "استعمال فضل وَضوء الناس".
من حديث شعبة قال: ثنا الحكم، قال: سمعتُ أبا جحيفة فذكره.
وفي رواية عند البخاري في الصلاة (٣٧٦) ومسلم في الصلاة (٥٠٣) من طريق عُمر بن أبي زائدة، عن عون بن أبي جُحيفة أن أباه قال: "رأيت رسول الله ﷺ في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالًا أخذ وضوء رسول الله ﷺ ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء؛ فمن أصاب منه شيئًا تمسّح به، ومن لم يُصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها، وخرج النبي ﷺ في حلة حمراء مشمِّرا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة".
стр. 906
قوله: "مُثَمِّرًا" رافعًا ثوبه إلى أنصاف ساقيه، كما جاء في رواية عند مسلم: كأني أنظر إلى بياض ساقيه.
• عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الربيع - قال: وهو الذي مجَّ رسول الله ﷺ في وجهه وهو غلام من بئرهم -، وقال عروة: عن المِسْور وغيره - يصدق كل واحد منهما صاحبه -: وإذا توضأ النبي ﷺ كادوا يقتّتلون على وَضوئه.
صحيح: رواه البخاري في الوضوء (١٨٩). من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب فذكر مثله.
وقوله: قال عروة عن المِسْوَر وغيره - قالوا: الضمير في غيره يعود إلى مروان لما رواه البخاري في الشروط (٢٧٣١) مطولًا عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مخرمة، ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه -، قالا: فذكر قصة خروج النبي ﷺ زمن الحديبية وفيه: "وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه وسيأتي الحديث بكامله في الجهاد.
• عن السائب بن يزيد قال: ذهبَتْ بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! ابن أختي وَقِعٌ، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وَضُوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زِرَّ الحَجَلة.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٩٠) ومسلم في الفضائل (٢٣٤٥)، كلاهما من طريق حاتم بن إسماعيل، عن الجعد، قال: سمعت السائب بن يزيد .. فذكره الحديث. وسيعاد الحديث في صفة النبي ﷺ .
وقوله: "وقِع" - بكسر القاف والتنوين - في رواية مسلم: وجع. وهو وجع في القدمين.
وقوله: "زِرَّ الحَجَلة: بكسر الزاي وتشديد الراء، والحجلة - بفتح المهملة والجيم، واحدة الحجال -: وهي البيوت تزين بالثياب والأسِرَّة والستور، لها عرى وأزرار، وقيل: المراد بالحجلة الطير، وهو اليعقوب، يقال للأنثى منه: حجلة. وعلى هذا فالمراد بزرّها: بيضها. ويؤيده أن في حديث آخر: "مثل بيضة الحمامة".
انظر: "الفتح" (١/ ٢٩٦).
• عن أبي موسى قال: كنت عند النبي ﷺ ، وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة، ومعه بلال، فأتى النبيَّ ﷺ أعرابيَّ فقال: ألا تُنجز لي ما وعدتني، فقال له: "أبشر"، فقال: قد أكثرت عليّ من "أبشر"، فأقبل على أبي موسى وبلالٍ كهيئة الغضبان، فقال: "ردَّ البشري فاقبلا أنتما"، قالا: قبلنا، ثم دعا بقَدَحٍ فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومجَّ فيه، ثم قال: "اشربا منه، وأفرِغا على وجوهكما
стр. 907
ونحوركما وأبشرا"، فأخذا القدح، ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٣٢٨) وأخرجه في الوضوء (١٩٦) مختصرا، ومسلم في الفضائل (٢٤٩٧)، كلاهما من طريق أبي أسامة، عن يزيد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن جدِّه أبي بردة، عن أبي موسى .. فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن جابر بن عبد الله قال: مرِضتُ مَرَضًا، فأتاني النبي ﷺ يعُودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجداني أُغمِي عَليَّ. فتوضأ النبي ﷺ ، ثم صبَّ وَضوءَه عليَّ.
متفق عليه: أخرجه البخاري في المرضى (٥٦٥١) ومسلم في الفرائض (١٦١٦)، كلاهما من طريق سفيان، عن ابن المنكدر، سمع جابر بن عبد الله فذكر الحديث.
• عن أبي حية قال: رأيتُ عليًّا توضأ ثلاثًا، ثم قام فشَرِب فضلَ وضوئه وقال: صنع رسولُ الله ﷺ كما صنعتُ.
حسنٌ: رواه النسائي (١٣٦) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي حية فذكر مثله. ورواه الترمذي (٤٨) من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به.
وإسناده حسن، لأجل أبي حيَّة؛ فإنَّه "مقبول" كما في التقريب، إلَّا أنَّه قد توبع كما سيأتي في حديث عبد خير في باب صفة وضوء النبيِّ ﷺ .
وسيتكرر هذا الحديث كاملًا في باب صفة وضوء النبي ﷺ .
١٣ - باب النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة
• عن حميد الحميري قال: لقيت رجلا صحب النبي ﷺ أربع سنين، كما صحبه أبو هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأةُ بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة.
صحيح: رواه أبو داود (٨١) والنسائي (٢٣٨) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن داود الأوْدي، عن حُميد بن عبد الرحمن قال، فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، وداود بن عبد الله الأودي وإن لم يحتج به الشيخان لكنه ثقة؛ وثَّقه ابن معين وأحمد بن حنبل والنسائي.
إلا أن البيهقي قال: وهذا الحديث رواته ثقات إلا أن حُميدًا لم يُسمَّ الصحابي الذي حدَّثه، فهو بمعنى المرسل، إلا أنه مرسل جيد، لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود بن عبد الله الأودى لم يحتج به الشيخان البخاري ومسلم". "السنن الكبرى للبيهقي: ١/ ١٩٠.
وتعقبه الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٠) بعد أن قال: رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة
стр. 908
قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة، لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرَّح التابعي بأنه لقيه. ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حُميد بن عبد الرحمن هو: ابن يزيد الأودى. وهو ضعيف مردود. فإنه ابن عبد الله الأودى وهو ثقة. وقد صرّح أبو داود وغيره باسم أبيه. انتهى.
• عن الحكم بن عمرو - وهو الأقرع - أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة.
حسن: رواه أبو داود (٨٢) والترمذي (٦٤) والنسائي (٣٤٣) وابن ماجه (٣٧٣) كلهم من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن عاصم قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو، فذكر مثله.
وزاد الترمذي: أو قال: بسؤرها. وقال الترمذي: "حديث حسن".
قلت: وإسناده حسن؛ لأن عاصم بن سليمان الأحول أبا عبد الرحمن البصري تكلم فيه القطان، ووثقه علي بن المديني وغيره، وقال أحمد: شيخ ثقة.
وفي رواية النسائي: "وليغترفا جميعًا".
والنهي محمول على التنزيه، وسيأتي معارض هذا الحديث. وهو أقوى.
وذهب البغوي إلى أنه منسوخ "شرح السنة" (١/ ٢٨) وكذا قال البيهقي في "المعرفة" (١/ ٤٩٧) انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ٢٦٦)
١٤ - باب جواز غسل الرجل والمرأة ووضوئهما في إناء واحد
• عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يَغْتَسِلُ من إناء - هو الفَرَقُ - من الجنابة.
وفي رواية قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد من قدح، يقال له الفَرَقُ.
متفق عليه: الرواية الأولي رواها مالك في الطهارة (٦٨) وعنه مسلم في الحيض (٣١٩) وسيأتي ذكرها في باب: القدر المستحب من الماء للغُسْل والوُضوء. والرواية الثانية أخرجها البخاري في الغسل (٢٥٠) ومسلم في الحيض (٣١٩) كلاهما من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرت الحديث. ثم روى مسلم من طرق أخرى عن عائشة ومنها قولها: "تختلف أيدينا فيه من الجنابة". ومنها قولها: "كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله ﷺ من إناء - بيني وبينه - واحدٍ، فيُبادرني، حتى أقولَ: دع لي، دع لي، قالت: وهما جُنبان". وفي رواية عنده (٣٢٠) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة، فسألَها عن غُسْل النبي ﷺ من الجنابة؟ فدعتُ بإناءٍ قدرَ الصاعِ، فاغتسلتْ، وبيننا وبينها سِتر، وأفْرَغَتْ على رأسها ثلاثًا، قال: وكان أزواج النبي ﷺ يأخذنَ من رؤوسِهن حتى تكون كالوفْرةِ"، وذكره أيضًا البخاري مختصرا (٣٥١). وفي رواية عنده (٢٩٩): "كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، وكانا جنب".
стр. 909
والفَرَقُ - بفتح الراء وسكونها -: قدح بسعُ ستةَ عشر رطلا. وقال سفيان: والفَرَق ثلاثةُ آصع.
وقوله: "يأخذنَ من رؤوسهن حتى تكونَ كالوفرة" أي: يأخذنَ من شَعرِ رؤوسِهن ويُخففنَ من شعورهن حتى تكون كالوفرة، وهي من الشَّعر ما كان إلى الأذنين ولا يجاوزهما.
• عن أنس قال: كان النبي ﷺ ، والمرأة من نسائه يُغْتَسِلانِ من إناءٍ واحدٍ. وزاد مسلم (أي ابن إبراهيم) ووهب، عن شعبة: من الجنابة.
صحيح: رواه البخاري في الغسل (٢٦٤)، عن أبي الوليد (هو ابن جرير بن حازم)، قال: حدَّثنا شعبة، عن عبد الله بن عبد الله بن جبرٍ، قال: سمعت أنس بن مالكٍ يقول فذكر الحديث.
• عن زينبَ بنت أم سلمة قالت: إن أمها أم سلمة حدَّثَهْا قالت: كانتْ هي ورسولُ الله ﷺ يَغْتَسِلان في الإناء الواحدِ من الجنابة.
متفق عليه: أخرجه البخاري في الحيض (٣٢٢)، ومسلم في الحيض (٣٢٤)، كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أمها فذكرت الحديث. وفيه قصَّة، انظر كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض في لحافٍ واحدٍ.
• عن ابن عباس قال: أخبرتني ميمونة: أنها كانت تغتسل هي والنبيُّ ﷺ في إناء واحد.
متفق عليه: رواه مسلم في الحيض (٣٢٢) عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، فذكر مثله. وفي رواية عنده عن عمرو بن دينار، قال: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني، أن ابن عباس أخبره أن رسولَ الله ﷺ كان يغتسل بفَضْلِ ميمونة (٣٢٣).
فجعل الحديث من مسند ابن عباس. ورواه البخاري في الغُسْل (٢٥٣) عن ابن عباس أن النبي ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد؛ فجعل الحديث من مسند ابن عباس، هكذا رواه البخاري عن شيخه أبي نعيم قال: حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس. ثم قال البخاري: كان ابن عيينة يقول أخيرًا: "عن ابن عباس عن ميمونة". والصحيح ما روى أبو نعيم.
وهذا يدل على تردّد ابن عيينة في كون الحديث من مسند ابن عباس، أم من مسند ميمونة، والنتيجة واحدة؛ فإن ابن عباس لا يطلع على النبي ﷺ في حالة اغتساله مع ميمونة، فيدل على أنه أخذه عنها.
• عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: كان الرجال والنساء يتوضَّؤُون في زمان النبي ﷺ جميعًا.
صحيح: رواه مالك في الطهارة (١٥) عن نافع، عن عبد الله بن عمر فذكر مثله، وعنه البخاري في الوضوء (١٩٣).
وزاد أبو داود (٧٩، ٨٠): "من إناء واحد". وفي رواية: "نُدلي فيه أيدينا".
стр. 910
والصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمن رسولِ الله ﷺ يكون حكمهُ الرفع على القول الصحيح، وهو اختبار البخاري؛ ولذا أَخْرج هذا الحديثَ في صحيحه.
• عن أم صُبَيَّة الجهنية قالت: اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في إناء واحد.
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٠٦٧) عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدَّثني خارجة بن الحارث، قال: حدَّثني سالم بن سَرْج، قال: سمعت أم صُبَيَّة الجُهنية .. فذكرت مثله. وإسناده حسن لأجل خارجة بن الحارث، وهو: ابن رافع بن مَكِيث الجُهَني، فإنَّه صدوق.
وهذا أصحُّ ما رُوِي به هذا الحديث. وأمَّا ما رواه أبو داود (٧٨)، وابن ماجه (٣٨٢) من طريق أسامة بن زيد، عن سالم أبي النعمان - هو ابن سرج، عن أمَّ صُبَيَّة .. فذكرت الحديث، ففيه أسامة ابن زيد، وهو الليثي، قال فيه النسائي: ليس بالقوي. إلَّا أنَّه توبع، وفي "التقريب": "صدوق بهم، غير أنَّه لم يهم في هذا الحديث؛ لمتابعة خارجة بن الحارث له.
وسالم بن سَرْج هو: أبو النعمان المدني، يقال له: ابن خَرَّبوذ - بفتح المعجمة، ثمَّ راء ثقيلة -، وهو مولي أمُّ صُبَيَّة.
وأمُّ صُبَيَّة هي: خولة بنت قيس، جدة خارجة بن الحارث، هكذا قال البخاري في الأدب المفرد (١٠٥٤)، وأخرج الحديث عن إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني خارجة بن الحارث، غير أنَّه لم يذكر فيه: "الوضوء" وإنما اكتفى بقوله: "اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في إناء واحد".
وبوَّب عليه: باب أكل الرجل مع امرأته. وأخرج فيه هذا الحديث، وحديث عائشة، قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ حيًا، فمرَّ عمر، فدعاه فأكل. فأصابت يده إصْبَعي فقال: "حَسَّن! لو أُطاعُ فيكُنَّ ما رأتكنَّ عينٌ. فنزل الحجاب" وكذلك وضوء النبي ﷺ مع أم صبية كان قبل نزول الحجاب، والله أعلم.
وسيأتي هذا الحديث في كتاب الأدب.
تنبيهٌ هامٌّ: تحرَّفت أمُّ صُبَيَّة إلى "أمَّ حبيبة" في الأدب المفرد.
١٥ - باب ما يقول عند إرادة دخول الخلاء
• عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث".
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٤٢) عن آدم قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنسا يقول .. فذكره.
قال البخاري: تابعه أبن عروة عن شعبة.
وقال غندر عن شعبة: "إذا أتى الخلاء".
стр. 911
وقال موسى عن حماد: "إذا دخل الخلاء".
وقال سعيد بن زيد: حدثنا عبد العزيز "إذا أراد أن يدخل" انتهى.
ورواه أيضًا مسلم في الحيض (٣٧٥) من حديث حماد عن عبد العزيز بن صهيب مثله. ورواه أيضًا من حديث هشيم عن عبد العزيز، ولفظه: "إذا دخل الكنيف".
• عن زيد بن أرقم، عن رسول الله ﷺ قال: "إن هذه الحُشوش مُحْتَضَرة، فإذا أتى أحدُكم الخلاءَ فليقل: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث".
صحيح: رواه أبو داود (٦) وابن ماجه (٢٩٦) كلاهما من طريق شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن يزيد بن أرقم، فذكر مثله. وصحَّحه ابن خزيمة (٦٩) وابن حبان (١٤٠٨)، والحاكم (١/ ١٨٧) كلُّهم من هذا الوجه.
ورواه أيضًا ابن ماجه من وجه آخر، من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم، فذكر الحديث.
وإسناده صحيح، وقتادة رواه من وجهن، وكلاهما صحيح.
وإلى هذا أشار البخاري بقوله: "يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا" نقله الترمذي عنه في جامعه (١/ ١١).
وأما قول الترمذي: "حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، روى هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فقال سعيد: عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم، وقال هشام: عن قتادة، عن زيد بن أرقم، ورواه شعبة ومعمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، فقال شعبة: عن زيد بن أرقم، وقال معمر: عن النضر بن أنس، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ثم ذكر قول البخاري".
قلت: ما ذكره الترمذي بقوله: "في إسناده اضطراب" ليس بصحيح؛ لاحتمال ما ذكره البخاري؛ فإن الاضطراب هو ما لا يمكن فيه الجمع بين الروايات المختلفة، فإذا أمكن الجمع انتفى الاضطراب.
وأما رواية معمر - وهو ابن راشد - فهي وهم، كما ذكره البيهقي في سننه (١/ ٩٦) عن أحمد؛ فهي لا تستحق أن تعارض الروايات الصحيحة.
والحشوش: الكنف، وأصل الحش: جماعة النخل الكثيفة، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن يتخذوا الكُنُف في البيوت.
وفيه لغتان: (حَشٌّ) و (حُشٌّ).
ومعنى (محتضرة) أي: تحضرها الشياطين. أفاده الخطابي.
أصحّ ما في الباب هذان الحديثان فقط.
وأما ما رُوي عن علي بن أبي طالب: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم
стр. 912
الخلاء أن يقول: بسم الله" رواه الترمذي (٦٠٦) وابن ماجه (٢٩٧)، كلاهما عن محمد بن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان، قال: حدَّثنا خلَّاد الصفَّار، عن الحكم النصري، عن أبي إسحاق، عن أبي جُحيفة، عن علي بن أبي طالب .. فذكره. فهو ضعيف؛ فإن فيه محمد بن حميد الرازي ضعيف، والحكم بن عبد الله النصري مجهول، وأبو إسحاق مدلس ومختلط؛ ولذا قال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي، وقال: وروي عن أنس عن النبي ﷺ أشياء في هذا.
قلت: أخرجه ابن عدي وابن السني وغيرهما، وفيه رجال ضعفاء.
وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود وأبي سعيد، ولكن كلها ضعيفة.
١٦ - باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء
• عن عائشة قالت: إن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: "غفرانك".
حسن: رواه أبو داود (٣٠) والترمذي (٧) وابن ماجه (٣٠٠) كلهم من طريق إسرائيل بن يونس، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة.
قال الترمذي: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة". وقال أيضًا: "ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة عن النبي ﷺ ".
وإسناده حسن من أجل يوسف بن أبي بردة، ليس بذاك المشهور ولم يعرف فيه جرح وقد وثّقه العجلي وابن حبان.
وصحّح حديثه النّووي في الأذكار، والحافظ في نتائج الأفكار (١/ ٢١٤).
ووثقه أيضًا الذّهبي في الكاشف، فهو في أقل أحواله لا ينزل عن درجة "صدوق" وإن قال الحافظ ابن حجر في التقريب: "مقبول".
وقد صحّحه أيضًا ابن خزيمة (٩٠)، وابن حبان (١٤٤٤)، والحاكم (١/ ١٥٨)، كلّهم من هذا الوجه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، فإنَّ يوسف بن أبي بردة من ثقات آل أبي موسى، ولم نجد أحدًا يطعن فيه، وقد ذكر سماع أبيه من عائشة ﵂ ..
وأما قول الترمذي: إنه غريب؛ فلأجل انفراد إسرائيل به، وإسرائيل ثقة.
وقوله "غفرانك" أي: أسألك غفرانك.
قال الخطابي: "وقيل في تأويل ذلك وفي تعقيبه الخروج من الخلاء بهذا الدعاء قولان: أحدهما: أنه استغفر من تركهـ ذكر الله تعالى مدة لبثه على الخلاء، وكان لا يهجر ذكر الله إلا عند الحاجة، فكأنه رأى هجران الذكر في تلك الحالة تقصيرًا، وعدّه على نفسه ذنبًا، فتداركهـ بالاستغفار.
وقيل: معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه، فأطعمه ثم هضمه، ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق هذه النعم، ففزع إلى الاستغفار منه" انتهى.
стр. 913
ولم يثبت في هذا الباب إلا حديث عائشة.
قال أبو حاتم الرازي: أصحّ ما في الباب حديث عائشة.
قلت: وهو كما قال، وأما حديث مالك بن أنس عن النبي ﷺ أنه إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عنّي الأذى وعافاني" رواه ابن ماجه (٣٠١) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وقتادة، عن أنس.
فقد قال البوصيري في الزوائد: إسماعيل بن مسلم متفق على تضعيفه، والحديث بهذا اللفظ غير ثابت. انتهى.
قلت: إسماعيل بن مسلم هو: المكي أبو إسحاق، كان من البصرة، ثم سكن مكة، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك.
وفي الباب أيضًا حديث أبي ذر، أخرجه ابن السني (٢١)، وفيه من لا يعرف، وحديث عبد الله بن عمر قال المنذري في مختصر سنن أبي داود: هذه الأحاديث أسانيدها ضعيفة، ولهذا قال أبو حاتم الرازي: أصح ما فيه حديث عائشة. انتهى
١٧ - باب الرجل الحاقن يبدأ بالخلاء
• عن عبد الله بن أرقم أنه كان يؤمُّ أصحابه، فحضرت الصلاة يومًا، فذهب لحاجته ثم رجع، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة".
صحيح: رواه مالك في قصر الصلاة في السفر (٤٩) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، فذكر الحديث.
وفي السنن: "إذا أراد أحدكم الغائط، وأقيمت الصلاة، فليبدأ به"؛ أبو داود (٨٨) والترمذي (١٤٢) والنسائي (٢/ ١١٠) وابن ماجه (٦١٦) كلهم من طريق هشام بن عروة به، قال الترمذي: "حدث عبد الله بن أرقم حسن صحيح". وصحَّحه أيضًا ابن خزيمة (٩٣٢)، وابن حبان (٢٠٧١)، والحاكم (١/ ١٦٨) كلهم من هذا الوجه. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
• عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يُدافعه الأخْبثان".
صحيح: رواه مسلم في كتاب المساجد (٥٦٠) عن يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق، قال: تحدثتُ أنا والقاسم عند عائشة حديثًا. وكان القاسم رجلًا لحَّانةً. وكان لأم ولد. فقالت له عائشة: ما لك لا تَحَدَّثُ كما يتحدثُ ابن أخي هذا؟ أَمَا إنِّي قد علمتُ من أين أُتِيت. هذا أدَّيته أُمُّه وأنت أدَّبتك أُمُّك. قال: فغضب القاسم وأضَبَّ عليها. فلما رأى مائدة عائشة قد أُتي بها قام.
стр. 914
قالت: أين؟ قال: أصلَّي. قالت: اجْلِسْ. قال: إنِّي أُصلَّي. قالت: اجْلِسْ غُدَرُ. إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول. فذكرت الحديث.
ورواه أبو حَزْرة القاصُّ عن عبد الله بن أبي عتيق، عنها، عن النبي ﷺ بمثله. وقوله: "لحانة" أي: كثير اللحن في كلامه.
قولُها: "اجلس غُدَر" بمعني غادر، ويقال في أسلوب النداء: فحسب يا غُدر للواحد، ويا آل غُدَر للجمع. والغَدْرُ تركُ الوفاء، وإنما قالت له: غُدر لأنَّه مأمور باحترامها لأنها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحة له، ومُؤدِّبة.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقوم أحدكم إلى الصلاة وبه أذى".
صحيح: رواه ابن ماجه (٦١٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهو في مصنفه (٢/ ٤٢٢) ثنا أبو أسامة، عن إدريس الأوْدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وصححه ابن حبان، فأخرجه في صحيحه (٢٠٧٢) من طريق إدريس بن يزيد الأودي به، ولفظه: "لا يُصلَّ أحدكم وهو يُدافِعه الأخبثان".
قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: رجال إسناده ثقات.
قلت: وهو كما قال. وأبو أسامة هو: حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت ربما دلس، كما قال الحافظ.
وإدريس هو ابن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الزعافري، وثَّقه ابن معين والنسائي.
والحديث في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٢).
وقوله "أذى" أي: حاجة للبول والبراز. كما جاء تفسيره في مسند الإمام أحمد (٩٦٩٧، ١٠٠٩٤) من طريق دارد، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثله. وقال في آخر الحديث: يعني البول والغائط إلا أن داود - وهو ابن يزيد بن عبد الرحمن الأودي ضعيف، ضعفَّه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم.
أما ما روي عن أبي هريرة بلفظ: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقِن حتى يتخفف ... " رواه أبو داود (٩١)، قال: حدثنا محمود بن خالد السُلمي، قال: حدثنا أحمد بن علي، قال: حدثنا ثور، عن يزيد بن شُريح الحضّرمي، عن أبي حيّ المؤذَّن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حَقِن حتى يتخفَّف، ثم ساق نحوه. (أي نحو حديث ثوبان الذي ذكره أبو داود قبله، وهو): "ولا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤُمَّ قومًا إلا بإذنهم، ولا يختصّ نفسه بدعوةٍ دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم".
ففيه يزيد بن شريح الحضرمي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: يعتبر به. وجعله الحافظ في مرتبة "مقبول" أي: حيث يتابع، وقد توبع فيما سبق متابعة قاصرة في الجزء الأول من الحديث.
стр. 915
ورُوي أيضًا عن ثوبان مثله، رواه أبو داود (٩٠) والترمذي (٣٥٧) كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش، وابن ماجه (٦١٩) من طريق بقية كلاهما عن حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان، ولفظه: "ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهُنَّ: لا يؤُمّ رجلٌ قومًا فيخصّ نفسه بالدعاء دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن؛ فإن فعل فقد دخل، ولا يصلي وهو حقِن حتى ينخفَّف".
وإسماعيل وبقية ضعيفان، وشريح مقبول، إلا أن الترمذي حسّنه.
قال الترمذي: وفي الباب أيضًا عن أبي أمامة.
قلت: حديث أبي أمامة رواه ابن ماجه (٦١٧) قال: حدثنا بشر بن آدم، ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، عن السفر بن نُسير، عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلي الرجل وهو حاقن.
قال البوصيري في زوائده: إسناده ضعيف؛ لضعف السفر، وكذا بشر بن آدم.
قلت: وهذه الأحاديث الثلاثة تدور كلّها على يزيد بن شُريح وهو غير مشهور بالحفظ والعدالة إلّا ما ذكره ابن حبان وهو متساهل في توثيق المجاهيل، ومع ذلك رواه على عدّة وجوه مما يدل على عدم ضبطه ويوجب التّوقف في قبول حديثه.
وفي الجملة الأولى من متنه وهي قوله: "لا يؤمّ رجل قومًا فيخصّ نفسه بالدّعاء دونهم فإن فعل فقد خانهم" نكارة؛ لأنها مخالفة لهدي النبيّ ﷺ الذي كان يدعو بالإفراد كقوله: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب" الحديث.
وبهذا الحديث استدل ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٦٣) على ردّ هذه الجملة من الحديث. وحديث الباب يحرم الصّلاة في حالة مدافعة الأخبثين.
١٨ - باب غسل الوجه واليدين إذا استيقظ من النوم
• عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قام من الليل، فقضى حاجته، ثم غسل وجهه، ويديه، ثم نام.
متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٣٠٤)، كلاهما من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن كريب، عن ابن عباس .. فذكر مثله. واللفظ لمسلم، أمَّا البخاري؛ فذكره في سياقٍ أطول، انظر كتاب الوضوء: باب أنَّ النوم ليس حدَثًا بل مَظِنَّة للحدث.
١٩ - باب ما جاء في السواك
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك".
متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (١١٤)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
следующие страницы →