← Адаб

Адаб · id 489

الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره

الجرجاني، أبو الحسن

Полный текст (477 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد أحسن في قوله: وما هو إلا الوحيُ أو حدُّ مرهفٍ ... تُميلُ ظُباه أخدَعَي كل مائلِ وقد ذكره البحتري صفحاً، فقال: عطَف ادّكارُك يوم رامة أخدَعي ... شوقاً وأعناقُ المطيّ قواصدُ فوقع من الحلاوة والحسن في الموقع الذي تراه. وقوله: لو لم تفتّ مُسنّ المجد مذ زمنٍ ... بالجود والبأس كان الجود قد خرِقا وقوله: كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزمانُ الصوفا وقوله: ولديك آلات جنوبٌ كله ... فاحطم بأصْلبِهنّ أنف الشّمْألِ فإن حمَل نفسه على التكلّف، وفارق الطبع الى التعمق أراك مثل قوله: ألا سبيلَ ندًى إلا سبيلَ بِلَى ... لو كنت حياً لأضحى للندى سُبُل وقوله: لو لم يمت بين أطراف الرماح إذاً ... لمات إذ لم يمتْ من شدّة الحَزنِ وقوله: أيعد التي ما قبلها أفبعدها ... مقام لحرّ قلت أنت عجولُ

стр. 72

وقوله: ذهبت بمذهبه السماحةُ فالتوَتْ ... فيه الظنونُ أمُذهبٌ أم مذهبُ وقوله: المجدُ لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا بلغنا أن إسحق بن إبراهيم الموصلي سمعه ينشد هذا البيت، فقال له أن: يا هذا، لقد شققت على نفسك، إن الشعر لأقرب مما تظن. فإن أظهر التعجرف، وتشبّه بالبدو، ونسي أنه حضري متأدب، وقروي متكلف جاءك بمثل قوله: قد قلتُ لما اطْلَخَمّ الأمر وانبعثت ... عشواءُ تاليةٌ غُبْساً دَهاريسا وقوله: فعنيقُها يعضيدُها ووشيجُها ... سعدانُها وزميلُها تنّومها وقوله: إن الأشاءَ إذا أصاب مشذِّبٌ ... منه اتمهلّ ذُرًى وأثّ أسافِلا وقوله:

стр. 73

وحادِث أخرَق داويتُه ... ردّاعة داهِية درْدَبيسْ وقوله: ومُزَحْزِحاتي عن ذراكَ عوائِقٌ ... أصحرْن بي للعَنقَفير المؤبّدِ وقوله: مُقابلٌ في دِرى الأذواءِ منصبُه ... عيصاً فعيصاً وقُدموساً فقُدموسا ثم لو لزم ذلك واستمر عليه ديناً وعادة، واتّخذه إماماً وقِبلة لقلنا: بدوي جرى على طبعه، أو متحضِّر حنّ الى أصله؛ لكنه يُعرِض عنه صفحاً، ويتناساه جملة، ويقول وهو يمدح خليقة: مازلت في العفو للذنوب وإطْ ... لاقٍ لعانٍ في جُرمه غلِق حتى تمنّى البُراءُ أنهم ... عندك أمسوا في القِدّ والحلَق

стр. 74

فنازعه المعنى، وانفرد دونه بالعيب؛ لأن أبا دَهبل زعم أن البرآء يتمنون أن يُذنِبوا فيُصيبوا عفوة، ولا نقْص في ذلك على الممدوح؛ لأن انفراده بالعفو متعذّر، وإنما سببه الى ذلك ذنب المحرم وخطأ الجاني. وزاد أبو تمام فزعم أنّهم يتمنون اليُتم؛ ليصلوا الى رِفده، ويلحقوا بالأيتام في تكفّله، والممدوح ممكّن من إفاضة العدل، وبثّ العُرف، وإغنائهم عن هذا التمني الذي لا يختاره العاقل إلا بعد بلوغ الجهد منه، ووصول القُنوط الى قلبه، واستيلاء الضّنك على معيشته؛ وليس من صفة الجواد أن يعرّض مُدّاحه وقصّاده، ومن علقت به آماله، وسمت إليه همتُه لسوء الحال، ويكلّفهم الأماني الرّذْلة. وقد مدح أبا المغيث، فقال: اسقِ الرعية من بشاشتك التي ... لو أنها ماء لكان مَسوسا إن البشاشة والندى خيرٌ لهم ... من عفة جمَسَت عليك جُموسا لو أنّ أسباب العَفافِ بلا تُقًى ... نفعت لقد نفعتْ إذاً إبليسا فليتَ شعري عنه لو أراد هجوه، وقصد الغضّ منه، هل كان يزيد على أن يذم عفّته، ويصفها بالجموس والجمود، وهما من صفات البرد والثقل، ثم يختم الأمر بأن يضرب له إبليس مثلاً، ويقيمه بإزائه كُفُواً، هذا وهو يقول في مثل ذلك غير مادح، وبحيث يحتمل الاتساع ولا يضيق التصرف: عجباً لعمري أنّ وجهَك مُعرِض ... عنّي وأنت بوجهِ نفعِك مقبلُ

стр. 75

أوَلا ترى أن الطلاقة جُنّة ... من سوء ما تجني الظنونُ ومعقِل ومودة مطويةٌ منشورة ... فيها الى إنجاحها متعلل إن يُعطِ وجهاً كاسفاً من تحته ... كرم وطيبُ خليقةٍ لا تدخل فلرُبّ ساريةِ الغمام مطيرة ... جادت بوابلها وما تتهلل على أنه قد تحامل بقوله: إن يعط وجهاً كاسفاً، وبقوله في مثله: ليس يدري إلا اللطيفُ الخبير ... أي شيء تُطوي عليه الصّدورُ فتطلّق مع العناية إنّ الْ ... بشْر في أكثر الأمور بشيرُ إنما البشرُ روضةٌ فإذا كا ... ن ببذْل فروضةٌ وغدير فتكلم بما تجَمْجِم فالمن ... طقُ عنوان ما يجنّ الضمير فيتوصّل الى مراده أحسن ما توصل، ويعبّر عن ذات نفسه بألطف عبارة؛ وقوله: شكوت الى الزمان نحولَ جسمي ... فأرشدني الى عبدِ الحميد وإنما يُرشَد في نحول الجسم الى الأطباء، فأما الرؤساء والممدوحون فإنما يُلتَمس عندهم صلاحُ الأحوال؛ وقوله: تكادُ عطاياه يجنّ جُنونها ... إذا لم يعوّذْها بنغمةِ طالبِ

стр. 76

وما بالها يحوجها الى الجنون، ويلتمس لها العُوذ والرُقى، هلاّ فاكّ أسرها، وقدم خلاصها، ولم ينتظر بها نغمة الطالب، ففعل ما قاله أبو الطيب: وعطاءُ مالٍ لو عداهُ طالبٌ ... أنفقتَه في أن تلاقي طالِبا وقد تداول الناس هذا المعنى، فقال مسلم: أخ ليَ يعطيني إذا ما سألتُه ... ولو لم أعرِّضْ بالسؤال ابتَدانِيا وقال أبو العتاهية: وإنا إذا ما تركنا السؤال ... فلم نبغ نائلَه يبتَدينا وإن نحن لم نبغ معروفَه ... فمعروفُه أبداً يبتَغينا وقال أبو تمام: فأضحَتْ عطاياه نوازعَ شُرّدا ... تسائِل في الآفاق عن كلّ سائل وقوله: ورأيتَني وسألتَ نفسك سيْبَها ... لي ثم جدتَ وما انتظرتَ سؤال وقد زاد أبو الطيب عليهم بقوله: أنفقته في أن تُلاقي طالب وقوله: قلْتاً من الرّيق ناقعَالذّوب إلْ ... لا أن برْد الأكباد في جمدِهْ

стр. 77

فقد سلك مفسّرو هذا البيت غير طريق، وقالوا فيه غير قول، فلم يزيدوا على تأكيد المحال بالمحال، وإضافة الخطأ الى الخطأ، وما معنى جمد الريق؟ وكيف يكون برد الأكباد في جامده دون ذائبه! وقد أعطاك أن ذوبه ناقع مرّ، وهل بعد الري برد الأكباد! وبقوله: ألذّ من الماء الزُلال على الظما ... وأطرف من مَرِّ الشمال ببغْداد فجعل الشمال طرفه ببغداد، وهي أكثرُ الرياح بها هبوباً. وقد رواه بعض الرواة أظرف؛ ولا أعرف معنى الظرف في الريح؛ وقوله: ورحبَ صدْرٍ لو أنّ الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلدُ وهذا المعنى فاسد؛ لأنه جعل البلادَ إنما تضيق بأهلها لضيق الأرض، وأنها لو اتسعت اتساعَ صدره لم تضِق البلاد. ونحن نعلم أن البلاد لم تخطط في الأصل على قدر سعةِ الأرض وضيقها، وأن الأرض تتّسع لبلاد كثيرة، ولاتّساع ما فيها من المدن أيضاً، وهي على حالها؛ وإنما تؤَسس وتبتدئ على قدر الحاجة إليها؛ فإذا استمر بها الزمان وكثرت العمارة، وظهر فيها ما يستدعي الناسَ إليها ضاقت، فإن جاورَتْها فُسَح وعِراص وسّعت، وإلا احتمل لها بعض الضيق؛ فلو اتسعت الأرض حتى امتدّت إلى غير نهاية وأمكن ذلك لم تزد البلاد التي تنشأ فيها على مقاديرها. وقوله: سبعون شهراً كلها في كلِّه ... لي عائقٌ عن منزلي وبلادي

стр. 78

فجعل للكل كلاً، كما جعل للدهر دهراً في قوله: تحمّلتُ ما لو حُمِّل الدهرُ شطرَه ... لفكّر دهراً أي عبأَيْه أثقَلُ وقوله: رقيقُ حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفّيك ما ماريتَ في أنه بُردُ والبُرد لا يوصف بالرِّقة، وإنما يوصف بالصفاقة والدّقة. وقد أقام الرقة مقام اللطف والرشاقة في موضعٍ آخر، فقال: لك قدٌ أرقّ من أن يحاكي ... بقضيبٍ في النّعتِ أو بكثيبِ والقد لا يوصف بالرقة. وقوله: لآلٍ إذا مرّت على السمع ناسبَتْ ... لدقّة معنى نظمِها لؤلؤَ العِقْد ومناسبة اللآلئ في دقة النظم لا يُفتخَر بها، ولا يجعل ما يناسبه في ذلك لآل؛ وإنما يشبه باللآلئ في الصفا والرونق والحسن، وقد يكون من سقط الخرز وصغاره ما هو أدقّ نظماً من اللؤلؤ؛ وقد تنظِم الأعراب تيجانها من حبّ الحنظَل، وهو أدقّ نظماً من كل جوهر نفيس، وإنما أراد ذِكر السبب الذي أفاده شبه اللؤلؤ فزلّ عنه. وقوله: من الهيف لو أن الخلاخلَ صُيِّرت ... لها وشحاً جالت عليها الخلاخِلُ

стр. 79

أراد وصفها بدقّة الخصر، فوصفها بغاية القصر والضئولة؛ لأن الوشاح يؤخذ من العاتق ويوشح إحدى طرفيه الصّدْر والبطن، والآخر الظهر، حتى ينتهيا الى الكشح ويلتقيا على الوِرك. وكيف حالُ من يجول الخلخال من عاتقها وكشحها، وهل تكون هذه من البشَر فضلاً عن أن تُنسَب الى الحُسن! وقوله: يَدي لمن شاء رهْنٌ لم يذُق جرَعاً ... من راحتيك درَى ما الصّابُ والعسَل فحذف عمدة الكلام، وأخلّ بالنظم؛ وإنما أراد يدي لمن شاء رهن إن كان لم يذق. فحذف إن كان من الكلام، فأفسد الترتيب، وأحال الكلام عن وجهه. وقوله: حلّتْ محلّ البِكْر من مُعطًى وقد ... زُفّت من المعطي زِفافَ الأيِّم فجعل الأيّم مقابل البِكر في التقسيم، والأيّم قد تكون بِكراً؛ وإنما هي التي لا زوج لها، يقال: آمت المرأة تئيم أيْمة. وكذلك الرجل إذا ماتت امرأته؛ وإنما لأهل اللغة قولان: أحدهما أن المرأة قد تكون أيِّماً إذا لم يكن لها زوج؛ وإن لم تكن نكِحت قطّ. والثاني أنها لا تكون أيِّماً إلا وقد نُكِحت، ثم خلَت بموت أو طلاق؛ بِكراً كانت أو غير بكر، بنَى عليها الزوج أو لم يبْنِ. ويقال: تأيّمت المرأة؛ إذا لم تُنكح بعد موت زوجها. فأما قول النبي ﷺ : الأيّم أحق بنفسها من وليّها، والبِكر تُستأذن في نفسها. فقد ذهب العراقيون فيه على ظاهر اللغة؛ فجعلوا الأيّم عاماً في الثّيّب والبكر، وجعلوا اللفظة الثانية مفردة بحكم، وداخلة من الثانية في حكمها، وأبى أصحابُنا ذلك؛ فذهب الشافعي الى أن المراد بالأيّم الثيّب، وليس يُحفظ عنه، ولا يوجد في شيء من كتبه أن الأيّم والثيّب في اللغة عبارتان عن معنى واحد، فيجد العائب طريقاً الى عيبه، ولكنه لُطف في الفكر فتوصل به الى استخراج ما غمض على غيره؛

стр. 80

وذلك أنه رأى الخبر تضمّن ذكر الأيّم والبكر، ووجد البكر معطوفاً على الأيّم؛ وكان ظاهر الخطاب وحقيقة اللغة يقتضي تغايرَ المعطوف والمعطوف عليه. ومن الظاهر عند أهل اللسان أن الشيء لا يُعطَف على نفسه؛ هذا هو الأصل المطّرد، فإن وُجد في الكلام ما يخرج عنه، وأُصيب ما يخالف هذه القضية فزائل عن الظاهر تابع لدليله؛ كما يوجد عموم يُخَصّ، وأمر يحمل على النّدْب، وخبرٌ يراد به الأمر؛ فلا يُترك له موضوعات الأصول ولا يُعترض به على حقائق اللغة. وكما لا يُعطف بالشيء على نفسه؛ فكذلك لا يُعطف به على جملة هو بعضُها؛ لأنه يكون معطوفاً به على نفسه وعلى شيء آخر معه. ولو قال قائل من أهل اللغة، موثوق بسداده: جاءني عمرو وأكرمني أبو زيد؛ لوجب أن يكون أحدُهما غير الآخر في مقتضى الظاهر؛ وكذلك لو قال: وجدت عبد الله عاقلاً وأبا محمد فاضلاً لكان المعقول منهما تغايرهما، وإن أمكن أن يكون المسمى هو المكنى. فلما تقرّر عنده الأصل، ووجد الأدلة تقوده إليه فصَل بين المعطوف والمعطوف عليه، فجعل الأيّم غير البِكْر؛ وليس غير الأبكار إلا الثُيَّب. وليس يعترض هذا قولُ من يزعم أنه إقرار بالعدول عن الظاهر، ومفارقة الحقيقة، فقد سلم للمخالف ورفعت المنازعة في هذه الدلالة؛ لأنا نقول: إن في الخبر ظاهرين متقابلين؛ أحدهما حقيقة الأيّم وهو انطلاقُها على كل خالية من حُرمة النكاح، والثاني ظاهر العطف ووجوب تميّز المعطوف عليه، فلما تقابل هذان الظاهران، ولم يكن من رفْض أحدهما بدّ اتّبع المتعارف، واستسلم لعادة الخطاب؛ وعادة الاستعمال في اللغات مقدمة على حقائقها، وهي أولى بالظاهر من أصولها. وأما أنا فأرى ظاهرَ الترتيب من ظاهر الألفاظ المنفردة، وإن كان من أصحابنا من يخالفني فيه.

стр. 81

وفي الإفصاح بما أشرت إليه، وتبيين ما أجملته كلامٌ يتسع، ولا يتصل بالغرض الذي قصدناه، وإنما نبذْت منه نُبذاً اقتضاها فصلٌ أصبته لبعض من اعترض على أبي تمام، جمع فيه بينه وبين الشافعي في النكير، ووازن بين قولهما في الخطأ، ولم أستحسن ما يتسرع إليه أصحابنا من التصريح بمخالفة اللغة، والتشبّث بالشواذ المردودة، ووجدت المعنى الذي ذكرته مستقيماً على اللغة والمعقول، وكالمصرّح به في لفظه؛ فأومأت إليه.

стр. 82

شعر المتنبي ثم أعود الى نسق الكتاب وأكتفي بما قدّمته من هفوات أبي تمام وإن كان ما أغفلته أضعاف ما أثبتّه؛ إذ البغْية فيه الاعتذار لأبي الطيب، لا النّعي على أبي تمام. وإنما خصَصْتُ أبا نُواس وأبا تمام لأجمع لك بين سيّدي المطبوعين، وإمامَي أهل الصنعة، وأريك أن فضلَهما لم يحمِهما من زلل، وإحسانهما لم يصفُ من كدَر؛ فإن أنصفتَ فلك فيهما عبرة ومَقنع، وإن لججت فما تُغْني الآياتُ والنّذر عن قومٍ لا يؤمنون. وقد رأيتك - وفقك الله - لما احتفلت وتعمّلت، وجمعت أعوانك واحتشدت، وتصفّحت هذا الديوان حرفاً حرفاً، واستعرضته بيتاً بيتاً، وقلّبته ظَهراً وبطْناً، لم تزد على أحرف تلقّطَتها، وألفاظ تمحّلَتها، ادّعيت في بعضها الغلط واللحن، وفي أخرى الاختلال والإحالة، ووصفت بعضاً بالتّعسّف والغثاثة، وبعضاً بالضّعف والركاكة، وبعضاً بالتعدي في الاستعارة؛ ثم تعدّيت بهذه السمة الى جملة شعره، فأسقطت القصيدة من أجل البيت، ونفيت الديوان لأجل القصيدة، وعجّلت بالحُكم قبل استيفاء الحجة، وأبرمت القضاء قبل امتحان الشهادة، فعبت قوله: فتًى ألفُ جُزء رأيُه في زمانه ... وما قَلّ جُزء بعضُه الرأي أجمَعُ وقوله: ومن جاهل بي وهْو يجهَل جهلَه ... ويجهلُ عِلمي أنه بيَ جاهِلُ وقوله:

стр. 83

فقلْقَلت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقِلَ عيسٍ كلهنّ قلاقِلُ غثاثةُ عيشي أن تغثّ كرامتي ... وليس بغثٍّ أن تغثّ المآكلُ وقوله: لك الخيرُ غيري رامَ من غيرك الغِنى ... وغيري بغيرِ اللاذقيّة لاحِقُ وقوله: عظُمتَ فلمّا لم تكلّم مهابَةً ... تواضعْتَ وهْو العُظمُ عُظماً عنِ العُظم وقوله: ولستَ بدونٍ يُرتجى الغيثُ دونه ... ولا مُنتهى الجود الذي خلْفَه خلْفُ ولا واحداً في ذا الوَرى من جماعةٍ ... ولا البعضُ من كلٍّ ولكنّك الضِّعفُ ولا الضِّعفُ حتى يتبَع الضِّعفَ ضِعفُه ... ولا ضِعفَ ضِعفِ الضّعفِ بل مثلَه ألفُ وقوله: قَبيلٌ أنت أنتَ وأنت منهُمْ ... وجدُّك بِشرٌ الملكُ الهُمامُ

стр. 84

وقوله: كيف ترْثي التي ترى كلّ جفْن ... رَءَاها غير جفنِها غيرَ راقي وقلت: مازلنا نتعجب من قول مسلم بن الوليد: سُلّت وسَلّت ثم سَلّ سليلُها ... فأتى سَليلُ سَليلها مسلولا حتى جاء المتنبي، فملأ ديوانه من هذا الجنس، فأنسانا بيت مسلم. وقوله: أبا شُجاعٍ بفارِسٍ عضُدَ ال ... دولة فنّاً خُسْرو شَهَنْشاها وقوله: رِواقُ العِزّ فوقَك مسبطِرٌ ... ومُلكُ عليّ ابنِك في كَمالِ يعلِّلُها نَطاسيّ الشّكايا ... وواحدُها نِطاسي المَعالي وليست كالإناثِ ولا اللواتي ... تُعدّ لها القُبور من الحِجال ولا مَن في جِنازتِها تِجار ... يكون وَداعُها نفْضَ النِّعال وقوله:

стр. 85

أوْهِ من انْ لا أرى محاسنها ... وأصْلُ واهاً وأوْهِ مرْآها وقوله: كيف يقْوى بكفِّك الزّندُ والآ ... فاقُ فيها كالكفّ في الآفاقِ أنت فيه وكان كلّ زمانٍ ... يشتهي بعْضَ ذا على الخلاّقِ وقوله: مَبيتي من دِمِشْقَ على فِراش ... حشاهُ لي بحرِّ حشاي حاشِ وقوله: وربّما يشهدُ الطّعام معي ... من لا يُساوي الخبزَ الذي أكلَهْ وقوله: إني على شغَفي بما في خُمْرِها ... لأعِفُّ عما في سراويلاتِها وقوله: لا خلْقَ أسمَحُ منك إلا عارِفٌ ... بك رَاءَ نفسَك لم يقُل لك هاتِها وقوله:

стр. 86

لساني وعيني والفؤاد وهمّتي ... أودّ اللواتي ذا اسمُها منك والشّطر وما أنا وحدي قلتُ ذا الشِّعر كلّه ... ولكن لشِعري فيك من نفسِه شعرُ وقوله: وشيخٌ في الشباب وليس شيخاً ... يسمّى كلّ مَن بلغَ المشيبا وقوله: قَسا فالأُسْدُ تفزَع من يدَيْهِ ... ورقّ فنحنُ نفزَعُ أنْ يَذوبا وقوله: وسيفي لأنْتَ السّيفُ لا ما تسُلّه ... لضرْبٍ ومما السّيفُ منه لكَ الغِمدُ وقوله: أيفطِمه التّوْرابُ قبل فِطامه ... ويأكله قبلَ البلوغ الى الأكلِ وقوله: إذا ما لبِستَ الدّهرَ مستمتعاً به ... تخرّقْت والملبوسُ لم يتخرّق وقوله:

стр. 87

أغرّكُمُ طولُ الجيوشِ وعرضُها ... عليٌّ شَروب للجيوشِ أكولُ إذا لم تكنْ للّيث إلا فريسةً ... غذاهُ فلم ينفَعْك أنّك فيلُ إذا الطّعنُ لم تُدخِلك فيه شجاعة ... هي الطّعن لم يُدخِلك فيه عذولُ إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولةٍ ... ففي الناس بوقاتٌ لها وطُبولُ وقوله: فكلّكم أتى مأتَى أبيه ... فكلّ فِعالِ كلِّكُمُ عُجابُ وقوله: مُلِثَّ القَطر أعطِشها رُبوعا ... وإلا فاسْقِها السمَّ النّقيعا أسائلُها عنِ المتديّريها ... فلا تدري ولا تُذري دُموعا إذا ماستْ رأيتَ لها ارتِجاجاً ... له لولا سواعدُها نُزوعا تألّم درْزَه والدّرزُ ليْنٌ ... كما تتألمُ العضْب الصّنيعا ذراعاها عدُوّا دُمْلُجَيها ... يظنّ ضجيعُها الزّنْدَ الضّجيعا

стр. 88

أحبّكِ أو يقولوا جرَّ نمْلٌ ... ثَبيراً أو ابنُ إبراهيمَ ريعا أمُنسيّ الكناسَ وحضْرَ موتاً ... ووالدتي وكِندةَ والسّبيعا وقوله: جوادٌ سمَت في الخير والشّر كفُّه ... سُموّاً أودّ الدهرَ أنّ اسمَه كفّ وُقوفَين في وقْفَين: شُكْرٍ ونائلٍ ... فناثِلُه وقْفٌ، وشُكرُهم وقْفُ ولما فقدْنا مثلَه دامَ كشْفُنا ... عليه فدامَ الفقدُ وانكشفَ الكشْفُ وقوله: ولا جلس البحرُ المحيطُ لقاصدٍ ... ومن تحتِه فرْشٌ ومن فوقِه سقْفُ وقوله: رجلٌ طينُه منَ العنبَر الوَرْ ... دِ وطينُ الرّجالِ من صلْصالِ وقوله: إنّما الناسُ حيثُ أنت وما النّا ... سُ بناسٍ في موضعٍ منكَ خالي

стр. 89

وقوله: لا يستَكنُّ الرّعبُ بين ضُلوعِه ... يوماً ولا الإحسانُ أن لا يُحسِنا تتقاصَرُ الأوهامُ عن إدراكِه ... مثلُ الذي الأفلاكُ فيه والدُنا وقوله: ولذا اسمُ أغطيَة العُيون جفونُها ... من أنّها عمَلَ السّيوفِ عوامِلُ وإن كان قد تغلغل الى معنى لطيف أحسن استخراجه لو ساعده اللفظ. وقوله: جفَخَتْ وهُم لا يجْفَخون بهابِهم ... شيَمٌ على الحسَب الأغرِّ دلائلُ وقوله: الطّيبُ أنت إذا أصابَك طيبُه ... والماءُ أنت إذا اغتسلْتَ الغاسِلُ وقوله: فتبيتُ تُسئِدُ مُسئِداً في نيِّها ... إسآدَها في المَهمَه الإنضاءُ وقوله: كُفي أراني ويْكِ لومَك ألوَما ... همٌ أقام على فؤادٍ أنجَما

стр. 90

وقوله: رماني خِساسُ الناس من صائِبِ اسْتِه ... وآخرُ قُطنٌ من يديْه الجنادِلُ وقوله: فلولا تولّي نفسِه حمْلَ حِلمِه ... عنِ الأرضِ لانهدّت وناءَ بها الحِملُ وقوله: أنّى يكونُ أبا البريّة آدمٌ ... وأبوك والثّقَلان أنت محمدُ وقوله: خفِ اللهَ واستُر ذا الجمالَ ببرقُعٍ ... فإنْ لُحتَ حاضتْ في الخدور العواتقُ وقلت: لما أنكر عليه حاضت غيّره فجعله ذابت. وقوله: مُذلُّ الأعزّاءِ المُعزّ وإنْ يئِنْ ... به يُتمُهُم فالموتِم الجابرُ اليُتمِ وقوله: تحرّج عن حقْن الدّماءِ كأنّه ... يرى قتْلَ نفْسٍ ترْك رأسٍ على جِسمِ

стр. 91

أطعناك طوْع الدّهر يا بْنَ ابن يوسُفٍ ... لشهوَتِنا والحاسدُ لك بالرّغْمِ إذا ما ضربْت القِرنَ ثمّ أجَزتَني ... فكِلْ ذهَباً لي مرةً منه بالكَلْمِ فكمْ قائِلٍ لو كان ذا الشخصُ نفسَه ... لكانَ قَراهُ مكْمَنَ العسكر الدّهْمِ وقائلةٍ والأرضَ أعني تعجُّباً ... عليّ امرؤٌ يمشي بوقْري من الحِلم وقوله: وأنّك في ثوبٍ وصدرُك فيكُما ... علَى أنه منْ ساحةِ الأرض أوسَعُ وقلبُك في الدُنيا ولو دخلَت بنا ... وبالجِنّ فيه ما درَتْ كيف ترْجع وقوله: أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيلَتُنا المَنوطةُ بالتّنادِ وقوله: وأبعدَ بُعدَنا بعدَ التّداني ... وقرّب قُربَنا قُربَ البِعادِ

стр. 92

قلت: قد جمع في هذه الأبيات وفي غيرها مما احتذى به حذوَها بين البرد والغثاثة، وبين الثُقل والوخامة، فأبعد الاستعارة، وعوّص اللفظ، وعقّد الكلام، وأساء الترتيب، وبالغ في التكلّف، وزاد على التعمّق؛ حتى خرج الى السّخف في بعض، والى الإحالة في بعض. وقلت: كيف يُعدّ في الفحول المُفلقين من يقول: جمدَتْ نُفوسُهم فلما جئتَها ... أجريْتها وسقيتها الفولاذا فغَدا أسيراً قد بللْت ثيابَه ... بدمٍ وبلّ ببولِه الأفْخاذا أعْجَلت أنفسَهُم بضرْبِ رِقابِهم ... عن قولِهم لا فارسٌ إلا ذا طلبَ الإمارةَ في الثّغورِ وقد نشا ... ما بين كرْخايا الى كلْواذا فكأنّه حسِب الأسنّة حُلوةً ... أو ظنّها البرْنيّ والآزاذا وقوله: بشرٌ تصوّر غايةً في آيةٍ ... ينفي الظّنون ويُفسِد التّقييسا يا مَن نلوذُ منَ الزمان بظِلّه ... أبداً ونطرُد باسمِه إبليسا إني نثرْتُ عليك دُرّاً فانتقِدْ ... كثُر المدلِّسُ فاحذَرِ التّدليسا حجّبتُها عن أهل إنطاكيّة ... وجلوتُها لكَ فاجتليْت عَروسا خيرُ الطّيورِ على القُصور وشرّها ... يأوي الخرابَ ويسكُن النّاووسا

стр. 93

وقوله: ولعلّي مؤمِّلٌ بعض ما أبْ ... لُغُ باللطفِ من عزيزٍ حميدِ لسَريٍّ لباسُه خشِنُ القُطْ ... ن ومَرويُّ مرْوَ لبسُ القُرود وقوله: ألقى الكِرامُ الأولى بادوا مكارمَهم ... على الخصيبيّ عند الفرض والسُننِ فهنّ في الحَجْر منه كلّما عرضَتْ ... له اليَتامى بَدا بالمجدِ والمِنَنِ وقوله: جعلتُك بالقلبِ لي عدّةً ... لأنّك باليدِ لا تُجعَلُ وقوله: ونُصفي الذي يُكنى أبا الحسَن الهَوى ... ونُرضي الذي يُسمَى الإله ولا يُكْنى وقوله: وكلامُ الوُشاةِ ليس على الأحْ ... بابِ سُلطانُهُ على الأضدادِ وقوله:

стр. 94

ليس كلّ السّراة بالرّوذَباريّ ... ولا كلّ ما يطيرُ ببازِ فارسيٌ له من المجد تاجٌ ... كان من جوهرٍ على أبْرَوازِ فكأنّ الفَريدَ والدُرّ واليا ... قوتَ من لفظِه وسامَ الرِّكازِ تقضَمُ الجمْرَ والحديدَ الأعادي ... دونهُ قضْم سُكّر الأهْوازِ وقوله: ونهْبُ نُفوسِ أهل النّهبِ أولَى ... بأهل المجدِ من نهْبِ القُماش ومن قبلِ النّطاح وقبل يأني ... تبينُ لك النّعاجُ من الكِباشِ تُطاعنُ كلّ خيلٍ سرْتَ فيها ... ولو كانوا النّبيطَ على الجِحاش أتى خبَرُ الأمير فقيلَ كرّوا ... فقلت نعم ولو لحِقوا بَشاشِ ويقول: مُستقلٌ لك الديارَ ولو كا ... نَ نُجوماً آجُرُّ هذا البناء ولو أنّ الذي يخِرّ من الأمْ ... واهِ فيها من فِضّة بيضاءِ أنت أعلى محلّةً أن تُهنَّى ... بمكانٍ في الأرض أو في السماءِ ولك الناسُ والبلادُ وما يسْ ... رَح بين الغبراءِ والخضراءِ

стр. 95

يفضحُ الشّمسَ كلما ذرت الشمْ ... سُ بشمْس مُنيرةٍ سوداءِ إنما الجِلدُ ملبسٌ وابيضاضُ النْ ... نَفْسِ خيرٌ من ابيضاضِ القَباءِ ويقول: ما أنصفَ القومُ ضُبَّهْ ... وأمّه الطُّرطُبّهْ رموا برأسِ أبيه ... وناكوا الأمَّ غُلُبّهْ فلا بمن مات فخرٌ ... ولا بمن نيك رغْبَه وإنما قلتُ ما قل ... تُ رحمَةً لا محبَّهْ ما كنت إلا ذُباباً ... نفتكَ عنّا مِذبّه وكنت تنخَر تيهاً ... فصرتَ تضرِط رهْبَه وإنْ بعُدنا قليلاً ... حملْت رُمحاً وحرْبَه ويقول: قد بلغتَ الذي أردت من البرّ ... ومن حقّ ذا الشّريف عليْكا وإذا لم تسِرْ الى الدار في وقْ ... تِك ذا خِفتُ أن تسير إليكا وقلت: وهو أكثر الشعراء استعمالاً لذا التي هي للإشارة، وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلّف، وربما وافقت موضعاً يليقُ بها، فاكتست قبولاً؛ فأما في مثل قوله في هذين البيتين: ومن حق ذا الشريف عليكا؛ وفي وقتك ذا، وقوله:

стр. 96

لو لم تكن من ذا الورى اللّذْ منك هوْ ... عقمَتْ بمولِد نسلِها حوّاء وقوله: عن ذا الذي حُرم الليوثُ كمالَه ... يُنسي الفرسيةَ خوفَه بجمالِه وقوله: وإن بكيْنا له فلا عجبٌ ... ذا الجزْر في البحر غيرُ معهودِ وقوله: ذا الذي أنت جدّه وأبوه ... دِنيةً دون جدّه وأبيه وقوله: أفي كل يومٍ ذا الدُمُستُق مُقدمٌ ... قفاه على الإقدام للوجه لائِمُ وقوله: أبا المِسك ذا الوجهُ الذي كنت تائِقاً ... إليه وذا الوقتُ الذي كنت راجيا وقوله: نحن في أرض فارسٍ في سُرور ... ذا الصّباح الذي بُرَى ميلادُهْ كلما قال نائلٌ: أنا منه ... سرَفٌ، قال آخر: ذا اقتصادُهْ

стр. 97

وقوله: فإن يكنِ المهديّ من بان هديُه ... فهذا وإلا فالهُدى ذا فما المَهدي وقوله: يعلِّلنا هذا الزمان بذا الوعْدِ ... ويخدَع عما في يديه من النّقدِ وقوله: وهذا أوّل الناعين طُراً ... لأولِ ميتَةٍ في ذا الجلالِ وقوله: فإن أتى حظُّها بأزمِنَةٍ ... أوسعَ من ذا الزّمانِ أبداها وقوله: حلفَتْ لذا ذركاتُ غُرة ذا ... في المهد أن لا فاتَهم أملُ فهذا صالح، وقوله: فبعْدَه وإلى ذا اليوم لو ركضتْ ... بالخيلِ في لهَواتِ الطّفلِ ما سَعلا فهو - كما تراه - سخافةً وضعفاً، ولو تصفّحت شعره لوجدت فيه أضعاف ما ذكره من هذه الإشارة؛ وأنت لا تجد منها في عدة دواوين جاهلية حرفاً، والمحدَثون أكثر استعانة بها، لكن في الفَرْط والنّدرة، أو على سبيل الغلط والفلتة.

стр. 98

وقلت: احتملنا له ما قدّمناه على ما فيه من فنون المعايب، وأصناف القبائح؛ كيف يُحتمل له اللفظُ المعقّد، والترتيب المتعسَّف لغير معنى بديع يفي شرفُه وغرابتُه بالتعب في استخراجه، وتقوم فائدة الانتفاع بإزاء التأذي باستماعه، كقوله: وفاؤكُما كالرّبْعِ أشجاهُ طاسِمُه ... بأن تُسعِدا والدّمعُ أشفاه ساجِمُهْ ومن يرى هذه الألفاظ الهائلة، والتعقيد المُفرط، فيشك أن وراءَها كنزاً من الحكمة، وأن في طيّها الغنيمة الباردة؛ حتى إذا فتّشها، وكشف عن سترها، وسهِر ليالي متوالية فيها حصل على أن وفاء كما يا عاذليّ بأن تُسعِداني إذا درس شجاي، وكلما ازداد تدارُساً ازددت له شجْوا؛ كما أن الربع أشجاه دارسُه. فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، ويشح عليها حتى يهلهِل لأجلها النَسْج، ويفسِد النظم، ويفصِل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه، ويقدّم ويؤخّر، ويعمّي ويعوّص! ولو احتمل الوزن ترتيب الكلام على صحته فقيل: وفاؤكما بأن تسعِدا أشجاه طاسِمُه كالربع، أو وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه، لظهر هذا المعنى المضْنون به، المتنافَس فيه؛ فأما قوله: والدمعُ أشفاه ساجمُه فخطاب مستأنَف، وفصلٌ منقطِع عن الأول، وكأنه قال: وفاؤكما والربع أشجاه ما طسم، والدمع أشفاه ما سجَم. وكذلك قوله: أحادٌ أم سُداسٌ في أُحادٍ ... لُييلَتنا المنوطةُ بالتّنادِ

стр. 99

تعرّض فيه لوجوهٍ من الطعن: منها قوله: سُداس، وقد زعموا أنها غير مروية عن العرب، وإنما رُوي أُحاد وثُناء وثُلاث ورُباع وعُشار، وهذه معدولات لا يُتجاوز بها السماع، ولا يسوغ فيها القياس. ومنها أنه أقام أُحاداً وسُداساً مقام واحد وستة؛ والعرب إنما عدلوا به عن واحد واحد، واثنين اثنين، ولذلك لا يقولون للاثنين والثلاثة، هذا ثُناء وهذا ثُلاث؛ وإنما يقولون: جاء القوم أُحاد ومَثنى وثُلاث: أي واحداً واحداً، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة؛ وبذلك نطق القرآن، قال الله تعالى: (قُل إنّما أعِظُكم بواحِدةٍ أن تقوموا للهِ مَثْنى وفُرادَى) . أي اثنين اثنين، وقال تعالى: (فانْكِحوا ما طابَ لكُم من النّساءِ مثْنى وثُلاثَ ورُباع) ، أي اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً. ومنها أنه صغّر الليلة، ثم وصفها بالطّول، ووصلها بالتّنادِ، حتى احتاج الى إطالةِ الاعتذار الى التناول والاستشهاد. وأنت إذا امتحنْت الذي عزاه لم تجد أكثر من أواحِدة ليلتُنا هذه أم ستّ ليال في واحدة وهل يساوي ذلك - وإن عُرض سمْحاً مطاوعاً ووُجد سهلاً مُواتياً - أن يُفتَتح به قصيدة، أو تُعقَد عليه قافية! وما باله خصّ سُداساً، وعُشارٌ أكثر إن أراد التكثير! واجتماع عشر ليالٍ أطول من اجتماع ست. فإن ادعى مُدّع أنه أراد استيفاء ليالي الأسبوع، فجمعها في الست والواحدة، فكملت سبْعاً استدلّ النابهُ على ضعف بصره بالحساب؛ لأن الستّ في الواحدة ستّ، فأين السابعة؟ ولمَ اقتصر على الأسبوع وهو يريدُ المبالغة في الطول؟ وهلا بلغ أقصى ما يحتمله الوزن وأكثر ما يُمكنه النظم! فإن توسّعت في الدعاوى فضلَ توسّع، ومِلتَ مع الحيْف بعض الميل حتى تناولت طائفةً من المختار، فجعلتَه في المنفي، وأخذْت صدْراً من الجيد فجعلته مع الرديء - ولسنا نُنازِعك في هذا الباب - فهو باب يضيق مجالُ الحجةِ فيه، ويصعبُ

стр. 100

وصول البرهان إليه. وإنما مدارُه على استشهاد القرائح الصافية، والطبائع السليمة، التي طالت مُمارستُها للشعر، فحذقَت نقدَه، وأثبتت عياره، وقوِيت على تمييز، وعرفت خلاصه، وأنما نُقابل دعواك بإنكار خصْمك، ونُعارض حُجّتك بإلزام مخالفك إذا صِرنا الى ما جعلتَه من باب الغَلط واللّحْن، ونسبتَه الى الإحالة والمناقضة، فأما، وأنت تقول: هذا غثٌ مستبرَد، وهذا متكلّف متعسّف، فإنما تخبِر عن نُبوِّ النفس عنه، وقلّة ارتياح القلب إليه. والشعر لا يحبَّبُ الى النفوس بالنظر والمحاجّة، ولا يحلّي الصدور بالجِدال والمُقايسة؛ وإنما يعطِفها عليه القبول والطّلاوة، ويقرّبه منها الرونق والحلاوة؛ وقد يكون الشيء متقَناً مُحكماً، ولا يكون حُلواً مقبولاً، ويكون جيداً وثيقاً، وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً. وقد يجدُ الصورة الحسنة والخِلقة التّامة مقلية ممقونة، وأخرى دون مُستحلاة موموقة؛ ولكل صناعة أهلٌ يُرجع إليهم في خصائصها، ويُستَظهر بمعرفتهم عند اشتباه أحوالها. ومما أُنكر أن يكون كثير مما عددته من هذه الأبيات ساقطة عن الاختيار، غير لاحقة بالإحسان، وأن منها ما غلب عليه الضعف، ومنها ما أثر فيه التعسّف؛ ومنها ما خانه السّبك؛ فساء ترتيبه، وأخلّ نظمه. ومنها ما حمل عليه التعمّق؛ فخرج به الى الغَثاثة والبرْد، وإن كان أكثرُها لم يأتِ من قِبَل المعنى وشرفه، وكنا نجد لكل واحد منها مثالاً يحسّنه، وشبيهاً يعضده ويسدده: ولكن الذي أطالبك به وأُلزمك إياه ألا تستعجل بالسيئة قبل الحسنة، ولا تقدّم السُخْط على الرحمة، وإن فعلتَ فلا تُهمِل الإنصاف جملة، وتخرج عن العدْل صِفراً؛ فإن الأديب الفاضل لا يستحسن أن يعقد بالعثرة على الذنب اليسير من لا يحمد منه الإحسان الكثير؛ وليس من شرائط النَّصفة أن تنعى على أبي الطيب بيتاً شذّ، وكلمة ندَرت،

стр. 101

وقصيدةً لم يُسعِده فيها طبعُه؛ ولفظةً قصرت عنها عنايته، وتنسى محاسنَه، وقد ملأت الأسْماع، وروائعه وقد بهرت. ولا من العدل أن تؤخره الهفوةُ المنفردة، ولا تقدمه الفضائل المجتمعة، وأن تحطه الزلةُ العابرة، ولا تنفعه المناقبُ الباهرة. وكيف أسقطته عن طبقات الفحول وأخرجتَه من ديوان المحسنين لهذه الأبيات التي أنكرتَها، ولم تسلّم له قصب السّبْق ونصال النضال، وتُعَنْون باسمه صحيفة الاختيار لقوله: هو الجدّ حتى تفضُل العينُ أختَها ... وحتى يكون اليومُ لليوم سيّدا وما قتل الأحْرار كالعفْو عنهُم ... ومن لك بالحُرّ الذي يحفَظُ اليَدا إذا أنت أكرَمت الكريمَ ملكتَه ... وإن أنت أكرمْتَ اللئيم تمرّدا أزِل حسَد الحُسّادِ عنّي بكبتِهم ... فأنت الذي صيّرتَهم ليَ حُسَّدا وما أنا إلا سمهريٌّ حملتَه ... فزيّن معروضاً وراع مُسدَّدا أجِزْني إذا أُنشِدْت شِعراً فإنّما ... بشِعري أتاكَ المادِحون مرَدَّدا ودعْ كلَّ صوتٍ دون صوتي فإنّني ... أنا الصائحُ المَحكيُّ والآخرُ الصّدَى تركتُ السُرى خلفي لمَن قلّ مالُه ... وأنعلْتُ أفراسي بنُعماكَ عسْجَدا

стр. 102

وقيّدتُ نفسي في ذَراك محبّةً ... ومن وجدَ الإحسانَ قيْداً تقيّدا إذا سأل الإنسانُ أيامه الغِنى ... وكُنتَ على بُعدٍ جعلتك موعِدا وقوله: وأطمعَ عامرَ البُقيا عليهمْ ... ونزّقها احتمالُك والوقارُ وكانت بالتّوقّف عن رَداها ... نُفوساً في رَداها تُستشارُ وكنت السّيفَ قائمهُ إليها ... وفي الأعْداء حدُّك والغِرار وظلّ الطّعنُ في الخيْلَين خَلساً ... كأنّ الموتَ بينهمُ اختصارُ مضوْا مُتسابقي الأعضاء فيه ... لأرؤسِهمْ بأرجُلِهم عِثار إذا صرفَ النهارُ الضّوءَ عنهم ... دَجا ليلان: ليلٌ والغُبار وإن جُنحُ الظلامِ انجابَ عنهمْ ... أضاءَ المشرفيّة والنهارُ إذا فاتوا الرِّماح تناولتْهم ... بأرماحٍ من العطشِ القِفارُ يرون الموتَ قُدّاماً وخلْفاً ... فيختارون والموتُ اضطِرارُ إذا سلك السّماوةَ غير هادٍ ... فقتْلاهُمْ لعينيْهِ منارُ فمن طلب الطِّعان فذا عليٌ ... وخيلُ الله والأسَلُ الحِرارُ

стр. 103

يراه الناسُ حيثُ رأتْه كعْبٌ ... بأرضٍ ما لنازِلها استِتارُ بنو كعْبٍ وما أثّرْتَ فيهم ... يدٌ لم يُدْمِها إلا السِّوارُ بها من قطْعه ألمٌ ونقْصٌ ... وفيها من جلالَتِه افتِخارُ لهم حقٌ بشِركِك في نِزارٍ ... وأدنى الشِّرْكِ في نسبٍ جِوارُ لعلّ بنيهُمُ لبَنيكَ جُندٌ ... فأوّل قُرَّحِ الخيلِ المِهارُ وقوله: نزَلوا في مصارِعٍ عرفوها ... يندُبون الأعمام والأخوالا تحمِلُ الريح بينهم شعَرَ الها ... مِ وتُذري عليهمُ الأوصالا تُنذِر الجسمَ أن يُقيم لديْها ... وتُريه لكلّ عُضْو مِثالا أبصَروا الطّعْن في القُلوب دِراكا ... قبل أن يُبصِروا الرّماح خَيالا ينفُض الرّوْعُ أيدِياً ليس تدري ... أسُيوفاً حملْن أم أغْلالا وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ ... طلب الطّعْنَ وحْدَه والنِّزالا إنّ دون التي على الدّرْب والأحْ ... دَبِ والنّهرِ مِخلَطاً مِزْيالا غَصَبَ الدّهرَ والمُلوكَ عليها ... وبَناها في وجْنةِ الدّهرِ خالا

стр. 104

إنما أنفُسُ الأنيس سِباعٌ ... يتفارسْن جهْرةً واغتِيالا من أطاقَ التِماس شيءٍ غِلاباً ... واغتِصاباً لم يلتمِسْهُ سؤالا وقوله: قادَ الجيادَ الى الطِّعان ولم يقُدْ ... إلا الى العادات والأوطانِ إن خُليَتْ رُبطَتْ بآدابِ الوغى ... فدعاؤها يُغني عن الأرْسانِ في جحْفَل ستَر العيونَ غُبارُه ... فكأنّما يُبصِرْن بالآذانِ يرْمي بها البلدَ البعيد مظفّرٌ ... كلُّ العبيد له قريبٌ دانِ حتى عبرْن بأرسَناسَ سَوابحاً ... ينشُرنَ فيه عَمائِمَ الفُرسانِ يقمُصنَ في مثل المُدى من باردٍ ... يذَرُ الفُحولَ وهنّ كالخِصيان بحرٌ تعوّد أو يُذمُّ لأهلِه ... من دهْره وطوارِقِ الحِدثانِ فتركتَه وإذا أذَمّ من الوَرى ... راعاكَ واستَثْنى بني حمْدانِ نظروا الى زُبَرِ الحديد كأنما ... يصعدْن بين مناكِبِ العِقْبانِ وفوارِسٍ يُحيي الحِمامُ نفوسَها ... فكأنها ليست من الحيوانِ

стр. 105

مازِلتَ تضربُهم دِراكاً في الذُرى ... ضرْباً كأنّ السيف فيه اثنانِ خصّ الجماجمَ والوجوهَ كأنّما ... جاءتْ إليك جسومُهم بأمانِ وقوله: لو كلّتِ الخيلُ حتى لا تحمّلُه ... تحمّلَتْه الى أعدائه الهِمَمُ يحُبٌ تمرّ بحِصن الرّانِ مُمسكةً ... وما بها البُخلُ لولا أنها نِقمُ وشُزّبٍ أحمت الشِّعرَى شكائمها ... ووسّمتْها على آنافِها الحكَمُ ترمي على شفَراتِ الباتِراتِ بهم ... مكامِنُ الأرض والغيطانُ والأكَمُ وما يصدُّك عن بحرٍ لهم سَعةٌ ... وما يردّك عن طوْدٍ لهم شمَمُ ضربْتَه بصدورِ الخيلِ حاملةً ... قوماً إذا تلِفوا قُدْماً فقد سلِموا وفيها: هنديةٌ إن تصغِّرْ معشَراً صَغُروا ... بحدِّها أو تعظِّمْ معْشَراً عظُموا

стр. 106

قاسَمتَها تلَّ بِطريقٍ فكان لها ... أبطالُها ولك الأطفالُ والحُرَم وقد تمنّوا غَداةَ الدّرْب في لجَبٍ ... أن يُبصروك فلمّا أبصروك عَموا فكان أثبتَ ما فيهم جُسومُهُم ... يسقُطنَ حولكَ والأرواحُ تنهزِمُ إذا توافقتِ الضّرْبات صاعدةً ... توافقتْ قُلَلٌ في الجوّ تصطدِمُ لا يأمَلُ النفَسَ الأقصى لمُهجتِه ... فيسرِق النّفَسَ الأدنى ويغتنِمُ ألقَتْ إليك دِماءُ الرومِ طاعتَها ... فلو دعوْت بلا ضرْبٍ أجابَ دمُ يُسابقُ القتلُ فيهم كلّ حادثة ... فما يُصيبهُم موتٌ ولا هرَمُ ألهى الممالكَ عن فخرٍ قفلْتَ به ... شُرْبُ المُدامةِ والأوتارُ والنّغمُ مقلَّداً فوقَ شُكَّرِ الله ذا شُطَب ... لا تُستَدامُ بأمضى منهما النِّعمُ وقوله: يا أعدلَ الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصمُ والحكمُ إذا رأيت نيوبَ الليثِ بارزةً ... فلا تظنّنّ أن الليثَ يبتسمُ ومهجةٍ مُهجتي من همِّ صاحبِها ... أدركتُها بجوادٍ ظهرُه حرمُ رجلاه في الركضِ رِجْلٌ واليَدان يدٌ ... وفعلُه ما تُريدُ الكفُّ والقدَمُ يا من يعزّ علينا أن نفارقهمْ ... وِجدانُنا كل شيء بعدَكم عدمُ ما كان أخلقَنا منك بتكرِمةٍ ... لو أنّ أمرَكمُ من أمرِنا أمَمُ

стр. 107

إن كان سرّكمُ ما قال حاسِدُنا ... فما لجُرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ وبيننا لو رعيتُم ذاك معرفةٌ ... إنّ المعارِف في أهل النُهى ذمَمُ ما أبعدَ العيبَ والنُقصانَ من شيَمي ... أنا الثُريّا وذانِ الشّيبُ والهرمُ ليتَ الغَمامَ الذي عندي صواعقُه ... يُزيلهنّ الى مَنْ عندَه الدِّيَمُ شرّ البلادِ مكانٌ لا صديقَ به ... وشرّ ما يكسِبُ الإنسان ما يصِمُ وشرّ ما قنصَتْه راحتي قنَصٌ ... شُهْبُ البُزاةِ سواءٌ فيه والرّحَمُ ويقول: الناسُ ما لم يروك أشباه ... والدهرُ لفظٌ وأنت معناهُ والجودُ عينٌ وأنت ناظرها ... والبأس باعٌ وأنت يُمناهُ تُنشدُ أثوابُنا مدائِحَه ... بألسُنٍ ما لهنّ أفواهُ إذا مررنا على الأصمِّ بها ... أغنَتْه عن مِسمَعَيْه عيناهُ يا راحِلاً كلّ من يودِّعُه ... مودِّعٌ دينَه ودُنياهُ إن كان فيما نراه من كرَمٍ ... فيكَ مزيدٌ، فزادَك اللهُ وقوله: وفارسُ الخيل من خفّت فوقّرها ... في الدّرب والدمُ في أعطافِها دُفَعُ

стр. 108

فأوحَدَته وما في قلبِه قلقٌ ... وأغضبتْه وما في لفظِه قذَعُ قاد المقانِبَ أقصى شُربِها نهَلٌ ... على الشّكيم وأدنى سيرِها سرَعُ لا يعتَقي بلدٌ مسراهُ عن بلدٍ ... كاموتِ ليس له ريٌّ ولا شِبعُ يطمِّع الطيرَ فيهم طول أكلِهم ... حتى تكادَ على أحيائِهم تقعُ ذمّ الدُمُستُق عينيه وقد طلعت ... سودُ الغَمام فظنّوا أنها قزَعُ فيها الكُماة التي مفطومُها رجلٌ ... على الجياد التي حوليُّها جذَعُ كأنها تتلقهم لتسلُكهم ... فالطّعن يفتح في الأجواف ما تسُع إذا دعا العِلْجُ عِلجاً حال بينهُما ... أظْمى تُفارِق منه أختَها الضِّلَعُ لا تحسبوا من أسرْتُم كان ذا رمَقٍ ... فليس يأكلُ إلا الميتةَ الضَّبُعُ وإنما عرّض الله الجنودَ بكم ... لكي يكونوا بلا فسْل إذا رجعوا وهل يشينُك وقتٌ أنت فارسُه ... وكان غيرُك فيه العاجزُ الضّرعُ من كان فوق محلِّ الشمسِ موضعُه ... فليس يرفعُه شيءٌ ولا يضعُ لا يُسلمُ الكرّ في الأعقابِ مهجتَه ... إن كان أسلمَها الأصحابُ والشِّيَعُ وما حمِدتُك في هوْلٍ ثبتّ له ... حتى بلوتُك والأبطالُ تمتَصِعُ

стр. 109

فقد يُظنّ شُجاعاً من به خرَقٌ ... وقد يُظنّ جباناً من به زمَعُ وقوله: خليليّ إني لا أرى غير شاعرٍ ... فلِمْ منهمُ الدّعوى ومنّي القصائدُ فلا تعجَبا إن السيوفَ كثيرةٌ ... ولكنّ سيفَ الدولة اليوم واحدُ له من كريم الطبع في الحرب منتضٍ ... ومن عادةِ الإحسانِ والصّفحِ غامدُ ولما رأيتُ الناس دون محلّه ... تيقنت أن الدهر للناس ناقدُ ومن شرفِ الإقدامِ أنّك فيهم ... على القتل موموقٌ كأنّك شاكِدُ وأنّ دماً أجريتَه بك فاخِرٌ ... وأنّ فؤاداً رُعْتَه لكَ حامِدُ وكلٌ يرى طُرْقَ الشجاعة والنّدى ... ولكنّ طبعَ النفس للنّفس قائِدُ نهبْتَ من الأعمار ما لو حويْتَه ... لهُنِّئتِ الدُنيا بأنّك خالدُ وقوله - يرثي عبداً لسيف الدولة: ومن سرّ أهل الأرض ثم بكى أسًى ... بكى بعيونٍ سرّها وقُلوبِ سُبِقنا الى الدنيا فلو عاش أهلُها ... منِعْنا بها من جيئَةٍ وذهوبِ وأوفى حياةِ الغابرين لصاحِبٍ ... حياةُ امرئٍ خانتْه بعد مَشيبِ وفيها: فإن يكنِ العِلقَ النفيسَ فقدتَه ... فمن كفِّ مِتلافٍ أغرّ وَهوبِ كأنّ الرّدى عادٍ على كلّ ماجدٍ ... إذا لم يعوِّذْ مجدَه بعُيوبِ

стр. 110

ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفَلْنا فلم نشعُر له بذُنوبِ تسَلّ بفِكرٍ في أبيك فإنما ... بكيتَ وكان الضّحكُ بعدَ قريبِ وقوله: نزلنا عنِ الأكوارِ نمشي كرامةً ... لمن بان عنهُ أن نُلمّ به ركْبا نذمّ السّحابَ الغرَّ في فعلِها به ... ونُعرِضُ عنها كلّما طلعتْ عتْبا ومن صحِبَ الدُنيا طويلاً تقلّبتْ ... على عينِه حتى يرى صدقَها كِذبا ذكرتُ به وصْلاً كأنْ لم أفُز به ... وعيشاً كأني كنتُ أقطعُه نهْبا وقوله فيها: مضى بعد ما التفّ الرِّماحان ساعةً ... كما يتلقّى الهُدْب في الرّقْدةِ الهُدْبا ولكنه ولّى وللطّعْن سَورةٌ ... إذا ذكرتْها نفسُه لمسَ الجَنْبا أرى كلَّنا يبغي الحياةَ بسعيهِ ... حريصاً عليها مُستَهاماً بها صبّا فحبّ الجبانِ النّفسَ أوردَهُ التُقى ... وحبّ الشُجاعِ النفسَ أوردهُ الحرْبا ويختلف الرّزقانِ والفعلُ واحدٌ ... الى أن يُرى إحسانُ هذا لِذا ذنْبا وفيها: ولم نفترِقْ عنه الإسنّة رحمةً ... ولم يترُكِ الشامَ الأعادي له حُبّا ولكنْ نَفاها عنهُ غيرَ كريمةٍ ... كريمُ الثنا ما سُبّ قطّ ولا سَبّا وجيشٌ يُثنّي كل طوْد كأنّه ... خريقُ رياحٍ واجهتْ غُصُناً رطْبا كأنّ نجومَ الليلِ خافتْ مُغارَه ... فمدّتْ عليه من عجاجتهِ حُجْبا
следующие страницы →