← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

[سورة المزمل: ١٧ - ١٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [سورة عبس: ٣٤ - ٣٧] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة إبراهيم: ٤٨ - ٥١] وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [سورة طه: ١٠٥ - ١٠٧] • عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ " حسن: رواه الترمذيّ (٣٣٣٣) وأحمد (٤٨٠٦) والحاكم (٤/ ٥٧٦) كلهم من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد اللَّه بن بحير الصنعاني القاص، عن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني، قال: سمعت ابن عمر يقول: فذكره. واللفظ للترمذي، وزاد أحمد: "وأحسب أنه قال: سورة هود". وإسناده حسن، من أجل عبد اللَّه بن بحير وشيخه عبد الرحمن بن يزيد، فكلاهما حسنا الحديث. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وجوَّده الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٦٩٥). قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [سورة الرعد: ١٨] • عن أنس بن مالك أن نبي اللَّه ﷺ كان يقول: "يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٣٨)، ومسلم في صفة القيامة (٢٨٠٥: ٥٢) كلاهما من طريق قتادة عن أنس، فذكره. ١٩ - باب يمسك اللَّه السماوات والأرض يوم القيامة بيديه قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ

стр. 8542

بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٧]. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يقبض اللَّه ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٣٨٢)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٧) كلاهما من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدّثني ابن المسيب، أن أبا هريرة كان يقول: فذكره. • عن عبد اللَّه بن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يطوي اللَّه السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٧٨٨: ٢٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد اللَّه، أخبرني عبد اللَّه بن عمر، فذكره. ورواه البخاريّ في التوحيد (٧٤١٣) معلقا، فقال: وقال عمر بن حمزة: سمعت سالما، سمعت ابن عمر، عن النبي ﷺ بهذا. ولم يذكر لفظه، وإنما أحال على حديث نافع عن ابن عمر (٧٤١٢)، ولفظه مختصر. • عن عبيد اللَّه بن مقسم، أنه نظر إلى عبد اللَّه بن عمر كيف يحكي رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: "يأخذ اللَّه سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا اللَّه -ويقبض أصابعه ويبسطها- أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول اللَّه ﷺ ؟ . صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٥: ٢٧٨٨) عن سعيد بن منصور، حدّثنا يعقوب -يعني ابن عبد الرحمن- حدّثني أبو حازم، عن عبيد اللَّه بن مقسم، فذكره. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أو يا أبا القاسم، إن اللَّه تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسول اللَّه ﷺ تعجبا مما قال الحبر، تصديقا له، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤١٤)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٦)

стр. 8543

كلاهما من طريق منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة السلماني، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. واللفظ لمسلم. ٢٠ - باب تكوير الشمس والقمر يوم القيامة قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الشمس والقمر مكوران يوم القيامة". صحيح: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٠٠) عن مسدد، حدّثنا عبد العزيز بن المختار، حدّثنا عبد اللَّه الداناج، قال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكره. وقد جاء في غير الصحيح بزيادة: "ثوران مكوران في النار". وهذا اللفظ فيه غرابة. ولا يستقيم معناه إلا بتأويل وتكلف، والأمر من الغيبيات. ٢١ - باب انتظار الناس أربعين سنة لفصل القضاء يوم القيامة • عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي". الحديث. حسن: رواه ابن منده في التوحيد (٥٣١) من طرق عن إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدّثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكر الحديث بطوله. وإسناده حسن، وقد حسنه أيضًا الذهبي في العلو (٢٠٠). انظر تخريجه المفصل في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة. ٢٢ - باب أن اللَّه يهون طول يوم القيامة على المؤمنين بفضله • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، يهون ذلك على المؤمنين كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب". صحيح: رواه أبو يعلى (٦٠٢٥)، وصحّحه ابن حبان (٧٣٣٣) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي، حدّثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره. ٢٣ - باب ما جاء في الشّفاعة الأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النجم: ٢٦] والشفاعة لا بد لها من اجتماع شرطين:

стр. 8544

الأول: إذن اللَّه تعالى في الشّفاعة للشافع. الثاني: رضاه عن المشفوع له. وعلى هذا فالمشركون لا نصيب لهم من شفاعة الشافعين، وقد صدّوا على أنفسهم رحمة أرحم الراحمين. ١ - شفاعته ﷺ العامة في أهل الموقف ليريحهم من مقامهم: • عن ابن عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ : "إنّ الشّمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرقُ نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ فيشفع ليقضى بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه اللَّه مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلّهم". صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٧٤، ١٤٧٥) عن يحيى بن بكير، حدّثنا اللّيث، عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر، قال: سمعت حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، قال: سمعت ابن عمر، فذكره. • عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجمع اللَّه الناس يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت الذي خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا عند ربنا. فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، ويقول: ائتوا نوحا، أول رسول بعثه اللَّه، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، ائتوا إبراهيم الذي اتخذه اللَّه خليلا، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، ائتوا موسى الذي كلمه اللَّه، فيأتونه فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته، ائتوا عيسى فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا ﷺ ، فقد غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأستأذن على ربي, فإذا رأيته وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه، ثم يقال: ارفع رأسك: سل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمني، ثم أشفع فيحد لي حدًّا، ثم أخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدًا مثله في الثالثة، أو الرابعة، حتى ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن". وكان قتادة، يقول عند هذا: "أي وجب عليه الخلود". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٦٥)، ومسلم في الإيمان (٣٢٢: ١٩٣) كلاهما من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس، فذكره. واللفظ للبخاري.

стр. 8545

٢ - شفاعته ﷺ في دخول من لا حساب عليهم الجنةَ: • عن أبي هريرة قال: أُتِي رسولُ اللَّه ﷺ يوما بلَحْم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع اللَّه يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة، فعصيته نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك اللَّه عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ . فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبي اللَّه وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﷺ ، فيقولون: يا موسى، أنت رسول اللَّه فضلك اللَّه برسالاته، وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى ﷺ . فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول اللَّه، وكلمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمد،

стр. 8546

أنت رسول اللَّه، وخاتم الأنبياء، وغفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح اللَّه علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧١٢)، ومسلم في الإيمان (١٩٤) كلاهما من حديث أبي حيان التيمي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. واللفظ لمسلم. ٣ - شفاعته ﷺ في فتح باب الجنة لأهلها: • عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أوّلُ النّاس يشفع في الجنّة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا". وفي رواية: "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أوّل من يقْرع باب الجنّة". وفي رواية أخرى: "أنا أوّل شفيع في الجنة، لم يُصَدَّق نبيٌّ من الأنبياء ما صدّقتُ، وإنّ من الأنبياء نبيًّا ما يصدِّقه من أمّته إلّا رجل واحد". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٦) عن قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا جرير، عن المختار بن فلفل، عن أنس، فذكره. والرواية الثانية رواها من وجه آخر عن سفيان، عن المختار، بإسناده. والرّواية الثالثة رواها من وجه آخر عن زائدة، عن المختار، بإسناده. ٤ - شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار: • عن أبي سعيد، أنه سمع النبيّ ﷺ وذُكر عنده عمُّه فقال: "لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه". متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٨٨٥)، ومسلم في الإيمان (٢١٠) من حديث الليث ابن سعد، حدّثنا ابن الهاد، عن عبد اللَّه بن خبّاب، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره. قوله: "ضحضاح" هو ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، واستعير في النّار.

стр. 8547

٥ - شفاعته ﷺ في إخراج أرباب الكبائر من أهل التوحيد من النار: • عن أنس بن مالك، عن النّبيّ ﷺ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي". صحيح: رواه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذيّ (٢٤٣٥)، وأحمد (١٣٢٢٢)، وابن خزيمة في التوحيد (٥٢٧) وابن حبان (٦٤٦٨)، والحاكم (١/ ٦٩) كلهم من طرق عن أنس بن مالك، فذكره. وإسناده صحيح. قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". • عن جابر، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول. "إنّ شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمّتي". صحيح: رواه ابن ماجه (٤٣١٠)، وابن خزيمة في التوحيد (٥٣١)، وابن حبان (٦٤٦٧)، والحاكم (١/ ٦٩) كلهم من طريق زهير بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". والكلام عليه مبسوط في كتاب الإيمان. • عن جابر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "يخرج من النّار بالشّفاعة كأنّهم الثّعارير". قلت: ما الثّعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمُه. فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعتَ جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعتُ النّبيَّ ﷺ يقول: "يخرج بالشّفاعة من النّار"؟ قال: نعم. متفق عليه: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٥٨)، ومسلم في الإيمان (١٩١: ٣١٨) كلاهما من حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر، فذكر مثله، واللفظ للبخاري. وليس عند مسلم: "كأنّهم الثّعارير" وتفسيره. "الضغابيس" هي صغار القثاء، وأحدها ضغبوس، وقيل غير ذلك. • عن عمران بن حصين، عن النّبيّ ﷺ قال: "يخرج قوم من النّار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنّة يُسَمَّون الجهنميين". صحيح: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٦٦) عن مسدّد، حدّثنا يحيى، عن الحسن بن ذكوان، حدّثنا أبو رجاء، حدّثنا عمران بن حصين، فذكره. وهؤلاء الجهنميون الذين يخرجون من النار بالشّفاعة هم أهل الكبائر من أهل التوحيد.

стр. 8548

وهذه الشّفاعة يشارك فيها الملائكة والنبيون والصديقون والمؤمنون: • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ". . . حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدّ مناشدةً للَّه في استقصاء الحقّ من المؤمنين للَّه يوم القيامة لاخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا، ويصلُّون ويحجُّون؟ فيقال: لهم أخرجُوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار. فيخرجُون خلقًا كثيرًا قد أخذت النّارُ إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربَّنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرْتنا به. فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا لم نذرْ فيها أحدًا ممن أمرْتنا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربّنا لم نَذرْ فيها ممن أمرتنا أحدًا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها أحدًا". وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٤٠]. فيقول اللَّه : شفعت الملائكةُ، وشفع النّبيُّون، وشفع المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحمُ الرّاحمين، فيقبض قبضةً من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرًا قطّ، قد عادوا حُممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحِبة في حميل السّيل. . . ". الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٩)، ومسلم في الإيمان (١٨٣) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره في حديث طويل. • عن أبي بكرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "يحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع الفراش في النار، قال: فينجي اللَّه برحمته من يشاء". قال: "ثم يؤذن للملائكة والنّبيين والشّهداء أن يشفعوا، فيشفعون ويخرجون، ويشفعون ويُخرجون، ويشفعون ويُخرجون -وزاد عفان مرة، فقال أيضًا: ويشفعون ويُخرجون- مَنْ كان في قلبه ما يزن ذرّة من إيمان". حسن: رواه أحمد (٢٠٤٤٠)، والبزّار (٣٦٧١)، والطبرانيّ في الصغير (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٣٨) كلّهم من حديث عفّان بن مسلم، حدّثنا سعيد بن زيد، قال: سمعت أبا سليمان العصريّ، حدّثنا عقبة بن صُهبان، عن أبي بكرة، عن النبيّ ﷺ ، فذكره.

стр. 8549

وإسناده حسن من أجل سعيد بن زيد وهو أخو حمّاد بن زيد؛ فإنه حسن الحديث، وأبو سليمان العصريّ وثقه ابن معين كما روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٨٠) وسمّاه الدّولابيّ في الكنى (١/ ١٩٥) كعب بن شبيب، وأخرج الحديث من طريق آخر عن سعيد بن زيد بإسناده مثله. وقال البزّار: "لا نعلمه رواه بهذا اللّفظ إلا أبو بكرة، وإسناده مرضيون". وصحّح رجاله أيضًا الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٥٩). وانظر بقية أحاديث الشّفاعة في كتاب الإيمان. ٢٤ - باب أن اللَّه يكلم الناس يوم القيامة ليس بينه وبينهم ترجمان • عن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة". زاد في رواية: "ولو بكلمة طيبة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥١٢)، ومسلم في الزكاة (١٠١٦: ٦٧) كلاهما من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم، فذكره. قال الأعمش: وحدثني عمرو بن مرة، عن خيثمة، مثله، وزاد فيه: "ولو بكلمة طيبة". ٢٥ - باب أمة محمد ﷺ هم أول الناس حسابا يوم القيامة مع أنهم آخر الأمم • عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "نحن آخر الأمم، وأول من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية، ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون". صحيح: رواه ابن ماجه (٤٢٩٠) عن محمد بن يحيى، عن أبي سلمة، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح. وصحّحه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجه. ٢٦ - باب من نوقش الحساب عُذِّب • عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك" فقلت: يا رسول اللَّه، أليس قد قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٣٧)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها (٨٠: ٢٨٧٦) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن أبي مليكة، حدّثني القاسم بن محمد، حدثتني عائشة، فذكرته.

стр. 8550

• عن عائشة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" فلما انصرف، قلت: يا نبي اللَّه، ما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه، إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك، وكل ما يصيب المؤمن، يكفر اللَّه به عنه، حتى الشوكة تشوكه". حسن: رواه أحمد (٢٤٢١٥)، وصحّحه ابن خزيمة (٨٤٩) والحاكم (١/ ٢٥٥، ٥٧) كلهم من حديث إسماعيل، حدّثنا محمد بن إسحاق قال: حدّثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد اللَّه بن الزبير، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن عائشة قالت: فذكرته. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث. ٢٧ - باب مناقشة المرائين من الشهداء والقراء والأثرياء • عن سليمان بن يسار قال: تفرّق الناسُ عن أبي هريرة، فقال له ناتلُ أهل الشام: أيها الشيخ حدِّثْنا حديثا سمعتَه من رسول اللَّه ﷺ ، قال: نعم، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلّم العلم، وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن، ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسَّع اللَّه عليه، وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار". صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٩٠٥: ١٥٢) عن يحيى بن حبيب الحارثي، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا ابن جريج، حدّثني يونس بن يوسف، عن سليمان بن يسار، فذكره. وقوله: "ناتل أهل الشام" وهو ناتل بن قيس الخزاعي، ومكان كبير قومه. • عن شفي الأصبحي أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ فقالوا أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا قلت له: أسألك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من

стр. 8551

رسول اللَّه ﷺ عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول اللَّه ﷺ عقلته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة، فمكث قليلا، ثم أفاق، فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول اللَّه ﷺ في هذا البيت، ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق، فمسح وجهه، فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول اللَّه ﷺ ، وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق ومسح وجهه، فقال: أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول اللَّه ﷺ ، وأنا معه في هذا البيت ما معه أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خارًّا على وجهه، فأسندته علي طويلا، ثم أفاق، فقال: حدّثني رسول اللَّه ﷺ : "أن اللَّه ﵎ إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل يقتتل في سبيل اللَّه، ورجل كثير المال، فيقول اللَّه للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول اللَّه له: كذبت. وتقول له الملائكة: كذبت. ويقول اللَّه: بل أردت أن يقال: إن فلانا قارئ فقد قيل ذاك. ويؤتى بصاحب المال فيقول اللَّه له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول اللَّه له: كذبت. وتقول له الملائكة: كذبت. ويقول اللَّه تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذاك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل اللَّه فيقول اللَّه له: فيماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول اللَّه تعالى له: كذبت. وتقول له الملائكة: كذبت. ويقول اللَّه: بل أردت أن يقال: فلان جريء فقد قيل ذاك". ثم ضرب رسول اللَّه ﷺ على ركبتي، فقال: "يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق اللَّه تسعر بهم النار يوم القيامة". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٣٨٢)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٤٨٢)، وابن حبان (٤٠٨) من طرق عن عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا الأصبحي حدثه، فذكره. قال الوليد أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديدًا حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه، وقال: صدق اللَّه ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ

стр. 8552

فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: ١٥ - ١٦] وإسناده صحيح. والوليد بن أبي الوليد من رجال مسلم، ووثقه أبو زرعة، وتبعه الذهبي في الكاشف. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب". كذا قال! والصواب أنه صحيح. وأفردت هذا الحديث عن الحديث السابق لوجود بعض الجمل الزائدة عليه. ٢٨ - باب أول ما يُحاسب به العبد من حقوق اللَّه يوم القيامة الصلاة • عن تميم الداري، عن النبي ﷺ قال: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن أكملها كتبت له نافلة، فإن لم يكن أكملها، قال اللَّه سبحانه لملائكته: انظروا، هل تجدون لعبدي من تطوع؟ فأكملوا بها ما ضيع من فريضته، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك". صحيح: رواه ابن ماجه (١٤٢٦)، وأبو داود (٨٦٦)، والحاكم (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري، فذكره. إلا أن أبا داود لم يذكر لفظه، إنما أحال على حديث أبي هريرة قبله. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "هو شاهد صحيح على شرط مسلم". وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الصلاة. ٢٩ - باب أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة من حقوقهم في الدماء • عن عبد اللَّه -وهو ابن مسعود- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٣٣)، ومسلم في القسامة (٢٨: ١٦٧٨) كلاهما من طريق الأعمش، عن شقيق أبي وائل، عن عبد اللَّه، فذكره. ٣٠ - باب أول خصمين يوم القيامة • عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أول خصمين يوم القيامة جاران". حسن: رواه أحمد (١٧٣٧٢)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٩) كلاهما من طريق قتيبة بن سعيد، حدّثنا ابن لهيعة، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن لهيعة، ففيه كلام معروف، ولكن رواية قتيبة بن سعيد عنه أصح كرواية العبادلة عنه.

стр. 8553

ثم إنه لم ينفرد به بل توبع عليه، فقد رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٦٣٦) من طريق يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة به. ويحيى بن سليمان حسن الحديث، وباقي رجال الإسناد ثقات. ٣١ - باب ما جاء في السؤال عن النعيم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [سورة التكاثر: ٨] • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة -يعني العبد- من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونرويك من الماء البارد". صحيح: رواه الترمذيّ (٣٣٥٨)، والبزار (٩٤٠٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد (ص ٣١)، وصحّحه ابن حبان (٧٣٦٤)، والحاكم (٤/ ١٣٨) كلهم من طريق عبد اللَّه بن العلاء بن زبر، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم -أو عرزب- الأشعري قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره. وإسناده صحيح. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". وأما الترمذيّ فقال عقبه: "هذا حديث غريب، والضحاك هو ابن عبد الرحمن بن عرزب، ويقال: ابن عرزم، وابن عرزم أصح". كذا قال! ورجال إسناده ثقات، ثبت سماع بعضهم من بعض، فلعل وجه استغرابه أن هذا الحديث لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، فقد قال البزار: "وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه عن أبي هريرة". قلت: وحديث النبي ﷺ إذا صحّ فهو حجة بنفسه. • عن أبي هريرة قال: خرج رسول اللَّه ﷺ ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ " قالا: الجوع يا رسول اللَّه. قال: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوموا". فقاموا معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأةُ قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أين فلان؟ "، قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد للَّه ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني، قال: فانطلق، فجاءهم بعذقٍ، فيه بُسرٌ وتمرٌ ورطبٌ. فقال: كلوا من هذه، وأخذ المدية، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إياك والحلوب". فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم

стр. 8554

الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم". وفي رواية: "لا تذبحنَّ ذاتَ دَرٍّ". صحيح: رواه مسلم في الأشربة (٢٠٣٨: ١٤٠) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا خلف بن خليفة، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في تفسير سورة التكاثر. ٣٢ - باب يسأل العبد يوم القيامة عن أربع: عن عمره، وعلمه، وماله، جسمه • عن أبي برزه الأسلمي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" حسن: رواه الترمذيّ (٢٤١٧) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أخبرنا الأسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد اللَّه بن جريج، عن أبي برزة الأسلمي، فذكره. قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". قلت: إسناده حسن من أجل سعيد بن عبد اللَّه فإنه صدوق، وبقية رجاله ثقات. ٣٣ - باب شهادة النبي ﷺ وأمته على الأمم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ". والوسط: العدل. وفي لفظ: "يجيء النبي يوم القيامة، ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيدعى وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون:

стр. 8555

جاءنا نبينا، فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: يقول: عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٨٧) عن يوسف بن راشد، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. واللفظ الثاني رواه أحمد (١١٥٥٨) عن أبي معاوية، عن الأعمش، به. ٣٤ - باب شهادة النبي ﷺ وشفاعته لمن صبر على لأواء المدينة • عن يحنس مولى الزبير بن العوام، أنه أخبره أنه كان جالسا عند عبد اللَّه بن عمر في الفتنة، فأتته مولاة له تسلم عليه، فقالت: إني أريد الخروج، يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد اللَّه: اقعدي لكاع، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد، إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة". صحيح: رواه مالك في الجامع (٣) عن قطن بن وهب بن عمير بن الأجدع، عن يحنس مولى الزبير، فذكره. ورواه مسلم في الحج (٤٨٢: ١٣٧٧) من طريق مالك، به. • عن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها، فقال له: ويحك لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يصبر أحد على لأوائها، فيموت، إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة إذا كان مسلما". صحيح: رواه مسلم في الحج (٤٧٧: ١٣٧٤) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سعيد، مولى المهري، فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في فضائل المدينة. ٣٥ - باب ما يشهد يوم القيامة من أعضاء الإنسان قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢١] • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ في حديث رؤية الرب يوم القيامة-:

стр. 8556

"ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط اللَّه عليه". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٨) عن محمد بن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: فذكره. • عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول اللَّه ﷺ فضحك، فقال: "هل تدرون مم أضحك؟ " قال: قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٨) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر، حدّثني أبو النضر هاشم بن القاسم، حدّثنا عبيد اللَّه الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس، فذكره. • عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: أتيت النبي ﷺ ، فقال في حديث طويل: "ما لي أمسك بحجزكم عن النار؟ ألا إن ربي داعي وإنه سائلي: هل بلغت عباده؟ وإني قائل: رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب، ثم إنكم مدعوون مفدمة أفواهُكم بالفدام، ثم إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه". قلت يا نبي اللَّه: هذا ديننا؟ قال: "هذا دينكم وأينما تحسن يكفك". حسن: رواه أحمد (٢٠٠٤٣) عن إسماعيل، أخبرنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، فذكره. وإسناده حسن من أجل بهز وأبيه، فإنهما حسنا الحديث، وجده معاوية بن حيدة القشيري، له صحبة. وروي عن عقبة بن عامر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه، فخذه من الرجل الشمال". رواه أحمد (١٧٣٧٤) عن الحكم بن نافع، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد الحضرمي، عمن حدثه، عن عقبة بن عامر، فذكره. وفي الإسناد إبهام. وفي قوله: "من الرجل الشمال" غرابة تفرد به الرجل المبهم.

стр. 8557

٣٦ - باب شهادة الإنس والجن وكل رطب ويابس للمؤذن • عن أبي سعيد الخدري أنه قال لعبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازِني: إني أَراك تحبُ الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: "لا يسمع مَدَى صوتِ المؤذن جنٌّ ولا إنس ولا شيءٌ، إلا شهد له يوم القيامة". قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه ﷺ . صحيح: أخرجه مالك في الصلاة (٥) عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة الأنصاري ثم المازِني، عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له، فذكر الحديث. ومن طريق مالك أخرجه البخاري في الأذان (٦٠٩). • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما". حسن. رواه أبو داود (٥١٥) واللفظ له، والنسائي (٦٤٥) وابن ماجه (٧٢٤) كلهم من طريق شعبة، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي يحيى، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده حسن، من أجل موسى بن أبي عثمان الكوفي المدني التبان. قال سفيان: "كان مؤدبا ونعم الشيخ"، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٥٤) قائلا: "هو من سادات أهل الكوفة وعبادهم". والكلام عليه مبسوط في كتاب الصلاة. ٣٧ - باب شهادة الحجر الأسود لمن استلمه بحق • عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ في الحجر: "واللَّه ليبعثنه اللَّه يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق". حسن: رواه الترمذيّ (٩٦١)، وابن ماجه (٢٩٤٤)، وأحمد (٢٢١٥، ٢٣٩٨، ٢٦٤٣)، وصحّحه ابن خزيمة (٢٧٣٥)، وابن حبان (٣٧١٢)، والحاكم (١/ ٤٥٧) كلهم من طريق ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن خيثم فإنه حسن الحديث. ٣٨ - باب أن العباد يؤتون صحائف أعمالهم قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف: ٤٩] وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ

стр. 8558

كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [سورة الإسراء: ١٣ - ١٤] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ [سورة الحاقة: ١٩ - ٢٩] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [سورة الإنشقاق: ٧ - ١٥] ٣٩ - باب يقرر اللَّه المؤمن بذنوبه يوم القيامة ثم يغفرها له • عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول في النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه ، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على اللَّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٨٥)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٨) كلاهما من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن صفوان بن مُحْرز قال: قال رجل لابن عمر، فذكره. واللفظ لمسلم. ٤٠ - باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا • عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه لا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها". صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٨٠٨) من طرق عن يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: فذكره. وفي رواية عنده من طريق سليمان التيمي، عن قتادة، عنه مرفوعا بلفظ: "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طُعمة من الدنيا، وأما المؤمن، فإن اللَّه يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته".

стр. 8559

٤١ - باب مصير من نسي لقاء ربه يوم القيامة قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [سورة الجاثية: ٣٣ - ٣٤] • عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول اللَّه، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟ " قالوا: لا، قال: "فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟ " قالوا: لا، قال: "فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبد، فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس، وتربع، فيقول: بلى، أي رب فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك، وبكتابك، وبرسلك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ها هنا إذا، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط اللَّه عليه". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦٨) عن محمد بن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: فذكره. • عن أبي هريرة، وأبي سعيد، قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول اللَّه له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني". حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٢٨) عن عبد اللَّه بن محمد الزهري البصري، قال: حدّثنا مالك بن سعير أبو محمد التميمي الكوفي، قال: حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد، قالا: فذكراه. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن محمد الزهري وشيخه مالك بن سعير التميمي، فكلاهما

стр. 8560

حسنا الحديث. قال الترمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب". ٤٢ - باب مصير من ينتهك محارم اللَّه في الخلوة يوم القيامة • عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضًا، فيجعلها اللَّه هباءً منثورًا"، قال ثوبان: يا رسول اللَّه، صفهم لنا، جلهم لنا أن لا نكون منهم، ونحن لا نعلم، قال: "أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم اللَّه انتهكوها". حسن: رواه ابن ماجه (٤٢٤٥)، والروياني في مسنده (٦٥٨)، والطبراني في الأوسط (٤٦٣٢) كلهم من حديث عيسى بن يونس الرملي، قال: حدّثنا عقبة بن علقمة بن حُدَيج المَعافري، عن أرطاة بن المنذر، عن أبي عامر الألهاني، عن ثوبان، فذكره. وإسناده حسن، من أجل عيسى بن يونس الرملي وشيخه عقبة بن علقمة بن حديج المعافري فكلاهما حسن الحديث. قال المنذري في الترغيب (٣٥٧٥): "رواه ابن ماجه، ورواته ثقات". وقال البوصيري: "هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات، وأبو عامر الألهاني اسمه عبد اللَّه بن غابر". ٤٣ - باب اقتصاص المظالم بين الخلق يوم القيامة • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنْزله في الجنة منه بمنْزله كان في الدنيا". صحيح: رواه البخاري (٦٥٣٥) عن الصلت بن محمد، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. • عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٣٤) عن إسماعيل، حدّثني مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.

стр. 8561

• عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: "أتدرون ما المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٨١) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبى هريرة، فذكره. • عن عبد اللَّه بن أُنيس، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُحشر النّاسُ يوم القيامة -أو قال: العباد- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا". قال: قلنا: وما بُهْمًا؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك، أنا الدَّيَّان. ولا ينبغي لأحد من أهل النّار أن يدخل النّار، وله عند أحد من أهل الجنة حقٌّ حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حقٌّ حتى أقصه منه حتى اللَّطْمة". قال: قلنا: كيف وإنّا إنما نأتي اللَّه عُراة غُرلًا بُهْمًا؟ قال: "بالحسنات والسَّيئات". حسن: رواه أحمد (١٦٠٤٢) -واللّفظ له- والبخاريّ في الأدب المفرد (٩٧٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٥١٤)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٤٣٧) كلهم من طرق عن همّام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكيّ، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن أنيس، فذكره. وإسناده حسن من أجل القاسم بن عبد الواحد المكي، وشيخه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، فكلاهما حسن الحديث. والكلام عليه مبسوط في كتاب العلم. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من ضرب ضربا ظلما اقتص منه يوم القيامة". حسن: رواه البخاريّ في الأدب المفرد (١٨٦) والبزار (٩٥٣٥) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن رجاء، حدّثنا أبو العوام عمران القطان، عن قتادة، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمران بن داور القطان؛ فإنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت بما ينكر عليه. وحسنه الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٥٣). إلا أن الدارقطني أعله في علله (٢١١٣) لمخالفة محمد بن بلال؛ فإنه رواه عن عمران، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة. وقال: "وليس فيها شيء صحيح". كذا قال رحمه اللَّه تعالى! وعبد اللَّه بن رجاء هو ابن عمر الفداني البصري، صدوق، لا بأس به

стр. 8562

عند جمهور أهل العلم. ولذا قال البزار بعد أن ذكر هذا الخلاف: "عبد اللَّه بن رجاء أشهر من محمد بن بلال" وهو ترجيح منه؛ فلا تقدح مخالفة محمد بن بلال في صحة هذا الحديث. وروي عن عائشة أن رجلا قعد بين يدي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال: "يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا، لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك. وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل". قال: فتنحى الرجل، فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما تقرأ كتاب اللَّه الآية ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فقال الرجل: واللَّه يا رسول اللَّه، ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم. رواه الترمذيّ (٣١٦٥) من طرق عن عبد الرحمن بن غزوان أبي نوح قال: حدّثنا ليث بن سعد، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، فذكرته. وقال: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان، وقد روى أحمد ابن حنبل، عن عبد الرحمن بن غزوان، هذا الحديث". وهو كما قال، فقد رواه أحمد في مسنده (٢٦٤٠١) عن أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان، عن ليث بن سعد، به نحوه. وسئل عن أحمد بن صالح عن حديث قراد هذا فقال: "هذا باطل مما وضع الناس، وليس كل الناس يضبط هذه الأشياء". فلعل عبد الرحمن بن غزوان لم يضبط ولم يتنبه لهذا مع أنه ثقة، وهو ليس من حديث مالك، فقد نقل الدارقطني عن شيخه أبي بكر النيسابوري أنه قال: "ليس هذا من حديث مالك، وأخطأ فيه قراد، والصواب عن الليث ما حدّثنا به بحر بن نصر من كتابه، حدّثنا ابن وهب، أخبرني الليث، عن زياد بن عجلان، عن زياد مولى ابن عياش قال: أتى رجل، فجلس بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فذكره. ذكر ذلك كله ابن حجر في تهذيب التهذيب. وهذا منقطع؛ لأن الليث بن سعد لم يدرك زياد بن عجلان. وقد ذكر الإمام أحمد الإسناد الثاني بعد الإسناد الأول مباشرة فقال: "وعن بعض شيوخهم أن زيادًا مولى عبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة حدثهم عمن حدثه عن النبي ﷺ ، فذكره". وفيه إبهام. • عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٨٢) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن

стр. 8563

العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه أحمد (٨٧٥٦) من طريق يحيى بن عقيل، عن أبي هريرة نحوه، وزاد فيه: "وحتى للذرَّة من الذرَّة". وإسناده حسن. • عن أبي ذر، أن رسول اللَّه ﷺ كان جالسا، وشاتان تعتلفان، فنطحت إحداهما الأخرى، فأجهضتها، قال: فضحك رسول اللَّه ﷺ ، فقيل له: ما يضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: "عجبت لها، والذي نفسي بيده، ليقادن لها يوم القيامة". حسن: رواه عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه (٢١٥١١)، فقال: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يديه: حدّثنا عبيد اللَّه بن محمد، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا ليث، عن عبد الرحمن ابن ثروان، عن الهزيل بن شرحبيل، عن أبي ذر، فذكره. وفي هذا الإسناد ليث -وهو ابن أبي سليم- سيء الحفظ، لكن يقويه ما رواه أحمد (٢١٤٣٨) من طريق سليمان الأعمش، عن منذر بن يعلى الثوري، عن أشياخ له، عن أبي ذر، فذكر نحوه. وأشياخ منذر الثوري لم يسموا، وهم جمع من التابعين، فتغتفر جهالتهم، وعلى كل فالحديث بالإسنادين يصير حسنا. ٤٤ - باب ما جاء في الميزان قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٨ - ٩] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [سورة القارعة: ٦ - ١١]. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان اللَّه وبحمده سبحان اللَّه العظيم". متفق عليه: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٤٠٦)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩٤) كلاهما من طريق ابن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد للَّه تملأ الميزان، وسبحان اللَّه والحمد للَّه تملآن -أو تملأ- ما بين السموات والأرض. . . " الحديث. صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٢٣)، عن إسحاق بن منصور، ثنا حبان بن هلال، ثنا أبان

стр. 8564

(هو ابن يزيد العطار)، ثنا يحيى (هو ابن أبي كثير) أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "من احتبس فرسا في سبيل اللَّه إيمانا باللَّه، وتصديقا بوعده؛ فإن شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة". صحيح: رواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٨٥٣) عن علي بن حفص، حدّثنا ابن المبارك، أخبرنا طلحة بن أبي أسيد قال: سمعت سعيدًا المقبري يحدّث أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره. • عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه سيخلِّصُ رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشرُ عليه تسعة وتسعين سِجِلًّا كلُّ سجل مثل مدّ البصر، ثم يقول: أتنكرُ من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربّ. فيقول: أفلك عذرٌ؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنةً فإنه لا ظُلم عليك اليوم، فَتَخرجُ بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احْضُرْ وَزْنَك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السّجلات؟ فقال: إنّك لا تُظْلَمُ، قال: فتوضع السجلات في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشتِ السجلاتُ وثقلت البطاقةُ، فلا يثقل مع اسم اللَّه شيءٌ". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٦٣٩) -واللفظ له- وابن ماجه (٤٣٠٠) كلاهما من حديث الليث ابن سعد، قال: حدّثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الحبلي، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فذكر الحديث. ورواه أحمد (٦٩٩٤) من هذا الوجه، وصحّحه ابن حبان (٢٢٥)، والحاكم (١/ ٦) وقال: "صحيح الإسناد". وقال الترمذيّ: "حسن غريب". قلت: بل الصواب أنه صحيح فإن رجاله ثقات. ورواه أحمد (٧٠٦٦) عن قتيبة، حدّثنا ابن لهيعة، عن عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، فيوضع ما أحصي عليه، فتمايل به الميزان". قال: "فيبعث به إلى النار، فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن، يقول: لا تعجلوا، لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا اللَّه، فتوضع مع الرجل في كفة، حتى يميل به الميزان". وإسناده حسن، ابن لهيعة فيه كلام معروف، لكن رواية قتيبة عنه احتملها بعض الأئمة كرواية العبادلة، إلا أنه وقع خطأ في اسم أحد رواته، وهو عمرو بن يحيى، والصواب: عامر بن يحيى،

стр. 8565

فقد رواه الترمذيّ (م ٢٦٣٩) عن قتيبة بهذا الإسناد، وسماه عامر بن يحيى، ولم يذكر الترمذيّ لفظ هذه الرواية، وإنما أحال على حديث الليث بن سعد بقوله: نحوه. • عن ابن مسعود أنه كان يجتَنِي سِواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلتِ الريحُ تكفَؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مِمَّ تضحكون؟ " قالوا: يا نبيَّ اللَّه من دقة ساقيه، فقال: "والذي نفسي بيده! لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد". حسن: رواه أحمد (٣٩٩١) وأبو يعلى (٥٣١٠) والبزار -كشف الأستار- (٢٦٧٨) والطبراني في الكبير (٨٤٥٢) كلهم من طريق عاصم، عن زِرّ بن حُبيش عن ابن مسعود، فذكره. وصحّحه ابن حبان (٧٠٦٩) فرواه من هذا الوجه. وإسناده حسن من أجل عاصم وهو: ابن أبي النَّجود مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٩/ ٥٠٦): "تفرد به أحمد (أي عن أصحاب الكتب الستة)، وإسناده جيد قوي". ومجموع هذه الأحاديث تدل على أن الذي يوزن في الميزان يوم القيامة هو العمل والعامل وصحيفة عمله. ٤٥ - باب لا يقيم اللَّه للكافر وزنًا يوم القيامة قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]. • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة" وقال: اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ " [الكهف: ١٠٥]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٢٩)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٥) كلاهما من طريق يحيى بن بكير، حدّثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، حدّثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ٤٦ - باب في الحوض قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] • عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدًا". وفي لفظ: "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق". والباقي مثله.

стр. 8566

متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٧٧) عن سعيد بن أبي مريم، حدّثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: قال عبد اللَّه بن عمرو، فذكره. ورواه مسلم في الفضائل (٢٢٩٢) عن داود بن عمرو الضبي، حدّثنا نافع بن عمر الجمحي، به باللفظ الثاني. • عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما آنية الحوض؟ قال: "والذي نفس محمد بيده! لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسَل". صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٠٠) من طرق عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبى ذر، فذكره. • عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه -أو طيبه- مسك أذفر". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٨١) من طرق عن همام، حدّثنا قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال النبيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده لأذودنَّ رجالًا عن حوضي كما تُذاد الغريبة من الإبل عن الحوض". متفق عليه: رواه البخاريّ في المساقاة (٢٣٦٧)، ومسلم في الفضائل (٢٣٠٢) من طرق عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشدّ بياضًا من الثّلْج، وأحلى من العسل باللّبن، ولآنيتُه أكثر من عدد النّجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصدّ الرّجل إبل الناس عن حوضه". قالوا: يا رسول اللَّه، أتعرفنا يومئذ؟ قال: "نعم لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون عليَّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء". وفي رواية: "ترد عليَّ أمّتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله". قالوا: يا نبي اللَّه، أتعرفنا؟ قال: "نعم لكم سيما ليست لأحد

стр. 8567

غيركم. تردون علي غرًّا محجّلين من آثار الوضوء. وليُصدَنَّ عنّي طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملكٌ فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ ". صحيح: رواه مسلم في الطّهارة (٢٤٧) من طرق عن مروان الفزاريّ، عن أبي مالك الأشجعيّ سعد بن طارق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، فذكره. والرواية الثانية عنده من طريق ابن فُضيل، عن أبي مالك الأشجعي، بإسناده. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجال منكم، حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٤٩)، ومسلم في الفضائل (٢٢٩٧) كلاهما من طريق مغيرة، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. • عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعتُ النّبيَّ ﷺ يقول: "أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب منه، ومَنْ شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا، ليرد عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم". قال أبو حازم: فسمعني النّعمان بن أبي عياش، وأنا أحدّثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلًا؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدريّ لسمعته يزيد فيه، قال: "إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدّل بعدي". متفق عليه: رواه البخاريّ في الفتن (٧٠٥٠، ٧٠٥١)، ومسلم في الفضائل (٢٢٩٠) كلاهما من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم، فذكره. • عن حذيفة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليردن علي الحوض أقوام فيختلجون دوني فأقول: رب أصيحابي، رب أصيحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٢٩٧) وأحمد (٢٣٢٩٠) من طرق عن حصين، عن أبي وائل، عن حذيفة، فذكره. واللفظ لأحمد، ولم يذكر مسلم لفظه، وإنما أحال على حديث قبله. وذكره البخاري في الرقاق عقب (٦٥٧٦) معلقا، فقال: وقال حصين، عن أبي وائل، عن حذيفة، فذكره.

стр. 8568

٤٧ - باب رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة • عن جرير بن عبد اللَّه قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس، فافعلوا". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٤)، ومسلم في المساجد (٦٣٣) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، ثنا قيسر بن أبي حازم، قال: سمعت جرير بن عبد اللَّه، فذكره. وزاد مسلم: ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الإيمان. ٤٨ - باب يحشر الكافر إلى النار على وجهه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [سورة الفرقان: ٣٤] • عن أنس بن مالك، أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: "أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا، قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ ". قال قتادة: بلى، وعزة ربنا. متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٢٣)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٨٠٦) كلاهما من طريق يونس بن محمد البغدادي، حدّثنا شيبان، عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره. ٤٩ - باب المرور على الصراط يوم القيامة قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة الحديد: ١٢ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] • عن عائشة، قالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عن قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ

стр. 8569

غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فأين يكون الناس يومئذ يا رسول اللَّه؟ فقال: "على الصراط". صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٩١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا علي بن مُسْهر، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: فذكرته. • عن أبي سعيد الخدري، أن ناسا في زمن رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "نعم" في حديث طويل، وجاء فيه: "ثم يُضْربُ الجسْرُ على جَهَنَّمَ وتَحِلُّ الشَّفاعةُ. ويقولون: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ". قيل: يا رسول اللَّه، وما الجسر؟ قال: "دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فيه خَطَاطِيف وكلالِيبُ وَحَسَكٌ، تكونُ بنجدٍ فيها شُوَيْكةٌ يقال: لها السَّعْدانُ، فيمر المؤمنون كطَرْف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والرِّكاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ ومَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، ومَكْدُوسٌ في نار جَهَنَّم. حتى إذا خَلَصَ المؤمنون من النّار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدَّ مُناشَدةً للَّه في استقصاءِ الحقِّ من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النّار". . . الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٨١)، ومسلم في الإيمان (١٨٣) كلاهما من حديث حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكر الحديث، واللّفظ لمسلم. • عن أبي هريرة وحذيفة في حديث الشّفاعة الطويل: "فيأتون محمّدًا ﷺ فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانةُ والرَّحم، فتقومان جَنَبَتَي الصِّراطِ يمينًا وشمالًا فيمرُّ أوّلكم كالبرق". قال: قلتُ: بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمرّ الرّيح، ثم كمرّ الطّير وشدّ الرّجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراط يقول: ربِّ سَلِّم سَلِّم، حتى تَعْجِز أعمالُ العباد حتى يجيء الرَّجُل فلا يستطيعُ السَّيْر إلّا زَحْفًا". قال: "وفي حافتي الصِّراط كلاليب مُعَلَّقة مأمورةٌ بأخذ مَنْ أُمِرتْ به، فمخدوشٌ ناجٍ، ومكدوسٌ في النّار". والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنّم لسبعون خريفًا. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٥) عن محمد بن طريف بن خليفة، حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وأبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة، فذكراه.

стр. 8570

• عن ابن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "آخرُ من يدخل الجنّة رجلٌ، فهو يمشي مرّة ويكبو مرّة، وتَسْفَعُه النّار مرّة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجّاني منكِ، لقد أعطاني اللَّه شيئًا ما أعطاهُ أحدًا من الأوّلين والآخرين. . . ". الحديث. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عفّان بن مسلم، حدّثنا حماد بن سلمة، حدّثنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن ابن مسعود، فذكره. • عن أبي أسماء: أنه دخل على أبي ذر، وهو بالربذة، وعنده امرأة سوداء مسغبة ليس عليها أثر المجاسد والخلوق، قال: فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السوداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، وإن خليلي ﷺ عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة، وإنا نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار -أو في أحمالنا اضطهار- أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير. صحيح: رواه أحمد (٢١٤١٦) والحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (١٠٨٧) كلاهما عن عفان، حدّثنا همام، حدّثنا قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، فذكره. وإسناده صحيح. قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤٧٧٢): "رواه أحمد ورواته رواة الصحيح" اهـ. وتبعه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٥٨). • عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يُوضَعُ الصِّراط بين ظَهْرَي جَهَنَّمَ، عليه حَسَكٌ كحَسَكِ السَّعْدان، ثم يَسْتجيزُ النّاسُ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومجروحٌ به، ثم ناجٍ ومُحْتَبس به فمنكوس فيها. . . " الحديث بطوله. حسن: رواه أحمد (١١٠٨١) واللفظ له، وابن خزيمة في التوحيد (٦٤٨)، وابن ماجه (٤٢٨٠) مختصرًا، والحاكم (٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦) -وصحّحه- كلهم من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدّثني عبيد اللَّه بن المغيرة بن مُعيقيب، عن سليمان بن عمرو بن عبد العُتْواريّ -أحد بني ليث- وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، قال: سمعت أبا سعيد يقول: فذكره. وإسناده حسن؛ لأنّ فيه محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث. • عن أبي بكرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "يُحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فتقادعُ بهم جنبتا الصّراط تقادع الفراش في النّار. قال: فينجّي اللَّهُ برحمته من يشاء". الحديث. حسن: رواه أحمد (٢٠٤٤٠)، والبزّار (٣٦٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٣٨) كلّهم من حديث عفان بن مسلم، حدّثنا سعيد بن زيد، قال: سمعت أبا سليمان العصري، حدّثنا عقبة بن صُهبان، عن أبي بكرة، فذكره.

стр. 8571

وإسناده حسن من أجل سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن زيد فإنه حسن الحديث، وأبو سليمان العصريّ وثقه ابن معين كما حكى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٨٠) وسمّاه الدّولابيّ في الكنى (١/ ١٩٥) كعب بن شبيب، وأخرج الحديث من طريق آخر عن سعيد بن زيد بإسناده مثله. ٥٠ - باب جامع في ذكر عدد من مشاهد يوم القيامة • عن أبي سعيد الخدري، أن ناسا في زمن رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "نعم" قال: "هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: "ما تضارون في رؤية اللَّه ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللَّه سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر، وغُبِّر أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن اللَّه، فيقال: كذبتم ما اتخذ اللَّه من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا، فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن اللَّه، فيقال لهم، كذبتم ما اتخذ اللَّه من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا، فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك، لا نشرك باللَّه شيئًا مرتين أو ثلاثا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاء نفسه إلا أذن اللَّه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل اللَّه ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في

стр. 8572

صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشّفاعة، ويقولون: اللهم سلم، سلم" قيل: يا رسول اللَّه، وما الجسر؟ قال: "دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسَك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم. حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة للَّه في استقصاء الحق من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا". وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. "فيقول اللَّه : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر، أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ " فقالوا: يا رسول اللَّه، كأنك كنت ترعى بالبادية، قال: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء اللَّه الذين أدخلهم اللَّه الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدَّموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا، أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا، أي

стр. 8573

شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". وفي رواية بعد قوله: "بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه": "لكم ما رأيتم ومثله معه". وقال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحدّ من السيف". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٩)، ومسلم في الإيمان (١٨٣) كلاهما من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره. واللفظ لمسلم. وليس عند البخاري في هذه الرواية: "فيقولون ربنا أعطيتنا. . . الخ". وقول أبي سعيد الأخير ذكره مسلم. • عن عطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة أخبره، أنّ ناسًا قالوا لرسول اللَّه ﷺ : يا رسول اللَّه، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "هل تضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "فإنّكم ترونه كذلك. يجمعُ اللَّهُ النَّاسَ يوم القيامة، فيقول: مَنْ كان يعبد شيئًا فَلْيَتَّبِعْهُ فيَتَّبِعُ مَنْ كان يعبد الشّمسَ الشَّمسَ، ويَتَّبِعُ مَنْ كان يعبد القمرَ القمرَ، ويَتَّبِعُ مَنْ كان يعبد الطَّواغيتَ الطَّواغيتَ، وتبقى هذه الأمّةُ فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّهُ ﵎ في صورةٍ غيرِ صورته التي يعرفونَ. فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك! هذا مكانُنا حتّى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه تعالى في صورته التي يعرفون فيقول. أنا ربُّكم. فيقولون: أنت ربُّنا، فيَتَّبِعُونه. ويُضْرَبُ الصِّراطُ بين ظَهْرَي جَهَنَّمَ. فأكونُ أنا وأمَّتي أوَّلَ مَنْ يُجيزُ، ولا يتكلَّمُ يومئذ إلا الرُّسُل، ودَعْوَى الرُّسُلِ يومئذٍ: اللَّهمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ. وفي جهنَّمَ كلاليبُ مثلُ شَوك السَّعْدان، هل رأيتم السَّعْدان؟ ". قالوا: نعم، يا رسول اللَّه. قال: "فإنّها مثلُ شَوْك السَّعدان، غير أنّه لا يعلمُ ما قَدْرُ عِظَمِها إلّا اللَّه، تَخْطَفُ الناس بأعمالهم. فمنهم المؤمن بقي بعمله، ومنهمُ المجازَى حتَّى يُنَجَّى. حتى إذا فَرَغَ اللَّهُ من القضاء بين العبادِ، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النّار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك باللَّه شيئًا ممن أراد اللَّه تعالى أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا اللَّه، فيعرفونَهم في النّار، يعرفونهم بأثر السُّجود، تأكل النّارُ من ابنِ آدم إلّا أثر السُّجود، حرَّم اللَّهُ على النّار أن تأكل أثر السُّجود، فيُخْرجُون من النّار وقد امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عليهم ماءُ الحياةِ فَيَنْبُتُون منه كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في حَمِيل السَّيْل.

стр. 8574

ثم يفرُغُ اللَّهُ تعالى من القضاء بين العبادِ، ويبقى رَجُلٌ مقبل بوجهه على النّار -وهو آخر أهل الجنة دخولًا الجنة- فيقول: أي ربِّ اصْرِفْ وجهي عن النّار، فإنه قد قَشَبَنِي ريحُها وأحرقني ذَكاؤُها. فيدْعُو اللَّهَ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَهُ، ثم يقول اللَّه ﵎: هل عسيتَ إنْ فعلتُ ذلك بك أَنْ تَسْألَ غَيْرَه؟ فيقول: لا أسألك غيره، ويُعطي ربَّه من عهودٍ ومَواثيقَ ما شاء اللَّه، فيصرفُ اللَّهُ وَجْهَه عن النّار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكتَ ما شاء اللَّه أَنْ يَسْكُتَ. ثمّ يقول: أيْ ربِّ قَدِّمْني إلى باب الجنة. فيقول اللَّه له: أليسَ قد أعطيتَ عهودَك ومواثيقَك لا تسألني غير الذي أعطيتُك، ويَلْك يا ابنَ آدم ما أغْدَرَكَ! فيقول: أيْ ربِّ ويدعو اللَّه حتّى يقول له: فَهلْ عسيتَ إنْ أعطيتُك ذلك أن تسأل غيْرَه؟ فيقول: لا وعِزَّتِك فيعطي ربَّه ما شاء اللَّه من عهودٍ ومواثيقَ فيقدِّمُه إلى باب الجنة، فإذا قام علي باب الجنة انْفَهَقَتْ له الجنَّةُ، فرأى ما فيها من الخير والسُّرور، فيسكتُ ما شاء اللَّهُ أن يسكتَ، ثم يقول: أَيْ ربِّ أَدْخِلني الجنَّةَ. فيقول اللَّه ﵎ له: أليس قد أعطيتَ عهودَك ومواثيقَك أن لا تسأل غير ما أعطيت؟ ! ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول: أيْ ربِّ لا أكون أشقى خَلْقِك، فلا يزال يدعو اللَّه حتّى يضْحَكَ اللَّهُ ﵎ منه فإذا ضَحِكَ اللَّه منه. قال: ادْخُل الجنَّة، فإذا دخلها قال اللَّه له: تَمَنَّهْ فيسأل ربَّه ويتمَنّى، حتّى إنّ اللَّه ليُذَكِّرُه مِنْ كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأمانيُّ. قال اللَّه تعالى: ذلك لك ومثلُه معه". قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يردّ عليه من حديثه شيئًا حتى إذا حدّث أبو هريرة: "إنّ اللَّه قال لذلك الرجل: ومثلُه معه". قال أبو سعيد: "وعشرة أمثاله معه" يا أبا هريرة. قال أبو هريرة: ما حفظت إلّا قوله ذلك: "ذلك لك ومثله معه". قال أبو سعيد: أشهدُ أنّي حفظتُ من رسول اللَّه ﷺ قوله ذلك: "ذلك لك وعشرة أمثاله". قال أبو هريرة: "وذلك الرَّجلُ آخر أهل الجنة دخولًا الجنة". متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٧)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد اللّيثيّ، فذكره. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يجمع اللَّه الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطّلع عليهم ربُّ العالمين فيقول: ألا يتبع كلُّ إنسان ما كانوا يعبدونه، فيُمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النّار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطَّلعُ عليهم ربُّ العالمين فيقول: ألا

стр. 8575

تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ باللَّه منك، نعوذ باللَّه منك، اللَّه ربُّنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربَّنا وهو يأمرهم ويثبّتُهم، ثم يتوارى ثم يطَّلعُ فيقول: ألا تتّبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ باللَّه منك، نعوذ باللَّه منك، اللَّهُ ربُّنا، وهذا مكاننا حتى نرى ربَّنا وهو يأمرهم ويثبّتُهم". قالوا: وهل نراه يا رسول اللَّه؟ قال: "وهل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: "فإنّكم لا تُضَارُّون في رؤيته تلك السّاعة. ثم يتوارى، ثم يطّلعُ فيُعرِّفُهم نَفْسَه، ثم يقول: أنا ربُّكم فاتبعوني فيقوم المسلمون، ويوضع الصّراط فيمرون عليه مثل جياد الخيل والرّكاب وقولهم عليه: سلِّم سلِّم، ويبقى أهلُ النار فيطرح منهم فيها فوجٌ فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد، ثم يطرح فيها فوجٌ، فيقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد، حتى إذا أُوعِبُوا فيها وضع الرحمن قدمه فيها، وأُزْوِيَ بعضُها إلى بعض، ثم قال: قط، قالت: قط قط، فإذا أدخل اللَّه أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، قال: أُتِي بالموت مُلَبّبًا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة فيطّلِعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار فيطّلعون مستبشرين يرجون الشّفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون هؤلاء وهؤلاء: قد عرفناه، هو الموت الذي وُكِّل بنا، فيضجع فيذبح ذبحا على السُّور الذي بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النّار خلود لا موت". حسن: رواه الترمذيّ (٢٥٥٧)، وابن خزيمة في التوحيد (١٥٠) كلاهما من طريق عبد العزيز بن محمد الدّراوردي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل عبد العزيز بن محمد الدراوردي فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف الثقات. وقال الترمذيّ: "حسن صحيح". • عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "يجمع اللَّه الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، قال: وينزل اللَّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسيّ، ثم ينادي منادٍ: أيّها الناس ألم ترضوا من ربّكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كلَّ ناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدين؟ أليس ذلك عدلا من ربّكم؟ قالوا: بلى. قال: فلينطلق كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا. قال:

стр. 8576

فينطلقون، ويمثل لهم أشياء ما كانوا يعبدون؛ فمنهم من ينطلق إلى الشّمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة، وأشباه ما كانوا يعبدون. قال: ويُمثَّل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويُمثّل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير، ويبقى محمّد ﷺ وأمّتُه. قال: فيتمثل الرّب فيأتيهم فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ قال: فيقولون: إن لنا لإلهًا ما رأيناه بعدُ. فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: إنّ بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها؟ قال: فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه. قال: فعند ذلك يكشف عن ساق، فيخرُّ كلُّ من كان بظهره طَبَق، ويبقى قوم ظهورهم كصياصيِّ البقر يريدون السُّجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يُدعَون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم، فيرفعون رؤوسهم، فيعطيهم نورَهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك، ومنهم من يعطى نورًا مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نورًا أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ مرة، فإذا أضاء قدّم قدمه فمشى، وإذا طفئ قام. قال: والربُّ أمامهم حتى يمر في النار فيبقى أثره كحد السيف دحض مَزلّة. قال: ويقول: مُرُّوا، فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمرُّ كالرّيح، ومنهم من يمرُّ كشدّ الفرس، ومنهم من يمرّ كشدّ الرجل، حتى يمر الذي أعطي نوره على إبهام قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه، تخرّ يد وتعلق يد، تخرّ رجل وتعلق رجل، ويصيب جوانبه النّار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها، ثم قال: الحمد للَّه لقد أعطاني اللَّه ما لم يعط أحدًا أن نجاني منها بعد إذ رأيتها. قال: فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة، فيغتسل، فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم، فيرى ما في الجنة من خلال الباب، فيقول: ربِّ أدخلني الجنة. فيقول اللَّه له: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النّار؟ فيقول: رب اجعل بيني وبينها حجابا لا أسمع حسيسها. قال: فيدخل الجنة. قال: فيرى أو يرفع له منزلًا أمام ذلك كأنما هو فيه إليه حلم. فيقول: ربّ أعطني ذلك المنزل. فيقول له: فلعلّك إن أعطيتكه تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتِك لا أسألك غيره، وأيُّ منزل يكون أحسن منه؟ فيعطيه فينزله، ويرى أمام ذلك منزلًا كأنما هو فيه إليه حلم، قال: رب

стр. 8577

أعطني ذلك المنزل، فيقول اللَّه له: فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه، قال: فيعطى منزله، قال: ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما هو إليه حلم، فيقول: أعطني ذلك المنزل. فيقول اللَّه ﷻ : فلعلّك إنْ أعطيتُكَهُ تسأل غيره؟ ! قال: لا وعزّتِك لا أسألُك غيره، وأيُّ منزلٍ يكون أحسن منه؟ ! قال: فيُعطاه فينزله، ثم يسكت، فيقول اللَّه : ما لك لا تسأل؟ فيقول: رب لقد سألتُك حتى استحييتك، وأقسمت لك حتى استحييتك. فيقول اللَّه تعالى: ألم ترضَ أن أعطيك مثل الدّنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربُّ العِزّة، فيضحكُ الرّبُّ من قوله. قال: فرأيت عبد اللَّه بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مرارًا، كلما بلغت هذا المكان ضحكتَ؟ - فقال: إنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدِّثُ هذا الحديث مرارًا، كلّما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضَحِك حتى تبدو أضراسه. قال: فيقول الرّبُّ : لا، ولكني على ذلك قادر سَلْ، فيقول: ألحقني بالناس، فيقول: الحق الناس. قال: فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من النّاس، رفع له قصر من درّة فيخر ساجدًا. فيقال له: ارفع رأسك، مالك؟ فيقول: رأيت ربّي أو تراءى لي ربّي! فيقال له: إنّما هو منزل من منازلك. قال: ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له، فيقال له: مَهْ مالك؟ فيقول: رأيت أنك ملك من الملائكة، فيقول: إنما أنا خازن من خزّانك، عبد من عبيدك، تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه. قال: فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر. قال: وهو في درّة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة، جوهرة خضراء مبطنة بحمراء، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى، في كلّ جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة، يُرى مخُّ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادتْ في عينه سبعين ضعفًا عمّا كانت قبل ذلك، وإذا أعرضتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا عمّا كان قبل ذلك. فيقول لها: واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! وتقول له: وأنت واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا! فيقال له: أَشْرِفْ. قال: فيُشْرِفُ، فيقال له: ملكك مسيرة مائة

стр. 8578

عام ينفذه بصره". قال: فقال عمر: ألا تسمع ما يحدّثنا ابنُ أمِّ عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلًا، فكيف أعلاهم؟ فقال كعب: يا أمير المؤمنين، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إنّ اللَّه جعل دارًا، فجعل فيها ما شاء من الأزواج والثّمرات والأشربة، ثم أطبقها، ثم لم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧] قال: وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء، وأراهما من شاء من خلقه. ثم قال: مَنْ كان كتابه في عليين نزل تلك الدّار التي لم يرها أحدٌ، حتى إنّ الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فما تبقى خيمة من خيم الجنّة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون بريحه، فيقولون: واهًا لهذا الريح! هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكة فقال: ويحك يا كعب! إنّ هذه القلوب قد استرسلتْ واقبضها. فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّ لجهنّم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه حتى إنّ إبراهيم خليل اللَّه ليقول: رب نفسي نفسي، حتى لو كان لك عمل سبعين نبيا إلى عملك لظننتَ أنّك لا تنجو. حسن: رواه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢٧٨)، وعبد اللَّه بن أحمد في السنة (١٢٠٣)، والطبرانيّ في الكبير (٩/ ٤١٦ - ٤٢١)، والدارقطني في الرؤية (١٦١)، وابن مندة في التوحيد (٥٣١)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) من طريقين عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد اللَّه، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. وإسناده حسن من أجل المنهال بن عمرو؛ فإنه حسن الحديث. وقال الحاكم بعد ما رواه من طريق أبي خالد الدالاني عن المنهال، به: "رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات غير أنهما لم يخرّجا أبا خالد الدّالانيّ في الصحيحين؛ لما ذكر من انحرافه عن السنة في ذكر الصّحابة. فأمّا الأئمّة المتقدّمون فكلّهم شهدوا لأبي خالد بالصّدق والإتقان، والحديث صحيح، ولم يخرجاه، وأبو خالد الدالانيّ ممن يُجمع حديثُه في أئمّة أهل الكوفة". وتعقّبه الذّهبيُّ بقوله: "ما أنكرَه حديثًا! على جودة إسناده، وأبو خالد شيعيٌّ منحرف". وأما في "العلو" (٢٠٠) فحسّن إسناده مطلقًا. قلت: وأبو خالد الدّالانيّ اسمه يزيد بن عبد الرحمن الأسديّ الكوفي، قال فيه ابن معين والنسائيّ: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وتكلّم فيه ابن حبان، ولكن شيخه ابن خزيمة أخرج عنه وأقرّ به. وقد تابعه زيد بن أبي أنيسة عند عبد اللَّه بن أحمد والطبراني وغيرهما، وهو ثقة.

стр. 8579

٦٧ - كتاب صفة الجنة والنار، وأهلها جموع ما جاء في صفة الجنة ١ - باب أن الجنة سلعة اللَّه الغالية • عن أبي بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج فقد بلغ المنْزل، ألا إن سلعة اللَّه غالية! ألا إن سلعة اللَّه الجنة، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه". حسن: رواه الحاكم (٤/ ٣٠٨)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٧) كلاهما من طرق عن سفيان الثوري، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، قال: فذكره. ورواه الترمذيّ (٢٤٥٧)، وأحمد (٢١٢٤١ - ٢١٢٤٢) والحاكم (٢/ ٤٢١) كلهم من طريق سفيان الثوري، به مختصرًا. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن محمد بن عقيل فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث ما لم يتبين خطؤه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة اللَّه غالية، ألا إن سلعة اللَّه الجنة". حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٥٠) وعبد بن حميد (١٤٦٠) والحاكم (٤/ ٣٠٧) كلهم من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، حدّثنا أبو عقيل الثقفي قال: حدّثنا أبو فروة يزيد بن سنان التميمي قال: حدّثني بكير بن فيروز، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: فذكره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر". قلت: إسناده حسن؛ أبو فروة يزيد بن سنان مختلف فيه، وقال البخاري: مقارب الحديث. وقال أبو زرعة: محله الصدق. وضعفه آخرون، فمثله يحسن حديثه إذا كان له أصل. وقد حسنه الترمذي، وصحّحه الحاكم. ٢ - باب ما جاء في سعة الجنة قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

стр. 8580

[آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] • عن أنس بن مالك في قصة غزوة بدر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض" قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول اللَّه! جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما يحملك على قول بخ بخ؟ " قال: لا، واللَّه يا رسول اللَّه! إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها" فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل. صحيح: رواه مسلم في الإمارة (١٤٥: ١٩٠١) من طرق عن هاشم بن القاسم، حدّثنا سليمان (هو ابن المغيرة) عن ثابت، عن أنس، فذكره. • عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، أرأيت جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ قال: "أرأيت الليل الذي قد ألبس كل شيء فأين جعل النهار؟ " قال: اللَّه أعلم، قال: "كذلك يفعل اللَّه ما يشاء". صحيح: رواه إسحاق بن راهويه (٤٣٧)، والبزار (٩٣٨٠)، وصحّحه ابن حبان (١٠٣)، والحاكم (١/ ٣٦) كلهم من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصم، ثنا يزيد ابن الأصم، عن أبي هريرة، فذكره. ووقع في مسند البزار وصحيح ابن حبان: "عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه"، وفي مسند إسحاق بن راهويه ومستدرك الحاكم: "عَبد اللَّه بن عبد اللَّه". وكلاهما أخوان يرويان عن عمهما يزيد بن الأصم، وهما صدوقان. وأما ابن حجر فقال عن عُبيد اللَّه: "مقبول"، لكن روى عنه أئمة كبار، وأخرج له مسلم في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات. فالإسناد مهما دارَ، دارَ على صدوقٍ فهو حسن. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علة". ٣ - باب ما جاء في عدد أبواب الجنة قال اللَّه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [سورة الزمر: ٧٣]. • عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: "في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى
следующие страницы →