Полный текст (477 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقوله:
إلامَ طماعيةُ العاذلِ ... ولا رأْيَ في الحبِّ للعاقِلِ
يُرادُ من القلبِ نسيانُكمْ ... وتأبى الطِّباعُ على النّاقِل
وإني لأعشَقُ من عِشقِكُم ... نُحولي وكلّ فتًى ناحِل
ولو زُلتُمُ ثمّ لم أبكِكُمْ ... بكيتُ على حبّي الزّائلِ
أينكِرُ خدّي دُموعي وقد ... جرتْ منه في مسلَكٍ سابِل
أأوّلُ دمْعٍ جرى فوقَه ... وأوّلُ حُزنٍ على راحِلِ
وهبتُ السّلوَّ لمن لامني ... وبتّ من الشّوقِ في شاغِل
كأنّ الجفونَ على مُقلتي ... ثيابٌ شُقِقْنَ على ثاكِل
وقوله:
وما عشتُ من بعدِ الأحبّةِ سلوةً ... ولكنّني للنّائِباتِ حَمولُ
وإنّ رحيلاً واحداً حال بيننا ... وفي الموتِ من بعدِ الرّحيل رحيلُ
إذا كان شمّ الرَّوْحِ أدنى إليكُمُ ... فَلا برحَتْني روضةٌ وقَبولُ
стр. 142
وما شرَقي بالماءِ إلا تذكّراً ... لماءٍ به أهلُ الحبيبِ نُزولُ
يحرِّمُه لمْعُ الأسنّةِ فوقَه ... فليسَ لظمآنٍ إليهِ وصولُ
أمَا في النّجومِ السّائراتِ وغيرِها ... لعيني على ضوْءِ السماءِ دَليلُ
ألمْ يرَ هذا الليلُ عينيْكِ رؤيتي ... فتظهرَ فيهِ رقّةٌ ونُحولُ
لقيتُ بدرْبِ القُلّةِ الفجْر لُقيةً ... شفتْ كمَدي والليلُ فيه قتيلُ
ويوماً كأنّ الحُسن فيه علامةٌ ... بعثتِ بها والشمسُ منكِ رسولُ
وقوله:
دِمَنٌ تكاثرَتِ الهُمومُ عليّ في ... عرَصاتِها كتكاثُرِ اللّوّامِ
فكأنّ كلّ سحابةٍ وكفتْ بها ... تبكي بعينَي عُروةَ بن حِزامِ
ولطالَما أفنيتُ ريقَ كعابها ... فيها وأفنَتْ بالعِتابِ كلامي
وقوله:
شاميّةٌ طالَما خلوْتُ بها ... تُبصِرُ في ناظرِ مُحيّاها
فقبّلَتْ ناظري تُغالطُني ... وإنما قبّلتْ به فاها
تبُلّ خدّيَّ كلّما ابتسمَتْ ... من مطرٍ برقُه ثناياها
ما نفّضتْ في يدي غدائِرُها ... جعلَتْه في المدامِ أفْواها
стр. 143
في بلدٍ تُضرَبُ الحِجالِ بهِ ... على حِسانٍ ولسْن أشْباها
لَقيننا والحُمولُ سائِرةٌ ... وهنّ درٌ فذُبْنَ أمْواها
كلّ مَهاةٍ كأنّ مُقلتَها ... تقولُ إيّاكمُ وإيّاها
وقوله:
أوَما وجدْتُمْ في الصّراةِ مُلوحةً ... ممّا أرقرِقُ في الفراتِ دُموعي
رحَل العزاءُ برحلَتي فكأنّما ... أتبعتُه الأنفاسَ للتّشْييعِ
وقوله:
ما كنتُ أحسِبُ قبل دفنِك في الثّرى ... أنّ الكواكبَ في التُرابِ تَغورُ
ما كنتُ آمُلُ قبلَ نعشِكَ أن أرى ... رضْوَى على أيدي الرِّجالِ تسيرُ
خرَجوا به ولكلّ باكٍ خلفَه ... صعَقاتُ موسى يومَ دُكَّ الطّورُ
والشمسُ في كبدِ السماءِ مريضةٌ ... والأرضُ واجفةٌ تكادُ تمورُ
وحفيفُ أجنحةِ الملائِكِ حولَه ... وعُيونُ أهلِ اللاذقيّةِ صورُ
حتّى أتوْا جدَثاً كأنّ ضريحَه ... في قلبِ كلّ موحّدٍ محْفورُ
стр. 144
كفَلَ الثّناءُ له بردِّ حياتِه ... لمّا انطَوى فكأنّه منشورُ
وقوله:
نفَرٌ إذا غابتْ غُمودُ سُيوفِهمْ ... عنها فآجالُ العِبادِ حُضورُ
وقوله:
ومن لم يعشقِ الدُنيا قديماً ... ولكنْ لا سبيلَ الى الوصالِ
نصيبُك في حياتِك من حبيبٍ ... نصيبُك في منامِك من خَيالِ
رماني الدهرُ بالأرْزاءِ حتى ... فؤادي في غِشاء من نِبالِ
فصِرْتُ إذا أصابتْني سِهامٌ ... تكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
وهانَ فما أُبالي بالرّزايا ... لأنّي ما انتفَعتُ بأنْ أُبالي
وهذا أوّلُ النّاعينَ طُرّاً ... لأوّلِ مَيتَةٍ في ذا الجَلالِ
كأنّ الموتَ لم يفجَعْ بنفْسٍ ... ولم يخطُرْ لمخلوقٍ ببالِ
صلاةُ اللهِ خالِقِنا حَنوطٌ ... على الوجهِ المكفَّنِ بالجَمالِ
على المدْفونِ قبلَ التُرْبِ صوْناً ... وقبلَ اللّحْدِ في كرَمِ الخِلالِ
فإنّ لهُ ببَطْنِ الأرضِ شخْصاً ... جديداً ذِكْرُناهُ وهو بالي
وفيها:
стр. 145
أتتْهُنّ المصائِبُ غافِلاتٍ ... فدمْعُ الحُزنِ في دمْعِ الدّلالِ
ولو كان النِّساءُ كمَنْ فقدْنا ... لفُضِّلتِ النساء على الرّجالِ
وقوله:
أجدُ الحزنَ فيكَ حِفظاً وعقْلاً ... وأراهُ في الخلْقِ ذُعْراً وجهْلا
لك إلْفٌ يجرّه وإذا ما ... كرُم الأصلُ كان للإلْفِ أصْلا
ووفاءٌ نبتّ فيه ولكنْ ... لم يزلْ للوَفاءِ أهلُك أهْلا
إنّ خيرَ الدُموعِ عوْناً لَدَمْعٌ ... بعثتْهُ رعايةٌ فاستَهلاّ
أينَ ذي الرِّقّة التي لك في الحرْ ... بِ إذا استُكْرِهَ الحديدُ وصلاّ
أينَ خلّفتَها غَداةَ لقيتَ الرْ ... رُومَ والهامُ بالصّوارمِ تُفلَى
قاسمَتْك المَنون شخصَينِ جَوْراً ... جعلَ القِسمُ نفسَه فيكَ عدْلا
فإذا قسْتَ ما أخذْنَ بما غا ... دَرْنَ سرّى عنِ الفؤادِ وسلّى
وتيقّنتَ أنّ حظّكَ أوْفى ... وتبيّنْتَ أنّ جدَّك أعلَى
ولَعَمري لقد شغلْتَ المَنايا ... بالأعادي فكيفَ يطلُبْنَ شُغْلا
стр. 146
وكم انتشْتَ بالسيوفِ من الدّهْ ... رِ أسيراً وبالنّوالِ مُقِلا
عدّها نُصرةً عليه فلمّا ... صال ختْلاً رآهُ أدركَ تبْلا
وإذا لم تجدْ من الناسِ كُفْواً ... ذاتُ خِدْرٍ أرادتِ الموتَ بعْلا
ولذيذُ الحياةِ أنفَسُ في النّفْ ... سِ وأشهى من أن يُمَلَّ وأحْلى
وإذا الشيخُ قال أفٍّ فما م ... لَّ حياةً وإنما الضُعفَ ملاّ
آلةُ العيشِ صحّةٌ وشَبابٌ ... فإذا ولّيا عنِ المرءِ ولّى
أبداً تستردُّ ما تهَبُ الدُن ... يا فيا ليْت جودَها كان بُخْلا
وهْيَ معشوقةٌ على الغدْرِ لا تحْ ... فَظُ عهْداً ولا تتمِّمُ وصْلا
كلّ دمْعٍ يسيلُ منها عليها ... وبفَكِّ اليَدينِ عنها تُخَلّى
شيَمُ الغانِياتِ فيها فلا أدْ ... ري لِذا أنّثَ اسْمَها الناسُ أم لا
يا مَليكَ الوَرى المفرِّقَ محْيا ... ومَماتاً فيهمْ وعِزّاً وذُلاّ
قلّدَ اللهُ دولةً سيفُها أنْ ... تَ حُساماً بالمكْرُماتِ مُحلّى
فبِه أغنَتِ الموالي بذْلاً ... وبهِ أفنَتِ الأعاديَ قتْلا
أيُّها الباهِرُ العُقولَ فما يُدْ ... رَكُ وصْفاً أتعَبْتَ فِكري فمَهْلا
مَنْ تعاطى تشبُّهاً بكَ أعْيا ... هُ ومَنْ دلّ في طريقِك ضلاّ
وإذا ما اشتهَى خُلودَك داعٍ ... قال لا زُلْتَ أو نَرى لك مِثْلا
стр. 147
وقوله:
النّومُ بعدَ أبي شُجاعٍ نافِرٌ ... والليلُ مُعْيٍ والكواكِبُ ظُلَّعُ
إني لأجْبُنُ منْ فِراقِ أحبّتي ... وتُحِسّ نفْسي بالحِمامِ فأشجُعُ
ويَزيدُني غضَبُ الأعادي قسوةً ... ويُلمّ بي عتْبُ الصّديقِ فأجْزَعُ
تصْفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافِلٍ ... عما مضى منها وما يتوقَّعُ
ولمَنْ يُغالِطُ في الحقائقِ نفسَه ... ويسومُها طلبَ المُحالِ فتطمَعُ
أين الذي الهَرَمانِ من بُنيانِه ... ما يومُه ما قومُه ما المصْرَعُ
تتخلّفُ الآثارُ عن أصحابِها ... حيناً ويدرِكُها الفَناءُ فتتْبعُ
وإذا حصلْتَ من السِّلاحِ على البُكا ... فحشاكَ رُعْتَ به وخدّكَ تقْرَعُ
وقوله:
طوَى الجزيرةَ حتى جاءَني خبرٌ ... فزِعْتُ فيه بآمالي الى الكذِبِ
حتى إذا لم يدَعْ لي صدْقُه أمَلاً ... شرِقْتُ بالدمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي
تعثّرَتْ به في الأفْواهِ ألسُنُها ... والبُردُ في الطُرْقِ والأقلامُ في الكتُبِ
فإن تكنْ تغلِبُ الغلْباءُ عُنصُرَها ... فإن في الخمر معْنًى ليس في العِنَبِ
стр. 148
وما ذكرْتُ جميلاً من صنائِعِها ... إلا بكيْتُ، ولا ودٌ بلا سببِ
فلا تنلْكَ الليالي إنّ أيديَها ... إذا ضربْن كسرْنَ النّبْعَ بالغرَبِ
ولا يُعِنّ عدوّاً أنت قاهِرُهُ ... فإنّهنّ يصِدْنَ الصّقْرَ بالخرَبِ
وربما احتسَب الإنسانُ غايتَها ... وفاجأتْهُ بأمرٍ غيرِ محتسَبِ
وما قضى أحدٌ منها لُبانتَهُ ... ولا انتهى أربٌ إلا الى أرَبِ
ومن تفكّر في الدُنيا ومُهجتِه ... أقامَه الفِكرُ بين العجْزِ والتّعبِ
وقوله:
نحن بَنو الموتِ فما بالُنا ... نعافُ ما لا بدّ من شُرْبِه
تبخَلُ أيدينا بأرواحنا ... على زمانٍ هنّ منْ كسْبِهِ
فهذه الأرواحُ من جوِّهِ ... وهذه الأجسامُ من تُربِه
لو فكّر العاشِقُ في مُنتَهى ... حُسنِ الذي يسْبيه لم يسْبِه
لم يُرَ قرْنُ الشمسِ في شرْقِه ... فشكّتِ الأنفُسُ في غرْبِه
يموتُ راعي الضّأنِ في جهلِه ... ميتَةَ جالينوسَ في طِبِّه
стр. 149
وربما زاد على عمرِه ... وزادَ في الأمْنِ على سربِه
وغايةُ المُفرطِ في سِلمِه ... كغايةِ المُفرِط في حرْبِه
فلا قضى حاجتَه طالبٌ ... فؤادُهُ يخفِقُ من رُعبِه
حاشاك أن تضعُفَ عن حملِ ما ... تحمّلَ السّائرُ في كُتْبِه
وقوله - يرثي جدته:
عرفْتُ الليالي قبلَ ما صنعَتْ بنا ... فلما دهَتْني لم تزِدْني بها عِلْما
حَرامٌ على قلْبي السرورُ فإنني ... أعدّ الذي ماتتْ بهِ بعدَها سمّا
تعجّبُ من حظّي ولفْظي كأنها ... ترى بحروف السطرِ أغرِبَةً عُصْما
وتلثَمهُ حتى أصارَ مِدادُهُ ... محاجِرَ عينَيْها وأنيابَها سُحْما
رَقا دمعُها الجاري وجفّتْ جُفونُها ... وفارَقَ حُبّي قلبَها بعد ما أدْمى
ولم يُسْلِها إلا المنايا، وإنما ... أشدُّ من السُقْمِ الذي أذهبَ السُقْما
وكنتُ قُبيلَ الموتِ أستعظِمُ النّوى ... فقد صارتِ الصُغْرى التي كانتِ العُظمى
وما انسدّتِ الدنيا عليّ لِضيقِها ... ولكنّ طرْفاً لا أراكِ به أعْمى
وقوله:
стр. 150
يا أختَ معتَنِقِ الفوارسِ في الوغى ... لأخوكِ ثمّ أرقّ منكِ وأرحَمُ
يرْنو إليكِ مع العَفافِ وعندَهُ ... أنّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحْكُم
راعتْكِ رائِعةُ البَياضِ بعارِضي ... ولوَ انّها الأولى لراعَ الأسْحَمُ
لو كان يمكنُني سفرْتُ عنِ الصِّبا ... فالشّيبُ من قبْلِ الأوانِ تلثُّمُ
ولقد رأيتُ الحادِثاتِ فلا أرى ... يقَقاً يُميتُ ولا سَواداً يعصِم
والناسُ قد نبَذوا الحِفاظَ فمُطلَقٌ ... ينْسى الذي يولَى وعافٍ يندَمُ
لا يسلَم الشّرفُ الرّفيعُ من الأذى ... حتى يُراقَ على جوانِبه الدّمُ
الظُلْمُ من شيَمِ النّفوسِ إن تجِدْ ... ذا عِفّةٍ فلِعلّةٍ لا يظْلِمُ
ومنَ البليّة عذلُ من لا يرْعَوي ... عن جهلِه وخِطابُ منْ لا يفهَمُ
ثم هجا وقال:
يحمي ابنُ كيْغَلغَ الطّريقَ وعِرسُهُ ... ما بين رجلَيْها الطّريقُ الأعظمُ
يمشي بأربعةٍ على أعْقابِه ... تحت العُلوجِ ومن وراءٍ يُلجَمُ
وجُفونُه ما تستقرُّ كأنّها ... مطروفةٌ أو فُتَّ فيها حِصرِمُ
وإذا أشارَ محدِّثاً فكأنّها ... قِردٌ يقهقهُ أو عجوزٌ تلطِمُ
يقْلي مُفارقةَ الأكفّ قَذالُهُ ... حتى يكادَ على يدٍ يتعمّمُ
стр. 151
ومن العَداوةِ ما ينالُك نفْعُهُ ... ومنَ الصّداقةِ ما يضُرُّ ويؤْلِمُ
وقوله:
من علّمَ الأسودَ المخْصيَّ مكرُمَةً ... أقوْمُهُ البيضُ أم آباؤُهُ الصِّيدُ
أم أذنُه في يدِ النّخاسِ داميةً ... أم قدرُهُ وهو بالفَلْسَيْنِ مردودُ
وقوله:
وأسود أمّا القلبُ منه فضيّقٌ ... نخيبٌ وأما بطنُه فرَحيبُ
يموتُ به غيْظاً على الدّهْرِ أهلُه ... كما مات غيْظاً فاتكٌ وشبيبُ
إذا ما عدِمتَ الأصلَ والعقلَ والنّدى ... فما لحياةٍ في جنابكِ طيبُ
وقوله:
كأنّما مائِجُ الهواءِ به ... بحْرٌ حوَى مثلَ مائه عنَما
ناثرُهُ ناثِرُ السيوفِ دَماً ... وكلّ قولٍ يقولهُ حكَما
والحَيْلَ قد فصّلَ الضّياعَ بها ... والنِّعَمَ السّابِغاتِ والنّقَما
فليُرنا الوردُ إن شكا يدَهُ ... أحسنَ منه من جودِها سلِما
وقُل له لستَ خيرَ ما نثرَتْ ... وإنما عوّذَتْ بكَ الكرَما
стр. 152
ومن حُسنِ التخلّص وحسن الخروج قوله:
حدَقٌ يُذمُّ من القواتِل غيرَها ... بدْرُ بنُ عمّارِ بنِ إسماعيلا
وقوله:
وهزٌ أطارَ النّومَ حتى كأنني ... من السُكْر في الغرَزَينِ ثوبٌ شُبارِقُ
شدَوْا بابْنِ إسحاقَ الحُسينِ فصافحَت ... ذَفاريَها كيرانُها والنّمارقُ
وقوله:
مرّتْ بنا بينَ تِربَيْها فقلت لها ... من أينَ جانسَ هذا الشّادِنُ العرَبا
فاستضحكَتْ ثمّ قالت كالمُغيث يُرى ... ليثَ الشّرى وهْوَ من عِجْلِ إذا انتسَبا
وقوله:
وحُبيتُ من خوصِ الرِّكابِ بأسوَدٍ ... من دارِشٍ فغدوْتُ أمشي راكِبا
حالاً متى علِمَ ابنُ منصورٍ بها ... حاءَ الزّمانُ إليّ منها تائِبا
وقوله:
جمح الزمانُ فما لذيذٌ خالصٌ ... مما يشوبُ ولا سرورٌ كاملُ
стр. 153
حتى أبو الفضلِ بنُ عبد الله رؤْ ... يتُه المُنى وهْيَ المَقامُ الهائلُ
وقوله:
ومقانِبٍ بمقانِبٍ غادرْتُها ... أقْواتَ وحشٍ كنّ من أقْواتها
أقبلتُها غُرَرَ الجيادِ كأنما ... أيدي بني عِمرانَ في جبَهاتِها
وقوله:
وغيثٍ ظنَنّا تحته أنّ عامراً ... عَلا لم يمُتْ أو في السّحابِ لهُ قبْرُ
وقوله:
إذا صُلْتُ لم أترُكْ مَصالاً لفاتِكٍ ... وإن قلت لم أترُكْ مَقالاً لعالمِ
وإلا فخانَتْني القَوافي وعاقَني ... عن ابن عُبَيدِ اللهِ ضُعفُ العزائِمِ
وقوله:
ولو كنتُ في أسْرِ غير الهوى ... ضمِنْتُ ضمانَ أبي وائِلِ
فَدَى نفسه بضمانِ النُضارِ ... وأعطى صُدورَ القَنا الذّابل
وقوله:
نودِّعهم والبيْنُ فينا كأنّهُ ... قَنا ابْنِ أبي الهيجاءِ في قلبِ فيلَق
стр. 154
وقوله:
وتعذُّرُ الأحرار صيّر ظهْرها ... إلا إليكَ عليّ ظهْرَ حرامِ
وقوله:
كلما رحّبتْ بنا الروضُ قُلنا ... حلَبٌ قصدُنا وأنتِ السّبيلُ
فيكِ مرْعَى جيادِنا والمطايا ... وإليها وجيفُنا والذميلُ
والمسمَّوْنَ بالأمير كثيرٌ ... والأميرُ الذي بها المأمولُ
وقوله:
لو أنّ فنّا خُسْرَ صبّحكم ... وبرزْتِ وحْدَكِ عاقَهُ الغزَلُ
ما كنتِ فاعلةً وضيفُكمْ ... ملِكُ الملوكِ وشأنُكِ البَخَلُ
أتمنِّعينَ قِرًى فتفتَضحي ... أم تبذُلين له الذي بسَلُ
بل لا يحُلّ بحيث حلّ بهِ ... بُخْلٌ ولا جوْرٌ ولا وجَلُ
ولعلك لا تجدُ له تخلّصاً مستكرهاً إلا قوله:
أحبّكِ أو يقولوا جرّ نمْلٌ ... ثَبيراً أو ابنُ إبراهيمَ رِيعا
وقوله:
فأفنى وما أفنتْهُ نفسي كأنما ... أبو الفرج القاضي له دونها كهْفُ
стр. 155
وقوله:
لوِ استطَعْتُ ركِبْتُ الناسَ كلهمُ ... الى سعيدِ بن عبد الله بُعْرانا
وقوله:
أعزُّ مكانٍ في الدُنى سرْجُ سابحٍ ... وخيرُ جليسٍ في الزّمانِ كتابُ
وبحرٌ أبو المِسكِ الخِضَمِّ الذي له ... على كلِّ بحْرٍ زخْرَةٌ وعُبابُ
فهي وإن لم تكن حسنةً مختارة، فليست من المستهجَن الساقط.
ومن عاب من ابتدائه مثل قوله:
كُفّي أراني ويْ: ِ لوْمِكِ ألْوَما
وقوله:
هَذي برزْتِ لنا فهِجْتِ تَسيسا ... ثم انثنَيْت وما شفَيْتِ نَسيسا
وقوله:
أوْهِ بَديلٌ من قوْلتي واها ... لمَنْ نأتْ والبَديلُ ذكراها
واستَبْردَ قوله:
стр. 156
أمُساورٌ أم قرْنُ شمْس هذا ... أم ليثُ غابٍ يقْدُمُ الأستاذا؟
وقوله:
اِثْلِثْ فإنّا أيها الطّللُ
وقوله:
أحادٌ أم سُداسٌ في أحادِ
وقوله:
مُلِثَّ القَطْرِ أعطِشْها رُبوعا
وقوله:
بقائي شاء ليسَ همُ ارتحالا ... وحُسنَ الصبر زمّوا لا الجمالا
وقوله:
سرْبٌ محاسنُه حُرِمْتُ ذواتها
وقوله:
أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللّوائِمِ
стр. 157
وقوله:
مَبيتي من دمِشقَ على فِراش ... حشاهُ لي بحرِّ حشاي حاشي
وقوله:
وفاؤكُما كالرّبْع أشجاهُ طاسِمُهْ
واستقبح افتتاحه مخاطبةَ ملك بقوله:
كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافياً ... وحسْبُ المَنايا أنْ يكنّ أمانيا
وضرب له الأمثال، فروى له خبر ذي الرُمّة حين استنشده بعضُ الملوك من بني أميّة - ويقال: إنه عبدُ الملك بن مروان - فأنشده قوله:
ما بالُ عينِك منها الماءُ ينسكِبُ
فقال: وما سؤالك عن هذا يا بن اللّخْناء! وأمر بإخراجِه. وكانت عينُ الممدوح بها عِلّة فدمعُها لا يستمسك. وأنا أرتابُ بهذا الخبر، ولا أظنه ثبتاً.
وخبر أبي حكيمة لما استنشده أبو دُلَف بعضَ ما وصف به هَنَه، فأنشدَه:
ألا ذهب ... الذي كنت تعرف
فقال: أمّ الأبعد به أعرف.
فليغتَفِرْ ذلك له لقوله:
стр. 158
أتُراها لكثرةِ العُشاقِ ... تحسِبُ الدمعَ خِلقةً في المآقي
فإنه ابتداءٌ ما سُمِع مثله، ومعنى انفردَ باختراعه، وقوله:
على قدْرِ أهل العزمِ تأتي العزائم
وقوله:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشُجعانِ ... هو أولٌ وهي المحلّ الثاني
فإذا هما اجْتَمعا لنَفْسٍ مِرّةٍ ... بلغَتْ من العلياءِ كلّ مكانِ
وقوله:
لكلّ امرئٍ من دهرِه ما تعوّدا ... وعادة سيفِ الدولةِ الطّعْنُ في العِدا
وقوله:
فدَيناكَ من رَبعٍ وإن زِدْتَنا كرْبا
وقوله:
إذا كان مدْحٌ فالنّسيبُ المقدَّمُ ... أكلُّ فَصيحٍ قال شِعْراً متيَّمُ
وقوله:
أيدْري الرّبْعُ أيَّ دمٍ أرَاقا
وقوله:
стр. 159
أُغالِبُ فيكَ الشوقَ والشوقُ أغلبُ
وقوله:
حاشَى الرّقيبَ فخانتْهُ ضمائرهُ ... وغيّضَ الدمع فانهلّت بوادرُهُ
وقوله:
سِرْ حَلّ حيثُ يحُلّه النّوّارُ ... وأراد فيكَ مُراداكَ المِقدارُ
وقوله:
أعْلى الممالِكِ ما يُبْنى على الأسَلِ
وقوله:
أفاضِلُ النّاسِ أغراضٌ لِذا الزّمنِ
وقوله:
فؤادٌ ما تُسلّيهِ المُدامُ ... وعُمرٌ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
وقوله:
اليومَ عهدُكمُ فأين الموعدُ ... هيهاتَ ليسَ ليومِ عهدِكُمُ غدُ
وأمثال ذلك إن طلبتَه هداك الى موضعه، وإنما التمستَه دلّك على نفسك. وهذه أفرادُ أبيات منها أمثالٌ سائرة، ومنها معانٍ مستَوفاة، لم تجد في أخواتها، وجارات
стр. 160
جنبها ما يصلُح لمُصاحبتها. ولعل أكثرَها، أو معظم ما أثبت منها، وكثيراً مما ذُكر في درج ما تقدّمها من اللُّمَع المختارة، مختارة المعاني مفترعة المذاهب. وليس لك أن تُلزمني تمييز ذلك وإفرادَه والتنبيهَ عليه بأعيانه كما فعله كثيرٌ ممن استهدف للألسن، ولم يحترز من جناية التهجّم؛ فقال: معنى فرد، وبيت بديع، ولم يُسْبق فلان الى كذا، وانفرد فلان بكذا؛ لأني لم أدّع الإحاطة بشعر الأوائل والأواخر؛ بل لم أزعم أني نصَفتُه سماعاً وقراءة، فدع الحِفظ والرواية. ولعل المعنى الذي أسمُه بهذه السّمة، والبيت الذي أضيفه الى هذه الجملة في صدر ديوان لم أتصفّحه؛ أو تصفّحتُه ولم أعثر بذلك السطر منه، أو عساني أن أكون رويتُه ثم نسيتُه، أو حفظته لكني أغفلتُ وجهَ الأخذِ منه، وطريقة الاحتذاء به.
وإنما أجسر في الوقت بعد الوقت فأُقدِم على هذا الحكم انقياداً للظن، واستنامة الى ما يغلبُ على النفس؛ فأما اليقين الثقة، والعلم الإحاطة فمعاذ الله أن أدعيه! ولو ادعيتُه لوجب ألا تقبلَه، مع علمك بكثرة الشعراء واختلاف الحظوظ، وخمول أكثر ما قيل: وضياع جلّ ما نُقِل. وأظنّك قد سمعتَ أو انتهى إليك أن البحتري أسقط خمسمائة شاعر في عصره، فما يؤمنني من وقوع بعض أشعارهم الى غيري؟ وما يدريني ما فيها؟ وهل هذا المستغرب المستحسن منقول عنها، ومقتبَس منها؟ وهؤلاء المحدَثون الذين شاركونا في الدار والبلد، وجاورونا في العصر والمولد. فكيف بمَن بعُد عهده، وقدُم زمانه، وتناسخت الأمم بيننا وبينه! زعم بعض آل الزبير أنه زار عُروة بن الزبير ذات يوم، فسأله عما يُعنى بطلبه من العلوم، فقال: قلت الشعر. فقال: لأي قبائل العرب أنت أروى! فقلت: لبني سُلَيْم، فأنشدني لعدة أكثرها من بني سُليم، ولم أعرف واحداً منهم.
стр. 161
وقد ذكر الأصمعي عن كِرْدِيْن المِسمَعي: أن فتية من الحيّ أتوا أبا ضمْضَم الراوية، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: أتيناك نتحدّث. قال: كذبتم. قلتم: خرِف الشيخ، هلمّوا نتغفّله. ثم أنشدهم لمائة أو ثمانين شاعراً، كلّهم يسمّى عَمراً. قال الأصمعي: فجهدنا أن نتمّ ثلاثين شاعراً يسمى عَمراً، فلم نجد.
وزعم الأصمعي أيضاً أن إخوة من بني سعد يسمون مُنذِراً، ومُنتذراً، ونذيراً، كانوا رجّازاً، فلم يهبطوا الأمصار، فذهبت أشعارُهم. وأن أُرجوزة رؤْبة القافيّة التي هي قلادتُه، وعينُ شعره لنذير.
وقد يرى في أشعار القبائل الأبيات تُنسب الى الرجل المجهول الذي لم يُرْوَ له غيرها، ولا يعرف له اسمٌ إلا بها؛ وكأن النفس تشهد أنّ مثلها لا يكونُ باكورة الخاطر، ولا تسمحُ بها القريحةُ إلا بعد الدُّرْبة وطولِ الممارسة، ومن ذا يسمع قول الهُذَلي:
أبو مالك قاصِرٌ فَقرَه ... على نفْسه ومُشيعٌ غِناهُ
إذا سُدَتْه سُدْت مِطواعةً ... ومهما وكَلْتَ إليه كفاهُ
فيشكّ أنها لم تندفر فلْتة، وتصْدر بغْتة، وأن لها مقدمات سهّلْت سبيلَها، وأخوات قرّبت مأخذها؛ وهي في شعر الهذليين أبيات لم يُرْوَ لشاعر غيرها.
وقد كان قدم مكة أيام مقامي بها شيخٌ بدَويّ من بني عامر بن ربيعة؛ يدعى مطرف بن سفيان، فأنشدنا قصيدة مدح بها جعفر بن محمد الحسني وجدتُها متنافرةَ
стр. 162
الأبيات، مختلفةَ الأطراف، بين عيْنٍ نادر، ومتوسّط متقارب، وضعيف ساقط؛ فكنت كالمتعجِّب لما أراه من اضطرابها، وظهورِ تفاوتها؛ وامتحنتُ الشيخ فوجدتُ شعره الى الضعف ما هو؛ فنحن كذلك إذ أتانا بعض مَنْ كان بقُرْبه من أصحابنا، فسألناه عن العامري فأثبته معرفة، وذكر أنه حضر الحيّ وقت تأهبه للوفادة، فرآه في نادي القوم، وقد جمع فِتْيان الحلّة، وأحداث القبيلة، فقال: إن شيخكم يريد امتداحَ هذا الشريف بمكة، فزوّدوه! فزوّدَه كلّ رجل منهم البيتين والثلاثة، ثم نظمها قصيدة، وإذا سببُ ذلك التباين تفاضلُ القرائح، واختلافُ الأفكار والهواجس.
فإذا كان هذا الشعر عندهم اليوم، وهذه عدّة من يقرض منهم وينظم، واللغة فاسدة، واللسان مدخول، والأمر مُدبِر، وأكثر العرب مستعجم؛ فما ظنّك بهم والعربُ عرب، والدار خالصة لهم، والحضَر بعيد منهم، وأسباب الفساد منقطعة عنهم! وهل يُمكن مع هذه الأحوال إحصاء المقرر المتوسّع، فضلاً عن المُقِلّ المتطرّف! أفتستَجيزُ لي على ما تراه أن أتسرع ولا أتحرّز، وأعجل ولا أتلبّث؟ كلا؛ بل أفصّل لك بين المراتب والمقادم، وأعزل لك المقدّم عن المؤخر، وأميز ما يقرب عندي من الإبداع عما أشهد عليه بالأخذ؛ فإن ألحقت به المأخوذ المُستَرق فلبعض الأغراض المتقدّمة: أو لزيادة فيه مستحسنة، فأسلم من تورط المسترسِل، ولا أقف موقف المتكلّف.
فمن تلك الأبيات قوله:
وكنتُ إذا يممتُ أرضاً بعيدةً ... سرَيْتُ فكنت السّرَّ والليلُ كاتِمُهْ
стр. 163
أزورهم وسوادُ الليلِ يشفعُ لي ... وأنثني وبياضُ الصُبحِ يفغري بي
قِفي تغْرَمِ الأولى من اللحظِ مهجَتي ... بثانيةٍ والمُتلِفُ الشيءَ غارمُهْ
ضُربْنَ إلينا بالسّياطِ جَهالةً ... فلما تعارفْنا ضُربْنَ بها عنّا
لو كنتَ عصْراً مُنْبتاً زَهَراً ... كنت الربيعَ وكانت الوَرْدا
وما الجمعُ بينَ الماءِ والنار في يدي ... بأصْعَبَ من أن أجمعَ الجدّ والفَهْما
وأسمعُ من ألفاظِه اللغةَ التي ... يلَذّ بها سمْعي وإن ضُمّنَتْ شتْمي
ولا تُنكِرا عصْفَ الرّياح فإنها ... قِرَى كلّ ضيْفٍ بات عند سِوارِ
دُعيتُ بتقريظِيكَ في كلّ مجلسٍ ... وظنّ الذي يدعو ثنائي عليك اسمي
стр. 164
كأنّ الهامَ في الهَيجا عُيونٌ ... وقد طُبعَتْ سيوفُك من رُقادِ
وقد صُغْتَ الأسنّة من هُمومٍ ... فما يخطُرْنَ إلا في فؤادِ
بكل أرضٍ وطِئْتَها أمَمٌ ... تُرْعى بعبْدٍ كأنها غنَمُ
يستخشِنُ الخَزّ حينَ يلمَسهُ ... وكان يُبْرى بظُفرِه القلَمُ
حالٌ كأنّ غُرابَ البينِ يرقُبُه ... فكلما قيل هذا مجتَدٍ نَعبا
ما زالَ كلّ هزيمِ الودْقِ ينحِلُها ... والسُقْم ينحِلُني حتى حكَت جسَدي
فقد خفِيَ الزمانُ به علينا ... كسِلْكِ الدُرِّ يُخْفيهِ النظامُ
لقد حسُنَت بك الأوقات حتى ... كأنك في فمِ الدهر ابتسامُ
قفْ على الدّمنتَيْنِ بالدّوِّ من ر ... يّا كخالٍ في وجنةٍ جنْبَ خالِ
стр. 165
بطُلولٍ كأنهن نُجومٌ ... في عِراسٍ كأنهن لَيالِ
ولو حيزَ الحِفاظُ بغير عقلٍ ... تجنّبَ عُنقَ صيقَلِهِ الحُسامُ
وكلما فاضَ دمْعي غاضَ مُصطَبَري ... كأن ما سالَ من جفنيّ من جلَدي
كلّ هوْجاءَ للدّياميمِ فيها ... أثرُ النّارِ في سَليطِ الذُبالِ
من بنات الجديلِ تمْشي بنا في الْ ... بيدِ مشْيَ الأيامِ في الآجالِ
وإذا خفيتُ على الغبيّ فعاذِرٌ ... أن لا تراني مُقلةٌ عمياءُ
أمضَى إرادتَهُ فسوف له قدٌ ... واستقربَ الأقصى فثَمّ له هُنا
منْ يهُنْ يسهُلِ الهوانُ عليه ... ما لجُرحٍ بميّت إيلامُ
стр. 166
طربَتْ مراكبُنا فخِفْنا أنها ... لولا حياءٌ عاقَها رقصتْ بنا
عقدَتْ سنابكُها عليها عِثْيراً ... لو تبْتغي عنَقاً عليه لأمْكِنا
يتعثّرْنَ بالرءوس كما مرّ ... بتاآت نُطقِه التّمتامُ
خيرُ أعضائِنا الرءوسُ ولكنْ ... فضلتْها بقصدِكَ الأقدامُ
فلو كنتَ امرأ يُهجى هجوْنا ... ولكن ضاق فِتْرٌ عن مسيرِ
لا يُعجِبنّ مَضيماً حُسنُ بزّته ... وهل تروقُ دَفيناً جودَةُ الكفن
دونَ التّعانُقِ ناحِلَيْنِ كشَكْلَتيْ ... نصْبٍ أدقّهما وضمّ الشّاكِلُ
للهو آوِنةٌ تمرّ كأنها ... قُبَلٌ يزوَّدُها حبيبٌ راحِلُ
قد كنت أشفقُ من دمعي على بصري ... فاليومَ كلّ عزيز بعدكم هانا
стр. 167
فكأنها نُتِجَت قياماً تحتهم ... وكأنهم وُلدوا على صهَواتِها
ولو لم يعْلُ إلا ذو محلّ ... تعالى الجيشُ وانحطّ القتامُ
ومن يُنفِق الساعاتِ في جمع مالِه ... مَخافةَ فقْرٍ فالذي فعل الفقرُ
وأنفُسٌ يلمَعيّات تحبّهمُ ... لها اضطِراراً ولو أقصوْكَ شنْآنا
كأن ألسُنَهم في النُطق قد جُعِلتْ ... على رماحهم في الطّعْنِ خُرصانا
لو مرّ يركُض في سُطور كِتابةٍ ... أحصى بحافرِ مُهرِه ميماتِها
أعيا زوالُكِ عن محلٍّ نلتَه ... لا تخرجُ الأقمارُ عن هالاتها
ومن نكدِ الدُنيا على الحرّ أن يرى ... عدواً له ما منْ صداقتِه بُدّ
تلَجُّ دموعي بالجفون كأنّما ... جُُفوني لعينَيْ كلِّ باكية خدُّ
стр. 168
ذُكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنتَ البديعَ الفردَ من أبياتها
كأن الجوّ قاسى ما أُقاسي ... فصار سوادُه فيهِ شُحوبا
أقلِّبُ فيه أجفاني كأني ... أعدّ به علىالدّهر الذّنوبا
مَنْ خصّ بالذّم الفِراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئاً يُحْمَدُ
إذا غدرت حسناءُ وفّت بعهدِها ... ومن عهدِه أن لا يدومَ لها عهدُ
فإنْ يكُ سيّارُ بنُ مكْرمٍ انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الوردُ
عرفتُ نوائبَ الحِدْثان حتى ... لوِ انتسَبَتْ لكنتُ لها نَقيبا
يُصيب ببعضها أفواقَ بعضٍ ... فلولا الكسْرُ لاتّصلتْ قضيبا
فآجرَك الإلهُ على عليلٍ ... بعثْت الى المسيحِ به طبيبا
стр. 169
صيامٌ بأبواب القِباب جيادُهم ... وأشخاصُها في قلْب خائِفِهم تعْدو
بعيدةُ ما بين الجفونِ كأنما ... عقدْتم أعالي كلِّ هدْبٍ بحاجبِ
ولو قلمٌ أُلقيتُ في شَقِّ رأسه ... من السُّقمِ ما غيّرتُ من خطّ كاتبِ
ولربّما أطرَ القناة بفارِسٍ ... وثنى فقوّمها بآخرَ منهمُ
لو سار ذاك الحبيبُ عن فلَكٍ ... ما رضي الشمسَ برجُه بدَلَهْ
رأيتك في الذين أرى مُلوكاً ... كأنكَ مستقيمٌ في مُحالِ
فإنْ تفُق الأنامَ وأنت منهمْ ... فإنّ المسكَ بعضُ دم الغزالِ
أنت الذي لو يُعابُ في ملأٍ ... ما عيبَ إلا بأنّه بشَرُ
إني لأبغِضُ طيفَ مَن أحببتُه ... إذ كان يهجرُنا زمانَ وصالِه
стр. 170
ونُراعُ غير معقّلاتٍ حولَه ... فيَفوتها متجفّلاً بعِقالِه
لو لم تكنْ تجري على أسيافِه ... مهَجاتُهُم لجرَتْ على إقبالِه
فكأنّما قذي النهارُ بنقعِه ... أو غضّ عنه الطّرْفَ من إجلالِه
وخصْرٌ تنبُتُ الأبصارُ فيه ... كأنّ عليه من حدَقٍ نِطاقا
أول حرْفٍ من اسمِه كتبتْ ... سنابِك الخيلِ في الجلاميدِ
كأن العِدا في أرضهم خُلفاؤه ... فإنْ شاءَ حازوها وإن شاءَ سلّموا
لها في الوَغى زِيُّ الفوارس فوقَها ... فكلّ حِصانٍ دارعٌ متلثّمُ
وما ذاك بُخْلاً بالنفوس على القنا ... ولكنّ صدْمَ الشّرّ بالشرِّ أحزَمُ
وملمومةٌ زرَدٌ ثوبها ... ولكنّه في القنا مُخمَلُ
يفاجئُ جيشاً به حينُه ... ويُنذِر جيشاً به القسْطَلُ
стр. 171
فلا تُنكرنّ له صرْعةً ... فمنْ فرَحِ النّفس ما يقتُلُ
وما اعتمدَ اللهُ تقويضَها ... ولكن أشر بما تفعَلُ
إن كنتَ ترضى بأن يُعطوا الجِزَى بذلوا ... منه رِضاكَ ومَن للعُورِ بالحوَلِ
لعلّ عتْبَك محمودٌ عواقبُه ... فرُبما صحّتِ الأجسام بالعللِ
ويرجِعُها حُمْراً كأنّ صحيحَها ... يبكي دماً من رحمةِ المتدفّقِ
ما الخِلّ إلا منْ أودّ بقَلبِه ... وأرى بطرْفٍ لا يرى بسوائِهِ
كأني عصَتْ مُقلَتي فيكمُ ... وكاتَمتِ القلبَ ما تُبصرُ
إذا ما قدرْتُ على نطقَةٍ ... فإني على ترْكِه أقدَرُ
فلا غفَلَ الدهرُ عن أهلِه ... فإنك عينٌ بها ينظرُ
وكيف انتفاعي بالرُقاد وإنما ... بعلَّته يعتلّ في الأعيُن الغُمضِ
стр. 172
وأتعب مَن ناداك من لا نجيبُه ... وأغيَظُ من عاداكَ من لا تُشاكِلُ
إذا كان ما تنويهِ فعلاً مُضارعاً ... مضى قبلَ أن تُلقى عليه الجوازِمُ
قُشيْرٌ وبَلْعَجْلانِ فيها خفيّةٌ ... كراءَينِ في ألفاظِ ألثغَ ناطق
أسيرُ الى إقطاعهِ في ثيابِه ... على طِرْفه من داره بحُسامِه
وإذا حاولتْ طعانك خيلٌ ... أبصرَت أذرُعَ القَنا أميالا
كأنّ كلَّ سؤالٍ في مسامعه ... قميصُ يوسفَ في أجفانِ يعقوب
بوادٍ به ما بالقلوبِ كأنّهوقد رحلوا جيَدٌ تناثَر عِقدُه
стр. 173
لا تُنكر الحسّ من دار تكون بها ... فإنّ ريحكَ روحٌ في مغانيها
إنما تنجحُ المقالةُ في المرْ ... ءِ إذا وافقَتْ هوًى في الفؤادِ
وإذا الحِلمُ لم يكن عن طِباع ... لم يحلّم تقدُّم الميلادِ
وإذا كان في الأنابيبِ خلفٌ ... وقع الطّيشُ في صدور الصِّعادِ
تحمّلوا حملَتْكُم كلّ ناجيةٍ ... فكلّ بينٍ عليّ اليومَ مؤتمَنُ
كلّما أنبَتَ الزمانُ قناةً ... ركّب المرء في القناةِ سنانا
وإذا لم يكن من الموت بُدٌ ... فمِن العجز أن تكون جَبانا
إنّا لفي زمنٍ ترْكُ القبيح به ... من أكثرِ الناسِ إحْسانٌ وإجمالُ
ذِكرُ الفتى عُمرهُ الثاني وحاجتُه ... ما فاتَه وفُضول العيش أشْغالُ
لطّفْتَ رأيكَ في بِرّي وتكرِمَتي ... إنّ الكريم على العلياءِ يحْتالُ
стр. 174
ردينيّةٌ تمّت وكاد نباتُها ... يركّبُ فيها زُجَّها وسنانَها
وسمراءُ يستغْوي الفوارس قدُّها ... ويُذكِرها كرّاتِها وطِعانها
وغالبَه الأعداءُ ثم عنوا له ... كما غالبَتْ بيضَ السّيوفِ رِقابُ
ولا مُلْكَ إلا أنتَ والمُلكُ فضلَةٌ ... كأنّك سيفٌ فيه وهْو قِرابُ
فلا تُرجِّ الخير عند امرئٍ ... مرّت يدُ النّخاسِ في رأسِه
إذا أتت الإساءةُ من وضيعٍ ... ولم ألُمِ المُسيءَ فمن ألومُ
لا تشترِ العبد إلا والعصا معه ... إنّ العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ
ومن جهِلتْ نفسُه قدرَه ... رأى غيرُه منه ما لا يرى
كلّما عاد مَن بعثتُ إليها ... غار منّي وخان فيما يقول
стр. 175
أفسدَتْ بيننا الأماناتِ عينا ... ها وخانتْ قلوبهنّ العُقولُ
ومن ركبَ الثورَ بعد الجوا ... دِ أنكرَ أظلافه والغبَبْ
أتى الزمانَ بنوهُ في شيبته ... فسرّهُمْ وأتيناهُ على الهرَم
إنْ أوحشَتْك المعالي ... فإنها دارُ غُربَهْ
أو آنسَتْك المخازي ... فإنها لك نِسْبَهْ
إذا سمِع الناسُ ألفاظه ... خلقْنَ له في القلوبِ الحسدْ
وغيْظٌ على الأيام كالنارِ في الحشا ... ولكنه غيْظُ الأسير على القِدِّ
وقد كنت أدركت المُنى غير أنني ... يُعيِّرُني أهلي بإدراكها وحْدي
وألقى الشرقُ منها في ثيابي ... دنانيراً تفِرّ من البنانِ
стр. 176
وهو مثل قوله في كلمة أخرى:
إذا ضوءُها لاقى من الطيرِ فَرجةً ... تدوَّرَ فوق البيض مثل الدراهمِ
فلو طُرِحت قلوبُ العشقِ فيها ... لما خافت من الحدَقِ الحِسانِ
قالت: ألا تصْحو! فقلت لها ... أعلَمتِني أنّ الهوى ثمِلُ
فوقَ السماءِ وفوقَ ما طلبوا ... فإذا أرادوا غايةً نزَلوا
وما أنا غيرُ سهمٍ في هواء ... يعود ولم تجدْ فيه امتِساكا
شُجاعٌ كأنّ الحربَ عاشقَةٌ له ... إذا زارها فدّتهُ بالخيل والرِّجلِ
يرْمي النجومَ بعينَيْ من يحاولُها ... كأنها سلَبٌ في عينِ مسلوب
رقّت مضاربُه فهنّ كأنما ... يُبدينَ من عشقِ الرّقاب نُحولا
стр. 177
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ ... فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ
وما التيهُ طِبّي فيهمُ غير أنني ... بغيضٌ إليّ الجاهلُ المتعاقِلُ
فما تُرجّي النفوسُ من زمنٍ ... أحمَدُ حالَيهِ غيرُ محمودِ
وقد وَفينا لك بما اقتضاه شرطُ الضمان وزدنا، وبرئنا إليكَ مما يوجبه عقد الكفالة وأفضلنا، ولم تكن بُغيتنا استيفاءَ الاختيار، واستقصاءَ الانتقاد؛ فيقال: هلا ذكرتَ هذا فهو خير مما ذكرت؛ وكيف أغفلتَ ذاك وهو مقدَّم على ما أثبت! وإنما دعوناك الى المقاصّة، وسِمْناك في ابتداء خطابنا المحاجّة والمحاكمة؛ فلزمنا طريقة العدل فيها، والتقطنا من عُروض الديوان أبياتاً لم نذهب - إن شاء الله - في أكثرها عن جهة الإصابة، فإن وقع في خلاله البيتُ والبيتان فلأنّ الكلام معقود به، والمعنى لا يتمّ بدونه، وما يتقدمه وما يليه مفتقر إليه، أو لغرض لا تعظم الفائدة إلا بذكره، ويضيقُ هذا القدر من الخطاب عن استقصاء شرحه، أو لسهو عارضَ التمييز، وغفْلةٍ لابست الاختيار.
وقد جعلنا لك أن تحذف منه ما أحببت؛ وأبحنا لك أن تُسقط ما أردت، فإن الذي يفضل نقدك منه، ويوافقنا رأيك عليه، ينجز وعدك ويبلغ غايتك؛ ويبقى ما وقعت الموافقةُ عليه بيننا وبينك. ثم طالع بقية شعرِه، وتصفّح فضالة ديوانه؛ لتعلم أنا لم نقصد استيعابَ
стр. 178
عيونه، وأخْذ صفوته ولُبابه، وأن فيما غادرنا منه ولم نعرض له ما يمكن فيه محاكمتك، ولا تضعف معه محاجّتك؛ ولعلك إذا رأيت هذا الجدّ في السعي، والعنف في القول تقول: إنما وقفت موقف الحاكم المسدد، وقد صرت خصْماً مجادلاً، وشرعت شروع القاضي المتوسط، ثم أراك حرباً منازعاً؛ فإن خطر ذلك ببالك وحدثتْك به نفسك فأشعِرها الثقة بصدقي، وقرّر عندها إنصافي وعدْلي، واعلم أني رسولٌ مبلّغ، وسامع مؤدّ، وإني كما أناظرك أناظر عنك، وكما أخاصمك أخاصم لك؛ فإن رأيتني جاوزتُ لك موضع حجة فردّني إليها، ونبّهني عليها، فما أبرّئُ نفْسي من الغفْلة، ولا أدّعي السلامة من الخطأ؛ والمدّعي أشد اهتماماً بما يحقق دعواه من المتوسط، وعناية الخصم بشهوده أتمّ من عناية الحاكم.
وأعود الى نسَق الكلام الأول فأقول: ورأيتك وأصحابك أنحيْتم في منازعة خصمكم على الدّعاء السّرَق؛ فقال قائلكم: ما يسلَم له بيت، ولا يخلص من معانيه معنى؛ وما هو إلا ليث مُغير، أو سارق مُختلِس، وأنشد منشدكم قول أبي تمام:
مَن بنو بحْدَل من ابن الحُباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب
إذا الضيغمُ الهصورُ أبو الأشْ ... بالِ رِئْبالُ كل خيس وغابِ
من عدَتْ خيلُه على سرح شعري ... وهو للحين راتعٌ في كتابي
غارة أسخنت عيونَ المعالي ... واستحلّت محارمَ الآداب
стр. 179
يا عَذارى الكلام صِرتُنّ من بعْ ... دي سبايا تُبَعْنَ في الأعراب
وقلت: إنما عمد الى شعر أبي تمام فغيّر ألفاظه، وأبدل نظمه؛ فأما المعاني فهي تلك بأعيانها؛ أو ما سرقه من غيرها، فإن اعتمد على قريحته، وحصل على فكره وخاطره، جاء بمثل قوله:
إن كان لا يُدْعى الفَتى إلا كذا ... رجُلاً فسمِّ الناسَ طُرّاً إصْبَعا
ومثل قوله:
أيا أسداً في جسمِه روحُ ضيْغَمٍ ... وكم أُسُدٍ أرواحُهُنّ كِلابُ
جرى الخُلْفُ إلا فيك أنّك واحدٌ ... وأنّك ليثٌ والملوك ذئابُ
وأنك إن قويِسْتَ صحّفَ كاتب ... ذئاباً ولم يُخطئْ فقال ذُبابُ
ومثل قوله:
لو كان صادفَ رأسَ عازرَ سيفُه ... في يوم معركةٍ لأعْيا عيسَى
أو كان لُجُّ البحرِ مثلَ بمينِه ... ما انشَقّ حتى جاز فيه موسَى
أو كان للنّيران ضوءُ جبينِه ... عُبدَتْ فكان العالَمون مَجوسا
فأعيته المعاني، حتى التجأ الى استصغار الأنبياء ﵈.
وقوله:
لم تُسْمَ يا هارون إلا بعد ما اقْ ... ترَعْتَ ونازعَتِ اسمكَ الأسماءُ
فغدوْتَ واسمُك فيك غيرُ مُشارَكٍ ... والناسُ فيما يديْك سواءُ
стр. 180
وقوله:
فخُذا ماءَ رِجلِه وانْضَحا في الْ ... مُدْنِ تأمَنْ بوائقَ الزّلْزالِ
رجُلٌ طينُه منَ العنبَر الورْ ... دِ وطينُ الرّجالِ من صلْصالِ
وبقيّاتُ طينِه لاقتِ الما ... دَ فصارتْ عُذوبةً في الزُّلالِ
فهذا مقدارُ اختراعه، وهذه طريقةُ ابتداعه، فإن زاد عليه وتجاوزه قليلاً اضطرّ الى تعقيد اللفظ، وفساد الترتيب، واضطراب النّسْج؛ فصار خيرُه لا يفي بشرّه، وجُرْمه يزيدُ على عُذره؛ ثم لم يظفر فيه بمعنى شريف؛ وإنما هو الإفراط والإغراق والمبالغة والإحالة كقوله:
لوْ طابَ مولدُ كلّ حيٍّ مثلَه ... ولدَ النّساءُ وما لهنّ قوابِلُ
ولِمَ يُستغنى بطيب المولد عن القابلة؟ وإذا استُغني عنها كان ماذا؟ وأي فخْر فيه؟ وأي شرف يناله؟ وقوله:
لمن مالٌ تمزّقُه العطايا ... ويشْرَكُ في رغائِبِه الأنامُ
ولا ندعوكَ صاحبَهُ فترْضَى ... لأنّ بصُحبةٍ يجبُ الذِّمامُ
لما وقع له المعنى الذي يُقارب الحسن ضعُفَ عن تحسين لفظه؛ فجاء كما ترى.
وقوله:
لم تحْكِ نائِلَكَ السّحابُ وإنما ... حُمّتْ به فصَبيبُها الرُحَضاءُ
следующие страницы →