← Адаб

Адаб · id 489

الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره

الجرجاني، أبو الحسن

Полный текст (477 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أتت دونها الأيامُ حتى كأنها ... تساقُط نور من فُتوق سماء من قول جرير: يجري السِّواك على أغرَّ كأنه ... برَدٌ تحدّر من مُتونِ غَمامِ ولست أرى شبهاً يشتركان فيه إلا إن ادُّعي احتذاء المثال فلعلّه. وأن قوله: ترى العينَ تستَعفيك من لمعانِها ... وتحسِر حتى ما تُقلُّ جفونَها من قول الأبيرِد: وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأمر لي فيه وإن عظُم الأمر ولا أراهما اتفقا إلا في الاستعفاء، وهي لفظةٌ مشهورة مبتذَلة، فإن كانت مستَرقة فجميعُ البيت مسروق، بل جميع الشعر كذلك؛ لأن الألفاظَ منقولة متداوَلة وإنما يُدَّعى ذلك في اللفظ المستعار أو الموضوع، كقول أبي نواس: طوى الموتُ ما بيني وبين محمدٍ ... وليس لما تَطوي المنيةُ ناشرُ وقول البطَيْن البَجلي: طوى الموتُ ما بيني وبين أحبّةٍ ... بهم كنتُ أعطي ما أشاءُ وأمنعُ وكقوله: سقَتْه كفُّ الليل أكؤُسَ الكَرى وقول الآخر: سقاه الكرى كأسَ النُعاس فرأسُه ... لدِين الكَرى في آخرِ الليلِ ساجِدُ

стр. 212

وقوله: كدّت منادمةُ الدماءِ سيوفَه ... فلقلّما تختارُه الأجفان وقول بعض العرب: وتنادمت دُفع الدماءِ سيوفنا ... حتى اجْتوى أصحابها سُكْر القَنا وقول أبي تمام: حتى تعمّم صُلْعُ هامات الرُبى ... من دونه وتأزّرَ الأهضامُ وقول بعض الأعراب: أصبحت العُقدة صَلعاء اللِّمم ... وأصبح الأسودُ مخضوباً بدَم وقول آخر: بكى فاستملّ الشوقَ منْ في حمامةٍ ... أبت في غصونِ الأيْكِ إلا ترنّما وقول أبي تمام: وقد كاد يُنسى عهدُ ظَمياءَ باللِّوى ... ولكن أملّتْه عليه الحمائِم فأخذ أملّ من استملّ، وإن كان تهييجُ الحمام صبابةَ المشتاقِ مبتذلاً. وقول أشجع: إذا خالطَ الشيبُ الشباب تجهّزتْ ... الى البين أفراسُ الصِّبا ورواحِله

стр. 213

وقول زهير: صَحا القلبُ عن سلمى وأقصرَ باطلُه ... وعُرِّي أفراسُ الصّبا ورواحلُه وقول الحلاّج: نفضنا الى الموت أدْراعَنا ... كما تنفُض الأسدُ ألْبادَها وقول حسان: ويثربُ تعلمُ أنّا بِها ... أُسودٌ تنفِّضُ ألبادَها ومما ادّعاه أيضاً على أبي نواس قوله: كأنّ فخذَيه وقد ضُمَّتا ... وال ... فيه عقد عشرينا أنه مأخوذ من قول عبد بني الحسحاس: وأشهدُ بالرحمن أني رأيتُها ... وعشرين منها إصبعاً من ورائِيا وليس بين البيتين اتفاق بحال إلا في ذكر العشرين، والمعنيان شديدا التباين؛ هذا يذكرُ أنه علاها والتحفتْ عليه فعقدت يديها ورجليها فصارت أصابعها العشرون من ورائه، وأو نواس يشبّه ما ذكره بعقد عشرين، فأيّ قُرْبى أو نسب بين هذين. وشبيه بهذا ما زعم ابن قتيبة في قول هُدبة: ولا أتمنّى الشرَّ والشرُ تارِكي ... ولكن متى أحمَل على الشرِّ أركَب أنه مأخوذ من قول تأبّط شراً: ولستُ بمِفراحٍ إذا الدهر صرّني ... ولا جازعٍ من صرْفِه المتحوِّلِ

стр. 214

تأمّلهما فإنك ترى بينهما من التّباين ما يحظُر ادِّعاء ذلك فيهما، ولو احتمل الكتابُ استقصاءَ ما حافَت به هذه الطائفة على أبي نواس وأبي تمام والبحتري لبسطنا القولَ فيه؛ لكنه لما ضاق عنه اقتصرنا على قدْر ما أريناك به الطريقة، ووقفْناك به على المنْهج، فإن سمَتْ بك همّة، ونازعتك رغبة، فاقْتَفِ فيه هذا الأثر، وعايره بهذا المعيار فإنك لا تبعدُ عن الإصابة ما لم تمِلْ بك العصبيةُ، ويستولي عليك الهوى والمداهنة. والسَّرَق - أيدك الله - داءٌ قديم، وعيبٌ عتيق، وما زال الشاعر يستعينُ بخاطرِ الآخر، ويستمدّ من قريحته، ويعتمدُ على معناه ولفظه؛ وكان أكثره ظاهراً كالتوارد الذي صدّرنا بذكره الكلام، وإن تجاوزَ ذلك قليلاً في الغموض لم يكن فيه غيرُ اختلاف الألفاظ، ثم تسبّب المحدثون الى إخفائه بالنقل والقلب؛ وتغيير المنهاج والترتيب، وتكلّفوا جبْرَ ما فيه من النقيصة بالزيادة والتأكيد والتعريض في حال، والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله. وقد ادّعى جرير على الفرزدق السَّرَق فقال: سيعلمُ منْ يكونُ أبوه فينا ... ومن عُرِفت قصائدهُ اجتلابا وادّعى الفرزدق على جرير فقال: إنّ استراقَك يا جريرُ قصائدي ... مثل ادّعاك سوى أبيكَ تنقُّلُ ومتى أنصفتَ علمت أن أهل عصرِنا، ثم العصر الذي بعدنا أقربُ فيه الى المعذرة، وأبعد من المذمّة؛ لأن من تقدّمنا قد استغرق المعاني وسبق إليها، وأتى على معظمها؛ وإنما يحصل على بقايا: إما أن تكونَ تُرِكت رغبةً عنها، واستهانةً بها، أو لبعدِ

стр. 215

مطلَبها، واعتياص مرامها، وتعذّر الوصول إليها؛ ومتى أجهَد أحدُنا نفسَه، وأعمل فكرَه، وأتْعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنّه غريباً مبتدَعاً، ونظم بيت يحسبه فرداً مخترعاً، ثم تصفّح عنه الدواوين لم يُخطِئه أن يجدَه بعينه، أو يجد له مثالاً يغضّ من حُسنِه؛ ولهذا السبب أحظر على نفسي، ولا أرى لغيري بتّ الحكم على شاعر بالسرقة. وقد أحسن أحمد بن أبي طاهر في محاجّة البحتري لما ادّعى عليه السّرَق قوله: والشعرُ ظهر طريقٍ أنت راكبه ... فمنه مُنشَعِب أو غيرُ منشعِب وربما ضمّ بين الرّكب منهجه ... وألصَق الطُّنُبَ العالي على الطُنُبِ إلا أني إذا وجدتُ في شعره معاني كثيرة أجدها لغيره حكمت بأن فيها مأخوذاً لا أثبته بعينه، ومسروقاً لا يتميز لي من غيره، وإنما أقول: قال فلان كذا وقد سبقه إليه فلان فقال كذا، فأغتنم به فضيلةَ الصدق، وأسلم من اقتحام التهوّر.

стр. 216

سرقات المتنبي وهذا ما ادُّعي على أبي الطيب فيه السّرقة، وما أُضيف إليه مما عثرت به: قال أبو تمام - وقد روى هذا البيت لبكر بن النَّطاح، وقد دخل في شعر أبي تمام: ولو لم يكن في كفهِ غيرُ نفسه ... لجادَ بها فليتّق اللهَ سائلُه قال أبو الطيب: يا أيّها المُجْدَى عليهِ روحُه ... إذ ليس يأتيه لها استِجْداءُ احمَدْ عُفاتَك لا فُجِعْتَ بفَقْدِهم ... فلَتَرْكُ ما لم يأخذوا إعْطاءُ وبيت أبي تمام أو بكر بن النّطاح أملحُ لفظاً وأصحّ سبكاً. وزاد أبو الطيب بقوله: إنه يجدي عليه روحه. ولكن في اللفظ قصور، والأول نهاية في الحسن، ثم نقل المعنى عن الروح الى الجسد، فقال: لو اشتهَتْ لحْمَ قاريها لبادرَها ... خراذِلٌ منهُ في الشِّيزَي وأوصالُ وهذا هو الأول، ومن جاد بأوصاله فقد جاد بروحه، وكأنه من قول ابن الرومي: لو حزّ من جسمه لسائِلِه ... أنفَسُ أعضائِهِ لما ألِما ثم كرره وغيّره بعض التغيير فقال:

стр. 217

مِلت الى من يكادُ بينَكُما ... لو كُنتما السّائلَيْن ينقسِمُ ثم لاحظ هذا فأخفاه؛ وأحسن ما شاء، فقال: إنّك من معشرٍ إذا وهبوا ... ما دون أعمارِهم فقد بخِلوا فجاء به معنى مفرداً، وهو من باب السماحة بالرّوح. والغرض واحد. ومن هذا المعنى قول بكر بن النَّطاح: ولو خذلَتْ أموالُه فيضَ كفّه ... لقاسم من يرجوه شطْرَ حياته قال أبو تمام: لو حار مُرتادُ المنيّة لم يجدْ ... إلا الفِراقَ على النّفوس دَليلا قال أبو الطيب: لولا مُفارقَةُ الأحباب ما وجَدتْ ... لها المنايا الى أرواحِنا سُبُلا وقال الأعشى: لو أسندْتَ ميْتاً الى نحرِها ... عاشَ ولم يُنقَل الى قابرِ وقال أبو الطيب: فذُقْتُ ماءَ حياةٍ من مقبَّلها ... لو صابَ تُرباً لأحْيا سالفَ الأممِ

стр. 218

وهذا معنى متداوَل بعد الأعشى، وقد قيل فيه ما كثُر. قال أبو العباس الناشئ الأكبر: لفظي ولفظُك بالشّكوى قدِ ائتَلَفا ... يا ليتَ شِعري فقلْبانا لمَ اختَلفا قال أبو الطيب: أبدَيْتث مثل الذي أبديتُ من جزَعٍ ... ولم تجِنّي الذي أجنَنْتُ من ألَمِ والأول أملح لفظاً. قال محمد بن داود: كأنّ رقيباً منكِ يرْعى خواطِري ... وآخرَ يرعى ناظري ولساني وإنما أخذه من قول العبّاس بن الأحنف: أقامتْ على قلبي رقيباً وناظري ... فليس يؤدّي عن سواها الى قلبي قال أبو الطيب: كأنّ رقيباً منكِ سدّ مسامِعي ... نِ العذْل حتى ليس يدخُلُها عذْلُ أبو تمام: مُتواطئو عقبَيْكَ في طلبِ العُلا ... والمجدِ ثمّتَ تستوي الأقدامُ

стр. 219

قال أبو الطيب: رأيتُ عليّاً وابنَه خيرَ قومِه ... وهم خيرُ قومٍ واستوى الحرُّ والعبدُ وأعاده فقال: حتى يُشار إليكَ ذا مولاهُمُ ... وهمُ الموالي والخليقةُ أعبدُ قال أبو تمام: غرّبَتْه العُلا على كثرةِ الأه ... لِ فأضحى في الأقرَبين جنيبا فليَطُلْ عمرُه فلو ماتَ في مرْ ... وَمُقيماً بها لمات غريبا وقال أبو الطيب: وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطَني ... إنّ النفيسَ غريبٌ حيثما كانا وبيتُ أبي الطيب أجودُ وأسلم، وقد أساء أبو تمام بذكر الموت في المديح، فلا حاجةَ به إليه؛ والمعنى لا يختلّ بفقده، ومن مات في بلده غريباً فهو في حياته أيضاً غريب، فأي فائدة في استقبال الممدوح بما يتطيّر منه! قال أبو تمام: كفى فقتْلُ محمد لكَ شاهد ... أنّ العزيزَ مع القضاء ذَليلُ قال أبو الطيب:

стр. 220

ألا إنما كانت وفاةُ محمّد ... دَليلاً على أنْ ليسَ للهِ غالبُ قال كُثير: أريد لأنسى ذكرَها فكأنما ... تمثَّلُ لي ليلَى بكلِ سبيلِ وقال أبو نواس: ملكٌ تصوّرَ في القلوبِ مثالُه ... فكأنّه لم يخلُ منه مكانُ قال أبو الطي: كذب المخبِّرُ عنك دونَك وصفُه ... منْ بالعراقِ يراك في طرْسوسا فقصّر، لأنه اقتصر على مَن بالعراق، وعمّ أبو نواس القلوب والأماكن، وبين اللفظين بوْن في الجزالة والصّحة؛ وقد كرّره واستوفى، فقال: هذا الذي أبصرتَ منه حاضراً ... مثلُ الذي أبصرتَ منه غائبا ثم مثّل فقال: كالبدرِ من حيثُ التفتّ رأيتَه ... يُهدي الى عينيك نوراً ثاقِبا قال عبد الله بن محمد المهلّبي: ما كنتَ إلا كلَجْم ميتٍ ... دعا الى أكله اضطِرارا وقال أبو الطيب: غيرَ اختيارٍ رضيتُ برّكَ بي ... والجوعُ يُرضي الأسودَ بالجيَفِ

стр. 221

وقريب منه قول أبي عليّ البصير: ولكنّ البلادَ إذا اقشعرّتْ ... وصوّح نبتُها رُعِي الهشيمُ ومنه قول الآخر: فلا تحمَدوني في الزيارةِ إنني ... أزورُكمُ إذ لا أرى متعلِّلا وهذا مما قدمتُ لك ذكرَه من اختلاف صور الأمثلة على المعنى الواحد. قال أبو تمام: هانت على كلّ شيءٍ فهو يسفكُها ... حتى المنازلُ والأحداجُ والإبلُ قال أبو الطيب: فما أمرّ بربْعٍ لا أسائِله ... ولا بذاتِ خِمارٍ لا تُريقُ دمي جعل أبو تمام كل شيء يسفك دمه، وجعل أبو الطيب ذات خمار تريق دمه، فاقتصر على بعض تلك الجملة. قال بشار: إذا أنشَد حمّادٌ ... فقُل أحسنَ بشّارُ وقال أبو هفّان يهجو ابن أبي طاهر: إذا أنشدكم شِعْراً ... فقولوا أحسنَ النّاسُ

стр. 222

وقال أبو تمام مثله في غير هذا المعنى: ومهما تكنْ من وقعَةٍ بعدُ لا تكنْ ... سوى حسَنٍ مما فعلْتَ مردَّدِ فقال أبو الطيب: أجِزني إذا أُنشِدْتَ شعراً فإنما ... بشِعري أتاك المادِحون مردَّدا وقال أبو تمام: وكانت وليس الصُبحُ فيها بأبيض ... فأمست وليس الليلُ فيها بأسودِ وقال أبو الطيب: فالليل حين قدِمتَ فيها أبيضٌ ... والصُبْحُ منذ رحلْتَ عنها أسودُ وقال أبو تمام: لبستُ سواهُ أقواماً فكانوا ... كما أغنى التّيممُ بالصّعيد قال أبو الطيب: وزارَك بي دون الملوكِ تحرّجي ... إذا عنّ بحرٌ لم يجُز لي التّيممُ

стр. 223

قال ابن الخياط: لمسْتُ بكفّي كفَّهُ أبتغي الغِنى ... ولم أدرِ أنّ الجودَ من كفِّه يُعدي فلا أنا منهُ ما أفادَ ذوو الغِنى ... أفدْتُ، وأعْداني فأتلَفْتُ ما عندي قال أبو تمام: علّمني جودُك السّماحَ فما ... أبقيْتُ شيئاً لديّ من صلَتِكْ وقال آخر: لستُ أُضحي مصافحاً لسلام ... إنني إن فعلتُ أتلَفْتُ مالي فنقله أبو الطيب الى الزمان، فصار كالمعنى المنفرد، فقال: أعْدى الزمنَ سخاؤهُ فسخا به ... ولقد يكون بهِ الزمانُ بخيلا وأما بخل الزمان فمن قول أبي تمام: هيْهاتَ لا يأتي الزمانُ بمثلِه ... إنّ الزمانَ بمثلِه لبَخيلُ أبو تمام: لمّا انتضيتُك للخُطوبِ كفيتَها ... والسيفُ لا يكفيكَ حتى يُنْتضى أبو الطيب: وما الصارمُ الهنديُّ إلا كغيرِه ... إذا لم يفارِقْه النِّجادُ وغمدُه

стр. 224

أبو تمام: فاضت سحائبُ من نَعمائه وكفَتْ ... بؤساً على البؤس حتى اجتثّتِ البؤْسا قال أبو الطيب: نقَمٌ على نِقَم الزّمان يصُبُّها ... نعَمٌ على النِّعمِ التي لا تُجحَدِ أبو تمام: كتبْتَ أوجهَهُم مشْقاً ونمنَمةً ... طعْناً وضرْباً يفُلّ الهامَ والصُّلُفا قال أبو الطيب: وكلّ فتًى للحُرب فوق جبينه ... منَ الضّرْبِ سطْرٌ بالأسنّة معجَمُ العتّابي: فإنّ جسيماتِ المعالي مشوبةٌ ... بمستَودَعاتٍ في بُطونِ الأساوِدِ أبو الطيب: تُريدين إدراكَ المعالي رخيصةً ... ولا بدّ دون الشّهْدِ منْ إبرِ النّحْل

стр. 225

قال أبو تمام: لا يحسَبُ الإقلالَ عُدْماً بل يرى ... أنّ المُقِلّ منَ المروءةِ معدِمُ فقال أبو الطيب - وهو منقول: وربّ مالٍ فقيراً من مروّتِه ... لم يُثرِ منها كما أثرى منَ العدَمِ أبو تمام: هم صيّروا تلك البروقَ صواعقاً ... فيهم وذاك العفوَ سوطَ عذاب قال أبو الطيب: ولما سقى الغيثَ الذي كفَروا به ... سقى غيره في تلكَ البوارِق وقد ألمّ بألفاظه فقال: ليتَ الغمامَ الذي عندي صواعقُه ... يزيلهُنّ الى منْ عندَهُ الدِّيَمُ فأما صريحُ المعنى فمن قول أبي تمام: فلو شاءَ هذا الدهرُ أقصرَ شرَّهُ ... كما قصُرَت عنّا لُهاهُ ونائلُهْ قال أبو تمام: تلْقى السّعودَ بوجهِه وتجيئه ... وعليك مَسحةُ بغضةٍ فتحَبَّبُ

стр. 226

قال أبو الطيب: فإنّك ما مرّ النّحوسُ بكوكبٍ ... وقابلْتَه إلا ووجهُك سعدُه أبو تمام: إن حنّ نجدٌ وأهلوهُ إليكَ فقد ... مررتَ فيه مرورَ العارضِ الهطِلِ أبو الطيب: وليستْ من مواطِنِه ولكنْ ... يمرّ بها كما مرّ الغمامُ أبو تمام: وأنا الفداءُ إذا الرماح تشاجرَت ... لك والرماحُ من الرماح لكَ الفِدا أبو الطيب: ولك الزمانُ من الزمانِ وقايةٌ ... ولك الحِمام من الحِمام فداءُ أبو تمام: لبسَ الشّجاعة إنها كانت له ... قِدْماً نَشوغاً في الصِّبا ولدودا أبو الطيب:

стр. 227

ألِفَ المروّةَ مذْ نشا فكأنّما ... سُقيَ اللّبانَ بها صبيّاً مُرضَعا أبو تمام: أيقنْتَ أنّ من السّماحِ شجاعةً ... تُدمي وأنّ من الشجاعة جودا أبو الطيب: هو الشجاع يَعدّ البُخلَ من جُبُنٍ ... وهْو الجوادُ يعدّ الجبنَ من بخَلِ وقال في أخرى: فقلت: إنّ الفتى شجاعَتُه ... تُريه في الشُحّ صورةَ الفرَقِ وقد لوحظ في هذه الأبيات قول مسلم؛ إذ بيّن أنّ الشجاعة جود بالنفس في قوله: تجودُ بالنّفس إذ ضنّ الجوادُ بها ... والجودُ بالنّفسِ أقصى غايةِ الجودِ عبد الله بن طاهر في السيف: أخو ثِقةٍ أرضاهُ في الرّوعِ صاحِباً ... وفوقَ رضاهُ أنّني أنا صاحبُهْ أبو الطيب في الرمح: وأسمَرَ ذي عِشرين ترْضاهُ وارِداً ... ويرْضاكَ في إيرادِه الخيلَ ساقِيا

стр. 228

وأصله من قول موسى بن جابر الحنفي، وهو من خفيّ الأخذ: فلا أسلمَتْنا عند قوم حفيظةٌ ... ولا نحنُ أغمدنا السيوفَ على وتْرِ عبد الله بن طاهر: إنّ الفتوحَ على قدرِ المُلوك وهمْ ... ماتِ الولاةِ وأقدامِ المقادير أبو الطيب: على قدْرِ أهل العزْم تأتي العزائم ... وتأتي على قدرِ الكِرام المكارمُ العباس بن الأحنف: بكت غيرَ آنسةٍ بالبُكا ... ترى الدمعَ في مُقلتَيها غريبا أبو الطيب: أتتهُنّ المصائب غافِلاتٍ ... فدمْعُ الحزنِ في دمْعِ الدّلالِ فزاد وأحسن وملح بذكر الدّلال. منصور بن الفرج: حلّ في جِسميَ ما كا ... نَ بعينيكَ مُقيما البحتري:

стр. 229

وكأنّ في جسمي الذي ... في ناظرَيكَ منَ السّقَمْ أبو الطيب: أعارَني سُقمَ جفنَيهِ وحمّلَني ... من الهوى ثِقلَ ما تحْوي مآزِرُه فاختصر وأحسن وأورد البيت في نصف مِصراع. أبو عُيينة: لو كما تنقُصُ تزدا ... دُ إذَنْ نلتَ السّماءَ فنقله أبو تمام: أمَا لو أنّ جهْلَكَ كان عِلْماً ... إذنْ لنفَذْتَ في عِلمِ الغُيوبِ أبو الطيب: ولو نقصْتُ كما قد زِدْتَ من كرمٍ ... على الورى لرأوْني مثلَ شانِيكا فزاد بقوله: لرأوني مثل شانيكا. قال جرير: كأن رءوسَ القومِ فوقَ رماحِنا ... غداةَ الوَغى تيجانُ كِسرى وقيصَرا مسلم: يكسو السيوفَ نفوسَ النّاكثينَ به ... ويجعلُ الهامَ تيجانَ القنا الذُّبُل

стр. 230

وقريب منه قول أبي تمام: أبدلْتَ أرؤُسَهم يوم الكريهة من ... قنا الظّهورِ قَنا الخطّيِّ مدَّعَما وقد عدّ هذا من سرقاتِ أبي تمام، ولست أراه كذلك؛ لأنه ليس فيه أكثر من رفع الرءوس على القنا، وهذا معنى مشترَك لا يسرق، فأما إبدالُ القَنا بقنا الظهور فلم يعرِض له مسلم ولا جرير، وهي ملاحظة بعيدة. وأقرب من ذلك إليه قول أبي تمام: من كلّ ذي لِمّةٍ غطّت ضفائرُها ... صدْرَ القناةِ فقد كادت تُرَى علَما ومثله قول أبي الطيب: مبَرْقِعي خيلِهم بالبيضِ متّخذي ... هامَ الكُماةِ على أرْماحِهم عذَبا قال البحتري: متسرّعين الى الحُتوفِ كأنها ... وفْرٌ بأرضِ عدوِّهم يُتنهَّبُ قال أبو الطيب: بكلّ أشعَثَ يلْقى الموتَ مُبتسماً ... حتى كأنّ له في قتلِه أرَبا وإنما نقل البحتري كلام أبي تمام: مُسترسلينَ الى الحُتوفِ كأنّما ... بين الحُتوفِ وبينَهم أرحامُ

стр. 231

وقال البحتري أيضاً: تسرّع حتى قال من شهِدَ الوغى ... لقاء أعادٍ أم لقاء حبائب ونحوه قول أبي تمام: حنّ للموتِ حتى ظنّ جاهلُه ... بأنّه حنّ مُشتاقاً الى الوطنِ فأخذه أبو الطيب فقال: مُقيمٌ من الهيجاءِ في كل منزلٍ ... كأنّك من كلِّ الصّوارمِ في أهْلِ البحتري: تعْنو لهُ وُزَراءُ المُلْكِ خاضِعَةً ... وعادةُ السيفِ أن يستخدِمَ القَلما أبو الطيب: حتى رجعْتُ وأقلامي قوائلُ لي ... المجدُ للسيفِ ليسَ المجدُ للقلَمِ اكْتُبْ بِنا أبداً بعدَ الكتابِ به ... فإنّما نحن للأسيافِ كالخدَمِ بعضهم: أُحامقُه حتى يقولَ سجيّةٌ ... ولو كان ذا عقلٍ لكُنتُ أُعاقلُهْ أبو الطيب: وخلّةٍ في جليسٍ أتّقيه بها ... كيْما يُرى أننا مِثلانِ في الوهَنِ

стр. 232

أبو تمام: نوالُك ردّ حُسّادي فُلولاً ... وأصْلحَ بين أيامي وبيْني وله: كثُرَت خطايا الدّهر فيّ وقد يُرى ... بنَداك وهو إليّ منها تائبُ أبو هفان: أصبحَ الدهرُ مسيئاً كله ... ما لَه إلا ابنُ يحيى حسنَهْ أبو الطيب: أزالَتْ بكَ الأيامُ عتْبى كأنّما ... بنوها لها ذنْبٌ وأنت لها عُذر النّمري: وقَفْتُ على حاليْكُما فإذا النّدىعليك أميرَ المؤمنين أميرُ أبو تمام: ألا إنّ النّدى أضحى أميراً ... على مالِ الأميرِ أبي الحسينِ أبو الطيب: أميرٌ أميرٌ عليه النّدى ... جوادٌ بخيلٌ بأنْ لا يجودا

стр. 233

أبو تمام: وترْكي سُرعةَ الصّدرِ اغتِباطاً ... يدلّ على موافقَة الورودِ وقال أيضاً: همَمي معلّقةٌ عليك رقابُها ... مغلولةٌ إن الوفاءَ إسار ألمّ به أبو الطيب فقال وأحسن: وقيّدتُ نفسي في ذَراك محبّة ... ومَن وجد الإحسانَ قيْداً تقيّدا وقد قال: وما قيّدت من صُعلوكِ قوْم ... بنيلِ الرّزْق تُخرِجه الرِّقاع البحتري: أضرّت بضوءِ البدرِ والبدرُ طالعٌ ... وقامت مقامَ البدرِ لمّا تغيّبا وهذا معنى متداوَل، وهو أحسنُ ما جاء فيه، وأشدّ استيفاء واختصاراً. وقال أبو الطيب فأتى بالمصراع الثاني: وما حاجةُ الأظعانِ حولَك في الدُجى ... الى قمرٍ ما واجِدٌ لك عادِمُهْ يزيد بن الطّثريّة: وليس قليلاً نظرةٌ إن نظرْتُها ... إليكَ، وكلا ليس منك قليلُ

стр. 234

إسحاق الموصلي: إنّ ما قلّ منكَ يكثرُ عندي ... وكثيرٌ من المحبِّ القليلُ أبو الطيب: وجودُك بالمقامِ ولو قليلاً ... فما فيما تجودُ به قليلُ بعض العرب - وهو عروة بن الورد: تقول سُليمى لو أقمْتَ بأرضِنا ... ولم تدْرِ أنّي للمُقامِ أطوِّفُ العبّاس بن الأحنف: سأطلُبُ بُعدَ الدارِ عنكم لتقرفبوا ... وتسكُب عينايَ الدموعَ لتَجمُدا أبو تمام: أآلِفةَ النّحيبِ كمِ افتِراقٍ ... ألمّ فكان داعيةَ اجتماعِ أبو الطيب: لعلّ اللهَ يجعلُه رحيلاً ... يُعينُ على الإقامة في ذَراكا بعضهم: غمضْتُ عيني لا أرى أحداً ... حتى أراهُم آخرَ الدهرِ أبو الطيب:

стр. 235

فلو أنّي استطعْتُ خفضْتُ طرْفي ... فلم أُبصِر به حتى أراكا أشجع: فقد كنتَ تبكي وهم جيرةٌ ... فكيفَ تكون إذا ودّعوا آخر: أبكي إذا غضبت حتى إذا رضيتْ ... بكيت عند الرّضا خوفاً من الغضبِ آخر: فتبكي إن نأى شوقاً إليه ... وتبكي إن دنا خوفَ الفِراقِ آخر: لقد كنتُ أبكي خيفةً لفِراقها ... فكيف إذا بان الحبيبُ فودّعا أبو الطيب: أرى أسفاً وما سِرْنا شديداً ... فكيفَ إذا غدا السيرُ ابتِراكا وله: بكيتُ عليها خيفةً في حياتِها ... وذاقَ كِلانا ثُكلَ صاحبِه قِدْما وقال في أخرى: ولقد بكيتُ على الشّبابِ ولمّتي ... مسودّةٌ ولِماءِ وجهيَ رونَقُ

стр. 236

حذَراً عليه قبلَ يوم فِراقِه ... حتى لكدْتُ بماءِ دمعيَ أشرَقُ بشار: يا أطيب الناس ريقاً غير مُختبَرٍ ... إلا شهادة أطراف المساويك أبو الطيب: ويمنعُ ثغرَهُ من كل صبٍّ ... ويمنحُه البشامةَ والأراكا عمْران بن حِطّان: أنكرتُ بعدَك مَن قد كنتُ آلفُه ... ما النّاس بعدَك يا مرداسُ بالناسِ قال أبو الطيب: ومن أعتاضُ عنكَ إذا افترَقْنا ... وكلّ الناسِ زورٌ ما خَلاكا وله في أخرى: إنما الناسُ حيثُ أنت وما النّا ... سُ بناسٍ في موضعٍ منكَ خالِ فتبرّد وبالغ. أبو تمام:

стр. 237

لا أظلِمُ البينَ قد كانت خلائِقُها ... من قبلِ وشْك النّوى عندي نوًى قُذُفا وله: ففِراقٌ جرَعْتُه من فِراقٍ ... وفراقٌ جرعْتُه من صُدودِ البحتري: على أنّ هجرانَ الحبيبِ هو النّوى ... لديّ وعِرفانَ المُسيءِ هو العذلُ قال أبو الطيب: أبعَدُ نأْي المليحةِ البخَلُ ... في البُعدِ مالاً تكلَّفُ الإبلُ فاستوفى المعنى وأكّده في مصراع واحد. وقد أحسن إبراهيم بن العباس في هذا المعنى بقوله: وإنّ مُقيماتٍ بمنقَطَع اللِّوَى ... لأقرَبُ من ليْلَى وهاتيكَ دارُها ابن الرومي: شكرَتْ نعمةَ الوليّ على الوسْ ... ميّ ثمّ العِهادِ بعدَ العِهادِ فهيَ تُثني على السّماءِ ثناءً ... طيّبَ النّشرِ شائعاً في البِلادِ من نسيمٍ كأنّ مسراه في الأر ... واحِ مسرَى الأرواحِ في الأجسادِ أبو الطيب:

стр. 238

وذكيُّ رائحةِ الرّياض كلامُها ... تبغي الثّناءَ على الحيا فتفوحُ بعضهم: اعدد ثلاثَ خِلالِ قد جُمعن له ... هل سُبّ من أحد أو سَبّ أو بَخِلا أبو الطيب: ولكنْ نفاها عنهُ غيرَ كريمةٍ ... كريمُ النّثا ما سُبّ قطُّ ولا سَبّا أبو تمام: لقد بثّ عبدُ الله خوفَ انتقامِه ... على الليلِ حتى ما تدبُّ عقاربه فنقله أبو الطيب فقال: تصُدّ الرياحُ الهوجُ عنها مخافةً ... وتفزَعُ فيها الطيرُ أن تلقُطَ الحبّا محمود الورّاق: إذا أنتَ لم تسْلُ اصطِباراً وحِسبةً ... سلوْتَ على الأيام مثلَ البهائم أبو تمام: أتصبِرُ للبَلْوى عزاءً وحِسبةً ... فتُؤجرَ أم تسْلو سُلوّ البهائم

стр. 239

وقال أبو الطيب: وللواجِد المكروبِ من زفَراتِه ... سُكونُ عَزاءٍ أو سُكون لُغوبِ بعضهم: إني رأيتُك في نومي تُعانقُني ... كما تعانقُ لامُ الكاتبِ الألِفا ألمّ به أبو الطيب فقال: دون التّعانُق ناحلَينِ كشَكلَتيْ ... نَصبٍ أدقّهُما وضَمّ الشّاكِلُ فكأنه معنى مفرد؛ ولئِن أخذه منه كما يزعمون فما عليه معْتب؛ لأن التعبَ فيه ونقْلَه لا ينقص عن التعب في ابتدائه. أبو تمام: وإن نجِدْ علّةً نُغَمّ بها ... حتى ترانا نُعادُ من مرضِهْ علي بن الجهم: وإذا رابكُم من الدهرِ ريبٌ ... عمّ ما خصّكُم جميعَ الأنامِ أبو هفّان: قالوا اعتلَلْتَ فقلتُ ك ... لاّ إنما اعتلّ العِبادُ أبو الطيب:

стр. 240

وما أخصُّك من بُرءٍ بتهنئةٍ ... إذا سلمْتَ فكل الناسِ قد سلِموا وله: إذا اعتلّ سيفُ الدولة اعتلّتِ الأرضُ ... ومن فوقَها والبأسُ والكرَمُ المحضُ علي بن الجهم - في السحاب: إذا أوقِدَت نارُها بالعراق ... أضاءَ الحجازَ سنا نارِها نقله أبو الطيب الى السيف، فقال: سلّهُ الرّكضُ بعد وهْنٍ بنجدٍ ... فتصدّى للغيثِ أهلُ الحجازِ يعقوب بن الربيع يرثي جارية له تسمى ملكاً: يا مَلْكُ إن كنتِ تحت الأرضِ باليةً ... فإنني فوقَها بالٍ منَ الحزَنِ أبو الطيب: بنا منكَ فوق الرّملِ ما بكَ في الرّمل ... وهذا الذي يُضْني كذاكَ الذي يُبْلي محمد بن وهْب: وحارَبَني فيه ريْب الزمان ... كأنّ الزّمانَ لهُ عاشِقُ

стр. 241

البحتري: قدْ بيّن البينُ المفرِّقُ بيننا ... عِشْقَ النّوى لربيبِ ذاك الرّبرَب أبو الطيب: مَلامُ النّوى في ظُلمِها غايةُ الظُلْمِ ... لعلّ بها مثلَ الذي بي منَ السُقْمِ فلو لم تغَرْ لم تزْوِ عنّي لقاءَكُمْ ... ولو لم تُرِدْكُم لم تكُن فيكُمُ خصْمي أبو تمام: أقولُ وقد قالوا استراحَ لموتِها ... من الكرْبِ روحُ الموتِ شرٌ من الكرْبِ وقريب منه قوله: أجارَك المكروهُ من مثلِه ... فاقِرةٌ نجّتكَ من فاقِرَهْ أبو الطيب: ولمْ يُسلِها إلا المَنايا وإنما ... أشدُّ من السُقْمِ الذي أذهبَ السُقْما حاتم، ويروى لربيعة بن مِرداس: متى ما أتى يوماً الى المالِ وارِثي ... يجدْ ملءَ كفٍّ غير مَلأى ولا صِفْرِ يجدْ فرساً ملءَ العِنان وصارِماً ... حُساماً إذا ما هُزّ لم يرْضَ بالهَبْرِ

стр. 242

وأسمرَ خطّياً كأنّ كُعوبَه ... نَوى القسْبِ قد أرْبى ذِراعاً على العَشْرِ امرأة من العرب: مضى وورِثناهُ دَريس مُفاضةٍ ... وأبيضَ هِندياً طويلاً حمائِلُهْ عروة بن الورد: وذي أملٍ يرجو تُراثي وإنّ ما ... يصيرُ له منْه غداً لَقليلُ وماليَ مال غير دِرْع ومِغفَر ... وأبيض من ماء الحديد صَقيلُ وأسمرُ خطّيُّ القناةِ مثقّفٌ ... وأكردُ عُريان السّراةِ طويلُ أبو الطيب: كنّا نظنّ ديارَهُ مملوءةً ... ذهباً فمات وكلّ دارٍ بلْقَعُ وإذا المكارمُ والصّوارمُ والقنا ... وبناتُ أعوجَ كلُّ شيء يجمَعُ الفرزدق: وهمْ قادوا سَفيهَهُم وخافوا ... قلائدَ مثلَ أطواقِ الحمامِ

стр. 243

ابن هرْمة: عقدْتُ من مُلتَقى أوداج لَبّته ... طوقَ الحمامة لا يبْلى على القِدَم بعضهم: وهنّ إذا وسمتَ بهنّ قوماً ... كأطْواقِ الحمائم في الرّقابِ أبو الطيب: أقامتْ في الرِّقاب له أيادٍ ... هي الأطواقُ والناسُ الحمامُ وهذا من المبتذل الذي لا يعد سرقة إلا بزيادة تلحقه، وزيادة أبي الطيب فيه حسنة بديعة، ولأجلها ذكرتُ الأبيات. محمود الوراق: كفاكَ بالشّيبِ ذنْباً عند غانيةٍ ... وبالشّبابِ شفيعاً أيها الرجلُ أبو نواس في الشباب: كان المشفّع في مآربه ... عند الفتاةِ ومدرِك القبل النمري: وإذا توسّل بالشّباب أخو الهَوى ... ألْفاهُ نِعمَ وسيلةُ المتوسِّل أبو الطيب: وغضْبَى من الإدْلالِ سكْرى من الصِّبا ... شفعْتُ إليها من شبابي بريِّقِ والمعنى مبتذل.

стр. 244

بكر بن النطّاح: ولو لم يجر في العُمر قسمٌ لمالكٍ ... وجاز له الإعطاءُ من حسناتِه لجادَ بها من غيرِ شِركٍ بربِّه ... وأشْركَنا في صوْمِه وصلاتِه أبو الطيب: ولو يمّمتَهُم في الحشرِ تجْدو ... لأعطَوْكَ الذي صلّوا وصاموا وهذا معنى مليح. ولفظ ابن النطاح أحسن، وله زيادة قوله: من غير شِرْك بربه، وفيه نفي التهمة في الاستهانة بالأعمال الصالحة، ولأبي الطيب فضيلة ذكر الحشْر؛ لأنه خصّ الوقت الذي يظهر فيه الافتقار الى الحسنات، والضنّ بها؛ وأصلُه لأبي العتاهية، قال: فمَن لي بهذا؟ ليت أني أصبْتُه ... فقاسَمتُه مالي من الحسَنات أبو خِراش: فإذا وذلك ليسَ إلا ذكْره ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعَل متمّم بن نويرة: فلمّا تفرّقْنا كأني ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا عليّ بن جبَلة: شبابٌ كأنْ لم يكن ... وشيب كأنْ لم يزَلْ

стр. 245

وما أملح ما قال البحتري في قريب من هذا المعنى: فلا تذْكُرا عهدَ التّصابي فإنّه ... تقضّى ولم يشعُرْ به ذلك العصرُ أبو الطيب: ذكرْتُ به وصْلاً كأنْ لم أفُزْ به ... وعيشاً كأني كنتُ أقطعهُ وثْبا فأما المصراع الثاني فمن قول الهذلي: عجبتُ لسعي الدهر بين وبينكم ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهرُ فجعل أبو الطيب السعيَ وثْباً. وقد ملح في اللفظ علي بن جبلة: وأرى الليالي ما طوتْ من قوّتي ... زادَتْه في عقلي وفي أفهامي ابن المعتز: وما يُنتَقصْ من شباب الرجال ... يزِد في نُهاها وألبابِها فقلبه أبو الطيب فقال: ليتَ الحوادثَ باعَتْني الذي أخذتْ ... مني بحِلمي الذي أعطتْ وتجريبي فما الحداثةُ من حِلمٍ بمانِعةٍ ... قد يوجَدُ الحِلمُ في الشُبّان والشّيبِ وقد اقتدى في قوله بأبي تمام في قوله: حلّمتني زعمتمُ وأراني ... قبل هذا التحليم كنتُ حليما

стр. 246

فجمع هذا المعنى الى المعنى الأول ببيتيه. علي بن جبلة: قمر نمّ عليه نورُه ... كيف يُخفي الليل بدراً طلَعا أبو الطيب: أمنَ ازديارَكِ في الدُجى الرُقَباءُ ... إذ حيثُ كنتِ من الظلامِ ضياءُ دِعبل: تلك المساعي إذا ما أخّرتْ رجلاً ... أحبّ للناس عيباً كالذي عابَه كذاك من كان هدمُ المجد غايتَه ... فإنه لبُناةِ المجد سبّابَه أبو تمام: وذو النّقْص في الدنيا بذي الفضلِ مولَعُ مروان بن أبي حفصة: ما ضرّني حسدُ اللّئام ولم يزلْ ... ذو الفضل يحسُده ذوو التّقصير غيره: وأجرأ مَن رأيت بظهر غيب ... على عيبِ الرجال ذوو العُيوب أبو الطيب: والحُرّ ممتحَنٌ بأولادِ الزِّنى

стр. 247

ومثله له: تُعادينا لأنّا غيرُ لُكْنٍ ... وتُبغضُنا لأنّا غيرُ عور ثم نقله وزاد فيه وغيّره فأحسن: وإذا أتتْك مذمّتي من ناقصٍ ... فهي الشهادةُ لي بأني كامِلُ ومن هذا المعنى قول الطّرمّاح: لقد زادَني حباً لنفسيَ أنّني ... بغيضٌ الى كل امرئ غيرِ طائل وإني شقيٌ باللّئام ولن ترى ... شقياً بهم إلا كريمَ الشمائل أبو سعيد المخزومي: قوم إذا أخذوا عليك ثنيّة ... ضاقت عليك سهولُها ووعورُها أبو الطيب: أخذت على الأرواح كل ثنيّةٍ ... من العيشِ تعطي ما تشاء وتمنعُ قد أخرج هذا في سرقاته وما أراه منها؛ لأن أخذ الثنية لفظة مستعملة عند العرب. المخزومي: أمَلي في التاج ألبَسه ... وله في الشعر آمال أبو الطيب:

стр. 248

وشُغلُ النفسِ عن طلَب المعالي ... ببيعِ الشّعر في سوقِ الكسادِ النمري: ومصلتات كأنّ حقداً ... بها على الهام والرّقاب أبو تمام: كأنها وهي في الأوداجِ والغةٌ ... وفي الكُلَى تجدُ الغيظَ الذي تجِد أبو الطيب: تحمي السيوفُ على أعدائِه معهُ ... كأنّهنّ بنوهُ أو عشائِرُه أبو عطاء السندي: عشية قامَ النائحاتُ وسُقّقَتْ ... جُيوبٌ بأيدي مأتَم وخُدودِ أبو تمام: شقّ جَيْباً من رجالٍ لو اس ... طاعوا لشقّوا ما وراءَ الجُيوبِ أبو الطيب: عليْنا لك الإسعادُ لو كان نافعاً ... بشقّ قلوبٍ لا بشقّ جُيوبِ

стр. 249

الفرزدق: وما وامَرَتْني النفسُ في رحلة الى ... جَدا أحدٍ إلا إليك ضميرُها أبو نواس: وإن جرتِ الألفاظُ يوماً بمَدحةٍ ... لغيرِك إنساناً فأنت الذي نعْني أبو الطيب: وظنّوني مدحتُهُم قديماً ... وأنت بما مدحتُهم مُرادي أبو تمام: مُقيمُ الظنّ عندَك والأماني ... وإن قلقَتْ ركابي في البلادِ أبو الطيب: وإني عنكَ بعدَ غدٍ لغادٍ ... وقلبي عن فِنائِكَ غيرُ غادِ أبو تمام: وما سافرْت في الآفاق إلا ... ومن جدواكَ راحلتي وزادي أبو الطيب: محبُّكَ حيثُما اتّجهتْ ركابي ... وضيفُك حيثُ كنتُ من البلادِ وهذا من أقبح ما يكون من السّرَق، لأنه يدل على نفسه باتفاق المعنى والوزن والقافية، ومثل المصراع الأول لأبي الطيب وهو محتذ قول البحتري:

стр. 250

متى ما أسيّر في البلاد ركائبي ... أجد سائقي يهوي إليك وقائدي وقد لاحظ أبو تمام قول المثقّب: الى عمْرو ومن أثنى عليه ... أخي النّجدات والحِلْم الرّزين أبو تمام: له منظرٌ في العينِ أبيضُ ناصعٌ ... ولكنّه في القلبِ أسودُ أسفَعُ أبو الطيب: ابعَدْ بعِدْتَ بياضاً لا بياضَ له ... لأنْت أسودُ في عيني من الظُلَمِ أبو دُلَف: وكلّ يومٍ أرى بيضاءَ قد طلعتْ ... كأنّما طلعتْ في ناظرِ البصَر أبو الطيب: إذا لحظَتْ بياضَ الشيبِ عيْني ... فقد وجدَتْهُ منها في السّوادِ أبو تمام: أثافٍ كالخُدودِ لُطمْنَ حُزناً ... ونُؤيٌ مثلُ ما انقصَم السِّوارُ أبو الطيب:
следующие страницы →