← Адаб

Адаб · id 489

الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره

الجرجاني، أبو الحسن

Полный текст (477 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وهو مثل قوله في كلمة أخرى: إذا ضوءُها لاقى من الطيرِ فَرجةً ... تدوَّرَ فوق البيض مثل الدراهمِ فلو طُرِحت قلوبُ العشقِ فيها ... لما خافت من الحدَقِ الحِسانِ قالت: ألا تصْحو! فقلت لها ... أعلَمتِني أنّ الهوى ثمِلُ فوقَ السماءِ وفوقَ ما طلبوا ... فإذا أرادوا غايةً نزَلوا وما أنا غيرُ سهمٍ في هواء ... يعود ولم تجدْ فيه امتِساكا شُجاعٌ كأنّ الحربَ عاشقَةٌ له ... إذا زارها فدّتهُ بالخيل والرِّجلِ يرْمي النجومَ بعينَيْ من يحاولُها ... كأنها سلَبٌ في عينِ مسلوب رقّت مضاربُه فهنّ كأنما ... يُبدينَ من عشقِ الرّقاب نُحولا

стр. 177

وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ ... فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ وما التيهُ طِبّي فيهمُ غير أنني ... بغيضٌ إليّ الجاهلُ المتعاقِلُ فما تُرجّي النفوسُ من زمنٍ ... أحمَدُ حالَيهِ غيرُ محمودِ وقد وَفينا لك بما اقتضاه شرطُ الضمان وزدنا، وبرئنا إليكَ مما يوجبه عقد الكفالة وأفضلنا، ولم تكن بُغيتنا استيفاءَ الاختيار، واستقصاءَ الانتقاد؛ فيقال: هلا ذكرتَ هذا فهو خير مما ذكرت؛ وكيف أغفلتَ ذاك وهو مقدَّم على ما أثبت! وإنما دعوناك الى المقاصّة، وسِمْناك في ابتداء خطابنا المحاجّة والمحاكمة؛ فلزمنا طريقة العدل فيها، والتقطنا من عُروض الديوان أبياتاً لم نذهب - إن شاء الله - في أكثرها عن جهة الإصابة، فإن وقع في خلاله البيتُ والبيتان فلأنّ الكلام معقود به، والمعنى لا يتمّ بدونه، وما يتقدمه وما يليه مفتقر إليه، أو لغرض لا تعظم الفائدة إلا بذكره، ويضيقُ هذا القدر من الخطاب عن استقصاء شرحه، أو لسهو عارضَ التمييز، وغفْلةٍ لابست الاختيار. وقد جعلنا لك أن تحذف منه ما أحببت؛ وأبحنا لك أن تُسقط ما أردت، فإن الذي يفضل نقدك منه، ويوافقنا رأيك عليه، ينجز وعدك ويبلغ غايتك؛ ويبقى ما وقعت الموافقةُ عليه بيننا وبينك. ثم طالع بقية شعرِه، وتصفّح فضالة ديوانه؛ لتعلم أنا لم نقصد استيعابَ

стр. 178

عيونه، وأخْذ صفوته ولُبابه، وأن فيما غادرنا منه ولم نعرض له ما يمكن فيه محاكمتك، ولا تضعف معه محاجّتك؛ ولعلك إذا رأيت هذا الجدّ في السعي، والعنف في القول تقول: إنما وقفت موقف الحاكم المسدد، وقد صرت خصْماً مجادلاً، وشرعت شروع القاضي المتوسط، ثم أراك حرباً منازعاً؛ فإن خطر ذلك ببالك وحدثتْك به نفسك فأشعِرها الثقة بصدقي، وقرّر عندها إنصافي وعدْلي، واعلم أني رسولٌ مبلّغ، وسامع مؤدّ، وإني كما أناظرك أناظر عنك، وكما أخاصمك أخاصم لك؛ فإن رأيتني جاوزتُ لك موضع حجة فردّني إليها، ونبّهني عليها، فما أبرّئُ نفْسي من الغفْلة، ولا أدّعي السلامة من الخطأ؛ والمدّعي أشد اهتماماً بما يحقق دعواه من المتوسط، وعناية الخصم بشهوده أتمّ من عناية الحاكم. وأعود الى نسَق الكلام الأول فأقول: ورأيتك وأصحابك أنحيْتم في منازعة خصمكم على الدّعاء السّرَق؛ فقال قائلكم: ما يسلَم له بيت، ولا يخلص من معانيه معنى؛ وما هو إلا ليث مُغير، أو سارق مُختلِس، وأنشد منشدكم قول أبي تمام: مَن بنو بحْدَل من ابن الحُباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب إذا الضيغمُ الهصورُ أبو الأشْ ... بالِ رِئْبالُ كل خيس وغابِ من عدَتْ خيلُه على سرح شعري ... وهو للحين راتعٌ في كتابي غارة أسخنت عيونَ المعالي ... واستحلّت محارمَ الآداب

стр. 179

يا عَذارى الكلام صِرتُنّ من بعْ ... دي سبايا تُبَعْنَ في الأعراب وقلت: إنما عمد الى شعر أبي تمام فغيّر ألفاظه، وأبدل نظمه؛ فأما المعاني فهي تلك بأعيانها؛ أو ما سرقه من غيرها، فإن اعتمد على قريحته، وحصل على فكره وخاطره، جاء بمثل قوله: إن كان لا يُدْعى الفَتى إلا كذا ... رجُلاً فسمِّ الناسَ طُرّاً إصْبَعا ومثل قوله: أيا أسداً في جسمِه روحُ ضيْغَمٍ ... وكم أُسُدٍ أرواحُهُنّ كِلابُ جرى الخُلْفُ إلا فيك أنّك واحدٌ ... وأنّك ليثٌ والملوك ذئابُ وأنك إن قويِسْتَ صحّفَ كاتب ... ذئاباً ولم يُخطئْ فقال ذُبابُ ومثل قوله: لو كان صادفَ رأسَ عازرَ سيفُه ... في يوم معركةٍ لأعْيا عيسَى أو كان لُجُّ البحرِ مثلَ بمينِه ... ما انشَقّ حتى جاز فيه موسَى أو كان للنّيران ضوءُ جبينِه ... عُبدَتْ فكان العالَمون مَجوسا فأعيته المعاني، حتى التجأ الى استصغار الأنبياء ﵈. وقوله: لم تُسْمَ يا هارون إلا بعد ما اقْ ... ترَعْتَ ونازعَتِ اسمكَ الأسماءُ فغدوْتَ واسمُك فيك غيرُ مُشارَكٍ ... والناسُ فيما يديْك سواءُ

стр. 180

وقوله: فخُذا ماءَ رِجلِه وانْضَحا في الْ ... مُدْنِ تأمَنْ بوائقَ الزّلْزالِ رجُلٌ طينُه منَ العنبَر الورْ ... دِ وطينُ الرّجالِ من صلْصالِ وبقيّاتُ طينِه لاقتِ الما ... دَ فصارتْ عُذوبةً في الزُّلالِ فهذا مقدارُ اختراعه، وهذه طريقةُ ابتداعه، فإن زاد عليه وتجاوزه قليلاً اضطرّ الى تعقيد اللفظ، وفساد الترتيب، واضطراب النّسْج؛ فصار خيرُه لا يفي بشرّه، وجُرْمه يزيدُ على عُذره؛ ثم لم يظفر فيه بمعنى شريف؛ وإنما هو الإفراط والإغراق والمبالغة والإحالة كقوله: لوْ طابَ مولدُ كلّ حيٍّ مثلَه ... ولدَ النّساءُ وما لهنّ قوابِلُ ولِمَ يُستغنى بطيب المولد عن القابلة؟ وإذا استُغني عنها كان ماذا؟ وأي فخْر فيه؟ وأي شرف يناله؟ وقوله: لمن مالٌ تمزّقُه العطايا ... ويشْرَكُ في رغائِبِه الأنامُ ولا ندعوكَ صاحبَهُ فترْضَى ... لأنّ بصُحبةٍ يجبُ الذِّمامُ لما وقع له المعنى الذي يُقارب الحسن ضعُفَ عن تحسين لفظه؛ فجاء كما ترى. وقوله: لم تحْكِ نائِلَكَ السّحابُ وإنما ... حُمّتْ به فصَبيبُها الرُحَضاءُ

стр. 181

هل زاد على أن جعل السحاب يحمّ فأفرط؛ كما جعل أبو تمام الدهر يصرع في قوله: خطوبٌ كأنّ الدهرَ منهن يُصرَعُ وجعل بشّار الزمانَ يموقُ في قوله: وما أنا إلا كالزّمان فإن صَحا ... صحوْتُ وإن ماقَ الزّمانُ أموقُ وقوله: فإن مارَيتَني فارْكَب حصاناً ... ومثِّلْهُ تخِرَّ له صَريعا وهذا المعنى عامي، وكذلك قوله: وكلّ مكانٍ أتاه الفتى ... على قدَر الرِّجل فيه الخُطا وقوله: لوِ الفلَكَ الدّوارَ أبغضْتَ سعيَهُ ... لعوّقَه شيءٌ عن الدّورانِ وهذا البيت من قلائده، إلا أنك تعلم ما في قوله شيء من الضعف الذي يجتنبه الفحول، ولا يرضاه النقّاد. وهو وأشباه هذا مما لم نُرد استقصاءَه؛ وإنما دللْناك على منهاجه، وأريناك بابَه، وقد قدّمنا ما استرذلنا من شعرِه.

стр. 182

وإنما تجدُ له المعنى الذي لم يسبقه الشعراءُ إليا إذا دقق، فخرج عن رسْم الشعر الى طريق الفلسفة، فقال: ولَجُدْتَ حتى كِدْتَ تبخَلُ حائِلاً ... للمنتهَى ومن السرورِ بُكاءُ وقال: إلْفُ هذا الهواءِ أوقعَ في الأنْ ... فُس أنّ الحِمامَ مُرُّ المذاقِ والأسى قبلَ فُرقةِ الرّوح عجْزٌ ... والأسى لا يكونُ بعد الفِراقِ وقوله: تخالفَ الناسُ حتى لا اتّفاق لهم ... إلا على شجَبٍ والخُلْفُ في الشّجَبِ فقيلَ تخْلُصُ نفسُ المرءِ سالمةً ... وقيل تشرَكُ جسمَ المرء في العطبِ وقوله: خلفَتْ صِفاتُك في العيون كلامَه ... كالخطّ يملأُ مِسمَعَي مَنْ أبصرا

стр. 183

السرقات الشعرية قد أنصفناك في الاستيفاءلك، والتبليغ عنك، ولسنا نُنكِر كثيراً مما قلتَه، ولا نردّ اليسير مما ادّعيته، غير أن لخصمك حُجَجاً تُقابل حُجَجك، ومقالاً لا يقصّر عن مقالك. وزعم خصمُك أنك وأصحابك وكثيراً منكم لا يعرف من السَّرَق إلا اسمَه، فإن تجاوزه حصل على ظاهره، ووقف عند أوائله؛ فإن استُثبتَ فيه، وكُشِف عنه، وُجد عارياً من معرفة واضحهِ، فضلاً عن غامضه، وبعيداً من جليه، قبل الوصول الى مُشكله؛ وهذا باب لا ينهض به إلا الناقد البصير، والعالم المبرِّز. وليس كل من تعرّض له أدركه استوفاه واستكمله. ولستَ تعدّ من جهابذة الكلام، ونُقّاد الشعر، حتى تميّز بين أصنافه وأقسامِه، وتحيط علماً برُتَبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصْب، وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة، وتفرِق بين المشترك الذي لا يجوز ادّعاء السّرَق فيه، والمبتذل الذي ليس أحدٌ أولى به، وبين المختصّ الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه، فصار المعتدي مُختلساً سارقاً، والمشارِك له محتذياً تابعاً، وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه: أُخذ ونقل، والكلمة التي يصح أن يقال فيها: هي لفلان دون فلان. فمتى نظرت فرأيت أن تشبيه الحسَن بالشمس والبدر، والجواد بالغيث والبحر، والبليد البطيء بالحجر والحمار، والشجاع الماضي بالسيف والنار، والصبّ المستهام بالمخبول في حيرته، والسليم في سَهره، والسقيم في أنينه وتألّمه، أمور متقررة في النفوس، متصورة في العقول، يشتركُ فيها الناطق والأبكم، والفصيح والأعجم،

стр. 184

والشعر والمفحَم، حكمتَ بأن السرقة عنها مُنتَفية، والأخذ بالاتباع مستحيل ممتنع، وفصلتَ بين ما يشبه هذا ويباينُه، وما يلحق به وما يتميز عنه، ثم اعتبرت ما يصح فيه الاختراع والابتداع؛ فوجدتَ منه مستفيضاً مُتداوَلاً متناقلاً لا يعدّ في عصرنا مسروقاً، ولا يُحسَب مأخوذاً، وإن كان الأصل فيه لمن انفرد به، وأوّله للذي سبق إليه؛ كتشبيه الطّلل المُحيل بالخطّ الدارس وبالبُرد النّهج والوشْم في المِعصم، والظُعُنِ المتحمّلة بالنّخل، وعلائقها بأعذاق البُسْر، والفحل بالفَدَن المَشيد، والظّليم المهيج بأحقَب يسوقُ أُتنه، وكوصف الحمول ومَوران الآلِ بها، وذم الغراب، والصُرَد، والسانح، والبارح، وسؤال المنزل عن أهله، والتفجّع لمن استبدل بعد ساكنه، ولومِ النفس على بُكاء الدار، واستعطاف العقل واستبطاء الصبر، وتحسينه تارة وتقبيحه أخرى، وتشبيه الفرس باللّقوَة، والظّبي بشهاب قُذُف، والعقاب بالدّلو التي خانها الرّشاء، وكوصف الغيثِ بالعموم والتطبيق، واقتِلاع الدوح، وتفريق الوحش، وتشبيه دفْعه بعَطّ المَزاد، وحلّ العزالي

стр. 185

ووصف البرق بخطْف الأبصار، وسرعة اللّمح، وأنه كالقَبَس من النار، وكالحريق المتضرّم، وكمصباح الراهب. ولم أرد هذه بأعيانها دون غيره، ولم أوردها إلا دلائل على أمثالها؛ فإذا اعتبرتَها تصنّفت لك صنفين: إما مشترك عامّ الشّركة، لا ينفرد أحد منه بسَهم لا يُساهَم عليه، ولا يختص بقسم لا يُنازَع فيه؛ فإن حُسن الشمس والقمر، ومضاء السيف، وبلادة الحمار، وجوْد الغيث، وحيرة المخبول، ونحو ذلك مقرر في البداية، وهو مركّب في النّفس تركيبَ الخِلقة. وصنْفٌ سبق المتقدّم إليه ففاز به، ثم تدوول بعده فكثُر واستُعمل؛ فصار كالأول في الجلاء والاستشهاد، والاستفاضة على ألسُن الشعراء، فحمى نفسه عن السَّرق، وأزال عن صاحبه مذمّة الأخذ، كما يُشاهد ذلك في تمثل الطّلل بالكتاب والبُرد، والفتاة بالغزال في جيدها وعينيها، والمَهاة في حُسنها وصفائها. ومتى شئتَ أن ترى ما وصفتُه عِياناً، وتعلمه يقيناً فاعترض أوّل عامي غُفْل تستقبله، وأعجمي جِلف تلقاه، ثم سلْه عن البرق فإنه يؤدي الى معنى قول عنترة: ألا يا ما لذا البرْقِ اليَماني ... يُضيءُ كأنّه مِصباحُ بانِ وإن لم يذكر لك البان لجهله بعادة العرب في الاستصباح به، ولأنه لم يعرف منه ما عرفه عنترة، ومعنى امرئ القيس في قوله: يُضيءُ سناه أو مصابيحُ راهبٍ ... أمالَ السّليطَ بالذُبال المفتّل

стр. 186

وهيهات أن يعرضَ لك الأديب الفطِن لقول عامر الثقفي: كأن ريِّقه لما علا سَبطاً ... أقرابُ أبلق ينفي الخيلَ رمّاح وقول آخر: وترى البرقَ عارضاً مُستطيراً ... مرَح البُلق جُلنَ في الأجلال إلا عن روية كثيرة، أو فكر طويل، ولو سمعتَ قائلاً يقول إن فلاناً الشاعر أخذ عن فلان قوله: لا مرحباً بالشيب، وحبّذا الشباب! وكيف لو عاد، ويا أسفي لفراق الأحبة! وما لذذت العيش بعدهم، وفاضت عيني صبابةً لذِكرهم. لحكمت بجهله، ولم تشك في غفلته. وقد يكون في هذا الباب ما تتّسعُ له أمة، وتضيق عنه أخرى، ويسبق إليه قوم دون قوم؛ لعادة أو عهد، أو مشاهدة أو مِراس؛ كتشبيه العرب الفتاة الحسناء بتريكة النّعامة، ولعل في الأمم من لم يرَها؛ وحمرةَ الخدود بالورد والتفاح؛ وكثيرٌ من الأعراب لم يعرفهما؛ وكأوصاف الفلاة، وفي الناس من لم يُصْحِر؛ وسيرَ الإبل؛ وكثير منهم لم يركب. وقد يتفاضل متنازعو هذه المعاني بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر؛ فتشترك الجماعة في الشيء المتداوَل، وينفردُ أحدهم بلفظة تُستعذب، أو ترتيب يُستحسَن، أو تأكد يوضع موضعه، أو زيادة اهتدى لها دون غيره؛ فيريك المشترَك المبتذل في صورة المبتدَع المخترع، كما قال لبيد:

стр. 187

وجَلا السّيولُ عن الطّلولِ كأنها ... زبُرٌ تجِدّ متونَها أقلامُها فأدى إليك المعنى الذي تداولته الشعراء، قال امرؤ القيس: لمَن طللٌ أبصرتُه فشجاني ... كخطّ زَبورٍ في عسيبِ يماني وقال حاتم: أتعرِفُ أطلالاً ونؤياً مهدّما ... كخطّك في رقٍّ كتاباً مُنَمنَما وقال الهذلي: عرفتُ الديار كرسْم الكتا ... بِ يزْبُره الكاتب الحِميَري وأمثال ذلك مما لا يحصى كثرة، ولا يخفى شُهرة، وبين بيت لبيد وبينهما ما تراه من الفضل، وله عليه ما تشاهد من الزيادة والشِّف. ولم تزَل العامّة والخاصة تشبّه الوردَ بالخدود، والخدود بالورد، نثراً ونظماً، وتقول فيه الشعراء فتُكثِر، وهو من الباب الذي لا يمكن ادّعاء السّرقة فيه إلا بتناول زيادة تُضمّ إليه، أو معنى يُشفَع به، كقول علي بن الجهم: عشيةَ حيّاني بوردٍ كأنه ... خدودٌ أُضيفت بعضُهن الى بعض فأضاف بعضهم الى بعض له، وإن أُخذ فمنه يُؤخذ، وإليه ينسب. وكقول ابن المعتز: بياضٌ في جوانبه احمرارٌ ... كما احمرّت من الخجل الخدودُ

стр. 188

والخَجِل إنما يحمر وجنتاه، فأما منبت الأصداغ ومخطّ العِذار فقليلاً ما يحمران؛ فهذا التمييز مسلّم له، وإن لم يكن يسبق إليه، ولو اتفق له أن يقول: حمرة في جوانبها بياض، لكان قد طبّق المفصِل، وأصاب الغرَض، ووافق شبَه الخجل؛ لكن أراد أن البياض والحمرة يجتمعان، فجعل الاحمرار في جوانب البياض، فراغ عن موقع التشبيه. ثم قال أبو سعيد المخزومي: والوردُ فيه كأنما أوراقُه ... نزِعت وردّ مكانهن خدود فلم يزد على ذلك التشبيه المجرّد، لكنه كساه هذا اللفظَ الرشيق، فصرت إذا قستَه الى غيره وجدتَ المعنى واحداً، ثم أحسست في نفسك عنده هِزّة، ووجدت طرْبَة تعلم لها أنه انفردَ بفضيلة لم يُنازع فيها. ومتى جاءت السرقةُ هذا المجيء، لم تعدّ مع المعايب، ولم تُحْص في جملة المثالب وكان صاحبها بالتفضيل أحق، وبالمدح والتزكية أولى. ومن ذا يشكّ في فضل امرئ القيس يشبّه الناقة في سرعتها بتَيس الظباء في عدوه بقوله: أو تيس أظبٍ ببطن واد ... يعدو وقد أُفرِد الغزالُ على كل ما قيل فيه، والمعنى واحد؛ لكن امرأ القيس زاد في إفراد الغزال، وهذه زيادة حسنة؛ لأنه إذا أُفرد اجتمع للتيس الخوف والوَلَه؛ فكان أشدّ لعدْوه، وإن امرأ القيس زاد في قوله يصف الطعنة: كجيْبِ الدِّفْنِس الوَرْها ... ءَ ريْعَت وهي تستَفْلي

стр. 189

على كل من شبّها بجيْب الحمقاء، وجيب الفتاة، لأنها إذا ريعَت وهي تستفلي عجلت عن الرّفق. وقال أوس بن حجَر: وفي صدرِه مثلُ جيب الفتا ... ة تشهق حيناً وحيناً تهِرّْ فزاد بالتقسيم الجاري على الشهيق والهَرير، ولكن زيادة الأول أحسن وأغمَض مأخذاً، وأوقع تشبيهاً، فأما الفِنْد فإنه أورد البيت على حاله: واضطرته القافية الى ترك الزيادة التي ذكرناها؛ فقال: كجيْبِ الدفْنِس الورْها ... ء ريعَت بعد إجفالِ ومتى سمعت قول أبي دهْبل الجُمَحي: وكيف أنساك! لا أيديك واحدة ... عندي ولا بالذي أوْلَيت من قِدَم علمتَ أنه من قول النابغة: أبى غفلتي أني إذا ما ذكرتُه ... تقطّع حزنٌ في حشى الجوف داخِل وأنّ تلادي إنْ نظَرت وشِكّتي ... ومُهْري وما ضمّت إليّ الأناملُ حِباؤُك والعيسُ العِتاقُ كأنها ... هِجان المها تُرْدى عليها الرحائل فإذا أنصفت أبا دهبل عرفت فضلَه، وشهدتَ له بالإحسان؛ لأنه جمع هذا الكلام الطويل: في ولا أيديك واحدة عندي. ثم أضاف إليه ولا بالذي أوليت من قدَم. فتم المعنى، وأكده أحسن تأكيد؛ لأن الأمور العظيمة قد تُنسي إذا طال أمدُها، وتقادَم عهدُها؛ فنفى عنه وجوه النسيان كلها، وقد اختصر

стр. 190

النابغة أبياته هذه في بيتٍ من كلمة أخرى؛ فقال: وما أغفلتُ شكرَك فانتصحني ... فكيف ومن عطائِك جلُّ مالي فأحسن وزاد على أبي دهبل بأن جعل كُلّ ماله من عطائه. واقتصر أبو دهبل على تتابع الأيادي، وقد تصْغُر وقد تكثُر، لكنه انفرد بالمصراع الثاني، فحصل له زيادة لا تقصر عن معنى منفرد. وما أبعد ما وقع العطَوي من أبي دهبَل؛ إذ أخذ قولابن مُناذر قال الأصمعي: ابن مَناذر جمع مُنذر. قال القاضي؛ وهو أعرف به لأنه بصري؛ فقال: تراضَيْنا بحكمِ الله فينا ... لنا أدبٌ وللثّقَفيّ مالُ ففرّقه في أربعة أبيات، بيتُ ابن مناذر خيرٌ من جميعها؛ فقال: رضينا بحُكمِ الله بين عباده ... رِضا عُلَماء لا تسخُّط جُهّال لئن خصّ قوماً بالنباهة والغِنى ... وألبسَنا ثوبَيْ خمول وإقلالِ لقد جاء بالعِلم النفيس الذي به ... رُشِدْنا فلم نلبس ملابسَ ضُلاّلِ فلو سُمتَنا لم نُعطِ علماً بثروة ... ولم نرَ للتمييز كُفْواً منَالمالِ وما ضرّ قول المتنبي: فاستعارَ الحديدُ لوناً وألقى ... لونَه في ذوائبِ الأطفالِ وإن كان مأخوذاً من قول العامة: هذا أمر يشيب الطفل. وكانتِ الشعراء قد تداولتْه وابتذلته حتى أخلق ورثّ، وقد زاد فيه الزيادة المليحة، وإنما العيبُ على أبي

стр. 191

الجويرية. العبدي إذ أخذ قول نُصَيب، فقال: قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل وَدّانَ طالبُ فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنت أهلُه ... ولو سكتوا أثنت عليكَ الحقائبُ فنقل معناه وكثيراً من ألفاظه، ثم يقعُ من إحسانه أحسن موقع فيقول: أقول لقافلين يُرى عليهمْ ... عطايا منك ليس لها حِساب قِفوا أُخبرْكمُ وتُخبّروني ... قليلاً واسّرابُ له اختِباب لأفصِحَهم وما كفروك حُسْنا ... ولو فعلوا لكذّبه العِياب وقد أخذ أبو الجُوَيرية بيتي الخنساء أحسن مأخذ، وجمعهما في بيت استوفى فيه معنييهما. قال الخنساء: وما بلَغت كفُّ امرئٍ متناول ... من المجد إلا والذي فيك أطوَلُ وما بلغ المُهدون نحوك مِدحَة ... وإن أطنَبوا إلا وما فيك أفضلُ فقال أبو الجُويرية: يزيد على سرْوِالرجال بسرْوِه ... ويقصر عنه قولُ مَنْ يتمدّح وعلى من يأخذ قول أبي العطاء: جلّتْ رزيّتُه فعمّ مُصابها ... فالناسُ فيه كلّهم مأجور

стр. 192

فيقول: ولقد أصاب غليلُها مَنْ لم يُصَب ... وتصيّرَت فقْداً لمن لم يفْقِد وبين الكلامين في صحّة النظم وعذوبة المنطق ما تراه. ثم قد كرر المعنى في المصراعين، ولم يزد على قول أبي العطاء: فعم مصابه، وبقية البيت فضل. ومن يأخذ قول ساعدة بن جؤية: للمشرفيّة وقعٌ في قِلالِهم ... نخْتَ القُيون رِطاب الأثْل بالقُدُم فيقول: للمشرفيّة وقعٌ في قِلالهم ... وقْع القَدوم بكفّ القيْن في الخشبِ فيبدل تلك الألفاظ، والبيت نقلاً ونسخاً على هيئته لما كان هذا المعنى يُعدّ مسروقاً؛ لأنه من المبتذَل العامي المشاهَد في كل حال. ومتى أحكمتَ هذا الباب حقّ الإحكام، وأوليتَه حسنَ التمييز فقد ألقيت عن نفسك ثقلاً، وكفيتها مؤونة، ولم يبقَ عليك إلا أن تحترس من التفريط، كما احترستَ من الإفراط. فلا تكن كمن يرى السّرَق لا يتمّ إلا باجتماع اللفظ والمعنى، ونقْل البيت جملة، والمصراع تامّاً؛ بل لا يعرِفُ السارق إلا من يفعل فِعل عبد الله بن الزبير بأبيات معن بن أوس. حكى أبو عبيدة وغيره أن عبد الله بن الزبير دخل على معاوية فأنشده لنفسه: إذا أنت لم تُنصِف أخاك وجدتَه ... على طرَفِ الهِجران إن كان يعقِل ويركبُ حدّ السيفِ من أن تَضيمه ... إذا لم يكن عن شفرَةِ السيفِ مزحَلُ فقال له معاوية: لقد شعرت بعدي يا أبا بكر! ولم يفارق عبد الله المجلس حتى دخل معنُ بن أوس المزني، فأنشده كلمته التي أولها:

стр. 193

لعمرُك ما أدري وإني لأوجَلُ ... على أيِّنا تعْدو المنيةُ أولُ حتى أتى عليها، وهذه الأبيات فيها. فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير فقال: ألم تخبرني أنها لك؟ فقال: المعنى لي واللفظ له؛ وبعدُ فهو أخي من الرضاع وأنا أحق الناس بشعره. وكفعل جرير بقول سُويد بن كراع العُكلي: وما بات قومٌ ضامِنينَ لنا دماً ... فنوفيها إلا دماءٌ شوافِعُ فإنه نقل البيتَ الى قصيدة له، فلما أنشدها نبه عليه عمر بن نجاء التيمي، وكان أحد الأسباب التي هاجت الشر بينهما. وفِعل الفرزدق إذ سمع جميلاً ينشد: ترى الناسَ ما سِرْنا يسيرون خلْفنا ... وإن نحنُ أومأنا الى الناس وقّفوا فقال: أنا أحق بهذا البيت، فأخذه غصباً. وكما ادعى دِعبِل على أبي تمام في كلمته الرائية، التي رثى بها محمد بن حميد؛ فإنه زعم أن أبا مكنف المُزني، من ولد زهير بن أبي سلمى رثى ذُفافة العبْسي، فقال: أبعد أبي العباس يُستعتب الدهرُ ... وما بعده للدهرِ عُتبى ولا عُذر ألا أيها الناعي ذُفافةَ والنّدى ... تعِستَ وشلّت من أناملِك العشْر إذا ما أبو العباس خلّى مكانه ... فما حملَت أنثى ولا مسّها طُهر ولا مطَرت أرضاً سماءٌ ولا جرَت ... نجومٌ ولا لذّت لشاربها الخمرُ كأنّ بني القَعْقاع بعد وفاتِه ... نجومُ سماء خرّ من بينها البدرُ

стр. 194

توفّيت الآمال بعد ذُفافةٍ ... وأصبح في شُغلٍ عن السّفر السّفْر يعزَّوْن عن ثاوٍ تعزّى به العُلا ... ويبكي عليه البأسُ والمجدُ والشعرُ وما كان إلا مالَ من قلّ مالُه ... وذخراً لمن أمسى وليس له ذُخر فأخذ أبو تمام أكثر هذه القصيدة وجعل مكان بني القعقاع بني نبهان وأبدل باسم ذُفافة محمداً. أو كما فعل أبو نُخيْلة بأرجوزة العجّاج: زعم أبو عبيدة عن أبي الخطاب أن أبا نُخيلة قال: وفدتُ على مسلمة بن عبد الملك وقد مدحته فأكرمني وأنزلني، ثم قال لي: ما لكَ والقصيد وأنتَ من بني سعد! عليك بالرجز! فقلت: أولستُ بأرجز العرب؟ فقال: أسمعني، فأنشدته: يا صاحِ ما شاقَك من رسْم خالِ ... ودمنةٍ تعرفُها وأطلالِ وهو من قول العجّاج، فلما سمع أولها أصاخ، فلما أسهبتُ فيها قال: أمسك. فنحن أروى لهذا منك، وظننته مقتَني، فما أصبت منه خيراً. وكما أخذ زُهير بيت أوس: إذا أنت لم تعرِض عن الجهل والخنا ... أصبتَ حليماً أو أصابكَ جاهلُ وهو مرويٌ في قصيدته. وكقول المعلوط: إن الظائنَ يومَ حزمِ عُنيزةٍ ... بكّيْن عند فراقهنّ عُيونا غيّضْن من عبَراتِهنّ وقلنَ لي ... ما لقيتَ من الهوى ولقينا وقال جرير: إن الذين غدَوا بلبّك غادروا ... وشَلاً بعينك ما يزال مَعينا

стр. 195

غيّضنَ من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيتَ من الهوى ولَقينا ولا تعدّ المعنى مأخوذاً حتى يجيء مجيء قول النابغة: لو أنها عرضَت لأشْمَطَ راهبٍ ... عبَد الإلهَ صَرورةٍ متعبِّدِ وقول ربيعة بن مقروم: لو أنها عرضَتْ لأشمَط راهبٍ ... عبَد الإلهَ صَرورةٍ متبتِّل وقول امرئ القيس: كأني لم أركَب جَواداً للذّةٍ ... ولم أتبطّنْ كاعِباً ذاتَ خَلخالِ ولم أسْبأ الزِّقَّ الرّوي ولم أقل ... لخيْلي كُرّي كرّةً بعد إجفالِ وقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي: كأني لم أركبْ جَواداً ولم أقل ... لخيليكُرّي نفّسي عن رِجاليا ولم أسبأ الزّق الرويّ ولم أقل ... لأيْسارِ صدْقٍ عظِّموا ضوْءَ نارِيا وقول النابغة: وما كان دون الخير لو جاء سالماً ... أبو حجر إلا ليالٍ قلائل

стр. 196

وقول الحطيئة: وما كان بيني لو لقيتُك سالماً ... وبين الغِنى إلا ليالٍ قلائل وقال مالك بن الرّيب: العبد يُقرَع بالعصا ... والحرّ يكفيه الوعيدْ وقول يزيد بن ربيعة بن مفرِّغ: العبدُ يُقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامَهْ وقال آخر بعدهما: العبدُ يُقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الإشارَهْ وقول ذي الرُمّة: يطرحْن بالدّويّةِ الأمْلاس ... لكلّ ذئب قفرَة ولاّس موتى العظام حيّةَ الأنفاس وقول رؤبة: يطرَحْن بالدّوّيّة الأغفالِ ... كلّ جنين لفق السِّرْبال حتى الشّهيق ميّتِ الأوصال

стр. 197

وقول امرئ القيس بن عابس: قِفِ الدّيار وقوفَ حابسْ ... وتأنّ إنك غير آيسْ ماذا عليك من الوقو ... ف بهامدِ الطّللين دارِسْ لعبَت بهن العاصفات الرا ... ئحات من الرّوائسْ وقول الكميت: قف بالديار وقوفَ زائرْ ... وتأنّ إنك غيرُ صاغرْ ماذا عليك من الوقو ... ف بهامد الطّللين داثِرْ درجت عليك الغاديات الرّا ... ئحات من الأعاصرْ ومثل قول الأُقيْشر - إن كانت له: جريْتُ مع الصِّبا طلْقَ العتيقِ ... وهانَ عليّ مأثورُ الفسوقِ وجدْتُ ألذّ عاريةِ الليالي ... قرانَ النّغمِ بالوتَرِ الخَفوقِ ومُسمعةً إذا ما شئت غنّت ... متى نزل الأحبّة بالعقيق تمتّعْ من شباب ليس يبقى ... وِصلْ بعُرَى الصّبوح عُرى الغَبوقِ وقول أبي نواس: جريتُ مع الصّبا طلْق الجُموح ... وهان عليّ مأثورُ القبيحِ وجدْت ألذّ عاريةِ اللّيالي ... قِران النّغمِ بالوتَرِ الفصيحِ ومُسمعةً إذا ما شئتُ غنّت ... متى كان الخيامُ بذي طُلوحِ

стр. 198

تمتّع من شبابٍ ليس يبقى ... وصل بعُرى الغبوق عُرى الصّبوح وأنا أرتابُ بأبيات الأقيشر؛ فإنها لا تُشبه شعرَه، ولم أرها في ديوانه. وقول الرّاعي: فتًى يشتري حُسنَ الثناءِ بماله ... إذا ما اشترى المَخزاةَ بالمال بيْهَسُ وقال الأبيرِد: فتى يشتري حسن الثناء بماله ... إذا السّنةُ الشّهباءُ أعوزَها القطْرُ وقول أبي نواس: فتىً يشتري حسنَ الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور وقول محمد بن وهْب: هل الدّهر إلا غمرةٌ وانجلاؤها ... وشيكاً ولا ضيقةٌ تتفرّج وقول البحتري: هل الدهرُ إلا غمرة ثم ينجَلي ... عَماها وإلا ضيقةٌ وانفِراجُها وقول حزْن بن جَناب المِنقريّ: وما المرءُ إلا حيث يجعلُ نفسَه ... ففي صالح الأخلاق نفسَك فاجعَلِ

стр. 199

وقول حُريث أبو اللّحّام: وما المرءُ إلا حيث يجعل نفسَه ... فأبصِر بعينيك امرأً حيث يعمد وقال مالك بن الريب: يقولون لا تبعَد وهم يدفنونني ... وليس مكانُ البُعد إلا مكانيا وقول هُدبة بن الخشْرم: يقولون لا تبعَد وهم يدفنونني ... وليس مكان البُعد إلا ضرائحي وقول العباس بن المطلب: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدارُ بالدار التي كنت تعلمُ وقول الفرزدق: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدارُ بالدار التي كنت تعرفُ وقول نافذ بن عُطارد: وإني لأعطي المال مَن ليس سائلاً ... ومن لم يكن يوماً ليُعطيني سُؤلي وقول الأصلع بن قصّاب: وإني لأعطي المال من ليس سائلاً ... وأُعرِض عن بادي الشّذاةِ مُليم

стр. 200

وقول المخضّع العبْدي: ومن يقترف خُلقاً سوى خُلقِ نفسه ... يدعْه وترجِعه إليه الرّواجع وقول الأعور الشّنّي: ومن يقترف خُلقاً سوى خُلق نفسه ... يدَعْه ويغْلبه على النّفس خيمُها وقول والبة: يا شقيقَ النّفس من أسَد ... نمتَ عن ليلى ولم أكدِ وقول أبي نواس: يا شَقيق النّفس من حكَمٍ ... نمتَ عن ليلى ولم أنم وقول حاتم: وإني لعفُّ الفقْر مشترَكُ الغِنى ... وتاركُ شكلٍ لا يوافقُه شكلي وقول جرير: وإني لعفّ الفقرِ مشتركُ الغِنى ... سريعٌ إذا لم أرضَ داري احتماليا وأشبه ذلك مما جمع اتفاق الألفاظ، وتساوي المعاني، وتماثُل الأوزن.

стр. 201

وأول ما يلزمُك في هذا الباب ألا تُقصِر السّرقة على ما ظهر ودعا الى نفسه دون ما كمَن، ونضح عن صاحبه؛ وألا يكون همّك في تتبّع الأبيات المتشابهة، والمعاني المتناسخة طلب الألفاظ والظواهر دون الأغراض والمقاصد، ولن تُكمِل ذلك حتى تعرفَ تناسب قول لبيد: وما المالُ والأهلونَ إلا ودائع ... ولا بدّ يوماً أن تردّ الودائعُ وقول الأفوه الأوْدي: وإنما نِعمةُ قومٍ متعةٌ ... وحياةُ المرءِ ثوبٌ مُستعارُ وإن كان هذا ذكر الحياة، وذلك ذكر المال والولد، وكان أحدُهما جُعل وديعة، والآخر عارية، وتعلم أنّ قول الشاعر: وما المرءُ إلا حيث يجعلُ نفسه هو من قول الآخر: فنفسَك أكرِمها فإنّك إن تهُن ... عليك فلن تلْقى لها الدهرَ مُكرِما وحتى تتأمل هذه الأبيات فتعرف انتسابَ بعضِها الى بعض، واتصال كلّ واحد منها بصاحبه، مع افتِنان مذاهبهما، واختلاف مواقعهما، كقول زهير: وليس لمنْ لم يركب الهوْلَ بُغية ... وليس لمن قد حطّه الله حاملُ وقول حاتم: إذا أوطنَ القومُ البيوتَ وجدتَهم ... عُماةً عن الأخبار خُرْقَ المكاسبِ

стр. 202

وقول الآخر: خاطرْ بنفسك كي تصيبَ غنيمةً ... إن القعودَ مع العيالِ قبيح وقول الآخر: ومن يكُ مثلي ذا عيال ومُقتِراً ... من المالِ يطرحْ نفسَه كلّ مطْرَحِ وقال غيره - ويقال لسهم بن حنظلة: اعْصِ العواذلَ وارمِ الليل عن عرَض ... بذي سبيب يُقاسي لَيلَه خَببا حتى تصادِفَ مالاً أو يُقالَ فتًى ... لاقى الذي شعَب الفِتيان فانْشعَبا وقول هبيرة بن عبد مناف: إذا المرُ لم يغْشَ الكريهةَ أوشكَتْ ... حبالُ الهوينى بالفتى أن تقطّعا وقول أبي تمام: ذَريني وأهوال الزمان أعانِها ... فأهوالُه العظمى تليها رغائبُه وتعلم أن زهيراً جمع في قوله: وليس لمن لم يركب الهولَ بُغية ما بسطه هؤلاء، وأن أبا تمام زاد بأن حقق درك البُغية، وحصول المراد لا محالة؛ واقتصر زهير على التأميل؛ فلأبي تمام فضيلة التأكيد، وأن الغرض الحث على تجشّم الأهوال في الطلب، فكلما ازداد الكلامُ تأكيداً كان أبلغ. ولزهير مزيّة الصدق؛ لأن الأملَ مقرون بهذه الحال، والبغية مطلوبة؛ فأما الظفرُ الذي حكم به

стр. 203

أبو تمام فقد يكون، وقد يُقتَطع الطالب دونه، ويُحال بينه وبينه. وألطف من هذا التناسب، وأغمض مأخذاً ما تجده بين هذه الأبيات إذا حذفتَ عنك اعتبار أمثلتها، وأقبلت على صريح معانيها: قال بعض العرب: يهاب العديدَ الدُهْم من حيث لا يُرى ... ويخشى شَذاةَ العِزّ والعزّ غائبُ وقال أبو هفّان: أنا السيفُ يُخشى حدّه قبل هزّه ... فكيف وقد هُزّ الحُسامُ المهنّدُ وقول البحتري: ويخشى شَذاهُ وهو غيرُ مسلّط ... وقد يُتوقّى السيفُ والسيفُ في الغمدِ وقول المتنبي: تُهاب سُيوفُ الهند وهيَ حدائدُ ... فكيف إذا كان نزاريةً عُرْبا ويُرهبُ نابُ الليثِ والليثُ وحدَه ... فكيف إذا كان الليوثُ له صَحْبا ويُخشى عُباب البحرِ وهو مكانه ... فكيف بمنْ يغْشى البلادَ إذا عبّا معنى هذه الأبيات الثلاثة واحد، وإن اختلفت المعارض والأمثلة. وكاختلافها واتفاق أغراضها قول الطُفيل الغنَوي:

стр. 204

نجومُ سماءٍ كلّما انقضّ كوكبٌ ... بدا وانجلَت عنه الدُجنّة كوكبُ وقول أبي الطّمَحان القيْني: نجوم سماء كلّما غارَ كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكِبُه وقال أوس: إذا مُقرَم منّا ذَرا حدُّ نابه ... تخمّط منا نابُ آخرَ مُقرَم وقال الخُرَيمي: إذا قمرٌ منا تغوّر أو خَبا ... بدا قمرٌ في جانب الأفْق يلمعُ وقال أبو تمام: رأيتهُم ريشَ الجناح إذا مضت ... قوادمُ منه بشّرت بقوادِم وحتى لا يغرَّك من البيتين المتشابهين أن يكون أحدُهما نسيباً، والآخر مديحاً، وأن يكون هذا هجاءً، وذاك افتخاراً؛ فإن الشاعر الحاذق إذا علِق المعنى المختَلس عدَل به عن نوعه وصِنفه وعن وزنه ونظمه، وعن روّيه وقافيته، فإذا مرّ بالغبيّ الغُفْل وجدهما أجنبيين متباعدين، وإذا تأملهما الفَطِن الذكي عرف قرابةَ ما بينهما، والوصْلَة التي تجمعهما، قال كثيّر:

стр. 205

أريد لأنْسى ذكرَها فكأنما ... تمثّلُ لي ليلي بكلّ سبيل وقال أبو نواس: ملك تصوّر في القلوب مثالُه ... فكأنه لم يخْلُ منه مكان فلم يشكّ عالمٌ في أن أحدهما من الآخر، وإن كان الأول نسيباً والثاني مديحاً. وقال أبو نواس: خُليتَ والحُسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتَخِب فاكْتسَتْ منه طرائفَه ... واستزادت فضلَ ... وقال عبد الله بن مُصعَب: كأنك جئت مُحتكِماً عليهم ... تخيّرُ في الأبوّة ما تشاءُ فأحدُ البيتين هو الآخر في المعنى، وإن كان أحدُهما يتخيّر الحسن والآخر الأبوة، وإنما هما من قول بشار: خُلِقْتُ على ما فيّ غيرَ مخيّرٍ ... هواي ولو خيِّرتُ كنتُ المهذّبا ثم تناوله أبو تمام، فأخفاه فقال: ولو صورتَ نفسكَ لم تزِدْها ... على ما فيك من كرَمِ الطِّباعِ

стр. 206

وقد أخذ أبو نواس قول جرير: بعثن الهوَى ثم ارتمَيْن قُلوبَنا ... بأسهُم أعداءٍ وهنّ صديقُ فقال: إذا امتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشّفتْ ... له عن عدوٍّ في ثيابِ صديقِ وأخذ أيضاً قول أبي خِراش الهُذَلي: ولم أدرِ من ألقى عليه رِداءَه ... على أنه قد سُلّ من ماجدٍ محْض فقال - يصف شَرْباً: ولم أدرِ منه غير ما شهدت به ... بشرقيّ ساباط الدّيار البَسابِس فلم يخْفَ موضع لأخذ؛ وإن كان قد نقل الغزَل الى الزّهد، والمرثيّة الى المنادمة. ومن لطيف السّرَق ما جاء به على وجه القلب، وقصد به النقض، كقول المتنبي: أأحبّه وأحبّ فيه ملامةً ... إنّ الملامةَ فيه من أعدائه إنما نقض قول أبي الشُيص: أجد الملامةَ في هواكِ لذيذةً ... حبّاً لذكرِكِ فليَلُمْني اللّوَّمُ

стр. 207

وأصله لأبي نواس في قوله: إذا غاديتني بصَبوح عذلٍ ... فممزوجاً بتسميةِ الحبيبِ فإني لا أعُدَّ اللوم فيه ... عليكِ إذا فعلتِ من الذّنوب وقول المتنبي: والجِراحاتُ عندَه نغَماتٌ ... سبقَتْ قبل سَيْبه بسؤالِ إنما ناقض به أبا تمام في قوله: ونغمةُ مُعتفٍ جدْواه أحلى ... على أذنَيْه من نغمِ السَّماعِ وقد تبعه البحتري؛ فقال: نشْوان يطربُ للسؤال كأنما ... غنّاه مالك طيئ أو معبَد وقول المتنبي: أنت نقيضُ اسمِه إذا اختلفَتْ ... قواضِبُ البيض والقَنا الذُبُل إنما هو نقيض قول أبي نواس: عباسُ عباسٌ إذا احْتدَم الوغى ... والفضلُ فضلٌ والرّبيعُ ربيعُ وقول ابن أبي طاهر:

стр. 208

يشترك العالَمُ في ذمّه ... لكنني أمدحه وحْدي إنما هو عكس قول أبي تمام: كريمٌ متى أمدحْه أمدحْه والورى ... معي وإذا ما لمتُه لمتُه وحْدي وهذا بابٌ يحتاج الى إنعام الفِكر، وشدّةِ البحث، وحسن النظر، والتحرّز من الإقدام قبل التبيّن، والحكم إلا بعد الثقة. وقد يغمُض حتى يخفى، وقد يذهب منه الواضح الجلي على من لم يكن مرتاضاً بالصناعة، متدرّبا بالنقد؛ وقد تحمِل العصبيةُ فيه العالِمَ على دفع العِيان، وجحْدِ المشاهدة، فلا يزيد على التعرّض للفضيحة، والاشتهار بالجَوْر والتحامل!

стр. 209

ادعاء السرقة في شعر البحتري وأبي نواس وأبي تمام ومتى طالعتَ ما أخرجه أحمد بن أبي طاهر وأحمد بن عمار من سرقات أبي تمام، وتتبّعه بِشْر بن يحيى على البُحتري، ومهلهل بن يموت على أبي نواس عرف قُبح آثار الهَوى، وازداد الإنصاف في عينك حسناً. زعم مهلهل أن قول أبي نواس: إليك أبا العبّاس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحضرَميّ المُلَسَّنا مأخوذ من قول كثيّر: لهم أزُرٌ حُمرُ الحواشي يَطَوْنَها ... بأقْدامهم في الحضرميّ الملسَّنِ والحضرمي الملسّن أشهر عند العرب من أن يُفتَقر فيه الى قول كثير أو غيره، وإنما هو صنف من نِعالهم كان مستحسناً عندهم، فما في ذِكر أبي نواس له من السرقة المعروفة شيء، ثم لو ذكر بعض شعرائنا اليماني المخصّر والكنانيّ المُطبّق، ثم وجدنا في شعر غيره، أكنّا نقول: إنه مأخوذ منه؟ أو كنا نعدّه سرقة؟ وليس بين البيتين اتّصال ولا تناسب إلا في هذه اللفظة؛ لأن كثيراً مدح قوماً فوصفهم بالمَرح والنعمة والخُيَلاء، وذكر سُبوغَ أزُرِهم، وأنهم يطئونها بنعالهم الحضْرمية المُلسّنة هَواناً بها، وقصد أبو نواس معنًى آخر فذكر أنه قصَد ممدوحه ماشياً

стр. 210

وامتطى نعله الحضرمية الملسّنة؛ فما أرى بينها غيرَ ما ذكرت. وزعم أن قول أبي نواس: نعزّي أميرَ المؤمنين محمداً ... على خير ميْتٍ غيّبته المقابرُ وإنّ أميرَ المؤمنين محمداً ... لَرابِطُ جأش للخُطوب وصابرُ من قول موسى شهَوات: بكتِ المنابرُ يوم مات وإنما ... أبكى المنابرَ فقدُ فارسهنّه لما علاهنّ الوليدُ خليفةً ... قلن: ابنُه ونظيرُه فسكنّه وهذا أعجبُ من الأول؛ لأنهما لم يتشابها في لفظ ولا معنى، وأكثر ما فيها أن كل واحد منهما عزّى خليفة عن أبيه ومدَحه، فإن كان هذا سرقة فالكلامُ كله سرقة؛ وإنما الذي يقاربُ قولَ موسى قول محمد بن عبد الملك يرثي المعتصم ويمدح الواثق: لن يجبرَ الله أمةً فقدتْ ... مثلَك إلا بمثلِ هارون لأنه جعل انجبارَ الأمة بعد الوهن الشديد بهارون كسُكون المنابر بالوليد بعد البُكاء على أبيه؛ وهذا أخذٌ لطيف. وقد زعم أن قوله: حبا رياب جَلهَتي ملحوبِ ... فالقُطبيّات الى الذَّنوب من قول عبيد: أقْفرَ من أهْله ملحوب ... فالقُطبيّاتُ فالذَّنوبُ وهذه أسماءُ مواضع لا معنى للسّرقة فيها، ولو كان الجمع بينها سرقة لكان إفرادها كذلك، فكان يحرم على الشاعر أن يذكرَ شيئاً من بلاد العرب. وأن قوله في الخمر:

стр. 211

أتت دونها الأيامُ حتى كأنها ... تساقُط نور من فُتوق سماء من قول جرير: يجري السِّواك على أغرَّ كأنه ... برَدٌ تحدّر من مُتونِ غَمامِ ولست أرى شبهاً يشتركان فيه إلا إن ادُّعي احتذاء المثال فلعلّه. وأن قوله: ترى العينَ تستَعفيك من لمعانِها ... وتحسِر حتى ما تُقلُّ جفونَها من قول الأبيرِد: وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأمر لي فيه وإن عظُم الأمر ولا أراهما اتفقا إلا في الاستعفاء، وهي لفظةٌ مشهورة مبتذَلة، فإن كانت مستَرقة فجميعُ البيت مسروق، بل جميع الشعر كذلك؛ لأن الألفاظَ منقولة متداوَلة وإنما يُدَّعى ذلك في اللفظ المستعار أو الموضوع، كقول أبي نواس: طوى الموتُ ما بيني وبين محمدٍ ... وليس لما تَطوي المنيةُ ناشرُ وقول البطَيْن البَجلي: طوى الموتُ ما بيني وبين أحبّةٍ ... بهم كنتُ أعطي ما أشاءُ وأمنعُ وكقوله: سقَتْه كفُّ الليل أكؤُسَ الكَرى وقول الآخر: سقاه الكرى كأسَ النُعاس فرأسُه ... لدِين الكَرى في آخرِ الليلِ ساجِدُ

стр. 212

وقوله: كدّت منادمةُ الدماءِ سيوفَه ... فلقلّما تختارُه الأجفان وقول بعض العرب: وتنادمت دُفع الدماءِ سيوفنا ... حتى اجْتوى أصحابها سُكْر القَنا وقول أبي تمام: حتى تعمّم صُلْعُ هامات الرُبى ... من دونه وتأزّرَ الأهضامُ وقول بعض الأعراب: أصبحت العُقدة صَلعاء اللِّمم ... وأصبح الأسودُ مخضوباً بدَم وقول آخر: بكى فاستملّ الشوقَ منْ في حمامةٍ ... أبت في غصونِ الأيْكِ إلا ترنّما وقول أبي تمام: وقد كاد يُنسى عهدُ ظَمياءَ باللِّوى ... ولكن أملّتْه عليه الحمائِم فأخذ أملّ من استملّ، وإن كان تهييجُ الحمام صبابةَ المشتاقِ مبتذلاً. وقول أشجع: إذا خالطَ الشيبُ الشباب تجهّزتْ ... الى البين أفراسُ الصِّبا ورواحِله

стр. 213

وقول زهير: صَحا القلبُ عن سلمى وأقصرَ باطلُه ... وعُرِّي أفراسُ الصّبا ورواحلُه وقول الحلاّج: نفضنا الى الموت أدْراعَنا ... كما تنفُض الأسدُ ألْبادَها وقول حسان: ويثربُ تعلمُ أنّا بِها ... أُسودٌ تنفِّضُ ألبادَها ومما ادّعاه أيضاً على أبي نواس قوله: كأنّ فخذَيه وقد ضُمَّتا ... وال ... فيه عقد عشرينا أنه مأخوذ من قول عبد بني الحسحاس: وأشهدُ بالرحمن أني رأيتُها ... وعشرين منها إصبعاً من ورائِيا وليس بين البيتين اتفاق بحال إلا في ذكر العشرين، والمعنيان شديدا التباين؛ هذا يذكرُ أنه علاها والتحفتْ عليه فعقدت يديها ورجليها فصارت أصابعها العشرون من ورائه، وأو نواس يشبّه ما ذكره بعقد عشرين، فأيّ قُرْبى أو نسب بين هذين. وشبيه بهذا ما زعم ابن قتيبة في قول هُدبة: ولا أتمنّى الشرَّ والشرُ تارِكي ... ولكن متى أحمَل على الشرِّ أركَب أنه مأخوذ من قول تأبّط شراً: ولستُ بمِفراحٍ إذا الدهر صرّني ... ولا جازعٍ من صرْفِه المتحوِّلِ

стр. 214

تأمّلهما فإنك ترى بينهما من التّباين ما يحظُر ادِّعاء ذلك فيهما، ولو احتمل الكتابُ استقصاءَ ما حافَت به هذه الطائفة على أبي نواس وأبي تمام والبحتري لبسطنا القولَ فيه؛ لكنه لما ضاق عنه اقتصرنا على قدْر ما أريناك به الطريقة، ووقفْناك به على المنْهج، فإن سمَتْ بك همّة، ونازعتك رغبة، فاقْتَفِ فيه هذا الأثر، وعايره بهذا المعيار فإنك لا تبعدُ عن الإصابة ما لم تمِلْ بك العصبيةُ، ويستولي عليك الهوى والمداهنة. والسَّرَق - أيدك الله - داءٌ قديم، وعيبٌ عتيق، وما زال الشاعر يستعينُ بخاطرِ الآخر، ويستمدّ من قريحته، ويعتمدُ على معناه ولفظه؛ وكان أكثره ظاهراً كالتوارد الذي صدّرنا بذكره الكلام، وإن تجاوزَ ذلك قليلاً في الغموض لم يكن فيه غيرُ اختلاف الألفاظ، ثم تسبّب المحدثون الى إخفائه بالنقل والقلب؛ وتغيير المنهاج والترتيب، وتكلّفوا جبْرَ ما فيه من النقيصة بالزيادة والتأكيد والتعريض في حال، والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله. وقد ادّعى جرير على الفرزدق السَّرَق فقال: سيعلمُ منْ يكونُ أبوه فينا ... ومن عُرِفت قصائدهُ اجتلابا وادّعى الفرزدق على جرير فقال: إنّ استراقَك يا جريرُ قصائدي ... مثل ادّعاك سوى أبيكَ تنقُّلُ ومتى أنصفتَ علمت أن أهل عصرِنا، ثم العصر الذي بعدنا أقربُ فيه الى المعذرة، وأبعد من المذمّة؛ لأن من تقدّمنا قد استغرق المعاني وسبق إليها، وأتى على معظمها؛ وإنما يحصل على بقايا: إما أن تكونَ تُرِكت رغبةً عنها، واستهانةً بها، أو لبعدِ

стр. 215

مطلَبها، واعتياص مرامها، وتعذّر الوصول إليها؛ ومتى أجهَد أحدُنا نفسَه، وأعمل فكرَه، وأتْعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنّه غريباً مبتدَعاً، ونظم بيت يحسبه فرداً مخترعاً، ثم تصفّح عنه الدواوين لم يُخطِئه أن يجدَه بعينه، أو يجد له مثالاً يغضّ من حُسنِه؛ ولهذا السبب أحظر على نفسي، ولا أرى لغيري بتّ الحكم على شاعر بالسرقة. وقد أحسن أحمد بن أبي طاهر في محاجّة البحتري لما ادّعى عليه السّرَق قوله: والشعرُ ظهر طريقٍ أنت راكبه ... فمنه مُنشَعِب أو غيرُ منشعِب وربما ضمّ بين الرّكب منهجه ... وألصَق الطُّنُبَ العالي على الطُنُبِ إلا أني إذا وجدتُ في شعره معاني كثيرة أجدها لغيره حكمت بأن فيها مأخوذاً لا أثبته بعينه، ومسروقاً لا يتميز لي من غيره، وإنما أقول: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، فأغتنم به فضيلةَ الصدق، وأسلم من اقتحام التهوّر.
следующие страницы →