← Адаб

Адаб · id 489

الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره

الجرجاني، أبو الحسن

Полный текст (477 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بارزتُه وسلاحُه خلخالُه ... حتى فضضْتُ بكفّيَ الخَلخالا أبو الطيب: من طاعِني ثُغَرَ الرجالِ جآذرٌ ... ومنَ الرماحِ دمالِجٌ وخلاخِلُ والغرض غير الأول؛ لكنهما جعلا الخلخال سلاحاً. أبو تمام: ويضحكُ الدهرُ منهم عن غطارفةٍ ... كأنّ أيامهُم من أنسِها جُمَعُ أبو الطيب: لقد حسُنَت بك الأوقاتُ حتى ... كأنك في فمِ الدهرِ ابتِسامُ فزاد وأحسن؛ على أن أبا تمام لم يقصّر. بعض العرب: إذا نحنُ أدْلجْنا وأنت أمامَنا ... كفى لمطايانا بريّاكَ هادِيا نقله أبو العتاهية الى المدح فقال: ولو أنّ ركْباً يمّموكَ لقادَهم ... نسيمُك حتى يستدِلّ به الرّكْبُ وتبعه أبو الطيب فقال:

стр. 317

أدلّتُها رياحُ المسكِ فيه ... إذا فتحَتْ مناخِرَها انتِشاقا الخنساء: وما بلغ المُهدون نحوَك مِدحةً ... وإنْ أطنَبوا إلا وما فيك أفضلُ أبو نواس: إذا نحن انثنَيْنا عليك بصالحٍ ... فأنت كما نُثني وفوقَ الذي نُثني أشجع: وما ترك المُدّاح فيك مقالة ... ولا قال إلا دون ما فيك قائلُ أبو الطيب: ويبقى ضِعفُ ما قد قيلَ فيه ... إذا لم يتّرِكْ أحدٌ مقالا إياس الكِلابي: فإن تكُ في عديدِكم قليلُ ... فإنا في عدوّكُمُ كثيرُ أبو الطيب: كثيرٍ إذا شدّوا قليلٍ إذا عُدّوا خالد الكاتب:

стр. 318

صباً كئيباً يتشكّى الهوى ... كما اشتكى نصفُك من نصفِكا أبو الطيب: ظَلومٌ كمَتنَيها لصبٍّ كخصْرِها ... ضعيفُ القوى من فعلِها يتظلّمُ فأما المصراع الثاني فمشهور متداول. عبد الله بن الحسن العلَوي، وهو متداول: يُحسَبن من لين الكلام زَوانِياً ... ويصدّهنّ عن الخَنا الإسلامُ أبو الطيب: بيضاءُ تُطمِعُ فيما تحت حُلّتها ... وعزّ ذلِك مطلوباً إذا طُلِبا بشار: وقد عركت بتدمُر خيلُ قيس ... وكان لتدمُرٍ فيها دمار أبو الطيب: وليس بغيرِ تدمُر مستَغاتٌ ... وتدمرُ كاسْمِها لهُمُ دمارُ أبو العتاهية: فما آفةُ الآجالِ غيرُك في الوغى ... ولا آفةُ الأموالِ غيرُ حِبائكا أبو الطيب:

стр. 319

ولا موتَ إلا من سنانِك يُتّقى ... ولا رِزقَ إلا من يمينك يُقسَمُ أبو العتاهية: بدت بين حورٍ قِصارِ الخُطا ... تجاهِدُ بالمشْي أكفالَها أبو الطيب: بانوا بخُرعوبَةٍ لها كفَلٌ ... يكادُ عندَ القيامِ يُقعِدُها أبو نواس: ألا يا بْنَ الذي فنوا وبادوا ... أما والله ما بادوا لتبقى أبو الطيب: نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعافُ ما لا بدّ من شُربِه وأصله لمتمّم بن نويرة: فعدوْت آبائي الى عرقِ الثّرى ... فدعوتُهُم فعلمتُ أنْ لم يسمَعوا ولقد علمْتُ ولا محالةَ أنّني ... للحادِثات فهل تَريْني أجزَعُ

стр. 320

بعض العرب: وإنما القرْمُ من الأفيلِ ... وسُحقُ النّخلِ من الفَسيل أبو الطيب: فأول قُرّحِ الخيل المِهارُ أبو نواس: تبكي فتُذري الدُرّ من نرجِسٍ ... وتلطِمُ الوردَ بعنّابِ ابن الرومي: كأنّ تلكَ الدموعَ قطرُ ندًى ... يقطُرُ من نرجسٍ على ورْدِ أبو الطيب: وتمسَحُ الطّلَّ فوق الوردِ بالعنَمِ أبو نواس: فهْي إذا سميَتْ فقد وُصفَتْ ... فيجمَعُ الإسمُ معنَيْن معا

стр. 321

فقلبه أبو الطيب فقال: ومَن يصِفْك فقد سمّاك للعَرَبِ منصور النّمَري: من كلّ سمْحِ الخُطى وكلّ يعمَلةٍ ... خُرطومُها باللُّغامِ الجعْدِ ملتَفِعُ أبو الطيب: وهل أرمي هوايَ براقِصاتٍ ... مُحلاّةِ المقاودِ باللُّغامِ الخُريمي: شفعتْ مكارمُه لهُم فكفتْهُم ... جهدَ السؤال ولُطفَ قولِ المادح أبو تمام: طوى شِيماً كانت تروحُ وتغتدي ... وسائِلَ من أعيتْ عليه وسائِلُهْ أبو الطيب: إذا عرضَتْ حاجٌ إليه فنفْسُه ... الى نفسِه فيها شفيعٌ مشفَّعُ

стр. 322

الخُرَيمي: صبرْتُ فكان الصبرُ خيرَ مغبّةٍ ... وهل جزَعٌ أجدى عليّ فأجزَعُ أبو الطيب: وهان فما أبالي بالرّزايا ... لأني ما انتفعْتُ بأنْ أبالي العباس: لا تحسبنّي عنكمُ مقْصِراً ... إني على حبّكم مطبوعُ أبو الطيب: يُراد من القلب نسيانُكم ... وتأبى الطباعُ على النّاقِلِ أحمد بن طاهر: وأبوهم أبو الصنائع عندي ... حين أعتدّ بالصنائع عندي أبو الطيب: فكم وكم نِعمةٍ مجلّلةٍ ... ربّيتَها كان منكَ مولدُها فأخذ الولادة وزاد فيه ربيته وهو حسن. أبو تمام: ثمّ انقضتْ تلك السّنون وأهلُها ... فكأنّها وكأنهم أحلامُ وهو كثير مشهور: أبو الطيب:

стр. 323

نصيبُك في حياتك من حبيب ... نصيبُك في منامك من خيالِ أبو طاهر: خلائِقُكم للمكرُمات مناسِب ... تناهى إليها كلّ مجدٍ مؤثّل نقله أبو الطيب فقال: ويُغنيكَ عما ينسُبُ الناس أنه ... إليك تناهى المكرُماتُ وتُنسَبُ أبو هفّان: وزادَه عجَباً أن رُحتُ في سمَلٍ ... وما درَتْ دُرُّ أنّ الدرَّ في الصّدَفِ نقله أبو الطيب فقال: لو كان سُكناي فيكَ منقصةً ... لم يكن الدرّ ساكنَ الصّدفِ أبو العتاهية: هب لي أمينَ الله من بعضِ ما ... ملّككَ الرّحمنُ من نفْسي أبو الطيب: فاغفِر فدًى لك واحبُني من بعدِها ... لتَخُصّني بعطيّةٍ منها أنا ونحوه: له أيادٍ إليّ سابقةٌ ... أعدّ منها ولا أعدِّدُها

стр. 324

البحتري وهو كثير مشهور: من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعث الشّوْ ... قَ الذي قد ضلّ في الأحشاءِ أبو الطيب: رأيتُ المُدامةَ غلاّبةً ... تهيّجُ للقلب أشواقَهُ البحتري: كلّ الذي تبغي الرجال تُصيبُه ... حتى تبغّي أن ترى شرْواهُ وله مثله: ولئن طلبْتُ شبيهَهُ إني إذاً ... لمكلِّفٌ طلبَ المحال ركابي نقله أبو الطيب فقال: وما عزّه فيها مُرادٌ أراده ... وإنْ عزّ إلا أن يكون له مثلُ فزاد؛ لأنه بيّن وجهين من المدح: أحدُهما وصفُه بالاقتدار والتمكّن من المراد، والثاني انفرادُه بالفضل عن الأمثال، وقد قال مقتصراً على المعنى الأول: أمُريدَ مثلِ محمدٍ في عصره ... لا تبلُنا بطلابِ ما لا يُلحَقُ البحتري: يتعثّرْن في النّحورِ وفي الأوْ ... جُه شُكراً لمّا شربْن الدماءَ أبو الطيب:

стр. 325

تميل كأن في الأبطال خمْراً ... عُلِلنَ اصطِباحاً واغْتِباقا ثم نقله الى الخيل فقال: ما زال طِرفُك يجري في دمائِهمُ ... حتى مشى بك مشيَ الشاربِ الثّملِ ابن المعتز، وهو معنى مشهور، وهذا من مليح ما قيل فيه: إنّا على البِعاد والتفرّق ... لنَلتقي بالذّكرِ إن لم نلتَقِ أبو الطيب: لنا ولأهلِه أبداً قُلوبٌ ... تلاقَى في جُسومٍ ما تَلاقى وله نحوه: قرُب المزارُ ولا مزارَ وإنّما ... يغدو الجَنانُ فنلتقي ويروحُ البحتري: وأصفحُ للبلى عن ضوءِ وجهٍ ... غنيتُ يروعُني فيه الشّحوبُ أبو الطيب: وبالٍ كان يُفكِرُ في الهُزالِ أبو تمام: هم رهْطُ من أمسى بعيداً رهْطُه ... وبنو أبي رجُلٍ بغيرِ بني أبِ

стр. 326

أبو الطيب: إذا تركَ الإنسانُ أهلاً وراءَه ... ويمّم كافوراً فم يتغرّبُ وأصله قول الأول: ومن تكرّمِهم في المحلِ أنهُمُ ... لا يعلم الجارُ فيهم أنه جارُ مثله: وما زال بي إكرامُهم وافتِقادُهم ... وإلطافهمْ حتى حسبتُهمُ أهلي أبو تمام: فلقَبلُ أظهرَ صقْلُ سيفٍ أثرَه ... فبَدا وهذّبَتِ النّفوسَ همومُها أبو الطيب: ويبقى على مرِّ الحوادثِ صبرُهُ ... ويبدو كما يبدو الفِرِندُ على الصّقْلِ أبو تمام: لها منزلٌ تحت الثرى وعهدتُها ... لها منزلٌ بين الجوانحِ والقلبِ أبو الطيب: فإن تكُ في قبرٍ فإنّك في الحشا أبو تمام:

стр. 327

قد قلّصَتْ شفتاهُ من حفيظَتِه ... فخيلَ من شدّة التّعبيسِ مبتسما أبو الطيب: إذا رأيت نيوبَ الليث بارزةً ... فلا تظنّن أن الليثَ يبتسمُ البعيث: وإنا لنُعطي المشرفيّة حقها ... فنقطَعُ في أيمانِنا وتقطّعُ أبو تمام: وما كنتَ إلا السيف لاقى ضريبةً ... فقطّعها ثم انثَنى فتقطّعا المتنبي: وهولٍ كشفْتَ ونصلٍ قصفْتَ ... ورُمحٍ تركْت مُباداً مُبيدا ثم أعاده فقال: فتُسفِر عنه والسّيوفُ كأنما ... مضاربُها مما انفلَلْن ضرائِبُ ثم أعاد وزاد؛ إذ جعل الحديد مقتولاً فقال: قتلْت نُفوسَ العِدا بالحدي ... دِ حتى قتلْتَ بهنّ الحديدا وكأنّه ألمّ في استعارة القتل للحديد بقول أبي تمام: وما مات حتى مات مضرِبُ سيفِه ... من الضّربِ واعتلّتْ عليه القَنا السُمْرُ

стр. 328

ثم كرره وزاد إذ جعله مقتولاً في جسم القتيل وجعل للسيوف آجالاً فقال: القاتلُ السيفَ في جسمِ القتيلِ به ... وللسيوفِ كما للناس آجالُ ثم أعاد وزاد تشبيهاً فقال: ومنعفِرٍ لنصْلِ السيفِ فيه ... تواري الضّبِّ خافَ من احتِراشِ وكأنه اقتدى في ترْكِ السيف في جسم القتيل بقول الحُصين بن الحُمام: نطاردُهم نستنفِذُ الجُرد كالقَنا ... ويستنفِذون السّمهريَّ المقوَّما قيل في تفسير قوله: ويستنفِذون السّمهريَّ المقوّما إنا نطعنهم فتبقى الرماح أو عواليها فيهم إذا أعجلونا بركْضِ الخيل عن انتزاعِها؛ وقيل غير ذلك. وقد قالت امرأة من بني عامر: تعرفكم جزر الجزور رماحُنا ... ويمسِكْن بالأكبادِ مُنكسرات وقد قيل في تفسيره: إن التماح تنكسر فتعلق بالأكباد عواليها. وقد قال أبو الطيب: نصرِّفُه للطّعْنِ فوقَ حواذِرٍ ... قدِ انقصفَتْ فيهنّ منهُ كِعابُ

стр. 329

وقال، وقد زاد كأنه اخترع المعنى وإن كان يلاحظ بيت أبي تمام: ونالتْ ثارَها الأكبادُ منه ... فأولَتْه اندقاقاً أو صُدوعا سعيد بن حُميد: جلّت يدُ الدهرِ عندي في اجتماعهما ... وإن أساء بنا في كلّ ما صنعا أبو الطيب: يدٌ للزمان الجمعُ بيني وبينه ... لتفريقِه بيني وبين النّوائب وقد نقله الى معنى آخر فقال: ولولا أيادي الدهْر في الجمْع بيننا ... غفَلْنا فلم نشعُر له بذُنوبِ وكأنّه ألمّ في هذا المعنى بقول البحتري - وإن كان في الغرضين بعض الاختلاف: تنسى أيادي الزّمانِ فينا فما ... نذْكرُ شيئاً منه سوى نُوَبِهْ الكميت: وكائِن في المعاشر من أناسٍ ... أخوهم فوقهم وهمُ كِرامُ أبو الطيب: كلّ آخائِه كِرامُ بني الدنْ ... يا ولكنّه كريمُ الكِرامِ

стр. 330

أبو تمام: مضى طاهرَ الأخلاق لم يبق بقعة ... من الأرض إلا واشتهَتْ أنها قبرُ أبو الطيب: وتغبِطُ الأرضُ منها حيثُ حلّ به ... وتحسُدُ الخيلُ منها أيّها ركِبا غيره: إن أجرَمَتْ لم تنصّلْ من جرائِمِها ... وإن أساءَت الى الأقوامِ لم تُلَمِ أبو الطيب: وجدْنا ابنَ إسحاقَ الحُسين كجدِّه ... على كثرةِ القتْلى برِيّاً من الإثم أبو تمام: مستَبسِلون كأنما مهَجاتُهم ... ليست لهم إلا غداةَ تسيل ألِفوا المَنايا فالقتيلُ لديهمُ ... لم يُخَلّ العيش وهْو قتيلُ ونحو هذا اللفظ قول أبو الطيب: وكقتْلِه ألا يموتَ قَتيلا

стр. 331

ومثله: لا ييأسون من الدنيا إذا قُتِلوا أبو الطيب: ضربْتَه بصدورِ الخيلِ حاملةً ... قوماً إذا تلِفوا قُدْماً فقد سلِموا وله: وفوارسٍ يُحيي الحِمامُ نُفوسَها ... فكأنها ليستْ من الحيوان وأنا أرى أن هذا المعنى منقول من قول زهير: تراهُ إذا ما جِئتَه متهلِّلاً ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائلُه لأن زهيراً جعله يُسَر بالبذل حتى كأنه أخذ، وجعله هذا يسرع الى القتل حتى كأنّه حياة، فالمعنيان واحد في التحصيل، وقد قال أبو الطيب في معنى قول زهير: من القاسمين الشُكْرَ بيني وبينهم ... لأنهم يُسْدَى إليهم بأن يُسْدوا أبو تمام: ويهتزّ مثلَ السيفِ لو لم تسُلَّهُ ... يدانِ لسلّتْه ظُباه من الغِمدِ

стр. 332

أبو الطيب: وتكاد الظُبى لِما عوّدوها ... تنتَضي نفسَها الى الأعناق زيد الخيل: وأسمَر مرفوعٍ يرى ما أريْتُه ... بصيرٍ إذا صوّبْتُه بالمقاتِلِ أبو تمام: من كل أزرق نظّارٍ بلا نظَرٍ ... الى المقاتلِ ما في متنِه أودُ أبو الطيب: يرى حدُّهُ غامِضاتِ القُلوبِ ... إذا كنتُ في هبْوةٍ لا أراني وقد زعموا أن قوله: وقد صُغْتَ الأسنّة من هُمومٍ ... فما يخطُرْنَ إلا في فؤادِ مأخوذ من هذا، ومن قول أبي تمام: يظل فؤاداً للفؤاد سنانُه ولا أبعد أن يكون قد لاحظه؛ لنّه قد أبرّ به على كل مخترع وسابق ومنفرد. والأقربُ عندي أن يكون مأخوذاً من قول أبي تمام: كأنّه كان تِرْبَ الحبِّ مذْ زمنِ ... فليس يحجُبُه قلبٌ ولا كبِدُ أبو تمام: تجاوز غاياتِ العُقولِ رغائبٌ ... تكادُ بها لولا العِيان يُكذّبُ

стр. 333

البحتري: وحديث مجدٍ عنك أفرَط حُسنُه ... حتى ظننّا أنه موضوع وأصله قول بعض العرب: أحدّث من لاقيتُ يوماً بلاءَه ... وهم يحسبون أنني غيرُ صادق أبو الطيب: كرَماً فلو حدّثْتَه عن نفسِه ... بعظيم ما صنَعتْ لظنّك كاذِبا فأساء؛ لأنه جعله يستعظم فعله، وإنما الجيد قوله: يستصغِرُ الخطَر العظيمَ لوفدِه ... ويظنّ دِجلةَ ليس تكفي شاربا أبو نواس في الكئوس: طالعات مع السُقاةِ علينا ... فإذا ما غرّبْنَ يغرُبْنَ فينا أبو الطيب في السيوف: طلعْنَ شُموساً والغمودُ مشارقٌ ... لهنّ وهاماتُ الرجالِ مغارِبُ فأما جعل السيوف شموساً فكثير النابغة: لَما أغفَلْتُ شكرَك فانتَصِحْني ... فكيف ومن عطائِكَ جُلّ مالي ثم فسر فقال: وإنّ تِلادي إنْ نظرتُ وشِكّتي ... ومُهري وما ضمّت إليّ الأناملُ

стр. 334

حِباؤكَ والعيسُ العِتاقُ كأنّها ... هِجانُ المَهى تُحدَى عليها الرّحائلُ أبو نواس: وكلّ خيرٍ عندهُم من عندِه وفسر أبو الطيب وشرح وملح: أسيرُ الى إقطاعه في ثيابِه ... على طِرفِه من دارِه بحُسامِه وما مطَرتنيه من البيضِ والقَنا ... ورومِ العِبِدَّى هاطِلاتُ غَمامِه حاتم: ومن يبتدِعْ ما ليس من خِيمِ نفسِه ... يدعْه ويغلبْه على النفس خِيمُها وقال الأعور الشّنّي: ومن يقترف خُلْقاً سوى خُلقِ نفسِه ... يدعْهُو تغلبْه عليه الطّبائعُ إبراهيم بن المهدي: من تحلّى شيمةً ليستْ له ... فارقَتْه وأقامتْ شيمتُه أبو الطيب: وأسرعُ مفعولٍ فعلْتَ تغيُّراً ... تكلّفُ شيءٍ في طباعكَ ضدُّه

стр. 335

وهذا المعنى متداول، وقد أكثر الناسُ فيه، وأشبهه بقول أبو الطيب قول الأعور الشّنّي: وأدْوَم أخلاقِ الفَتى ما نَشا به ... وأقصَرُ أفعالِ الرجالِ البدائِعُ المصراع الثاني هو بيت أبو الطيب بكماله. طُفَيل: وما أنا بالمُستَنِْر البيْن إنّني ... بذى لطَفِ الجيرانِ قِدْماً مفجَّعُ أبو الطيب: وما استغرَبَتْ عيني فِراقاً رأيتُه ... ولا علّمتْني غيرَ ما القلبُ عالِمُه المصراع الثاني من قول عديّ بن الرّقاع: وعرفْتُ حتى لستُ أسأل عالِماً ... عن حرفِ واحدةٍ لكيْ أزدادَها ومن قوله الأعور: لقد أصبحتُ ما أحتاج فيما ... بلوْتُ من الأمورِ الى السؤال وقد كرره أبو الطيب فقال: عرفتُ الليالي قبلَ ما صنعتْ بِنا ... فلمّا دهَتْني لم تزِدْني بها عِلما أبو الطيب: فلا يتّهمْني الكاشِحون فإنني ... رعيْتُ الرّدى حتى حلَتْ لي علاقِمُهْ

стр. 336

وهو من قول الآخر: وفارَقتُ حتى ما أحِنّ الى هوًى ... وإنْ بان جيرانٌ عليّ كِرامُ وقد جعلتْ نفسي على النّأيِ تنطوي ... وعيني على فقْدِ الحبيبِ تنامُ وهو معنى قوله حتى حلت لي علاقمه. ومثله قول المؤرِّج بن عمرو: رُوِّعْتُ بالبين حتى ما أراعُ له ... وبالتفرّقِ من أهلي وجيراني أو قول الخُريمي: لقد وقرَتْني الحادثاتُ فما أُرى ... لنازلةٍ من ريْبها أتوجّعُ وقد بسطه أبو الطيب وشرحه وزاد فيه تمثيلاً حسناً فقال: رماني الدهرُ بالأرْزاءِ حتى ... فؤادي في غِشاءٍ من نِبال فصِرْتُ إذا أصابتْني سهامٌ ... تكسّرتِ النِّصالُ على النّصالِ وقد تقدم ما يقارب هذا المعنى، وإن كنا أعدناه لتمييز أحدهما عن الآخر. الطّرمّاح: يفرّق منا من نحبّ اجتماعَه ... ويجمع منا بين أهلِ الضّغائن آخر: عجِبتُ لتطويح النّوى من أحبّه ... وإدْناءِ من لا يُستلذّ له قُربُ

стр. 337

وهو كثير، وأصله لمضرِّس بن ربعي من قوله: لعمرُك إني بالخليل الذي له ... عليّ دلالٌ واجبٌ لمفجّعُ وإني بالمولى الذي ليس نافِعي ... ولا ضائِري ما ساءه لممتّعُ فنقله أبو الطيب فأحسن وأطاب: أما تغلَطُ الأيامُ فيّ بأن أرى ... بغيضاً تُنائي أو حبيباً تقرِّبُ يزيد المهلّبي، وهو معنى مشهور: إن يُعجز الدهرُ كفّي عن جزائِكُمُ ... فإنني بالهَوى والشُكرِ مجتهدُ أبو الطيب: لا خيلَ عندَك تهديها ولا مالُ ... فليُسعِدِ النُطقُ إن لم تُسعِدِ الحالُ وأصله قول الأول: يَجزيك أو يُثْنى عليك وإنّ منْ ... أثنى عليك بما فعلتَ كمن جزَى أبو العَمَيثل الأعرابي: اصْدُقْ وعِفّ وبر واصْبِر واحتمِلْ ... واصفَحْ ودارِ وكافِ وابذُل واشْجُعِ أبو الطيب: أقلْ أنِل أُنْ صنِ احمِلْ علِّ سلِّ أعِدْ ... زِدْ هشَّ بَشَّ هبِ اغفرْ أدْنِ سُرَّ صِلِ فزاد، وأصل هذه الطريقة قول امرئ القيس:

стр. 338

أفاد وجادَ وسادَ وزاد ... وقاد وعادَ وأفضَلْ الحُصين بن الحمام: تأخرتُ أستَبقي الحياةَ فلم أجِدْ ... لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتقدّما أبو الطيب: فحبُّ الجبانِ النّفْسَ أوردَه التُقى ... وحبّ الشُجاعِ النّفسَ أوردَهُ الحرْبا سعيد بن حُميد: يا ليلُ لو تَلْقى الذي ... ألقى به أو تجدُ قصّرَ من طولِك أو ... أضعفَ منك الجلدُ نقله أبو الطيب فقال: كأنّ الليلَ قاسى ما أُقاسي ... فصارَ سوادُه فيه شُحوبا علي بن محمد البسّامي: منْ كان في الدنيا له شارةٌ ... فنحن من نظّارة الدنيا نرمُقها من كثَبٍ حسرةً ... كأنّنا لفظ بلا معنى أبو الطيب: والدهرُ لفظٌ وأنت معناهُ

стр. 339

بعضهم: وأُسَرُّ في الدُنيا بكلِّ زيادةٍ ... وزيادَتي فيها هوَ النّقْصُ أبو الطيب: زيادةُ شيب وهي نقْصُ زيادتي ... وقوّةُ عِشقٍ وهيَ من قوّتي ضعفُ ومثله له: متى ما ازددْتُ من بعدِ التناهي ... فقد وقع انتِقاصي في ازْدياد علي بن الجهم في صفة الشعر، وهو معنى مشهور: فصار مسيرَ الشمسِ في كل بلدة ... وهبّ هبوبَ الريح في البرّ والبحرِ أبو الطيب: قوافٍ إذا سِرْنَ عن مِقولي ... وثبْنَ الجبال وخُضْنَ البِحارا وله مثله: إذا قُلتُه لم يمتنِعْ من وُصولِه ... جدارٌ معلَّى أو خِباءٌ مطنّبُ وأصله قول عنترة بن الأخرس: ألم تر أنّ شِعري سار عنّي ... وشِعرَك حولَ بيتك ما يسير

стр. 340

ابن الرومي: وما ازْدادَ فضلٌ فيك بالمدْح شُهرةً ... بلى؛ كان مثل المِسك صادفَ مِخْوضا أبو الطيب: وذاك النّشر عِرضُك كان مسْكاً ... وهذا الشعرُ فهْري والمَداكا الحادرة: فأثنوا عليْنا لا أبا لأبيكُمُ ... بأحسابنا إن الثّناء هو الخُلدُ غيره: ردّت صنائِعُه عليهِ حياتَه ... كأنهُ من نشرِها منشورُ أبو تمام: سلَفوا يرَوْن الذّكْرَ عيشاً ثانياً ... ومضَوْا يعدّون الثّناءَ خُلودا أبو الطيب: كفَلَ الثّناءُ له بردِّ حياتِه ... لما انْطوى فكأنّه منشورُ وكأنّما عيسى ابنُ مريمَ ذكرُه ... وكأن عازَر شخصُه المقبورُ وكرره فقال:

стр. 341

فإنّ له ببطنِ الأرضِ شخصاً ... جديداً ذِكرُناهُ وهو بالي بعض العرب: وقاسَمَني دهْري بنيَّ بشطْرِه ... فلما تقضّى شطرُهُ عادَ في شطْري أبو الطيب: قد كان قاسمَك الشّخصين دهرُهُما ... وعاش دُرُّهُما المفدِيُّ بالذّهبِ وعاد في طلبِ المتروكِ تاركُه ... إنّا لنغفُلُ والأيامُ في الطّلبِ ومثل المصراع الأخير قولُ النمِر بن تولَب: تدارك ما قبل الشباب وبعده ... حوادث أيام تمرّ وأغفُلُ بعض المُحدَثين: وما فسدَتْ لي يشهدُ الله نيّةٌ ... عليك بلِ استفْسَدْتَني فاتّهَمْتني أبو الطيب وأحسن غاية الإحسان: إذا ساءَ فعلُ المرءِ ساءتْ ظُنونه ... وصدّقَ ما يعتادُه من توهُّمِ وعادى محبّيه بقولِ عُداتِه ... وأصبحَ في ليلٍ من الشكِّ مُظلِمِ بعض العرب: لمّا رأوهُم لم يُحسّوا مُدرِكاً ... وضعوا أناملَهُم على الأكباد أبو الطيب:

стр. 342

ظَلْتَ بها تنطَوي على كبِدٍ ... نضيجةً فوقَ خِلبِها يدُها يحيى بن زياد: دفَعْنا بكَ الأيامَ حتى إذا أتتْ ... تُريدُك لم تسْطِع لها عنك مدفعا أبو الطيب: ما زِلْت تدفعُ كلّ أمرٍ فادِحِ ... حتى أتى الأمرُ الذي لا يُدفَع أبو تمام: محاسنُ من مجدٍ متى يقرِنوا بها ... مناقبَ أقوامٍ تكُنْ كالمَعايبِ أبو الطيب: شادوا مناقبَهم وشِدْتَ مناقباً ... وُجِدَتْ مناقبُهم بهنّ مثالِبا الحطيئة: قومٌ همُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهُم ... ومن يسوِّي بأنفِ النّاقةِ الذّنَبا المتنبي: قصدْتُك والرّاجون قصْدي إليهِمُ ... كثيرٌ ولكنْ ليسَ كالذّنَبِ الأنفُ

стр. 343

الحُصين بن الحمام: ولما رأيت الودَّ ليس بنافعي ... عمدْتُ الى الأمر الذي كان أحْزَما أبو الطيب: إذا لم تُجزهُم دارَ قومٍ مودّةٌ ... أجازَ القَنا والخوفُ خيرٌ من الودِّ والعرب تقول: رهَبوت خير من رحَموت؛ أي أن تُرهِب خير من أن ترحَم بعض العرب: ولا خيرَ في حسن الجُسوم ونُبلِها ... إذا لم تزِنْ حُسنَ الجُسومِ عقولُ عمرو بن معدي كرِب: ليسَ الجمالُ بمئزرٍ ... فاعْلَم وإنْ رُدّيَت بُرْدا إن الجمالَ معادنٌ ... ومناقبٌ أورثْنَ مجْدا العباس بن مِرداس؛ ويروى لربيعة بن ثابت الرّقي: فما عِظَمُ الرجالِ لهُم بفخْرٍ ... ولكنْ فخرُهُم كرمٌ وخيرُ أبو الطيب: وما الحُسنُ في وجهِ الفتى شرَفاً له ... إذا لم يكنْ في فِعلِه والخلائِق ومثله له في وصف الخيل: إذا لم تُشاهِدْ غيرَ حُسنِ شياتِها ... وأعضائِها فالحُسنُ عنكَ مغيَّبُ

стр. 344

وقريب منه قوله: يحبُّ العاقلونَ على التّصافي ... وحبُّ الجاهلينَ على الوسامِ بعض العرب: ولستُ وإن أحببتُ من يسكُنِ الغَضا ... بأولِ راجِ حاجةً لا ينالُها أبو الطيب: وليس بأولِ ذي همّةٍ ... دعتْهُ لِما ليسَ بالنّائِلِ جابر بن حيّان: وإنْ يقتسِمْ مالي بنيَّ ونسوتي ... فلم يقسِموا خُلُقي الكريمَ ولا فِعلي أبو تمام: وانفَحْ لنا من طيب خيمِك نفحةً ... إن كانتِ الأخلاق مما يوهَبُ أبو الطيب: إذا طلبوا جدْواكَ أُعطوا وحُكِّموا ... وإن طلَبوا المجدَ الذي فيك خُيِّبوا ولو جاز أن يحْووا عُلاك وهبْتَها ... ولكَنْ منَ الأشياءِ ما ليسَ يوهَبُ

стр. 345

بعض العرب: لا أُمسِكُ المالَ إلا ريْثَ أُتلِفُه ... ولا تغيّرُني حالٌ الى حالِ أشجع: تغيِّرُ الأيامُ حالاته ... وجودُه باقٍ على حال أبو الطيب: وحالاتُ الزّمانِ عليكَ شتّى ... وحالُك واحدٌ في كلِّ حالِ أبو تمام: همّةٌ تنطحُ النّجومَ وجدٌّ ... آلِفٌ للحضيضِ فهو حضيضُ أبو الطيب: أبداً أقطَعُ البلادَ ونجْمي ... في نُحوسٍ وهمّتي في سُعودِ أبو تمام: وما زال منشوراً عليّ نوالُه ... وعندي حتى قد بقيتُ بلا عندِ أبو الطيب: ويمنعني ممّن سوى ابنِ محمدٍ ... أيادٍ له عندي يضيقُ بها عندُ

стр. 346

أبو تمام: يمدّون بالبيضِ القواطعِ أيدياً ... وهنَّ سواءٌ والسّيوفُ القواطعُ نقله أبو الطيب فقال: هُمامٌ إذا ما فارقَ السيفُ غمدَه ... وعاينْتَه لم تدْرِ أيُّهما النّصْلُ أبو تمام وهو كثير: قد نبَذوا الحَجَفَ المحبوك من زؤدٍ ... وصيّروا هامهم بل صُيِّرَتْ حَجَفا أبو الطيب: تقي جبَهاتُهُم ما في ذُراهُم ... إذا بشِفارِها حَمِيَ اللّطامُ أبو تمام: ولكَمْ عدوٍّ قال لي متمثّلاً ... وكم من ودودٍ ليس بالمودودِ أبو الطيب: هو الحبيبُ ولكنّي أعوذ به ... من أنْ أكونَ محبّاً غير محبوبِ أبو تمام: ملْقى الرّجاء وملْقى الرَّحْل في نفر ... الجودُ عندهُمُ قولٌ بلا عمَل

стр. 347

وله: وأقلُّ الأشياءِ محصولَ نفْعٍ ... صحةُالقول والفَعالُ مريضُ وهو كثير. قال أبو الطيب: جودُ الرّجالِ من الأيدي وجودُهُمُ ... من اللسانِ فلا كانوا ولا الجودُ وقال في أخرى: ونُعْمى الناسِ أقوالُ وقال في أخرى: أرى أناساً ومحصولي على غنَمٍ ... وذكرَ جودٍ ومحْصولي على الكلِمِ وقد يزعم بعضُ من يذهب على تمييز السّرَق أن المِصْراع الأول مأخوذٌ من قولهم: فلان بهيمة وحمار. ومن قول النّمَري: شاءٌ من الناس راتع هامِلُ ومن قول السّيد: قد ضيّع اللهُ ما جمّعتُ من أدبٍ ... بين الحَميرِ وبين الشّاءِ والبقَرِ قال أبو الحسن: وهذا البيت يروى للمخيم الراسي. قال: والجماعة اعتمدَتْ فيه على قول الله : (إنْ هُمْ إلا كالأنْعامِ بل هُمْ أضلُّ) ، وهذا كما زعم الصولي أن قول البحتري:

стр. 348

عليّ نحْتُ القوافي من مقاطِعها ... وما عليّ إذا لم تفهم البقرُ مأخوذ من قول أبي تمام: لا يدْهمنّك من دهمائهم نفر ... فإنّ جلَّهم بل كلهم بقرُ هذا مع اتساعه في الدعاوى، وتحققه عند نفسه بنَقْد الشعر، وادعائه أن أحداً لم يسبقه الى هذا العلم، وأنه طريق لم تُسلَك قبلَه، وباب لم يزلْ مستغلقاً حتى افتتحه؛ كأنْ لم يعلم أن العقلاء منذ كانوا يسمّون البليدَ الغبي حماراً أو بقرة. وإذا استْبعدوا ذهن مخاطَب واستخفوا فطنه منازع قالوا: هذا ثور وتيْس؛ حتى شاع ذلك على أفواه العامة وألْسن النّساء والصبيان. وكيف يُدّعى في هذا السَّرق! ومن جعل بعضَ الناس أولى به من بعض وهم فيه شرَعٌ واحد! وأي ذهن يغيب عنه ذلك حتى يفتقر الى الاعتماد فيه على غيره والاستمداد ممّن تقدم قبله! وإنما يصحّ في مثل هذا الأخذ إذا أضيفتْ إليه صنعةُ لفظ، أو وُصِل بزيادة معنى، كبيت البحتري فإنّه لم يرض أن يقول: القوم بقر وبهائم؛ كما قال أبو تمام حتى قال: عليّ نحتُ القوافي من مقاطعها أي عليّ أن أجيد وأبدِع وأتأنّق في شعري، وما عليّ إفهام البقر؛ فهذه زيادة يصح فيها نقد وسرِقة، وأما بيتُ أبو الطيب فليس إلا صريح التمثيل المتداول الذي عرفناك انتفاء هذه الدعوى عنه.

стр. 349

أبو تمام: وكأنّما نافسْتَ قدْرَك حظَّهُ ... وحسدْت نفسَك حين أن لم تُحسَدِ أبو الطيب: يحدّثُ عن قلبِه مُكرَهاً ... كأنّ لهُ منهُ قلباً حَسودا إن كان فيه أخذٌ ففي اللفظ، ومثله قد يؤخذ؛ فأما المعنيان فمختلفان، لأن أبا تمام أراد أنك نافستَ قدرَك، وحسدْت نفسَك، فطفِقتَ تُناهي في شرف الفعل، وتَزيد على كلِّ غاية تصلُ إليها، وإن كنتَ فيها منقطعَ القرين فائت الشأو، وأبو الطيب يقول: كأن قلبك يحسُدُك على فضائلك فهو يكره أن يستقبل بذكرها. وهذا نوع آخر من المديح وفي غير المذهب الأول؛ لكنهما اجتمعا في حسَدِ النفس والقلب. أبو تمام: خابَ امرؤٌ بخِسَ الحوادثُ سعيَه ... فأقامَ عنكَ وأنت سعدُ الأسعُدِ أبو الطيب: عجْزٌ بحُرٍّ فاقَةٌ ووراءَهُ ... رِزْقُ الإلهِ وبابُك المفتوح أبو تمام: فالمشْيُ همْسٌ والنِّداءُ إشارةٌ ... خوفَ انتقامِك والحديثُ سِرارُ

стр. 350

أبو الطيب واقتصر على ذكر المشي فقال: قصرَتْ مخافتَهُ الخُطا فكأنّما ... ركبَ الكميُّ جوادَهُ مشكولا ونحوه له: فلم يسرَحْ لهم في الصُبْحِ مالٌ ... ولم توقَدْ لهُم بالليلِ نارُ الحُصَين بن الحِمام: فلستُ بمبتاع الحياةِ بذلّةٍ ... ولا مُرتَقٍ من خشية الموت سُلَّما تأبط شراً: هُما خُطّتا إمّا إسارٌ وذلّةٌ ... وإما دمٌ، والقتلُ بالحرِّ أجملُ بشار: ولَلموتُ خيرٌ من حياة على أذى ... يضيمك فيها صاحب وتراقبه وقد أكثر الناس وتصرفوا في أمثلته. أبو الطيب: ذلّ من يغبِطُ الذّليلَ بعيشٍ ... رُبّ عيشٍ أخفُّ منهُ الحِمامُ

стр. 351

وله: عِشْ كريماً أو متْ وأنت عزيزٌ ... بين طعنِ القنا وخفْقِ البُنودِ وقد أعاده فزاد وأحسن فقال: تغُرُّ حلاواتُ النفوسِ قلوبَها ... فتختارُ بعضَ العيش وهُو حِمامُ وشرُّ الحِماميْنِ الزّؤامين عيشةٌ ... يذِلُّ الذي يختارُها ويُضامُ ونحوه له: وأمَرُّ مما فرّ منهُ فِرارُهُ ... وكقتْلِه أن لا يموت قَتيلا والمصراع الثاني من قول أبي تمام - وقد قدمناه: ألِفوا المَنايا فالقتيلُ لديهُمُ ... من لم يُخَلِّ العيشَ وهْو قتيلُ ونحوه قول المتنبي: فاطْلُبِ العزَّ في لظًى وذرِ الذ ... لّ ولو كان في جِنانِ الخُلودِ وهو من قول الناس: النار ولا العار. ومثل الأول قوله: لقيتُ القَنا عنهُ بنفْسٍ كريمةٍ ... الى الموت في الهيجا من العار تهرُب الأهْتم بن سِنان: وما كلّ من يغْشى القِتالَ بميّتٍ ... ولا كلُّ منْ يرْجو الإيابَ بسالِم زياد الأعجم: مات المغيرةُ بعد طولِ تعرُّضٍ ... للقتل بين أسنّةِ وصفائح

стр. 352

والقتلُ ليس الى القِتال ولا أرى ... سبباً يؤخَّرُ للشّفيق الناصح أبو الطيب: وقد يترُك النفسَ التي لا تهابُه ... ويخترِمُ النّفْسَ التي تهيَّبُ وله: يُقتَل العاجزُ الجبانُ وقد يعْ ... جِزُ عن قطعِ بُخْنُقِ المولودِ ويوقَّى الفتى المِخَشُّ وقد خوّ ... ضَ في ماءِ لبّةِ الصّنديدِ بعض العرب: إني لأستُر ما ذو العقلِ ساترُه ... من حاجةٍ وأُميتُ السرَّ كِتْمانا عِمران بن حِطّان: وكنتُ أجُنَّ السرَّ حتى أميتَه ... وقد كان عندي للأمانةِ موضِعُ أبو الطيب: وسرُّكُم في الحَشا ميّتٌ ... إذا أُنشِرَ السرُّ لا يُنشَرُ الأعور الشنيّ - وهو كثير: إذا صبّحَتْني من أُناسٍ ثعالبٌ ... لأدفَع ما قالوا منحتُهُم حقْرا أبو الطيب: ويحتقِرُ الحُسّادَ عن ذكرِه لهُم ... كأنهُمُ في الخَلقِ ما خُلِقوا بعْدُ

стр. 353

وله: أبْدو فيسْجُدُ من بالسّوءِ يذكُرُني ... فلا أعاتِبُه صَفْحاً وإهْوانا المصراع الثاني هو المعنى الأول، وقد كثر حتى خرج عن باب السّرق. زياد الأعجم: إنّ السماحةَ والمروءة ضُمِّنا ... قبْراً بمَرْوَ على الطّريقِ الواضِح أبو الطيب: فيهِ الفصاحةُ والسّماحةُ والتُقى ... والبأسُ أجمَعُ والحِجا والخِيرُ المؤرج التغلبي: يغتابُ عِرضي خالياً ... وإذا تلاقَيْنا اقشَعرّا يُبدي كلاماً ليّناً ... عِندي ويُخفي مُستَسِرّا سويد بن أبي كاهل: ويُحيّيني إذا لاقيتُه ... وإذا يخلو له لحْمي رتَعْ ولأبي الطيب: محسَّدُ الفصْلِ مكذوبٌ على أثَري

стр. 354

الخُرَيميّ وهو مشهور وهذا من أملحه: زاد معروفُك عندي عِظَماً ... أنّه عندَك محقور صغير تتناساهُ كأنْ لم تأتِهِ ... وهْو في العالم مشهورُ كثيرُ قال أبو الطيب - وأحسن وتناهى في الإحسان: تظنّ من فقدِك اعتِدادَهُمُ ... أنّهمْ أنعَموا وما علِموا ذو الإصبع العدواني - وهو كثير: أطافَ بنا ريْبُ الزّمان فداسنا ... له طائِفٌ بالصّالحين بصيرُ البحتري: ألم ترَ للنّوائبِ كيف تسْمو ... الى أهلِ النّوافِلِ والفضولِ أبو الطيب: أفاضِلُ الناس أغراضٌ لِذا الزّمنِ ومثل هذا قوله: أُعيذُكُم من صُروفِ دهرِكُم ... فإنّه في الكِرام متّهَمُ ومن هذا المعنى قول أبي تمام: إنْ ينتحِل حدَثانُ الدهرِ أنفُسَكُم ... ويُسلمُ الناسَ بين الحوْضِ والعطَنِ فالماءُ ليس عجيباً أنّ أطيبَهُ ... يفْنى ويمتدّ عُمرُ الآجِن الأسِنِ

стр. 355

وهو ما روى عن النبي ﷺ من قوله: أعظَمُ الناس بلاءً الأمثَلُ فالأمثل. مُزاحم العُقيلي: وجوهٌ لو انّ المُدلجين اعتَشَوْا بها ... قطعْن الدجى حتى ترى الليلَ ينجَلي أشجع: ملكٌ بنورِ جبينِه ... يسْري وبحْرُ الليلِ طامِ أبو الطيب: فما زال لولا نورُ وجهِك جُنحُه ... ولا جابَها الرُكْبانُ لولا الأيانُقُ المرّار بن سعيد، وقد وصف فلاةً ودليلها، وهو كثير عن العرب. وهذا من مليح ما جاء فيه: يسْري الدليلُ بها خيفة ... وما بكآبته من خفاء إذا هو أنكر أسماءَها ... وعيَّ وحُقَّ له بالعياء له نظرتان مرفوعةٌ ... وأخرى تأمل ما في السِّقاء وثالثة بعد طول الصمات ... إليّ وفي حلقه كالبُكاءِ هُدبة: يطلُّ بها الهادي يقلِّبُ طرْفَه ... منَ الهولِ يدْعو ويْلَهُ وهو خائف
следующие страницы →