Полный текст (477 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قاسَمتَها تلَّ بِطريقٍ فكان لها ... أبطالُها ولك الأطفالُ والحُرَم
وقد تمنّوا غَداةَ الدّرْب في لجَبٍ ... أن يُبصروك فلمّا أبصروك عَموا
فكان أثبتَ ما فيهم جُسومُهُم ... يسقُطنَ حولكَ والأرواحُ تنهزِمُ
إذا توافقتِ الضّرْبات صاعدةً ... توافقتْ قُلَلٌ في الجوّ تصطدِمُ
لا يأمَلُ النفَسَ الأقصى لمُهجتِه ... فيسرِق النّفَسَ الأدنى ويغتنِمُ
ألقَتْ إليك دِماءُ الرومِ طاعتَها ... فلو دعوْت بلا ضرْبٍ أجابَ دمُ
يُسابقُ القتلُ فيهم كلّ حادثة ... فما يُصيبهُم موتٌ ولا هرَمُ
ألهى الممالكَ عن فخرٍ قفلْتَ به ... شُرْبُ المُدامةِ والأوتارُ والنّغمُ
مقلَّداً فوقَ شُكَّرِ الله ذا شُطَب ... لا تُستَدامُ بأمضى منهما النِّعمُ
وقوله:
يا أعدلَ الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصمُ والحكمُ
إذا رأيت نيوبَ الليثِ بارزةً ... فلا تظنّنّ أن الليثَ يبتسمُ
ومهجةٍ مُهجتي من همِّ صاحبِها ... أدركتُها بجوادٍ ظهرُه حرمُ
رجلاه في الركضِ رِجْلٌ واليَدان يدٌ ... وفعلُه ما تُريدُ الكفُّ والقدَمُ
يا من يعزّ علينا أن نفارقهمْ ... وِجدانُنا كل شيء بعدَكم عدمُ
ما كان أخلقَنا منك بتكرِمةٍ ... لو أنّ أمرَكمُ من أمرِنا أمَمُ
стр. 107
إن كان سرّكمُ ما قال حاسِدُنا ... فما لجُرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ
وبيننا لو رعيتُم ذاك معرفةٌ ... إنّ المعارِف في أهل النُهى ذمَمُ
ما أبعدَ العيبَ والنُقصانَ من شيَمي ... أنا الثُريّا وذانِ الشّيبُ والهرمُ
ليتَ الغَمامَ الذي عندي صواعقُه ... يُزيلهنّ الى مَنْ عندَه الدِّيَمُ
شرّ البلادِ مكانٌ لا صديقَ به ... وشرّ ما يكسِبُ الإنسان ما يصِمُ
وشرّ ما قنصَتْه راحتي قنَصٌ ... شُهْبُ البُزاةِ سواءٌ فيه والرّحَمُ
ويقول:
الناسُ ما لم يروك أشباه ... والدهرُ لفظٌ وأنت معناهُ
والجودُ عينٌ وأنت ناظرها ... والبأس باعٌ وأنت يُمناهُ
تُنشدُ أثوابُنا مدائِحَه ... بألسُنٍ ما لهنّ أفواهُ
إذا مررنا على الأصمِّ بها ... أغنَتْه عن مِسمَعَيْه عيناهُ
يا راحِلاً كلّ من يودِّعُه ... مودِّعٌ دينَه ودُنياهُ
إن كان فيما نراه من كرَمٍ ... فيكَ مزيدٌ، فزادَك اللهُ
وقوله:
وفارسُ الخيل من خفّت فوقّرها ... في الدّرب والدمُ في أعطافِها دُفَعُ
стр. 108
فأوحَدَته وما في قلبِه قلقٌ ... وأغضبتْه وما في لفظِه قذَعُ
قاد المقانِبَ أقصى شُربِها نهَلٌ ... على الشّكيم وأدنى سيرِها سرَعُ
لا يعتَقي بلدٌ مسراهُ عن بلدٍ ... كاموتِ ليس له ريٌّ ولا شِبعُ
يطمِّع الطيرَ فيهم طول أكلِهم ... حتى تكادَ على أحيائِهم تقعُ
ذمّ الدُمُستُق عينيه وقد طلعت ... سودُ الغَمام فظنّوا أنها قزَعُ
فيها الكُماة التي مفطومُها رجلٌ ... على الجياد التي حوليُّها جذَعُ
كأنها تتلقهم لتسلُكهم ... فالطّعن يفتح في الأجواف ما تسُع
إذا دعا العِلْجُ عِلجاً حال بينهُما ... أظْمى تُفارِق منه أختَها الضِّلَعُ
لا تحسبوا من أسرْتُم كان ذا رمَقٍ ... فليس يأكلُ إلا الميتةَ الضَّبُعُ
وإنما عرّض الله الجنودَ بكم ... لكي يكونوا بلا فسْل إذا رجعوا
وهل يشينُك وقتٌ أنت فارسُه ... وكان غيرُك فيه العاجزُ الضّرعُ
من كان فوق محلِّ الشمسِ موضعُه ... فليس يرفعُه شيءٌ ولا يضعُ
لا يُسلمُ الكرّ في الأعقابِ مهجتَه ... إن كان أسلمَها الأصحابُ والشِّيَعُ
وما حمِدتُك في هوْلٍ ثبتّ له ... حتى بلوتُك والأبطالُ تمتَصِعُ
стр. 109
فقد يُظنّ شُجاعاً من به خرَقٌ ... وقد يُظنّ جباناً من به زمَعُ
وقوله:
خليليّ إني لا أرى غير شاعرٍ ... فلِمْ منهمُ الدّعوى ومنّي القصائدُ
فلا تعجَبا إن السيوفَ كثيرةٌ ... ولكنّ سيفَ الدولة اليوم واحدُ
له من كريم الطبع في الحرب منتضٍ ... ومن عادةِ الإحسانِ والصّفحِ غامدُ
ولما رأيتُ الناس دون محلّه ... تيقنت أن الدهر للناس ناقدُ
ومن شرفِ الإقدامِ أنّك فيهم ... على القتل موموقٌ كأنّك شاكِدُ
وأنّ دماً أجريتَه بك فاخِرٌ ... وأنّ فؤاداً رُعْتَه لكَ حامِدُ
وكلٌ يرى طُرْقَ الشجاعة والنّدى ... ولكنّ طبعَ النفس للنّفس قائِدُ
نهبْتَ من الأعمار ما لو حويْتَه ... لهُنِّئتِ الدُنيا بأنّك خالدُ
وقوله - يرثي عبداً لسيف الدولة:
ومن سرّ أهل الأرض ثم بكى أسًى ... بكى بعيونٍ سرّها وقُلوبِ
سُبِقنا الى الدنيا فلو عاش أهلُها ... منِعْنا بها من جيئَةٍ وذهوبِ
وأوفى حياةِ الغابرين لصاحِبٍ ... حياةُ امرئٍ خانتْه بعد مَشيبِ
وفيها:
فإن يكنِ العِلقَ النفيسَ فقدتَه ... فمن كفِّ مِتلافٍ أغرّ وَهوبِ
كأنّ الرّدى عادٍ على كلّ ماجدٍ ... إذا لم يعوِّذْ مجدَه بعُيوبِ
стр. 110
ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفَلْنا فلم نشعُر له بذُنوبِ
تسَلّ بفِكرٍ في أبيك فإنما ... بكيتَ وكان الضّحكُ بعدَ قريبِ
وقوله:
نزلنا عنِ الأكوارِ نمشي كرامةً ... لمن بان عنهُ أن نُلمّ به ركْبا
نذمّ السّحابَ الغرَّ في فعلِها به ... ونُعرِضُ عنها كلّما طلعتْ عتْبا
ومن صحِبَ الدُنيا طويلاً تقلّبتْ ... على عينِه حتى يرى صدقَها كِذبا
ذكرتُ به وصْلاً كأنْ لم أفُز به ... وعيشاً كأني كنتُ أقطعُه نهْبا
وقوله فيها:
مضى بعد ما التفّ الرِّماحان ساعةً ... كما يتلقّى الهُدْب في الرّقْدةِ الهُدْبا
ولكنه ولّى وللطّعْن سَورةٌ ... إذا ذكرتْها نفسُه لمسَ الجَنْبا
أرى كلَّنا يبغي الحياةَ بسعيهِ ... حريصاً عليها مُستَهاماً بها صبّا
فحبّ الجبانِ النّفسَ أوردَهُ التُقى ... وحبّ الشُجاعِ النفسَ أوردهُ الحرْبا
ويختلف الرّزقانِ والفعلُ واحدٌ ... الى أن يُرى إحسانُ هذا لِذا ذنْبا
وفيها:
ولم نفترِقْ عنه الإسنّة رحمةً ... ولم يترُكِ الشامَ الأعادي له حُبّا
ولكنْ نَفاها عنهُ غيرَ كريمةٍ ... كريمُ الثنا ما سُبّ قطّ ولا سَبّا
وجيشٌ يُثنّي كل طوْد كأنّه ... خريقُ رياحٍ واجهتْ غُصُناً رطْبا
كأنّ نجومَ الليلِ خافتْ مُغارَه ... فمدّتْ عليه من عجاجتهِ حُجْبا
стр. 111
ويقول - يذكر رسول صاحب الروم:
رأى ملكُ الروم ارتياحَك للنّدى ... فقامَ مقام المُجتَدي المتملّقِ
وخلّى الرماحَ السّمهريّة صاغراً ... لأدْربَ منه بالطّعانِ وأحذَقِ
وكاتبَ من أرض بعيدٍ مرامُها ... قريبٍ على خيلٍ حوالَيك سُبَّقِ
وقد سار في مسْراك منها رسولُه ... فما سار إلا فوقَ هامٍ مفلَّقِ
وكنتَ إذا كاتبتَه قبل هذه ... كتبتَ إليه في قَذال الدُمُستُقِ
وهل ترك البيضُ الصّوارم منهمُ ... حبيساً لفادٍ أو رفيقاً لمُعتِقِ
وقوله:
فلوْ خُلِق الناس من دهرِهم ... لكانوا الظّلامَ وكنتَ النّهارا
أشدّهُم في النّدى هِزّة ... وأبعدُهُم في عُدوٍّ مُغارا
سما بك همّي فوق الهُمومِ ... فلستُ أعدّ يَساراً يسارا
ومن كنتَ بحْراً له يا عل ... يّ فلم يقبَلِ الدُرَّ إلا كِبارا
وعندي لك الشُرَّدُ السّائرا ... تُ لا يختصِصْنَ من الأرضِ دارا
وكنّ إذا سِرْن من مِقوَلي ... وثبْنَ الجِبالَ وخُضْنَ البِحارا
وقوله:
стр. 112
ورُعْن بنا قلبَ الفراتِ كأنّما ... تخِرّ عليهِ بالرّجالِ سُيولُ
يطارِدُ فيه موجَهُ كلّ سابحٍ ... سَواءٌ عليه غمرةٌ ومسيلُ
تراه كأنّ الماءَ مرّ بجسمِه ... وأقبلَ رأسٌ وحدَه وتَليلُ
تمَلُّ الحصونُ الشُمّ طولَ نِزالِنا ... فتُلقي إلينا أهلَها وتَزولُ
ولما رأوه وحدَه قبلَ جيشِه ... درَوا أنّ كلّ العالمينَ فُضولُ
فودّع قتْلاهُم وشيّع فلّهمْ ... بضرْبٍ حُزونُ الأرضِ فيه سُهولُ
وإنا لنَلْقى الحادِثاتِ بأنفُسٍ ... كثيرُ الرّزايا عندَهنّ قليلُ
وفيها:
شريكُ المنايا والنّفوسُ غنيمةٌ ... فكلّ مماتٍ لم يُمِتْهُ غُلولُ
فإنْ تكنِ الدّوْلاتُ قِسماً فإنها ... لمَنْ باشَر الموتَ الزّؤامَ تَدولُ
لمَنْ هوّن الدُنيا على النّفسِ ساعةً ... وللبيضِ في هام الكُماةِ صَليلُ
وقوله:
أيدْري ما أرابكَ من يُريب ... وهل ترْقى الى الفلكِ الخطوبُ
يجشِّمُك الزمانُ هوًى وحُباً ... وقد يؤذَى من المِقَة الحبيبُ
وكيف تعِلّك الدُنيا بشيء ... وأنت لعلّةِ الدنيا طَبيبُ
стр. 113
وكيف تنوبُك الشّكوى بداءٍ ... وأنت المُستَغاثُ لِما ينوبُ
ملِلْتَ مُقامَ يومٍ ليس فيه ... طِعانٌ صادِقٌ ودمٌ صَبيبُ
وما بك غير حُبِّك أن تراها ... وعِثْيَرُها لأرجُلها جَنيبُ
مجلّحَةً لها أرضُ الأعادي ... وللسُمْر المناحِرُ والجُنوبُ
وقوله:
المجدُ عوفيَ إذ عوفيتَ والكرَمُ ... وزال عنك الى أعدائك الألمُ
صحّتْ بصحّتِك الغاراتُ وابتهجتْ ... بها المكارِمُ وانهلّتْ بها الديَمُ
ولاح برقُك لي من عارضَي ملِكٍ ... ما يسقُطُ الغيثُ إلا حيث يبتسِمُ
وما أخصّك في بُرء بتهنئَةٍ ... إذا سلِمْت فكل الناسِ قد سلِموا
وقوله:
ما الدّهر عندكَ إلا روضةٌ أُنُفٌ ... يا مَن شمائلُه في دهرِه زهَرُ
ما ينتهي لك في أيامِه كرَمٌ ... فلا انتهى لك في أعوامِه عُمرُ
فإنّ حظّك من تكرارِها شرَفٌ ... وحظَّ غيرِك منهُ الشّيبُ والكبَرُ
стр. 114
وقوله يذكر رسول صاحب الروم:
وأنّى اهتدى هذا الرسولُ بأرضِه ... وما سكنَتْ مذْ سِرْتَ فيها القساطِلُ
ومن أيِّ ماءٍ كان يسقي جيادَهُ ... ولم تصْفُ من مزْجِ الدماءِ المناهِلُ
أتاك يكادُ الرأسُ يجحَدُ عُنقَه ... وتنقدُّ تحت الدِّرْعِ منه المفاصِلُ
فما بلّغَتْه ما أراد كَرامةٌ ... عليكَ ولكن لم يخِبْ لك سائل
وأكبَرَ منه همّةً بعثَتْ به ... إليك العِدى واستنظَرتْهُ الجحافلُ
فأقبلَ من أصحابه وهْو مُرسَلٌ ... وعاد الى أصحابه وهو عاذِلُ
إذا عاينتْك الرُسْلُ هانت نفوسُها ... عليها وما جاءت به والمُراسِلُ
وقد زعموا أنّ النجومَ خوالِدٌ ... ولو حاربَتْه ناحَ فيها الثّواكِلُ
وما كان أدناه له لو أرادَها ... وألطَفَها لو أنّه المُتناوِلُ
وقوله:
طلبتَهم على الأمواه حتى ... تخوّفَ أن تُفتّشهُ السّحابُ
وتسأل عنهم الفلَواتِ حتى ... أجابكَ بعضُها وهُم الجوابُ
إذا ماسِرْتَ في آثار قومٍ ... تخاذلَتِ الجماجِم والرِّقابُ
ولو غيرُ الأمير غَزا كِلاباً ... ثناهُ عن شموسِهمُ ضَبابُ
ولاقى دون ثايهمُ طِعاناً ... يُلاقي عنده الذئبَ الغُرابُ
стр. 115
وخيلً تغتذي ريحَ الموامي ... ويكفيها من الماءِ السّرابُ
ويقول:
هلِ الحدَثُ الحمْراءُ تعرِفُ لونَها ... وتعلمُ أيُّ السّاقيَينِ الغمائمُ
سقَتْها الغمامُ الغُرُّ قبل نُزولِه ... فلما دنا منها سقتْها الجماجِمُ
وكان بها مثلُ الجُنونِ فأصبحَتْ ... ومن جُثثِ القتْلى عليه تَمئمُ
طريدةُ دهْرٍ ساقَه فرددْتَها ... على الدّين بالخطّيِّ والدّهرُ راغِمُ
تُفيتُ اللّيالي كل شيء أخذتَه ... وهنّ لما يأخُذن منك غوارِمُ
أتوك يجرّون الحديدَ كأنّهم ... سَروا بجِيادٍ ما لهنّ قوائمُ
وقفتَ وما في الموت شكٌ لواقفٍ ... كأنك في جفْنِ الرّدى وهو نائمُ
تمرّ بك الأبطالُ كلمى هزيمةً ... ووجهُك وضّاحٌ وثغرُك باسمُ
ضممت جناحيهم الى القلب ضمّةً ... تموت الخوافي تحتها والقوادِمُ
بضرْبٍ أتى الهاماتِ والنّصرُ غائبٌ ... وصار الى اللّبّات والنصرُ قادِمُ
وقوله:
ودانت له الدُنيا فأصبح جالساً ... وأيامُه فيما يُريدُ قيامُ
وكل أناسٍ يتبعون إمامَهُم ... وأنتلأهلِ المكرُماتِ إمامُ
ورُبّ جوابٍ عن كتابٍ بعثْتَه ... وعُنوانُه للناظِرينَ قَتامُ
стр. 116
تضيقُ به البيداءُ من قبل نشرِه ... وما فُضَّ بالبيداءِ عنه ختامُ
وربّوا لك الأولادَ حتى أصبْتَها ... وقد كعبَتْ بنتٌ وشبّ غُلمُ
جرى معك الجارون حتى إذا انتهَوا ... الى الغاية القُصوى جريْتَ وقاموا
وقوله:
للنّفسِ أخلاقٌ تدلّ على الفتى ... أكان سخاءً ما أتى أم تساخِيا
خُلقْتُ أَلوفاً لو رحلْتُ الى الصِّبا ... لَفارَقْتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكِيا
فإنّ دموعَ العين غُدرٌ بربِّها ... إذا كنّ إثْرَ الغادِرين جوارِيا
وجُرْداً مددْنا بين آذانِها القَنا ... فبتْن خِفافاً يتّبعْن العَواليا
تماشى بأيْدٍ كلّما وافَتِ الصّفا ... نقشْن به صدْر البُزاةِ حوافِيا
وتنظُر من سودٍ صوادِقَ في الدُجى ... يرَينَ بعيداتِ الشُخوص كما هِيا
وتنصِبُ للجَرسِ الخفيّ سوامعاً ... يخلنَ مُناجاة الضّمير تنادِيا
تجاذِبُ فرسانَ الصّباح أعنّةً ... كأنّ على الأعناقِ منها أفاعِيا
قواصِدَ كافورٍ توارِك غيرِه ... ومنْ قصد البحرَ استقلّ السّواقِيا
فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانِه ... وخلّتْ بَياضاً خلفَها ومآقِيا
نحوز عليها المُحسنين الى الذي ... نرى عندَهم إحسانَهُ والأيادِيا
وقوله:
وما زال أهلُ الدهر يشتبهون لي ... إليك فلما لُحتَ لي لاح فَردُهُ
стр. 117
يُقال إذا أبصَرْتَ جيشاً وربّه ... أمامكَ ربٌ ربُّ ذا الجيش عبدُهُ
وألقى الفمَ الضّحّاكَ أعلمُ أنّه ... قريبٌ بذي الكفّ المفدّاةِ عهدُهُ
فكُنْ في اصطِناعي مُحسِناً كمجرِّبٍ ... يبنِ لك تقريبُ الجوادِ وشدُّهُ
وما الصّارمُ الهنديُّ إلا كغيرِه ... إذا لم يُفارِقهُ النِّجادُ وغمدُهُ
فإنك ما مرّ النّحوسُ بكوكبٍ ... وقابلْتَه إلا ووجهُك سعدُهُ
وقوله:
إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءَتْ ظُنونُه ... وصدّقَ ما يعتادُه من توهّمِ
وعادى محبّيهِ بقوْل عُداتِه ... وأصبحَ في ليلٍ من الشّكّ مظلِمِ
أُصادِقُ نفسَ المرءِ من قبلِ جسمِه ... وأعرِفها في فعلِه والتكلّمِ
وما كل هاوٍ للجميل بفاعِلٍ ... ولا كلّ فعّالٍ له بمتمِّمِ
وأبلجَ يعصي باختِصاصي مُشيرَهُ ... عصيْتُ بقصْديهِ مُشيري ولوّمي
فساقَ إليّ العُرفَ غير مكدَّرٍ ... وسُقْتُ إليه الشُكْرَ غير مجمْجَمِ
فأحسَنُ وجْهٍ في الوَرى وجهُ مُحسنٍ ... وأيمَنُ كفٍّ فيهمُ كفُّ مُنعِمِ
ولو كنت أدري كم حَياتي قسمتُها ... وصيّرتُ ثُلثَيْها انتظارَك فاعْلَمِ
وقوله:
أما تغلَطُ الأيامُ فيّ بأنْ أرى ... بغيضاً تُنائي أو حبيباً تقرِّبُ
стр. 118
ويومٍ كليلِ العاشقينَ كمنْتُه ... أراقبُ فيه الشمسَ أيّانَ تغرُبُ
وعيني الى أذنَيْ أغرَّ كأنّه ... من الليلِ باقٍ بين عينيْه كوكبُ
له فضلةٌ عن جسمِه في إهابه ... تجيءُ على صدرٍ رحيبٍ وتذهَبُ
شققْتُ به الظّلماءَ أُدْني عِنانَه ... فيَطْغى وأُرخيهِ مِراراً فيلعَبُ
وأصرَعُ أيّ الوحشِ قفَّيتُه به ... وأنزِلُ عنه مثلَه حين أركَبُ
وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ ... وإن كثُرَتْ في عينِ من لا يجرِّبُ
إذا لم تُشاهِدْ غيرَ حُسنِ شياتِها ... وأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مغيَّبُ
وفيها:
يُريد بك الحُسّاد ما اللهُ دافِعٌ ... وسُمرُ العوالي والحديدُ المذرَّبُ
إذا طلبوا جدْواكَ أُعطوا وحُكِّموا ... وإن طلبوا المجْدَ الذي فيك خُيبوا
ولو جاز أن يحْووا عُلاك وهبْتَها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهَبُ
وأظلَمُ أهلِ الظُلمِ من بات حاسداً ... لمَنْ بات في نَعمائه يتقلّبُ
ويُغنيكَ عمّا ينسُب الناسُ أنه ... إليك تناهَى المكرُماتُ وتنسَبُ
وتعذُلُني فيكَ القوافي وهمّتي ... كأني بمدْح قبلَ مدحِكَ مذنِبُ
وقوله:
رأيتُكم لا يصونُ العِرضَ جارُكُم ... ولا يدِرُّ على مرْعاكُم اللبَنُ
جزاءُ كلِّ قريبٍ منكُم ملَلٌ ... وحظُّ كل محِبٍ منكُمُ ضغَنُ
стр. 119
وتغضبون على من نال رِفدَكُمُ ... حتى يعاقبَهُ التنْغيصُ والمِنَنُ
فغادرَ الهجْرُ ما بيني وبينكُمُ ... يهْماء تكذِبُ فيها العينَ والأذُنُ
تحْبو الرّواسمُ من بعدِ الرّسيم بها ... وتسألُ الأرض عن أخفافِها الثّفِن
سهرتُ بعد رحيلي وحشةً لكُم ... ثم استمرّ مريري وارعَوَى الوسنُ
وإن بُليت بودٍّ مثلِ ودِّكُمُ ... فإنني بفِراقٍ مثلِه قمِنُ
وقوله:
برغم شَبيبٍ فارقَ السيفَ كفُّه ... وكانا على العِلاّت يصطحبان
كأنّ رقابَ الناسِ قالت لسيفِه ... رفيقُك قيسيٌ وأنت يماني
وهل ينفعُ الجيشَ الكثيرَ التفافُهُ ... على غيرِ منصورٍ وغيرِ مُعانِ
ثنى يدَه الإحسانُ حتى كأنّها ... وقد قُبضَتْ كانت بغيرِ بَنانِ
وقوله:
عُيون رواحلي إن حِرتُ عيني ... وكلّ بُغامِ رازِحةٍ بفغامي
فقد أرِدُ المياهَ بغيرِ هادٍ ... سوى عدّي لها برْقَ الغَمامِ
стр. 120
ولما صارَ ودُّ الناسِ خِبّاً ... جزَيتُ على ابتِسامٍ بابتِسامِ
وصرتُ أشكّ فيمَن أصطَفيه ... لعِلمي أنّه بعضُ الأنامِ
أرى الأجداد تغلِبُها كثيراً ... على الأولادِ أخلاقُ اللّئامِ
وقوله:
وزائِرتي كأنّ بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلامِ
بذلْتُ لها المطارِفَ والحشايا ... فعافتْها وباتت في عِظامي
يضيقُ الجِلدُ عن نفسي وعنها ... فتوسِعهُ بأنواعِ السّقامِ
إذا ما فارقَتْني غسّلَتْني ... كأنّا عاكِفانِ على حرامِ
كأنّ الصُبحَ يطردُها فتجري ... مدامِعُها بأربعةٍ سِجامِ
أراقِبُ وقتَها من غيرِ شوقٍ ... مُراقبةَ المَشوقِ المُستهام
ويصدُقُ وعدُها والصّدقُ شرٌ ... إذا ألْقاكَ في الكُرَبِ العِطام
ومنها:
ألا يا ليتَ شعرَ يدي أتمسي ... تصرّفُ في عِنانٍ أو زِمام
وهل أرمي هَواي براقصاتٍ ... مُحلاّةِ المقاودِ باللُغامِ
فربّتما شفيتُ غليلَ صدري ... بسيرٍ أو قناةٍ أو حُسامِ
وضاقتْ خطّةٌ فخلصْتُ منها ... خلاصَ الخمرِ من نسْجِ الفِدامِ
стр. 121
وفارقتُ الحبيبَ بلا وداعٍ ... وودّعتُ البِلادَ بِلا سلامِ
يقول ليَ الطّبيبُ أكلتَ شيئاً ... وداؤك في شرابِك والطعامِ
وما في طبِّه أني جوادٌ ... أضرَّ بجسمِه طولُ الجَمام
تعوّد أن يغبِّر في السّرايا ... ويدخُل من قَتامٍ في قتامِ
فأُمسِكَ لا يُطالُ له فيرْعَى ... ولا هو في العَليقِ ولا اللّجامِ
فإنْ أمرَضْ فما مرِضَ اصطِباري ... وإن أُحْمَم فما حُم اعتِزامي
وإنْ أسلَمْ فما أبقى ولكنْ ... سلِمْتُ من الحِمام الى الحِمامِ
وهذه القصيدة كلّها مختارة؛ لا يعلمُ لأحدٍ في معناها مثلُه. والأبياتُ التي وصف فيها الحمى أفراد، وقد اخترع أكثر معانيها، وسهل في ألفاظها؛ فجاءت مطبوعةً مصنوعة. وهذا القسمُ من الشعر هو المطمِع المؤيس.
وقد أحسن عبد الصّمد بن المعذَّل في قصيدته الرائية التي وصف فيها الحمَّى، وقصر في الضادية وفي مقاطيع له في وصفها، وكأن أبا الطيب قصد تنكُّب معانيه فلم يُلِمّ بشيء منها؛ قال عبد الصّمد:
وبنْت المنيّةِ تنْتابُني ... هَدوّاً وتطرُقُني سفحْرَه
إذا وردَتْ لم يدَعْ وِرْدَها ... عن القلب حجبٌ ولا سُتْرَه
كأنّ له ضَرماًفي الحشى ... وفي كل عُضوٍ لها جمْرَه
إذا لم تَرُحْ أصلاً في العشيّ ... فأقصى مواعِدها بُكْره
стр. 122
لها قُدرةٌ في جسومِ الأنام ... حَباها اللهُ ذو القُدره
تغاليت باسم سواها لها ... كأن ليس لي باسمها خُبرَه
فَطَوراً ألقّبها سُخنةً ... وطَوراً ألقّبها فتْرهْ
أسائل أهيَ عن سُخنتي ... وأمنحهم نظرةً نظرَه
فأجزعُ إن قيل لي حُمرة ... وأُشفِق إن قيلَ لي صُفره
وصرت إذا جُعتُ يوماً ظللت ... كأنّ على كبدي شفرَه
ويربو الطّحال إذا ما شبعت ... فتعلو الترائب والصُدره
فأُمسي كأني من معدتي ... لبستُ الثيابَ على زُكرَه
إذا ما رأيتُ امرأ مطلقاً ... له الأكل تخنقني العَبره
كأني في منزلي مُخصِباً ... ببلقَعةٍ جدْبَة قَفره
فأحسن وأجاد، وملح واتسع، وأنت - إذا قِست أبيات أبي الطيب بها على قصَرها، وقابلت اللفظ باللفظ، والمعنى بالمعنى، وكنت من أهل البصر، وكان لك حظٌ في النقد تبينت الفاضل من الفضول. فأما أنا فأكرهُ أن أبتّ حُكماً أو أفضّل قضاء، أو أدخل بين هذين الفاضلين، وكلاهما مُحسِن مصيب.
وقوله:
تسوِّد الشّمسُ منّا بيضَ أوجهِنا ... ولا تسوّدُ بيضَ العذر واللّمَم
стр. 123
وكان حالُهما في الحُكم واحدةً ... لوِ احْتكمنا من الدنيا الى حكَمِ
طردْتُ من مصرَ أيديها بأرجُلِها ... حتى مرقْن بنا من جوْشَ والعلَمِ
في غِلمةٍ أخطرُوا أرواحَهم ورَضوا ... بما لقينَ رِضا الأيْسار بالزّلَمِ
حتى رجَعتُ وأقلامي قوائلُ لي ... المجدُ للسيفِ ليسَ المجدُ للقلَم
اكتُب بنا أبداً بعد الكِتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدَمِ
منِ اقتضى بسوى الهِنديّ حاجتَهُ ... أجابَ كلّ سؤالٍ عن هلٍ بلَمِ
توهّم القومُ أنّ العجزَ قرّبنا ... وفي التّقرُّب ما يدْعو الى التُهَمِ
ولم تزَلْ قلةُ الإنصافِ قاطعةً ... بين الرجالِ وإن كانوا ذوي رحِم
فلا زيارَة إلا أن تزورَهُم ... أيْدٍ نشأنَ مع المصْقولَة الخُذُم
صُنّا قوائمها عنهمْ فما وقعتْ ... مواقعَ اللؤْم في الأيدي ولا الكزَمِ
هوِّنْ على بصرٍ ما شقّ منظرُه ... فإنما يقظتُ العينِ كالحُلُمِ
ولا تشَكَّ الى خلْقٍ فتُشمِتَه ... شكْوى الجريح الى الغِرْبان والرّخَم
وقوله:
стр. 124
تزاحَم الجيشُ حتى لم يجِد سبباً ... الى بساطِك لي سمْعٌ ولا بصرُ
فكنت أشهدَ مُختصٍّ وأغيَبَهُ ... مُعايَناً وعِياني كلّه خبَرُ
وقوله:
إنْ ترَيْني أدُمْتُ بعدَ بَياضٍ ... فحَميدٌ من القناةِ الذبولُ
صحبَتْني على الفَلاةِ فتاةٌ ... عادةُ اللّونِ عندها التّبديلُ
سترَتْكِ الحِجالُ عنها ولكنْ ... بكِ منها منَ اللّمى تقْبيلُ
وقوله:
أخو الحرْبِ يُخدِم مما سَبى ... قناهُ، ويخلَع مما سلَبْ
إذا حاز مالاً فقد حازَه ... فتًى لا يُسرُّ بما لا يهَبْ
وقد علِمَتْ خيلُه أنّه ... إذا همّ وهْو عليلٌ ركِبْ
أتاهُمْ بأوسَعَ من أرضِهِم ... طِوالَ السّبيب قِصارَ العُسُبْ
ولا تعبُرُ الرّيحُ في جوّه ... إذا لم تخَطّ القَنا أو تَئِبْ
وقوله - يصف السيف:
قلّدتني يمينُه بحُسامٍ ... أعقبَتْ منه واحداً أجدادُهْ
كلما استُلّ ضاحكَتْهُ إياةٌ ... تزعُم الشمسُ أنها أرآدُهْ
стр. 125
مثّلوه في جفنِه خشيَةَ الفقْ ... دِ ففي مثلِ أثْرِهِ أغمادُه
مُنعَلٌ لا منَ الحَفا ذهباً يحْ ... مِلُ بحْراً فِرِنْدُهُ إزْبادُهْ
يَقسِمُ الفارِسَ المدجّجَ لا يسْ ... لَمُ من شفرَتَيْهِ إلا بِدادُهْ
جمَع الدّهرُ حدَّهُ ويدَيْه ... وثَنائِي فاستَجْمعتْ آحادُه
وقوله:
تبدِّل أيّامي وعيشي ومنزِلي ... نجائِبُ لا يُفكِرْن في النّحْس والسّعدِ
وأوجُهُ فِتيانٍ حياءً تلثّموا ... عليهنّ لا خوْفاً من الحرّ والبردِ
إذا لم تُجِزْهُم دارَ قومٍ مودّةٌ ... أجازَ القَنا والخوفُ خيرٌ من الوُدِّ
ومن يصْحَبِ اسم ابنِ العميدِ محمّدٍ ... يَسِرْ بين أنيابِ الأساوِدِ والأُسدِ
كفانا الرّبيعُ العِيسَ من برَكاتِه ... فجاءَتْه لم تسمَعْ حُداءً سوى الرّعدِ
كأنّا أرادتْ شُكرَنا الأرضُ عنده ... فلمْ يُخلِنا جوٌ هبطْناهُ من رِفْدِ
فتًى فاتَتِ العدْوى من الناس عينُه ... فما أرمدَتْ أجفانَه كثرةُ الرُّمْدِ
يغيِّرُ ألوانَ اللّيالي على العِدَى ... بمنشورَة الرّاياتِ منصورةِ الجُندِ
ومبثوثةً لا تُتّقى بطليعَةٍ ... ولا يفحتَمى منها بغوْرٍ ولا نجْدِ
يغِضْنَ إذا ما غِرْنَ في مُتفاقِدٍ ... منَ الكُثْر غانٍ بالبعيدِ عن الحشدِ
стр. 126
حثَتْ كلّ أرضِ تُربةً في غُبارِه ... فهنّ عليه كالطّرائِقِ في البُردِ
وقوله:
أروحُ وقد ختمْت على فؤادي ... بحبِّك أن يحُلّ بهِ سِواكا
لعلّ اللهَ يجعلُه رَحيلاً ... يُعينُ على الإقامةِ في ذَراكا
ولو أنّي استطعْتُ خفضْتُ طرْفي ... فلم أُبصِرْ به حتى أراكا
وكم طرِبِ المَسامِع ليس يدري ... أيعجَبُ من ثَنائي أم حُلاكا
وفي الأحبابِ مختَصٌ بوجدٍ ... وآخرُ يدّعي معهُ اشتِراكا
إذا اشتبهَتْ دموعٌ في خدودِ ... تبيّن مَن بكى ممّن تباكَى
وأيّا شِئْتِ يا طُرُقي فكوني ... أذاةً أو نَجاةً أو هلاكا
فلو سِرْنا وفي تَشرينَ خمسٌ ... رأوْني قبلَ أن يرَوا السِّماكا
وقوله:
وما زِلتُ أطوي القلبَ قبل اجتماعِنا ... على حاجةٍ بين السّنابِك والسُبْلِ
ولو لم تسِرْ سِرْنا إليكَ بأنفُسٍ ... غرائِبُ يؤْثِرن الجِيادَ على الأهلِ
وخيلٍ إذا مرّت بوحْشٍ وروضةٍ ... أبتْ رعْيَها إلا ومِرجَلُنا يغلي
وقوله:
стр. 127
قومٌ بُلوغُ الغُلام عندَهُمُ ... طعْنُ نُحورِ الكُماة لا الحُلُمُ
كأنّما يولَد النّدى معهمْ ... لا صِغَرٌ عاذِرٌ ولا هرَمُ
إذا تولّوا عَداوَةً كشَفوا ... وإنْ تولّوا صَنيعةً كتَموا
تظنّ من فقدِك اعتِدادَهُم ... أنهمُ أنْعَموا وما علِموا
إن برَقوا فالحُتوفُ حاضرةٌ ... أو نطَقوا فالصّواب والحِكَمُ
أو حلَفوا بالغَموسِ واجتَهدوا ... فقولهم: خاب سائِلي القسَمُ
أو ركِبوا الخيْلَ غير مُسرجةٍ ... فإنّ أفخاذَهُم لها حُزُمُ
أو شهِدوا الحربَ لاقِحاً أخذوا ... من مهَجِ الدّارِعين ما احْتَكموا
تُشرِقُ أعراضُهُم وأوجُهُهم ... كأنها في نفوسِهم شيَمُ
أعيذُكُمُ من صُروفِ دهرِكُمُ ... فإنّه في الكِرامِ متّهمُ
وقوله:
ملكٌ سِنانُ قناتِه وبنانُه ... يتبارَيان دماً وعُرْفاً ساكِبا
إنْ تلْقَه لا تلْقَ إلا جحْفَلاً ... أو قسطَلاً أو طاعِناً أو ضارِبا
وإذا نظرتَ الى السُهولِ رأيتَها ... تحت الجِبالِ فَوارِساً وجَنائِبا
وعَجاجةً تركَ الحديدُ سوادَها ... زِنجاً تبسّم أو قَذالاً شائِبا
стр. 128
كالبحرِ يقذِفُ للقريبِ جواهِراً ... جُوداً ويبعثُ للبعيد سحائِبا
وقوله يصف كلباً:
فحلّ كلاّبي وثاقَ الأحبُلِ
عن أشدَقٍ مسَوجَرٍ مُسلسَلِ
مؤجّدِ الفِقرةِ رِخْوِ المفْصِلِ
لّ إذا أدْبَرَ لحْظُ المُقبِلِ
يعْدو إذا أحزَنَ عدْوَ المُسهلِ
يُقعي جلوسَ البدويّ المُصطَلي
بأربَعٍ مجدولَةٍ لم تُجدَلِ
فُتْلِ الأيادي رَبِذاتِ الأرجُلِ
آثارُها أمثالُها في الجندَلِ
يكادُ في الوثْبِ منَ التفتّلِ
يجمعُ بين متنِه والكلْكَلِ
وبين أعْلاهُ وبين الأسفَلِ
وقوله:
стр. 129
أغرُّ أعداؤهُ إذا سلِموا ... بالهرَبِ استكثروا الذي فعلوا
يُقبلُهُمْ وجهَ كل سابحةٍ ... أربَعُها قبلَ طرْفِها تصِلُ
جرْداءَ ملءَ الحِزامِ مُجفَرَةٍ ... تكون مثلَيْ عسيبها الخُصَلُ
إن أدبرَت قلت: لا تَليلَ لها ... أو أقبلت قلت: ما لها كفَلُ
سارٍ ولا قفْرَ في مواكِبهِ ... كأنّما كلّ سبْسَبٍ جبَلُ
إنّك من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دون أعمارِهم فقد بخِلوا
كتيبةٌ لستَ ربّها نفَلٌ ... وبلدَةٌ لستَ حلْيَها عطُلُ
ثم وصف خطأ الفاصِد فقال:
عُذرُ المَلومَينِ فيكَ أنّهُما ... آسٍ جبانٌ ومِبضَعٌ بطَلُ
مددْتَ في راحةِ الطّبيبِ يداً ... وما دَرى يُقطَعُ الأملُ
خامرَهُ إذ مددْتَها جزَعٌ ... كأنّ من حَذاقَةٍ عجِلُ
أبلَغُ ما يُطلَبُ النّجاحُ به الطّبْ ... عُ وعندَ التعمّقِ الزّللُ
وقوله:
سبقْتَ السّابقين فما تُجارَى ... وحاوَزْتَ العُلوّ فما تُعالَى
стр. 130
وأقسِم لو صلَحْت يمينَ شيء ... لما صلَح العِبادُ له شِمالا
أقلِّبُ منكَ طرْفي في سماء ... وإنْ طلعتْ كواكِبُها خِصالا
وقوله:
مَحكٌ إذا مطلَ الغَريمُ بدَيْنِه ... جعلَ الحُسامَ بما أرادَ كَفيلا
أعْدى الزّمانَ سخاؤهُ فسَخا به ... ولقدْ يكون بهِ الزّمانُ بَخيلا
ثم وصف الأسد فقال:
وقعتْ على الأُردُنِّ منه بَليّةٌ ... نضدَتْ بها هامَ الرِّفاق تُلولا
متخضِّبٌ بدمِ الفوارسِ لابسٌ ... في غيلهِ منْ لِبدتَيْهِ غِيلا
ما قوبلَتْ عيناهُ إلا ظُنّتا ... تحت الدُجى نارَ الفريق حُلولا
يَطأ الثّرى مترَفِّقاً من تِيهه ... فكأنّه آسٍ يجُسّ عَليلا
ويردّ غُفرَتَه الى يافوخِه ... حتى تَصيرَ لرأسهِ إكليلا
وتظنّه ممّا يزمْجِر نفسُه ... عنها بشدّةِ غيظهِ مشغولا
قصرَتْ مخافتُه الخُطى فكأنّما ... ركِب الكميُّ جوادَه مشْكولا
ألْقى فريستَهُ وبرْبرَ دونَها ... وقرُبْتَ قُرْباً خالَهُ تطْفيلا
فتشابَه الخُلُقان في إقدامِه ... وتخالَفا في بذْلِك المأكولا
أسدٌ يرى عُضوَيْه فيكَ كليْهما ... متْناً أزلّ وساعِداً مفْتولا
стр. 131
في سرْجِ ظامِئَةِ الفُصوص طِمرّة ... يأبى تفرّدُها لها التّمثيلا
نيّالةِ الطّلِباتِ لوْلا أنّها ... تُعطي مكانَ لجامِها ما نِيلا
تنْدى سوالفُها إذا استحضرْتَها ... وتظنّ عقْدَ عِنانِها محْلولا
ما زالَ يجمَع نفسَه في زورِه ... حتى حسِبْتَ العرْضَ منه الطّولا
ويدقّ بالصّدْرِ الحِجارَ كأنّه ... يبغي الى ما في الحضيض سَبيلا
أنَفُ الكَريم منَ الدّنيّةِ تارِكٌ ... في عينِه العددَ الكثيرَ قَليلا
والعارُ مضّاضٌ، وليس بخائِفٍ ... من حتْفِه من خافَ ممّا قِيلا
قبضَتْ منيّتُه يديْهِ وعُنقَهُ ... فكأنّما صادَفْتَه مغلولا
ولولا أبياتُ البحتري في هذا المعنى لعددتُ هذه من أفراد أبي الطيب؛ لكن البحتري قال يصف قتْل الفتح بن خاقان أسداً عرَض له:
غَداةَ لقيتَ اللّيث والليثُ مُخدِرٌ ... يحدِّدُ ناباً للّقاءِ ومِخْلَبا
يحصِّنه من نهر نيزك مَعقِلٌ ... مَنيعٌ تسامَى غابُه وتأشّبا
إذا شاءَ غادَى عانة أو غَدا على ... عقائل سِرْبِ أو تقنّصَ ربْرَبا
يجرّ الى أشبالهِ كلّ شارقٍ ... عبيطاً مُدمًى أو رَميلاً مُخَضّبا
стр. 132
فلم أر ضِرغاميْنِ أصدق منكما ... عِراكاً إذا الهيّابةُ النِّكْس كذَبا
هزَبرٌ مشَى يبغي هِزَبْراً وأغلبٌ ... من القومِ يغْشى باسِلَ الوجهِ أغْلبا
أذلّ بشَغْب ثم هالته صوْلَةٌ ... رآك لها أمضى جَناناً وأشْغَبا
فأحجَم لما لم يجدْ فيك مَطمَعاً ... وأقدَم لما لم يجدْ عنك مهْرَبا
حملتَ عليه السيفَ، لا عزمُك انثنى ... ولا يدُك ارتدّتْ ولا حدُّه نَبا
وكنتَ متى تجمَعْ يمينك تهتك الضْ ... ضَريبةَ أو لا تُبق للسيف مضْربا
فاستوفى المعنى، وأجاد في الصِّفة، ووصل الى المراد. وأما أبو زبيد فإنما وصف خلْق الأسد وزئيره وجرأته وإقدامه، وكأنما هو مرعوب أو محذر، والفضل له على كل حال، لكن هذا غرضٌ لم يرُمْه، ومذهب لم يسلُكه.
وقوله:
نيطَتْ حمائِلُه بعاتِقِ محرَبٍ ... ما كرّ قطّ وهلْ يكُرّ وما انثنى
أمضى إرادَته فسوْف له قدٌ ... واستقْرَبَ الأقصى فثمّ لهُ هُنا
وقوله:
وجدْتُ المُدامةَ غلاّبَةً ... تُهيِّجُ للقلْبِ أشواقَهُ
تُسيءُ منَ المرء تأديبَه ... ولكنْ تحسِّنُ أخلاقَهُ
стр. 133
وأنفَسُ ما للفَتى لُبّهُ ... وذو اللُّبِّ يكرَهُ إنْفاقَهُ
وقد مُتّ أمسِ بها موتَةً ... ولا يشتَهي الموتَ مَن ذاقَهُ
وقوله:
قِرانٌ تلاقَى الصّلْتُ فيه وعامرٌ ... كما يتلاقَى الهُندُوانيّ والنّصرُ
فجاءَا به صلْتَ الجبينِ معظَّما ... ترى الناسَ قُلاًّ حولَه وهمُ كُثرُ
وما زلتُ حتى قادَني الشّوْق نحوَه ... يُسايرُني في كلّ ركْبٍ له ذِكرُ
وأستَكْبِرُ الأخبارَ قبلَ لِقائِه ... فلما التقَيْنا صغّر الخبرَ الخُبرُ
أزالَت بكَ الأيامُ عتْبي كأنما ... بَنوها لها ذنْبٌ وأنت له عُذرُ
وقوله:
وقَفنا كأنّا كلّ وجْدِ قُلوبِنا ... تمكّن من أذوادِنا في القوائمِ
ودُسنا بأخْفافِ المطيّ تُرابَها ... فلا زِلتُ أستشفي بلثْم المناسِمِ
ديارُ اللّواتي دارُهنّ عزيزةٌ ... بطولِ القَنا يُحفَظْنَ لا بالتّمائِمِ
حِسانُ التثنّي ينقُشُ الوشْيُ مثلهُ ... إذا مِسْنَ في أجسامهنّ النّواعِم
ويبسِمْن عن درّ تقلّدْن مثلَه ... كأنّ التّراقي وشِّحَت بالمَباسِم
стр. 134
من الحِلمِ أن تستعمِلَ الجهلُ دونَه ... إذا اتّسعتْ في الحِلمِ طُرْقُ المظالمِ
وأن ترِدَ الماءَ الذي شطرُه دمٌ ... فتسْقي إذا لم يسْقِ من لم يُزاحمِ
ومن عرَفَ الأيامَ معرفتي بها ... وبالنّاسِ روّى رمحَه غيرَ راحِم
وفيها:
وذي لجَبٍ لا ذو الجناحِ أمامه ... بتاجٍ، ولا الوحشُ المُثارُ بسالِم
تمرّ عليه الشمسُ وهْي كليلةٌ ... تُطالِعُه من بينِ ريشِ القَشاعِم
إذا ضوءُها لاقى من الطّيرِ فَرجةً ... تدوَّر فوق البيضِ مثلَ الدّراهمِ
أرى دون ما بين الفراتِ وبرْقةٍ ... ضِراباً يمشّي الخيلَ فوق الجماجمِ
وطعْنَ غطاريفٍ كأنّ أكفّهم ... عرفْن الرُدَينيّاتِ قبلَ المعاصِمِ
حمتْه على الأعداءِ من كلّ جانبٍ ... سُيوفُ بني طُغْجِ بنِ جُفِّ القَماقمِ
هُمُ المحسِنون الكَرّ في حومةِ الوَغى ... وأحسنُ منهُ كرّهُم في المكارمِ
ولولا احتِقارُ الأُسْدِ شبّهتهُم بها ... ولكنها معدودةٌ في البهائم
стр. 135
كريمٌ نفضْتُ الناسَ لمّا لقيتُه ... كأنهمُ ما جفّ من زادِ قادِم
وكاد سروري لا يَقي بنَدامتي ... على تركِه في عُمريَ المُتقادِم
وقوله:
وشامِخٍ منَ الجبالِ أقْوَدِ
فرْدٍ كيافوخِ البعيرِ الأصيَدِ
يُسارُ من مَضيقِه والجلْمَدِ
في مثلِ متْنث المسَدِ المعقّدِ
زُرْناهُ للأمرِ الذي لم يُعْهَدِ
للصّيدِ والنُزهةِ والتّمرّدِ
بكلّ مسْقيِّ الدّماءِ أسودِ
مُعاودٍ مقوّدٍ مقلَّدِ
كطالبِ الثأرِ وإن لم يحقِدِ
يقتُلُ ما يقتُلُه ولا يَدي
فثار من أخضرَ ممْطورٍ نَدي
كأنه بدْزُ عِذارِ الأمْردِ
стр. 136
فلم يكدْ إلا لحتْفٍ يهتدي
ولم يقعْ إلا على بطْنِ يدِ
وقوله:
فتًى علّمتهُ نفسُه وجُدودُه ... قِراعَ العوالي وابتِذالَ الرغائِبِ
فقد غيّب الشُهّادَ عن كلّ موطِن ... وردّ الى أوطانِه كلّ غائِبِ
كذا الفاطميّون النّدَى في بَنانِهم ... أعزُّ امِّحاءً من خُطوطِ الرّواجبِ
ألا أيها المالُ الذي قد أبادَه ... تعزَّ فهذا فعلُه بالكتائِبِ
لعلّك في وقتٍ شغلْتَ فؤادَه ... عن الجودِ أو كثّرْت جيشَ مُحاربِ
وقوله:
يرى الجُبناءُ أنّ الجُبْنَ عقلٌ ... وتلكَ خديعةُ الطّبْعِ اللّئيمِ
وكم من عائِبٍ قولاً صحيحاً ... وآفتُه من الفهْمِ السّقيمِ
ولكنْ تأخذُ الآذانُ منهُ ... على قدْرِ القرائِحِ والعُلومِ
وقوله:
стр. 137
يا بَني الحارِثِ بن لُقمانَ لا تعْ ... دَمكُمُ في الوغى مُتونُ العِتاقِ
بعثوا الرعْبَ في قُلوب الأعاد ... يّ فكان القِتالُ قبلَ التّلاقي
وتكادُ الظُبَى لِما عوّدوها ... تنتَضي نفسَها الى الأعناقِ
وإذا أشفقَ الفوارسُ من وقْ ... عِ القَنا أشفَقوا منَ الإشفاقِ
كلّ ذِمْرٍ يزيدُ في الموتِ حُسناً ... كبُدورٍ تمامُها في المُحاقِ
جاعِلٍ درعَهُ منيّتَه إنْ ... لم يكنْ دونها منَ العارِ واقِ
كرمٌ خشّن الجوانبَ منهُمْ ... فهْو كالماءِ في الشِّفارِ الرِّقاقِ
ومَعالٍ إذا ادّعاها سواهُمْ ... لزمَتْهُ خيانَةُ السّراقِ
وقوله:
سرْ حلَّ حيث تحُلُّه النّوّارُ ... وأراد فيكَ مُرادَك المِقْدارُ
وإذا ارتحلْتَ فشيّعتْكَ سلامةٌ ... حيث اتّجهْتَ وديمةٌ مِدرارُ
وأراك دهرُك ما تُحاولُ في الفِدى ... حتى كأنّ صُروفَه أنصارُ
أنت الذي بجحَ الزمانُ بذكرهِ ... وتزيّنتْ بحديثِه الأسْمارُ
وقوله في بازٍ أطلق:
وطائرةٍ تتبّعُها المنايا ... على آثارِها زجِلُ الجناحِ
стр. 138
كأنّ رؤوسَ أقلامٍ غِلاظ ... مسحْنَ بريشِ جؤجُئِه الصِّحاحِ
فأقعَصَها بحُجْنٍ تحت صفرٍ ... لها فعلُ الأسنّةِ والرّماحِ
كأنّ الريشَ منهُ في سِهامٍ ... على جسدٍ تجسّم من رياحِ
فقلت: لكلّ حيٍّ يومُ سوءٍ ... وإنْ حرِصَ النّفوسُ على الفَلاحِ
وقوله:
فواهِبٌ والرّماحُ تشجُرُه ... وطاعنٌ والهِباتُ متّصلَهْ
وكلما آمنَ البلادَ سرَى ... وكلما خيفَ منزلٌ نزلَهْ
وكلما جاهرَ العدوَّ ضُحًى ... أمكنَ حتى كأنهُ ختَلَه
وقوله:
أنا منكَ بين فضائلٍ ومكارمٍ ... ومنَ ارتياحِكَ في غَمامٍ دائمِ
ومن احتقارِك كلّ ما تحْبو به ... فيما ألاحظهُ بعينَي حالِم
إنّ الخليفةَ لم يسمِّكَ سيفها ... حتى ابتلاك فكنتَ عينَ الصّارمِ
فإذا تتوّجَ كنتَ دُرّةَ تاجِه ... وإذا تختّم كنتَ فصّ الخاتَمِ
стр. 139
وإذا انتضاكَ على العِدى في معْرَكٍ ... هلَكوا وضاقتْ كفّهُ بالقائمِ
أبدى سخاؤكَ عجْزَ كلِّ مشمّرٍ ... في وصفِه وأضاق ذرْعَ الكاتِمِ
وقوله:
فكأنها والدمعُ يقطرُ فوقَها ... ذهبٌ بسمْطَيْ لؤلُؤٍ قد رُصِّعا
نشرَتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرِها ... في ليلةٍ فأرَتْ لياليَ أربَعا
واستقبلَتْ قمرَ السّماءِ بوجهها ... فأَتْني القمريْنِ في وقتٍ مَعا
وقوله:
وشكيّتي فقدُ السّقامِ لأنه ... قد كان لمّا كان لي أعضاءُ
مثلْتِ عينَك في حشايَ جراحةً ... فتشابَها كِلتاهما نجْلاءُ
قوله: فتَشابها كان حقّه فتشابهتَا، ولكن حمل الجراحة على الجرح والعين على العضو.
نفذَتْ عليّ السّابِريّ وربما ... تنْدَقّ فيه الصّعدَةُ السّمْراءُ
وقوله:
كأنّ العيسَ كانت فوقَ جَفْني ... مُناخاتٍ فلمّا سِرْنَ سالا
стр. 140
لبسنَ الوشيَ لا متجمِّلاتٍ ... ولكنْ كيْ يصُنّ به الجَمالا
بدت قمَراً ومالت خوطَ بانٍ ... وفاحتْ عنبراً ورنَتْ غَزالا
وقوله:
كانتْ منَ الكحْلاءِ سولي إنّما ... أجَلي تمثّلَ في فؤاديَ سولا
أجِدُ الجَفاءَ على سواكِ مروءةً ... والصّبْرَ إلا في نَواكِ جَميلا
وأرى تدلُّلكِ الكثيرَ محبَّباً ... وأرى قَليلَ تدلّلٍ ممْلولا
تشْكو روادِفَكِ المطيّةُ فوقَها ... شكْوى التي وجدتْ هواكِ دَخيلا
وقوله:
الحبّ ما منع الكلامَ الألسُنا ... وألذّ شكْوى عاشقٍ ما أعْلَنا
ليتَ الحبيبَ الهاجري هجْرَ الكرى ... من غيرِ جُرمٍ واصِلي صلةَ الضّنى
بنّا فلوْ حليلتَنا لم تدْر ما ... ألوانُنا ممّا امتُقِعْن تلوُّنا
وتوقّدتْ أنفاسُنا حتى لقد ... أشفقْتُ تحتَرِقُ العواذلُ بينَنا
أفدي المودّعةَ التي أتبعْتُها ... نظراً فُرادَى بينَ زفْراتٍ ثُنا
أنكرْتُ طارِقةَ الحوادثِ مرّةً ... ثمّ اعترفْت بها فصارتْ ديدَنا
стр. 141
وقوله:
إلامَ طماعيةُ العاذلِ ... ولا رأْيَ في الحبِّ للعاقِلِ
يُرادُ من القلبِ نسيانُكمْ ... وتأبى الطِّباعُ على النّاقِل
وإني لأعشَقُ من عِشقِكُم ... نُحولي وكلّ فتًى ناحِل
ولو زُلتُمُ ثمّ لم أبكِكُمْ ... بكيتُ على حبّي الزّائلِ
أينكِرُ خدّي دُموعي وقد ... جرتْ منه في مسلَكٍ سابِل
أأوّلُ دمْعٍ جرى فوقَه ... وأوّلُ حُزنٍ على راحِلِ
وهبتُ السّلوَّ لمن لامني ... وبتّ من الشّوقِ في شاغِل
كأنّ الجفونَ على مُقلتي ... ثيابٌ شُقِقْنَ على ثاكِل
وقوله:
وما عشتُ من بعدِ الأحبّةِ سلوةً ... ولكنّني للنّائِباتِ حَمولُ
وإنّ رحيلاً واحداً حال بيننا ... وفي الموتِ من بعدِ الرّحيل رحيلُ
إذا كان شمّ الرَّوْحِ أدنى إليكُمُ ... فَلا برحَتْني روضةٌ وقَبولُ
стр. 142
وما شرَقي بالماءِ إلا تذكّراً ... لماءٍ به أهلُ الحبيبِ نُزولُ
يحرِّمُه لمْعُ الأسنّةِ فوقَه ... فليسَ لظمآنٍ إليهِ وصولُ
أمَا في النّجومِ السّائراتِ وغيرِها ... لعيني على ضوْءِ السماءِ دَليلُ
ألمْ يرَ هذا الليلُ عينيْكِ رؤيتي ... فتظهرَ فيهِ رقّةٌ ونُحولُ
لقيتُ بدرْبِ القُلّةِ الفجْر لُقيةً ... شفتْ كمَدي والليلُ فيه قتيلُ
ويوماً كأنّ الحُسن فيه علامةٌ ... بعثتِ بها والشمسُ منكِ رسولُ
وقوله:
دِمَنٌ تكاثرَتِ الهُمومُ عليّ في ... عرَصاتِها كتكاثُرِ اللّوّامِ
فكأنّ كلّ سحابةٍ وكفتْ بها ... تبكي بعينَي عُروةَ بن حِزامِ
ولطالَما أفنيتُ ريقَ كعابها ... فيها وأفنَتْ بالعِتابِ كلامي
وقوله:
شاميّةٌ طالَما خلوْتُ بها ... تُبصِرُ في ناظرِ مُحيّاها
فقبّلَتْ ناظري تُغالطُني ... وإنما قبّلتْ به فاها
تبُلّ خدّيَّ كلّما ابتسمَتْ ... من مطرٍ برقُه ثناياها
ما نفّضتْ في يدي غدائِرُها ... جعلَتْه في المدامِ أفْواها
стр. 143
في بلدٍ تُضرَبُ الحِجالِ بهِ ... على حِسانٍ ولسْن أشْباها
لَقيننا والحُمولُ سائِرةٌ ... وهنّ درٌ فذُبْنَ أمْواها
كلّ مَهاةٍ كأنّ مُقلتَها ... تقولُ إيّاكمُ وإيّاها
وقوله:
أوَما وجدْتُمْ في الصّراةِ مُلوحةً ... ممّا أرقرِقُ في الفراتِ دُموعي
رحَل العزاءُ برحلَتي فكأنّما ... أتبعتُه الأنفاسَ للتّشْييعِ
وقوله:
ما كنتُ أحسِبُ قبل دفنِك في الثّرى ... أنّ الكواكبَ في التُرابِ تَغورُ
ما كنتُ آمُلُ قبلَ نعشِكَ أن أرى ... رضْوَى على أيدي الرِّجالِ تسيرُ
خرَجوا به ولكلّ باكٍ خلفَه ... صعَقاتُ موسى يومَ دُكَّ الطّورُ
والشمسُ في كبدِ السماءِ مريضةٌ ... والأرضُ واجفةٌ تكادُ تمورُ
وحفيفُ أجنحةِ الملائِكِ حولَه ... وعُيونُ أهلِ اللاذقيّةِ صورُ
حتّى أتوْا جدَثاً كأنّ ضريحَه ... في قلبِ كلّ موحّدٍ محْفورُ
стр. 144
كفَلَ الثّناءُ له بردِّ حياتِه ... لمّا انطَوى فكأنّه منشورُ
وقوله:
نفَرٌ إذا غابتْ غُمودُ سُيوفِهمْ ... عنها فآجالُ العِبادِ حُضورُ
وقوله:
ومن لم يعشقِ الدُنيا قديماً ... ولكنْ لا سبيلَ الى الوصالِ
نصيبُك في حياتِك من حبيبٍ ... نصيبُك في منامِك من خَيالِ
رماني الدهرُ بالأرْزاءِ حتى ... فؤادي في غِشاء من نِبالِ
فصِرْتُ إذا أصابتْني سِهامٌ ... تكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
وهانَ فما أُبالي بالرّزايا ... لأنّي ما انتفَعتُ بأنْ أُبالي
وهذا أوّلُ النّاعينَ طُرّاً ... لأوّلِ مَيتَةٍ في ذا الجَلالِ
كأنّ الموتَ لم يفجَعْ بنفْسٍ ... ولم يخطُرْ لمخلوقٍ ببالِ
صلاةُ اللهِ خالِقِنا حَنوطٌ ... على الوجهِ المكفَّنِ بالجَمالِ
على المدْفونِ قبلَ التُرْبِ صوْناً ... وقبلَ اللّحْدِ في كرَمِ الخِلالِ
فإنّ لهُ ببَطْنِ الأرضِ شخْصاً ... جديداً ذِكْرُناهُ وهو بالي
وفيها:
стр. 145
أتتْهُنّ المصائِبُ غافِلاتٍ ... فدمْعُ الحُزنِ في دمْعِ الدّلالِ
ولو كان النِّساءُ كمَنْ فقدْنا ... لفُضِّلتِ النساء على الرّجالِ
وقوله:
أجدُ الحزنَ فيكَ حِفظاً وعقْلاً ... وأراهُ في الخلْقِ ذُعْراً وجهْلا
لك إلْفٌ يجرّه وإذا ما ... كرُم الأصلُ كان للإلْفِ أصْلا
ووفاءٌ نبتّ فيه ولكنْ ... لم يزلْ للوَفاءِ أهلُك أهْلا
إنّ خيرَ الدُموعِ عوْناً لَدَمْعٌ ... بعثتْهُ رعايةٌ فاستَهلاّ
أينَ ذي الرِّقّة التي لك في الحرْ ... بِ إذا استُكْرِهَ الحديدُ وصلاّ
أينَ خلّفتَها غَداةَ لقيتَ الرْ ... رُومَ والهامُ بالصّوارمِ تُفلَى
قاسمَتْك المَنون شخصَينِ جَوْراً ... جعلَ القِسمُ نفسَه فيكَ عدْلا
فإذا قسْتَ ما أخذْنَ بما غا ... دَرْنَ سرّى عنِ الفؤادِ وسلّى
وتيقّنتَ أنّ حظّكَ أوْفى ... وتبيّنْتَ أنّ جدَّك أعلَى
ولَعَمري لقد شغلْتَ المَنايا ... بالأعادي فكيفَ يطلُبْنَ شُغْلا
следующие страницы →