← Адаб

Адаб · id 489

الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره

الجرجاني، أبو الحسن

Полный текст (477 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وله: عِشْ كريماً أو متْ وأنت عزيزٌ ... بين طعنِ القنا وخفْقِ البُنودِ وقد أعاده فزاد وأحسن فقال: تغُرُّ حلاواتُ النفوسِ قلوبَها ... فتختارُ بعضَ العيش وهُو حِمامُ وشرُّ الحِماميْنِ الزّؤامين عيشةٌ ... يذِلُّ الذي يختارُها ويُضامُ ونحوه له: وأمَرُّ مما فرّ منهُ فِرارُهُ ... وكقتْلِه أن لا يموت قَتيلا والمصراع الثاني من قول أبي تمام - وقد قدمناه: ألِفوا المَنايا فالقتيلُ لديهُمُ ... من لم يُخَلِّ العيشَ وهْو قتيلُ ونحوه قول المتنبي: فاطْلُبِ العزَّ في لظًى وذرِ الذ ... لّ ولو كان في جِنانِ الخُلودِ وهو من قول الناس: النار ولا العار. ومثل الأول قوله: لقيتُ القَنا عنهُ بنفْسٍ كريمةٍ ... الى الموت في الهيجا من العار تهرُب الأهْتم بن سِنان: وما كلّ من يغْشى القِتالَ بميّتٍ ... ولا كلُّ منْ يرْجو الإيابَ بسالِم زياد الأعجم: مات المغيرةُ بعد طولِ تعرُّضٍ ... للقتل بين أسنّةِ وصفائح

стр. 352

والقتلُ ليس الى القِتال ولا أرى ... سبباً يؤخَّرُ للشّفيق الناصح أبو الطيب: وقد يترُك النفسَ التي لا تهابُه ... ويخترِمُ النّفْسَ التي تهيَّبُ وله: يُقتَل العاجزُ الجبانُ وقد يعْ ... جِزُ عن قطعِ بُخْنُقِ المولودِ ويوقَّى الفتى المِخَشُّ وقد خوّ ... ضَ في ماءِ لبّةِ الصّنديدِ بعض العرب: إني لأستُر ما ذو العقلِ ساترُه ... من حاجةٍ وأُميتُ السرَّ كِتْمانا عِمران بن حِطّان: وكنتُ أجُنَّ السرَّ حتى أميتَه ... وقد كان عندي للأمانةِ موضِعُ أبو الطيب: وسرُّكُم في الحَشا ميّتٌ ... إذا أُنشِرَ السرُّ لا يُنشَرُ الأعور الشنيّ - وهو كثير: إذا صبّحَتْني من أُناسٍ ثعالبٌ ... لأدفَع ما قالوا منحتُهُم حقْرا أبو الطيب: ويحتقِرُ الحُسّادَ عن ذكرِه لهُم ... كأنهُمُ في الخَلقِ ما خُلِقوا بعْدُ

стр. 353

وله: أبْدو فيسْجُدُ من بالسّوءِ يذكُرُني ... فلا أعاتِبُه صَفْحاً وإهْوانا المصراع الثاني هو المعنى الأول، وقد كثر حتى خرج عن باب السّرق. زياد الأعجم: إنّ السماحةَ والمروءة ضُمِّنا ... قبْراً بمَرْوَ على الطّريقِ الواضِح أبو الطيب: فيهِ الفصاحةُ والسّماحةُ والتُقى ... والبأسُ أجمَعُ والحِجا والخِيرُ المؤرج التغلبي: يغتابُ عِرضي خالياً ... وإذا تلاقَيْنا اقشَعرّا يُبدي كلاماً ليّناً ... عِندي ويُخفي مُستَسِرّا سويد بن أبي كاهل: ويُحيّيني إذا لاقيتُه ... وإذا يخلو له لحْمي رتَعْ ولأبي الطيب: محسَّدُ الفصْلِ مكذوبٌ على أثَري

стр. 354

الخُرَيميّ وهو مشهور وهذا من أملحه: زاد معروفُك عندي عِظَماً ... أنّه عندَك محقور صغير تتناساهُ كأنْ لم تأتِهِ ... وهْو في العالم مشهورُ كثيرُ قال أبو الطيب - وأحسن وتناهى في الإحسان: تظنّ من فقدِك اعتِدادَهُمُ ... أنّهمْ أنعَموا وما علِموا ذو الإصبع العدواني - وهو كثير: أطافَ بنا ريْبُ الزّمان فداسنا ... له طائِفٌ بالصّالحين بصيرُ البحتري: ألم ترَ للنّوائبِ كيف تسْمو ... الى أهلِ النّوافِلِ والفضولِ أبو الطيب: أفاضِلُ الناس أغراضٌ لِذا الزّمنِ ومثل هذا قوله: أُعيذُكُم من صُروفِ دهرِكُم ... فإنّه في الكِرام متّهَمُ ومن هذا المعنى قول أبي تمام: إنْ ينتحِل حدَثانُ الدهرِ أنفُسَكُم ... ويُسلمُ الناسَ بين الحوْضِ والعطَنِ فالماءُ ليس عجيباً أنّ أطيبَهُ ... يفْنى ويمتدّ عُمرُ الآجِن الأسِنِ

стр. 355

وهو ما روى عن النبي ﷺ من قوله: أعظَمُ الناس بلاءً الأمثَلُ فالأمثل. مُزاحم العُقيلي: وجوهٌ لو انّ المُدلجين اعتَشَوْا بها ... قطعْن الدجى حتى ترى الليلَ ينجَلي أشجع: ملكٌ بنورِ جبينِه ... يسْري وبحْرُ الليلِ طامِ أبو الطيب: فما زال لولا نورُ وجهِك جُنحُه ... ولا جابَها الرُكْبانُ لولا الأيانُقُ المرّار بن سعيد، وقد وصف فلاةً ودليلها، وهو كثير عن العرب. وهذا من مليح ما جاء فيه: يسْري الدليلُ بها خيفة ... وما بكآبته من خفاء إذا هو أنكر أسماءَها ... وعيَّ وحُقَّ له بالعياء له نظرتان مرفوعةٌ ... وأخرى تأمل ما في السِّقاء وثالثة بعد طول الصمات ... إليّ وفي حلقه كالبُكاءِ هُدبة: يطلُّ بها الهادي يقلِّبُ طرْفَه ... منَ الهولِ يدْعو ويْلَهُ وهو خائف

стр. 356

آخر: إذا اجْتازَها الخرِّيتُ قال لنفسِه ... أتاك برجلي حائن كلُّ حائن أبو الطيب: يتلوّنُ الخِرّيتُ من خوفِ التّوَى ... فيها كما تتلوّن الحِرْباءُ وملح في قوله: كم مهمَهٍ قُذُفٍ قلبُ الدّليل به ... قلبُ المُحبِّ قضاني بعدَما مطَلا ومن هذا المعنى قول دِعبِل: إذا أُقحِمَ الرّكبان فيها تبتّلوا ... فمستغفر من ذنبه ومسبِّح عبد الرحمن بن دارة وهو كثيرٌ عن العرب: فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكُم ... فكونوا بَغايا للخَلوق وللكحل وبيعوا الرُدَينِياتِ بالحُلى واقعدوا ... على الذل وابتاعوا المغازل بالنّبْل أبو الطيب: إذا كنتَ ترْضى أن تعيشَ بذلّةٍ ... فلا تستعِدّنّ الحُسامَ اليَمانِيا ولا تستطيلَنّ الرّماحَ لغارةٍ ... ولا تستجيدَنّ العِتاقَ المذاكِيا أبو تمام: كم نعمة للهِ كانت عندَه ... فكأنّها في غُربةٍ وإسار

стр. 357

آخر: لا يليقُ الغِنى بوجه أبي يعْ ... لَى ولا نورُ بهجةِ الإسلامِ أبو الطيب: والغِنى في يدِ اللّئيم قبيحٌ ... قدْرَ قُبحِ الكريمِ في الإمْلاقِ أبو جُويرية العبْدي: وبدأة مجدٍ لم تكُنْ فافْترعْتها ... الى كل أفْق تحتويها القصائدُ البحتري: وغرائب في المجد تعلم أنها ... من شاعرٍ أو عالم أو كاتبِ وهو من قول أبي تمام: وأرى سماحك يا بن وهب شاعراً ... يلقى المديح من الندى بنقائص أبو الطيب: شاعِرُ المجدِ خِدْنُه شاعرُ اللّفْ ... ظِ كلانا ربُّ المعاني الدِّقاقِ ومثل هذا المعنى بعينه قول أبي تمام: غرُبَتْ خلائقُه وأغرَب شاعرٌ ... فيه فأحسنَ مُغرِبٌ في مُغرِبِ وقد كرره أبو الطيب وخالف بين أمثلته فقال: ترفّعَ عن عونِ المكارمِ قدرُه ... فما يفعَلُ الفَعْلاتِ إلا عذارِبا

стр. 358

وقال: يُريكَ من خلقِه غرائِبَهُ ... في مجدِه كيف يُخلَقُ النّسَمُ فزاد في البيتين معاً وقال: يمشي الكرامُ على آثارِ غيرهُمُ ... وأنتَ تخلُقُ ما تأتي وتبتَدِعُ بعض المحدثين: شخصَ الأنامُ الى جمالك فاستعِذْ ... من شرِّ أعيُنِهم بعيْبٍ واحدِ مثله: قد قلتُ حينَ تكاملَتْ وغدتْ ... أفعالُه زَيْناً من الزّينِ: ما كان أحوجَ ذا الكمالَ الى ... عيب يوقّيهِ من العيْنِ أبو الطيب: كأنّ الرّدى عادٍ على كل ماجدٍ ... إذا لم يعوِّذْ مجْدَه بعُيوبِ ومثله: فقل له لستَ خيرَ ما نثرَتْ ... وإنّما عوّذتْ بك الكَرَما خوفاً من العينِ أن تُصابَ بها ... أصاب عيناً بها يُعان عَمى

стр. 359

ذو الرمة: رجيعةُ أسفارٍ كأنّ زِمامَها ... شُجاعٌ لدى يُسرى الذّراعينِ مُطرِقُ أبو الطيب: تُجاذبُ فرسانَ الصّباحِ أعنّةً ... كأنّ على الأعْناقِ منها أفاعِيا وفي هذا البيت معنى يخرِجه عن اتباع البيت الأول، لأن ذا الرُمّة لم يزِدْ على التشبيه وليس هو الذي قصده أبو الطيب، وإن كان قد جرى في غرض بيته، وإنما أراد أنها لا تترك الأعنة تستقر في أيدي فرسانها، لما يزعجها من سوْرة المرَح، وحسن البقية بعد طول السُّرى؛ فكأنما الأعنة أفاعي تلدغ أعناقها إذا باشرتها، فيجاذبها الفارس فرسَه وهي تجاذبه إياها. وهذا غرض آخر ومقصد لم يتعرض له ذو الرمة. بكر بن النّطّاح: كأنك عندَ الكرِّ في حومةِ الوغى ... تفرُّ من الصّفِّ الذي من ورائِكا أبو الطيب: فكأنّه والطعْنُ من قُدّامِه ... متخوِّفٌ من خلفِه أن يُطعَنا بكر بن النّطاح: كأنّ المنايا ليس يجرين في الوغى ... إذا التقتِ الأبطالُ إلا برأيهِ

стр. 360

أبو الطيب: تغْدو المنايا فما تنفكّ واقفةً ... حتى يقولَ لها عودي فتندفِعُ أبو نواس: وقد غلبَتْها عَبرةٌ فدُموعُها ... على خدِّها حُمرٌ وفي نحرِها صُفرُ أبو الطيب: تبُلُّ الثّرى سوداً من المِسكِ وحدَه ... وقد قطرَتْ حُمراً على الشّعَرِ الجثْلِ أبو تمام: فغرّبْتُ حتى لم أجِدْ ذكرَ مشرقٍ ... وشرّقتُ حتى قد نسيت المغاربا أبو الطيب: فشرّق حتى ليس للشرقِ مشرِقٌ ... وغرّب حتى ليس للغربِ مغربُ البحتري: لما أتاك يقودُ جيشاً أرْعنا ... يمشي عليْهِ كثافةً وجُموعا فنقله أبو الطيب الى كثافة الرّهج فقال: عقدَتْ سنابُكُها عليها عثْيَراً ... لو تبتغي عنَقاً عليه لأمْكنا

стр. 361

وقال ابنُ الرومي مثل هذا: فلو حصبَتْهُم بالفضاء سحابةٌ ... لظلّ عليهِم حصبُها يتدَحْرَجْ وتبعه أبو الطيب فقال: يمنعُها أن يُصيبَها مطَرٌ ... شدّةُ ما قد تضايقَ الأسَلُ مُسلم: في عسكرٍ تشرقُ الأرضُ الفضاءُ به ... كالليلِ أنجُمُه القُضبانُ والأسلُ أبو الطيب: وكأنّما كُسي النهارُ به دُجى ... ليلٍ وأطلعَتِ الرّماحُ كواكِبا وقد نقله الى مثال آخر فقال: يزور الأعادي في سماء عجاجةٍ ... أسنّتُه في جانبَيها الكواكبُ وقد ذكرنا أصله فيما تقدم. الحصين بن الحِمام: يطأْن من القتْلى ومن قِصَد القنا ... خَباراً فما يجْرينَ إلا تجشُّما أبو الطيب: يطأن من الأبطال من لا حمَلْنَه ... ومن قِصَد المُرّان ما لا يقوَّمُ وقد أخذ الشعراء هذا المعنى فتداولوه، ومنه قول أبي تمام:

стр. 362

حوافِرها مخضوبةٌ بدِمائه ... ومن غُنمِها تيجانُه وخلاخِلُه ونحو هذا البيت قول أبي الطيب: أجلّتُها من كلّ طاغٍ ثيابُه ... وموطئُها من كلّ باغٍ ملاغِمُهْ وكرر المعنى فقال: غزَوْتَ بها دورَ المُلوكِ فباشرَتْ ... سنابِكُها هاماتِهمْ والمغانِيا ثم أعاد وزاد وأحسن فقال: حتى انتهى الفرسُ الجاري وما وقعَتْ ... في الأرضِ من جيَفِ القتْلى حوافرُهْ البحتري: ولم أرَ أمثالَ الرّجالِ تفاوتتْ ... لدى المجدِ حتى عُدّ ألفٌ بواحدِ أبو الطيب: لما وزَنْتُ بك الدُنيا فمِلْتَ بها ... وبالورى قلّ عندي كثرةُ العددِ البحتري: وإنّ مُقامي حيثُ خيّمْت محنةٌ ... تخبِّرُ عن فهم الكرامِ الأجاودِ أبو الطيب: أنا الذي بيّن الإلهُ له ال ... أقدارَ والمرءُ حيثُما جعلَهْ

стр. 363

البحتري وهو كثير: صَحا واهتزّ للمَعرو ... فِ حتى قيلَ نشْوانُ أبو الطيب: وجاد فلوْلا جودُه غيرَ شاربٍ ... لَقيلَ كريمٌ هيّجَتْه ابنةُ الكرْم عُمير بن جُعيْل: يُثيران من نسجِ التراب قمي ... صيْنِ أسْمالاً ويرتديان عديّ بن الرّقاع: يتعاوران من الغُبار مُلاءةً ... هدْباءَ سابغةً هُما نسَجاها أبو الطيب: خافِياتِ الألوانِ قد نسجَ النّقْ ... عُ عليها براقِعاً وجِلالا البحتري في السيف: مُصْغٍ الى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفتْ وإذا قضى لم يعْدِل أبو الطيب ومثله كثير: لمّا تحكّمتِ الأسنةُ فيهِمُ ... جارتْ وهنّ يجُرْنَ في الأحكامِ أعشى باهلة: لا يأمن الناس مُمْساه ومُصبَحه ... من كل أوْبٍ وإنْ لم يأتِ يُنتظَرُ

стр. 364

خُزَر بن لوذان: ودعوتَ جيشاً بالثغور محلّهم ... والجيشُ باسم أبيهمُ يُستَهْزمُ ومثله قول الفرزدق: لقوا مثلهم فاستهزَموه بدعوةٍ ... دعَوْها وكيعاً والجيادُ بهم تجري يقول: إذا انتموا فَرِق القوم منهم فانهزموا. وقد أكثر الناس في الرّعب، وتصرفوا. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: نُصِرْتُ بالرعب. قال أشجع: كأنّ عليها من مخافة جعفَرِ ... كتائبهُ مبثوثة وجَحافِله العَكوك: غدا مجتمِع العزم ... له جُندٌ من الرُعْبِ أبو تمام: إلا تكُن حُصِرَتْ فقد أضحى لها ... من خوف قارِعة الحِصار حِصارُ وله: لو لمْ يُزاحِفْهُم لزاحَفَهم له ... ما في صدورهُمُ من الأوْجالِ أبو الطيب: إذ ما لم تُسِرْ جيشاً إليهم ... أسرْتَ إلى قلوبهمُ الهُلوعا وله: بعثوا الرُعبَ في قلوب الأعادي ... فكأنّ القتالَ قبل التّلاقِ وله: قد ناب عنكَ شديدُ الخوفِ واصطَنَعَتْ ... لك المهابةُ ما لا تصنَعَ البُهَمُ

стр. 365

وله: أبصَروا الطّعْنَ في القُلوب دِراكاً ... قبلَ أن يُبصروا الرّماحَ خَيالا وله: فهُمُ لاتّقائِه الدّهرَ في يوْ ... مِ نِزالٍ وليس يومَ نِزالِ وله: صيامٌ بأبواب القِباب جيادُهم ... وأشخاصُها في قلبِ خائِفهم تعْدو وله: تغيرُ عنه على الغاراتِ هيبتَهُ ... وما لهُ بأقاصي البرِّ إهْمالُ عمرو بن الأهتم: إذا المرءُ لم يُحبِبْك إلا تكرُّهاً ... يدلُّكَ من أخلاقِه ما يغالِبُ وأصله قول زهير: ومهما تكنْ عندَ امرئٍ من خليقة ... وإن خالَها تخفى على الناس تُعلم أبو الطيب: وللنّفسِ أخلاقٌ تدلّ على الفتى ... أكانَ سخاءً ما أتى أم تساخِيا أبو تمام: مفازَةُ صدْرٍ لو تطرّق لم يكن ... ليسلُكها فرداً سُلَيكُ المقانب

стр. 366

وله: ورُحْبَ صدْر لو انّ الأرض واسعةٌ ... كوُسعِه لم يضِقْ عن أهلِه بلَدُ البحتري: كريمٌ إذا ضاقَ الزمانُ فإنّه ... يضلُّ الفضاء الرّحبُ في صدرِه الرّحْبِ وله: ليس الذي ضلت تميمٌ وسطها الد ... هْناء لا بل صدرُك الدّهْنا أبو الطيب: شيَمُ الليالي أن تُشكّكَ ناقتي ... صدري بها أفْضى أم البيداء وله: تضيقُ عن جيشه الدُنيا ولو رحُبَتْ ... كصدرِه لم تبنْ فيها عساكِرُه وله - وقد أساء: وأنّك في ثوبٍ وصدرُك فيكما ... على أنه من ساحةِ الأرض أوسَعُ وقلبُك في الدنيا ولو دخلَتْ بنا ... وبالجِنّ فيه ما درَتْ كيف ترجِعُ

стр. 367

أبو تمام: لما نطَقْتُ نطقتُ فيك بمنطِقٍ ... حقٍّ فلم آثَمْ ولم أتحوَّبِ ولو امتدحتُ سواكَ كنتُ متى تضِقْ ... عنّي له صِدْقُ المقالةِ أكذِبِ أبو الطيب: وإنّ مديحَ الناسِ حقٌ وباطلٌ ... ومدحُك حقٌ ليس فيه كِذابُ أبو تمام: ولم أمدَحْكَ تفخيماً لشعري ... ولكنّي مدحْتُ بكَ المديحا أبو الطيب: إذا خلعْتُ على عِرضٍ له حُلَلاً ... وجدُها منهُ في أبهى من الحُلَلِ مطرز بن سبح: فما أدرك الساعون فينا بوترِهم ... ولا فاتنا من سائر الناس واتر الطّرمّاح: إن نأخذ الناس لا تُدرَك أخيذَتُنا ... أو نطّلب نتعدى الحق في الطّلب وهو كثير في شعر العرب؛ نقله أبو الطيب الى الدهر فقال: تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذْتَه ... وهنّ لِما يأخُذنَ منكَ غوارِمُ

стр. 368

أبو تمام: قَفا سِندِبايا والمنايا مُشيحةٌ ... تهدَّى الى روحِ الكميِّ فتهتَدي أبو الطيب: هَوادٍ لأملكِ الجيوشِ كأنها ... تخيّرُ أرواحَ الكُماةِ وتنتَقي وهذا المعنى هو الذي سبقت إليه العرب، فقال عبد يغوث بن صلاءة: ولكنني أحمي ذِمار أبيكم ... وكان الرماحُ يخْتطفن المُحامِيا فقالت امرأة من العرب: وقالوا ماجداً منكم قتَلْنا ... كذاك الرّمح بكففُ بالكريم أشجع: فما وجه يَحْيى وحدَه غاب عنهمُ ... ولكنّ يحْيى غاب بالخير أجمعا أبو الطيب: غاب الأميرُ فغاب الخيرُ عن بلدٍ ... كادت لفقْدِ اسمِه تبكي منابِرُه فأما بكاء المنابر فمن قوله: بكت المنابرُ من فَزارَةَ شجْوَها ... فاليوم من قيسٍ تضِجّ وتجزع وقد قال موسى شهوات: بكتِ المنابرُ يوم ماتَ وإنّما ... أبكى المنابرَ فقْدُ فارسِهنّهْ ونحوه قول أبي الطيب:

стр. 369

وأصبحَ مِصرٌ لا تكون أميرَه ... ولو أنّه ذو مُقلةٍ وفم بكَى أشجع: شدّ الخِطامَ بأنْفِ كلِّ مُخالفٍ ... حتى استقامَ له الذي لم يُخطَمِ أبو الطيب: وقد عايَنوه في سِواهُم وربّما ... أرى مارِقاً في الحرْبِ مصرَعَ مارق ونحوه له: فهُم حِزَقٌ على الخابور صرْعى ... بهمْ من شُرْبِ غيرهمُ خُمارُ ونحوه له: تلَفُ الذي اتّخذَ الجَراءَةَ خُلّةً ... وعظَ الذي اتّخذَ الفِرارَ خَليلا أشجع: وتنالُ منكَ بحدِّ مُقلَتِها ... ما لا يُنال بحدة النّصل وهو كثير مشهور: أبو الطيب: نفذَتْ عليّ السّابِريّ وربّما ... تندَقُّ فيه الصّعْدَةُ السّمْراءُ

стр. 370

أشجع: يسبِقُ الرّعْدَ بالنّوالِ كما يسْ ... بِقُ برْقَ الغيوثِ صوْبُ الغَمامِ أبو الطيب: وحالَتْ عطايا كفِّه دونَ وعدِه ... فليسَ لهُ إنجازُ وعْدٍ ولا مطْلُ ونحوه له: لقد حالَ بالسّيفِ دونَ الوعيد ... وحالتْ عطاياهُ دون الوُعودِ ونحوه له: واجْزِ الأميرَ الذي نُعْماهُ فاجئَةٌ ... بغيرِ قولٍ ونُعْمى الناسِ أقوالُ وقد سبقه الى هذا اللفظ يزيد المهلّبي في قوله: وكم لكَ نائِلاً لمْ أحتَسِبْهُ ... كما يُلقى مُفاجأةً حبيبُ أشجع: يُعطي زِمامَ الطّوعِ إخوانَه ... ويلْتَوي بالملِكِ القادرِ أبو تمام: جليدٌ على عتْبِ الخُطوبِ إذا عرَتْ ... وليس على عتْبِ الأخِلاّءِ بالجَلْدِ أبو الطيب: إني لأجْبُنُ عن فِراقِ أحبّتي ... وتُحسُّ نفسي بالحمامِ فأشجُعُ ويزيدُني غضبُ الأعادي قسوةً ... ويلِمّ بي عتْبُ الصّديقِ فأجزَعُ الخريمي، وقد تقدمه فيه جماعة من الشعراء:

стр. 371

إذا أن لم تحْمِ القديمَ بحادثٍ ... من المجدِ لم ينفَعْكَ ما كان من قبْلُ البحتري: ولستُ أعتدّ للفتى حسَباً ... حتى يُرى فعاله حسَبُه أبو الطيب: إذا لم تكن نفسُ النسيب كأصلِه ... فماذا الذي يُعني كرامُ المناصبِ ومثله كثير؛ وله أمثلة؛ ومن قديم ما جاء فيه قول المتوكل الليثي: لسْنا وإن كرُمَت أوائِلُنا ... يوماً على الأحْساب نتّكلُ نبْني كما كانت أوائلُنا ... تبني ونفعلُ مثل ما فعَلوا ومثل هذا قول أبي الطيب: ولستُ بقانعٍ من كلِّ فضلٍ ... بأنْ أُعْزَى الى جدٍ هُمامِ وقريب منهم قول بعضهم: أبوك أبٌ حرٌ وأمكَ حرّةٌ ... وقد يلِدُ الحُرّان غيرَ نجيبِ وقول الآخر: لئنْ فخَرْت بآباء لهم شرفٌ ... لقد صدَقْتُ ولكنْ بئس ما ولَدوا أبو الطيب: أرى الأجْدادَ يغلِبُها كثيرٌ ... على الأولادِ أخلاقُ اللئامِ الخُرَيمي: كأنّ عليه الشُكرَ في كل نعمةٍ ... يقلدُنيها بادياً ويُعيدُها أبو الطيب: من القاسِمينَ الشُكْرَ بيني وبينهم ... لأنّهم يُسْدى إليهمْ بأنْ يُسْدوا

стр. 372

فشكري لهم شُكران: شُكرٌ على الندى ... وشكرٌ على الشُكرِ الذي وهبوا بعْدُ وله: إذا سألوا شكرْتَهُمُ عليهِ ... وإنْ سكَتوا سألتَهُم السّؤالا علي بن جبلة - وقد جاء مثله في شعر العرب: وما يشْفي صُداعَ الرّأْ ... سِ مثل الصارم العضْبِ أبو الطيب: إذا وصَفوا له داءً بثغْرٍ ... سقاهُ أسنّةَ الأسَلِ الطِّوالِ علي بن جبلة: به علِمَ الإعطاءَ كلّ مبخَّلٍ ... وأقدمَ يومَ الرّوْعِ كلّ جبانِ أبو الطيب: فيا أجبَن الفُرسانِ صاحِبْهُ تجتَرئُ ... ويا أشْجَع الشُجْعان فارقْهُ تفرَق وله: أضْرَتْ شجاعتُه أقصى كتائِبِه ... على الحِمامِ فما موتٌ يمرْهوبِ علي بن جبلة: فلوْ جزأ اللهُ العُلا فتجزّأتْ ... لكانت لكَ العينانِ والأُذنان

стр. 373

أبو الطيب - وقد زاد وأحسن: الجودُ عينٌ وفيك ناظرُها ... والبأسُ باعٌ وأنتَ يُمْناهُ علي بن جبلة: كأنهُمُ والرّماحُ شابكة ... أُسدٌ عليها أظلّتِ الأجمُ أبو تمام: آسادُ غِيلٍ مُخدَراتٌ ما لَها ... إلا الصّوارمُ والقَنا آجامُ وله: أُسْدُ العرينِ إذا ما الرّوعُ صبّحها ... أو صبّحَتْه ولكنْ غابُها الأسَلُ أبو الطيب: بنو العَفَرْنَى محطّةَ الأسدِ ال ... أُسْدُ ولكنْ رماحُها الأجمُ ابن جبلة: وما سوّدَتْ عِجْلاً مآثر عزمِهمْ ... ولكنْ بهم سادت على غيرها عِجْل وهذا معنى سوء يقصّر بالممدوح، ويغضّ من حسَبه، ويحقِّر من شأن سلَفه، وإنما طريقةُ المدح أن يجعلَ الممدوحُ يشرُف بآبائه، والآباء تزداد شرفاً به، فيجعل لكل منهم في الفخْر حظاً، وفي المدح نصيباً؛ فإذا حصَلت الحقائق كان النصيبان مقسومين عليهم؛ بل كان لكل فريق منهم، لأن شرف الوالد جزء من ميراثه،

стр. 374

ومنتقل الى ولده كانتقال مالِه؛ فإن رُوعي وحُرِس ثبت وازداد، وإن أهمل وأضيع هلك وباد، وكذلك شرف الولد يعمّ القبيلة، وللوالد منه القِسم الأوفر، ولو اقتصر على قوله: بهم سادت على غيره عِجْل لوجد العُذر إليه مسلكاً، ولأمكن أن يقال: إن عِجْلاً تسود بهم وبأفعالها أيضاً فقد تسود القبيلة، وقد يجتمع للإنسان وجوه من الشرف كلها تقدّمه وتَشيد مجدَه وتسوِّده، فكأنهم مفاخر عِجْل التي تسود بها؛ لكنّه وعّر هذه الطريقة بقوله وما سوّدت عجلاً مآثر عزمهم فجعل الرجل خارجياً بائناً، لا حظّ له في حسب آبائه وشرفهم. وإنما الجيد ما قال زهير: وما يكُ من خير أتوه فإنّما ... توارثَه آباءُ آبائِهِم قبلُ وقد تجاوز هذا، فجعل الأبَ أوْلى بالشرف فقال: يطلُبُ شأوَ امرأيْنِ قدّما حسنا ... نالا الملوكَ وبذّا هذه السّوَقا هو الجوادُ فإن يلحَقْ بشأوِهِما ... على تكاليفِه فمثلُه لحِقا أو يسبقاه على ما كان من مهَلٍ ... فمثل ما قدّما من صالح سبَقا وجرى أبو الطيب على منهاج ابن جبَلة فقال: ما بقومي شرُفْتُ بل شرُفوا بي ... وبنفسي فخرْتُ لا بجُدودي فختم القول بأنه لا شرف له بآبائه. وهذا هجْوٌ صريح، وقد رأيتُ من يعتذر به فيزعم أنه أراد: ما شرفت فقط بآبائي، أي لي مفاخر غير الأبوة، وفيّ مناقبُ سوى الحسب. وباب التأويل واسع، والمقاصد مغيّبة، وإنما يُستشهد بالظاهر،

стр. 375

ويتبع موقع اللفظ. فأما قوله: وبنفسي فخرت لا بجدودي فهو صالح؛ لأنه لم ينْفِ أن يكون له فيهم وبهم رتبة في الفخر، لكنه قال: أكتفي في افتخاري عليكم بنفسي فأفضلُكم ولا أفتقر الى مفاخر جدودي وأتركها وادعة موفورة؛ وقد صرح بهذا في قوله: وإنما يذكرُ الجُدودَ لهم ... من نفَروه وأنفَذوا حِيَلَهْ هُدْبة بن خشرَم: وإني لأُخْلي للفتاةِ فراشَها ... وأصْرِمُ ذات الدلِّ والقلبُ آلِفُ ومثله كثير. أبو الطيب: يرُدّ يداً عن ثوبها وهْو قادِرٌ ... ويعْصي الهوى في طيفِها وهْو راقِدُ أشجع: فأصْبَح في لحْدٍ من الأرض ميتاً ... وكانت به حياً تضيق الصّحاصح أبو الطيب: ومن ضاقَتِ الأرضُ عن نفسِه ... حرًى أن يضيقَ بها جِسمُهُ

стр. 376

أبو عيينة: تطيّبُ دُنيانا إذا ما تنفّستْ ... كأنّ فتيتَ المِسكِ في دورِنا هبّا أبو الطيب: تنفّسُ والعواصمُ منك عَشْرٌ ... فيُعرَفُ طيبُ ذلكَ في الهواء حسّان: إذا ما نضيْنا بأسيافنا ... جعلْنا الجماجمَ أغمادَها وقد أكثر الناس فيه بعده. ومن مليحه قول الحماسي: منابرُهن بطون الأك ... فّ وأغمادُهن رءوس الملوك وقال أبو الطيب: لعِلمِها أنها تصيرُ دماً ... وأنّه في الرِّقاب يُغمدُها صالح بن عبد القدوس: عدوّكَ ذو العقلِ خيرٌ من الصّ ... ديقِ الوامِقِ الأحمَقِ أبو الطيب: ومن العداوةِ ما ينالُك نفعُه ... ومن الصّداقةِ ما يضرُّ ويؤلمُ أمية بن أبي الصّلت: أأذْكرُ حاجَتي أم قد كفاني ... حياؤكَ إنّ شيمتَك الحياءُ

стр. 377

إذا أثنى عليك المرءُ يوماً ... كفاهُ من تعرُّضِه الثّناءُ أبو بكر الخوارزمي: وإذا طلبْتَ الى كريم حاجةً ... فلِقاؤه يكفيكَ والتّسليمُ وإذا رآك مسلِّماً عرَف الذي ... حمّلْتَه فكأنّه مزومُ أبو الطيب: وفي النّفسِ حاجاتٌ وفيك فطانةٌ ... سُكوتي بيانٌ عندَها وخطابُ عُروة بن الورد: أقسِّمُ جِسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قَراح الماءِ والماءُ باردُ ألمّ به أبو الطيب فقال: منافِعُها ما ضرّ في نفْعِ غيرها ... تغذّى وتَرْوى أن تجوعَ وأن تظْما خداش بن زهير: ولا أكونُ كمنْ ألْقى رحالَتَه ... على الحمارِ وخلّى صهوةَ الفرَس نقله أبو الطيب فزاد وأحسن فقال: من ركِبَ الثّورَ بعدَ الجوا ... دِ أنْكرَ أظْلافَهُ والغبَبْ

стр. 378

بعضهم: ورُحْتُ لا تحمِلُني ... أعواد سَرْجيَ مُسرَجا أبو الطيب: قُحٍّ يكادُ صهيلُ الخيلِ يقذِفُه ... من سرْجِه مرَحاً بالعزِّ أو طرَبا علي بن جبلة: أعطَيتَني يا وليّ الحمدِ مبتدياً ... عطيّةً كافأتْ مدحي ولم ترَني ما شِمْتُ برقَك حتى نلتُ ريِّقَه ... كأنما كنتَ بالجدْوى تبادرُني وهذا من جيده وجيّد شعرِ المحدثين، وهو واقع في كل اختيار عرضَ له أبو الطيب، فقال - وهو معنى متداول: تهلّل قبلَ تسليمي عليهِ ... وألقى كيسَه قبلَ الوِساد أبو تمام: كأنّ السّحابَ الغُرَّ غيّبْن تحتَها ... حبيباً فما تَرُقا لهنّ مدامِعُ محمد بن أبي زرْعة: كأن صبّيْن باتا طولَ ليلِهِما ... يستَمطِرانِ على غُدْرانِها المُقَلا أبو الطيب:

стр. 379

وكأنّ كلَّ سحابةٍ وكفَتْ بها ... تبكي بعيْنَي عُروةَ بنِ حِزامِ أشجع: إنّ خُراسان وإنْ أصبحَتْ ... ترفَعُ من ذي الهمّةِ الشّانا لم يحْبُ هارونُ بها جعْفَراً ... لكنّه حابَى خُراسانا غيره: والله ما فجعوك بالدّيوان إذ ... صرفوك بل فجَعوا بك الدّيوانا أبو الطيب: نهنّي بصورٍ أمْ نهنِّئها بكا ... وقل للذي صورٌ وأنتَ له لَكا وما صغُر الأردُنّ والساحلُ الذي ... حُبيتَ به إلا الى جنْبِ قدْرِكا بعضهم: أتيتُ فؤادَها أشكو إليهِ ... فلم أخلصْ إليهِ من الزِّحامِ أبو الطيب وهو منقول الى معنى آخر: أبِنْتَ الدّهرِ عندي كلُّ بنْتٍ ... فكيْفَ وصلْتِ أنتِ من الزِّحام عنترة بن الأخرس: إذا أبصرْتَني أعرَضْتَ عني ... كأنّ الشمسَ من قِبَلي تدورُ

стр. 380

أبو الطيب - وهو منقول عن غرَضه: كأنّ شُعاع عين الشمسِ فيه ... ففي أبصارِنا عنه انكِسارُ زياد العبْدي: صفّان مختلفانِ حين تلاقيا ... آبا بوجهِ مطلَّق أو ناكح مسلم: إذا ما نكحْنا الحربَ بالبيضِ والقَنا ... جعلنا المنايا والدماءَ طلاقَها سلْم الخاسر: يرمي العجاج بها أغرّ محجّلٌ ... جعل السيوفَ مناكحاً وطلاقا أبو الطيب: يجنِّبها من حتفُه عنه عاقِلٌ ... ويصْلَى بها من نفسُه منه طالِق وهذه الأبيات مختلفة المعاني، وييب أبي الطيب بمعزل عنها؛ وإنما استعار منها لفظة الطلاق فقط. مسلم: لو كان عندَك ميثاقٌ يخلِّدُنا ... الى المشيبِ انتظرْنا سلْوةَ الكِبر ألمّ به أبو الطيب فقال: ولو كنتُ أدري كم حياتي قسمْتُها ... وصيّرْتُ ثلثَيْها انتظارَك فاعْلَمِ أبو تمام: ثوَى مالُه نهْبَ المعالي وأوجبَتْ ... عليهِ زكاةُ الجودِ ما ليس واجبا

стр. 381

أبو الطيب: ويدٌ كأنّ نوالَها وقِتالَها ... فرْضٌ يحقّ عليكَ وهو تبرُّعُ حمزة بن بيض: وهمّك فيها جِسامُ الأمور ... وهمُّ لِداتِك أن يلعَبوا أبو الطيب: وهمُّها في العُلا والمجدِ ناشئةً ... وهمُّ أترابِها في اللهْوِ واللّعِبِ ابن الرومي: وما الشُكْرُ إلا توأمُ الحِقدِ في الفتى ... وبعضُ السّجايا ينتَمين الى بعضِ أبو الطيب: جزاك ربُّك بالإحسانِ مغفِرةً ... فحُزْنُ كلّ أخي حزْنِ أخو الغضَبِ غيره: فما كان قيسٌ هُلْكُه هلْكٌ واحدٍ ... ولكنّه بُنيانُ قومٍ تهدّما ابن المقفع: وتقْتُلني فتقْتُل بي كريماً ... يموت بموته بشرٌ كثيرُ

стр. 382

أبو الطيب: غدرْتَ يا موتُ كم أفنَيتَ من عددٍ ... بمن أصبْتَ وكم أسْكتّ من لجَبِ والبيت الذي بعده: وكم صحِبْتَ أخاها في مُنازلةٍ ... وكم سألْتَ فلم يبخَلْ ولم تخِبِ ومثل قول البحتري: ترى البيض لم تعرفهم حين واجهتْ ... وجوهَهم في المأزِق المتجهِّم ولم تذكرْ ريَّها بأكفّهم ... إذا أوردوها تحت أغْبر أقتمِ البحتري: لعَمرُك ما المكروهُ إلاّ ارتِقابُه ... وأبرَحُ مما حلّ ما يُتوقَّعُ أبو الطيب: كلّ ما لم يكن من الصّعبِ في الأنْ ... فُسِ سهلٌ فيها إذا هو كانا قال: فلسنا على الأعقاب تدْمي كلومنا ... ولكنْ على أقدامنا يُقطرُ الدمُ أبو الطيب: رمَوْا بنواصيها القِسيّ فجئْنَها ... دوامي الهَوادي سالِماتِ الجوانبِ

стр. 383

قال: والعين تُبصرُ من تهوى وتفقده ... وناظر القلب لا يخْلو من البصَر وهو معنى متداول. بعض المحدَثين: ولا هممتُ بشربِ الماء من عطشٍ ... إلا رأيتُ خيالاً منك في الماء أبو الطيب: ممثّلةٌ حتى كأنْ لم تُفارِقي ... وحتى كأنّ اليأسَ من وصلِك الوعدُ ومن هذا المعنى قول ابن المعتز: إنّا على البِعاد والتفرق ... لنَلتقي بالذكر إنْ لم نلتقِ وقول أبي الطيب: لنا ولأهلِه أبداً قُلوبٌ ... تلاقى في جُسوام ما تَلاقَى حسان: إذا قال لم يترُك مقالاً لقائلٍ ... بملتقطاتِ لا ترى بينها فضْلا أبو الطيب: إذا صُلتُ لم أترُك مصالاً لفاتِكٍ ... وإن قلتُ لم أترُكْ مقالاً لعالِم الطرمي في رطازاته: ورأسيَ مرفوعٌ لنجمٍ كأنّما ... قفاي الى صُلبي بخيطٍ مخيّطِ

стр. 384

فتبعه بعض الرطّازين: ورأسيَ مرفوعٌ إليه كأنّما ... برأسيَ مسمار الى النجمِ موتَدُ أبو الطيب - وهو من فرائده: بعيدةُ ما بين الجفونِ كأنّما ... عقدْتُم أعالي كلِّ هُدبٍ بحاجبِ وقريب منه قول بشار: كأن جفونَها عنها قصار أبو تمام: فإنْ يكُ من بني أُدَدٍ جناحي ... فإنّ أثيثَ ريشي من إيادِ أبو الطيب وهو منقول: فإنْ يكُ سيفَ دولةِ غيرِ قيسٍ ... فمنهُ جلودُ قيسٍ والثّيابُ ابن المعتز: فكرّتْ كنصل السيفِ تتلو لواقِحاً ... كأن حصى الصمّان من وقعها رمْلُ أبو الطيب: إذا وطِئَتْ بأيديها صُخوراً ... يفِئْنَ لوطء أرجُلها رِمالا وقد أحسن في قوله يفئن لوطء أرجلها، وزاد بأن جعل للأيدي ما جعله الأول لجملة القوائم؛ وللأول من الفضل أنه خصّ الحصى وهو أشدّ من الصخر وأصلب، وهذا المعنى كثير مُبتذل؛ وإنما ذكرنا ما تنازعه الشبه لفظاً ومعنى.

стр. 385

البحتري: وما أنا إلا عبدُ نعمتِك التي ... نُسِبْتُ إليها دون رهْطي ومعشَري نقله أبو الطيب فقال: دُعيتُ بتقريظك في كل مجلسٍ ... وظنّ الذي يدعو ثنائي عليكَ اسْمي البحتري: ومظفّرٍ بالمجدِ إدراكاتُه ... في الحظّ زائدةٌ على أوطارِه أبو الطيب - وقد فسر ما أغفله البحتري: تُمسي الأمانيُّ صرْعى دون مبلغِه ... فما يقولُ لشيءٍ ليتَ ذلِكَ لي زياد الأعجم: ترى الطفْلَ منهم يبتغي المجد شيمةً ... وليس بمُنسبِه ابتناءٌ على الهرمِ وإن هو وفّى العمر تسعين حجة ... هذي بقرَى الأضيافِ والجار والذِّمَم الرواية: ينسيه بناء مجده العدم. البحتري: عريقون في الإفضالِ يؤتَنَفُ النّدى ... لناشِئِهِم من حيثُ يؤْتَنَفُ العُمرُ أبو الطيب:

стр. 386

كأنّما يولَدُ الندى معهُم ... لا صِغَرٌ عاذِرٌ ولا هرمُ علقمة بن أصوى: فما إنْ رأوا ناراً تُشَبّ لدى الوغى ... ولكنْ رأوْا ناراً بها ورق الدم زُفَر بن الحرث: سقيْناهم كأساً سقَوْنا بمِثلِها ... ولكنّهم كانوا على الموت أصْبَرا أبو الطيب: وما عدِمَ اللاقوكَ بأساً وشدةً ... ولكنّ من لاقَوْا أشدُّ وأنجَبُ عبد الله بن معاوية، ويروى لإسحاق الموصلي: أرى نفسي تتوقُ الى أمورِ ... يقصِّرُ دونَ مبلغِهنّ مالي فلا نفسي تطاوعُني ببخلٍ ... ولا مالي يبلّغني فَعالي وهو من قول الأول: ذَريني أطوِّف في البلاد لعلّني ... أصيبُ غنى فيه لذي الحق محمَلُ أليس عجيباً أن تلمّ مُلمَّه ... وليس علينا في الخطوب معوَّلُ ومثله قول الآخر: وتقصرُ أموالُ الفتى دون همِّه ... وقد كان لولا القلُّ طلاعَ أنجُدِ ونحوه قول ابراهيم الموصلي: فَعالي فعالُ المكثرين توسّعاً ... ومالي كما قد تعلمين قليل

стр. 387

وحكي عن بعض الحكماء أنه سُئِل عن أسوأ الناس حالاً فقال: من قويت شهوتُه وبعدت همّتُه، واتسعت معرفته، وضاقت مقدرته. أبو الطيب: وأتعَبُ خلق اللهِ من زاد همّه ... وقصّر عمّا تشتَهي النّفْسُ وجدُه ونحوه قوله: لَحا اللهُ ذي الدُنيا مُناخاً لراكبٍ ... فكلّ بعيدِ الهمِّ فيها معذَّبُ والأبيات التي تلي هذا البيت متصلة به وهي قوله: فلا ينحَلِلْ في المجدِ مالُك كلّه ... فينحَلّ مجدٌ كان بالمال عقدُه ودبِّرْهُ تدبيرَ الذي المجدُ كفُّهُ ... إذا حاربَ الأعداءَ والمالُ زَندُهُ فلا مجْدَ في الدُنيا لمَنْ قلّ مالُه ... ولا مالَ في الدُنيا لمنْ قلّ مجدُه وكأنها مجموعة من معاني أبيات قديمة وحديثة، منها قول أُحَيحة بن الجُلاح: ولا أزال على الزّوار أعمُرها ... إنّ الكريم على الإخوان ذو المال وإن أردْتَ مُساماةً تقاعَدُ بي ... عمّا ينوِّه باسْمي رقّةُ الحالِ وقول ابن المعتز: يا رُبّ جودِ جرَّ فقرَ امرئ ... فقام في الناس مقام الذّليل وحكى الجاحظ عن بعض الحكماء أنه كان يقول في دعائه: اللهم ارزقني حمداً ومجداً؛ فإنّه لا حمد إلا بفَعال، ولا مجد إلا بمال.

стр. 388

بكر بن النّطاح: هذا أبو دُلف الذي لسيوفه ... ورماحه تتعبّد الأقدارُ علي بن جبلة - ويروى لخلف بن مرزوق: أنت الذي تُنزل الأيامَ منزلها ... وتنقل الدهرَ من حال الى حال أبو الطيب: نفذَ القضاءُ بما أردْتَ كأنّه ... لك كلما أزمَعْت شيئاً أزْمَعا وأطاعَك الدهرُ العصيُّ كأنّه ... عبدٌ إذا ناديتَ لبّى مُسرعا ونحوه له: ملكٌ تكوّن كيف شاءَ كأنّما ... يجري بفضل قضائِه المقدورُ وأما المصراع الأول فقد قدمنا ذكر أمثاله ونحوه له: وأراك دهْوك ما تحاول في العِدى ... حتى كأنّ صروفَه أنصارُ وله: وأراد فيكَ مرادَك المقدارُ يزيد المهلّبي: سعيتُم فأدركْتُم بصالح سعيِكُم ... وأدرَك قومٌ غيرُكم بالمقادِر وله: إذا قدّم السلطانُ قوماً على الهوى ... فإنّكُمُ قُدِّمتُم بالمناقِب

стр. 389

أبو الطيب: وما كنتَ ممن أدرك المجدَ بالمُنى ... ولكنْ بأيامٍ أشَبْن النّواصِيا واللفظ من قول نُفَيع بن صفار: أيا مالِكاً لا يُرتَجى المُلْكُ بالمُنى ونحوه له: ليسَ إلا أبا العشائِر خلْقٌ ... ساد هذا الأنامَ باستِحْقاقِ قال بعضهم: وخبرني البوّابُ أنّك نائمٌ ... وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم أبو الطيب: ونامُ الخُويدِمُ عن ليلِنا ... وقد نام قبلُ عمًى لا كرى حسان بن ثابت: لا عيبَ بالقومِ من طولِ ومن قصَرٍ ... جسمُ البِغالِ وأحلامُ العصافيرِ العباس بن مِرداس ويروى لربيعة الرّقي: فما عظِمُ الرّجالِ لهم بفخرٍ ... ولكنْ فخرُهم كرَمٌ وخيرُ

стр. 390

ومثله كثير: أبو الطيب: ودهْرٌ ناسُه ناسٌ صِغارٌ ... وإن كانت لهم جثَثٌ ضِخامُ أبو جُويرية العبدي - وقد تقدمه غيره: نزينُ الحلْيَ إن لبسَتْ سُليمى ... وتحسُن حينَ تلبَسُها الثّيابُ وأكثر المحدثين فيه فقال بعضهم: وإذا الدُرُّ زان حُسنَ وجوهٍ ... كان للدُرِّ حسنُ وجهِك زَيْنا وتزيدين أطيبَ الطّيب طِيباً ... أن تمسِّيهِ؛ أين مثلُك أيْنا! أبو الطيب، وتعسّف اللفظ: الطّيبُ أنت إذا أصابَك طيبُه ... والماءُ أنت إذا اغتسلْتَ الغاسلُ وتقدير الكلام: الطّيب أنت طيبُه إذا أصابك، والماء أنت الغاسلُ له إذا اغتسلت به. زياد الأعجم وهو كثير مشهور: لله دَرُّ منية فاتتْ به ... فلقَد أراهُ يردّ غرْبَ الجامِحِ ولقد أراهُ مُجفِّفاً أفراسَه ... يغْشى الأسنة فوق نهدِ قارح
следующие страницы →