← Адаб

Адаб · id 489

الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره

الجرجاني، أبو الحسن

Полный текст (477 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كأنّما يولَدُ الندى معهُم ... لا صِغَرٌ عاذِرٌ ولا هرمُ علقمة بن أصوى: فما إنْ رأوا ناراً تُشَبّ لدى الوغى ... ولكنْ رأوْا ناراً بها ورق الدم زُفَر بن الحرث: سقيْناهم كأساً سقَوْنا بمِثلِها ... ولكنّهم كانوا على الموت أصْبَرا أبو الطيب: وما عدِمَ اللاقوكَ بأساً وشدةً ... ولكنّ من لاقَوْا أشدُّ وأنجَبُ عبد الله بن معاوية، ويروى لإسحاق الموصلي: أرى نفسي تتوقُ الى أمورِ ... يقصِّرُ دونَ مبلغِهنّ مالي فلا نفسي تطاوعُني ببخلٍ ... ولا مالي يبلّغني فَعالي وهو من قول الأول: ذَريني أطوِّف في البلاد لعلّني ... أصيبُ غنى فيه لذي الحق محمَلُ أليس عجيباً أن تلمّ مُلمَّه ... وليس علينا في الخطوب معوَّلُ ومثله قول الآخر: وتقصرُ أموالُ الفتى دون همِّه ... وقد كان لولا القلُّ طلاعَ أنجُدِ ونحوه قول ابراهيم الموصلي: فَعالي فعالُ المكثرين توسّعاً ... ومالي كما قد تعلمين قليل

стр. 387

وحكي عن بعض الحكماء أنه سُئِل عن أسوأ الناس حالاً فقال: من قويت شهوتُه وبعدت همّتُه، واتسعت معرفته، وضاقت مقدرته. أبو الطيب: وأتعَبُ خلق اللهِ من زاد همّه ... وقصّر عمّا تشتَهي النّفْسُ وجدُه ونحوه قوله: لَحا اللهُ ذي الدُنيا مُناخاً لراكبٍ ... فكلّ بعيدِ الهمِّ فيها معذَّبُ والأبيات التي تلي هذا البيت متصلة به وهي قوله: فلا ينحَلِلْ في المجدِ مالُك كلّه ... فينحَلّ مجدٌ كان بالمال عقدُه ودبِّرْهُ تدبيرَ الذي المجدُ كفُّهُ ... إذا حاربَ الأعداءَ والمالُ زَندُهُ فلا مجْدَ في الدُنيا لمَنْ قلّ مالُه ... ولا مالَ في الدُنيا لمنْ قلّ مجدُه وكأنها مجموعة من معاني أبيات قديمة وحديثة، منها قول أُحَيحة بن الجُلاح: ولا أزال على الزّوار أعمُرها ... إنّ الكريم على الإخوان ذو المال وإن أردْتَ مُساماةً تقاعَدُ بي ... عمّا ينوِّه باسْمي رقّةُ الحالِ وقول ابن المعتز: يا رُبّ جودِ جرَّ فقرَ امرئ ... فقام في الناس مقام الذّليل وحكى الجاحظ عن بعض الحكماء أنه كان يقول في دعائه: اللهم ارزقني حمداً ومجداً؛ فإنّه لا حمد إلا بفَعال، ولا مجد إلا بمال.

стр. 388

بكر بن النّطاح: هذا أبو دُلف الذي لسيوفه ... ورماحه تتعبّد الأقدارُ علي بن جبلة - ويروى لخلف بن مرزوق: أنت الذي تُنزل الأيامَ منزلها ... وتنقل الدهرَ من حال الى حال أبو الطيب: نفذَ القضاءُ بما أردْتَ كأنّه ... لك كلما أزمَعْت شيئاً أزْمَعا وأطاعَك الدهرُ العصيُّ كأنّه ... عبدٌ إذا ناديتَ لبّى مُسرعا ونحوه له: ملكٌ تكوّن كيف شاءَ كأنّما ... يجري بفضل قضائِه المقدورُ وأما المصراع الأول فقد قدمنا ذكر أمثاله ونحوه له: وأراك دهْوك ما تحاول في العِدى ... حتى كأنّ صروفَه أنصارُ وله: وأراد فيكَ مرادَك المقدارُ يزيد المهلّبي: سعيتُم فأدركْتُم بصالح سعيِكُم ... وأدرَك قومٌ غيرُكم بالمقادِر وله: إذا قدّم السلطانُ قوماً على الهوى ... فإنّكُمُ قُدِّمتُم بالمناقِب

стр. 389

أبو الطيب: وما كنتَ ممن أدرك المجدَ بالمُنى ... ولكنْ بأيامٍ أشَبْن النّواصِيا واللفظ من قول نُفَيع بن صفار: أيا مالِكاً لا يُرتَجى المُلْكُ بالمُنى ونحوه له: ليسَ إلا أبا العشائِر خلْقٌ ... ساد هذا الأنامَ باستِحْقاقِ قال بعضهم: وخبرني البوّابُ أنّك نائمٌ ... وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم أبو الطيب: ونامُ الخُويدِمُ عن ليلِنا ... وقد نام قبلُ عمًى لا كرى حسان بن ثابت: لا عيبَ بالقومِ من طولِ ومن قصَرٍ ... جسمُ البِغالِ وأحلامُ العصافيرِ العباس بن مِرداس ويروى لربيعة الرّقي: فما عظِمُ الرّجالِ لهم بفخرٍ ... ولكنْ فخرُهم كرَمٌ وخيرُ

стр. 390

ومثله كثير: أبو الطيب: ودهْرٌ ناسُه ناسٌ صِغارٌ ... وإن كانت لهم جثَثٌ ضِخامُ أبو جُويرية العبدي - وقد تقدمه غيره: نزينُ الحلْيَ إن لبسَتْ سُليمى ... وتحسُن حينَ تلبَسُها الثّيابُ وأكثر المحدثين فيه فقال بعضهم: وإذا الدُرُّ زان حُسنَ وجوهٍ ... كان للدُرِّ حسنُ وجهِك زَيْنا وتزيدين أطيبَ الطّيب طِيباً ... أن تمسِّيهِ؛ أين مثلُك أيْنا! أبو الطيب، وتعسّف اللفظ: الطّيبُ أنت إذا أصابَك طيبُه ... والماءُ أنت إذا اغتسلْتَ الغاسلُ وتقدير الكلام: الطّيب أنت طيبُه إذا أصابك، والماء أنت الغاسلُ له إذا اغتسلت به. زياد الأعجم وهو كثير مشهور: لله دَرُّ منية فاتتْ به ... فلقَد أراهُ يردّ غرْبَ الجامِحِ ولقد أراهُ مُجفِّفاً أفراسَه ... يغْشى الأسنة فوق نهدِ قارح

стр. 391

لو عند ذلك هايَجَتهُ منية ... برَح الخفاء وضُمَّ سرْح السّارِح يزيد المهلّبي: جاءت منيّتُه والعينُ هاجعةٌ ... هلاّ أتتْهُ المنايا والقَنا قصد أبو الطيب: أتتهُ المنايا في طريق خفيّة ... على كل سمعٍ حولَه وعِيان ولو سلكتْ طُرق السّلاح لردّها ... بطولِ يمينٍ واتساعِ جنانِ ومقلوب هذا قول الآخر: دفعْنا بكَ الأيامَ حتى إذا أتت ... تُريدُك لم نسطِعْ لها عنك مدْفَعا ومثله لأبي الطيب: ما زلتَ تدفعُ كل أمرٍ فادح ... حتى أتى الأمرُ الذي لا يُدفَعُ وظللْتَ تنظر لا رماحُك شُرَّع ... فيما عَراك ولا سُيوفُك قُطّعُ وهو مثل قول عمران بن حِطان؛ على أنه كثير مبتذل: ولم يُغْنِ عنه الموتُ يا حمْز إذ أتىرجالٌ بأيديهم سيوفٌ قواضِبُ ومن هذا المعنى قول الآخر: أخِلاّي لو غيرُ الحمام أصابكم ... عتبتُ ولكن ما على الموتِ معتَبُ ومثله لأبي الطيب: هبيني أخذْت الثأر فيك من العِدَى ... فكيف بأخْذ الثأر فيكِ من الحُمّى

стр. 392

الأعور الشّني: وعوراءَ جاءت من أخ فرددتُها ... بسالمة العينين طالبة عُذْرا وأغضيْت عنه وانتظرت به غدا ... لعل غداً يبدي لمنتظرٍ أمرا سالم بن وابصه: وكاشِحٍ من موالي السوءِ ذي حسَدٍ ... يقْتاتُ لحمي وما يشفِيه من قرَمِ داويتُ صدْراً طويلاً غِمرُه حقِداً ... منهُ، وقلّمْتُ أظفاراً بلا جلَمِ وقد أكثر الشعراء فيه. أبو الطيب: وأحلم عن خِلّي وأعلم أنني ... متى أجزِه حِلماً على الجهلِ يندَمِ امرؤ القيس: فللزّجرِ ألهوبٌ وللساق درّةٌ ... وللسوط أخرى غربُها يتدفّع ثم أكثر الناس فيه. أبو الطيب: رِجلاه في الركضِ رجلٌ واليدانِ يدٌ ... وفعلُه ما تُريدُ الكفَّ والقدَمُ المصراع الأول نحو قول رؤبة: يهْوين شتى ويقعن وقْعا

стр. 393

الطّرمّاح: تحييها الكُماة بكلِّ يوم ... مريض الشمس محمرِّ الخوافي أبو الطيب: تمر عليه الشمس وهي ضعيفة بعض المحدثين: خبَري خُذيهِ عن الضّنى وعن الأسى ... ليس اللسانُ وإن تلِفْتُ بمُخبِر أبو الطيب: أمرَ الفؤاد لسانَه وجُفونَه ... فكتمْنَه وكفى بجِسمِك مُخبِرا وهو معنى قوله: بادٍ هواك صبَرْتَ أم لم تصبِرا ... وبُكاك إن لم يجْرِ دمعُك أو جرى أبو نواس: يزيدك وجهُه حُسناً ... إذا ما زِدتَه نظَرا أبو الطيب: وهو المضاعَفُ حُسنُه إن كُرِّرا

стр. 394

الجلاح ابن عبد الله السّدوسي: مددتِ حبل غُرور غير مؤيِسَةٍ ... فوْتَ الأكفِّ فلا جودٌ ولا بخَلُ والصّرْمُ أرْوَحُ من غيثٍ يطمِّعُنا ... فيه مخايلُ ما يُلفَى بها بلَلُ ونحوه لابن الرّقيات ولم يصرح باختيار أحدهما: تركْتَني واقفاً على الشكّ لم ... أصدُر بيأس منكم ولم أرِدِ ومثله قول ابن أبي زرعة الدمشقي: وكأني بين الوصال وبين ال ... هَجر ممّن مقامَه الأعرافُ في محلٍ بين الجانِ وبين النا ... رِ طوراً أرجو وطَوراً أخاف وقال أبو حفص الشطرنْجي، فاختار ضد ما اختار الأول: وأحسنُ أيامِ الهوى يومُك الذي ... تهدَّدُ بالتّحريش فيه وبالعَتبِ إذا لم يكن في الحبّ سُخطٌ ولا رِضى ... فأين حلاواتُ الرسائلِ والكُتبِ وتبعه أبو الطيب: وأحلى الهوى ما شكّ في الوصلِ ربُّه ... وفي الهجْر فهو الدهر يرجو ويتّقي وقد لاحظ في هذا قول الخليع: وجدْت ألذّ العيش فيما بلوْته ... ترقُّب مشتاقٍ زيارَ شائق لأنه أيضاً يرجو ويتقي ويخاف ويأمل. وقد أكثر الناس فيه على المعنيين معاً. أبو نواس: يسبِق طرْف العين في التِهابه وهو معنى عامي مبتذل.

стр. 395

أبو الطيب: يُقبِلُهُم وجْهَ كلِّ سابحةٍ ... أربَعُها قبلَ طرْفِها تصِلُ أبو تمام: فهْو غضُّ الإباءِ والرأْي غضّ ال ... حزم غضُّ النّوالِ غضّ الشبابِ أبو الطيب: حديدُ اللسان حديدُ الجنان ... حديدُ الحُسام حديد السنان بعض العرب: كأنّ يديها حين جدّ نَجاؤها ... طَريدان والرِّجلان طالِبتا وِتْرِ رؤبة: يداه بالضّبْعين يشدوانه ... ورجلا أحرج يحدوانه أبو الطيب: طردْتُ من مصرَ أيديها بأرجُلها ... حتى مرقْن بنا من جوْشَ والمعلَمِ بعض رجال العرب: إني إذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطرب القوم اضطراب الأرشِيهْ وشد فوق بعضهم بالأدْويه ... هناك أوصيني ولا توصي بيهْ وقال الأصمعي وغيره يصف قوماً أتعبهم السير والسهر: فرقدوا على ركابهم،

стр. 396

واضطربوا كاضطراب أرشية الدِّلاء، وشدّ بعضهم على ناقته حِذار سقوطه عنها. وقال بعضهم: إنما ضربه مثلاً لنزول الأمر الملمّ؛ إذ جعل القومَ يضطربون فيه فلا يستقرون كاضطراب الحبال، وبعضهم يشد على البعير للهرب به. قال: ولذلك كانوا أنجية؛ وهو جمع نجيّ والنيام لا يكونون أنجية، وعلى المذهب الأول احتذى أبو الطيب في قوله: وهزٌ أطار النومَ حتى كأنني ... من السُكْرِ في الغرَزَين ثوبٌ شُبارِقُ تميم بن مقبل: ولو كُحِلتْ حواجبُ خيل قيس ... بتغلِبَ بعد كلبٍ ما قُذينا أبو الطيب: فبعده والى ذا اليوم لو ركضَتْ ... بالخيل في لهَوات الطفلِ ما سَعلا رؤبة: قد رفع العجّاجُ باسمي فادعُني ... باسمي إذا الأنسابُ طالتْ يكفِني وإنما أخذه من قول النّسابة البكري لما أتاه فقال له: من أنت؟ فقال: رؤبة ابن العجاج. قال: قصرت وعرّفت. أبو الطيب: يا أيّها الملك الغاني بتسميةٍ ... في الشرقِ والغربِ عن وصفٍ وتلْقيبِ

стр. 397

دِعبِل: هي النفسُ ما حسنْتَه فمحسَّن ... لديها وما قبّحْتَه فمقبَّحُ أبو الطيب: فما الخوف إلا ما تخوّفَه الفتى ... وما الأمنُ إلا ما رآه الفتى أمْنا وهو قريب من قول لبيد: اكذب النّفْسَ إذا حدّثْتها ... إنّ صدقَ النفسِ يُزري بالأمل أبو تمام: ترى قسَماتِنا تسَوَّد فيها ... وما أخلاقُنا فيها بسودِ أبو الطيب: تسوِّدُ الشمسُ منا بيضَ أوجُهِنا ... ولا تسوِّدُ بيضَ العُذرِ واللِّمَمِ قال: وليس الذي يجري من العين ماءَها ... ولكنها روحي تذوبُ فتقطُرُ أبو الطيب: أرواحُنا انهملَتْ وعِشنا بعدَها ... من بعدِ ما قطرَتْ على الأقدامِ ابن المعتز: تخالُ آخرَه في الشدِّ أوّلَه ... وفيه عدْوٌ وراءَ السّبْقِ مذْخورُ

стр. 398

أبو الطيب: وأصْرَعُ أي الوحشِ قفّيتُه به ... وأنزِلُ عنه مثلَه حين أركَبُ النابغة الجَعدي: ونُنكِر يومَ الرّوعِ ألوانَ خيلِنا ... من الطّعْنَ حتى تحسِبَ الورْدَ أشْقَرا أبو الطيب: جفَتْني كأني لستُ أنطَقَ قومِها ... وأطعَنهم والشُهْبُ في صورةِ الدُهْم أبو تمام: وما نفْعُ مَن قد مات بالأمسِ صادِيا ... إذا ما سماءُ اليومِ طال انهِمارُها وأظنه أخذه من قول طرَفة - وإن كان غامضاً: فسقى ديارَكِ غير مفسِدِها ... صوبُ الرّبيع وديمةٌ تهْمي البحتري: واعلَمْ بأنّ الغيثَ ليس بنافِع ... للناس ما لم يأتِ في إبّانِه أبو الطيب: سبقْتَ إليهم مناياهُم ... ومنفعة الغوثِ قبلَ العطَبْ أبو نواس: وإذا المطيُّ بنا بلغْنَ محمّداً ... فظُهورُهنّ على الرِّجالِ حرامُ

стр. 399

أبو الطيب: وتعذُّرُ الأحْرارِ صيّر ظهرَها ... إلا إليك عليّ فرْجَ حرامِ قال زهير: سئِمتُ تكاليفَ الحياة ومن يعِشْ ... ثمانين حولاً لا أبا لك يسأمِ قال العلماء بالشعر: إنما سئم تكاليف الحياة لا الحياة، فهو أصح معنى من قول لبيد إذ يقول: ولقد سئِمت من الحياة وطولها ... ومقالها هذا الناس كيف لبيدُ فقال أبو الطيب: وإذا الشيخُ قال أفٍ فما م ... لّ حياةً وإنّما الضعفُ ملاّ البحتري: وطيُّك سراً لو تكلّفَ طيّه ... دُجى الليلِ عنا لم تسَعْهُ ضمائِرُهْ فنقله أبو الطيب، وغيّر معناه فقال وأحسن ما شاء: وكنتُ إذا يمّمتُ أرضاً بعيدةً ... سريْتُ فكنتُ السّرّ والليلُ كاتِمُهْ البحتري: غَدا قسمُه عدْلاً ففيكُم نوالُه ... وفي سرّ نبهانَ بنِ عمرٍو مآثرُه

стр. 400

أبو الطيب: تفرّد العُربُ في الدنيا بمحتِدِه ... وشارك العُربَ في إحسانِه العَجمُ البحتري: وما اخترتُ داراً غير دارِك من قِلًى ... وأين ترى قصْدي ومن دوني البحرُ أبو الطيب: أأطرحُ المجدِ عن كتِفي وأطلُبُه ... وأترُك الغيثَ في غِمدي وأنتجِعُ أنشد الجاحظ لبعضهم: غزا ابن عمير غزوةً تركت لها ... ثناءً كريح الجورَبِ التمزق أبو الطيب: تستغرقُ الكفّ فودَيهِ وأخدعه ... وتكتسي منه ريحَ الجورب العرِق بعضهم: بِتْنا وبات جليدُ الليلِ يضربُنا ... بين البيوت قِرانا نبْحُ دِرْواسِ أبو الطيب:

стр. 401

ولا تُنكِرا عصْفَ الرياح فإنّها ... قِرَى كلِّ ضيفٍ بات عندَ سِوارِ أبو نواس في وصف كلب: يجمع قطريه من انضِماره أبو الطيب: يكادُ في العدْو من التفتّل ... يجمعُ بين متنِه والكلكَلِ وبين أعلاه وبين الأسفلِ أنشد الأصمعي لبعض باهلة: تُباهي به الأرض السماء إذا مشت ... عليها وتحيي نسمة المتماوت أبو الطيب: أكارمٌ حسد الأرضَ السماءُ بهم ... وقصّرتْ كلّ مِصر عن طرابُلُسِ البحتري: سماحاً وبأساً كالصواعقِ والحَيا ... إذا اجتمعا في العارض المتراكمِ أبو الطيب: فتًى كالسّحابِ الجونِ يُخشى ويُتّقى ... يرَجّى الحيا منهُ وتُخْشى الصواعقُ عبد الله بن الزبير الأسدي: لو شددنا من أخدَعَيهِ قليلا ... لبَنينا من الرؤوس منارا

стр. 402

أبو الطيب - وهو غامض: تعوّد أن لا تقضَم الحَبَّ خيلُه ... إذا الهامُ ترفَعْ جُنوبَ العلائقِ ثابت بن قُطْنة العتكي: هدانا اللهُ بالقتلى نراها ... مصلّبةً كأفواهِ الشّعاب أبو الطيب: إذا سلك السّماوةَ غيرُ هادٍ ... فقتْلاهُم لعينيهِ منارُ أنشد الأصمعي لبعض العرب - وهو معروف عندهم: رِدي رِدي وِرْدَ قَطاةٍ صَمّاً ... كُدْرِيّةٍ أعجبها بردُ الْما أبو الطيب: وُرودَ قطاً صُمٍ تشايَحْنَ في وِرْدِ

стр. 403

مزرّد: من المُلسِ هنديّ متى يعْلُ حدُّهُ ... ذُرَى البيض لم تسلَم عليه الكواهلُ أبو الطيب: إذا ما ضربْت به هامةً ... بَراها وغنّاكَ في الكاهلِ أبو تمام: البين أكثر من أشواقي وأحزاني أبو الطيب: دمَنٌ تكاثرتِ الهمومُ عليّ في ... عرَصاتِها كتكاثُر اللّوّامِ بعض العرب: زُرْقٌ تصايحنَ في المَنون كما ... هاج دجاجَ المدينة السَّحَرُ آخر: تصيحُ الرُدينياتُ فينا وفيهمُ ... صياحَ بناتِ الماءِ أمسينَ جوّعا

стр. 404

أبو الطيب: ناشوا الرماح وكانت غير ناطقة ... فعلّموها صياحَ الطير في البُهَم كثيّر: رمتْني بسهمٍ ريشُه الهُدْب لم يُصبْ ... ظواهر جلْدي وهو في القلب جارحي أبو الطيب: رمتني بأسهم ريشُها الهدْ ... بُ تشقّ القلوبَ قبل الجُلود الفرزدق: وأبَحْت أمكَ يا جريرُ كأنها ... للناس باركة طريق مُعمَلُ أبو الطيب: يحمي ابنُ كيغَلَغ الطّريقَ وعِرسُه ... ما بين رجَليها الطريق الأعظمُ الفرزدق: وقد تلتفي الأسماء في الناس والكُنى ... كثيراً ولكنْ فُرِّقوا في الخلائق

стр. 405

أبو الطيب: فلا تعجَبا إنّ السيوف كثيرةٌ ... ولكنّ سيفَ الدولة اليومَ واحدُ البحتري: بلوت منك خلائفاً محمودةً ... لو كن في فلكٍ لكُنّ نُجوما أبو الطيب: أقلّبُ منك طرْفي في سماءٍ ... وإنْ طلعت كواكبُها خِصالا ابن الرومي: أخشى عليك اتّقاد الفِكر لا حَذَرا أبو الطيب: أشفِق عند اتّقاد فكرتِه ... عليه منها أخاف يشتعِل ابن الرومي: ومن فرَحاتِ النفسِ ما فيه حتفُها أبو الطيب: فلا تنكِرنّ لها صرعةً ... فمن فرحِ النفس ما يقتلُ

стр. 406

بعضهم: فلو أنّا شهدْناكُم نُصِرْنا ... بذي لجَبٍ أزبٍّ من العَوالي أبو الطيب: صدمْتَهُم بخميسٍ أنت غرّته ... وسمهريّتُه في وجهِ غممُ أبو تمام: ورُحبَ صدرٍ لو انّ الأرضَ واسعةٌ ... كوُسعِه لم يضِقْ عند أهلِه بلدُ أبو الطيب: تضيقُ عن جيشِه الدُنيا ولو رحُبت ... كصدرِه لم تبِنْ فيها عساكرُهْ مسلم: والعيسُ عاطفةُ الرؤوس كأنما ... يطلُبنَ سرّ محدِّثٍ في الأحلُس أبو الطيب: ويُغيرُني جذبُ الزّمام لقلبها ... فمَها إليك كطالب تقْبيلا البحتري: ومَن لو تُرى في مُلكِه عُدْتَ نائلاً ... لأوّلِ عاف من مرجّيه مُقتِرِ

стр. 407

أبو الطيب: خِفتُ إن صرتُ في يمينكَ أن تأ ... خُذَني في هِباتِك الأقوامُ البحتري: تلقاهُ يقطُر سيفُه وسنانُه ... وبنانُ راحتِه ندًى ونجيعا أبو الطيب: ملكٌ سنانُ قناتِه وبنانُه ... يتباريان دماً وعُرْفاً ساكِبا ومنه: إذا الهندُ سوّتْ بين سيفيْ كريهةٍ ... فسيفُك في كفٍ تُزيلُ التساويا ابن الرومي: يا أرْمَدَ العينِ قُمْ قُبالتَه ... فداوِ باللحظِ نحوَه رمدَكْ أبو الطيب: مدحْتُ أباهُ قبلَه فشَفى يدي ... من العُدمِ من تُشفى به الأعيُن الرُمْدُ البحتري: الله أكبرُ كُفّوا إنّ خصمَكمُ ... أبو سعيد وضرب الأرؤس الجدل

стр. 408

أبو الطيب: وردّ بعض القنا بعضاً مقارعةً ... كأنّه من نفوس القوم في جدَلِ ابن الرومي: أعِندي تنقضّ الصواعق منكُما ... وعند ذوي الكُفرِ الحيا والثّرى الجعدُ أبو الطيب: ليتَ الغمامَ الذي عندي صواعقُه ... يُزيلهنّ الى من عندَه الدِّيَمُ البحتري: ملكٌ بقارعةِ العِراقِ قِبابُه ... يقْري البُدورَ بها ونحنُ ضيوفُه أبو الطيب: وملِلْتُ نحْر عِشارِها فأضاقَني ... مَن ينحر البِدَرَ العِشار لمن قرَى البحتري: تشكّكْتُ فيه من سرورٍ وخِلتُه ... خيالاً أتى في آخر الليل يسْري أبو الطيب: ما تعرِفُ العينُ فرْقَ بينِهِما ... كلُّ خيالِ وصالُه نافدْ

стр. 409

كل واحد منهما جعله خيالاً، وإن كان البحتري ذهب فيه الى حيرة السرور، وأراد أبو الطيب سرعة الزوال. وقد كرر أبو الطيب هذا المعنى على وجه آخر فقال: نصيبُك في حياتِك من حبيبٍ ... نصيبُك في منامك من خيالِ يزيد بن محمد المهلّبي: أشْرَكتُمونا جميعاً في سُرورِكُم ... فلهْوُنا إذا حزِنتُم غيرُ إنصاف أبو الطيب - وقد زاد وأحسن: ومن سرّ أهلَ الأرض ثم بكى أسًى ... بكى بعُيونٍ سرّها وقُلوبِ ابن الرومي: هي الأعيُن النُجلُ التي كنت تشتكي ... مواقعَها في القلب والرأسُ أسوَدُ فما لك تأسى الآن لما رأيتَها ... وقد جعلَتْ ترمي سواك وتعمِدُ فاحتذى عليه أبو الطيب وقلب معناه فقال: منًى كنّ لي أنّ البياض خِضابٌ ... فيَخفى بتبييض القُرون شبابُ فكيف أذمّ اليوم ما كنت أشتهي ... وأدعو بما أشكوه حين أُجابُ إسحاق بن خلَف: إذا ما حُدينَ بذِكرِ الأمير ... سبَقْن لحاظَ المخبِّ العجِل

стр. 410

أبو الطيب: شدَوْا بابن إسحاقَ الحُسينِ فصافحَتْ ... ذَفارِيَها كيرانُها والنّمارِقُ ابن هرْمة: يذم بخيلاً: نكّس لمّا أتيتُ سائلَهُ ... واعتلّ تنكيسَ ناظمِ الخرز أعرابي: وهنّ حيْرى كمُضِلاّت الخدَم أبو الطيب: وُقوفَ شحيحٍ ضاع في التُرْبِ خاتمُه وقد أتينا على ما حضرنا من هذا الكتاب، ونُبْنا عنك في جمعه واستحضاره ولقْطه، وتصفّح الدواوين، ولقاءِ العلماء فيه؛ وبيّضْنا أوراقاً لما لعلّه شذّ عنا من غريبِه؛ وما عسانا نظفرُ على مرور الأوقات به، وما نأبى أن يكون عندك، أو عند أحدٍ من أصحابك فيه زيادات لم نعثر بها، أو لطائف لم نفطِن إليها، إن كنتَ على ثقةٍ من عِلمِك، وبصيرة بما عندك، وعرفْت من طُرق السّرَق، ووجوه النقل ما يسوغ فيه حُكمُك، وتعدَّل فيه شهادتك، فلا بأس أن تُلحِق به ما أصبته، وأن تصيف

стр. 411

إليه ما وجدته، بعد أن تتجنّب الحيْف، وتتنكب الجور، وتعلم أن وراءك من النُقّاد من يعتبرُ عليك نقدَك، ومن لا يستسلم للعصبيّة استِسلامَك. وأنا أعدل الى ذكر ما رأيتُك تُنكرُ من معانيه وألفاظه، وتَعيبُ من مذاهبه وأغراضه، وتُحيلُ في ذلك الإنكار على حجة أو شُبهة، وتعتمِدُ فيما تعينه على بيّنة أو تهمة، إذا كان ما قدّمتَ حكايته عنك، وما عددتَه من مطاعنك، وأثبتّه من الأبيات التي استَسقَطتها، ومِلتَ على هذا الرجل لأجلها من باب ما يُمتحن بالطبع لا بالفِكر، ومن القِسم الذي لاحظ فيه للمحاجّة، ولا طريق له الى المحاكمة، وإنما أقصى ما عند عائبه. وأكثر ما يمكن مُعارضه أن يقول: فيه جهامة سلبته القَبول، وكزازةٌ نفّرتْ عنه النفوس، وهو خالٍ من بهاءِ الرّونق، وحلاوةِ المنظر، وعُذوبة المسْمَع، ودماثةِ النثر، ورشاقة المعرِض، قد حمل التّعسّف على ديباجته، واحتكم التعمل في طلاوته، وخالف التّكلّف بين أطرافه، وظهرت فجاجةُ التصنع في أعطافه، واستهلك التعقيدُ معناه، وقيّد التعويص مُرادَه.

стр. 412

مواقع الكلام وهذا أمر تُستخبر به النفوس المهذّبة، وتستشهد عليه الأذهان المثقفة؛ وإنما الكلام أصوات محلها من الأسماع محلّ النواظر من الأبصار. وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحُسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفُس كل مذهب، وتقف من التّمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخِلقة، وتناصُفِ الأجزاء، وتقابل الأقسام؛ وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى الى القبول، وأعلَقُ بالنّفس، وأسرع ممازجة للقلب؛ ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت، ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خُصّت به مُقتَضِياً. ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة، وهي مقصورة عن الأولى في الإحكام والصنعة، وفي التّرتيب والصيغة، وفيما يجمع أوصاف الكمال، وينتظمُ أسباب الاختيار أحلى وأرشق وأحظى وأوقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنّت المتجانِف، ورددته ردّ المستبهم الجاهل! ولكان أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك أن تقول: موقعُه في القلب ألطف، وهو بالطّبع أليق؛ ولم تعْدم مع هذه الحال معارضاً يقول لك: فما عبتَ من هذه الأخرى؟ وأي وجهٍ عدَل بك عنها؟ ألم يجتمع لها كيت وكيت!! وتتكاملُ فيها ذيه وذيه!! وهل للطاعن إليها طريق! وهل فيها لغامز مغمز يحاجُّك بظاهر تحسّه النواظر! وأنت تحيله على باطن تحصِّله الضمائر! كذلك الكلام: منثوره ومنظومه، ومجمَلُه ومفصّله؛ تجد منه المُحكَم الوثيق والجزل القوي، والمصنّع المُحكم، والمنمّق الموشّح؛ قد هُذِّب كل التّذيب، وثُقِّف غاية التّثقيف، وجهِد فيه الفِكْر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى احتمى ببراءته عن المعائِب، واحتجر بصحّته عن المطاعن، ثم تجد لفؤادِك عنه

стр. 413

نَبوة؛ وترى بينه وبين ضميرك فجوة؛ فإن خلُص إليهما فبأن يُسهِّل بعضُ الوسائل إذنه، ويمهد عندهما حاله؛ فأمابنفسه وجوهرِه، وبمكانه وموقعه، فلا. هذا قولي فيماصفا وخلُص، وهُذِّب ونقِّح؛ فلم يوجد في معناه خلل، ولا في لفظه دخَل؛ فأما المختل المَعيب، والفاسد المضطرب، فله وجهان: أحدُهما ظاهر يُشترك في معرفته؛ ويقل التفاضُل في علمه؛ وهو ما كان اختلاله وفسادُه من باب اللّحن والخطأ من ناحية الإعراب واللغة. وأظهر من هذا ما عرض له ذلك من قِبَل الوزن والذوق، فإن العامي قد يميّز بذوقه الأعاريض والأضرُب، ويفصِل بطبعه بين الأجناس والأبحُر، ويظهر له الانكسار البيّن، والزِّحاف السائغ. والآخر غامض يوصَل الى بعضه بالرواية، ويوقَف على بعض بالدّراية؛ ويحتاج في كثير منه الى دقّة الفطنة، وصفاء القريحة، ولُطف الفكر، وبعد الغوص. ومِلاك ذلك كله: وتمامُه الجامع له والزّمام عليه صحّة الطبع، وإدمان الرياضة؛ فإنهما أمران ما اجتَمعا في شخص فقصّرا في إيصال صاحبهما عن غايته، ورضِيا له بدون نهايته. وأقل الناس حظّاً في هذه الصناعة من اقتصَر في اختِياره ونفيهِ، وفي استِجادته واستسقاطه على سلامة الوزن، وإقامة الإعراب، وأداء اللغة. ثم كان همّه وبُغيته أن يجد لفظاً مروَّقاً، وكلاماً مزوّقاً؛ قد حُشِي تجْنيساً وترصيعاً، وشُحن مطابقةً وبديعاً، أو معنى غامضاً قد تعمّق فيه مستخرِجُه، وتغلغل إليه مستَنبطه، ثم لا يعبأ باختلاف الترتيب، واضطراب النَّظم، وسوء التأليف، وهلهلة النّسْج، ولا يقابل بين الألفاظ ومعانيها، ولا يسبُر ما بينهما من نسب، ولا يمتحن ما يجتمعان فيه من سبب، ولا يرى اللفظ إلا ما أدّى إليه المعنى، ولا الكلام إلا ما صوّر له الغرض، ولا الحُسنَ إلا ما أفاده البديع، ولا الرونق إلا ما كساه التّصنيع، وقد حملني حبّ الإفصاح عن هذا المعنى على تكرير القول فيه، وإعادة الذكر له؛ ولو احتمل مقدارَ هذه الرسالة استقصاؤه، واتسع حجمُها للاستيفاء له لاسترسَلتُ فيه، ولأشرَفتُ بك على معظمه.

стр. 414

وإذا كان هذا محلي من التحقيق بهذه الطريقة، ومقامي في نصرة هذا الرأي فأنا أول موافق لك على ما ادّعيته، وراضٍ منك بالمقدار الذي أوردته؛ غير أن العصبية ربما كدّرتْ صفو الطبع، وفلّت حدّ الذهن، ولبّستِ العلم بالشك، وحسّنت للمُنصف الميل؛ ومتى استحكمتْ ورسخت صوّرت لك الشيء بغير صورته، وحالتْ بينك وبين تأمله، وتخطّت بك الإحسان الظاهرَ الى العيب الغامض. وما ملكَتِ العصبية قلباً فتركت فيه للتثبت موضعاً؛ أو أبقَتْ منه للإنصاف نصيباً!

стр. 415

دفاع المؤلف عن أبي الطيب وقد تفقدت ما أنكرَهُ أصحابُك من هذا الديوان، بعد الأبيات التي حالُها من امتناع المحاجة فيها، وتعذّر المخاصمة عليها ما وصفْت فوجدته أصنافاً، منها ألفاظ نُسبَت الى اللّحن في الإعراب، وادُّعي فيها الخروج عن اللغة، ومعان وصِفَت بالفساد والإحالة، وبالاختلال والتناقض، واستِهلاك المعنى؛ وأخرى أنكِر منها التقصير عن الغرض، والوقوفع دون القصد. وأعيَب ما فيها ما عيبُه من باب التعقيد والعويص واستهلاك المعنى وغُموض المراد؛ ومن جهة بُعدِ الاستعارة، والإفراط في الصنعة، وقد حكيْت في كل باب منها ما علِقتُه من كلام أصحابك، وما قابلهم به خصومُك، ورأيت السّلامة في أن أقتصر من هذه الوساطة على حُسن التبليغ، وحسن التأدية، وتقريب العبارة، وجمع المتفرِّق، ثم أقف منكما حجْزةً، وأخرُج عنكما صفراً؛ قد أدّيتُ عن كل فريق ما تحملتُه، وسلمتُ من الميل فيما تكلّفته. وكما لا أحكم على خصمك بالخطأ في كل ما يذكره، فكذلك لا أبعدُك من الصواب في أكثر ما تصفه. وجملة القول في هذه الأبيات وأشباهها أنه لو وُفّي فيها التهذيب حقه. ولم يُبخَس التّثقيف شرطَه لانقطعت عنها ألسُن العيب؛ وانسدّت دونها طرُق الطعن، ولدخَلتْ في جملة أخواتها، ولجرتْ مجرى أغيارها؛ ولاستغنت عن تكلّف البحث والتّنْقير؛ واستغنى خصمك عن تمحّل الحجج والمعاذير. لكنا لم نجد شاعراً أشمل للإحسان والإصابة والتنقيح والإجادة شعره أجمع، بل قلّما تجد ذلك في القصيدة الواحدة، والخطبة الفردة؛ ولا بد لكل صانع من فترة، والخاطر لا تستمر به الأوقات على حال؛ ولا يدوم في الأحوال على نهج. وقد قدمنا لك في صدر هذه الرسالة من شعر أبي نواس وأبي تمام وغيرِهما ما مهّدنا به الطريق الى هذا القول،

стр. 416

وأقمناه علَماً يرجَع إليه في هذا الحكم، وأعلمناك أنه ليس بغيتنا الشهادة لأبي الطيب بالعصمة، ولا مرادُنا أن نبرّئه من مقارفة زلّة، وأن غايتنا فيما قصدنا أن نلحِقَه بأهل طبقته، ولا نقصّر به عن رتبته، وأن نجعله رجلاً من فحول الشعراء، ونمنعك عن إحباط حسناته بسيئاته، ولا نسوّغ لك التحامل على تقدّمه في الأكثر بتقصيره في الأقل، والغضّ من عامّ تبريزه، بخاص تعذيره. ومتى وجدتك تحتمل للفرزق قوله: وما مثلُه في الناس إلا مُمَلَّكاً ... أبو أمه حيٌ أبوه يقاربُه وقوله: ما بالمدينة دارٌ غير واحدة ... دار الخليفة إلا دار مروانا وقوله: فإنّ التي ضرّتْك لو ذقت طعمَها ... عليك من الأعباء يوم التخاصم وأشباهها. وإن لم تحتمِله لم تتعمدْه بالعيب، ولم تتناول قلائدَه بالغضّ، ولا تسلك بأبي الطيب هذا المسلك، وتحمِله على هذا المنهَج علمتُ أنّك متعصّب مائل، ومتحامل جائر. وقد حدثني بعض أهل الأدب أنه حضر عند أبي الحسن بن لنْكَك البصري - وكان على فضله في العلم، وتقدُمه في الأدب - شديد التحامل على أبي الطيب، وهو يذكر شيئاً من شعره حتى انتهى الى قوله: بقائي شاء ليس همُ ارتحالا فجعل يعجِّب من هذا المصراع من حضره ويقول: هل رأيتُم أشد تعقيداً وأظهر تكلفاً، وأسوأ ترتيباً من هذا الكلام! قال: فقلت له: هب الأمر على ما ادّعيته،

стр. 417

وأنّا سلّمنا لك ما زعمته، أين أنت من قوله في إثر هذا البيت: كأنّ العيسَ كانت فوقَ جفني ... مُناخاتٍ فلمّا ثُرْنَ سالا قال: فاستشاط غيظاً، ثم قال: هذا المصراع يسقط دواوين عدة شعراء! فإنْ كان هذا الحكم سائغاً، وكان ما قاله مقبولاً، فإن أحد أبيات الفرزدق يُسقط شعر بني تميم جملة؛ فقد ترى ما بينَها من الفضل في النقص، وتتبين تفاوتها في سوء الترتيب واختلال النظم. ولو كان التعقيدُ وغموضُ المعنى يُسقطان شاعراً لوجب أن لا يُرى لأبي تمام بيت واحد؛ فإنا لا نعلم له قصيدة تسلم من بيتٍ أو بيتين قد وفَر من التعقيد حظهما؛ وأفسد به لفظهما، ولذلك كثُر الاختِلاف في معانيه، وصار استخراجها باباً منفرداً؛ ينتسِب إليه طائفة من أهل الأدب، وصارت تُتطارح في المجالس مطارحة أبيات المعاني، وألغاز المُعمّى. وليس في الأرض بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلا ومعناه غامض مستتر؛ ولولا ذلك لم تكن إلا كغيرها من الشعر، ولم تفرَد فيها الكتب المصنّفة، وتُشغل باستخراجها الأفكار الفارغة. ولسنا نريدُ القِسم الذي خفاء معانيه واستتارُها من جهة غرابة اللفظ وتوحش الكلام، ومن قبل بُعد العهد بالعادة وتغيّر الرسم، كاختلاف الناس في قول تميم بن مقبل: يا دار سلمى خلاء لا أكلِّفها ... إلا المرانةَ حتى تعرِفَ الدِّينا فإن الذي خالف بين أقاويلهم فيها هو أنهم لم يعرفوا المرانة، فقال قائل: هي ناقته، وقال آخر: هي موضع دار صاحبته، وقال آخر إنما أراد الدوام والمرونة.

стр. 418

غلوّ القدامى فأما الإفراط فمذهب عام في المُحدَثين، وموجود كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون، فمستحسِن قابل، ومستقبِح رادّ، وله رسوم متى وقف الشاعر عندَها، ولم يتجاوز الوزصف حدّها جمع بين القصْد والاستيفاء، وسلم من النقْص والاعتداء، فإذا تجاوزها اتسمت له الغاية، وأدته الحال الى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشُعبة من الإغراق، والباب واحد، ولكن له درَج ومراتب. فإذا سمع المحدَث قول الأول: إلا إنما غادرْتِ يا أمَّ مالكٍ ... صدًى أينما تذهبْ به الريح يذهب وقول آخر من المتقدمين: ولو أنّ ما أبقيتِ منّي معلَّقٌ ... بعودِ ثمامِ ما تأوّد عودُها جسَر على أن يقول: أسَرّ إذا نحِلتُ وذاب جسمي ... لعل الريح تسْفي بي إليهِ واستحسن غيره أن يقول: ذاب فلو زُجّ بجُسمانه ... في ناظر الوسْنان لم ينتبِهْ وسهّل لأبي الطيب الطريق فقال: ولو قلمٌ ألقيتُ في شقِّ رأسه ... من السُقمِ ما غيرتُ من خطّ كاتِب وقال:

стр. 419

كفى بجسمي نُحولً أنّني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترَني وإذا قال عنترة: وأنا المنية في المواطن كلِّها ... والطعْنُ مني سابقُ الآجال وقال النابغة الجعدي: بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجدودُنا ... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظْهَرا وقال الأعشى: لو أسندتْ ميتاً الى نحرِها ... عاش ولم يُنقل الى قابر وقال عروة بن زيد: بجيشٍ تُطلّ البلق في حجَراتِه ... ترى الأُكمَ منه سُجَّداً للحوافرِ وقال النابغة: تقُدّ السَّلوقيّ المضاعفَ نسجُه ... وتوقِدُ بالصّفّاح نار الحُباحِبِ

стр. 420

وقال النمِر بن تولب: يظل يحفز عنه إن ضربْت به ... بُعد الذراعين والساقين والهادي وقال مهلهِل: ولولا الريح أسمعَ من بحِجْرٍ ... صَليلَ البيض تقرَع بالذكور وقال امرؤ القيس: إذا ركِبوا الخيل واستلأموا ... تحرّقتِ الأرضُ واليومُ قُرّْ وقال الأعور الشّنّي: ولو حلّ بالدّهناءَ حرث بن جابر ... لأصبحَ بحْراً بالمفازةِ جاريا وقال الهذلَي: يردّ شعاع الشمس عار رماحنا ... ويصرف حد الشمس حتى تكركرا وقال قيس بن الخطيم: ملكْتُ بها كفّي فأنهرْتُ فتْقَها ... ترى قائماً من دونها ما وراءَها وقال هدبة: بإجّانة فيحاءَ لو خرّ بازلٌ ... من البُختِ فيها ظلّ للجنبِ يسبحُ وقال ابن ميّادة: ولو أن قيساً قيسَ عَيلانَ أقسمتْ ... على الشمس لم تطلعْ عليها حجابها وقال الطّرمّاح: ولو أن برغوثاً على ظهر قملةٍ ... يكر على صفّيْ تميم لولّتِ

стр. 421

وقال العيني في جوابه: ولو أن عصفوراً يمدّ جناحه ... على طيئ في دارها لاستقلّتِ وقال طُريح: لو قلت للسيل دع طريقك والمو ... ج عليه كالهضب يعتلِجُ لارتدّ أوساخَ أو كان له ... في سائر الأرض عنك منعرَجُ وقال العوّام بن عبد عمرو: ولو أنها عصفورة لحسبتُها ... مسوّمةً تدعو عُبيداً وأزنَما وقال تميم بن مقبل: ولو كحلت حواجب خيل قيس ... بكلب بعد تغلب ما قُذينا وأمثال هذا مما لو قصدنا جمعه لم يعوز الاستكثار منه وجد من بعدَهُم سبيلاً مسلوكاً وطريقاً موطّئاً، فقصدوا، وجاروا، واقتصدوا وأسرفوا وطلب المتأخر الزيادة، واشتقاق الى الفضل فتجاوز غاية الأول، ولم يقف عند حد المتقدم، فاجتذبَه الإفراط الى النقص، وعدَل به الإسراف نحو الذم.

стр. 422

عودة الى الدفاع عن أبي الطيب ولما سمع أبو الطيب قول قيس بن الخطيم في الطعنة نافسه فقال: إذا ما ضربْت القِرنَ ثم أجزْتَني ... فكِلْ ذهباً لي مرّةً منه بالكلْمِ فلم يحفِل بسوء النظم، وهلهلةِ النّسج لما حصل له الغرض في إنهار الطعنة، وتوسيع الجرح. ولما سمع قول العوام بن عبد عمرو: ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسوّمةً تدعو عبيداً وأزْنما ووجد المحدَثين قد تبعوه، فذهبوا به مذاهب طلب الزيادة فقال: وضاقت الأرض حتى كان هاربُهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجُلا فلم يكترث بالإحالة، ولم يستقبح أن جعل غيرَ شيء مرثيّاً لما استوفى عند نفسه الغاية، ولم يبق وراءها مرمًى لشاعر، وشجّعه على ذلك أيضاً أنه سمع قول عمرو بن لجأ: وقعنب يا بْن لا شيء هتفت به وقول أبي تمام: أفيّ تنظِم قولَ الزّور والفنَدِ ... وأنت أنزَرُ من لا شيءَ في العدَدِ فقال: قد أجاز هذا أن يكون لا شيء واحداً، وهذا أن يكون معدوداً فكيف

стр. 423

يحظر عليّ أن أجعلَه مرئياً!. ولما رأى مهلهِلاً قد أسمع أهل حِجْر صليل البيْض، وهو بالذنائب وبينهما عرْض نجد أقدم على أن قال: سلّه الرّكْبُ بعد وهْنٍ بنجدٍ ... فتصدّى للغيث أهلُ الحجاز وإذا رآهم قد احتملوا لطريح أن يجعل الوليد بن يزيد يردّ السّيل بقوله من جهة، ويصرفه عن طريقه سامهم أن يحتملوا في ابن حمدان قوله: ألقَتْ إليكَ دماءُ الرومِ طاعَتها ... فلو دعوْت بلا ضرْب أجاب دمُ ومتى سامح الرواة وحملة الشعر الفرزدق في قوله: لعمركُ ما الأرزاق حين احتفالُها ... بأكثرَ خيراً من خِوان العُذافر ولو ضافه الدّجال يلتمِسُ القِرى ... وحلّ على خَبّازِه بالعساكر

стр. 424

بعدّة يأجوج ومأجوج كلهم ... لأشْبَعهم يوماً غذاء العُذافِر وسامحوا سُحَيماً عبد بني الحسحاس في قوله: وما زال بُردي طيّباً من رِدائها ... الى الحوْل حتى أنهجَ البرد بالِيا وجميلاً في قوله: ولو أن جلداً غير جِلدكِ مسّني ... وباشرني دون الثياب شريتُ ولو أن واقي الموت يدو جنازتي ... بمنطقها في الناطقين حييتُ لزمهم أن يسامحوا أبا نواس في قوله يصف قِدراً: يعضّ بحَيزوم الجرادة صدرُها ... وينضج ما فيها بعودِ خِلال تغلي بذكر النار من غير قُربها ... وينزلها عفواً بغير جعال والعَكوّك في قوله يصف رِجله ومشيها: إذا اتسعت لم يلحق الذرُّ شأوَها ... وخامرها دون الذراع ابتِهارُها وأبا الطيب في قوله: له رحمةٌ تُحيي العِظام وغضبةٌ ... بها فضلةٌ للجُرمِ عن صاحبِ الجُرمِ ورقّةُ وجهٍ لو ختمْتَ بنظرة ... على وجنتَيه ما امّحى أثرُ الختْمِ لقد حال بين الجِنّ والإنسِ سيفُه ... فما الظنّ بعد الجنِّ بالعُربِ والعُجمِ وأرهبَ حتى لو تأمّل دِرْعَه ... جرَتْ جزَعاً من غير نار ولا فحم فإن قالوا: ألسنا نسامح المتقدمين بالخطأ؟ ولا نحتمِل لهم هذا الإغراق الفاحش؟ قلنا: أو لستُم قد سلّمتم لهم الإحسان في غير ذلك، ولم تسقطوهم من عداد الشعراء لأجله فأجروا هذا الرجل مجراهم، وألحقوه في الحكم بهم. وإذا احتملوا لامرئ القيس قوله:

стр. 425

من القاصراتِ الطّرْف لو دبّ محوِلٌ ... من الذّرِّ فوق الإتْب منها لأثّرا ولحميد قوله: منعّمة لو يُصبِح الذّرُّ سارياً ... على جِلدها صبّت مدارجُه دما فاحتملوا للمُحدث قوله: يجرحه اللّحظُ بتكرارِه ... ويشتكي الإيماء بالكفّ ولأبي الطيب قوله: تألّمُ درزَهُ والدّرْزُ ليْنٌ ... كما نتألّم العضْبَ الصّنيعا وإذا لم ينزل عندكم حُميد بن ثور عن مكانه، ولم يؤخره عن مقامه إفراطه في قوله يصف امرأة ركبت هودجها: فما دخلتْ في الخِدْرِ حتى تنقّضتْ ... تآسيرُ أعلى قِدّه وتحطّما وما ركبتْ حتى تطاول يومُها ... وكانت لها الأيدي الى الحدب سُلّما فجرجَر لمّا كان في الخِدر نصفُها ... ونصف على أياته ما تجزّما وما كاد لما أن علَته يُقلّها ... بنهضتِه حتى اكلأزّ وأعْصَما وحتى تداعت بالنقيضِ حبالُه ... وهمّت بواني زورِه أن تحطما وأثر في صُم الصّفا ثفِناتُه ... ورام بلما أمرَه ثم صمّما قال الأصمعي - وقد قرئت عليه هذه الأبيات: لو كانت هذه المرأة الماز ندر ما زاد؛
следующие страницы →