← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

صحيح: رواه ابن حبان (٨٢٤) قال: أخبرنا أبو عروبة، قال: حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، قال: حدثني زيد بن أبي أُنْيْسة، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة فذكر الحديث. ورجاله ثقات. أبو عروبة هو الحسين بن محمد بن أبي معشر الحراني حافظ مترجَم في "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٧٧٤) وأبو عبد الرحيم هو: خالد بن يزيد، ويقال: ابن أبي يزيد الأموي مولاهم الحراني، ثقة من رجال مسلم. وللحديث إسناد آخر رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٦) وأحمد (٩٦٨٦) من طريق محمد بن عبيد، حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: مر رسول الله ﷺ على قبر فوقف عليه، فقال: "إيتوني بجريدتين، فجعل أحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، فقيل له: يا رسول الله! أينفعه ذلك؟ فقال: "لعله يخفف عنه بعض عذاب القبر ما بقيت فيه ندوة". وإسناده حسن لأجل يزيد بن كيسان فإنه مختلف فيه، والخلاصة أنه حسن الحديث. وهو من رجال مسلم. ولذا قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٥٧) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". قلت: ليس فيه ذكر السبب العذاب، فيحتمل أنه يعذب بسبب البول كما في الرواية السابقة، ويحتمل أن يكون السبب آخر، ولذا ذكروه في كتاب الجنائز، ولم يذكروه في كتاب الطهارة. وسأذكر بقية أحاديث عذاب القبر في كتاب الجنائز. • عن أبي بكرة قال: بينما أنا أُماشي رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي، ورجل عن يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله ﷺ "إنهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير، وبلى، فأيكم يأتيني بجريدةٍ؟ " فاستبقنا، فسبقتُه، فأتيتُه بجريدةٍ، فكسَرها نصفين، فألقى على ذا القبر قِطْعة، وعلى ذا القبر قِطْعة، وقال: "إنه يُهوَّنُ عليهما ما كانا رطْبتَين، وما يُعذَّبان إلا في البول والغيبة". حسن: رواه أحمد (٢٠٣٧٣) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، والبزَّار (٣٦٣٦)، من طريق مسلم بن إبراهيم، كلاهما - أعني أبا سعيد ومسلم بن إبراهيم - عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مَرَّار، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة فذكره. وهذا إسناد حسن متصل؛ فإن بحر بن مرَّار سمع عن جده عبد الرحمن بن أبي بكرة. وبحر بن مَرَّار تكلم فيه القطان فقال فيه: إنَّه خولط. إلَّا أنَّ ابن عديٍّ بعد أن أخرج الحديث المذكور وغيره من رواياته قال: لا أعرف له حديثًا منكرًا فأذكره، ولم أر أحدًا من المتقدِّمين ممَّن تكلَّم في الرجال ضعَّفه إلا يحيى القطَّان، ذكر أنَّه خولط. ومقدار ما له من الحديث لم أر فيه حديثًا منكرًا". وهذا هو الصواب؛ فحديثه هذا لا بأس به في الشواهد. ولا يُعكِّر على هذا الاختلافُ عليه، أعني به ما رواه ابن ماجه (٣٤٩) من طريق وكيعٍ، وأبو

стр. 947

داود الطيالسي في مسنده (٩٠٨) كلاهما عن الأسود بن شيبان، عن بحر بن مَرَّار، عن جدِّ أبيه أبي بكرة. ففيه انقطاع؛ لأنَّ بحرًا لم يسمع من أبي بكرة؛ ولذا صوّب الدارقطني في العلل (٧/ ١٥٦) الرواية الموصولة، وقال أبو حاتم: هي أصحُّ. "العلل" (١/ ٣٧٠). ٣٩ - باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله • عن عائشة أنها قالت: أُتي رسول الله ﷺ بصبي، فبال على ثوبه، فدعا رسولُ الله ﷺ بماء فأتبعه إيّاه. متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (١٠٩) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرت الحديث. ورواه البخاري في الوضوء (٢٢٢) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم فرواه في الطهارة (٢٨٦) من طريق جرير، عن هشام به، وفيه: "صبي يرضع .. فدعا بماء فصبه عليه" .. وفي الصحيحين: "أتي بصبي فحنَّكهـ، فبال عليه". ولمسلم: "أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالصبيان فيُبرّك عليهم ويحكهم، فأتي بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله". • عن أم قيس بنت مِحْصَن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله، ﷺ فأجلسه في حِجْره، فبال على ثوبه، فدعا رسولُ الله ﷺ بماء، فَنَضَحَه ولم يَغْسِله. متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (١١٠) عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن أم قيس به. ورواه البخاري في الوضوء (٢٢٣) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. ورواه مسلم في الطهارة (٢٨٧) عن محمد بن رمح، أخبرنا الليث، عن ابن شهاب به نحوه، وفي رواية عنده: "فدعا بماء فرشَّه"، وفي رواية: "فضحه على ثوبه ولم يغسله غَسْلًا"، وفي رواية: أن أمّ قيس بنت مِحْصَن كانت من المهاجرات الأُوَل اللَّاتي بايعن رسول الله ﷺ ، وهي أخت عُكاشة بن مِحْصَن أحد بني أسد بن خُزَيْمة، قال: أخبرتني أنها أتت رسول الله ﷺ بابنٍ لها لم يبلغ أن يأكل الطعام. والنضح: رشّ الماء على الشيء، ولا يبلغ الغسل. • عن لُبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين بن علي في حِجْر رسول الله ﷺ فبال عليه، فقلت: الْبَسَ ثوبا وأعْطِني إزارك حتى أغسله، فقال: "إنما يغسل من بول الأنثى، ويُنْضح من بول الصبي". حسن: رواه أبو داود (٣٧٥) واللفظ له، وابن ماجه (٥٢٢) كلاهما من طريق أبي الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قابوس بن أبي المخارق، عن لُبابة بنت الحارث. وإسناده حسن،

стр. 948

ورجال إسناده ثقات غير سماك بن خرب؛ فإنه صدوق، وشيخه قابوس بن المخارق الشيباني الكوفي قال فيه النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقد ثبت لقاؤه بلُبابة بنت الحارث، وهي أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، وأخت ميمونة بنت الحارث أمّ المؤمنين. وأعلَّه البوصيري بالانقطاع بين قابوس وأم الفضل، والصواب أنه متصل؛ لأنه ثبت اللقاء بينهما. وصحَّحه ابن خزيمة (٢٨٢)، والحاكم (١/ ١٦٦). • عن أبي السمح قال: كنت أخدم النبي ﷺ فكان إذا أراد أن يغتسل قال: "ولِّني قفاك"، فأوليه قفاي، فأستره به، فأُتي بِحَسن أو حُسين فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: "يُغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام". حسن: رواه أبو داود (٣٧٦)، والنسائي (٣٠٤) وابن ماجه (٥٢٦، ٦١٣) كلهم عن مجاهد بن موسى، عن عبد الرحمن بن مهدي، حدثني يحيى بن الوليد، حدثني مُحِلُّ بن خليفة، حدثني أبو السمح، فذكر الحديث. واللفظ لأبي داود، وقد رواه عن عباس بن عبد العظيم العنبري مقرونًا بمجاهد بن موسى به. وإسناده حسن. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٣٧ - ٣٨): "قال البزار وأبو زرعة: ليس لأبي السمح غيره، ولا أعرف اسمه، وقال غيره: يقال اسمه إياد، وقال البخاري: حديث حسن". قلت: وهو كما قال؛ فإن يحيي بن الوليد الطائي أبو الزعراء دون الثقة، قال فيه النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. وصححه أيضًا ابن خزيمة (٢٨٣). • عن علي بن أبي طالب قال: إن رسول الله ﷺ قال في بول الغلام الرضيع: "ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية". صحيح: رواه أبو داود (٣٧٨) واللفظ له، والترمذي (٦١٠) وابن ماجه (٥٢٥) كلهم من طريق معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدِّيلي، عن أبيه، عن عليّ ﵁. إسناده صحيح، غير أنه اختلف في رفعه ووقفه، والصواب أنه مرفوع، قال الترمذي: "حسن صحيح، رفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة، وأوقفه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ولم يرفعه". وقال المنذري: "قال البخاري: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي يرفعه، وهو حافظه. وصححه أيضًا ابن خزيمة (١/ ١٤٤) والحاكم (١/ ١٦٥، ١٦٦). وانظر للمزيد: "المنة الكبرى: (١/ ٢٧٠).

стр. 949

٤٠ - باب صبّ الماء على البول في المسجد • عن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ ، فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذَنوب من ماء، فأهريق عليه. متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢٢١) ومسلم في الطهارة (٢٨٤) كلاهما من طريق يحيي بن سعيد الأنصاري، أنه سمع أنس بن مالك، فذكر الحديث. وفي رواية عند مسلم: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُزْرِموه، دَعُوه! " فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة وقراءة القرآن" أو كما قال رسول الله ﷺ ، قال: فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدَلْوٍ من ماءٍ، فشنّه عليه. قوله (فشنه) - بالشين المعجمة - أي: فأراقه عليه من جميع جهاته، ورشّه عليه، وفي أكثر الروايات الصحيح مسلم: "فسنَّه عليه" بالسين المهملة، يقال: (سننتُ الماء على الثوب، وعلى الأرض ونحو ذلك) إذا صببتَه عليه. وقوله: "في طائفة المسجد" أي: ناحية المسجد • عن أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه! وهَريقوا على بوله سَجْلا من ماء، أو ذَنوبا من ماء؛ فإنما بُعِثْتُم مُيَسِّرين، ولم تُبعَثُوا مُعَسِّرين". صحيح: رواه البخاري في الوضوء (٢٢٠) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن أبا هريرة قال .. فذكره. وفي رواية عنده (٦١٢٨): فشار إليه الناس ليقعوا به، فقال رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث، وفيه: "أهريقوا على بوله" بدلًا من "هريقواه، وزاد في كتاب الأدب (٦٠١٠): قال أبو هريرة: قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال للأعرابي: "لقد حجَّرت واسعًا" يريد: رحمة الله. هكذا رواه البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال. ولم يذكر فيه بول الأعرابي. ورواه أبو داود (٣٨٠) والترمذي (١٤٧) والنسائي (١٢١٨) كلهم من طريق سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وزادوا: فلم يلْبث أن بال في المسجد، فأسرع

стр. 950

الناس إليه، فنهاهم. فذكروا بقية الحديث. ورواه ابن ماجه (٥٢٩) قريبا منه من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وفيه: دخل أعرابي المسجد، ورسول الله ﷺ جالس، فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا، فضحك رسول الله ﷺ وقال: "لقد احْتظرت واسعًا" ثم ولَّى حتى إذا كان في ناحية المسجد فَشَجَ ببول، فقال الأعرابي بعد أن فَقِه: فقام إليَّ بأبي وأمي! فلم يُؤنِّبْ ولم يَسُبَّ. وفيه محمد بن عمرو بن علقمة صدوق. وقوله "احتظرت": ضيّقت ما وسعه الله، وبمعنى (حجرت). وقوله "هريقوا: قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٠٣): "كذا للأكثر، وللأصلي أهريقوا": بزيادة الهمزة، قال ابن التين: هو بإسكان الهاء، ونقل عن سيبويه أنه قال: (أهراق يُهريق إهرياقا) مثل (أسطاع يُسطيع إسطياعا) بقطع الألف وفتحها في الماضي وضم الياء في المستقبل، وهي لغة في أطاع يطيع، فجعلت السين والهاء عوضا من ذهاب حركة عين الفعل. وروي بفتح الهاء، واستشكله، ويوجه بأن الهاء مبدلة من الهمزة؛ لأن أصل (هراق) (أراق) ثم اجتلبت الهمزة، فتحريك الهاء على إبقاء البدل والمبدل منه، وله نظائر. وذكر الجوهري توجيهًا آخر، وأن أصله (أأريقوا)، فأبدلت الهمزة الثانية هاء للخفة. وجزم ثعلب في الفصيح بأن (أهريقه) بفتح الهاء" انتهى. وقوله: "فَشَجَ" الفَشجُ هو تفريج بين الرجلين. ٤١ - باب طهارة الأرض بجفافها • عن عبد الله بن عمر قال: كانت الكلاب تبول. وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ ، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك. صحيح: رواه البخاري (١٧٤) إلَّا أنَّه قال: قال أحمد بن شبيب، ثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني حمزة بن عبد الله، عن أبيه .. فذكر الحديث. وزاد أبو داود (٣٨٢): كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنت فتى شابًا عزِبًا، وكانت الكلاب تبول، وتُقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك. قال أهل العلم: يحمل هذا على ابتداء الإسلام، لما لم يكن للمساجد أبواب، ثم أمرنا بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها. ٤٢ - باب غسل المني • عن عائشة قالت: كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة، وإن بُقَعَ الماء في ثوبه. وفي رواية: إن رسول الله ﷺ كان يغسل المنيّ، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك

стр. 951

الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (٢٢٩ - ٢٣٢) ومسلم في الطهارة (٢٨٩) كلاهما من طريق عمرو بن ميمون قال: سألت سليمان بن يسار عن المني يصيب ثوب الرجل أيغسله أم يغسل الثوب؟ فقال: أخبرتني عائشة، فذكرت الحديث. ٤٣ - باب ما جاء في فرك المني ّ • عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال: كنتُ نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوَبيّ، فغمستُهما في الماء، فرأتْني جاريةٌ لعائشة فأخبرتْها، فبعثت إليّ عائشة فقالت: ما حملكَ على ما صنعت بثوبَيك؟ قال: فقلت: رأيت ما يرى النائم في منامه، قالت: هل رأيت فيهما شيئًا؟ قلتُ: لا، قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته؛ لقد رأيتُني وإني لأحكُّه من ثوب رسول الله ﷺ يابسا بظُفُري. صحيح: رواه مسلم في الطهارة (٢٩٠) عن أحمد بن جوص الحنفي، حدّثنا أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن عبد الله بن شهاب الخولاني، أنَّه قال .. فذكر الحديث. وفي رواية عنده (٢٨٨): أن رجلًا نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا، فيصلي فيه. وفي سنن الترمذي (١١٦) وابن ماجه (٥٢٨) عن همام بن الحارث قال: ضاف عائشة ضيفٌ، فأمرت له بملحفة صفراء، فنام فيها، فاحتلم، فاستحيا أن يرسل بها، وبها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لم أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربما فركتُه من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي. قال الترمذي: حسن صحيح. لعل هذا الضيف هو عبد الله بن شهاب الخولاني. وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض؛ لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني، بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب؛ فإن المني بمنزلة البصاق والمخاط، كما قال ابن عباس. وبه قال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث. قال البيهقي: "وقد يغسل المني تنظيفًا كما يغسل المخاط وغيره من الثوب تنظيفًا لا تنجيسًا". "السنن الكبرى" (٢/ ٤١٩). ومن ذهب إلى نجاسته حمل الغسل على ما كان رطبا، والفرك على ما كان يابسا، وهو مذهب الحنفية. انظر للمزيد: فتح الباري (١/ ٣٣٣).

стр. 952

٤٤ - باب في الأذي يصيب الذيل والنعال • عن امرأة من بني عبد الأشهل ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! إن لنا طريقا إلى المسجد مُنْتِنَةٌ، فكيف نفعل إذا مُطِرنا؟ قال: "أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ "، قالت: قلت: بلى، قال: "فهذه بهذه". صحيح: رواه أبو داود (٣٨٤) وابن ماجه (٥٣٣) كلاهما من طريق عبد الله بن عيسى، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن امرأة من بني عبد الأشهل، ذكر الحديث. إسناده صحيح، ولا تضر جهالة (امرأة من بني عبد الأشهل)؛ فإنها صحابية. وقد صححه المنذري وعبد الحق الإشبيلي وغيرهما. • عن ابن مسعود قال: كنا لا نتوضأ من موطئٍ، ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا. حسن: رواه أبو داود (٢٠٤) واللفظ له، ورواه أيها ابن ماجه (١٠٤١) ولفظه: "أُمرنا ألّا نكف شعرًا ولا ثوبًا، ولا نتوضأ من موْطأٍ"، كلاهما من حديث عبد الله بن إدريس، وقرنه أبو داود بشريك وجرير، كلهم عن الأعمش، عن شقيق أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، فذكر الحديث. وأخرجه الحاكم (١/ ١٧١) من طريق عبد الله بن إدريس وأبي بكر بن أبي شيبة - كلاهما عن شريك وجرير به مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجا ذكر الموطئ، وأخرج أيضًا (١/ ١٣٩) من طريق سفيان، عن الأعمش به ولفظه: "كنا نصلي مع النبي ﷺ فلا نتوضأ من موطئ"، وقال: تابعه أبو معاوية وعبد الله بن إدريس، عن الأعمش به وقال: " صحيح على شرط الشيخين". قلت: إسناده حسن إن كان الحسن سمعه من شقيق، وإلَّا فقد قال ابن خزيمة: "هذا الخبر له علَّة: لم يسمعه الأعمش عن شقيق، لم أكن فهمته في الوقت. ثمَّ روى من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، قال: حدَّثني شقيق أو حُدِّثت عنه، عن عبد الله". انتهى. قلت: إن كان أبو معاوية أبدى الشكَّ في اتصال الإسناد فلم يشك عبد الله بن إدريس، وشريك، وجرير، كلُّهم رووه عن الأعمش بدون شكٍّ، إلَّا أنَّ الأعمش مدلَّسٌ، وقد عنعن في جميع هذه الأسانيد، لكنَّه في المرتبة الثانية عند الحافظ ابن حجر، واحتمل الأئمَّة تدليسه. وذكره الترمذي (١/ ٢٦٧) معلقا قائلا: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود قال: "كنا مع رسول الله ﷺ نتوضأ من المَوْطَأ". وهذا لفظ سفيان بن عيينة كما رواه الحاكم. وقول الصحابي: "أُمرناه في حكم المرفوع؛ لأن الآمر لهم هو النبي ﷺ . قال الخطابي في شرح الحديث: "الموطئ: ما يوطأ من الأذى في الطرق، وأصله (الموطوء) بالواو، وإنما أراد بذلك أنهم كانوا لا يعيدون الوضوء للأذى إذا أصاب أرجلهم، لا أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم ولا ينظفونها من الأذي إذا أصابها".

стр. 953

وأما الترمذي ففهم من الحديث: "إذا وطئ الرجل على المكان القذر أنه لا يجب عليه غسل القدم، إلا أن يكون رطبا، فيغسل ما أصابه"، ونقل ذلك عن غير واحد من أهل العلم. وقوله (لا نكُفّ شعرًا ولا ثوبًا) أي: لا نقيها من التراب إذا صلينا صيانة لها عن التتريب، ولكن نرسلها فتقع على الأرض إذا سجدنا مع الأعضاء. • عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله ﷺ يُصَلِّي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القومُ، ألْقَوا نِعالَهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نِعالَكم؟ ". . قالو: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نِعالنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن جبريل ﵇ أتاني، فأخبرني أن فيهما قذرًا - أو قال: أذًى"، وقال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذًرا، أو أذّى فليمسحه وليصل فيهما". صحيح: رواه أبو داود (٦٥٠) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري فذكره. وإسناده صحيح، وحماد هو ابن زيد كما وقع في بعض النسخ، وفي نسخة أخرى إنه حماد بن سلمة، وكذلك قال البيهقي في "معرفة السنن" (٢/ ٤٣١) بعد أن رواه عن أبي داود، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٠١٧) في صحيحه، والحاكم (١/ ١٦٠) وقال: "صحيح على شرط مسلم". وقال النووي في المجموعه (٢/ ١٧٩): "إسناده صحيحه وما قيل فيه بأنه مرسل فقد رجع أبو حاتم الموصول "العلل" (١/ ١٢١). وأما ما رُوي عن أبي هريرة: "إذا وَطِئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور" فإنه ضعيف رواه أبو داود (٣٨٥) وفيه شيخ الأوزاعي مجهول، وفي رواية أن شيخه ابن عجلان، ولكن الراوي عنه محمد بن كثير الصنعاني سيئ الحفظ. ورُوي عن عائشة بمعناه وفيه القعقاع بن حكيم لم يسمع من عائشة، كل هذه الروايات عند أبي داود. قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٧٨): ورواه أيضًا الحاكم من حديث أنس وابن مسعود، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس، وعبد الله بن الشخير، وإسناد كل منهما ضعيف، ورواه البزار من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف ومعلول أيضًا. ٤٥ - باب اللعاب يصيب الثوب • عن أبي هريرة قال: رأيت النبي ﷺ حامل الحسن بن علي على عاتقه، ولعابه يسيل عليه. صحيح: رواه ابن ماجه (٦٥٨) قال: حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة،

стр. 954

عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. قال البوصيري في زوائده: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيحين. قلت: ليس كما قال؛ فإن حماد بن سلمة من رجال مسلم، ومحمد بن زياد - وهو الجُمَحي مولاهم - من رجال السنن، إلا أنه ثقة. ٤٦ - باب كراهية السلام على من يبول • عن عبد الله بن عمر أن رجلًا مرَّ، ورسول الله ﷺ يبول، فسلَّم، فلم يرد عليه. صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٧٠) من طريق سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر فذكره، وهو حديث مختصر وسيأتي في التيمم أنه تيمم ورد عليه. • عن جابر بن عبد الله أن رجلًا مرّ على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تُسلِّم عليّ؛ فإنك إن فعلت ذلك لم أردّ عليك". حسن: رواه ابن ماجه (٣٥٢) قال: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا عيسى بن يونس، عن هاشم بن البريد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، فذكره. وإسناده حسن، ورجاله ثقات، غير شيخ ابن ماجه، وهو صدوق وإن كان إبن معين أفحش القول فيه؛ فإنه لم ينفرد به. ولذا قال البوصيري: "هذا إسناد حسن؛ لأنَّ سويدًا لم يتفرد به، فله متابع عن عيسى بن يونس في سند أبي يعلى وغيره". قلت: ومن طريق عيسى بن يونس رواه أيضًا ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٧٤). وإنما الذي تفرد به هو هاشم بن البريد، كما قال أبو حاتم. " العلل" (١/ ٣٤)، إلا أنه ثقة مع غلوه في التشيع كما قال الجوزجاني: "كان غاليًا في سوء مذهبه" وقال ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٥٧٤): "هاشم بن البريد ليس له كثير حديث، وإنما يذكر الغلو في التشيع. وكذلك ابنه علي. وأما هاشم فمقدار ما يرويه لم أر في حديثه شيئًا منكرًا. والمناكير تقع في حديث ابنه علي بن هاشم". • عن عبد الله بن عمر أن رجلًا مرَّ برسول الله ﷺ وهو يُهريق الماء، فسلم عليه الرجل، فرد عليه رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: "إذا رأيتني هكذا فلا تُسلم عليّ؛ فإنك إن تفعل لا أردُّ عليك السلام". صحيح: رواه البزار كما ذكره الزيلعي في نصب الراية (١/ ٦)، من حديث أبي بكر رجل من آل

стр. 955

عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر، وابن الجارود في المنتقى (٣٧) من طريق أبي بكر، وقال: هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عنه، واللفظ له. وإسناده صحيح. وأبو بكر هذا قال عبد الحق الإشبيلي: فيما أعلم هو: ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، روى عنه مالك وغيره، وهو لا بأس به، ثم قال: ولكن حديث مسلم أصح، لأنه من حديث الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، والضحاك أوثق من أبي بكر، ولعل ذلك كان في موطنين" انتهى. انظر الأحكام الوسطى (١/ ١٣١). قلت: هكذا جاء مُصرَّحًا في مسند السرَّاج (٢١) فقال: حدَّثنا محمد بن إدريس، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد بن سلمة، حدَّثني أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، عن نافع به مثله. وذكره أيضًا الزيلعي. وإسناده حسن لأجل سعيد بن سلمة، وهو: ابن أبي الحُسام العدوي مولاهم، مختلَفٌ فيه؛ فضعَّفه النسائي، ومشَّاه غيره، وله في صحيح مسلم حديث أمِّ زرع، واستشهد به البخاري، وروي له حديثًا واحدًا. وقال الحافظ: "صدوقٌ صحيح الكتاب يُخطِئ من حفظه". ويجمع بين الحديثين بأنه ردَّ السلامَ مرة، ولم يردّ أخرى، وعلَّم في الحالتين بأنه لا يفعل مثل هذا؛ فإن فعل فإنه لا يرد ﵇ بعد هذا.

стр. 956

٥ - كتاب الغسل ١ - باب ما جاء إنما الماءُ من الماء • عن أُبَي بن كعب قال: سألتُ رسول الله ﷺ عن الرجل يُصيب من المرأة ثم يُكْسِل؟ فقال: "يَغْسِلُ ما أصابه من المرأةِ، ثم يتوضأُ ويُصَلِّي". متفق عليه: رواه البخاري في الغسل (٢٩٣) ومسلم في الحيض (٣٤٦) واللفظ له، كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن أُبَي أيوب، عن أُبَي بن كعب، فذكر الحديث. وفي لفظ: إذا جامع الرجل المرأةَ فلم يُنزِل؟ قال: "يغسلُ ما مسّ المرأة منه، ثم يتوضأ ويُصلي". هكذا في لفظ البخاري. قال أبو عبد الله (البخاري): "والغُسل أحْوَطُ وذاك الآخِرُ، وإنما بيَّنَا لاختلافهم". ومعناه - كما قال الحافظ -: أي على تقدير أن لا يثبت الناسخ ولا يظهر الترجيح، فالاحتياط للدين الاغتسال. انتهى. ومعنى هذا أنَّ البخاري لا يرى وجوب الغسل إلا بالإنزال، ويدل عليه ما رواه من حديث أبي هريرة: "إذا جلس بين شُعَبِها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل" (رقم ٢٩١)، والمقصود من الجهد: الإنزال، فأراد بيان اختلاف الصحابة والتابعين بأنه في أول الإسلام كان العمل على حديث عثمان وأُبَي بن كعب، والغسل أحوط، أي: المستحب، ولما لم يثبت عنده حديث أُبَي بن كعب الناسخ الآتي - لاختلافهم على الزهري - لم يخرجه. • عن زيد بن خالد أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ قلت: أرأيت إذا جامع فلم يُمْنِ؟ قال: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك عليًّا والزبير وطلحة وأُبَي بن كعب ﵃ فأمروه بذلك. متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٧٩) واللفظ له، ومسلم في الحيض (٣٧٤) كلاهما من حديث يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أنَّ عطاء بن يسار أخبره، أنَّ زيد بن خالدٍ أخبره فذكر الحديث. ورواه مسلم أيضًا من حديث أبي أيوب أنه أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ . ولم يسق لفظه. وسيأتي حديث أبي أيوب بلفظه. • عن أبي أيوب، عن رسول الله ﷺ ، نحو حديث عثمان. صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٤٧) عن عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثني أبي، عن

стр. 957

جدّي، عن الحسين، قال يحيي (وهو ابن أبي كثير): وأخبرني أبو سلمة، أنّ عروة بن الزّبير أخبره، أنَّ أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ ، ولم يسق مسلم لفظه، وإنما أحاله على حديث عثمان. وأبو أيوب يرويه أيضًا عن أبي بن كعب الذي سأل رسول الله ﷺ عن الرّجل الذي جامع امرأته ولم ينزل ... إلخ الحديث. فكان أبو أيوب يفتي بهذا بعد النبيّ ﷺ أيضًا؛ لأنّه لم يبلغه النّسخ. وأمّا ما رواه ابن ماجه (٦٠٧) وغيره بلفظ: "الماء من الماء" فإسناده ليس بذاك، فيه عبد الرحمن بن سُعاد، قال فيه البخاري: فيه نظر، ومع ذلك ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٩٣)، وقال الحافظ: "مقبول" يعني إذا توبع وإلا فلين الحديث. • عن أبي سعيد الخُدري قال: خرجتُ مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كُنّا في بني سالم وقف رسول الله ﷺ على باب عِتْبان، فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ : "أعْجَلنا الرجلَ". فقال عِتْبانُ: يا رسول الله! أرأيت الرجلَ يُعْجَلُ عن امرأته ولم يُمْنِ، ما عليه؟ قال رسول الله ﷺ : "إنما الماء من الماء". متفق عليه: رواه مسلم في الحيض (٣٤٣) عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، ورواه أيضًا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد، ولم يذكر القصة، وإنما ذكر لفظ الحديث فقط، وهو: "إنما الماء من الماء". وفي رواية عنده وعند البخاري في الوضوء (١٨٠) عن الحكم، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخدري، قال: أنَّ رسول الله ﷺ مرّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه فخرج ورأسه يقطر، فقال: لعلَّنا أعْجَلْناك؟ ، قال: نعم يا رسول الله! ، قال: "إذا أُعْجِلتَ أو أُقْحِطْت فلا غُسْلَ عليك، وعليك الوضوءُ". واللفظ لمسلم. قوله: "أقحطْتَ" من القحط، وهو عدم المطر، يقال: أقحط الرجلُ إذا جامع ولم يُنزِل، وهو بمعنى الإكسال كما في حديث أُبِي بن كعب. وقوله: "إنما الماءُ من الماء" الماءُ الأول: الماءُ المُطَهْر، والثاني: المني. فيه حجة لمن لم ير إيجاب الغُسل من التقاء الختانين، إلا أنه منسوخ بحديث عائشة وغيرها في قول النبي ﷺ : "إذا جلس بين شُعَبِها الأربع، ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل". وسيأتي في الباب الذي يليه. ٢ - باب ما يوجب الغسلَ ونسخ أنَّ الماء مِن الماءِ • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا جلس بين شُعَبِها الأربع، ثم جَهَدَها فقد وجب الغسلُ".

стр. 958

متفق عليه: رواه البخاري في الغسل (٢٩١) ومسلم في الحيض (٣٤٨) كلاهما من حديث هشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. وزاد مسلم من طريق مطر، عن الحسن: وإن لم يُنزِل". وقوله: "الختانان" المراد بهذه التثنية ختان الرجل والمرأة، وختان المرأة هو قطع جليدة في أعلى فرجها تُشبه عرف الديك، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة. • عن أبي موسى قال: اختلف في ذلك رَهْطٌ من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصار: لا يجب الغسل إلا من الدَّفْق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خَالط فقد وجب الغُسْلُ. قال أبو موسى: فأنا أشْفيكم من ذلك، فقمتُ فاستأْذَنْتُ على عائشة، فأُذِن لي، فقلت لها: يا أُمّاه! - أو يا أمَّ المؤمنين! - إني أريد أن أسألكِ عن شيء، وإني أَستحْييكِ، فقالت: لا تَسْتَحْي أن تَسألني عما كنتَ سائلًا عنه أمَّك التي ولدتْك؛ فإنما أنا أمُّك. قلت: فما يُوجِب الغُسْلَ؟ قالت: على الخَبير سَقَطْتَ؛ قال رسول الله ﷺ : "إذا جلس بين شُعَبِها الأرْبَع، ومَسَّ الختانُ الخِتانَ فقد وجب الغُسْلُ". صحيح: رواه مسلم (٣٤٤) من طرق عن هشام بن حسان، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره. وجاء في آخر الإسناد: ولا أعلمه إلا عن أبي بردة. فتردد في وصل إسناده. قال الدارقطني: صحيح غريب تفرد به هشام بن حسان، عن حميد. قلت: لعل البخاري أعرض عن إخراجه لهذا السبب. وقوله: "إذا جلس بين شُعَبِها الأربع" قبل: هي اليدان والرجلان، وقيل: بين رِجلَيها وشَفَريها، وقيل: رجليها وفخذيها. وقوله: "جهدها" من جهدتُه أجهدتُه، إذا أتْعَبتُه، والمراد: مباشرته إياها. • عن عائشة قالت: أنَّ رجلًا سأل رسولَ الله ﷺ عن الرجل يُجامع أهلَه ثم يُكْسِلُ، هل عليها الغُسْلُ؟ وعائشةُ جالسةٌ، فقال رسولُ الله ﷺ : إني لأفعلُ ذلك أنا وهذه، ثم نَغْتَسِلُ". صحيح: رواه مسلم (٣٥٠) من طريق جابر بن عبد الله، عن أمّ كلثوم، عن عائشة فذكرت مثله. وقوله ﷺ : "إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل" فيه أنَّ فعله ﷺ يدل على الوجوب، ولولا ذلك لما حصل جواب السائل. كذا قال النووي رحمه الله تعالى. • عن عائشة قالت: إذا جاوز الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسلُ، فعلتُه أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا.

стр. 959

صحيح: رواه الترمذي (١٠٨) وابن ماجه (٦٠٨) كلاهما من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: أخبرنا القاسم بن محمد، عن عائشة فذكرت مثله. هكذا صرَّح الوليد بن مسلم بالتحديث إلى آخر الإسناد عند ابن ماجه. قال الترمذي: حسن صحيح. قلت: وصححه أيضًا ابن حبان (٢/ ٣٥٦). ورواه أيضًا الترمذي (١٠٩) عن هناد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسلُ" وعلي بن يزيد بن جُدعان ضعيف. وحديث مسلم هو في معناه. • عن حرام بن حكيم، عن عمِّه عبد الله بن سعد أنَّه سأل رسول الله ﷺ عمَّا يوجب الغسلَ، وعن الماء يكون بعد الماءِ، وعن الصلاة في بيتي، وعن الصلاة في المسجد، وعن مؤاكلة الحائض. فقال: إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ، أمَّا أنا فإذا فعلت كذا وكذا" فذكر الغسلَ، قال: "أتوضَّأُ وضوئي للصلاة، أغسل فرجي" ثمَّ ذكر الغسلَ. وأمَّا الماء يكون بعد الماء فذلك المذيُ، وكلُّ فحلٍ يمذي، فأَغسل من ذلك فرجي، وأتوضَّأ. وأمَّا الصلاة في المسجد والصلاة في بيتي، فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، ولأَن أُصلِّي في بيتي أحبُّ إليَّ من أن أصلِّي في المسجد إلا أن تكون صلاةً مكتوبةً. وأمَّا مؤاكلة الحائض فَوَاكلها". حسن: رواه الإمام أحمد (١٩٠٠٧) عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية، يعني ابن صالح، عن العلاء - يعني ابن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمِّه عبد الله بن سعد فذكر مثله. وإسناده حسن؛ فإنَّ حرام بن حكيم وثَّقه الدارقطني، وابن حبان، وغيرهما، وضعَّفه ابن حزم وغيره، غير أنَّه حسن الحديث. وقد وقع الخلاف في اسم أبيه، فيقال: هو حرام بن حكيم، وهو الصحيح، وقيل: حرام بن معاوية، فظنَّهما البخاري رجلين، والحقُّ أنَّهما اسمان لرجلٍ واحدٍ. والحديث رواه الترمذي (١٣٣) وابن ماجه (١٥١) وابن خزيمة في صحيحه (١٢٠٢) كلُّهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، بإسناده قطعة منه. ورواه أبو داود (٢١١، ٢١٢) من وجه آخر عن العلاء بن الحارث بإسناده، وفيه: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال رسول الله ﷺ : "لك ما فوق الإزار" وذكر مؤاكلة الحائض أيضًا. وهذا الحديث يتكرَّرُ في مواضعَ - إن شاء الله -. • عن أُبَي بن كعب قال: إنَّ رسول الله ﷺ إنما جَعَلَ ذلك رخصةً للناس في أولِ الإسلام

стр. 960

لقلةِ الثياب، ثم أمر بالغُسْلِ، ونهى عن ذلك. قال أبو داود: يعني الماءَ من الماءِ. صحيح: أخرجه أبو داود (٢١٤) من حديث عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب الزّهريّ، قال: حَدَّثَنِي بعض من أرضى، أنَّ سهل بن سعد الساعدي أخبره أنَّ أُبَي بن كعب أخبره، فذكر الحديث. إسناده متصل غير أنَّ فيه رجلًا مُبْهمًا لم يُسمْ. وقال ابن خزيمة (١/ ١١٤): وهذا الرّجل الذي لم يسمه عمرو بن الحارث بشبه أن يكون أبا حازم سلمة بن دينار؛ لأنَّ مُبَشِّر بن إسماعيل روي هذا الخبر عن أبي غسان محمد بن مطرف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. وهذا الذي ذكره ابن خزيمة رواه أبو داود (٢١٥) قال: حَدَّثَنَا محمد بن مهران البزّار الرازيّ، حَدَّثَنَا مُبشِّر الحلبي به مثله. قال البيهقيّ - بعد أن رواه من جهة أبي داود من طريق عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب قال: حَدَّثَنِي بعض من أرضى -: "وقد رُوِينا بإسناد آخر موصولًا صحيحًا عن سهل بن سعده. وهو ما رواه من حديث موسى بن هارون، ثنا محمد بن مهران الجمال، ومن طريق أبي داود، ثنا محمد بن مهران الرازيّ، ثنا مُبشِّر الحلبيّ، عن محمد أبي غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: حَدَّثَنِي أُبَي بن كعب، أنَّ الفُتيا التي كانوا يفتون أنَّ الماء من الماء كانتْ رخصةً رخَّصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بَعدُ. وفي حديث موسى بن هارون: ثم أُمِرنا بالاغتسال بعد. "السنن الكبري" (١/ ١٦٥ - ١٦٦). قلت: ورجال هذا الإسناد ثقات غير مُبشِّر بن إسماعيل الحلبي؛ فهو صدوق. فيحتمل أن يكون الزهري سمعه عن أبي حازم، ثم تردد أو شك في اسمه فقال: حَدَّثَنِي من أرضى، ثم تيسر له أن يسمع من سهل نفسه؛ فقد روي يونس عن الزهري أنه قال: حَدَّثَنِي سهل، وفي رواية قال: قال سهل بن سعد الساعديّ، أنبأنا أُبَي بن كعب، فذكر الحديث. وهذا الأخير أخرجه ابن ماجة (٦٠٩) قال: عن محمد بن بشار، ثنا عثمان بن عمر، أنبأنا يونس به. وأخرجه الترمذيّ (١١٠) حَدَّثَنَا أحمد بن منيع، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد، عن الزّهريّ، عن سهل بن سعد، فذكر مثله. قال الترمذيّ: وأخبرنا معمر، عن الزهري بهذا الإسناد مثله. وقال: "حديث حسن صحيح". فقد روي يونس بن يزيد ومعمر، عن الزّهريّ، عن سهل بن سعد بدون واسطة بينهما. وفي جميع الحالات يكون الإسناد صحيحًا. وبهذا ثبت نسخ حديث "الماء من الماء" قال الترمذيّ: إنّما كان الماءُ من الماء في أول

стр. 961

الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك؛ هكذا روى غير واحد من أصحاب النَّبِيّ ﷺ منهم أُبَي بن كعب ورافع بن خديج، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم على أنه إذا جامع امرأته في الفرج وجب عليهما الغسل وإن لم يُنزلا. انتهى. قلت: أما حديث أُبَي بن كعب فقد سبق تخريجه. وأمّا حديث رافع بن خديج فهو ضعيف، أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٧٢٨٨) قال: حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، قال: حَدَّثَنَا رِشْدين بن سعد، عن موسى بن أيوب الغافقيّ، عن بعض ولد رافع بن خديج، عن رافع بن خديج، قال: ناداني رسولُ الله ﷺ ، وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أُنزل، فاغتسلت وخرجت إلى رسول الله، ﷺ فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتيّ، فقمت ولم أنزل فاغتسلت، فقال رسول الله ﷺ : "لا عليك، الماء من الماء". قال رافع: ثم أمرنا رسولُ الله بعد ذلك بالغسل. انتهي. ورِشْدين بن سعد - بكسر الراء وسكون المعجمة - المَهريّ، أبو الحجاج المصريّ، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال النسائيّ: متروك الحديث. وضعّفه أيضًا أبو داود والدارقطني وغيرهم. كما أن في الإسناد جهالة بعض ولد رافع. وموسى بن أيوب قال فيه ابن معين: منكر الحديث. وأورده الهيثميّ في مجمع الزوائد (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥) وعزاه إلى أحمد والطَّبرانيّ في الكبير وقال: "فيه رِشدين بن سعد، وهو ضعيف". قلت: أخرجه الطبرانيّ في الكبير (٤٣٤٧) والأوسط (٦٥٠٩)، وسمِّي ولد رافع بن خديج بأنه سهل، وقال: لم يرو عن سهل إِلَّا موسى بن أيوب الغافقيّ، تفرّد به رِشدين. وسهل بن رافع بن خديج لم نجد له ترجمة. قلت: وفي الباب أيضًا ما رواه أبو هريرة وبلال، ولم يثبت منه شيء. ٣ - باب بيان صفة مني الرّجل وماء المرأة اللَّذين يجِبُ الغُسلُ بخروجهما • عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: كنتُ قائمًا عند رسولِ الله ﷺ فجاء حُبْرٌ من أحْبار اليهودِ فقال: السّلام عليك يا محمد! فدفعتُه دفعة كاد يُصرعُ منها، فقال: لِمَ تدفُعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله! ؟ فقال اليهودي: إنّما نَدْعُوه باسمِه الذي سَمَّاه به أهلُه، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ اسمي محمد الذي سَمَّاني به أهلي". فقال اليهودي: جئتُ أسألُك، فقال رسولُ الله: "أينفعك شيء إن حَدَّثْتُكَ؟ " قال: أسمع بأُذُنَيّ، فنكثَ رسولُ الله ﷺ بعود معه، فقال: "سلْ". فقال اليهودي: أين يكون الناسُ يومَ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض والسَّمواتُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "هم في الظُّلْمَةِ دون الجسْرِ". قال: فَمَن أوَّلُ النَّاسِ إجازَةً؟ قال: "فُقَرَاءُ

стр. 962

المهاجرين". قال اليهودي: فما تُحْفَتُهم حين يَدْخُلون الجنَّة؟ قال: "زيادةُ كبدِ النُّونِ". قال: فما غِذاؤهم على إثرِها؟ قال: "يُنْحَرُ لهم ثورُ الجنّة الذي كان يأكلُ من أطرافَها". قال: فما شرابُهم عليه؟ قال: "مِن عينٍ فيها تُسمَّى سَلْسَبيلا". قال: صدقتَ، قال: وجئتُ أسألُك عن شيء لا يعلمه أحدٌ من أهل الأرض إِلَّا نبيٌّ أو رجلٌ ورجُلان. قال: "ينفعُك إن حدَّثْتُك؟ "، قال: أسمع بأُذُنَيَّ. قال: جئتُ أسألك عن الولد؟ قال: "ماءُ الرّجل أبيضُ، وماءُ المرأةِ أصفرُ، فإذا اجتمعا فعلا مَنِيُّ الرّجل منيَّ المرأة أذْكرا بإذْنِ الله، وإذا علا مَنِيُّ المرأة منيَّ الرّجل آنَثا بإذْنِ الله". قال اليهودي: لقد صدقتَ، وإنك لنَبِيٌّ، ثم انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي عِلمٌ بشيء منه حتَّى أتانِيَ الله به". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣١٥) عن الحسن بن عليّ الحُلواني، ثنا أبو توبة، ثنا مُعاوية بن سلّام، عن زيدٍ، أنَّه سمع أبا سلامٍ قال: حَدَّثَنِي أبو أسماء الرحبيّ، أنَّ ثوبان مولى رسول الله ﷺ فذكره. وقوله: "فما تحفتهم" بإسكان الحاء، وهي ما يُهدي إلى الرّجل ويخصّ به ويلاطف. وقوله: "زيادة كبد النون" النون هو الحوت، وجمعه نينان. وزائدة الكبد هو: طرف الكبد، وهو أطيبها. وقوله: "أذْكرا بإذن الله وآنثا بإذن الله" معنى الأوّل: كان الولد ذكرا، ومعنى الثاني: كان أنثى. ذكره النوويّ في شرح مسلم. وعلاقة هذا الحديث بالباب المذكور: ما ذُكر فيه من صفة ماء الرّجل، وماء المرأة اللذين بخروجهما يجب الغسلُ. والحديث مذكور - أيضًا - في صفة الجنّة والنارِ. ٤ - باب وجوب الغُسْل على المرأة إذا رأت في المنام مثلَ ما يَرى الرّجلُ • عن عروة بن الزُّبير، أنَّ أم سُليم - وهي امرأة أبي طلحة - قالت لرسول الله ﷺ : المرأة تَرى في المنام مِثلَ ما يَرى الرّجلُ، أتغتسل؟ فقال لها رسول الله ﷺ : نعم فلتَغْتَسِل". فقالت لها عائشة: أفٍّ لك، وهل ترى ذلك المرأةُ؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "تربتْ يمينُكِ! ومِن أين يكون الشَبَه؟ ". متفق عليه: أخرجه مالك في الطهارة (٨٤) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزُّبير فذكره. وحديث أم سُليم رواه عنها عدد من الصّحابة، منهم أنس بن مالك وعائشة وأم سلمة. رواه البخاريّ (١٣٠، ٢٨٢، ٣٣٢٨) ومسلم في الحيض (٣١٠ - ٣١٤) وفي بعض الروايات عند مسلم:

стр. 963

أبهمت السائلة، وفيه قالت عائشة: "تَرِبَتْ يداكٍ، وأُلَّتْ (أي أصابها الألّة، وهي الحربة) قالت: فقال لها رسول الله ﷺ : "دعيها! وهل يكون الشَّبَهُ إِلَّا من قِبَل ذلك؛ إذا علا ماؤها ماءَ الرّجل أشبه الولدُ أخوالَه، وإذا علا ماءُ الرّجل ماءَها أشبه الولد أعمامَه". وفي رواية قال النَّبِيّ ﷺ لعائشة: "بل أنتِ فترِبَتْ يمينكِ! نعم، فلتغتسِل يا أمَّ سُليم! إذا رأت ذاكِ". وفي رواية: قالت أم سلمة: يا رسول الله! وتحتلم المرأة؟ فقال: "تربتْ يداك! فبِمَ يشبهها ولدها". وفي حديث أنس عند مسلم: "إنَّ ماء الرّجل غليظٌ أبيض، وماء المرأةِ رقيقٌ أصفر؛ فمن أيهما علا، أو سبق يكون منه الشَّبَه". وفي سنن النسائيّ (٢٠٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بالاستقلال وكأنه من مسنده، ولفظه: "ماءُ الرّجل غليظٌ أبيض، وماءُ المرأةِ رقيقٌ أصفر، فأْيهما سبق كان الشَّبَه". وهو اختصار في السند والمتن. والإمام أحمد أخرجه في ثلاثة مسانيد، مسند أنس بن مالك (١٢٢٢٢) ولكنه عن أم سُليم، ثم في مسند أم سلمة عن أم سُليم (٢٦٥٠٣)، ثم في مسند أم سُليم نفسها (٢٧١١٤ و ٢٧١١٨). وأُم سُليم: هي بنت مِلْحان، أنصارية خزرجية، أم أنس بن مالك، اشتهرت بكنيتها، واختلف في اسمها. • عن أم سَلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأتِ الرَّطْبَ فلتغتسل". صحيح: رواه إسحاق في مسنده (٤/ ١٦٨، ١٦٩ رقم ١٩٥١) قال: أخبرنا محمد بن بكر، أنا ابن جريج، أخبرني ابن خُتَيم، أنَّ سليمان بن عتيق أخبره أنَّ امرأة جاءتْ إلى أم سلمة فقالت: إني رأيتُ في المنام كأنَّ فلانًا ينكحني، فذكرت أم سلمة ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال، فذكر الحديث. ورجاله ثقات. وابن خُثيم هو عبد الله بن عثمان بن خثيم من رجال مسلم، وثَّقه النسائيّ. وقال أبو حاتم: ما به بأس. وسليمان بن عتيق المدني من رجال مسلم، وثَّقه النسائيّ. وهذا الحديث أورده الحافظ في "المطالب العالية" (١/ ١١٧ رقم ٢٠٤) وسكت عليه. ٥ - باب صفةِ الغُسْلِ من الجنابة • عن عائشة أمِّ المؤمنين أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا اغْتَسلَ من الجنابة بدأ بغَسلِ يدَيْه، ثم توضّأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يُدخل أصابِعَه في الماء، فيُخلِّلُ بها أصولَ شعره، ثم يصبُّ على رأسه ثلاث غَرفاتٍ بيديه، ثم يُفِيضُ الماءَ على جلده كله. متفق عليه: رواه مالك في الطهارة (٦٧) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ومن طريقه البخاريّ في الغسل (٢٤٨) وفي رواية عنده (٢٧٢) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن

стр. 964

عروة به قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضأ وضوؤه للصلاة، ثم اغتسل، ثم يخلِّلُ بيده شعره، حتَّى إذا ظنَّ أنه قد أروَى بسْرتَه أفاض عليه الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده، ورواه مسلم في الحيض (٣١٦) من أوجه عن هشام، وفيه: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغ بيمينه على شماله فيغسلُ فرجَه، ثم يتوضَّأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتَّى إذا رأى أنْ قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه. وفي البخاريّ: حتَّى إذا ظنَّ أنه قد أروَى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. وفي رواية عنده عن عائشة أيضًا: (٣٢١): "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه، فصبَّ عليها من الماء فغسلها، ثم صبَّ الماء على الأذى الذي بيمينه، وغسل عنه بشماله، حتَّى إذا فَرَغ من ذلك صبّ على رأسه، وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ونحن جُنُبَان. وفي رواية: قالت: إنها كانت تغتسلُ هي والنبي ﷺ في إناءٍ واحدٍ يسع ثلاثة أمداد، أو قريبًا من ذلك. وفي سنن أبي داود (٢٤٢): فإذا فضل فضلةٌ صبّها على الرأس. وقولها: "ثم صبّ الماء على الأذي" ربما قصدت به الفرج. • عن عائشة قالت: كنّا إذا أصابتْ إحدانا جنابةٌ أخذت بيديها ثلاثًا فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شِقِّها الأيمن، وبيدها الأخرى على شِقِّها الأيسر. صحيح: رواه البخاريّ في الغسل (٢٧٧) من طريق صفيَّة بنت شيبة، عن عائشة قالت، فذكرته. وحكمه الرفع مثل قول الصحابي: كنا نفعل كذا. وهو من اختيار البخاريّ في جامعه الصَّحيح. • عن ابن عباس عن خالته ميمونة قالت: أدْنَيتُ لرسول الله غُسلَه من الجنابة، فغسل كَفَّيه مرتين أو ثلاثًا، ثم أدْخَلَ يده في الإِناء، ثم أفْرَغَ به على فَرجِه وغَسله بشماله، ثم ضرب بشِماله الأرضّ، فَدَلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفْرَغ على رأسِه ثلاثَ حفناتٍ مِلْءَ كفِّه، ثم غسل سائر جسده، ثم تَنَحَّى عن مقامِه ذلك، فغَسَلَ رجليه، ثم أتيتُه بالمنديل، فردَّه. وفي رواية: أنَّ النَّبِيّ ﷺ أُتِيَ بمنديل فلم يمسَّه، وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينْفُضُه. وفي رواية: فأتيته بخِرقة فلم يُرِدْها، فجعل يَنْفُض بيده. متفق عليه: رواه البخاريّ في الغسل (٢٥٧، ٢٥٩) ومسلم في الحيض (٣١٧) واللّفظ له، كلاهما من طريق الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن خالته ميمونة فذكرت الحديثَ.

стр. 965

ورواه النسائيّ (٢٥٣) على وجهين: مرة عن ابن عباس، عن ميمونة خالته كما رواه الشيخان، وأخرى رواه عن ابن عباس نفسه، وجعله من مسنده (رقم ٢٥٤)، وذكره مختصرًا ولفظه: أنَّ النَّبِيّ ﷺ اغتسل فأُتِي بمنديلٍ فلم يمسه، وجعل يقول بالماء هكذا. انتهى. وقوله: "جعل يقول بالماء هكذا" يعني يمسحه عن البدن. • عن ثوبان أنَّ الناس اسْتَفْتَوا النَّبِيّ ﷺ عن الغُسْل من الجنابة فقال: "أما الرّجل فلينشُزْ رأسَه، فليغُسِله حتَّى يبلغَ أصولَ الشَّعْرِ، وأمّا المرأةُ فلا عليها ألا تَنْقُضَه، لتُغْرِف على رأسِها ثلاثَ غَرفاتٍ بكفَّيْها". حسن: رواه أبو داود (٢٥٥) قال: حَدَّثَنَا محمد بن عوف، قال: قرأتُ في أصل إسماعيل بن عَيَّاش، قال ابن عوف: حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل، عن أبيه (يعني إسماعيل بن عَيَّاش)، حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بن زُرْعة، عن شُرَيح بن عُبيد، قال: أفتاني جُبَيْرُ بن نُفَير، عن الغُسل من الجنابة أنَّ ثوبانَ حدَّثهم، أنهم اسْتَفْتَوا النَّبِيّ ﷺ ، فذكره. رجاله ثقات غير إسماعيل بن عَيَّاش؛ فإنه صدوق في أهل بلده الشاميين، ومُخلِّطٌ في غيرهم، وشيخه ضَمْضَم بن زُرعة من أهل حمص. ولكن في الإسناد علة أخرى، وهي أنَّ محمد بن إسماعيل لم يسمع من أبيه شيئًا كما قال أبو حاتم، ولكن محمد بن عوف لم يكتف بروايته عن محمد بن إسماعيل، عن أبيه، بل كان قد اطلع على أصل مسموعات إسماعيل بن عَيَّاش عن شيوخه، وهذا يُقوي روايته عن محمد بن إسماعيل، عن أبيه؛ لأنَّ محمد بن إسماعيل مع عدم سماعه عن أبيه مختلف في توثيقه، ولكن حصل لمحمد بن عوف طريق مباشر بدون واسطة محمد بن إسماعيل، وهو اطلاعه على مسموعات إسماعيل بن عَيَّاش، وهذا من باب الوِجادة، وهي من طرق تحمُّل الحديثِ، وقد اعتمده أهل العلم في رواية الحديثِ. قال الحافظ ابن القيم في تهذيب السنن: "هذا إسناد شاميّ، وأكثر أئمة الحديث يقول: حديث إسماعيل بن عَيَّاش عن الشاميين صحيح. ونص عليه أحمد بن حنبل ﵁" انتهى. • عن عائشة وابن عمر، أنَّ عمر سأل رسولَ الله ﷺ عن الغُسْل من الجنابة؟ - واتسقِت الأحاديث على هذا - يبدأ فيُفرغُ على يده اليُمنى مرتين أو ثلاثًا، ثم يُدخل يدَه اليُمنى في الإناء فيصبّ بها على فرجه، ويدُه اليُسرى على فرجه فيغسلُ ما هنالك حتى يُنقيه، ثم يضع يده اليُسرى على التراب إن شاء، ثم يصبّ على يده اليُسرى حتَّى ينقيها، ثم يغسل يديه ثلاثًا، ويستنشقُ ويُمضمض ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، حتَّى إذا بلغ رأسَه لم يمسح، وأفرغ عليه الماء. فهكذا كان غُسلُ رسولِ الله ﷺ فيما ذكر.

стр. 966

حسن: رواه النسائيّ (٤٢٢) قال: أخبرنا عمران بن يزيد بن خالد، قال: حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الله - وهو ابن سماعة - قال: أنبأنا الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، وعن عمرو بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ عمر سأل رسول الله ﷺ عن الغُسْلِ من الجنابة - واتسقت الأحاديث على هذا. فذكره. ورجاله ثقات غير شيخ النسائيّ؛ فإنه صدوق. وقوله: "اتسقت" أي انتظمت واتفقت. • عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "أمَّا أنا فأُفيضُ على رأسي ثلاثًا". وأشار بيديه كلتيهما. متفق عليه: رواه البخاريّ في الغسل (٢٥٤) ومسلم في الحيض (٣٢٧) كلاهما من طريق أبي إسحاق، عن سليمان بن صُرَدٍ، عن جبير بن مُطْعِم، فذكر الحديث. وفي رواية مسلم: قال: تَمارَوُا في الغُسْل عند رسول الله ﷺ ، فقال بعضُ القوم: أمَّا أنا فإني أغْسِلُ رأسي كذا وكذا، فقال رسولُ الله: ﷺ "أَمَّا أنا فَإِنِّي أُفيض على رأسي ثلاث أكُفٍّ". • عن أبي جعفر محمد الباقر قال: قال لي جابر: وأتاني ابن عمك - يُعَرِّضُ بالحسن بن محمد ابن الحنفية - قال: كيف الغسلُ من الجنابة؟ فقلتُ: كان رسول الله ﷺ يأخذ ثلاثةَ أَكُفٍّ ويُفِيضُها على رأسه، ثم يُفِيضُ على سائِر جَسَده، فقال لي الحسن: إني رجلٌ كثير الشَّعْرِ، فقلت: كان النَّبِيّ ﷺ أكثْرَ منك شعرًا. وفي رواية: كان النَّبِيّ ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثًا. متفق عليه: أخرجه البخاريّ في الغسل (٢٥٦) من طريق معمر بن يحيى بن سام، حَدَّثَنِي أبو جعفر به، ورواه مسلم في الحيض (٣٢٩) من وجه آخر عن جعفر، عن أبيه (وهو محمد المعروف بالباقر) عن جابر وفيه: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة صَبَّ على رأسه ثلاث حَفناتٍ من ماء. فقال له الحسن بن محمد (ابن الحنفية): إنَّ شعري كثير. قال جابر: فقلت له: يا ابن أخي؟ كان شعرُ رسول الله ﷺ أكثر من شعرك وأطيبَ. وعند البخاريّ (٢٥٥) من طريق مِخْولِ بن راشد، عن محمد بن عليّ، عن جابر: كان النَّبِيّ ﷺ يُفْرغُ على رأسه ثلاثًا. وفي رواية عند البخاريّ (٢٥٢): قال محمد الباقر: إنه كان عند جابر هو وأبوه، وعنده قوم، فسألوه عن الغُسل؟ فقال: يَكفيك صاعٌ، فقال رجل: ما يكفيني، فقال جابر: كان يكفي من هو أوفَى منك شعرًا، وخيرٌ منك. ثم أمَّنا في ثوب. وفي رواية عند مسلم (٣٢٨) من طريق أبي سفيان عن جابر: أنَّ وفَدَ ثقيف سأَلُوا النَّبِيّ ﷺ فقالوا: إنَّ أَرْضَنا أَرْضٌ باردةً، فكيف الغُسل؟ فقال: "أما أنا فأُفْرغُ على رأسي ثلاثًا".

стр. 967

• عن أنس أَنَّ وفْدَ ثقيفٍ قالوا: يا رسول الله! إنَّ أَرْضَنا أرْضٌ باردةٌ، فما يَكْفِينا من غُسْل الجنابةِ؟ فقال: "أما أنا فأُفِيضُ على رأسي ثلاثًا". صحيح: رواه أبو يعلى في مسنده (٣٧٢٧) قال: حَدَّثَنَا ابن أبي سمينة البصريّ، ثنا معتمر بن سليمان، عن حميد الطّويل، عن أنس، فذكره. قال الهيثميّ: رجاله رجال الصَّحيح. "مجمع الزوائد" (١/ ٢٧١). وأورده أيضًا الحافظ في "المطالب العالية" (١/ ١٠٨) وقال: صحيح. • عن أبي هريرة، سأله رجل: كم أُفيضُ على رأسي وأنا جُنُبٌ؟ قال: كان رسول الله ﷺ يَحْثُو على رأسه ثلاثَ حَثَيات، قال الرّجل: إنَّ شَعْرِي طويلٌ، قال: كان رسولُ الله أكثرَ شعرًا منك وأطيب. حسن: رواه ابن ماجة (٥٧٨) قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحْمرُ، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل أبي خالد الأحمر، وهو سليمان بن حيان الكوفيّ، وشيخه محمد بن عجلان المدنيّ، وهما حسنا الحديث. • عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا أراد أن يَغْتسِلَ من الجنابة بدأ بكفَّيه فغَسَلَهما، ثم غَسَلَ مرافِغَه، وأفاض عليه الماء، فإذا أنقاهما أهوى بهما إلى حائط، ثم يستقبلُ الوضوءَ، ويفيض الماء على رأسه. صحيح: رواه أبو داود (٢٤٣) عن عمرو بن عليّ الباهليّ، حَدَّثَنَا محمد بن أبي عديّ، حَدَّثَنِي سعيد، عن أبي مَعْشَرٍ، عن النَّخْعيّ، عن الأسْود، عن عائشة، فذكرته. ورجاله ثقات وإسناده صحيح. وأبو معشر هو زياد بن كُلَيب الحنظلي الكوفيّ، ثقة؛ وثَّقه النسائيّ والعجلي. وقوله: "مَرافِغِه" - بفتح الميم وكسر الفاء وبعدها الغين - جمع (رُفغ) بضم الراء، وهي: مغابن البدن، وما يجتمع فيه الأوساخ، كالإبطين وأصول الفخذين. وبيان هذا الحديث أنَّه: إذا أراد أن يغتسل من الجنابة، بدأ بكفيه فغسلهما، ثم غسل مَرافِغَه، وأفاض الماء على فرجه، فإذا أنقاهما - أي المرافِغ والفرج - أهوى بهما - باليدين - إلى حائط؛ ليدلكهما بالتراب للتنظيف، ثم يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه، ومن ثم على جسمه كله. وهذا مستخلصٌ من الأحاديث المذكورة في الباب. وفي الباب أيضًا حديث أبي سعيد الخدريّ: أنَّ رجلًا سأله عن الغُسْل من الجنابة، فقال: ثلاثًا، فقال الرّجلُ: إنَّ شَعْري كثيرٌ! فقال: رسولُ الله ﷺ كان أكثرَ شعرًا منك وأطيب.

стр. 968

رواه ابن ماجة (٥٧٦) عن أبي بكر بن أبي شية وعلي بن محمد، قالا: حَدَّثَنَا وكيع (ح) وحدثنا أبو كريب، قال حَدَّثَنَا ابن فُضَيل، جميعا عن فُضَيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. وفيه عَطية، وهو ابن سعد بن جُنادة العَوفيّ، قال أبو داود: ليس بالذي يعتمد عليه. وقال النسائيّ: ضعيف. وليّنه أبو زرعة. وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه. قلت: القول فيه قول أبي حاتم؛ فإنه ليس بمطروح، ولحديثه شواهد كما تقدمت. ٦ - باب القدر المستحب من الماء للغسل والوضوء • عن عائشة قالت: كان النَّبِيّ ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحوَ الحِلاب، فأخذ بِكفِّه فبدأَ بشِقِّ رأسِه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على رأسه. متفق عليه: رواه البخاريّ في الغسل (٢٥٨) ومسلم في الحيض (٣١٨) كلاهما عن محمد بن المثنَّى، ثنا أبو عاصم، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن القاسم، عن عائشة فذكرت الحديث. واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلمٍ نحوه، إِلَّا أنه قال بعد قوله "ثم الأيسر": "ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه". والحِلاب - بكسر الحاء المهملة - قال الخطّابي: هو إناء يسع قدر حلب ناقة، وقال: وقد ذكره محمد بن إسماعيل في كتابه "الجامع الصحيح"، وتأوله على استعمال الطيب في الطهور، وأحسبه توهم أنّه يريد به المحلب الذي يستعمل في غسل الأيديّ، وليس هذا من الطيب في شيء. انتهى. وقال الإسماعيلي أيضًا في مستخرجه: رحم الله أبا عبد الله - يعني البخاريّ - من ذا يسلم من الغلط، سبق إلى قلبه أنَّ الحِلابَ طيب، وأي معنى للطيب عند الاغتسال قبل الغُسْلِ، إنّما الحِلاب إناءٌ، وهو ما يحلب فيه، يسمى حِلابًا ومحلبًا. "الفتح" (١/ ٣٦٩). قلت: لأنَّ البخاريّ رحمه الله تعالى بوَّب في صحيحه بقوله: "باب من بدأ بالحِلاب أو الطيب عند الغُسْل" ظنًّا منه أنَّ الحِلابَ نوعٌ من الطيب. • عن عائشة، أنَّ رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء - وهو الفَرَقُ - من الجنابة. صحيح: رواه مالك في الطهارة (٦٨) عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. وعنه مسلم في الحيض (٣١٩). والفَرَقُ: ثلاثة آصع. • عن عائشة أنَّ النَّبِيّ ﷺ كان يغتسل بالصاع، ويتوضَّأ بالمدِّ. صحيح: رواه أبو داود (٩٢) والنسائي (٣٤٧) وابن ماجة (٢٦٨) كلّهم من حديث قتادة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، فذكرت الحديث. ورجاله ثقات إِلَّا أنَّ قتادة مع إمامته في الحديث كان يُدلِّس، لكن قال أبو داود - عقب رواية

стр. 969

الحديث من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن صفية بنت شيبة -: "رواه أبان، عن قتادة، قال: سمعت صفية" فانتفتْ عنه تهمةُ التدليس. ولحديث عائشة طرق أخرى منها: قتادة، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة نحوه. رواه النسائيّ. ومنها: قتادة، عن معاذة، عن عائشة نحوه. رواه أبو عبيد في الطهور (رقم ١١٢). • عن أنس قال: كان النَّبِيّ ﷺ يَغْتَسِلُ بالصاع إلى خمسةِ أمدادٍ، ويتوضأ بالمدّ. وفي لفظ: كان يغتسل بخَمْسِ مَكاكِيك، ويتوضأُ بمكّوكٍ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (٢٠١) ومسلم في الحيض (٣٢٥) كلاهما من طريق مِسْعر، حَدَّثَنِي عبد الله بن عبد الله بن جَبْرٍ قال: سمعت أنسًا، فذكره. والرّواية الثانية أخرجها مسلم من طريق شعبة، عن ابن جَبْر. ومكاكيك: جمع مكوك، كتنور، وهو مكيال. قال النوويّ: ولعل المراد بالمكُّوك هنا المُدّ كما قال في رواية أخرى: يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" اهـ. وفي السنن: "يتوضأ بإناء يسع رطلين، ويغتسل بالصاع". قال أبو داود في سننه (٩٥): سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النَّبِيّ ﷺ . • عن جابر بن عبد الله قال: كان رسولُ الله ﷺ يَغْتَسِلُ بالصَّاعِ، ويتوضّأ بالمدّ. حسن: رواه ابن ماجة (٢٦٩) عن هشام بن عمار، ثنا ربيع بن بدرٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابر فذكره. وأبو الزُّبير المكي مدلِّس معروف، ولكن رواه أبو داود (٩٣) عن الإمام أحمد، وهو في مسنده (٣/ ٣٠٣)، وصحّحه ابن خزيمة (١١٧) كلهم من طريق سالم بن أبي الجعد، عن جابر. وسالم بن أبي الجعد ثقة؛ وثَّقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي. ولكن في الطريق إليه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، لكن قال ابن عديٍّ: "مع ضعَّفه يُكتب حديثه". وفي بعض الروايات: قال رجل: لا يكفينا يا جابر! فقال: قد كفي من هو خيرٌ منك وأكثرُ شعرًا. (صحيح البخاريّ: ٢٥٢). • عن سفينة قال: كان رسول الله ﷺ يُغَسِّلُه الصاعُ من الماء من الجنابة، ويُوضِّئه المدُّ. وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يَغْتَسِلُ بالصاع، ويتطهر بالمدّ. صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٢٦) من طريق بشر بن المُفضَّل، ثنا أبو رَيحانة، عن سفينة. والرّواية الثانية رواها من طريق عليّ بن حُجْرٍ، ثنا إسماعيل، عن أبي ريحانة عنه.

стр. 970

قال مسلمٌ: قال أبو ريحانة: وقدْ كان كبر، وما كنتُ أثق بحديثه. (يقصد به سفينة). قال النوويّ رحمه الله تعالى: ولم يذكر مسلم رحمه الله تعالى حديثه هذا معتمدًا عليه وحده، بل ذكره متابعةً لغيره من الأحاديث التي ذكرها. انتهى وأمّا سفينة فهو: صاحب رسول الله ﷺ ومولاه، واسمه: مهران بن فروخ، وقيل غير ذلك، وقيل: سبب تسميته سفينة أنه حمل متاعًا كثيرًا لرُفْقَة في الغزو، فقال له النَّبِيّ ﷺ : "أنت سفينة". أخرجه أحمد (٢١٩٢٥) بإسناد حسن. • عن أم عُمارة أنَّ النَّبِيّ ﷺ توضَّأ، فأُتي بإناءٍ فيه ماء قدرُ ثُلُثَيِ المُدِّ. صحيح: رواه أبو داود (٩٤) والنسائي (٧٤) عن محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن حبيب الأنصاريّ، قال: سمعت عبَّادَ بن تميم، عن جدته - وهي أم عُمارة بنت كعب. ورجاله ثقات وإسناده صحيح. قال النسائيّ: قال شعبة: فأحفظ أنه غسل ذِراعَيه وجعل يَدلُكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما. فائدة: ليس في هذه الأحاديث الواردة في بيان صفة غسل النَّبِيّ ﷺ من الجنابة ذكر للدّلك؛ ولذلك قال الإمام البغويّ في شرح السنة (٢/ ١٣): "وليس في الحديث ذكر إمرار اليد". قلت: وورد دلك شعر الرَّأس في غسل الحائض والجنب من حديث عائشة، وسيأتي قريبًا إن شاء الله. ٧ - باب ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة • عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله! إني امرأة أشُدُّ ضَفْرَ رأسيّ، أَفأنْقُضُه لغُسْل الجنابة؟ قال: "لا، إنّما يكَفِيكِ أن تَحْثِي على رأسكِ ثلاثَ حَثَيات، ثم تُفيِضِين عليكِ الماء، فتطهُرين". وفي رواية: أفأنقضه للحيضةِ والجنابة؟ قال: "لا". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٣٠) من طريق أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن رافع - مولى أمِّ سلمة، عن أمِّ سلمة فذكرته. • عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشةَ أنَّ عبد الله بن عمرو يأمر النساءّ إذا اغتسلْنَ أن يَنْقُضْنَ رؤوسَهُنَّ، فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا! يأمر النساءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن ينقُضْنَ رؤوسَهُنّ، أفلا يأمرهنّ أن يحلقن رؤوسَهْنَّ! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرِغَ على رأسي ثلاثَ إفْراغاتٍ. صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٣١) من طريق إسماعيل ابن عُليَّة، عن أيُّوب، عن أبي

стр. 971

الزُّبير، عن عبيد بن عميرٍ فذكر مثله. ٨ - باب ما جاء في نقض المرأة شعرها عند اغتسالها من المحيض • عن عائشة قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : "من أحبّ أن يُهلَّ بعمرةٍ فلْيُهْلِلْ؛ فإني لولا أني أهديتُ لأهللتُ بعمرةٍ". فأهلّ بعضُهم بعمرةٍ، وأهلّ بعضُهم بحج، وكنت أنا ممن أهلّ بعمرة، فأدركني يومُ عرفةَ وأنا حائضٌ، فشكوت إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: "دَعي عمرتَك، وانقُضي رأسَكِ، وامتْشِطي وأهِلِّي بحجّ". ففعلتُ حتَّى إذا كان ليلةُ الحصْبةِ أرسل معي أخي عبد الرحمن بن أبي بكر فخرجتُ إلى التنعيم فأهللتُ بعمرةٍ مكان عمرتي. متفق عليه: رواه البخاريّ في الحيض (٣١٧) من طريق أبي أُسامة، ومسلم في الحج (١٢١١: ١١٦) من طريق ابن نُمَير، كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. واللّفظ للبخاريّ. وزاد ابن ماجة (٦٤١) بإسنادٍ صحيحٍ، عن وكيع، عن هشام بن عروة به: "واغتسلي". وبوَّب عليه البخاريّ: "باب نقض المرأةِ شعرها عند غُسل المحيضِ"، وفيه إشارة إلى أنه يرى وجوب نقض الشعر في غُسْلِ المحيض، وبه قال الحسن وطاوس في الحائض دون الجنب. وقال بوجوب النقض فيهما عبد الله بن عمرو كما في صحيح مسلم، وأنكرت عليه عائشة. والجمهور على عدم الوجوب؛ لحديث أم سلمة في صحيح مسلم، وفيه: "أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ " فقال: "لا"، وحملوا الأمر في حديث عائشة على الاستحباب؛ جمعا بين الحديثين. ويرى ابن رجب كما في شرحه للبخاريّ - "فتح الباري شرح صحيح البخاريّ" (١/ ٤٧٦) أنه لا دلالة في حديث عائشة على نقض شعرها عند غسلها من المحيض، فإن غسل عائشة الذي أمرها النَّبِيّ ﷺ به لم يكن من المحيض، بل كانت حائضًا، وحيضها حينئذ موجود، فإنه لو كان قد انقطع حينها لطافت للعمرة، ولم نحتج إلى هذا السُؤال، ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها، وتُهل بالحج، فهو غسل للإحرام في حال الحيض، كما أمر أسماء بنت عُميس لما نُفِستْ بذي الحليفة أن تغتسل وتُهل". وقال: "وقد يُحمل مراد البخاريّ عن وجه صحيح، وهو أن النَّبِيّ ﷺ إنّما أمر عائشة بنقض شعرها، وامتشاطها عند الغسل للإحرام، لأنَّ غسل الإحرام لا يتكرر، فلا بشق نقض الشعر فيه، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى بخلاف غسل الجنابة، فإنه يتكرر، فيشق النقض فيه، فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر".

стр. 972

٩ - كيفية غسل الحائض ِ • عن عائشة قالت: إن امرأة من الأنصار سألت النَّبِيّ ﷺ عن غسلها من الحيض، فأمرها كيف تغتسلُ، قال: "خُذي فِرْصةً من مسك، فتطهري بها". قالت: كيف أتطهّر بها؟ قال: "تطهري بها". قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها". فاجتذبتُها إليّ، فقلت: تتبّعي بها أثر الدم. متَّفقٌ عليه: رواه البخاريّ في الحيض (٣١٤، ٣١٥) ومسلم في الحيض (٣٣٢) كلاهما من طريق منصور بن صفية، عن أمه صفية، عن عائشة. ونسب إلى أمه صفية لشهرتها، وهي صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية. وأم أبيه عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العبدري. إِلَّا أن البخاريّ لم يذكر كيف تغتسل. وإنما بيَّنه مسلم في رواية إبراهيم بن المهاجر قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء (وهي بنت شكل) سألت النَّبِيّ ﷺ عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكنَّ ماءها وسدرتها فتطهَّر، فتُحسنُ الطهور، ثم تَصُبُّ على رأسها فتَدْلُكهـ دلكًا شديدًا حتَّى تبلغَ شؤونَ رأسِها، ثم تَصبُّ عليها الماء، ثم تأخذ فِرصة مُمسَّكةً فتطهر بها"، فقالت أسماء: كيف تطهر بها؟ فقال: "سبحان الله! تطهرين بها"، فقالت عائشة (كأنّها تخفي ذلك): تتَّبعين أثرَ الدم. وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: "تأخذ ماء فتطهر، فتحسن الطهور أو تُبْلِغ الطهور، ثم تَصُبُّ على رأسها فَتَدْلُكه، حتَّى تَبْلغ شؤونَ رأسها، ثم تفيض عليها الماء". فقالت عائشة: نعم النساءُ نساءُ الأنصار! لم يكن يمنعهن الحياءُ أن يتفقَّهن في الدين. وفي رواية: دخلت أسماء بنت شكل على النَّبِيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله! كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من الحيض؟ وساق الحديث. ولم يذكر فيه غسل الجنابة، وكلها في صحيح مسلم. والفِرصة: القطعة من صوف أو قطن، أي: بعد انقطاع الدم إذا اغتسلت أخذت قطعة من مسك، أو خرقة فتطيبه بمسك، فتطيب بها مواضع الدم ليذهب ريحه. وفي رواية عند أبي داود: "قَرْصة" بالقاف، يعني: شيئًا يسيرًا يؤخذ من المسك، مثل القَرْصة بأطراف الأصبعين. وقوله: "شؤون رأسها" مواصل قبائل الرأس وملتقاها، والمراد: إيصال الماء إلى منابت الشعر، مبالغة في الغسل. ذكر ابن الأثير في جامع الأصول" (٧/ ٣٢٠ - ٣٢١). وانظر بقية أحاديث غسل الحائض والمستحاضة في كتاب الحيض. ١٠ - باب الاسْتَتار في الغُسْلِ والبَول والبَرَازِ • عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: ذهبتُ إلى رسول الله ﷺ عامَ الفتح،

стр. 973

فوجدتُه يَغْتَسِلُ، وفاطمةُ ابنتُه تستُره بثوبٍ. متفق عليه: رواه مالك في قصر الصّلاة (٢٨) عن أبي النَّضْر مولي عمر بن عبيد الله، أنَّ أبا مُرَّة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول، فذكرت الحديث في سياق أطول سيأتي في كتاب صلاة الضحى. ومن طريقه رواه البخاريّ (٢٨٠) ومسلم في الحيض (٣٣٦) مختصرًا كما ذكرته. وهو طرفٌ من حديثٍ طويلٍ، وسيأتي ذكره في صلاة الضحى. • عن ميمونة قالت: وضعتُ للنَّبِي ﷺ ماءً، وسترتُه فاغتسلَ. صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٣٧) عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرني موسى القارئ، ثنا زائدة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كُريب، عن ابن عبَّاسٍ، عن ميمونة فذكرته. وهو طرف من حديثها المذكور في كيفية الغسل. • عن عبد الله بن جعفر قال: أرْدَفني رسولُ الله ﷺ ذات يوم خَلْفَه، فأسرَّ إلى حديثًا لا أحَدِّثُ به أحدًا من الناس، وكان أحبَّ ما استتر به رسولُ الله ﷺ لحاجته هَدَفٌ، أو حائِشٌ نَخْلٍ. وقال في رواية: يعني حائط نخْلٍ. صحيح: أخرجه مسلم في الحيض (٣٤٢) من طريق مهدي بن ميمون، ثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن جعفر فذكر الحديث. والهدف: ما ارتفع من الأرض، ومنه الهدف المتَخَذُ للرَّمْيِ. وحائش نخلٍ: بستان النخل، وفسَّره الراوي بقوله: يعني حائط نخل. • عن عبد الرحمن قال: انطلقتُ أنا وعمرو بن العاص إلى النَّبِيّ ﷺ ، فخرج ومعه دَرَقةٌ، ثم استتر بها، ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يَبولُ كما تَبولُ المرأة، فسمع ذلك فقال: "ألم تَعلمُوا ما لقي صاحبُ بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البولُ قطعوا ما أصابه البول منهم؛ فنهاهم فعُذِّب في قبره". صحيح: أخرجه أبو داود (٢٢) والنسائي (٣٠) وابن ماجة (٣٤٦) كلّهم من طريق الأعمش، عن زيد بن وهب، عنه به. واللّفظ لأبي داود. زيد بن وهب: هو الجهني أبو سليمان الكوفيّ، أسلم في حياة النَّبِيّ ﷺ ورحل إليه مهاجرًا، فقُبِضَ رسولُ الله ﷺ وهو في الطريق فلم يُدركهـ، قال يعقوب بن سفيان: في حديثه خلل كثير. وردّ عليه الحافظ في التقريب: "لم يصب من قال: في حديثه خلل"، مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين.

стр. 974

وبقية رجاله ثقات. قال الحافظ في "فتح الباري" (١/ ٣٢٨): هو حديث صحيح، صحَّحه الدَّارقطنيّ وغيره". وقال أبو داود: "قال منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى في هذا الحديث قال: "جلْدَ أحدهم"، وقال عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى، عن النَّبِيّ ﷺ : "جسد أحدهم". يقصد اختلاف الألفاظ. والدَّرَقة - بفتح الدال والراء المهملتين والقاف - الجحفة، والمراد بها: الترس إذا كان من جلود وليس فيها خشب وعصب. وقوله: "فقلنا انظروا إليه"، في رواية النسائيّ وابن ماجة: "فقال بعض القوم"، وهذا هو الظاهر؛ فقوله: "قلنا" حكاية عن قولهم؛ لأنَّ قائل هذا لا يكون مسلمًا؛ لما فيه من سوء الأدب مع النَّبِيّ ﷺ ، وعلى الفرض أنَّ قائله مسلم فيحمل على التعجب من هذا الفعل؛ لأنه كان خلافًا لعادة العرب. وقوله: "يبول كما تبول المرأة" فيه تشبه في الستر أو الجلوس، وقد فهم منه السترَ النسائيّ؛ فبوَّب بقوله: "البول إلى السترة يستر بها"، وبوَّب أبو داود بقوله: "الاستبراء من البول"، وبوَّب ابن ماجة بقوله: "باب التشديد في البول"، ولم يبوَّب أحد من هؤلاء: (البول قائمًا)، وهو أقرب إلى التشبيه، وقد نقل بعض أهل العلم أنَّ العرب كانوا يرون البول قائمًا من الشهامة من الرجال دون النساء، وأمّا كشفُ العورة فلم يكن مُتفشِّيًا فيهم، وإن كانوا غير مبالين به. وقوله: "إذا أصابهم البولُ قطعوا ما أصابه البولُ" أي: الثياب؛ فالروايات الصحيحة هي بذكر الثوب، وما جاء في بعض الروايات بذكر الجلد أو الجسد فيحمل على حذف المضاف، يعني: ثوب جسدهم أو جلدهم؛ لأنَّ الحمل على الظاهر - وهو الجلد أو الجسد - يؤدي إلى قطع كل أجسادهم لتكرار الوقوع، والله لم يكلف أحدًا من عباده - في أي زمن أو مكان - ما لا يطيقون. • عن يعلى بن أمية أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا يغتسل بالبَراز بلا إزار، فَصَعِدَ المنبرَ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إنَّ الله حَيِيٌّ سِتِّير يُحبّ الحياءَ والسِّتْرَ؛ فإذا اغتسل أحدكم فليستتر". حسن: رواه أبو داود (٤٠١٢) والنسائي (٤٠٦) كلاهما عن عبد الله بن محمد بن عليّ بن نُفَيل، قال: ثنا زهير، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزميّ، عن عطاء، عن يعلى، فذكر الحديث. وعطاء هو: ابن أبي رباح، لم يسمع من يعلى بن أمية. ثم أخرج أبو داود (٤٠١٣)، والنسائي (٤٠٧)، وأحمد (١٧٩٧٠) كلّهم من طريق أبي بكر بن عَيَّاش، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه نحوه. وهذا الإسناد متصل غير أنَّ أبا بكر بن عياش مختلف في توثيقه؛ فوثَّقه أحمد والعجلي. وقال

стр. 975

أبو أحمد الحاكم: ليس بالحافظ. وقال البزّار: لم يكن بالحافظ. وقال الحافظ: ثقة عابد إِلَّا أنه لما كبِر ساءَ حفظُه، وكتابه صحيح، روايته في مقدمة مسلم. وكذلك فيه عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ. • عن أبي السمح قال: كنتُ أخدم النَّبِيَّ ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسلَ قال: "ولِّني". فأوَلِّيه قفايّ، وأنشر الثوبَ، فأستره به. حسن: رواه أبو داود (٣٧٦) والنسائي (٢٢٤) وابن ماجة (٦١٣) واللّفظ له كلّهم من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، حَدَّثَنِي يحيى بن وليد، حَدَّثَنِي مُحِلُّ بن خليفة، حَدَّثَنِي أبو السمح فذكر الحديث، ورواه أبو داود وغيره مع زيادة: "فأُتِيَ بِحَسَن أَوْ حُسَين ﵄ فبال على صدره؛ فجئت أغسله فقال: "يُغْسلُ من بولِ الجارية، ويُرشُّ من بول الغلام". انظر: كتاب الطهارة، باب بول الطفل الرضيع. ١١ - باب ما جاء في منع النساء من دخول الحمَّامات العامة • عن أبي المَليح قال: دخل نسوةٌ من أهل الشام على عائشة فقالت: ممن أنتُنَّ؟ قلن: من أهل الشام، قالت: لعلكنَّ من الكُورة التي تدخل نساؤها الحمامات؟ قُلن: نعم، قالت: أما إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأةٍ تخلع ثيابها في غير بيتها إِلَّا هَتَكَتْ ما بينها وبين الله تعالى". صحيح: رواه أبو داود (٤٠١٠) والتِّرمذيّ (٢٨٠٣) وابن ماجة (٣٧٥٠) كلّهم من طرق عن منصور، قال سمعتُ سالم بن أبي الجعد، يحدث عن أبي المليح الهذلي فذكر مثله. واللّفظ لأبي داود. قال الترمذيّ: "حسن". وإسناده صحيح، ومن هذا الوجه أخرجه الإمام أحمد (٢٥٤٠٧)، ٢٥٤٠٨)، والحاكم (٤/ ٢٨٨) وسكت عليه. • عن أم الدّرداء أنها حدَّثتْ أنَّ رسول الله ﷺ لقيها يومًا فقال: "من أين جئتِ يا أم الدّرداء؟ " فقالت: من الحمَّام فقال لها رسول الله ﷺ : "ما من امرأة تنزع ثيابها إِلَّا هَتَكَتْ ما بينها وبين الله من سِتر". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٠٤١) والطَّبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٦٥٢) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني حيوة بن شريح، قال: حَدَّثَنِي أبو صخر أنَّ يُحَنِّس أبا موسى حدَّثه، أنَّ أم الدّرداء حدثته فذكر الحديث. قال الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٢٧٧): رواه أحمد والطَّبرانيّ بأسانيد ورجال أحدها رجال الصَّحيح". وهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٣٤١) وحكم

стр. 976

عليه بالبطلان، بناءً على أنَّ في الإِسناد أبا صخرٍ، واسمه: حميد بن زياد، ضعَّفه يحيى، وبناءً على نفي وجود الحمام في زمن النَّبِيّ ﷺ فأجاب عنه الحافظ في "القول المسدد" (الحديث ١٤)، قائلًا: فقد تكون أطلقتْ لفظَ الحمام على مطلق ما يقع الاستحمام به، لا أنه الحمام المعروف الآن، وقد ورد ذكر الحمام في عدة أحاديث غير هذه". قلت: أمَّا أبو صخر، وهو حميد بن زياد الخرَّاط؛ فقد وثَّقه الدارقطنيّ، وقال الإمام أحمد، وابن معين في رواية: لا بأس به، والخلاصة أنَّه حسن الحديث. وسقط هذا الحديث من نسخة "الترغيب والترهيب" للحافظ المنذريّ، فاستدركه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في "صحيح الترغيب والترهيب" (١٦٢) من هامش نسخة الظاهرية مقابل حديث أبي المليح، وحكم عليه بالصحة. • عن جابر، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدار عليها بالخمر". حسن: رواه الترمذيّ (٢٨٠١) عن القاسم بن دينار الكوفيّ، حَدَّثَنَا مصعب بن المقدام، عن الحسن بن صالح، عن ليث بن أبي سُليم، عن عطاء، عن جابر فذكره. قال الترمذيّ: "حسن غريب، لا نعرفه من حديث طاوس عن جابر إِلَّا من هذا الوجه. قال محمد بن إسماعيل: ليث بن أبي سُلَيم صدوق وربَّما يهم في الشيء. وقال محمد بن إسماعيل: قال أحمد بن حنبل: ليث لا يُفرح بحديثه، كان ليث يرفع أشياء لا يرفعها غيره؛ فلذلك ضعَّفوه". انتهى. قلت: ورواه الإمام أحمد (١٤٦٥١) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزُّبير، عن جابر، وزاد في آخره: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلونَّ بامرأةٍ ليس معها ذو محرم منها؛ فإنَّ ثالثهما الشّيطان". وابن لهيعة فيه كلام معروف، لكنه توبع. رواه النسائيّ (٤٠٠) وابن خزيمة (٢٤٩) والحاكم (١/ ١٦٢) كلّهم من طريق أبي الزُّبير، عن جابر مختصرًا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إِلَّا بمئزرٍ". وقال الحاكم: "صحيحٌ على شرط الشّيخين". ورُوي نحوه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "تُفتح لكم أرض الأعاجم، وستجدون فيها بيوتًا يقال لها: الحمامات، فلا يدخلها الرجال إِلَّا بإزارٍ، وامنعوا النساء أن يدخلنها إِلَّا مريضة أو نُفساء" رواه أبو داود (٤٠١١) وابن ماجة (٣٧٤٨) كلاهما من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقيّ، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو فذكر الحديث. وعبد الرحمن بن زياد ضعيف، وشيخه عبد الرحمن بن رافع هو التنوخي قاضي إفريقيا قال البخاريّ: "في أحاديثه مناكير". وأطلق عليه الحافظ لفظ: "ضعيف".

стр. 977

وفي الباب أيضًا عن عائشة عند أبي داود (٤٠٠٩) والتِّرمذيّ (٢٨٠٢) وفيه أبو عذرة، لا يُعرف. وقال الترمذيّ: إسناده ليس بذاك القائم. وعن أبي أيوب الأنصاري عند ابن حبان (٥٥٦٨) وفيه مجاهيل. وعن ابن عباس، رواه البزّار (كشف الأستار - ٣١٩). والصواب أنَّه مرسلٌ. وعن عمر بن الخطّاب عند الإمام أحمد (١٢٥) وفيه قام الأجناد لا يُعرف. وعن أبي سعيد الخدريّ، رواه البزّار (كشف الأستار - ٣١٨) وفيه عليّ بن يزيد الألهاني ضعيف. وفي الباب أحاديث أخرى أوردها الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ولم يصح منها إِلَّا ما ذكرتُ. ١٢ - باب جواز الاغتسال عريانًا في الخَلوة، والتستر أفضلُ • عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قال: كانت بنو إسرائيل يَغْتَسِلُون عُراةً ينظر بعضُهم إلى بعض، وكان موسى يغتسلُ وحده، فقالوا: والله! ما يمنع موسى أن يغتسلَ معنا إِلَّا أنه آدر، فذهب مرةً يغتسلُ فوضع ثوبَه على حجرٍ، ففرَّ الحجرُ بثوبه، فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر! حتَّى نظرتْ بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا: والله! ما بموسي من بأس. وأخذ ثوبه فطفِق بالحجر ضربًا. قال أبو هريرة: والله! إنه لنَدَبٌ بالحجر ستة أو سبعة ضربًا بالحجر. متفق عليه: أخرجه البخاريّ في الغسل (٢٧٨) واللّفظ له، ومسلم في الحيض (٣٣٩) كلاهما من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكر مثله. قوله: "آدر" - بهمزة ممدودة، ثم دال مهملة مفتوحة - قال أهل اللغة: هو عظيم الخصيتين. وقوله: "ندب" - بفتح النون والدال - وهو الأثر. • عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "بينا أيوب يَغْتَسِلُ عريانًا فخرّ عليه جرادٌ من ذهب، فجعل أيوب يَحْتَثي في ثوبه، فناداه ربُّه: يا أيوب! ألم أكن أغْنيتُك عما ترى؟ قال: بلى وعزتِك! ولكن لا غني بي عن بركتك". صحيح: رواه البخاريّ في الغسل (٢٧٩) بالإسناد السابق. قال النوويّ: "وأمّا كشف الرّجل عورته في حال الخلوة لا يراه آدميّ، فإن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف العلماء في كراهته وتحريمه، والأصح عندنا أنه حرام". ١٣ - باب الاعتناء بحفظ العورة • عن عمرو بن دينار قال: سمعتُ جابر بن عبد الله يحدّث أنَّ رسول الله ﷺ كان ينقُلُ معهم الحجارةَ للكعبة وعليه إزازُه، فقال له العباسُ عمُّه: يا ابن أخيّ! لو

стр. 978

حَلَلْتَ إزارَك فجعلته على مَنكبَيك دون الحجارة؟ قال: فحلَّه فجعله على منْكِبَيه، فسقط مغشيًا عليه، فما رُئي بعد ذلك عريانًا ﷺ . متفق عليه: البخاريّ في الصّلاة (٣٦٤) واللّفظ له، ومسلم في الحيض (٣٤٠) كلاهما من طريق رَوْحِ بن عُبادة، حَدَّثَنَا زكريا بن إسحاق، حَدَّثَنَا عمرو بن دينار به مثله. وفي رواية عندهما البخاريّ (١٥٨٢، ٣٨٢٩): فخرَّ إلى الأرض وطَمَحَتْ عيناهُ إلى السَّماء فقال: "إزاري" فشدَّه عليه. وفي رواية: "إزاري! إزاري! ". والقصة وقعت قبل البعثة، ورواية جابر لها من مراسيل الصّحابة، والعلماء متفقون على قبول مراسيل الصّحابة، وعليه بنى الشيخان مذهبَهما في صحيحيهما. وجابر إما سمع ذلك من النَّبِيّ ﷺ أو من بعض من حضر ذلك من الصّحابة. يقول الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر أنه العباس، وحدَّث به عن العباس أيضًا ابنه عبد الله". الفتح (١/ ٤٧٤). وقوله: "طَمَحَتْ" - بفتح الطاء والميم - أي: ارتفعتْ. وفي الحديث بيان بعض ما أكرم الله به رسول الله ﷺ ، أنه جعله مصونًا محميًا في صغره عن القبائح وأخلاق الجاهليّة. قاله النوويّ. • عن المسور بن مَخْرَمةَ قال: أقبلتُ بحجرٍ أَحْمِلُه ثقيلٍ، وعليَّ إزارٌ خَفِيفٌ، قال: فانحلَّ إزاري ومعي الحجرُ، ولم أستطع أن أضعه حتَّى بلغتُ به إلى موضعه، فقال رسول الله ﷺ : "ارجع إلى ثوبك فخذه، ولا تَمْشُوا عُراةً". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٤١) عن سعيد بن يحيى الأُمويّ، حَدَّثَنِي أبيّ، حَدَّثَنَا عثمان بن حكيم بن عَبَّاد بن "حُنيفٍ الأنصاريّ، أخبرني أبو أمامة بن سَهْل بن حُنيف، عن المِسْور بن مَخْرَمة، فذكر الحديث. وفي سنن أبي داود (٤٠١٦) عن إسماعيل بن إبراهيم، عن يح بن سعيد به: حملتُ حجرًا ثقِيلًا، فبينما أمشي سَقَط عني - يعني ثوبي - فذكر بقية الحديث مثله. • عن بَهَزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جده قال: قلتُ يا رسول الله! عَوراتُنا ما نأتي منها وما نَذَر؟ قال: "احْفَظْ عَوْرتَك إِلَّا مِن زوجتِك، أو ما ملكتْ يمينُك"، قال: قلت يا رسول الله! إذا كان القوم بعضهم في بَعْضٍ؟ قال: "إنِ استطعتَ أن لا برينَّها أحدٌ فلا يرينَّها"، قال: قلت يا رسول الله! إذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: "الله أحق أن يُسْتَحْيى منه من الناس". حسن: رواه أبو داود (٤٠١٧) والتِّرمذيّ (٢٧٦٩) وابن ماجة (١٩٢٠) كلّهم من طريق بهز بن

стр. 979

حكيم به مثله. قال الترمذيّ: حديث حسن، وجدٌّ بَهز اسمه: مُعاوية بن حَيدة القُشيريّ، وقد روى الجريريُ عن حكيم بن معاوية، وهو والد بهز. انتهي. قلت: وهو كما قال؛ فإن بهز بن حكيم صدوق، وبقية رجال الإسناد كلُّهم ثقات. • عن عبد الله بن الحارث بن جَزءٍ الزبيدي أنه مرَّ وصاحب له بأيمن وفتية من قريش قد حلوا أُزرهم، فجعلوها مخاريق يجلدون بها، وهم عراة، قال عبد الله: فلمّا مررنا بهم قالوا: إن هؤلاء قسيسون فدعوهم، ثم إن رسول الله ﷺ خرج عليهم، فلمّا أبصروه تبددوا، فرجع رسول الله ﷺ مغضبا، حتَّى دخل وكنت أنا وراء الحجرة، فسمعته يقول: "سبحان الله، لا من الله استحيوا، ولا من رسوله استتروا" وأم أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول الله، قال عبد الله: فَبِلأْيٍ ما استغفر لهم. صحيح: رواه أحمد (١٧٧١١)، وأبو يعلى (١٥٤٠) كلاهما عن هارون بن معروف، حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب، حَدَّثَنَا عمرو (هو ابن الحارث المصري)، أن سليمان بن زياد الحضرمي حدثه، أن عبد الله بن الحارث بن جزء حدثه فذكره. وإسناده صحيح. قوله: "مخاريق" جمع مخراق وهو ثوب يُلفُّ ويضرب به الصبيان بعضهم بعضًا. وقوله: "تبددوا" أي تفرقوا. وقوله: "فبلأي" بفتح اللام بعدها همزة ساكنة وبعدها ياء، والباء جارة أي: بعد مشقة وجهد. ١٤ - باب تحريم النظر إلى العورات • عن أبي سعيد الخدريّ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْظُرُ الرّجل إلى عورة الرَّجُل، ولا المرأةُ إلى عَورةِ المرأة، ولا يُفْضِي الرّجلُ إلى الرّجلِ في ثوبٍ واحدٍ، ولا تُفْضِي المرأةُ إلى المرأةِ في الثوبِ الواحدِ". وفي رواية: "عُرية الرّجل، وعُرية المرأة" مكان (عورة). صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٣٨) من طريق زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ الخدريّ، عن أبيه فذكر الحديث. ١٥ - باب في الرّجل بطوف على نسائه بغسلٍ واحدٍ • عن أنسٍ، أن النَّبِيّ ﷺ كان يَطوف على نِسائِه بغسلٍ واحدٍ.

стр. 980

صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٠٩) من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس، فذكر الحديث. وهشام بن زيد: هو ابن أنس بن مالكٍ الأنصاري. وأمَّا البخاري؛ فبوَّب في كتاب الغسل: "من دار على نسائه في غسلٍ واحدٍ، وأخرج فيه حديث أنسٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهنَّ إحدى عشرة قال (أي قتادة): قلت لأنسٍ: أوَ كان يُطيقه؟ قال: كنَّا نتحدَّث أنَّه أعطي قوَّة ثلاثين، وقال سعيد، عن قتادة: إنَّ أنسًا حدَّثهم: تِسعُ نسوة. رواه البخاري من طريق محمد بن بشَّار، قال: حدَّثنا معاذ بن هشام، قال: حدَّثني أبي، عن قتادة، قال: حدَّثنا أنس بن مالك. فاستنبط البخاري من قوله: "يدور على نسائه" أي: بغسلٍ واحدٍ؛ لأنَّ هذا هو الصحيح، وإن لم يُخرجه. ولم يثبت أنَّه اغتسل عند كلِّ واحدةٍ منهنَّ. وأمَّا ما رُوي عن أبي رافع أنَّ النبيَّ ﷺ ، طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه. قال: فقلت له: يا رسول الله! ألا تجعله غُسلًا واحدًا؟ فقال: "هذا أزكى وأطيب وأطهر" ففيه من لا يُعرف. رواه أبو داود (٢١٩) وابن ماجه (٥٩٠) كلاهما من حديث حمَّاد، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمَّته سلمي، عن أبي رافع فذكر مثله. وحمَّاد هو ابن سلمة. ومن طريقه رواه أيضًا الإمام أحمد (٢٣٨٦٢). وطعن فيه أبو داود فقال: "وحديث أنس أصحُّ من هذا". قلت: وهو كما قال؛ فإنَّ عبد الرحمن بن أبي رافع لم يذكروا في الرواة عنه سوى حمَّاد بن سلمة؛ ولذا قال فيه الحافظ في التقريب: "مقبول" أي إذا توبع، ولكنَّه لم يُتابعه أحد فهو "ليِّن الحديث"، وكذلك عمَّتُه سلمى، قال فيها الحافظ: "مقبولة". وقال ابن القطَّان: "لا تُعرف". فمن رأى أنَّ فيه مخالفة لحديث صحيح وهو حديث أنس، حكم عليه بالنكارة. ومن مشّاه جمع بينهما فقال: هو محمول على أنَّه فعل الأمرين في وقتين مختلفين. قاله النووي. وقال القرطبي: "يجوز الجمع بين الزوجات والسراري في غسل واحدٍ، وعليه جماعة السلف والخلف، وإن كان الغسل بعد كل وطءٍ أكمل وأفضل". ١٦ - باب ما جاء في غسل الجنابة قبل النوم وبعده • عن عبد الله بن أبي قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث قلت: كيف كان يصنعُ في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينامُ قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعلُ. ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام.

стр. 981

قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً. صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٠٧) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قبر فذكر مثله. وسيأتي ذكر هذا الحديث في صلاة الليل وفي صلاة الوتر مُفَرَّقًا. • عن غُضَيف بن الحارث قال: قلت لعائشة: أرأيتِ رسولَ الله ﷺ يَغتَسِلُ من الجنابة في أوَّل اللَّيل أو في آخره؟ قالت: ربما اغتسلَ في أوَّلِ الليل، وربما اغتَسَلَ في آخره، قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً. قلت: أرأيتِ رسولَ الله ﷺ كان يُوتِرُ أول الليلِ أم في آخره؟ قالت: ربما أوتَرَ في أولِ الليل، وربما أوتَرَ في آخره، قلت: الله أكبر! الحمدُ لله الذي جعلَ في الأمر سعةً. قلت: أرأيت رسول الله ﷺ كان يجهر بالقرآن أم يُخفِتُ به؟ قالت: ربما جهرَ به، وربما خَفَتَ، قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. حسن: أبو داود (٢٢٦) واللفظ له، والنسائي (٢٢٢، ٢٢٣) مقتصرا على الجزء الأول من الحديث، وهو ما يخص بالغسل، وابن ماجه (١٣٥٤) مقتصرا على قراءة القرآن فقط، كلهم من طرق بُرد بن سِنان، عن عُبادة بن نُسيّ، عن غُضَيفِ بن الحارثِ، فذكر الحديث. وغُضَيف بن الحارث السكوني الكندي، أثبت أبو حاتم وأبو زرعة أنَّ له صحبة، وقال ابن سعد والعجلي: تابعي من أهل الشام ثقة. ووثَّقه أيضًا الدارقطني وغيره. وإسناده حسن من أجل بُرد بن سنان؛ فإنه صدوق، وبقية رجاله ثقات. وصحَّحه ابن حبَّان (٢٤٤٧) من هذا الوجهِ. وفي الباب حديث أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: ... ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام. فإذا كان النداء الأول قام فاغتسل. رواه مسلم (٧٣٩) وسيأتي ذكره في باب جواز النوم للجنب بدون وضوء (٢٢) في كتاب الوضوء. ١٧ - باب ما جاء في الجُنُب يُصَلِّي بالقوم وهو ناسٍ • عن أبي هريرة قال: أُقِيمت الصلاةُ وعُدِّلت الصفوفُ قيامًا، فخرج إلينا رسولُ الله ﷺ ، فلما قام في مُصلاه ذكر أنه جُنُبٌ، فقال لنا: "مكانَكم". ثم رجع فاغتَسلَ، ثم خرج إلينا ورأسُه يفطُر، فكبَّر وصَليَّنا معه. وفي رواية: فعلنا الصفوف قبل أن يخرج. متفق عليه: رواه البخاري في الغسل (٢٧٥) واللفظ له، ومسلم في المساجد (٦٠٥) كلاهما من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وفي رواية لمسلم:

стр. 982

قبل أن يُكَبِّر ذكر فانصرف". هكذا رواه الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. هذا هو الصحيح أنه تذكَّر قبل أن يُكبِّر كما رواه يونس عن الزهري، وتابعه على ذلك عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري؛ والأوزاعي، عن الزهري، كما قال البخاري. وهؤلاء أوثق ممن قال: كبّر؛ ولذا قال بعض أهل العلم: قوله "كبّر" أي: أراد أن يكبِّر إلا أنه لم يكبِّر. وعليه يحمل قول ابن عبد البر بأن من قال: إنه كبَّر - زيادة حافظ يجب قبولها. كذا في الاستذكار (٢/ ١٠٣) ومعناه: أراد أن يكبر. وأما ما قاله أبو داود (١/ ١٦٠): ورواه أيوب وابن عون وهشام، عن محمد (ابن سيرين) عن النبي ﷺ قال: "فكبّر ثم أومأ بيده إلى القوم أن اجلِسُوا، فذهب فاغتسل" فهو مرسل. وكذلك رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ كبَّر في صلاة. "الموطَّأ" (١/ ٤٨ رقم ٧٩). وأما ما روي عن أبي بكرة أنَّ رسول الله ﷺ دخلَ في صلاةِ الفَجرِ فأومأ بيده أن مكانَكم، ثم جاء ورأسُه يَقطُر، فصلَّى بهم. فهو معلول، رواه أبو داود (٢٣٣، ٢٣٤) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد (بن سلمة)، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة، فذكر الحديث. والحسن مرسل ومدلس، ولم أجد له تصريحا. ١٨ - باب غُسلِ الكافرِ إذا أسلَم • عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجلٍ من بني حَنيفة يقال له: ثُمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النَّبيُّ ﷺ فقال: "أطلِقوا ثُمامة". فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسلَ، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله. متفق عليه: أخرجه البخاري (٤٦٢) مختصرًا هكذا في كتاب الصلاة، باب الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير في المسجد، ورواه مطولا في المغازي (٤٣٧٢) ومسلم في الجهاد (١٧٦٤) كلاهما من طريق الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، سمع أبا هريرة فذكره. وسيأتي في كتاب الجهاد مطوّلًا. وفي بعض الروايات أنه أسلم، فبعثه النبي ﷺ إلى حائط بني طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل. رواه ابن خزيمة (١/ ١٢٥) من طريق عبد الرزاق، نا عبد الله وعبيد الله ابنا عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.

стр. 983

وعبد الله ضعيف ولكن تابعه أخوه عبيد الله، وهو ثقة. فإما أن نُرجِّح روايةَ الشيخين، أو تجمع بينهما كما فعل البيهقي (١/ ١٧١) قائلًا: يحتمل أن يكون أسلم عند النبي ﷺ ، ثم اغتسلَ ودخل المسجد فأظهر الشهادة. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الغُسلَ كان بعد إسلامِه، كما في رواية ابن خزيمة. انظر للمزيد: "المنة الكبرى" (١/ ١٩٦). • عن قيس بن عاصم قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ أُريدُ الإسلامَ، فأمرني أن أَغتَسِلَ بماءٍ وسِدرٍ. صحيح: رواه أبو داود (٣٥٥) والترمذي (٦٠٥) والنسائي (١٨٨) كلهم من طريق سفيان، عن الأغر بن الصبّاح، عن خليفة بن حُصين، عن جده قيس بن عاصم. ورجاله ثقات. وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى. ورواه الإمام أحمد (٢٠٦١١)، والبيهقي (١/ ١٧١). وصحَّحه ابن خزيمة (٢٥٤) وابن حبان (١٢٤٠) كلهم من هذا الطريق. غير أنَّ ابن القطان قال: حديثه عن جدّه مرسل، وإنما يروي عن أبيه، عن جده. "بيان الوهم والإيهام" (٢/ رقم ٤٣٨). وذلك بناء على ما رواه أبو علي بن السكن في كتابه السنن عن محمد بن يوسف (وهو الفربري)، عن البخاري، عن علي بن خشرم، عن وكيع، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه، عن جدّه قيس بن عاصم، فذكره. قال أبو علي بن السّكن: "هكذا رواه وكيع مجوّدًا عن أبيه، عن جدّه. ويحيى بن سعيد وجماعة رووه عن سفيان، لم يذكروا أباه" انتهى كلام أبي علي. قلت: هكذا رواه الإمام أحمد (٢٠٦١٥) عن وكيع، حدّثنا سفيان، عن الأغر المنقريّ، عن خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم، عن أبيه، عن جدّه، فذكر الحديث. ولم ينفرد وكيع بهذا بل تابعه أيضًا قبيصة بن عقبة، عن سفيان. ومن هذا الطريق رواه البيهقي (١/ ١٧٢) من طريق يعقوب بن سفيان وهو في تاريخه (١/ ٣٩٦) عنه. وقد جزم أبو حاتم في "العلل" (١/ ٢٤) أن زيادة "أبيه" خطأ، أخطأ فيه قبيصة في هذا الحديث. قلت: لم ينفرد قبيصة بهذه الزيادة فقد تابعه عليها أيضًا وكيع كما رأيت إلا أنه اختُلف عليه أيضًا فرواه البيهقي من طريقه بدون زيادة "عن أبيه" وقال: "رواه محمد بن كثير وجماعة إلّا أنّ أكثرهم قالوا: عن جدّه قيس بن عاصم. ورواه قبيصة بن عقبة فزاد في الإسناد" انتهى. والظاهر أنه يصحح رواية الجماعة، والله تعالى أعلم.

стр. 984

وأمَّا ما رُوِي عن كُلَيب قال: أسلمت فقال النبي ﷺ : "ألق عنك شعر الكفر" وفي رواية "ألق عنك شعر الكفر واختتن" ففيه عُثيم بن كثير بن كليب، رواه أبو داود (٣٥٦) من طريق ابن جريح، قال: أُخبرت، عن عُثَيم بن كليب، عن أبيه، عن جده، وعُثيم مجهول، والواسطة بين ابن جريج وغُثيم غير معلوم. وكذلك ما رُويَ عن قتادة قال: أتيت النبي ﷺ فقال لي: "يا قتادة! اغتسل بماء وسِدرٍ، واحلق عنك شعر الكفر" وكان رسول الله ﷺ يأمر من أسلم أن يختتن وإن كان ابن ثمانين. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٨٣): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، ولكن قال الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٦١٨): إسناده ضعيف. وكذلك ما رُوي عن واثلة بن الأسقع قال: لما أسلمت أتيت النبي ﷺ فقال لي: "اغتسل بماء وسِدر، واحلق عنك شعر الكفر" رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٧٠) وقال الحافظ: إسناده ضعيف. قلت: وهو كذلك؛ لأنَّ فيه معروفًا أبا الخطَّاب، وهو معروف بن عبد الله، أبو الخطَّاب الدمشقي، مولى واثلة بن الأسقع، ضعيف. قال ابن عدي: يروي عن واصلة أحاديث منكرةٌ وعامة ما يرويه لا يتابع عليه. • * *

стр. 985

٦ - كتاب الحيض ١ - باب ما جاء في سقوط الصلاة عن الحائض والنُّفساء، وتوقيت أربعين يومًا للنُّفَساء • عن معاذة قالت: سألتُ عائشةَ فقلت: ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الحيض (٣٢١) عن همام، عن قتادة قال: حدثتني معاذة أن امرأةٌ قالت لعائشة: أتجزي إحدانا صلاتَها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنتِ؟ كنَّا نحيضُ مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به. أو قالت: فلا نفعله. ورواه مسلم في الحيض (٣٣٥) عن حماد، عن يزيد الرِّشك عن معاذة: أن امرأة سألت عائشة، فذكرت الحديث، وفيه: "قد كانت إحدانا تحيض على عهدِ رسول الله ﷺ ثم لا تُؤمر بقضاء". وروى شعبة عن يزيد أن معاذة هي السائلة نفسها، وكذا رواه عاصم عن معاذة أنها هي السائلة، وكلها في صحيح مسلم. وقولها: "أحرورية أنت؟ " الحرورية: طائفة من الخوارج نزلوا قرية تسمى (حروراء) كان أول اجتماعهم وتعاهدهم فيها، وكانت عائشة قصدت من قولها: "أحرورية أنت؟ " أي: أنت من طائفة الخوارج الذين يوجبون قضاء الصلاة على الحائض؟ فقالت: "لا، ولكني أسأل" أي: سؤالا مجردًا لطلب العلم لا للتعنت، كما لست أنا من الخوارج. فلما فهمتُ عائشةُ منها الرغبة في طلب العلم أجابت، واقتصرت في الجواب على الدليل دون التعليل. وأمَّا توقيتُ أربعين يومًا للنُّفَساءِ؛ فلم يثبُت فيه حديثٌ يُعتمد عليهِ، وأحسنُ شيءٌ رُوِيَ في هذا البابِ هو حديثٌ أمِّ سلمةَ. • عن أم سلمة قالت: كانت النُّفساءُ تَجلِسُ على عهدِ رسول الله ﷺ أربعينَ يومًا، فكنَّا نَطلي وُجوهَنا بالورس منَ الكَلَفِ. حسن: رواه أبو داود (٣١١) والترمذي (١٣٩) وابن ماجه (٦٤٨) كلهم من حديث علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل، عن مُسَّة الأزدية، عن أم سلمة، فذكرته. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث أبي سهل، عن مُسَّة عن أم سلمة، واسم أبي سهل: كثير بن زياد. قال محمد بن إسماعيل: علي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة،
следующие страницы →