← Ансаб

Ансаб · id 491

الأنساب للصحاري

الصحاري

Полный текст (287 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أفرح أَرْزَاً الكرام وأن ... أورَثَ ذوداً شَصَايصاً نَبَلا فمن نابل زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وصاحب غاراتها، وهو فارس العرب كافة، وكان يكنى أبا مِكْنَف. وأدرك الإسلام، وفد على النبي ﷺ في وفد طيء وأسلم على يديه، وهو أحد من أكرمه رسولُ الله ﷺ ، وبسط له رِداءه، وسماه زيد الخير، وعلّمه ودَعَا له، ومات في رجوعه. وكان النبي ﷺ قال: ما ذكر لي أحد فرأيته إلا كان دوُنَ ما وصُفَ لي إلا زيد. وكان عرفه بالإجابة حين دعا به، وهو زيد الخيل بن مُهِلهِل بن زيد بن منهب بن عبد رُضي ابن المختلس بن ثوب بن كنانة بن مالك بن نابل بن نَبْهان بن عمرو بن الغوث بن طيء. ونحن نذكر من مقاماته ووقائعه لمعاً يستدل بها ويستكفي بشاهر أخبارة ووقائعه ومقاما عن الإطالة. قال أبو بكر محمد بن الحسن القسملي، عمن حدثه قال: غار زيد الخيل ابن مُهلهل الطائي على بني فزارة، وعندهم يومئذ زُهير بن أبي سُلمى المُزني، والحطيئة العبسي، وقد جمع عُيينة بن حصن الفرازي سيدُ فزارة جُموع كثيرة من أحياء معد، وكان خروج زيد الخيل اليهم، فاستعد وتأهب لقتالهوجموعه، فأوقع بهم زيد الخيل في عدد يسير من فرسانه، فهزم بني فزارة، وفض جموعهم، واستباحهم، وولى قتال ذلك اليوم هو نفسه، فأسر عُيينة بن حِصن الفرازي سيد قيس وفارسها، فقال له: يا أبا مكنف، خل سبيلي أثبك على ذلك فجزّ ناصيته وأطلقه. وأما زُهير جز ناصيته وأطلقه، فدفع إليه زُهير فرسه الكميت المشهور بالسبق، فقبله زيدُ الخيل. وأما الحطيئة فأنشأ يقول: ظفرت بقيس ثم أنعمت فيهم ... ومن آل بدر قد أسرت الأكبر جرزت النواصي منهمُ إذ ملكتهم ... وأطلقتهم إذ كنت يا زيد قادر وحىّ سليم قد تركت شريدهم ... فلولا وقد كانوا حلولا كراكر ومُرَّة أمرت الشراب عليهم ... جهارا وقد أخزيت بالمس عامر نبلت ولم يدرك لقيس نبيلها ... وسقت السبايا واستقدت الأبار فإن يشكرو فالشكر حق عليهمُ ... وإن يكفروا لا ألف يا زيد كافر فأجابه زيد الخيل وهو يقول: أقول لعبدي جرول ملكته ... أثبني ولا يغررك أنك شاعر أنا الفارس الحامى حقيقة مذحج ... لها المكرمات واللُّها والأكابر وقومي رءوس الناس والرأس قائد ... إذا الحرب شبتها الرجال المساعر فلست إذا ما الموت رنّق ظله ... وأنزع حوضاه ورنق ناظر توافقني أخشى الحروب محاذرا ... يباعدني عنها من القبّ ضامر ولكنني أغشى يصعدني الوغى ... مجاهرة إن الكريم مجاهر أروى سناني من دماءٍ غزيرة ... على أهلها إذ ليس ترعى الأناضر فلما صار زيد الخيل إلى بني فزارة يطلب نعمته عندهم أغار عامر بن الطفيل العامري على بني فزارة، فاستاق إبلاً، وأصاب امرأة منهم. فقال عُيينة بن حصن لزيد الخيل: يا أبا مكنف. أجعلها نعمة في إثر نعمة. قال: وما ذلك؟ قال: أغار عامر بن الطفيل عدوانا فاستاق إبلا وأصاب امرأة من نسائنا. فركب زيد الخيل حتى أتى عامرا. فلما رآه عامر أنكر ما رأى من هيئته، فوقف عامر وقال له: من أنت؟ قال: وما سؤالك وخلّ عما معك. قال: لا والله حتى أنظر من أنت. قال: أنا من بني فزارة. قال: لا والله ما أنت من الفلج أفواها - في كلام كثير - قال: فأنا زيد الخيل، خلّ ما معك. قال: لا والله، مالي إلى ذلك من سبيل. فحمل علية زيد الخيل فحمله فصرعه إلى الأرض، فاستسلم عامر، وأقبل به زيد، الخيل إلى الحي حتى ردَّ على بني فزارة هذه الفَزَاريّة، ورد ما استاق عامرٌ من إبلهم، ثم إنه بعد ذلك جَزّ ناصية عامر، ومنّ عليه بنفسه، وأطلقه بلا فداء. وقال في ذلك زيدُ الخيل: إنا لنُكثر في زيدٍ وقائعنا ... وفي تميم وهذا الحي من أسد وعامر بن طُفيل قد نحوت له ... صدر القناة بماضي الحدِّ مضطرد لمّا تَيِقَّن أن الورد مٌدركه ... وصارما وربيط الجأش كالأسد

стр. 107

نادىالى السلم منى بعد ما علقت ... منه المنية بالحيزوم واللغد ثم زيد الخيل - بعد ما منّ على عامر بن الطفيل وجزّ ناصيته وأطلقه - رجع إلى فزارة يطلب نعمته عندهمز فأما الحطيئة فشكا الحاجة، وزعم أنه لا شئ عنده فخلى سبيله. فقال الحطيئة لزيد يمدحه: إلا يُكن مال يُثاب فإنه ... سيأتي ثنائي زيدا بن مُهلهل فما نِلتنا غَدرا ولكن صَبَحتنا ... غداة ألتقينا في المضيق بأخيل في شعر طويل ومن طى أيضا ثم من بني نبهان حُريث بن عتاب الشاعر، ومنهم بنو خطامة بن سعد بن نبهان - وهم بعمان - كان منهم مازن بن غضوبة بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن أبي بشر بن سعد نبهان بن عمرو بن الغوث بن طئ، وكان من أهل سمايل، قدم على رسول الله ﷺ عند أول الإسلام بعمان، وأسلم ودعا له النبي ﷺ ، ولأهل عُمان بخيرٍ. وكان من قصته وخبر إسلامه وقدُومه على النبي ﷺ أنه كان يسدون صنما له في الجاهلية بأرض عُمان بقرية سمايل، يقال له ناجر، تعظمه بنو خطامة وبنو الصامت من طئ. قال مازن: فعترنا عنده ذات يوم عَتيرةٍ: يعنى الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن اسمع تُسرّ ... ظهر خيرٌ وبَطَن شرّ بعث نبي من مضرة ... يدين بدين الآله الأكبر فدع نَحيتا من حَجَر ... تسلم من حَرّ سقر. قال مازن، إن هذا لعجب، وإنه لخيرٌ يُراد بي. فبينما نحن كذلك بعد ذلك إذ ورد علينا بأرض سمايل رجل من أهل الحجاز يريد أن ينزل أدما. قال فقلت ما الخبر وراءك. قال: ظهر رجلٌ يقال له محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، يقول لِمن أتاه أجيبوا داعي الله. فلست بمُتكبر ولا جبَّار، ولا مختال ولا عصاء، أدعوكم إلى الله وترك عبادة الأوثان، وأبشركم بجنة عرضها السموات والأرض، واستنقذكم من تلظى لا يطفأ لهيبها، ولا ينعم ساكنها. قلت: هذا والله نبأ ما سمعته من الصنم. فوثبت إليه وكسرته أجذاذا، وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله ﷺ ، فسألته عمَّا بُعث به، فشرح لي الإسلام، ونَوَّر الله قلبي للهدى، فأسلمت، وقلت: كسَّرت ناجرَ أجذاذا وكان لنا ... ربَّا نظيف به ضلا بتضلالِ بالهاشمي هَدَانا مِن ضلالتنا ... ولم يكن دينه منى على بالِ يا رَاكِباً بَلَّغن عَمراً وإخوتها ... إنّى لمن قال: ربي ناجر قالى قولهبلَّغت عمرا: يعنى يريد بني الصامت، واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء. وإخوتها: يريد بني خطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء. قال مازن: فقلت يا رسول الله صلى الله عليك. أدع الله تعالى لأهل عُمان. فقال: اللهم أهدهم وأثبهم. فقلت: زدني يا رسول الله. فقال: اللهم أرزقهم العفاف والكفاف والرضى. بما قدرت لهم، قلت: يارسول الله، البحر ينضح بجانبنا. ادع الله في ميرتنا وخُفنا وظلنا. قال: اللهم وسِّع لهم وعليهم في ميرتهم، وأكثر خيرهم من بحرهم. قلت زدني، قال: لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم، قل يا مازن آمين، فإن آمين يستجاب عنده الدعاء قال: قال: يارسول الله إني مولع بالطرب، وشرب الخمر، لجوج بالنساء. وقد نفذ أكثر ما لي في هذا. وليس لي وَلَدٌ فادع الله أن يُذهب عني ماأجد، ويهب لي ولدا تقرّ به عيني، ويأتينا بالحياء. فقال النبي ﷺ : اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالعهر عفة الفرج، وبالخمر ريا لا إثم فيه، وآتهم بالحياء. وهب له ولدا. قال مازن: فأذهب الله تعالى عني ما كنت أجد من الطرب والنشاط لتلك الأسباب، وحججت حججاً، وحفظت شطر القرآن، وتزوجت أربع عقائل العرب، ورزقت ولدا فسميته حَيّان بن مازن، وأحصبت عُمان في تلك السنة وما بعدها، وأقبل عليهم الخُّف والظِّلف، وكثر صيد بحرها، وظهرت الأرباح في التجارات وآمن عدد كبير من أهل عُمان، ولمازن في ذلك شعر حيث يقول: إليك رسول الله خَبَّت مطيتي ... تجوب الفيافي من عمان إلى العرج لتشفع لي يا خير من وطئ الحصى ... فيغفر لي ربي وأرجع بالفلج

стр. 108

إلى معشر خالفت في الله دينهم ... فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي وكنت أمراُ باللهو والخمر مولعا ... شبابي حتى آذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر خوفا وخشية ... وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي لإأصبحت همي في الجهاد ونيتي ... فلله ما صومي ولله ماحجي قال: فلما كان في العام القابل الذي وفدت على رسول الله ﷺ فقلت: يا بن المباركين، الطيب بدينك، وقد أخصبت عُمان خِصبا هنيا، وكثرت الأرباح والصيد بها، فقال ﵇: ديني دينُ الإسلام، وسيزيد الله أهل عُمان خصوبة وصيدا، فطوبى بي لِمن آمن بي ورآني، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني، وطوبى طوبى لمن آمن بي ولم يرني ورآى من رآني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني، وسيزيد الله أهل عمان إسلاما. بطون بني خطامة جُرش وشرح وعرابة - وقالوا عراب. فهؤلاء حطامة، فمن بني جرش ساقر وصهبان وبطل وعرابة، وهم بعُمان بقرية حا وأما شرح بن خطامة فمن ولده سعيد وراشد وأخزم ووهيب ومعيناء وهم أهل صي ومنهم إخوتهم بن والصامت. واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان والصامت. يقال: لهُ من المال صامت وناطق، فالصامت: ما كان من الذهب والورق، والناطق: ما كان من الماشية وشبهها. فمن بني الصامت سعد وشرح وجُشم بنو الصامت، وسمه عمرو بن غنم بن مالك. فمن سعد كلب بن سعد، وبعدان ابن جشم بن سعد، وبعدان بن جشم بن سعد، وعمرو بن مالك بن الصامت فهؤلاء كلهم. ومن بني شرح الصامت صَبهان، وهادية، وأشرف بنو شرح بن الصامت. وهؤلاء كلهم بعُمان. ونهم أكلب بن سعد بن عمرو بن عمرو الصامت بن خالد بن مَعد جد قحطبة بن شبيب بن غنم بن مالك بن سعد ابن نبهان بن عمرو بن طيء، وكان قحطبة أحد نقباء بني العبَّاس، وصاحب مقدمة أبي مسلم الخرساني إلى العراق. وغرق في الدجلة، كبا به فرسُه. ومن ولده الطّوسي، وكان له من هارون الرشيد موضع، وداره بالبصرة في المهالبة. ومن قبائل نبهان سعدُ ونابلٌ - وفد مَرَّ نابل - فمن ولده خطامة بن سعد نبهان، والصامت، واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان - وقد مرّ ذكر نسبهما - وأما الباقون من ولد سعد فهم بنو أصمع، وبنو سُدوس بن أصمع بن أبي عبيد بن ربيعة بن نضر بن سعد بن نبهان، وفي بني سُدوس يقول امرؤ القيس: إذا ما كنت مُفتخراً ففاخر ... ببيت مثلى بيت بني سُدُوسا بيت تبصر الرؤساء فيه ... قياما لا تنازع أو جلوسا ومنهم خالد بن سدوُس، وزيد بن جابر بن سُدُوس بن أطمع، وفد على النبي ﷺ ، ومنهم الغوث بن طئ، ومنهم قيس بن عازب الفارس، ومنهم عامر بن جوين، واسمه الأسود - وكانا سيدين رئيسين. ومن قول عامر بن جوين: فلا مُزتَةٌودقت ودقها ... ولا الأرض أبقل إبقالها ومنهم أبو حنبل جابر بن مرّ، الذي أجار امرأ القيس، من ثُعل، ومنهم قيس بن عايد الذي خاصم عليَّا على الراية يوم صفين. ومنهم عبد بن الجعل، صحب عليَّا. ومنهم الخشخاش - واسمه الخياش بن أبي كعب بن عبد الله بن سعد بن فرير، وهو الذي كان فيه بدء حرب الفساد. ومنهم جوش، بن وديعة الشاعر. ومنهم حابس بن سعد وهو الذي كان على طيء بالشام مع معاوية، وقتل يوم صفين، وكان عمر بن الخطاب ﵁ ولاَّه قضاء حمص. ومنهم ثرملة بن شُعاث بن عبد كُثرى الشاعر، وثُرملة اسم من أسماء الثعالب وهي الأنثى خاصة، وشُعاث فُعال من الشَّعث ورجل أشعث الرأس وامرأة شعثة وشعثاء: وهو الذي قد طال عهده بالدهن وقاسى السفر فشعث شعر رأسه، والجميع شُعث والشَّعث: التفرق والتبدد، وكل شئ بددته وفرقته فقد شعثته، ويقال لمَّ الله شعثك، أي جمع متفرق أمرك، فهو يلم شعثه لماّ وقد شعثت أطراف المساويك أي تفرقت. وكثرى تأنيث أكثر كما كُبرى تأنيث أكبر، وكثرت بنو فلان بني فلان إذا كانت أكثر منهم، والفاعل كاثر والمفعول مكثور. ومنهم عبد عمرو بن عمار بن أمتى الشاعر. ومنهم المقعد الشاعر. ومن بني نبهان بنو الضرُّيس، منهم حُريث بن زيد المختلس، كان فارسا. ومنهم القشعم بن ثعلبة قاتل داهر ملك الهند. ومنهم حُبشِى بن حارثة الجّراح الفارس.

стр. 109

ومنهمعُويج ابن الضُّريس الشاعر. ومنهم أعور بني نبهان، واسمه حُريث بن عَنَاب، ويقال نعيم بن شريك وهو أحد من هجا جريرا الخطفي، ومما هجاه به وهو يقول: ألست كُليبيًّا وأمك كلبة ... لها عند أطناب الكلاب هرير وقلت لها أمي سليطا بأرضنا ... فبيس مناخ النازلين جرير ومنهم كعب الأشرف اليهودي، الذي أمر النبي ﷺ بقتله، ومنهم كنف بن حكيم الشاعر، وإبنه إبراهيم بن كنف شاعر أيضا. ومن جيد شعره: تَعَزَّ فإن الصبر بالحُرّ أجمل ... وليس على ريب الزَّمان مُعوّل وإن تُكن الأيام فينا تبدلت ... ببؤسٍ ونُعمى والحوادث تفعل فما ليَّنت منا قناةٌ صليبة ... ولا ذلَّلتنا مالا يحملُ البعض تُجعل ولكن رجلناها نفوسا كريمة ... تحمَّل مالا يحمل البعض يذلل أما بنو ثُعل، ويقال: إن ثعل وثعاله اسم من أسماء الثعالب، والثَّعَل: سنٌّ زائدة في الأسنان، والثعل: خلف زائد لاصق بضرع الشاة، ويقال لها ثعلاء إذا كانت كذلك، وثُعل: موضع ومن ثُعل بن عمرو بن الغوث بن طيء. حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن قطن بن أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثُعل بن عمرو بن الغوث بن طيء وأخزم بن أبي أخزم جُدُّ حاتم طيء. وهو الذي يُضرب به الأمثال، فيقال: شِنشنة أ'رفهامن أخزم أي نُطفة شَنششنها أجزم. والحشرج الحسى الصافي الماء البارد. قال الشاعر:. شُرب النَّزيف ببرد ماء الحشرج. والحشرجةُ: صوت يجيء من الصدر عند السعال أو المرض. وقد سارت الأمثال بسخائِة وجُده وكرمه، بحيث تكفى شُهرة ذلك عن تعداده. وكان قدر حاتم في قومه أنهم وضعوا عنه المغازي، وضربوا له بالسهام، وكان ينحر كل يوم جزورا وكان له قِدر نُحاس على الأثافي لا تزال أبدا. وكان إذا دخل رجب نادى في الأحياء، ونَحَر كل يوم وأطعم. ومن المحفوظ من جود حاتم أن بني جَدِيلة ما جَدُوه بالحيرة، فنحر مائة من الإبل أدماء، ووهب عشرة أفراس. واشترى كل لحم وخمر وطعام بسوق الحيرة في ذلك اليوم، وما جدوه جماعة من أهل اليسار بالجيزة فمجدهم في ذلك اليوم، وغلبهم، فأطعم الطعام وسقى الخمر في وسط الحيرة ومضى بذكر ذلك المقام. وحاتم هو الذي خرج ممتاراً حتى أتى بلاد عنزة، فإذا أسيرٌ قد خَذَله قوُمه، وطال أسرُه، فلما رأى حاتما صاح به يا سيد العرب يا حاتم فُكَّ أسري. فقال حاتم: والله ما عندي فداك، ولكني ألطف لك ذلك. فأتى نادي القوم فقال: يا قوم، أطلقوا هذا الأسير وأعطيكم عهدا إلى أن آتيكم بفدائه: فقالوا: لانفعل إلا بفداء حاضر. قال: فأوثقوني مكانة، وينطلق فيأتي بفدائه. ففعلوا، فأعطى حاتم الرجل علامة إلى منزل حاتم ليقبض فداءه فمضى الرجل، ولبث حاتم وهم لا يعرفونه، وأصبح في غداةٍ باردةٍ، فأتته العالية العنزية ببعير فقالت له: أفصد لي هذا البعير فنحره، فصاحت المرأة، وقالت: أمرتك أن تفصده فنحرته!! فقال إنه هذا قصدي. قالت: ومن أنت؟ قال: أنا حاتم ثم قال: - أنا المغيثُ حاتمُ بن سعد ... أعطى الجزيل مُوفيا وشيمي البذل وصدُق الوعد ... واشترى الحمد بِفِعل ورَّثني المجد نباتُ المَجَد ... إني وجدي حشرج ذُو هلا سألت الوفد عني وجدَّي ... كيف طعاني بالقنا وكيف ضربي بالحسام الفرد ... وكيف بذلي المال غير وكيف تِضافي وكيف فصدى ... وكيف إعلافي وكيف فلما عرفته العنزية - وكانت سيدة قومها - دعته إلى تزويجها فتزوجها، فولدت شبيب بن حاتم. وحاتم هو الذي كان يخرج وهو صبيُّ بطعامه إلى الطريق، فإن وجد من معه أكل وإلا ردَّه

стр. 110

ورجع. فلما رأى أبوه هذا منه ومن فعله أخرجه إلى إبل له فيها، ووهب له فرسا ومعها فلو، ووهب له جارية فخرج حاتم فلما رأى طفق يبغى الناس، فلا يجدهم، ويأتي الطريق فلا يجد أحدا، فلما كان كا بصر بركب على الطريق فأتاهم، فقالوا: يا فتى، هل من قِرى؟ فقال: هل من قِرى وأنتم تَرون الإبل أمامكم؟ ميلوا معي. وكان الرَّكب عمر الأبرص، وبشر بن أبي حازم الأسديان، والحطيئة العبسي، وزياد بن وهو النابغة الذبياني - وكانوا يريدون النعمان بن المنذر النعمان بن ماء اللخمي. فنحر لهم حاتم أربعا من إبله. فقال عبيد: ما أردنا الإبل؟ فإن متكلفا فبكرة. قال: رأيت أربعة رجال من بلدان شَتَّى فأجبت أن أنحر زاحد منهم بكرة. فقال عبيد والنابغة وبشر والحطيئة: ليقل كلُّ واحد منا فقالوا مدائح في حاتم لم نوردها ها هنا حذر الإطالة. ومن طريق ما روت الأخبار عن حاتم، ونحن نقول كما قالوا، ونروي كما رووا - قال المهلبي: ذكر لنا أن رجلا أتى معاوية بن أبي سفيان فقال: أخبروني من أسخى العرب؟ فقال له: حاتم اسخى العرب: الأحياء منهم والأموات: فقال له: أسرفت: أما سخاء الأحياء علمناه، فما سخاء الأموات؟ قال: نعم، خرج ركب فمروا بقبر حاتم فنزلوا، فمضى إليه رجلُمنهم ويكنى أبا الخيبري - فصاح بالقبر: أبا عدي ضيافك. فلما كان في السحر وثب أبو الخيبري. وهو الرجل الذي صاح حاتم - فصاح: واراحلتاه. فقال له أصحابه؟ ما شأنك؟ قال: خرج والله بسيفه - وأنا أنظر إليه - حتى عَفَر ناقتي فنظروا إلى راحلته فإذا هي لا. فقالوا له: قد والله أقوك. فنحروا الناقة، وظلوا يأكلون منلحمها. فلما شبعوا أنطلقوا، فبينما هم كذلك في مسيرهم إذ طلع عليهم عَدِيُّ بن حاتم، ومعه جمل أسود وقد قَرَنه ببعيرة، فقال لهم: يا معشر الركب، إن حاتما جاءني في اليَّوم وذكر لي شتمك إياه، وأنه أقرك وأصحابك راحلتك، وأمرني أن أدفع إليك جملا. جملك، ذلك فخذه. وقال في ذلك أبياتا: - االخيبري وأنت امرؤ ... حسودُ العشيرة لوّامها ماذا أردت إلى رَّمة ... بداوية قد صدت هامها في أذاها وإعسارها ... وحولك عوفٌ وأنعامها فهذا يا أمير المؤمنين أسخى الأحياء والأموات. وأدرك حاتم الإسلام إلا أنه لم يسلم، ومات نصرانيا. وقد ذكرت النوارُ امرأته أنها قالت: أصابتنا سنةٌ أقشعرت لها الأرضُ، واغبر أفق الماء، وراحت الإبل جُرْبا جُدْبا، وضَنَّت المراضعُ عن أوردها، فما تنض، وأتلفت السنة المال، وأيقنَّا بالهلاك، فو الله إني لفي ليلةٍ صبيرة بعيدة ما بين، تَتَصايَحُ من الجُوع - عبدُ الله وعديّ وسفانة - فقام حاتم إلى الصبَيَّيْن، وقُمْتُ أنا إلى الصَّبيّة، فو الله ما سَكَتوا إلا بعد هدو من الليل، وأقبل بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تهوَّرت النجومُ إذا بشيء قد رَفَعَ كسر الخباء، فقام حاتم: من هذا؟ فقالت: جَارَتُكَ فلانةُ، أتَيْتُك من عند صِبْيِةٍ يتعاوَو﴾ ن عُوَاءَ الذئاب من الجوع، فما وجدتُ مُعَوَّلاً إلا عليك أبا عَدِي. فقال لها: أعْجِلِيهم فقد أشْبَعَك الله وإياهم. فأقبلت المرأةُ تَحْمِلُ اثنين وتُمْشي جانبها أربعة كأنها نعامةٌ حولها ريالها. فقام حاتم إلى فرسه فَوَجأَ لبَّتَهُ بمُدْيِته فَخَّر صريعا، ثم كشطه، ودفع المدية إليّ، ثم قال: شأنك. فاجتمعنا حوله، وأججنا ناراً، وجعلنا نَشْوي ونأكل، ثم جعل حاتم يأتي بَيْتا بَيْتا ويقول: هُبُّوا أيها النُّوَّام، عليكم بموضع النَّار، والتفع هو بثوبه، فو الله ما ذَاق منها مُزْعة واحدة. وإنه لأحوج إليها منا. فلما أصبحنا وما على وجه الأرض من الفَرَس إلا عظم وحافر، وأنشأ في ذلك حاتمٌ يقول شعرا: مَهْلاً نَوَارُ أقلي اللَّوْم والعَذَلا ... ولا نُقُولي لشيء فاتَ ما فَعَلا ولا تقولي لمالٍ كنتُ مُهْلِكَه ... مَهْلاً وإن كنُت أَعْطي الحيَّ والحَفَلا لا تَعْذِلِيني في مالٍ وصلتُ به ... رَحِماً فخيرُ سبيل المال إن أُكِلا يرى البخيل سبيل المالِ واحِدَة ... إنّ الكريمَ يَرَى في ماله سُبُلاَ

стр. 111

وفَدَ حاتمٌ بن عبد الله وزيدُ الخيل على النعمان بن المنذر فأمر بإدخال حاتم وحده، وأراد أن يُفْسِد بَيْنَه وبين زيد الخيل، فقال النعمان: أحَقاً ما يقولُ زيدٌ؟ قال أبيت اللَّعْنَ: وما يقول زيد؟ قال: يزعم أنه أفضل منك. فقال له أبيتَ اللعن، بنُوه ليسوا مثله، ولا يعاشرون فِعْله، أخسهم أفضل مني. قال له النعمان: أوَرَضيت بذلك؟ فقال حاتم: ما يُبارىَ زيدٌ ولا يُنازع. فانصرف حاتم وهو يقول: يحاولني النعمان كَيْ يستفزّني ... وهيهات مَنْ ذا قال حَاتَمُ يُخْدَع كَفَاني عاراً أن أُضيِم عشيرتي ... بِقَوْلٍ في غيرهِ مُتَوَسَع ثم أمر بإدخال زيد الخيل، فلما صار عنده قال له النعمان: أحقا ما يقول حاتم؟ قال: وما يقول أبيتَ اللّعْنَ؟ قال: إنه يقول إنه أفضل منك. قال: صَدَق حاتمٌ، هو أصْلَبُنا عودا. وأسبَقْنا جُوداً. قال له أرضيت بذلك؟ قال: لو أن حاتما ملكني وولدي لاستوهبنا. ثم انصرف زيد وهو يقول: يقول لي النعمان لا مِن نصيحة ... أرى حاتما في فضله متطاولا له فوقنا باعٌ كما قال حاتم ... وما الصلح فينا كالذي كان حاولا ومن ثعل أبو حَنْبل، واسمه حارثة بن قُرَ وفي نسخة جابر بن مُرّ، وكان من أشراف ثعل في أيامه، هو الذي أجار امرأ القيس بن حجر الكندي، وله حديث. والحنبل القصير، ويقال للرجل القصير حَنْبَل، وهو القائم بحرب الغوث، وقد عاش حتى أدرك حاتما. ومنهم مُجِيرُ الجراد. وهو أبو حَنْبَل مُدْلج بن مُرّ بن سويد بن مَرْثد بن عمروا، وكان عزيزا منيعا. وفي قول بعض: إنه هو أبو حَنْبَل حارثة ابن مُرْ، وإنما سمي مُجِير الجراد لأن الجراد سَقَط بقْرب داره، وقَعَد الناس يصيدونه، فَحَماه منهم وأجاره منهم، فسُمِّي مُجِيرَ الجراد. وكان من حديثة فيما ذكره ابن الاعرابي عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أنه خلا ذات ذات يوم في قُبَّته فإذا هو بقوم من طيء ومعهم أوعيتهم. فقال: ما خطبكم؟ قالوا: غزونا جارَك. فقال: وأي جيراني؟ قالوا: جرادٌ نَزَل بفنائك. فقال: أما إذ قَدْ سَمَّتْمُوه لي جارا فَلَن تصلوا إليه أبدا. ثم ركب فرسه. وأخذ رُمْحه وقال: والله لا يعرض له منكم أحدٌ إلا قَتْلته. ثم نادى في بني أبيه وفتيانه وولده فاسْتَلَّوا السيوف وأشرعوا القنا، وانصرف الناسُ عن الجراد، ولم يزل يحرسه حتى حميت عليه الشمس، فضربت العرب به المثل، فقالت: أنت أحمى من مجير الجراد وفيه يقول شاعر طيء: وبالجَبَلَيْن لنا مَعْقِلٌ ... سَمَوْنا إليه بضُمّ الصعاد ملكناه في أولَيَاتِ الزَّمَان ... مِن بَعْدِ نوحٍ ومِن قَبْل عَاد ومِنَّا ابنُ مُرَّ أبُو حَنْبَل ... أجارَ مِنَ الناسَ رَجْلَ الجراد وزَيْدٌ لنا حَاتِمٌ ... غياثُ الوَرَى في السِّنين الشداد ومن شعرائهم المفضل وهو أوّل من قال الشعر من بعد طيء. ومنهم عارض الشعر، واسمه قيس بن جروة. ومنهم قيس بن جحدر جد الطَّرَمَّاح. وكان شاعرا وكان حاتم بن عبد الله استوهبه من بعض مُلُوك آل جفنة - كان أسره - فوهبه فقال في ذلك: فككتَ عَدِيَّا كلَّها من إسارها ... فأفضْل وشَفَّعني بقيس بن جَحْدر أبوه أبي والأم من امهاتنا ... فأنعم فِدَاك اليومَ أهلْي ومَعْشِري ومنهم الطرماح بن حكيم بن نفر بن قيس بن جَحَدر بن ثعلبة بن عبد ابن مالك بن أنمار بن عمرو بن ربيعة بن جرول بن ثُعل بن عمرو بن الغوث بن طيء. وكان الطرمَّاح لا يدافع عن الخطابة والبلاغة والشعر، وزعم محمد بن سهل راوية الكميت أنشد قول الطّرمَّاح شعرا: إذا قُبضَت روحُ الطّرمَّاح أخْلَقَتْ ... عُرْى المَجْدِ واستَرْخَت عِنَانُ القصايد فقال الطّرمّضاح: أي والله، وعِنَان الخطابة والبلاغة، وكان الطّرمَّاح يرى رأيا الخَوَارِج، والطرماح هذا غير الطِّرمَّاح الذي وفد إلى الحسن بن علي، ذلك الطَّرمَّاح بن عَدِي بن حاتم الطائي أيضا. والطَّرمَّاح: الطويلُ، وكل شيء طويل فقد طَرْمَحْتَه. قال الشاعر: طرمَحوا الدَّورة الحداج وأضخت ... مثل ما أمتدّض من عماية

стр. 112

ونَفْر: إما من النَّفور عَن الشيء وإمَّا مِنْ نَفَر الرّجل الذين بهم يتقوى، من ذلك قولهم: فلان لا في العيد ولا في النفير. أي مِمّن يخرج في العيد للتجارة، لا مِمَّن يَنْفِرْ في الحرب ومن قبائل ثعل بنو سلسلة، منهم الأعرج الشاعر واسمه عَدِي بن عمرو بن سُوَيْدة بن زياد بن سلسلة. ومن قبائل ثعل منهم بنو عُنَيْن، بنو عَتُود وبنو فَرِير، وهو جاهلي. ومنهم بنو دغيش منهم عنترة بن الأخرس الشاعر الجاهلي. ومنهم بنو يُحْتُر بن عَتُود بن عُنِيْن بن سُلاَمَان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء. وبنو بُحتُر بطن عظيم. والبُحتُر: القصير من الرَّجال، كذلك البُهتْر. وعُنَيْن: فَعيل من عنّ يَعِنّ ويَعُنّ إذا اعترض، وعُنّ لي كذا وكذا، وأعن الرجلُ الفرس إذا حبسه بِعنانه، وهو مأخوذ من العِنَان، والعُنَّة خيمة من أعضاد الشجر، والجمع عُنَنٌ، ورجل مِعَنٌ إذا كان يعترض في الأمور مما لا يلزمه، وفرس معَنٌّ إذا كان يعترض في جريه. وعَتُود: والعتود: الجدي الذي قد استحكم، وقارب أن يكون تيسا، والجمع عتدان. والفَرِيرُ والفُراَرُ: ولد البقرة الوحشية، قال لبيد: خنساءُ ضَيَّعت الفَرير فلم يَرِمْ ... عُرْضَ الشَّقائق طَوْفُها ونُعَامُها سِلْسِلة والسِّلسلة كل ما تسَلْسَل من شيء، وتَسلسل البرقُ إذا استطال في عُرض السَّماء، وماءٌ سلسلٌ وسَلْسال: إذا كان سهل المُزْدرد، وسلاسل الرمل الرمل قطعٌ تستطيل وتتداخل. ومنهم الهيثم بن عَدِي بن عبد الرحمن. ومن رجالهم في الإسلام الهيثم ابن عبد الرحمن بن زيد بن راشد بن جابر بن عَدِي بن تُدُول بن بُحْتر بن عَتُود بن عنين بن سُلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء. وكان من رواة الأخبار. واسم الهيثم فرخ النسر. ويقال الهيثم ضرب من الشجر، ومنهم البُحْتُري الشاعر، وهو أبو عبادة الوليد بن عبيدي بن يحيى بن عبيد بن جابر بن مسلمة بن مشهر بن الحارث بن حوط بن عبد الله بن أبي حارثة بن عَدِي الشاعر بت تُدول بن عَنُود ابن سُلاَمان بن ثُعل. ومنهم حرب بن حوط بن عبد الله بن أبي حارثة بن عَدِي الشاعر، الذي حكم في الجاهلية في الخنثى كما يُحْكم فوافق السنة، كما حكم عامر بن الظرب ولم يكن سمع به. وله يقول أدهم بن أبي الذعري الطائي في الإسلام يفخر بذلك: منا الذي حكم الحكومة وافقت ... في الجاهلية سُنَة الإسلام ومن ولده معرض بن صالح، وكان شريفا سيدا. ومنهم الأعرج الشاعر، شاعر ثُعل كلها، وكان ذا حكم في الجاهلية فوافق السنة كما وافق. ومن ولد حارث بن حوط ذرب، واسمه سُوْيد بن مسعود بن جعفر بن عبد الله بن طَرِيف بن حارث بن حوط. ومنهم عمرو ابن المُسَبح وهو أحد المعمرين، عاش مائة وخمسين سنة، ووفد إلى النبي ﷺ وأسلم وكان أرْمى العرب كلها، وله قول امرؤ القيس: رُبَّ رامٍ من بني ثُعلِ ... مخرج كَفَّية من سُتره ومنهم الكَروَّش الشاعر، وهو الذي جاء بقتل أهل الحّرَّة إلى الكوفة، وفيه يقول الشاعر: لعمري لقد جاءَ الكرَّوش كاظما ... على خَبَرٍ للمسلمين وَجيعِ ومن رجالهم في الجاهلية باعثُ بن حريص، وكان فارسا، وهو الذي أغار على إبل امرئ القيس، وفيه يقول امرؤ القيس: تَلاَعَبَ باعثُ بِذَمَّة خالد ... وأردى دثارٌ في الخطوب الأوائل ودثار: راعي امرئ القيس. ومنهم الجبر بن ثعلبه، ومنهم ثعلبة بن عبد بن عامر بن أفْلَتَ، كان شريفا وهو صاحب وقعة يوم المَجَمر. بنو سِنْبِس ومن قبائل ثعل بنو سنبس بن عمرو بن ثعل ويقال سنبس بن معاوية بن جرول ابن ثُعل، وسِنْبِس أصله من الهزال واليُبْس. ومنهم القابض السِّنْبِسي وفيه يقول الشاعر. فصبحها القابض السنبسي ومنهم زيد بن حصن بن وَبَرة بن جو بن عمرو بن جو بن محصب بن جرمز بن لبيد بن سِنْبس بن عمرو بن ثعل، وهو صاحب الخوارج يوم النَّهرَوان، متى إلى علي بن أبي طالب حتى ضربه، فقال فيه عمران بن حطان شعرا: أنْبَئتُه قد مشى في الرمح معترضا ... فيه فيقصد أحيانا وينجزا وكان من عُبَّاد أهل الكوفة. ومنهم عامر بن جُوَين وابنه الأسود ابن عامر كان سيد بني ثعل. ومنهم قيسَ بن عازب الفارس.

стр. 113

ومنهم الأخرم السِّنْبِسّي الشاعر، وهو القائل: لما التقى الجمعان جمعا طيء ... كُلُّ يقول فَلَيْتَنا لا نُهْزَم فتصادم الجمعان ثم علاهما ... أمرٌ وسيف للمنّية مخدم ولي بخير والسنان بِخَلْقه ... ويقول نحنُ لَكُم أعقَّ وأظلم يدعو جديلة والرماح تكبهم ... حتى استتَبُهُم شقيق أدهم زعموا بأنا لا تُكِرُّ جِيَادنا ... وهمُ الفوارِسُ والفَوَارِسُ أعْلَم بنو هني: ومن ثعل بَنُو هني بن عمرو ثُعل. ومنهم إياس بن قَبِيصة بن أبي نفر بن النُّعمان بن حيَّة بن سعنه بن الحارث بن الحويرث بن ربيعة بن مالك بن سقر بن هني بن عمرو بن ثُعل، ملك الحيرة بعد النعمان بن المنذر، وهو الذي كان كسرى يُتيَّمن به، وهو الذي هَزَم الروم وفرّق جموعهم لما نزلوا النهروان في أيام أبرويز، وللأعشى فيه مدائح كثيرة، وغيره من شعراء العرب. ومنهم عمه حنظله الخير بن أبي عُفْر بن النعمان بن حيّة بن شعنة بن الحارث، وكان يتكلم بالمواعظ، وتَفدُ إليه العرب لتسمع من مواعظه، ويزعم في شأنه أن دينه ليس بدين الحق، وكان كاهن العرب، يزعم أنه نبي، فلما طال عُمره تبتَّل وترك الدنيا، ورفض بها، وكان ابنه الحبارس، واسمه حسان فارس الضُّبَيْب - وهو اسم فرسه - وهو أفرس العرب في زمانه، وهو الذي قال لكسرى أبرويز يوم هزيمته بهرام جور وقذفت به فرسه. وطلب من النعمان فرسه اليحموم أبى أن يعطية إياه فقال له حسان: حياتك خيرٌ للعامة من حياتي، فاركب الصُّبَيْب فرسي وأنْجُ بنفسك. ففعل وركب، وركب حسان السندان فرس أبرويز ونجا في غمور الناس. وفي ذلك يقول حسان شعرا: أعطيت كسرى ما أراد ولم أكن ... لأتركه في الجيش يعتثر راجلا بذلت له ظهر الضُّبَيب وقد بدت ... مسومة من خيل بزل ورايلا فلما قَرّ كِسْرى في ملكه أتاه حسان فأقطعه ضياعا بالسواد، وكان أول عربي يُقطِع له بالسواد. ومنهم الأخيل، وهو أبو المقادم بن عبيد ابن أرغْشَمَ الشاعر، يُرَد إلى بني بُحْتُر. والأغشم من الغشم وهو الظلم والبغي - والسَعنةٌ من قولهم ماله سَعْنَةٌ ولا مَعْنةٌ والسُّعن سِيقَاءٌ صغير يُنتبذَ فيه أو يُسْتَقى فيه. ومنهم أبو زبيد الشاعر واسمه حَرْملة بن المنذر بن معدي كرب بن حنظلة بن النعمان بن حية ابن سعنة بن الحارث بن الحويرث بن ربيعة بن مالك بن سقر بن هني بن عمرو بن ثعل وكان نصرانيا. وزبيد تصغير زبد والزَّبْدُ العطاء. بنو بَوْلان ومن طيء بنو بَوْلان واسمه غصين بن عمرو بن الغوث بن طيء، أغار على بني بَوْلان فاستاق سبيهم واستاق في السبي ابنة لمعتر يقال لها ماوية. فلحقها أبوها معر فقتله. ومنه بنو صيفي وهو سادن الفلس والفِلس صنم كان لطيء. ومنهم خالد بن عَنَمة الشاعر الجاهلي. ومنهم قَلْطف الكاهن - والقلطفة الخِفَّة في قِصَر جسم. وكان منهم عبد الله بن خليفة، وكان سيدا شاعرا، وكان على قومه عند علي بن أبي طالب يوم صفّين. ومنهم معين بن ضغير، وكان يعد من دهاة العرب، وهو قاتل عبيد ابن أبي الحارث الغساني. ومن شعراء بني بَوْلان أبو ضغير، ومن جيد شعره قوله: أودهم ودَّا إذا خامر الحشا أضاء على الأضلاع والليل دامس بني رجل لو كان حَيَّا أعانني ... على ضُرِّ أعداي الذين أمارس ومنهم وَبَرة بن سلامة بن أوفى الشاعر. ومنهم قَسَامة بن رَوَاحة الشاعر. ومنهم بنو حزم، واسمه ثعلبة بن عمرو بن الغوث بن طيء، ويقال حزم بن عمرو بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن كيء. وكان منهم فارس حزم عامر بن جوين بن عبد رضي بن قمران بن ثعلبة ابن عمرو بن ثعلبة بن حيان بن حزم، وكان جمرة من جمرات العرب وكان شاعرا مع بأسه وشرفه. ومنهم عبد عمرو بن عمار الشاعر، وكان من خطباء مدبح كلها، وكان من أمتع الناس حديثا، فبلغ النعمان حسنُ حديثه، فدعاه إلى منادمته، وكان النعمان أحمر العينين أحمر الشعر والجلد، وكان شديد العربدة قَتَّالاً للندماء، فنهاه أبو قردود الطائي عن منادمته، فلم يقبل منه، فلما قتله النعمان رثاه فقال: إني نَهَيْتُ ابنَ عمار وقلت له ... لا تأمْنَنْ أحمر العينين والشعر

стр. 114

إن الملوك متى تَنْزِل بساحتهم ... يَطِر بِنَارِكَ من نيرانهم شَرر يا جفنه وكأن الحوض قد دهموا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحِبَر ومنهم الإياس بن الأرَتَ بن عبيد بن الكور بن حيان بن حزم. ومنهم جابر بن الثعلب الشاعر. ومن ولد حزم سَمْحَاءُ وحنانٌ. وسمحاء فَعْلاء من قولهم سمحت الشيء إذا خلطته بيدك خلطا خفيفا، والعدد من بني حزم في حيان، والشرف منهم في بني عامر بن جوين بن عبد رضى بن فهران بن حيان بن حزم. ومنهم بنو الشر منهم جواب بن نُبيط، مأخوذ من استنبط فلان بئرا إذا نبطها أي حفرها، واستنبط هذا الأسم إذا فكرت فيه واضمرته، واستنبطت بئرا إذا حفرتها. ومنهم قلطف الكاهن والقلطفة الخفة في قصر الجسم. " بنو جَدِيلة " ومن قبائل طيء بنُو جديلة بن خارجة بن فُطرة بن طيء بن أدد بن زيد بن الهَمَيسع بن عمرو بن يَشجب بن عريب بن زيد بن كَهّلا بن سبأ الأكبر بن يَشجُب بن يَعرُب بن قحطان بن هود ﵇ وهو عابر بن عبد الله، وهو شالح بن أخلود بن الخلود ابن عاد بن عابر بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇ ابن لمك بن المتوشلخ بن أخنوخ - وهو إدريس ﵇ بن اليارد ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم - صلوات الله عليه وجديلة أمُّهم، وبها يعرفون، وإنما هم بنو جُندب بن خارجة بن سعد ابن فُطرة بن طيءفتركوا الأب وهو جُندب بن خارجة ونسبوهم إلى أمهم جَدِيلة امرأة خارجة: فقالوا: جديلة. وجُور من الجور وهو من الضلال، ومثل من أمثالهم " حُور في محارة " ضلال لا يهتدى لسبيله. وجوّاب فَعَّال من قولهم جُبت الشيء أجوبه جوبا إذا قطعته، وفي التنزيل) الِين جَابُوا الصَّخرَ بالواد (أي قطعوه، والله أعلم. والمحوب معروف والعروف وهو الجديدة التي يستعملها الحدادون وهي غايةالرأس والجوية الحفرة بين البيوت، لأنها انجابت أي أنقطعت، ونُبيط تصغير نبط، والاسم النَّبط، وهو الفرس الذي ابيض بطنه وما م منه، واعلاه من أي لون كان. والنَّبط نبط البئر وهو أول ما يخرج من مائها، قال الشاعر: قريب تراه لا ينال عدوُّه ... له نبطا عند الهوان قَط فمن بني جديلة البُحير، واسمه عمرو، وهو من ولد طريق بن عمرو بن ثُمام وإنما سمى البُحير لجوده، وفيه يقول قيس بن زهير العبسي للربيع ابن زياد العبسي حربهم: لقد نهق الربيع نُهاق عَير ... ونادى قد أهنت بنى ولا تذهب بك الخيلاء فخرا ... تخالك كالحصين أبى أو الديان أو حجر بن عمرو ... أو المامون أو عمرو ال " ويقال أن منهم خمر بن زياد بن الكيس " ومنهم بنو لأم بن عمرو بن طريف بن مالك بن جدعاء بن لوذان بن ذهل بن رومان بن جديلة بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيء وإليه البيت. والَّلأم: السهم المراش الذي استوت قذذه، فإذا كان كذلك فهو لأم، وفَسَّر قومٌ بيت امرئ القيس. كَرَّكَّ لأَمَيْنِ على نَابِل أي سهمين لأمين، والّلأمة مهموز - وهو السلاح مصدر اللئيم - من قولهم استلأم الرجل، وفي بعض اللغات اللُّؤمة. ومن رجالهم أوْس بن حارثة بن لأمِ رأس طيء وكان من أصحاب الملوك وسادات العرب، وعاش مائِتي سنة ونيف، وكان شريف، وقدم يوما على النعمان ابت المنذر فدعا النعمان بحُلَّةٍ - وعنده وجوه العرب ووفودها - فقال لهم اجتمعوا في غد حتى ألبس هذه الحلة أكرمكم، فحضروا كلهم إلا أوسا، فقيل له لم تتخلف؟ فقال: إن كان المراد غيري فالأجمل بي أن لا أكون حاضرا، وإن كنت المراد طُلِبْت. فلما جلس النعمان لم ير أوسا قال: أذهبوا إلى أوس وقولوا له احضر آمامنا مما خفت. فحضر فألبس الحلة، فحسده قومٌ من أهله فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة. فقال لهم، كيف أهجو رجلا لا أرى في بيتي شيئا إلا من عنده؟! ثم قال: كَيْفَ الهَجاء ومَا تَنْفَك صَالِحَةٌ ... مِنْ آلِ لأم بظهر الغَيْب تأتيني فقال لهم بشر بن أبي حازم: أنا أهجوه، فهجاه، فأخذه أوس وأراد أن يحرقه بالنار، فقالت له أمه: لا تفعل، فإنه لا يغسل هجاه إلا مدحه فأطلقه صلته فمدحه بكل بيت هجاه فيه قصيدة فمن قوله فيه:

стр. 115

وَمَا وَطِيء الحَصَى مِثْل ابن سُعْدى ... ولاَ لَبِسَ النَعَّالَ ولا احْتَذَاهَا واجتمع عند النعمان بن المنذر حاتم بن عبد الله وأوس بن حارثة وهما يومئذ سيدا طيء في نفر من الناس، فدعا النعمان حاتما فقال له: إني مُخِصُّ بالجائزة أشرفكما وأكرمكما، فإياك أعطي أم ابن عمك أوسا؟ فقال له حاتم: أبيت اللعن، أتعدلني بأوس بن حارثة، لأوضع ولده أشرف مني، فلما خرج حاتم بعث إلى أوس فدعاه. ولم يشعر بالذي قال لحاتم - فلما دخل عليه قال له النعمان: إنك قد وردت إليّ وابن عمك، وإني معطي الجائزة أشرفكما وأرفعكما، فقال له أوس: أتعدلني بحاتم، والله لو أني وأهلي لحاتم لأعطانا في مجلس واحد. فقال له النعمان: كلاكما سيد له عندي الشرف والجائزة، والمنزلة الحسنة، ولو كنتما دائنين لم تفعلا الذي فعلتما، ثم أرسل إلى كل واحد منهما بجائزة منهما بجائزة سينة، وقال حاتم في ذلك: - ألا مَن مُبْلغ النعمان عني ... بأنك سيّد ملكٌ همام جوادٌ طيّب الأخلاق سَمْحٌ ... كريم كلما غشى المدام خرجنا نحوه نبغي نَدَاه ... وكان الغيث ليس به اكتتام فزدتَّ على الذي كنا نُرَجِّي ... وأنت الماجد العضب الحسام فقد أبنا بذلك شاكراه ... فلما أنساه ما سَجَعَ الحمام جزاه الله خيرا من ميلك ... ولاقته التحيّة والسلام فمن ولد أوس بن حارثة بن لأم الرَّبِيعُ بن مُرِي بن أوس، شريف مذكور، وليَ الحِمَى بظَهْر الكوفة، ولاَّه الوليدُ بن عُقبة، وكان لوِلاية الحِمى قَدْرٌ في ذلك الزمن، ومُرَيُّ تصغير مِرْء، والجمع مَرْوُن. أخبر بذلك عيسى بن عُمَر عن رُؤْبَة. ومنهم ثعلبة بن لأم من ولده نَوْفَل بن زَبْن بن مَشْجَعَةَ، وكان شريفا فارسا. ومنهم بسطام بن شِنْظِير بن أنَافَ، والشِّنَظير: السِّيئ الخُلُق الزَّعِر. ومن ولد حارثة بن لأم عَرِّم بن الحارث بن المنذر بن رشد بن قيس بن حارثة بن أوس بن لأم، عاش في الجاهلية دَهْراً، وهو من المعمرين، وأدرك أيّام عمر بن عبد العزيز، وأدخل عليه ليزمن: أي ليُكْتب في الزَّمْني، فقال له عمر: وما زمانتك هذه؟ فقال: فو الله ما أدري أأدْرَكْتُ أمَةُ ... على عهدي ذي القرنَينِ أم كنتُ أقْدما مَتى تَترِعا عني القميصَ تَبَيَّنا ... جَنَاجِن لم يُكْسين لحما ولا دما ومنهم شهاب بن لأم، وكان شاعرا. ومنهم مجير الجراد أبو حنبل حارثة ابن مر، وقد ذكرنا قصته هذه قبل. ومنهم أبو جابر بن الخلاس، اجتمعت له طيء ولم يجتمع لغيره. ومن جديلة بنو تَيْم الله، منهم المعلاّ بن تَيْم الله بن ثعلبة بن جديلة بن ذهل بن رومان بن جديلة ابن خارجة بن سعد بن فطرى بن طيء، وهو الذي يقول فيه امرؤ القيس ابن حجر الكندي لما استجار به عن المنذر بن النعمان ماء السماء اللخمي: كأني إذ نزلتُ على المَعَلاَّ ... نزلتُ على البَوَاذِخ مِن شمام فما مَلِكُ العراق على المعَلا ... بمقتدر ولا ملك الشام أصدُّ شِنَاص ذي القرنين حتى ... تولّى عارض الملك الهمام أقَرَ حَشَا امرئ القيس بن حُجر ... بَنُو تَيْم مصابيحُ الظلام فلزمهم هذا الأسم فهم يسمون اليوم مصابيح الظلام. ومنهم أبو حذام الشاعر الذي ذكره امرأ القيس بن حجر. عوجا على الطلل المحيد لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن جزام

стр. 116

ومن بني جديلة بنو ملقط أشراف فرسان. منهم عمرو بن ملقط بن عمرو بن ثعلبة بن عوف بن جذعا ابن ذهل بن رومان بن جديلة بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طي. وكان رئيسا فارسا وهو الذي بعثه عمرو بن هند الملك على مقدمته في حرب بني تميم وهو الذي أحرقهم بالنار. ووزر بن جابر هو قاتل عنترة العبسي وقد وفد على النبي ﷺ . والوزر الملجا وفي القرآن كلا لا وزر. والوزر الأثم وسمى الوزير الخليفة عنه أوزراه كذا قال بعض أهل اللغة وقال قوم بل الوزير المعين من وزارته على وزارته على كذلك إذا أعتبه وفي نسخة على عمله. وقال بعض ان أسم الأسد الرهيص الجبار بن عمرو وهو جاهلي. ومنهم أخوه غياث بن ملقط ومن ولده الأسد الرهيص واسمه الجبار ويقال بل اسمه خالد بن زيد بن عمرو بن عميرة بن ثعلبة بن غياث بن ملقط بن عمرو بن ثعلبة بن عوف بن جذعا بن ذهل بن رومان بن جديلة بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيء وكان فارسا وإنما سميّ الأسد الرهيص لأنه كان لايبرح ولا يولىّ عن القتال وهو القاتل عنترة العبسي في وقعة كانت بين طيء وبين عبس وفي ذلك يقول الأسد الرهيص. أنا الأسدُ الرَّهِيصُ بِحيَّ طي ... إذا أدْعَى لنائبةٍ أجبت قتلت مُجاشعاً وبني أبيه ... وعنترة الفوراس قد قتلتْ فإن أسِفت بنْو عبس عليه ... فلا وأبي جديلة ما أسفت وقال في ذلك الربع بن زياد العبسي: فإن تك طيء خلجت أخانا ... وما نيلنا به منهم بَوَاء فإن الوتْر بعد الموت يَحْيا ... كَمَا أذْكَيْتَ بالحطب الصِّلاء ومن رومان بن جديلة بن خارجة بن سعد بن فُطرة بن طيء بن أدد مشجعةُ الكتائب، وأطَيط المقانب، ومنهم مصلح القائل فيه الشاعر: هل مُصْلِحٌ إلاّ فَتى ... يَنْمي إلى أزكى العناصر مِن كَابِر مُتَرَدِّيا ... ثوب العُلا ينْمي لِكَابر وقالت فيه أبنة عمه، يقال لها شبيبة: فو الله ما أحببت إلا مهذبا ... له في فؤادي لذة ليس تبرح إذا علقت كفاه يوما بمنكبي ... وأوعية هَزَّ الجناجن مصلح فتسمع وقعا ليس في الأرض مثله ... تخال به صوت المحالة تصدح ومنهم خول بن شهلة الشاعر. ومنهم جبلة بن رافع. ومنهم البُرْج بن مُسهر بن الجُلاَس، وهو أحد المعمرين. ووفد على النبي ﷺ . والبُرْج اشتقاقه من بُروج القصر أو بروج السماء، وهو بالقصر أشبة، وكان عظيم الخلق فَشُبِّه به. ومنهم المكيع. ومنهم قُطْبَة بن شهاب. ومنهم ابن مُجير الملوك. واسمه الحُرّ بن مشجعةً الأشيم، وكان رئيس جذيلة يوم مُسَيْلمة الكذاب، وكُلَّ هؤلاء قادوا الجيوش، وشُهَروا في الناس. وما منهم واحدٌ إلا وقد أوقع، وقيل في ذلك شعرا: وحوادث الأيام لا ... تبقى لها إلا الحجارة ها إن عجرة أمة ... بالسفح أسفل من أواره تسقى والرياح حلاحلا ... كشْحية قدْ سَلَبوا إزاره فاقتل زُرَارَة لا أرى ... في القوم أو في من زْرَارة وهذا كان سبب توجيه عمرو إلى بني تميم. صَيارة: قطع الحديد، والبغداديون يروونه صيارة بالياء، ويقولون: إنها حجارة تبنى بها الزَّرب للشتاء. ومنهم رافع بن عميرة دليلُ خالد بن الوليد، وفيه يقول الشاعر: لِلهِ عَينا رافع أنَّى اهتدى ... فوق من قُراقرٍ إلى سُوى ومنهم الهدلق، دَلِيلٌ، وكان قد عمى. وكان في عمائه أدّل من غيره، فامتحنه قوم بعد ما عمى، فحملوا ترابا كان من قَو حتى أتو الدَّو، وقالوا: يا هدلق، أين نحن؟ قال: أروني تراب الأرض. حتى أشمه. ففعلوا وأعطوه من التراب الذي حملوه من قوّ، فقال لهم: التربة قوّ وأيدي الركاب في الدَّو. فقالوا: لا يخلسك الله عقلك، لا نُكذبك بعد هذه الدلالة أبدا. ومن شعرائهم حولى، والريان ابنا سهل، وابن شماء، والوذل.

стр. 117

ومنهم الشقراء أخت شبيب بن عمرو تزوجها عبد الملك بن مروان، ثم تزوجها بعض من بني العباس، وكان شبيب أخوها شاعرا. ومنهم أم شبيبة، ومنهم عبيد بن طريف - وكان أسَرَ جناب بن هبل الكلبي، فقال له: افد نفسك. قال: نعم قال: لست أقبل مالاً. قال: فما تريد؟ قال: حُبَّي ابنتك. قال: ما كنت لأزوجها وأنا في أسارك أبدا. قال فإني لا أخليك ولا أقبل منك سواها. فقال لها زُهير بن جناب أخوها: ما ترين يا حُبّى؟ فقالت: أرى أن أبرّ والدا. وانكح ماجدا. فبعث بها إليه فتزوجها وأطلق لها أباها جناب بن هبل. ومن قبائل جديلة بنو جدعاء بن رومان بن جديلة بن خارجة بن سعد بن فُطرة بن طيء بن أدد. ومنهم الثعالب، وهم ثلاثة أبطن، ثعلبة بن ذهل بن جدعاء وثعلبة بن رومان، يقال لهؤلاء ثعالب طيء، ومنهم بَنُو رُهم - درجوا - ويقال: إن أفعى نَجران منهم. ومنهم بنو عَكوة ومنهم الحُرّ بن النعمان، كان له بلاء عظيم في الإسلام أيام الرِّدَّة. ومنهم الأصدقُ بن ضليع الشاعر. ومنهم مُنهب بن حارثة بن خَبيرِي وقد درج - ومنهم عَوَانة بن شبيب بن القَرثع بن مشجعة. ومنهم أبو حارثة مسعود بن غَلبة. ومنهم قيس بن عنم بن أبي ربيع. ومنهم إياس بن المُجر الشاعر. ومنهم بنو أشنع. ومنهم بنو حجبة، ومنهم قرواش. ومنهم عبد الله بن الجوشاء الذي خرج على معاوية يوم النخيلة. فبعث إليه معاوية فقُتل وجميع من كان معه، وفيه يقول قيس بن الأصم شعرا: إني أدِيْنْ بما دَانَ الشراةُ به ... يوم النخيلة عند الخَوْشَق الجرب قومٌ إذا ذُكِّرُوا بالله وَادَّكَرُوا ... خَرُّوا من الخوف للأذقان والرّكب ومنهم داوود الطائي: وكان قد سمع الحديث وفَقُه في الدين، وعرف النحو وأيام الناس، ثم تعبَّد بعد ذلك فلم يتكلم بشيء بعد ذلك. وأما روُمَان فهو فَعْلان من رُمت الشَّيء أرُومه رَوما. والجَدْعاء فَعْلاء من الجَدْع وهو القطع، وأما عُكْوَة فاشتقاقه من عقد أصل ذنب الفرس، ويقال عكَوت إذا شدته، قال الشاعر: أيَّما شاطِن عَصَاه عَكَاه ... ثُمَّ يُلْقى في الغُلِّ والأكبالِ وأما الأصْدَف فمأخوذ من الصَّدَف، والصَدَف مَيْلٌ في أحد رُسْغي الفرس فرسٌ أصدف والأنثى صَدْفاء، وصدَف فلان عن كذا وكذا إذا صدَّ عنه، فهو صادفٌ والصَّدفَ من البحر معروف، والجمع أصداف. وأما مُنِهْب فهو مُفعِل من أنهب يُنْهب إنهاباً فهو مُنْهب. والنَّهب: ما انتُهِب من عسكر أو غيره، وهو النَّهاب. وأما عَوَانة فهو فعالة من العون، أعَنْتَهُ أعيِنه إعانةً فأنا مُعين وهو مُعَان ومسجد بني فلانٍ مُعان من النَّاس أي كثير الأهل. وأما القَرثَع فهو من تقر الصُّوف. تقرثع إذا تقزد، وامرأة قَرثَع: بلْهاء. وأما أشنع فاشتقاقه من قولهم ذِكْرُ فلانٍ أشْنَعُ: أي عالٍ مرتفعٌ. ما أمْر شنَعْ بيِّن الشَّنَاعة، فأحْسِبْه من الأضداد ومن بني أشنع عمرو بن صخر بن أشنع صاحب البَقِيرة الذي طعن زيد الخيل في حرب الفساد. والبَقِيَرة فرس. ومنهم حُبِيُّ الفوارس بن مَصَاد، ومنهم نَهِيلٌ بن قَعْنب بن أوس شاعر. وعَبْسُ الفوارس وتشنع الثوب إذا تَفَزَّرَ وتشنع البعير إذا عدا عدوا شديدا، وهي غَدْرَة شنعا أي مرتفعة الذكر بالشنعة، قال الشاعر: وكانت غدرة شنعاء فيكم ... تَقَلدها أبوك إلى الممات أنقضت أنساب طيء. وهذه صورة شجرة أنساب طيء.

стр. 118

زيد الخيل ابن المهلهل بن مُنْهِب بن عبد رُضي بن المختلس بن ثور بن كنانة بن مالك بن نابل بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء. وكندة وهو ثور بن مُرَقع بن عُفَيْر بن عَدِي بن الحارث بن مُرّة الأسعد. حاتم بن عبد الله بن سعد بن ربيعة بن الحشرج بن امرئ القيس ابن عدي بن امرئ القيس بن ربيع بن جرول. بنو هني بن عمرو بن ثُعَل. بنو بُحتُر بن عَتُود بن عُنين بن سَلاَمان. سمحاء بنو حبان ابن حية. أوس بن حارثة بن لأم بن عمرو بن أنمار بن عمرو بن طريف بن مالك بن أوران. الأسد الرهيص بن زيد بن عمرو بن ثعلبة بن عَتْاب بن مِلْقط بن عمرو بن ثعلبة بن عوف. بنو تَيْم الله بن ثعلبة بن جَدِيلة بن ذُهل بن رُومان بن جديلة بن خارجة بن سعد بن فُطْرَة بن طيء. مصلح بن رُومان بن جديلة بن خارجة بن سعد بن فُطْرة بن طيء. أوس بن تَيْم الله بن ثعلبة ابن جَدِيلة بن ذُهل بن رُومان بن جَدِيلة بن خارجة بن سعد ابن فُطْرَة بن طيء. وقد قال القائل فيها: قومي بنو نَبْهان أهل مكارم ... تُحْصِي الحَصى مِنْ قَبْل أن تُحْصيها سادات طَيِّ وطيُّ سادات الورى ... ومكارم العرب العريضة فيها وإذا المكارم لم تُصَادِف مَوْطِناً ... في الناس ألقْت وسط طيِّ عَصِها أنساب مَذْحج، واسمه مالك بن أُدد فأما مذحج فهو مالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يَشّجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان. وقال بعض: هو مالك بن أُدد. بن زيد بن الهَمَيسع بن عمرو بن عَرِيب بن زيد بن كهلان، وسمي مالك بن أدد هذا مَذْحَجَاً باسم أمّه مُدِلّة، وهي مذحج، وأيضا سُميِّت مّذحَج لأنها ولدت على أكمة يقال لها مّضْحَج فسميت بها، وسَمِّى ولدها مالك مذحج باسمها، وهي أم مالك هذا المعروف بَمذْحج وأم مُرّة وطيء بنو أدد، ومُرّة هو أبو كندة. ومذحج مَفِعل من الذَّحْج، من قولهم ذَحَجتُ الأديم وغيره إذا دَلَكْتَه. قال ومّذحِج أكمة وُلِدَت عليها أمَ مالك بن أدد ومُرّة وطيء بن أدد، وهو أبو كندة، فسميت أمّه. بها. واسمها مُدِلة، وسمى ولدها مالك مذحجا باسم أمه، ومذحج مَفْعِل من الذّحج من قولهم ذحجت الأديم وغيره إذا دلكته. فولد مذحج وهو مالك بن أدد بن زيد بن الهَمَيَسع مُرَاد بن مالك، واسمه يحابر، وسعد العشيرة بن مالك، وخالد بن مالك، وعبس بن مالك. مراد: وأما مراد بن مالك فاسمه يَحَابر، وإنما سمي مُرَاداً لأنه أوّل من تَمرَّد باليمن، وتَحَابُر جمع يَحْبورة وهو ضرب من الطير، فولد مراد بن مالك ناحية بن مُرَاد وزاهر بن مراد فقبائل مراد الرَّبض، وكانت له صنجية، وقال قوم إنه من صُنَابِح. وعَسَّال من فعَّال من العَسَلاَن، وهو ضرب من العَد﴾ وِ فيه اضطراب ومنهم صفوان بن عمرو بن الرَّبض بن زاهر بن عامر بن عَوْتَبَان بن زاهر بن مُراد. وبنو زَّوْف وصنابح ورَدْمان بن ناحية بن مراد. منهم بنو قَرَن بن رَدْمان بن مالك بن مُراد. والرَّبض مأخوذ من أشياء، إما من أرباض البطن وهي الأمعاء، وإما من رَبَض المدينة وهو ما رَبَض حولها. وربض الرجل أهلهُ وامرأتهُ. ومن ذلك قال الشاعر: جاءَ الشّتاءُ ولمَّا أتَّخِذْ رَبَضاً ... يا ويَح كَفَّي من حفر القراميصَ ومرابض الغنم معروفةٌ واحدها مَربض، والرَّبيض: القطيع من الغنم، ويقال: جاءَنا بَثَرِيدٍ كَرِبْضَة الخَرُوف. وأما زَوْف فمصدر زَافَ يَزُوف زَوْفاً: وهو الطَّفْرُ من موضع إلى موضع. وزافت الحمامةُ تَزيفُ زَيَفاناً. واشتقاق صُنَابح إن كانت النون زائدة فهي من الصُّبح. وهو الضوء وقال قوم الصُّنَابح العَرَق المُنْتِن فإن كان كذلك فهو فُعَالِل.

стр. 119

فمن الرَّبض صَفْوان بن عسال وبنو مالك بن مراد. وبنو قَرَن كان منهم أويس القَرَني، وهو أوَيس بن عمرو بن جزء بن قيس ابن مالك بن عمرو بن عصوان بن قَرَن بن ردمان بن ناجية بن مراد. وكان أوَيس رجلا صالحا، وهو من التابعين، وروى عن النبي ﷺ أنه دعا له ولم يصحبه. وروى أن النبي ﵇ أنه قال ذات يوم لأصحابه: أبشروا برجلٍ من أمتى يُقِالُ له أوَيس القَرَني يشفع يوم القيامة بمثل ربيعة ومُضَر. ثم قال لعمر: إن أدركته فأبلغه عني السلام، وقل له يا عمر: إن مكانه بالكوفة. فكان عُمَرُ يطلبه من المَوسِم لَعَلَّه أن يُحُجّ فيلقاه، حتى وقع عليه مع أصحاب له وهو أخشنهم وأرثهم حالا، فلما سأل عنه عُمَر أنكر ذلك أصحابه وقالوا: يا أمير المؤمنين، تسأل عن رجلٍ لا يسأل عنه مثلك!! قال: ولم؟ قالوا: لأنه مغبون في عقله، وربما عَبَث الصبيان به، فقال عمر: ذلك أحبّ إليّ، فدلوني عليه، فدّلوه عليه، فقال عمر: يا أُوَيْس إنَ رسول الله ﷺ أودعني إليك رسالة، وهو يقرئك السلام، وقد أخبرني أنك تشفع يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر، فخر أويس ساجدا، فمكث طويلا لا تَرْقَالَهُ دمعة. فظنوا أنه قد مات. فنادوه: يا أويس، هذا أمير المؤمنين فرفع رأسه ثم قال يا أمير المؤمنين أفعل. قال: نعم يا أويس، أدخلني في شفاعتك. فقال: يا أمير المؤمنين، أشهرتني وأهلكتني. فعاش أكثر دهره مستخفيا، وجعل الناس في طلبه من كل موضع، ويتمسحون به، وكان - كثيرا - يقول: ماذا لقيتُ من عمر بن الخطاب حين عرفني الناس، ثم قتل بصغين مع علي بن أبي طالب وكان على الرَّجالة، فأصيب بها قتيلا ﵀. ومنهم بنو عطيف، وهو بيت مراد. منهم بيت عمرو بن قعاس بن عبد يغوث الشاعر الجاهلي، وهو جد هانيء بن عُرْوة المُرادِيّ، وعمرو بن قعاس الذي يقول: أأمنتي في سراة بني عطيف ... إذا ما ساءني شيء أبل أُرُجِّلُ لِمَّتي وأجُرّ ذَيْلي ... وتحمل بزتي أفق كمل ومنهم سُودان بن حُمران أحدُ من قدم من مِصر على عثمان بن عفان رضي اله عنه. ومنهم ذو التاج مَرْوان، وهم من بني عُطَيف، ومنهم فَرْوة بن مِسِّيك عُطيف بن سَلم بن الحارث بن الذويب بن مالك بن مُنَيّة بن عُطَيف بن عبد بن ناجية بن مراد، وكان شاعرا فارسا، وكان قد وفد على النبي ﷺ مفارقا كِنْدة، وقال في ذلك: اما رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرجل خان الرجل عرق نسب قربت راحاتي أ﴾ م محمدا ... أرجو فواضلها وحسن ثوب فلما انتهى إلى النبي ﷺ وآله وسلم قال: يا فروة هلي ساءك ما أصاب قوم يوم الردم - وهو كان قبل الإسلام بين مُراد وهمدان، أصابت فيه همدان من مراد أرادوا، حتى أثخنوهم، فقال: يا رسول الله ومن ذا الذي أصيب قومه. بمثل ما أصيب قومي يوم الردم فلا يسوءه ذلك؟ فقال له رسول الله ﷺ : إن ذلك يَزْد قومَك في الإسلام إلا خيرا. فأسْلَم فَرْوَة وحَسُن إسلامه، فاستعمله رسول الله ﷺ على مُراد وزَبيد ومَذْحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العلص الصَّدقة، وكان معه في بلاده حتى تُوفِّي رسول الله ﷺ . ومن أشراف بيوت مُراد بيت هُبَيرة المكشوح سيْد مُراد، وابنه قيس فارس مذحج، وهو قيس بن هُبَيَرة المكشوح ابن عبد يغوث بن الغُزَبْل بن سَلم عَوْتَبان بن زهران بن مراد، وإنما سمي المكشوح لأنه كشح نفسه بالنَّار، قيس بن هُبَيَرة المكشوح، وهو الذي قَتَل الأسود العَنْسي الذي تنبأ باليمن الذي يقول لعمرو بن معدي كرب شعرا: تمَنَّانِي لِيَلْقَاني عُمْير ... بضاحي دملك حكما غميضا فأقسم لو بهذا قال قيس ... لغُودرت الغداة بها نقيضا وكان قيس بن هُبَيْرة المكشوح وفد على النبي ﷺ ، وشهد فتوح فارس أيام عمر بن الخطاب ﵁ بالقادسية ونَهاوَنْد، وهو أحد فُرسان العرب المذكورين في الجاهلية والإسلام. ومن عوتبان عبد الرحمن بن يحيى بن عمرو بن بجير بن مُلجم من بن أظلم بن عمرو بن عُوتَبان بن زاهر بن مراد الذي عَلَي بن أبي طالب. ومنهم أبَيْ الذي يقول فيه عمرو بن معدي كرب:

стр. 120

تمناني ليلقاني أبَيّ ... وددت وأينما مِني واددي أريد حياته ويريد قتلي ... عَ١ِؤي من خليلي من مرادي ومن قبائل مُراد صُنَابح. وقد مَرّ ذكره - وأعلا وأنعم وبذول وطيبان بنو زاهر بن عامر بن عَويبان بن زاهر بن مراد. ومنهم مراد وهي التي قتلت قيسا أبا بن مَعْدي كَرِب الكِنْدي، وكان الذي قتله عمرو بن نزال المرادي وكان صنم مراد الذي يعبدونه في الجاهلية يغوث، قال قتادة: كان بالحرف من سبأ يغوث صنم لبني عطيف بن مراد. " سعد العشيرة " وأما سعد العشيرة بن مالك وهو مَذْحج بن أدد فإنما سمي سَعْد العشيرة لكثرة وَلِده، وأنه لم يَمُتْ حتى ركب معه من ولده وولد ولده في زهاء ثلاثمائة فارس، فإذا سئل: من هؤلاء يا أبا الحكم؟ قال: هم العشيرة. فقال الناس: هؤلاء عشيرته، فسمي سعد العشيرة بذلك - فولد سعد العشيرة الحكم بن سعد، وبه كلن يُكنى، وجُعْفى بن سعد، وصعب بن سعد، وحارثه بن سعد، وخارجة بن سعد، وجنب بن سعد، وعبد الله بن سعد، وعائذ الله بن سعد، وأنس الله بن سعد، وعمرو الله بن سعد، وسبأ الله بن سعد، وزيد الله بن سعد، مرة بن سعد، ومجمع بن سعد، ومازن بن سعد، واللبو بن سعد، وأسد بن سعد، وحمل بن سعد، وعبد شمس ابن سعد. ومنهم العقد وإليه ينسب العقدي. قال هشام: فمن ولد عمرو بن سعد حولان، واسمه الفضل بن عمرو، وقد مَرّ نسبه في ولد عمرو بن الحاف بن قضاعة. الحكم: فأما الحكم بن سعد فهم الذين قِيل فيهم وحكم، فمن ولد الحكم بنو جُشَم، وبنو سِلم، وبنو مضة، وبنو شهم، وبنو مِرْداس، وبنو صَبيح، وبنو دَوّة. واشتقاق سِلهم من قولهم اسْلَهَّم الرجلُ إذا ضَمُرَ، وجَسْمٌ مُسْلَهِمِّ: ضامر. والدَّوَة: القفر من الأرض، فمن دَوَّة الجَّراح بن عبد الله بن جعاد بن أفلح بن جوين بن دوة بن الحكم والجراح هذا صاحب خراسلن، وهو مولى هانيء بن الحسن بن هانيء المكنى أبا نواس، وإليه ينسب أبو نواس فيقال الحكمي، وجُعاد فعال من الجَعْد. جُعْفِي: وأما جُعْفِي بن سعد فاشتقاقه من قولهم جعفت الشيء أجعفه إذا اقتلعه من أصله. وضربه حتى انجعف أي انصرع. وفي الحديث " حتى يكون انجعافها مرة أي تقلع بمرة واحدة. فولد جُعْفي بن سعد مَرّان وحَريم بن جُعْفي، وفيهما يقول لبيج: ولقد بكت يوم النخيل وقبله ... مَرّان مَن أيّامنا وحَريم فمن ولد كَرّان شراحيل بن الأصهب الجُعْفي، واسمه دهرا، وكان بعيد الغارة. وهو الذي يقول فيه عمرو بن معد كرب: وهُمْ بَثُّوا على الدَّهْنا جُيُوشاً ... يُعيدُ بها شَراحيلٌ ويُبْدي وهو شراحيل بن القسطان بن الحارث بن الأصهب، واسمه عوف بن مالك بن كعب بن الحارث بن سعد بن عمرو بن ذُهل بن مَرَّان بن جُعْفي بن سعد بن مَذْحج، وكان شراحيل من أشد العرب غارات على معد، وعلى أطراف أرض فارس والسواد. وقيل إن خالد بن الوليد لما دخل الأُبُلّة قال لأهلها: هل دخل عليكم؟ قالوا: قدم عمرو بن معدي كرب المدينة في زمن النبي ﷺ فقال: من شهد الحيّ من ولد عمرو بن عامر؟ فقيل له: سعد بن عبادة الخزرجي. فأقبل يقود راحلته حتى أناخ ببابه، ثم خرج إلى النبي ﷺ وأقام أياما، فأجاره رسول الله ﷺ كما يجيز الوفود، وانصرف إلى بلاده، فلما كان أيام عمر بن الخطاب ﵁ قدم عليه، وخرج إلى الشام، وشهد فتح اليَرْمُوك والقادسية ونَهْاوَنْد. وقعة القادسية

стр. 121

وكان من حديث وقعة القادسية ومشاهدة عمرو بن معدي كرب: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما وجه سعد بن أبي وقاص إلى القادسبة لمحاربة العجم أقبل سَعد حتى وافى القادسية فعسكر بها، وكانت الفرس اذ ذاك قد ملكت أمرها غلاما قد نجب من عقب كسرى بن هرمز، يقال له: يزدجرد، وهو آخر من ملك من العَجَم، فأجلسوه على سرير الملك، وعصبوه بالتاج، وبايعوه على السمع والطاعة، فجمع يَزْدَجرد إليه أطرافه، واستجاش جنوده، فاجتمع إليه عالمٌ عظيم، وَقَّواهم بالسلاح والأموال، وولي عليهم عظيما من عظماء مرازينه، له سنُّ وتَجْربة، يقال له رسُتُم بن مهر مرد، فوجَّهه في زهاء خمسين ألف من أبطال العجم وفرسانهم، وأقبل رُسْتُم حتى وافى دبر الأعور، فنزل هناك بعسكره، وبلغ الخبر سعد بن أبي وقاص - وهو بالقادسية - وبلغ ذلك جرير بن عبد الله اليحلي، والمثنى ابن حارثة الشيباني، ومن كان معهما من المسلمين، وكان جرير بناحية فلما بلغهم توجُّهُ رُسْتُم إليهم في زهاء خمسين ألفا من أبطال العجم وفرسانهم سعد إلى عمر بن الخطاب يطلب المَدد والنُّصْرة فأمد عمرُ بن الخطاب بعمر بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن هُبَيرة المكشوح المُرادي، وهو ابن أخت بن معدي كرب. وطليحة بن خويلد الأسدي، وكانوا من فرسان العرب المذكورين في الجاهلية والإسلام، فكتب عمرُ بن الخطاب إلى سعد، إني وجَّهْتُ إليك يقومان في الحرب مقام ألفي رجل، ولا أحسب لهما كثير نية في الجهاج، عهدهما بالشرك، فاعرف مكانهما وقدَّمْهُما واستشرِهما في أمورك وأعلمها أنا مستغن عنهما، فإنك تستخرج بذلك نُصْحُهما. فلما قدما على سعد بالقادسية فرح بهما المسلمون فرحا شديدا، لبعد صيتهما، وعظم ذكرهما، وإن رستم بعسكره يدبر الأمر أربعة أشهر، كراهية لقتال العرب، وخوفا أن يصيبه ما أصاب مهران، فصار يستريح إلى المطاولة يرى أنها مكيدة. فكان العرب يوجهون للميرة فيأخذون على البر ثم يعطفون إلى أي النواحي شاءوا من ابسواد، الميرة ثم يرجعون نحو البر ختى يخرجوا إلى معسكرهم، وكان الذي في حمل والميرة عمروُ بن معدي كرب وطليحة بن خويلد، وهما يومئذ شيخلن كبيران السن. وكان للمثتى ابن حارثة جارية من أجمل نساء بكر بن وائل، فمرض عند قدوم سعد بن أبي وقاص بالحيرة، فأقام بها ومعه امرأته تُمَرَّضُه، فكتب إلى سعد. بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الذي خلَّفَتي عنى المّصير إليك أصحابي شكوة قد أصابتني، وقد خِفْت على نفسي أن أهلك، فإني أشهد أن لا إله إلا الله ولا شريك له، وأن محمدا ﷺ عبده ورسوله، وأن الساعة لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وإن يَدْفع الله فإنني في أثر كتابي والسلام. وإن رأيت أن تُقِيم بمكانك بالقادسية والعذيب حتى توافيك فحاربهم على أدنى حجر من أرض العرب، فإن نصرك الله فتلك عادته وامتنانه، وإن تكن الأخرى كنت أنت ومن معك من العرب أعرف بسبُلُ وأرضكم. فلم يلبث المُثَنَّى أياماً حتى هلك بالحيرة، ودفن بالقادسبة. فلما انقضت عِدّضة المرأة خطبها سعد بن أبي وقاص فَتَزوجها وحملها إلى رحله ووافي إليه جرير بن عبد الله اليُحلي في قومه من بجيلة ومن كان معه من المسلمين، فعسكر معسكرهم مع سعد بن أبي وقاص بالقادسية.

стр. 122

ثم إن رستم أقبل في عسكره وجنوده حتى قرب من معسكر المسلمين بالقادسية - بعد مخاطبة ورُسُل وكلام جرى بينه وبين سعد يطول ذكره - وجعل كلا الفريقين حتى دنا بعضهم من بعض في ليلتهم تلك يصفون الصفوف، ويعبئون الخيل والرجال، ويقفون الرايات، وكان بسعد علة لم تمكنه الخروج بنفسه إلى الحرب، فولى خالد بن عرفطة. وجعل على القَلْب قَيْس بن هُبَيْرة المكشوح المُرادي، وعلى المدينة شَرحْبيل بن السمط الكندي، وجعل على المسيرة هشام بن عُنْتَبة المعروف بالمِرْ قال، لأنه كان يُرْقل في الحرب إرقالا، وهو الخبب من المشي، واستعمل على الرجالة قَيْس بن خزيم، وبُسط لسعد في أعلى القصر بمكان يُشرف منه على الفريقين إذا اقتتلوا، ومعه في القصر ما كان من العرب من النساء والَّريّضة، فأصبح الفريقان تحت راياتهم ومصافاتهم، وجعلت الأمداد من قبل الملك يزدجرد تترى على رستم - عسكرا بعد عسكر - حتى صاروا في زهاء مائة ألف رجل، بين فارس وراجل، وقام خالد بن عرفطة في العرب خطيبا وقال: يا معشر العرب، إن هذه بلاد قد أذَلَّ الله لكم أهلها، فأنتم تقتلونهم وتُغيُرون عليهم منذ حَوْلَين كاملين، وقد جاءكم منهم هذه الجموع، وأنتم لها ميم العرب وساداتهم وخيار كل حي: وعز من وراءكم، فإن صدقتموهم الطعن والضرب كانت لكم بلادهم وذرايهم، وإن تقتلوا لم يبق منكم باقية، ألا ترون الأرض من خلفكم صفصفا قفرا، ليس فيها ملجأ ولا وزر، فلتكن حصونكم سيوفكم ورماحكم، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بمثله، وتقدم عمرو بن معدي كرب الزبيدي وقيس بن هبيرة المكشوح المرادي أمام المسلمين كالاسد الاساود وجعل قيس بن هبيرة يرتجز ويقول: قد علمت واردة الوشايح ... ذات النقاب والجبين الواضح إني سمام البطل المشابح ... وفارج الامز المهم الفادح

стр. 123

ثم حمل هو وعمرو بن معدي كرب، وتبعتهم أبطال العرب وفرسانهمن فحملوا على العجم حملة رجل واحد، فتطاعنوا بالرماح، وتجالدوا بالسيوفن وصبرت لهم العجم صبرا صادقا، وقتل من الفرقين مقتلة عظيمة، حتى خاضت الخيل في الدماءن واظطربوا شديدا، بجد واجتهاد، وثار بينهم القتام، وكان من القوم جولة حتى لحقوا برستم - وهو آخر صفوفهم - فلما نظر رستم إلى ذلك نادى في العجم وقال: ما لكم ثكلتكم امكم تحتمون عن هؤلاء القوم وانتم إخوان الحرب وأحلاس الطعن والضرب. ثم صار في اوائل أصحابهن ثم حمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فكان العرب في جولة شديدة حتى دنوا من القصر الذي فيه سعد ابن ابي وقاص ومع النساء والذراري. فأمر سعد أن يخرجن ومعهن اصاغر اولادهنن فخرجن جميعا. من القصر، واستقبلن المنهزمين من العرب فصحن وأعولن وقلن ويحكم، عاد بكم أن تدعونا وتهربوا. فأخذتهم الحمية فرجعوا إلى الحربن وانصرفن النساء والاولاد إلى القصر، وسعد ينظر إلى ذلكن ومعه المرأة التي كانت امرأة المثنى بن حارثة. فحملت العرب حملة صادقةن وأمامهم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن هبيرة المكشوح المرادي، وطليحة بن خويلد الاسدي، وصبرت لهم العجمن فتطاعنوا وتضاربوا بالرماح حتى تكسرت، وقبل ذلك تراموا بالسهام حتى تفصدت، وصاروا إلى السيوف، وعمد الحديد، وحملت العجم على يحيلة - وهم في الميمنة وعليهم جرير بن عبد الله البجلي - وصَبَرت لهم يحيلة فاقتتلوا قِتالاً شديدا، وكثرت فيهم القتلى والجراحات. وسعد ينظر إلى ذلك وهو جالس بأعلى القصر، والى جانبه امرأته التي كانت أمرأة المثنى، فقال سعد وابجيلتاه، ولا بجيلة إلى اليوم. فقالت المرأة: وامُثناه ابن حارثاه، ولا مُثنى لي اليوم. فدخلته الغيرة من ذكرها المُثنى فلطم سعدٌ حُر وجهها، فقالت: يا بن وقاص، أغيرةً وجُبنا ثم عطف عمرو ابن معدى كرِب وابو محجن الثقفي حتى صاروا في أوائل بُجيلة وقد زالوا عن مصافهم، فأنقذهم حتى ردهم إلى مصافهم، وحملت العربُ معها حملة رجل واحد فقتلوا في حملتهم تلك من العجم مقتلة عظيمة، نهنهوهم عن أنفسهم، وسعد ينظر إلى ذلك. فقال لامرأته: لقد من الله على بجيلة. ثم اشتد القتال فاقتتل الفريقان قتالا لم يسمع السامعون بمثله وتقدم امام العجم رجل منهم كان يُعَدُّ لألف فارس، يعمل عمل الأسد البواسل وتقتل من المسلمين من أدرك منهم، فحمل عليه عمرو بن معدى كرب فاحتمل عن دابته وجعله أمامه على قَربُوس سرجه، وانصرف به حتى توسط به العرب فرماه عن القربوس فكسر عُنُقه. وقال:: يا معشر العرب هكذا فافعلوا. فقال بعض من حضره: يا أبا ثور من يستطيع منَّا أن يفعل كذا. ثم أضطرب الفريقان مِليَّا من النهار بالسيوف والعُمد وأمامهم عمرو بن سعدى كرب الزبيدي حتى أزالوا العجم عن أمكنتهم، وأفضى عمرو إلى رستم وكان في أواخر أصحابه - فحمل كُل واحد منهما على صاحبه، فتضاربا بسيفهما فلم يحك سيفاهما شيئا، وأثاب إلى رستم أصحابهُ وجُنوده، وقطعوا عمرو بن معدى كرب، فوقف في وسط العجم يجالدهم بسيفه - وهو على متن فرسه - حتى طُعن فرسه فسقط الفرس، ووثب عنه عمرو كالأسد، وجعل يضارب القوم لا يدنو منه رجل إلا جلده، وتحاماه القومُ. فنادى قيس بن هبيرة المكشوح وقال:

стр. 124

يا معشر العرب، ماذا تنتظرون بصاحبكم؟ أدركوه قبل أن يقتل، واحملوا معي حملة رجل واحد فداكم أبي وأمي لتُخلصوه بإذن الله. ثم حمل قيسٌ وحمل معه عامة الناس حملة رجل واحد، فزحزحوا من كان في وجوههم ما العجم حتى انتهوا إلى عمرو - وهو يضاربهم - قدما - وقد اختصب بالدماء - فلما نظر عمرو إلى اصحابه استبشر، وتناول رجلٌ من العرب فرس فارس من العجم فحبسه، وجعل الفارس يضرب فرسه فلا يستطيع براحاً من يدي عمرو، فلما نظر الفارس إلى العرب قد أرهقته نزل عن الفرس وولى هاربا. فقال عمرو لأصحابه: امسكوا أنتم على عنانه، فأمسكوا عليه العنان، فأستوى عليه وحمل معه، فدخل في القوم حتى انتهى إلى فيل من تلك الفيلة، فضرب مِشفره فَبَراه، وولى الفيل وله صياح، وانهزم من كان معه من الفيلة ومن العجم، فلما رأى رُستم ذلك نادى في أبطال العجم وفرسانهم، فأحدقوا به، فحمل على المسلمين وحملوا معه، وحمل عمرو بسيفه المعروف بالصّمصامة على القوم يضاربهم به، ثم حمل رُستم على هلال بن عقبة - وكان من أطال العرب - فضربه على خده فقطعها مع الدرع إلى الجلد، وشدها هلال بن عقبة إلى قربوس سرجه، وجعل يقاتل بها، فلم يزالوا كذلك من طول النهار إلى وقت العصر، ثم تنادت القبائلُ على الموت - من كل مكان - وزحف أصحاب الرايات من العرب - وقد وطنوا أنفسهم على الموت - وتبعتهم جميع القبائل، وحملوا على العجم حملة رجل واحد فأزالهم عن مواقفهم، فلما رأى رُستم ذلك تَرجَّل وتَرجلت معه جميع العجم، وحمل الفريقان بعضهم على بعض، فتضاربوا بالسيوف والأعمدة، حتى تقمصت عامة السيوف وتقصفت عامة الأعمدة، وقتل من الفريقين - وقت المساء - مقتلة عظيمة، ونادى قيس بن هُبيرة في الناس: ألا يا معشر العرب، روِّحوا بنا الجنة، فاحملوا على القوم، فإنه لم يبق إلا آخر نفس. ثم حمل قيسُ بن هبيرة، وحمل معه الناس، وأمامهم عمرو بن معدى كرب حملةً صادقةً، فقتلوا في حملتهم تلك من العجم مقتلة عظيمة، فولت العجم منهزمة، وثبت مع رُستم أهل الوفاء والحِفاظِ من أصحابه، فشدّت عليهم العربُ بأسيافهم - وأمامهم عمروُ بن معدى كرب - فقتل رُستم وقتل من ثبت معه من مَرَازِبته وأبطال جنوده - في ربضة واحدة - ومرت العرب في إثر العجم يقتلون من أدركوا منهم. إلى أن حال بينهم الليل، فانصرفوا نحو القصر الذي فيه سعد بن أبي وقاص، فخرج سعد بن أبي وقاص من القصر إلى أصحابه فرحا بِهجاً حتى أتى المعركة، وأمر بطلب رستم بين القتلى، فوجدوه وبه نحو من عشرين ضربة، كلها في مقاديمة، لأنه باشر الحرب بنفسه، ويقال: بل انهزم عند مقتل أصحابه حتى انتهى إلى نهر القادسية ليجوزه فغرق - والله أعلم أي ذلك كان وقال سعد بن أبي وقاص في ذلك شعرا: لقد أبلت بجيلة غير أني ... أؤمل أجرهم يوم الحساب لقد لَقِيت جُمُوعهم أسودا ... فما حاموا لمختلف الضِّراب ولم تزل العجم تركض خيولهم منهزمة طول تلك الليلة، وأتبعتهم من العرب عالمٌ عظيم، حتى إذا أصبحوا أشرفوا على مردا قد أقبل إلى العجم من قبل الملك يزدجرد زهاء جمسة الآف من الفرس، وعليهم قائد لهم يقال له جيلاش، فلما استقبل المنهزمين قال: قفوا وموتوا كِراما، وقد طمعوا وشربوا وعلفوا دوابهم وأراحوها. ثم أقبل عظيم من عظماء الفُرس فقال: انج بنفسك وبأنفسنا معك قبل أن نقتل: فإن هذا أوان زورال المُلك عنَّا. فأبى جيلوش أن ينصرف أو يدع أحد من الفرس أن يمضي. فقال الرجل لجيلوش: انظر إلى هذا الرَّمي ثم حلق بكُرةٍ نحو السماء، فكانت الكُرة كُلما هبطت رماها بنشابة فتحلقها في الهواء حتى صارت الكرة كهيئة القُنفذ. فقال:هل رأيت رميا أحسن من هذا؟ قال جيلوش: ما رأيت. فقال الرجل: سأريك أن هذا الرمي لا يغني في القوم شيئا.

стр. 125

ثم أقبلت أوائل العرب في آثارهم. فلما رآهم جيلوش وأصحابه زحفوا إليهم، فرشقهم ذلك الرجل - وجيلوش ينظر فلم يصيبوا من العرب أحدا: فقال الرجل لجيلوش: ألا ترى أن ما أخبرتك به. ثمولوا منهزمين، ومرت أوائل العرب على آثارهم، وأمامهم عمرو بن معدى كرب وقيس بن هُبيرة المكشوح المرادي، وطُليحة بن خُويلد الأسدي، وجرير بن عبد الله البُجلي، حتى انفرد جرير ابن عبد الله عن أصحابه في نفر يسير، فلما نظر العجم إلى قلتهم عطفوا عليهم وحملوا على جرير فطعنوه فسقط عن فرسه، فلم تعمل فيه الرماح لحصانة ردعه، وعاد فرسه فلحق بالفل، وتلاحق جرير بأصحابه من بُجيلة، وحالوا بينه وبين العجم، فانهزمت العجم عنهم، وأقبل إلى جرير بعضُ أهل بيته ببرذون من برذان العجم مضروب بالسف على كَفَله، وقال اركب أبا عمرو: فقال جرير: والله لا تتحدث العرب أني ركبت بِرذوناً مضروب الكفل بالسيف، وأقبل عليه بعض بني عمه ببرذون من براذين العجم مطوق بطوق من ذهب، وقال: اركب أبا عمرو. فقال: مثل هذا فنعم، فركبه وطلب القوم، فقتل من أدرك منهم، حتى أمعنوا في الهرب، ومرت العجم على وجهها هاربين منهزمين، حتى وافوا المدائن، فسقط في يد يزدجرد الملك، فتحمل من المدائن بأهله وحشمه وولىّ الحرب مرداتشاه أخا رستم المقتول، وسار حتى أتى مدينة نَّهاوَند. فأقام بها. وجمع سعد بن أبي وقاص أصحابه، وجميع قُوَّاده، وسار بالناس من القادسية حتى نزل بحذاء المدائن على شاطئ دِجلة، فعسكر هنالك حتى استعد، ونادى في العرب فركبوا خيولهم، ولبسوا أسلحتهم، ثم أقحموا خيولهم دجلة ليعبروا إلى المدائن، وقال لهم: إن الذي سلمكم في البرِّ قادر أن يسلمكم في البحر. وخرج مرداتشاه خليفة الملك يزدجرد في الليل هربا، وألقى الله الرعب في قلوب العجم فانهزموا وتركوا المدائن، وأخذوا نحو نهاوند - وفيها يَزدجرد الملك - حتى انتهوا إلى جلولا، فأقاموا بها، وكان يزدجرد يمددهم في كل يوم بالأمداد من نهاوند، وولى الحربّ رجلا من عظماء المَرَازَبة يسمى خُرزاد، ودخل المسلمون المدائن فغنموها، وما كان فيها من خزائن الأكاسرة من الأموال وآتيه الذهب والفضة والأثاث، وكان الرجلُ منهم تقعُ في يده الصفحة فينادي: من يأخذ حمراء ويعطي بيضاء. ووقعوا على بيوت مملوءة كافورا وعودا، فظنوا أن ذلك الكافور ملح، فجعلوا يلقونه في العجين فيخرج الخبز مُرَّا كالعلقم، فيقولون ما أمرّ ملحهم، ووقعوا على تاج كسرى بن هرمز وهي في يمينه فبعث بها سعدٌ إلى عُمر فأمر بها عمر فحملت إلى مكة، وعلقت في الكعبة، وهي فيها إلى الآن. ولما أن نصر الله المؤمنين بالقادسية، وقتلوا العجم وهزموهم، واستباحوا سوادهم، كتب سعدُ بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب، ﵁ كتابا هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من سعد بن مالك، سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، واسأله أن يصلي على محمد وآله. أما بعد فإنا لقينا جموع العجم بالقادسية، وهم في عدد وعدة. يقصر عنها الوصف فقاتلناهم قتلا شديداً لم يسمع السامعون بمثله، من لدن طلوع الشمس إلى أن توارت بالحجاب، فأنزل الله علينا نصره، وثبت أقدامنا، فضرب الله ﵎ وجوه العجم، ومنحنا أكتافهم فقاتلناهم في كل فج عميق، وعلى شاطئ كل نهر لإاحمد الله يا أمير المؤمنين على إغزاز دينه، وإظهار أوليائه، وقُتل من المسلمين ناس كثير صالحون، لو رأيتهم قبل الوقعة لسمعت لهم في صلاتهم دَوَيَّ اكدوي النحل من قراءة القرآن، فاحتسبهم يا عمر رحمك الله، فقد حَلّت فيهم المصيبة وعظمت وقد أصبنا ما كان في عساكرهم من سلاح وكراع، وأثاث وذهب وفضة، وغيرها محصية، وكاتب إليك بمبلغ الخمس منه والسلام.

стр. 126

ثم وجه بالكتاب مع رجل يسمى مُخالد بن سعد، وكان عمر بن الخطاب يخرج حين أبطأ عليه خبرُ الناس من القادسية كلَّ يوم باكرا من المدينة وجده ماشيا في طريق الخُبَر، فيمشي ميلا أو ميلين طمعا أن يرى أحد يسأله عن الخبر فلا يجد أحدا فبينما هو كذلك ذات يوم إذ نظر إلى راكب من بعيد فاستقبله مُخالد - وهو لا يعلم أنه عمر ﵀ فقال له عمر: ما الخبر؟ فقال: أظفر الله المؤمنين وقتل المشركين - ثم جاء وترك عمر وجعل عمر يعدو معه ويسأله حتى دخل المدينة، فاستقبل الناسُ عمر فسلموا عليه بالخلافة، فوقف عمر وسلّم عليه مُخالد وقال: سبحان الله تعدو معي نحواً من ميلين ولا تعلمني أنك أمير المؤمنين!! فقال له عمر: سبحان الله. وما في ذلك؟؟ ثم نزل مخالد وناوله كتاب سعد بالفتح فقرأه على الناس واستبشروا به. وكتب عمر إلى سعد يأمُره أن يبني لمن قِبله من العرب دار هجرة ولا يكون بها بحر، فأقبل إلى موضع الكوفة فبناها، وجعلها خططا لمن كان معه من العرب وجعل لكُل حي من أحياء العرب خطة، وبنى مسجدا جامعا، وبنى لنفسه المسجد قصرا، وهو قصر الإمارة. وأعطى الناس عطاءً جزيلا، وأمرهم بالبناء، وبنى لنفسه فبنوا، واسكن فيها النساء والذرية، وخلف فيهم ثمانية الآف من المسلمين يحفظونهم بإذن الله، وسار سعد بالناس حتى نزل بالمدائن فعسكر بها، وأقام بها حولين. ثم كانت وقعة جلولاء ونهاوند، وقتل يزدجرد الملك بعد وقعة نهاوند ، ولم أدع أن أشرح وقعة جلولاء ونهاوند: إذ كانتا على أثر وقعة القادسية، ويقتصان خبر زوال سلطان العجم، وإظهار المسلمين عليهم. وقعة جلولاء ثم إن سعد بن أبي وقاص لما نزل بالمدائن وأقام بها حولين بعد وقعة القادسية عقد لابن أخيه عمرو بن مالك في اثني عشر من سادات العرب، من اليمانية والعدنانية، وفرسانهم وصناديد رجالهم، وأمره أن يسير إلى جلولاء فيحارب جرزاد الذي ولاه الملك يزدجرد أمر الحرب حتى وافى جلولا وخرج اليه جرزاد في جنوده وعساكره، فاقتتلوا قتلا شديدا، وصبر بعضهم لبعض، فتراموا بالسهام حتى أنفذوها، وتطاعنوا بالرماح حتى كسروها، ثم أفضوا إلى السيوف وعمد الحديد فتضاربوا بها أشد ما يكون من الضرب، واقتتلوا أشد ما يكون من القتال، من لَدُن طلوع الشمس إلى أن اصفرت وأفلت للغروب، فلم يكن صلاة المسلمين إلا بالإيماء في وقت كل صلاة، ثم تداعت العرب وحضّ بعضُهم بعضا، وحملوا على القوم عند اصفرار الشمس حملةً واحدة، فلم تثبت العجم لحملتهم فانهزموا على وجوههم نحو نهاوند، وأفاء اللهُ على العرب مال العجم فغنموا منه غنيمة لم يغنموها قبل ولا بعد، وأقبلت العجم حتى أوغلوا في الخيل نحو نهاوند: وقعة نهاوند

стр. 127

قال: فلما كان من وقعة جلولاء ما كان وانهزمت العجم حتى كانت هزيمتهم إلى نهاوند - وبها الملك يزدجرد - فعند ذلك تحمل من نهاوند في حرمه وحشمه وما اجتباه من خزائنه وسار حتى نزل قُم فأقام بها، ووجه إلى الآفاق من أرضه، وأقطار بلاده يستجيشهم، فغضبت له العجم، وانجفل إليه الناس من أقطار البلاد، وأتاه مَدَدٌ جُرجان وَقومس وطبرستان والرَّي ودبناوند، ونهاوند وقُمٌ وأصبهان وهمدان والماهين وأذربيجان، فاجتمع عنده من الناس زُهاء ثلاثمائة ألف رجل من فارس وراجل، فتعاقدوا وتواثقوا على الصبر في الحرب حتى يظفروا أو يموتوا، وولى الملك عليهم مردانشاه أخا رُستم المقتول بالقادسية، وأمره بالمسير إلى نهاوند، والمقامبها إلى أن توافيه جميع العرب فيحاربهم، وأقام الملك ينظر ما يؤول إليه الأمر، وقد كان عُمر بن الخطاب ﵁ عزل سعد بن أبي وقاص عن ثغر الكوفة، واستعمل عليها عمار بن ياسر صاحب رسول الله ﷺ ، فكتب عمار بن ياسر إلى عمر من الكوفة يخبره بكثرة ما أجتمع من العجم بنهاوند، وما تعاقدوا عليه وتواثقوا من الصبر حتى يموتوا أو يظفروا، فلما انتهى كتابُ عمار إلى عمر أقبل حتى أتى مسجد رسول الله ﷺ والكتاب بيده - وأمر مناديا فنادى في الناس فاجتمعوا اليه، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم فال: أيها الناس، إن الشيطان قد جَمَع جُموعا من العجم ليطفئ نور الله، والله مُتم نوره. هذا كتاب عمار بن ياسر، يذكر فيه أن يزدجرد ملك العجم وجَّه رُسله إلى أقطار الأرضين وأطراف البلدان، فارتحلت إليه الناس من جُرجان وطبرستان والرّضي ودنباوند ونهاوند وأصبهان وقُم وقاشان والماهين وهمدان حتى أجتمع إليه زهاء ثلاثمائة ألف رجل، وأنهم قد تعاقدوا وتواثقوا على الموت عن آخرهم أو يظفروا. ولست آمن أن يسيروا إلى إخوانهم بالكوفة والبصرة فيقتلوهم أو يخرجوهم من أرضهم، ويسيروا إلى بلادكم فيجتاحوكم، فأشيروا علي وأوجزوا، فإن هذا يوم له ما بعده. فتكلم طلحة بن عبد الله فقال: يا أمير المؤمنين، إن التجارب قد حنكتك. والأمور قد احكمتك، وأنت الوالي مهما أمرتنا به لم نعصيك، وما رأيت من شئ لم نُخالفك، ومتى تدعنا نُجب، ومتى تأمرنا نُطع رأيك، فأمرنا بأمرك. فقال أيها الناس، أشيروا عليّ برأيكم وأوجزوا. فتكلم عثمان بن عفان ﵁ فقال: الرأي يا أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل اليمن فيسيرون من يمنهم، وإلى أهل الشام أن يسيروا من شامهم، والى أهل البصرة أن يسيروا من بصرتهم، ويجتمع إليك من الجنود من آفاق الأرضين وأقطار البلاد، وسير بنفسك حتى توافي الكوفة، وينضم إليك المصرين، ثم تزلف إلى القوم فتلقاهم - وقد اجتمع إليك من العرب كأعدادهم - وإن العرب رأوك نُصب أعينهم كام ذلك أعز لهم، وأقوى لظهورهم، وأصدق في جهاد عدوهم، فإنه لا بقاء بعد إخواننا بالمصرين. فقال عمر لعلي بن أبي طالب ﵁ ما ترى أنت يا أبا الحسن؟ فقال علي: إنك إن أشخصت العرب من اليمن سارت اليهم الحبشة فقلبوا على أرضهم، وإن أخليت الشام من جنودك سارت إليهم الروم فغلبوا عليها واجتاحوا أهلها وأولادها، وإن سرت من هذه البلدة انتقصت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها حتى يكون ما تخلف وراءك من النساء والذرية أهم إليك مما بين يديك، وإن العجم إذا رأوك عيانا نُصب أعينهم قالوا هذا ملك العرب كلها، وفرعها وأصلها، فيكون أشد لقتالهم وأصعب لمزاولتهم، فما خوفك من مسيرهم إلى أخواننا بالمصرين حتى يجتاحوهم ويسيروا بجموعهم نحوك، فإن الله لم يجعل لهم إلى ذلك سبيلا أبدا، لأنه يقول ﵎ وقوله الحق هو الذي أرسل بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وإنا لم نقاتل الناس فيما مضى بالكثرة، وإنما قاتلناهم بنصرة النبوة.

стр. 128

والرأي أن تكتب إلى عُمَّالك باليمن والشام أن يميزوا نصف من كان معهم من الجنود ويحبسوا منهم النصف معهم، فيكونوا حرسا للأرض وحُماة البلاد، ويوجه كل واحد منهم إلى العراق بالنصف الآخر، فيكونوا مدداً لإخوانهم بالعراق، وتقيم أنت بمكانك هذا ردءاً لأصحابك، وتستجيش من الأعراب ما أمكنك، وتوجه بهم إلى إخواننا بالكوفة اولا أولا، فإن الله ناصرهم بمنَّه وطوله، وتلك عادته في أوليائه وأهل طاعته. قال عمر:هذا لعمري هو الرأي الوثيق والمشورة الصادقة. فعندها دعى عمر بالسائب بن الأقرع. وأمره بالمسير، وكتب عهدا للنعمان بن مُقرن المزني بولاية الحرب وكان النعمان بن مقرن ببلاد كسكر - قد ولاه عمرُ أمرها - وكان له فضل في دينه، وسابقة صحبة لرسول الله ﷺ ، ونجدةٌ في الحرب. فلما كتب عهد النعمان بولايته تلك الحرب دفع عمرُ كتاب العهد إلى السائب ابن الأقرع، وأما أن يسير به إلى النعمان بن مُقرن - وهو ببلاد كسكر - فوصل اليه وكتب معه إلى عمار بن ياسر أن يُقيم بالكوفة في ستة الآف من فرسان العرب ورجالهم، ويسير الباقون مع النعمان بن مُقرن إلى نهاوند، وكتب أيضا إلى أبي موسى الأشعري وكان بالبصرة - مثل ذلك - وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح - وكان على ثغر الشام - والى المُهاجر بن أمية وكان على اليمن وحُذيفة بن اليمان، وأمرهما أن يحسبا من خيلهما نصف ما معهما من الجنود، ويسير الباقون إلى أرض العراق، وينضمون إلى النعمان بن مُقرن. وقال للسائب، إن قُتل النعمان فالأمير من بعده حُذيفة بن اليمان، وإن قتل حُذيفة فالأمير من بعده جرير بن عبد الله الَجِلي وإن قتل جرير فالأمير من بعده المُغيرة بن شُعبة، وإن قتل المُغيرة فالأمير من بعده الأشعث بن قيس الكندي. وكتب إلى النعمان بن مُقرن: إن قبلك بالكوفة رجلين هما فارسا العرب، عمرو بن معدي كرب، وطليحة بن خُويلد، فشاورهما في الحرب، وتولهما شيئا من الأمر، وأرِهما أنك غير مستغن عنهما، لتستخرج بذلك نُصحهما. ثم سار السائب بن الأقرع حتى ورد الكوفة، وأوصل إلى عمار بن ياسر كتاب عمر بن الخطاب رحمة الله - ثم سار إلى كسكر فأوصل النعمان بن مُقرن عهده، ووجه إلى أبي موسى الأشعري بكتاب عمر، فحبس عمار وأبو موسى الأشعري نصف من كان معهما بالكوفة والبصرة بالنصف الآخر إلى النعمان بن مقرن، وأتاه أيضا المدد من اليمن وأرض الشام، فلما اجتمعت إليه الجيوش سار أرض الخيل حتى وافى نهاوند، فعسكر على ثلاثة فراسخ من المدينة بُرستاق يسمى الأسفيذهان بقرية تسمى قد يسجان، وخندق على عسكره، وخرج أمير جيوش العجم مردانشاه حتى نزل بعسكره عند قرية يقال لها خياهشت، وبين العسكرين مقدار نصف فرسخ، وأن مردانشاه أمر بجميع الفعلة إليه من كل قرية، فحفروا كهيئة الخندق مستطيلا فيما بين العسكر العرب وبين جبل يسمى ابراي، فحفرَ في عرض عشرين ذراعا وحفر في الأرض عشرين ذراعا، ثم طمر بتراب السبخة، وأجرى عليه الماء، وجعل طوله فرسخين، مع بطن ذلك الرستاق، وجعل مكيدة للعرب، وظن أن الخيل إن انهزمت أخذت نحو الجبل فتهورت في ذلك الخندق. فلما وافى النعمان بن مُقرن بجيوش العرب بنهاوند، وكان في زهاء ثلاثين ألفا من سادات العرب، من اليمانية والعدنانية وفرسانهم ورجالهم، عمر بن معدي كرب الزبيدي، وطليحة بن خويلد الأسدي، وقيس ابن هُبيرة المكشوح المُرادي، وعروة بن زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وجرير بن عبد الله البجلي، والأشعث بن قيس الكندي، وغيرهم من فرسان العرب وشجعانهم. ونزل مردانشاه بجيوش خياهشت، وكانوا في زهاء ثلاثمائة ألف راجل وفارس من العجم، وقد خندقوا على أنفسهم، وكانت امداد العجم تترى على مردا نشاه، من قبل يزدجرد الملك، وكان مقيما بمدينة قم في كل يوم، ومكثوا أياما كثيرة لا يبرحون من معسكرهم، ولا يخرج العجمُ من صفوفهم ومعسكرهم. فقال النعمان بن مُقرن لعمرو معدى كرب، وطليحة بن خويلد: إن هؤلاء العجم قد عسكروا بمكانهم هذا، وخندقوا على أنفسهم، وأمسكوا عن الخروج إلى الحرب، وأمدادهم تترى عليهم كل يوم، وليس الرأي إلا معالجتهم، فكيف الحيلة في ذلك؟ فقال عمرو بن معدى كرب: الرأي أن تُشيع أن عمر أمير المؤمنين قد مات، ثم ترتحل بجميع جُنُودك مُولياً، فإنك لو فعلت ذلك خرجوا من معسكرهم واتبعونا، فإذا فعلوا ذلك فاعطف عليهم، فإن

стр. 129

ولواا كانت هزيمة، وإن وقفوا حاربتهم. قال النعمان: هذا لعمري نعم الرأي. ثم إن النعمان بن مُقرن بات ليلته تلك يعبئ أصحابه، ويعقد لهم الريات، ويؤمِّر عليهم الأمراء، وجعل لكل أمير من أمرائه شِعارا معروفا، فإذا دعوا به اجتمعوا اليه. فلما أصبح سار بهم على تعبيتهم تلك وتحت راياتهم مُولياً - وقد أمر أصحابه بحمل أثقالهم وتقديمها أمامهم - وأشاعوا أن عمر بن الخطاب قد مات. فلما بلغ الخبرُ مردانشاه نادى جميع جيوش العجم فأفرغوا عليهم الدروع والأقبية، ولبسوا آله الحرب، واستلأموا وركبوا خيولهم، وسار بهم تابعا جيش العرب في إثرهم حتى لحقوهم قريبا لم يتباعدوا، فعند ذلك عطف عليهم النعمان بمن معه من فرسان العرب في جنوده على التعبئة التي عبأهم بها، وذلك يوم الأربعاء، والتقى الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بمثله، حتى حجر بينهم الليل، وانصرف كل فريق منهم إلى معسكره. فلما أصبحوا صباح الخميس وقد لبتكروا إلى مصافهم تراموا بالنشاب والنبل حتى نفذت، وتطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ثم أفضوا إلى السيوف وعمد الحديد فتضاربوا بها من لدن انبسط النهار إلى أن هجم عليهم الليل، ثم أنصرفوا أيضا إلى معسكرهم، فلما أصبحوا يوم الجمعة ابتكروا إلى مصافهم وتواقفوا مليا من النهار، ولا يزول واحد من الفريقين عن مصافه لشدَّة ما أصابهم في اليومين الماضيين من ألم الجراح، والعرب سكوت خفوت إلا من ذكر الله والعجم وقوفٌ على خيولهم وتحت راياتهم، تدور عليهم السقاة بالخمور، وتُغنيهم القيون. ويعزف بين يدي كل صفٍّ من صفوفهم بالمعازف. انت هزيمة، وإن وقفوا حاربتهم. قال النعمان: هذا لعمري نعم الرأي. ثم إن النعمان بن مُقرن بات ليلته تلك يعبئ أصحابه، ويعقد لهم الريات، ويؤمِّر عليهم الأمراء، وجعل لكل أمير من أمرائه شِعارا معروفا، فإذا دعوا به اجتمعوا اليه. فلما أصبح سار بهم على تعبيتهم تلك وتحت راياتهم مُولياً - وقد أمر أصحابه بحمل أثقالهم وتقديمها أمامهم - وأشاعوا أن عمر بن الخطاب قد مات. فلما بلغ الخبرُ مردانشاه نادى جميع جيوش العجم فأفرغوا عليهم الدروع والأقبية، ولبسوا آله الحرب، واستلأموا وركبوا خيولهم، وسار بهم تابعا جيش العرب في إثرهم حتى لحقوهم قريبا لم يتباعدوا، فعند ذلك عطف عليهم النعمان بمن معه من فرسان العرب في جنوده على التعبئة التي عبأهم بها، وذلك يوم الأربعاء، والتقى الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون بمثله، حتى حجر بينهم الليل، وانصرف كل فريق منهم إلى معسكره. فلما أصبحوا صباح الخميس وقد لبتكروا إلى مصافهم تراموا بالنشاب والنبل حتى نفذت، وتطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ثم أفضوا إلى السيوف وعمد الحديد فتضاربوا بها من لدن انبسط النهار إلى أن هجم عليهم الليل، ثم أنصرفوا أيضا إلى معسكرهم، فلما أصبحوا يوم الجمعة ابتكروا إلى مصافهم وتواقفوا مليا من النهار، ولا يزول واحد من الفريقين عن مصافه لشدَّة ما أصابهم في اليومين الماضيين من ألم الجراح، والعرب سكوت خفوت إلا من ذكر الله والعجم وقوفٌ على خيولهم وتحت راياتهم، تدور عليهم السقاة بالخمور، وتُغنيهم القيون. ويعزف بين يدي كل صفٍّ من صفوفهم بالمعازف.

стр. 130

ثم إن النعمان بن مُقرن ركب فرسا أشهب ولبس ثيابا بيضا فوق الدرع، ووضع على رأسه قلنسوة بيضاء فوق البيضة، ثم تربع على فرسه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر العرب، إنكم نظام الإسلام، والباب بين المسلمين وأهل الشرك، فالله الله في الإسلام وأهله، يا معشر العرب استعملوا الصبر تُثابوا عليه بالأجر، فإنكم على إحدى الحسنيين، إما الغنيمة والفضل، وإما الشهادة والفوز. ثم حرك فرسه وجعل يدور في الرايات والصفوف، رايةً رايةً وصفاً صفاً، ويقول: أيها الناس، إنما قوام الإسلام باله ثم بكم، اصبروا وصابروا، فإن الله وعد الصابرين أجرا عظيما، إن هربوا سلموا إليكم خزائنهم وأموالهم، وإن هربتم أوهنتم الإسلام وأضعفتم الحرمات، ليشتغل كل واحد منكم بقرنه، ولا يحيل قرنه على أخيه، فإن في ذلك عار الدنيا وعقابُ الآخرة. أيها الناس إن عاقبة الصبر محمودة، ومع الصبر يكون النصر. فجعل يدور في الرايات وقول هذا وشبهه، والعسكران متواقفان، والناس تحت راياتهم وصفوفهم. وأقبل المغيرة بن شُعبة على فرسه حتى دنا من النعمان فقال: أيها الأمير، إن الناس قد تشوقوا إلى لقاء هؤلاء القوم، وقد استعدوا للحرب، فماذا تنتظر؟ فقال النعمان: رويدا يرحمك الله، فإني منتظر الساعة التي كان رسول الله ﷺ يقاتل فيها، وهي زوال الشمس، وتهب الرياح، فلما أن قارب ذلك الوقت نادى النعمان: أني هارُّ الراية ثلاثا، فإذا هززتها أولا فكبروان وليشد كل واحد منكم حزام فرسه، ويسوي عليه شكتهن فإذا هززتها الثالثة فكبروان وأحملوا فأني حامل أولكمن ولا قوة إلا باللهز فمد الناس أعينهم إلى الراية، فلما زالت الشمس وهبت الريح هز الراية فنزل الناس عن خيولهم فشدوا حزمهان واستوثقوا من ألبابها واتقارها، ثم هزها ثانية فأسند القوم أسنة الرماح نحو العجمن وهزوا سيوفهم، ثم هزها الثالثة فحمل وحمل معه عمرو بن معدي كربن وفرسان العربن وحمل المسلمون على آثارهم حملة رجل واحد، وأسندوا رؤسهم إلى قرابس سروجهمن فلم يكن للعجم ثبات عند حملتهمن فأنهزموا على وجوههمن وكان النعمان بن مقرن اول قتيلن فحمله اخوه سويد بن مقرن فأدخله معسكر العرب، وأخذ أثوابه فلبسها، وركب فرسه متشبها به لئلا يعلم المسلمون بقتله فينكسروا، ثم ان العجم تابوا وتداعوا ووقفوا يحاربون العرب بجد واجتهاد. فتجالدوا بالسيوف وتشاكو بالرماح، وحميت الحرب بين الفريقين، واشتد القتال وثار القتامن وكثرت القتلى بينهمن فنادى عمروبن معدي كرب بصوت له جهوري وهو شيخ كبير: يا معشر العرب، إنه لم يبق من القوم إلا اخر نفسن فأحملوا معي فداكم ابي وامي حملة اخرى ترضون بها الله وتعزون بها الدينن ونادى طليحة بن خويلد وقال: إلى فركض نحوه وحملا أمام الناس، وحمل معهما جميع المسلمين، وسادة العرب وفرسانهم حملة رجل واحدن ووطنوا انفسهم على الموت، فقتلوا في حملتهم تلك مقتلة عظيمة، فولت العجم من بينهم منهزمين على وجوههم، وأخذوا نحو الجبل الذي يسمى ابراين ليعتصموا به، فأنتهوا إلى ذلك الخندق الذي كانوا احتقروه وأجروا عليه الماء وغطوه بتراب السباخ. وجعلوه ليكون مكيدةن ورجوا ان يتقدم اليهم العرب إلى مصاربهم وان ينهزموا فيأخذوا نحو ذلك الجبل فيغرقهم ويغرقوا في ذلك الخندق والحماةز فجعل الله ذلك الخندق مهلكة لهم، فسقط فيه زهاء مائة الف رجل فغرقوا في ذلك الخندق وقتل منهم في المعركة زهاء اربعين الف رجل، وانهزم بقيتهم نحو مدينة قم وبها يزدجرد الملك المقيم بها، لينظر ما يكون من امر الفريين - وأقبل دهاقين نهاوند مع من انضم اليهم من الرازبة، واشراف الاساورة وعظمائهمن حتى انتهوا في هزيمتهم تلك إلى مدينة نهاوند، ولم يجدوا عليها سور حصينان وقد كان سورها العتيق تهدم، ولم يكن فيها حصنن فجاوزوها وساروا منها بالحث الشديد وفرسان العرب على آثارهم، حتى انتهوا إلى قرية من قرى المدينة على فرسخين من المدين تسمى دهمردين وكان فيها قصر عظيم حصين، وعليه باب من حديد فدخلوا ذلك الحصن فتحصنوا فيه، واغلقوا عليهم الباب الحديد الذي كان عليهم وقد استباح المسلمون جميع سواد العجم، وغنموا اموالهم ن واشتغل المسلمون يومها ذلك بموضع المعركة يدفنون قتلاهم. فلما اصبحوا من الغد استعد المسلمون الىذلك البلد الذي تحصن به القومز وقد تولى الامر

стр. 131

حذيفةة بن اليمانن فسار الناس نحو تلك القرية التي تحصن بها القومن حتى انتهى اليها، فأحاط بها في فرسان العرب وأبطالها محاصرا لهم فيها، وكانت العجم تقاتلهم من فوق ذلك القصر بالحجارة والنشاب، ثم خرجوا ذات يوم وقد استعدوا للحرب، وخرج معهم من انضم اليهم من مرازبة الملك وعظماء اساورته، فناوشوا العرب ساعة واحدة وحملت عليهم العرب فأنهزموا نحو ذلك الحصن فدخلوهن وانقطع منهم نفر وقتل منهم قتل، وتحصن الباقي منهم، فلم يزالوا كذلك حتى طال عليهم الامر فعند ذلك نزلوا إلى الامان، وطلب الصلح جميع من كان في ذلك الحصن من اهل البلد. ومن انضم اليهم من مراوبة الملك. واشراف اساورتهن فاجابهم حذيفة إلى ذلك، وصالحوه على البلاد على نحو ما كانت ملوك العجم يأخذون منها الخراج. فكتب حذيفة لهم كتابا، واعطاهم الامانن وامروا بفتح الباب ففتحوه وخرجوا وامنوا ودخل بعضهم في امان بعض، وانصرف حذيفة بالجموع عنهم، وأقبل حتى انتهى مدينة نهاوند فنزلها، ثم قسم السائب بن الاقرع ما افاء الله من جميع تلك الغنائم فيمن حضر تلك الوقعة من العربن لكل ذي حق حقه. فكتب له حذيفة كتابا بالفتح، وما افاء الله على المسلمين، فركب السائب ناقته نحو مدينة رسول الله ﷺ ، يحل ويرتحل حتى انتهى اليهان ودخل على عمر ومعه كتاب حذيفة بالفتح، فأمر بالكتاب فقرئ على الناس، فتباشروا بذلك، وحدثه السائب بحديث تلك الحرب، ومقتل النعمان بن مقرن وغيره ممن قتل من المسلمين، ممن يعرفهم وممن لا يعرفهمن فقال عمر: يا بن مليكة فإن لم أكن عارفا بهم فأن الله عارف بهم، ثم حدثه أن حذيفة أعطى كل ذي حق حقه، ففرح عمر ﵀ وجماعة من كان معه من المسلمين بما فتح الله لهمن واستبشروا بذلك فهذه وقعة نهاوند. ن اليمانن فسار الناس نحو تلك القرية التي تحصن بها القومن حتى انتهى اليها، فأحاط بها في فرسان العرب وأبطالها محاصرا لهم فيها، وكانت العجم تقاتلهم من فوق ذلك القصر بالحجارة والنشاب، ثم خرجوا ذات يوم وقد استعدوا للحرب، وخرج معهم من انضم اليهم من مرازبة الملك وعظماء اساورته، فناوشوا العرب ساعة واحدة وحملت عليهم العرب فأنهزموا نحو ذلك الحصن فدخلوهن وانقطع منهم نفر وقتل منهم قتل، وتحصن الباقي منهم، فلم يزالوا كذلك حتى طال عليهم الامر فعند ذلك نزلوا إلى الامان، وطلب الصلح جميع من كان في ذلك الحصن من اهل البلد. ومن انضم اليهم من مراوبة الملك. واشراف اساورتهن فاجابهم حذيفة إلى ذلك، وصالحوه على البلاد على نحو ما كانت ملوك العجم يأخذون منها الخراج. فكتب حذيفة لهم كتابا، واعطاهم الامانن وامروا بفتح الباب ففتحوه وخرجوا وامنوا ودخل بعضهم في امان بعض، وانصرف حذيفة بالجموع عنهم، وأقبل حتى انتهى مدينة نهاوند فنزلها، ثم قسم السائب بن الاقرع ما افاء الله من جميع تلك الغنائم فيمن حضر تلك الوقعة من العربن لكل ذي حق حقه. فكتب له حذيفة كتابا بالفتح، وما افاء الله على المسلمين، فركب السائب ناقته نحو مدينة رسول الله ﷺ ، يحل ويرتحل حتى انتهى اليهان ودخل على عمر ومعه كتاب حذيفة بالفتح، فأمر بالكتاب فقرئ على الناس، فتباشروا بذلك، وحدثه السائب بحديث تلك الحرب، ومقتل النعمان بن مقرن وغيره ممن قتل من المسلمين، ممن يعرفهم وممن لا يعرفهمن فقال عمر: يا بن مليكة فإن لم أكن عارفا بهم فأن الله عارف بهم، ثم حدثه أن حذيفة أعطى كل ذي حق حقه، ففرح عمر ﵀ وجماعة من كان معه من المسلمين بما فتح الله لهمن واستبشروا بذلك فهذه وقعة نهاوند. وقال في ذلك عروة بن زيد الخيل بن المهلمل الطائي - وكان أحد المتقدمين في قبائل طئ - في تلك الواقعة، وجميع حروبهم تلك شعرا: ألا طرقت سلمى وقد نام صحبتي ... بإيوان سيرين المزخرف حلت ولو شهدت يومي جلولا وحربنا ... ويوم نهاوند الحروب استهلت إذا لرات ضرب امرئ غير ناكل ... ضروب بنصل السيف أروع مصلت حملت عليهم رجلتي وفوارسي ... وجردت سيفي فيهم وأبلت فكم من كمي أشوس متمرد ... أخي شرس خيلي عليه اظلت وحرب عوان قد شهدت وفتية ... وطاعنتهم حتى ثوت فأخزالت

стр. 132

وكم كربة فرجتها وكريهة ... شددت لها ازري إلى أن تجلت وقد أضحت الدنيا لدي ذميمة ... وسليت عنها النفس حتى تسليت فهذه وقعة نهاوند. فتح تشتر

стр. 133

كان من حديث تشتر أن ابا موسى الاشعري لما بنى البصرة، ولم يكن ألا الخريبة، فإنها كانت قرية تسكنها العجم ليمنعوا العرب من الغرات بتلك الناحيةن وكان موضع البصرة فيه حجارة سود فسميت من أجل ذلك البصرةن وكان المسلمون ايام عمر بن الخطاب ﵀ إذا خرجوا لحرب العجم جعلوا مضاربهم ونصبوا الفساطيط والقباب في ذلك الموضع - وهو موضع البصرة - وكانوا على ذلك إلى ان ولى عمر بن الخطاب ابا موسى عبد الله بن قيس الاشعري امر الناس وتلك البلادن وكان ذلك قبل وقعة القادسية، فامر عمر عند ذلك ابا موسى الاشعري ان يضرب بموضع البصرة خططا لمن هنالك من العرب، ويجعل كل قبيلة في محلة، ويأمرهم أن يبنوا لأنفسهم المنازل وبنى فيها مسجدا جامعا متوسطا. وأن ابا موسى الاشعري لما بنى البصرة اسكن فيه ذراري من كان معه من العربن وخلف بها ستة آلاف رجل يحفظونها، وسار في جميع كرر الاهواز، فأفتتحها كورة بعد كورة الا مدينة تشترن فإن الهرمزان عامل يزدجرد الملك كانقد اقام بها واحصنها، فأجتمع اليه جميع من كان في تلك الارض من الاساورة والمرازبةن فلما ان كان من اوان حرب القادسية وجلولاء، وكان من امرهما ما كان، سار ابو موسى الاشعري إلى تشترن واستعد في جميع تلك الارض من المرازبة والاساورة والهرمزان في جموعه، وخرج اليه لمحاربتهن فالتقى الفريقان فأقتتلوا قتالاشديدا، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتل البراد بن مالك الانصاري اخو انس بن مالك ولم يزالوا يقتتلون ذلك اليوم حتى نفذت السهامن وتكسرت الرماح وتقطعت السيوف، وتخضبت الخيل بالدماء، إلى وقت المساء، لم يكن صلاة المسلمين الا بالتكبير في وقت الصلوات، فأنزل الله ﵎ نصرة على المسلمين، فحمل عليهم ابو موسى في جميع المسلمين وألقى الله الرعب في قلوب العجم فانهزموا حتى دخلوا مدينة تشتر واغلقوا ابوابها. وحاصرهم ابو موسى الاشعري اشهرا كثيرة في حديث وحروب كثيرة - يطول ذكر ذلك - إلى ان سأل الهرمزان من ابي موسى الامانن فأجابه ابوموسى إلى ان يؤمنه ومن معه في الحصن وجنوده، على حكم عمر، فخرج اليه الهرمزان، ووجه به ابو موسى إلى عمر في خمسين رجلا من المسلمين، وعلهم انس بن مالك، وحبس ابو موسى اصحاب الهرمزان في ذلك الحصن، وحمل اليهم فيه الطعام والشراب، اينظر ما يكون من امر عمر بن الخطاب ﵀ في الهرمزان، حتى وافوا به مدينة الرسول ﵇، فأتوا منزل عمر بن الخطاب فصادفوه وقد خرج إلى حائط له وحده خارج المدينةن فمضوا منطلقين نحوه - والهرمزان معهم - حتى دخلوا ذلك الحائط فصادفوه نائما في إزاره - قد جمع ثوبه ووضعه تحت رأسه - فقال لهم الهرمزان: من هذا؟ قالوا امير المؤمنين. قال هذا ملك العرب، وكل من بالعراق عماله؟ قالوا: نعم: قاله فماله حرس ولا شرط؟ قالوا: لا هو حارس نفسه وشرطها. قال والله هذا هو الملك الهني، عدلت فنمت واستيقظ عمر بحسهم. فنظر إلى الهرمزان مع القوم وقد وضعوا تاجه على رأسه وشدوا عليه منطقه وسيفهن وهما مفصلان بالياقوت واصناف الجوهرن والبسوه قبءه - وكان منسوجا بالذهب - فلما نظر عمر اليه بتلك الحال صرف بصره عنه، واقبل نحو منزله والقوم يمشون خلفه والهرمزان معهم. فقال عمر: والله لا التفت اليه حتى يلقي هذه البزة عنه. فخلعوها عنه، وادنوه من عمر، فقال له عمر: تكلم: قال الهرمزان: كلام حتى اتكلم ام كلام ميت؟ فقال: بل كلام حي، قال: فأمرلي بشربةماء، فأنه قد بلغ بي العطش. فقال عمر: اسقوهزفأتوه بماء في قعب قد كان فيه اللبن قبل ذلك. فلما وضعه في فيه وجد زهومة اللبن. فقال: لا اقدر اشرب بهذا القعب. فأمر ان يؤتى بماء في قدح زجاج. فأمر له بماء في قدح زجاج، فشرب. فقال له عمر: ما كنا لنجمع عليك العطش والقتل. فقال الهرمزان: فكيف تقتلني وقد امتني؟ فقال عمر: متى امنتك؟ فقال: اني سئلتك اكلام حي ام كلام ميت؟ فقلت بل كلام حي، فهذا امان فقال من حضر: صدق يا امير المؤمنين هذا امان، فقال عمر: ما احب ان ادع قاتل البراء بن مالك حيا فأصدقني عن نفسك، ودلني على اموالك، فقال: عن أي الاموال تسأل، اما ما كان في يدي من اموال الملك يزدجرد فقد احتوى عليها عاملك ابو موسى الاشعري. وأما فاموالي خاصة فأني اوصلها اليك كلها فقال له عمر ويحك هل لك في الإسلام حاجة؟ قال: نعم، فادع بأقرب

стр. 134

الخلقلق إلى نبيكم محمد ﷺ فدعا العباس بن عبد المطلب فقال له عمر: هذا عم نبينا محمد ﷺ فأسأل على يديه، وفرض له عمر الفي ردهم في كل عطاء، وكتب إلى ابي موسى بأطلاق اصحابه الذين كانوا معه في الحصن. إلى نبيكم محمد ﷺ فدعا العباس بن عبد المطلب فقال له عمر: هذا عم نبينا محمد ﷺ فأسأل على يديه، وفرض له عمر الفي ردهم في كل عطاء، وكتب إلى ابي موسى بأطلاق اصحابه الذين كانوا معه في الحصن. مقتل الملك يزدجرد قال: وبلغ يزدجرد الملك - وهو مقيم - هزيمة اصحابه بنهاوند واخر الهرمزان فهرب على وجهه نحو فارسن وكان عثمان بن الحكم بن ابي العاص الثقفي عامل عمر علىاليمامة والبحرين وعمان، فكتب اليه عمر يأمره أن يتوجهبمن معه من العرب نحو ارض فارس يطلب يزدجرد الملك. فسار عثمان بن ابي العاص حتى إذا وافى مدينة فارس بالجنود هرب يزدجرد نحو خراسانن حتى اتى مدينة مرو واخذ عامله على خراسان واسمه ما هويه قد صاهر خاقان ملك التركفوجه له ملك الترك طرخانا من طراخنته في ثلاثين الفا فارس، فأقبل نحو ماهويه وجازمنها النهر الاعظم، وسار على المفازة حتى خرجالى ارض مرو ووافى مدينة مرو وجنوده نصفا من الليل، وفتح لهم ماهويه ابواب المدينة، ةامر يزدجرد فدلي بحبل من سور المدينة حتى نزل خارجا من سور المدينة، ومضى هاربا حتى انتهوا إلى نهر يسمى الزرق، وتعب واعيا اعياء شديدا فأنتهى إلى رحى فخرج اليه الطحان فأدخله الرحا وبسط له كساء فنام لما به من التعب، فلما استقل نومه قام الطحان بمنقار الرحا فضربه وقتلهن واخذ ما كان عليه من بزته، والقاه في نهر الرحاة فلما اصبح من كان مع يزدجرد من مرازبة وعظماء اساورته تداعوا، فأجتمع اليهم جميع اهل مدينة مرو، فحاربوا الترك حتى اخرجوهم من المدينة وطردوهم، وطلبوا يزدجرد فاصابوه قتيلا في ذلك النهرن واصابوا بزته مع الطحان فقتلوا الطحان واخذوا بزة الملكن وهرب ماهويه على وجهه نحو فارس حتى اتى عثمان بن ابي العاص الثقفي، فأستأمن اليه، ويقال: بل قتل بمرو، فيومئذ انقضى سلطان العجم. قد ذكرنا نسب عمرو بن معدي بن كرب الزبيدي، ولمعا من اخباره في الجاهلية والاسلام، عند ذكر هذه الوقائع وما فيها من اخباره. واخبار غيره من فرسان العرب، إذ كان ذلك يقتضي بعضه بعضا، وقد اكثرت الاطالة في ذلك على وجه الاختصاص من الكتب، لما في ذلك من فائدة المعرفة، ونرجع الان إلى ذكر إتمام انساب قبائل زيد ومذحج. رجع إلى ذكر زبيد: بنو شرمح بن الفحيل بن جزء بن قيس بن ربيعة بن زبيد كان فارسا يغير مع عمرو بن معدي بن كرب. ومنهم يزيد بن شريح بن شرلحبيل. كان شاعراز ومنهم زهير بن خنساء بن كعب من فرسان جعفى جاهلي. وأبو جُمَيْر بن خَنْساء الذي قَتَلَ الهُرادِيّ. ومنهم عافية بن شداد بن ثُمامة قتل مع علي بن ابي طالب ﵁. ومنهم عَافِيةُ بن يزيد أبي قيس المعروف بالعوفي القاضي، الذي يقول فيه أبو نواس: لو أمكن العوفي في خلوة ... عامله الشيخ على عِفَّتِه وولي القضاء للمهدي. ومنهم الأسْوَد بن يزيد الفقيه على أصحاب عليّ. " أوْد " فأما أُوْد بن صعب بن سعد العشيرة فمنهم الأَفْوَه الأوْدِيّ الشاعر، واسمه صلاءة بن عمرو بن مالك بن الحارث بن عمرو بن مالك الأوْدِي، كان على عهد المسيح ﵇، وهو أوّل من حمل عنه الشعر، وهو القائل: أيها الساعي على آثارنا ... نحن ممن لست من يسعى معه نحن أوْد حين يصطفك القنا ... والعوالي بالعوالي مُشْرَعَه

стр. 135

ومنهم مَحْمِية بن جزء، وكان على المقاسم يومَ بدر، وكان حليفا لبني جُمَح، ومَحِمية: مَفعِلة من قولهم حَمَيْت المكان أحمية حماية إذا جعلته حميً وأحميته إذا أصبته حمي، وحوامي الفَرَس: من عند يمين حافرة وشماله الواحدة حامية والجمع حوامي. وأحميتُ الحديدة في النار إحماءً. وحَوَامي الجبل: أطرافه التي تحمي مَنْ صار إليها. والحِميَّة من الغضب معروفة، وفي القرآن) حَمِيَّة الجَاهليَّة (وقد سَمَّت العرب والخَمرَ حُمَيَّاً فإما أن يكون من هذا، وإما يكون تصغير أحَمّ. والأحمُّ: الأسْوَد يَضِرب إلى الحُمْرة. وفرسٌ أحُّم كذلك، وحُمَيَّا الخمر سَوْرتُها. ومن شعرائهم عاصمُ بن الأصْقَع، والاصقع طائر أبيض الرأس شبيه العصفور والأنثى صقعاء وكذلك عُقَابٌ صَقْعاء إذا كانت كذلك. ومنهم عمرو بن مَيْمُون الأوْدِي صاحب ابن مسعود. ومنهم أبو ادريس الأوْدي، واسمه إبراهيم بن أبي حديدة صاحب إسماعيل بن أبي خالد المحدث. ومنهم إسماعيل بن عبد الرحمن الأوْدي المحدث. ومنهم إدريس المحدث، كان معلم محمد بن إبراهيم الهاشمي. ومنهم أبو مسكين، واسمه جرير فقية. ومنهم داود الأوْدي الذي يروي عنه الحسن بن صالح وأبو عوانه. ومنهم داود بن زيد بن عبد الرحمن الأودي المحدث. " جَنْبُ " وأما جَنْبُ بن سعد، ويقال جَنْب بن عمرو بن علة بن خالد بن مذحج، فمن جنب معاوية الخير صاحب أبو مذحج، معاوية بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن مُنبه بن جَنْب بن سعد. ومعاوية هو الذي أجار مهلهل ابن ربيعة حين انتفت منه تَغْلب، وحركوا الحربَ معه، وتزوج ابنته فقال في ذلك، مُهَلْهل وقد انصرف عنهم: عزّ على تغلب ما لَقِيَت ... أختُ بني المالكين من جُشَم أنكحها فَقْدُها الأراقم في ... جَنْبٍ وكان الحِ [َاءْ مِن أدَم لو بأبانين جَاء يخطبها ... ضُرج ما أنف خاطبٍ بِدَم ومنهم أبو ظَبْيان الجَنْبيّ الفقيه واسمه الحُصين بن جُنْد كان فقيها محدثا. ومنهم إبراهيم بن الأعمش. ومن قبائل جنب بنو مُنبه بن حارث بن يزيد، والحارث، وعُلَيّ، وسِنْحَان وشِمْران، وهِفَّان، هؤلاء كلهم بنو جَنْب، وسمي جَنْباً لأنه جانب قومه فسمي بذلك. " جَمَل " وأما جَمَل بن سعد فمنهم نهيد بن عمرو الجملي، وابنه هند بن عمرو الجَمَلي، وكان هند بن عمرو مع علي بن أبي طالب يوم الجمل، وقتل معه بصفين، وكان الذي ولي قتله عمرو بن يثربي الضبي وفي ذلك يقول: قتلتُ عِلْباءَ وهِنْدَا الجَمَلي ... زابناً لصُوحان عَلى دين عَلي فأسره عّمارُ بن ياسر، فأُتي به علياً، فأمر بقتله، ولم يقتل اسيرا غيره، فقيل له في ذلك. فقال: رغم أنَّه قتلهم على دين علي، ودين محمد ﷺ . " مازن " وأما مازن بن سعد فمنهم المُخَزَّم بن سَلَمة الذي قتل عبد الله ابن معدي كرب، أخا عمرو بن معدي كرب براعي إبله، وكان ذلك سبب خروج بني مازن بن سعد من مَذْحِج وادّعائهم إلى بني تميم إلى اليوم، وكانت بنو مازن بن سعد قبل ذلك مع جُعْفِيّ بن سعد حتى قتل المخزم بن سلمة عبد الله بن مَعْدِي كَرِب، فخافت بنو مازن بن سعد من عَمْرو وأن يصطلهم، فارتحلوا إلى تميم، وانتسبوا إلى مالك بن عمرو بن تميم، وفيهم يقول الأشقر بن أبي حمران شعرا: أريدُ دِمَاء بني مازن ... وراعَ المُعَلَّى بياضُ اللبن خليلان مُخْتَلِفٌ شأننا ... نريد العَلا ويُريدُ السَّمَن ومن مازن بن سعد أبو عمرو بن المعلى، وهم اليوم في بني مالك بن عمرو بن تميم، فيقال مازن بن عمرو مالك بن تميم. ومن سعد العشيرة عَدْلُ بن جَزْء بن سعد، وكان العَدْل على شرطة تبع، وكان إذا أراد تَبَّعٌ قتلَ رجل دفَعه إليه ليقتله، فضرب به المثل في كل ما يُخْشَى عليه " وضُعِ على يَدَي عَدْل "

стр. 136

خالد بن مذحج: وأما خالد بن مذحج فولد علة وعلة اسم ناقص مثل قلة وكرة وهي الخشبة التي تسمى القاقبين، واشتقاق قلة من قلا يقلو. من العدو والشديد، وكرة من كرا يكرو، فكان علة من علا يعلو. فولد علة بن خالدعمرو بن علة. وحارث بن علة. فولد حارث بن علة رها بن حارث، وولد عمرو علة كعب بن عمرو، وجسر بن عمرو بن علة، وعامر بن عمرو. فأما كعب بن عمرو بن علة فهو أبو الحارث بن كعب. وأما جسر بن عمرو بن علة فهو أبو النخع بن جسر، واسم النخع بن عمرو بن جسر بن عمرو بن علة بن خالد بن مذحج. وسمي النخع لأنه انتخع قومه: أي بعد عنهم. وأما عامر بن عمرو بن علة فمن ولده معاوية بن الحصين بن أنس بن ربيعة أسد بن مسلية بن عامر بن عمرو بن خالد بن مذحج. الحارث بن كعب: وأما الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن خالد بن مذحج، وهو جمرة من جمرات العرب، وبيت بني الحارث بن كعب في بني عبد المدان، وهو احد بيوتات العرب الثلاثة، وبيوت العرب الثلاثة هم وبيت زرارة ابن عدس في بني تميم، وبليت حذيفة بن بدر في بني فزارة، وبيت بني عبد المدان في بني الحارث بن كيب. وقال ابو بكر محمد بن الحسن القسملي: بيوت العرب ثلاثة. فمن بني الحارث بن كعب بنو عبد المدان ولسمه عمرو بن الديان، وهو بيت بني الحارث بن كعب، وقد تقدم ذكرنا له، وهو عبد المدان بن الديان واسمه يزيد بن قطن بن زياد بن عبد الله بن الحارث بن مالك بن عبد الله بن ربيعة ابن كعب بن الحارث بن كعب. قال ابن دريد: ولابن الكلبي في المدان خبر ليس هذا موضعه، واحسب ان المدان صنم، واشتقاقه من دان يدين والدين: الجزاءن والدين: الطاعة: ةالدين: الراب والعادة. قال الشاعر: تقول إذا درات لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني وقال في الطاعة: زعموا في التنزيل " ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك " أي في طاعة الملك، والدين: الملة. واشتقاق المدينة كأنها مَفْعَلَة من هذا، وكان الأصل مَدْيَنة، مِفْعَلة فَنْقَلُوا كسرة الياء على الدال، وأسكنوا الياء والدين الحساب، وهو راجع إلى الجزاء. وكان عبد المَدَان بن الدَّيَّان من الأجواد المُطْعِمِين الممدوحين. وله يقول الزُّبِيْر بن عبد المطلب بن هاشم ولرهطه يَمْدَحُهم: - قَوْمٌ إذا نَزَل الغريبُ بَدَارِهِم ... رَدُّوهْ رَّبَّ صَوَاهلٍ وَقَيانِ وإذا غَزَوْا بالجيش يومَ كَرِيهةٍ ... سَدُّوا شُعَا'َ الشَّمسِ بالحرمان لاَ يَنْكُثُونَ الأرضَ عِنْدَ سُؤَالهم ... كَيْ يَطْلُبَ العِّلاَتِ بالعَيدانِ بَل يَبْسُطُون وُجُوهَهُم فَتَرى لَها ... عِنْدَ السَّؤَالِ كَأحْسَنِ الألْوَان ورَأيْتَ مِن عَبْدِ المَدَانِ مَكَارِماً ... فَضَلَ الأنَامِ بِهِنَّ عبدُ مَدَانِ ألئن نبيت بالسهاد طعامهم ... للظاعنين بها وللقطان هّذا لعُمْرو أبي مَا مِثْلُه ... لاَمَا يُعِدّلَنا بَنُو جَدْعَانِ وللأعشى وغيره من الشعراء في بني المَدان مدائح وأشعار، كانوا أجوادا وسادة وفرسانا وشجعانا. ومنهم يزيد بن عبد المَدَان؛ كان شريفا شاعرا، والحارث بن عبد المدان الذي قَتلهُ جَرْمٌ. وعبد الحجر بن عبد المَدَان، وزياد بن عبد الله بن عبد المَدَان. ومن بني الحارث بن كعب بنو قَنَان من قولهم قَنَّ في الجبل وأقُنّ: إذا صار في قُنَّته، أي أعلاه. والقُنان بضَمّ القاف: رُدْن القميص - لغة يمانية - ويقال له: كم أيضا والقِنُّ: العبدين العبد بن والجمع أقْنان. وقال بعضُ أهل اللَّغة: عبدٌ قِنّ والجمع قِنَّ، الواحد والجمع فيه سواء. فمن بني القَنان الحُصَين ذو الغُصَّة بن زياد بن شداد بن قنان بن سلم بن وَهْب بن عبد الله بن ربيعة بن كعب، رأس بني الحارس، عاش مائة سنة، ولولده شرف عظيم، وإنما سمي ذا الغَصّضة لأنه إذا أراد كلاما يغتص بريقة، فيصعب عليه الكلام، وأصل الغَصصَ بالرِّيق ونَحوه. فإذا كان بالرِّيق فهو غَصص، وإذا كان بالماء فهو الشَرَقُ، وإذا كان من مرض أو ضَعْف فهو الجَرض، وإذا كان من كَرْب أو بكاء فهو جاز من جيز يجأز ومن الأجواد بني عبد المدان شدَّادُ بن الأوبر، من فرسانهم، وهو الذي عني المجاشي في قوله:

стр. 137

تالّلهِ لو نحنُ أجَرنا القَشْعما ... مايلَّ شدّاد دارِسَيْه دما ومنهم هند بن أسماء، الذي قتل المنتشر بن دهب الباهلي، وله يقول أعشى باهلة: قتلت في حَرَمِ منا أخاثفةٍ ... هندَ بنَ أسما فلا يهنالك الظَّفرُ واشتقاق الأوبَر من البعير إذا كان كثير الوَبر، والوبر: دويبة معروفة، والجمع وَبارِ، وبنات أوبَر: ضرب من الكمأة صغار سود، ونَسَخِة الأوبر. قال الشاعر: ولقد جَنْبتك أكْمُوءاً وعَسَاقلاً ... ولقد نَهَيتك عن بنات الأوبر وَوَبَّرتْ الأرنبْ توبيراً إذا مشَت على وَبَر قَوايمها ليلا يُقْتَّص أثَرُها. ومن أشراف بني عبد المَدَان الربيعُ بن عبيد الله بن عبد المدان قتله بسر بن أرطاه لما بعثه معاوية إلى اليمن. ومنهم زياد بن النضر، شهد مع علي بن أبي طالب المشاهد كلها، وكان على المقدمة يوم صفين. وأصغَرُ ابن الحارث كان صاحب القادسية، وعلى بني الحارث. وجَعفر بن عُلْبة، كان شاعرا فارسا، يُغير على بني عُقيل، وقُتِلَ صبراً بالمدينة، ومن جيد شعره: ولا يكشف الغَمَّاء إلاّ ابن حُرَّة ... يَرَى غَمراتِ المَوْتِ ثم يَزُورُها تقاسمهم أسيا فُناشرّ قسمة ... فَفَينا غَواشِيها وفيهم صُدُورها ومن أشراف بني عبد المَدَان الرَّبيع بن زياد بن النَّضر بن بشر بن مالك بن الديان بن عبد المدين ولي خراسان وفتح بعضها وكان عمر ﵁ يقول: دُلَّوني على رجلٍ إذا كان وهو أمير فكأنه ليس بأمير وإذا كان ليس بأمير فكأنه أمير بعينة من تواضعه وخيره، وكان خيَّرا وكانت له منزلةٌ عند عمر بن الخطاب ﵁. ومنهم المهاجر بن زياد، وكان شريفا، وكان شاعرا، وقتل مع أبي موسى الأشعري بتشتر. ومنهم المخرَّم بن جزن ابن زياد، وقد كان رَأسَ، وكان شريفاً، وكان شاعرا. ومُخَرَّم مفعَّل من الخَرم وهو خَرْمك الشَّيء، والمَخَرِم: النَّقْب في الجَبَل، والطريق في الجبل، وجمع الكل مخارم، والخورمة بالصخرة يكون فيها نقب والأخرم: مَخرم الكَتِف وهو موضعُ انقطاع عيْره، العيرة العظم الناتيء في جسده. ومنهم الهِجرِس بن الحُرّ، كان شريفا جوادا. والهِجِرس: ولد الثعلب. ومنهم الحارث بن زيدا بن الربيع ولم يكن في الأرض عربي أبَصَر منه بنجم في أيامه. ومنهم يزيد بن أبانَ نابغة بني الحارث. ومن فرسانهم المأمور، واسمه الحارث بن معاوية الكاهن، وكانت مَذْحج في أمره تتقدم وتتأخر، وكان نصرانيا، وكان - كثيرا - يقول: نهارٌ يَحُولُ، وليلٌ يزُول، وشمس تَجْرِي، وقَمْرُ يَسْري ونجوم تَغُورُ، وفَلَكٌ يَدُور، وسحاب مُكْفَهِرُّ، وبحر مستطر، وجبال غُبءر، وأشجار خُضْرٌ، وخلق يمور بعضه في بعض، بين أسماء وأرض، وولد يتلف، وآخر يخلف، ما خلق الله هذا باطلا، وإنّ بعد ما ترون ثوابا وعقابا، وحشراً ونشرا، وقوفا بين يدي الجبار. فقالوا له: الجبار!! فقال: الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ومنهم سَلَمةُ بن صَلاَة بن كعب، وسَلَمَة هذا المعروف بذي المَرْوة، وإنما سميَ ذا المَروة لأنه رَمَى رجلاً بهرْوةٍ فقتله. والهروة الحجارة التي تكون في سفوح الجبل، والجمع المَرْو، وأحسب أن اشتقاق مَرْوان منه. ومن فرسانهم مُزاحم بن كعب بن حَزْن، وهو الذي يقول له عامر بن الطُّفَيل: ولَقَدْ رأيتُ مُزَاحماً فكرِهتُه ... ولقد حفظتُ وَصَاة أمَّ الأسود ومنهم مسهر بن الجلاج، وكان فارسا. ومسهر هذا الذي طعن عامر بن الطفيل العامري - يوم فيف الريح - ففقأ عين عامر، وفيه يقول عامر: لعمري وما عَمِري عليَّ بِهَيَّن ... لقد شان حُرّ الوجه طعنةُ مُسهر ومنهم عبد يغوث بن الحارث بن وَقَّاص، قتل يوم الكلاب وكان على مذحج يومئذ. ومنهم زهير، وقَطَن، وجَفْنة، وعمروٌ، وزيد، وجمانة، بنور ربيعة بن مالك بن ربيعة، وهم فَوَارسُ الأغراض، وكانوا رُماةً لا يخطئون. ومنهم أبَيّ بن معاوية ابن صًبْح، كان فارسا وأخوه شاعرا، وإياه عَنَى عمرو بن معدي كرب بقوله: وابنُ صُبحٍ سَادِراً يُوعِدني ... ماله إن عشتُ في الناس مُجيرُ

стр. 138

ومنهم عاهانُ بن الشَّيطان، كان شريفا، واشتقاق عِاهَان من العاهة. من قولهم رجل مَعُوةٌ: إذا كانت به ععاهة، ورجل مُعِيةٌ: إذا وقعت في إبله عاهة وَعوّضة بالمكان: إذا أقام به. قال الراجز شأزش بمن عَوَّة جَذْب المُنَطَلق. والمعوَّه: الموضع الذي يقيم به. ومنهم الحارث بن كعب بن الدَّيان بن قَطَن بن زياد. ومنهم القَعْنبي الفقيه، واسمه عبد الله بن سلم بن قَعْنب. ومن مواليهم سيبويه، واسمه عمرو بن عثمان بن قُنْبُر النحوي مولى لهم. ومنهم عامر بن إسماعيل الحارثي: قاتل مَرْوَان بن محمد الجَعْدِي، وكان من الفُتَّاك. ومنهم رَبْطة أم أبي العباس السَّفاح بنت عبد الله بن عبد المَدَان بن قَطَن بن زياد بن عبد الله بن الحارث بن مالك بن عبد الله ابن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كَعْب. ومنهم المجلجل الشاعر، واسمه يزيد بن جون بن مُرْنة بن معاوية بن الحارث بن مالك بن عبد الله ابن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب. ومن قبائل الحارث بنو الدار، واسمه يزيد، وبنو الحِمَاس، وبنو النجاش، واسمه عامر بن ربيعة، وبنو مُسْلِية بطن، ومُسْلِية مُفْعِلة من أسْلَيته كذا وكذا وهو السُّلُوُّ والسُّلْوَان. ويقال: سَقَيِتني عنك سلوةً، أي عِملت بي عملة فسلوتُ عنك. فأمَّا سَلاْنْ السَّمن فهو مهموز من أسْلأة سَلأَ، وهو السَّلاء ممدود والسُّلَيُّ: موضع معروف. والسُّلْواَنَة: خرزة من خرز الأعراب يعلقونها على العاشق ليسلو - بِزَعْمهم. ومن بني النجاش النَّجاشُّي الشاعر، واسمه قَيس بَن عمرو بن مالك بن معاوية بن جُرَيْج بن النجاش، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب. وهَجَا النجاشي بني العَجْلاَن فاسْتَعَدوا عليه عمر بن الخطاب ﵀ فقال لهم عمر: ما قال فيكم؟ قالوا: قد قال: إذا الله عادى أهل لُؤْمٍ ورقةٍ ... فعادى بني العجلان رَهْطَ بن مُقْبِلِ فقال عمر:إنما دّعّا، إن كان مظلوما اسْتَجَبْتُ، وإن كان ظالما لم أستجب له. قالوا له: وقد قال: قبيلته لا يغدرون بِِّمَّةٍ ... ولا يَظْلِمُون الناسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ فقال عمر: ليت آل الخطاب هكذا. قالوا له: وقد قال: ولا يَرِدُون الماءَ إلاَّ عَشِيَّةً ... إذا صَدَر الوُرَّادُ عن كُلَّ مَنْهَل قال عمر: هو أهدأ لسقيهم. قالوا له: وقد قال: وما سُمِّيَ العَجْلانَ إلاّ لِقيلِهِمْ ... خُذِ القَعْبَ واجلب أيها العبدُوا عْجَل قال عمر: خَيْر القومِ خَادِمُهم. قالوا له: وقد قال: تَعَافُ الكلاب الذاريات ببابهم ... ويأكُلْن مِن كعب وعَوْفٍ ونهشل فقال عمر: خير القوم موتاهم ولم يضيعوهم. وكفى ضياعا من أكل لحمة الكلاب. ثم بعث إلى النجاشي فقال له: إن عُدْتَ قَطَعْتُ لسانك. وأُتِيَ به لعلي بن أبي طالب في شهر رمضان سكراناً فَجَلَدهُ مائة جلدة، فقال له: يا أمير المؤمنين. هذا الحَدُّ فما هذه العلاوة؟ فقال: لأن ولائدنا وصبياننا صيامُ وأنت مُفْطِر - فهرب إلى معاوية. والنَّجاشيُّ اسم ملك الحبشة، فإن جعلته عربيا فهُو مِنَ النَّجْش، والنَّجْشُ كشفُك الشيء وبَحثُك عنه، ورجل مِنْجَش ونَجَّاشٌ: إذا كان يكشف عن أمور الناس. ومَنْجَش: عبد كان لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وكان كسرى وَلَّي قيساً الأبلة، وجعلها طُعْمةً له فاتخذ مَنْجَشُ المنجشانية وكان يقال روضة الخيل. ومنهم شَرِيك بن الأعور، وشُرَيح بن الأعور، واسم الأعور هانئ بن نهيك بن دُرِيْد بن سَلَمَة، وهو الضباب بن ربيعة أخو النجاشي بن ربيعة بن الحارث بن كعب، وشَريك بن الأعور هذا كان من رجالهم، وهو الذي دخل على معاوية بن أبي سفيان، وكان شريك رجلا قصيرا، وأراد معاوية أن يضع مِنْ قَدْره فقال له معاوية - وقد دخل عليه ذات يوم - إنك لشريك، ومالِله من شريك، وإنك لابن الأعور، والبصير خيرٌ من الأعور، وإنك لقصير، والطويل خير من القصير. فقال له شَرَيك: مَهْلاً يا معاوية، مَهْلاً يا معاوية، إنك لابن حَرْب والسلم خيرٌ من الحرب، وإنك لابن صَخْر. والسهل خيرٌ من الصَّخْر، وإنك لمعاوية وما معاوية إلا كلبة عَوَت فاسْتَعْوَت. ثم استشاط غيظا، وسلَّ من سيفه شِبْراً، وأنشأ يقول:

стр. 139

أيشتُمني معاوية بن حرب ... وسيفْي صارمٌ ومعي لساني وحَوْلي من ذَوي يَمِنٍ رجالٌ ... غطارفة تَهَشُّ إلى الطعان فإن يَكُ مِن أُمَيَّة في ذُراها فإني في ذرى عبد المَدَان وإن يكنُ الخليفةُ من قُرَيش ... فإنا لا نقر عَلَى الهوان ثم خرج مُغْضَباً، فخرج وراءه خلقٌ كثير من اليمانية كانوا حضروا، فغضبوا لغضَبِهِ. فعند ذلك قَامَ معاوية ماشياً خلفه، خَوْفاً من الفتنة، فترَّضاه واعتذر إليه من الذي كان منه، ولم يزل به حتى رَضَى وَرَجَع معه، وحَبَاهُ ووَلاَّه على بلد قومه. ومنهم بنو رعيد وبنو معقل. النّضخع: فأما النَّخعَ جَسْر بن عمرو بن عْلة بن مَذحج، فاسمه عمرو وإنما سمي النَّخع لأنه انتتخع عن قومه، أي بعدُ عنهم والنَّخاع: عَصَبَية تَنْتَظم فَقَار الإنسان وغيره. ونَخَعت الشَّاة إذا شققت نحرها بعد ذبحها ليخرج دمُ فؤادها. ومن النَّخَع أرطأةُ بن كَعْب بن شراحيل بن كَعْب بن سُلامان بن عامر بن حارثة بن سعد بن مالك بن النَّخع، وأرطاة هذا وافد النَّخع إلى النبي ﷺ ، وكان عقد له لواء على قومه، فكان مع أخيه يوم القادسية ومن ولده الحَجّاج بن أرطاة الفقيه، والأرطي: ضرب من النَّبت، والجمع أراطي، وأديمٌ مأروط: إذا دُبغَ بالأرطي. ومنهم عَرفجة بن وَهْم بن سنان بن عامر بن مالك، صاحب لواء النَّخع. ومنهم الأرقم بن جَهِيشْ بن بدر وهو من أشرافهم، وكان قدم مع أرطاة إلى النبيَّ ﷺ . ومنهم الأشتْر النَّخعي، واسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مَسلم بن ربيعة بن جذيمة بن سعد بن جذيمة بن سعد بن مالك بن النَّخَع وجَهَيْش فُعَيل قولهم أجهش الرجل إذا همّ بالبكاء قال الشاعر: جاءت تشكَّي إليَّ النَّفسُ مُجْهِشةً ... وقد حَملتُك سبعاً بعد وكان مع علي بن أبي طالب في سائر حروبه كلها، وفي يده رايته، وهو الذي رَفَع معاوية بن أبي سفيان المصاحف كانت معه رايةُ علي بن أبي طالب وهو يقول: نقَّيت وَفْري وانحرفتُ عن العُلَي ... ولَقيِت أصيْافي بَوجْهِ إنْ لَمْ أشنّ على ابن هند غارةً ... لم تَخْلُ يوما مِن نِهَاب خيلا كأمثال السعالي شربا ... تعدو ببيض في الكريهة حَمِيَ الحديدُ عليهمُ فكأنه ... وَمَضَانُ بْرقٍ أو شُعاع وهو الذي تَولى كشف صفين والأشعث بن قيس الكندي، وجرير بن عبد البجلي ووجوهٌ كثير من اليمانية وفرسانها، وصفين كانت بين علي بن أبي طالب ومعاوية بعد عمر. ولما خرج مالك الأشْتر النَّخعي من عند علي بن أبي طالب سلَّم إليه العَهْد على مصر، بلغ معاوية ذلك فأتبعه مولى لعثمان بن عفان ومعه من سُمٍّ، فلما لحقة الرجل تنكَرَ على الأشتْر وأوهمه أنه مولى لعُمَر بن الخطاب فقرّبه وسار به معه، س فلما انتهى الأشتر إلى عين الشمس نزل بامرأة من ففرحت به وأتته بالسمك، فأكل منه، ثم قالت: الذي يقتل هذا عندنا فقال لبعض من حضر معه: أحضر لي شربةً من عَسَل. فسبق إليه ذلك فخرج ذلك السمّ في شربة من عسل وناوله، فلما شربه واستقر في جوفه ويقال: إنه مات بالفَرَما من عمل مصر، فبلغ الخبرُ معاوية فَخَطب وقال: إن الله قد كفاكم الأشتر النخعي. فقام إليه عَمْرو بن العاص فقال: فيم وبمَ يا أمير المؤمنين؟ فقال: بشربةٍ من عسل. فقال عمرو: إن لله جنودا منها العَسَل.

стр. 140

وابنه إبراهيم بم مالك الذي أوقع بعُبَيْد الله بن زياد، وعمير بن سعد بن أبي وقَّاص وجماعة ممن حضر قَتْل الحسين بن علي بن أبي طالب، فَقَتَلَهم، وبعث برأس عُبَيْد بن زياد إلى أبي حَمْزة المُخْتار بن عَوف الأزدي، وبعث المختار برأسه إلى عَلِيَّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فَأدْخل عليه وهو يصلي فقال عليُّ بن الحسين: الحمد لله الذي ما أماتني حتى أراني رأس عُبَيْد الله بن زياد. وقام إبراهيم هذا مع أبي حَمْزة المختار بن عَوْف، وكان أحد ذوي النَّجْدَة والبَسَالة والإقدام والرأي. ومن النَّخع الهيثُم بن الأسود بن قيس بن معاوية بن سُفْيان بن هِلال بن عمرو بن جُشَم بن عوف بن النَّخع، الذي قال لعبد الملك - حين وجه الحجاج لقتال الزُّبَيّر بمكة: إنك وجَّهْت هذا الغلام الثقفي إلى الكعبة الحَرَام، فَتَقَدَّمَ إليه ان لا يَكْسِر أحجارها، ولا يُنَفِّر أطيارها، ولا يَهْتِك أستْارها. وابنه العُرْبان بن الهيثم، ولي شُرط الكوفة لخالد بن عبد الله، وكان خطيبا شاعرا. ومنهم المِسْوَر بن نَهيِك بن كَهِيل بن بَشَّار بن مالك بن عَوْف بن جحفل بن جشم بن عوف بن النخع. ومنهم بنو صهبان كهيل بن زياد بن نهيك بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك بن النخع، وكان من أصحاب علي بن أبي طالب، وقَتَلَهُ الحجاجُ بن يوسف - لعنه الله. ومنهم شريك بن عبد الله بن الحارث بن أوس بن الحارث بن الأذهل بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع، وفيه يقول المُعَلاَّ بن المنهال - وقد ولي قضاء الكوفة فدخله عجب وتيه - فقال فيه شعرا: فليت أبا شَريك كان حَيَّا ... فينتظر ابنه القاضي شريكا ويترك من يُرَزِّنُه علينا ... إذا قلنا له هَذا أبوكا ومنهم الأسود، وعلقمة، وإبراهيم الفقهاء، أولاد يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن سعد بن مالك. ومنهم حَفْص بن عتاب بن طلق بن معاوية، كان الرشيد وَلاَّه قضاء بغداد، ثم ولاه قضاء الكوفة فمات بها ستة أربع وتسعين ومائة. ومنهم أبو الأشهب المحدّث، واسمه جعفر بن الحارث. ومنهم أبو نعيم، واسمه عبد الرحمن ابن هانيء الفقيه. ومنهم سِنان بن أنس بن عمرو بن حيّ بن الحارث بن غالب بن مالك بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع، قالت الحسين بن علي. ومن قبائل النَّخع بنو صلاة، ورِزام. والصَّلَة معروفة وهي العطاء واسم صلاة معاوية بن الحارث بن موله، منهم الحارث بن ثعلبة بن ناشرة الأبيض الشاعر. ومنهم بنو رَدَاة من ولده كعب بن رداة الذي طال عمره فقال: لم يبق يا خَالِدُ مِنْ لِداتي ... أبو بنين لا ولا بناتِ ولا عقيمٌ غير ذي بناتٍ ... من مسقط الشِّحر إلى الفراتِ إلاَّ يُعَدُّ اليومَ في الأموات ... هل مشتر أبيعهُ حياتي وكان من المعمرين. والرَّدَة: الصخرة التي تَرمي بها حجراً لتكسره ورديته بالصَّخرة أرْديه رَيْاً ومنه قولهم مِرْدي حروب أي يُقذف به فيها. والرَّدى: الموت: معروف رديِ يَرَدى رداء فهو ردٍ كما ترى في وزن فَعِل، وردى البعيرُ والفرسُ رَدَيَانَا: ضرب من المشي وَردُؤ الرجلُ رَديء والمصدر مهموز، وفي نسخة الرداة مهموز. ومنهم حشرج بن زياد وحبش بن الحارث بن لقيط. وحرمله بن قيس، كلهم فقهاء. ومنهم يحيى بن حيّان. وكان من الأجواد. وفيه يقول بعض الأسديين: ألا جعل الله اليمانيين كُلّهم ... فِدى لفتى الفِتْيان يحيى بن حيان ولولا عُريق فيَّ مِن عَصَبَّيةِ ... لقلتُ وألْفاً من مَعَدِّ بن عدنان ولكنّ نفسي بعشيرتي ... وطابت له نفسي بأبناء قحطان رُهَاء: وأما رُهاء بن حارث بن عُلَة بن خالد بن مَذْحج، أحد بطون مَذْحج، وهو ممدود، ورهاء من قولهم عَيْشٌ رأه: أي ناعم ساكن. ويقولون أره على نفسك: أي ارفق بها. والرَّهاء: الفضاء من الأرض، واختلفوا في الرَّهْو فقالوا: هو العُلو منها. وقالوا: هو المُنَهَبِط منها، وهي الرَّهوةُ: إمَّا ارتفاع وإمَّا هبوط، كأنه من الأضداد.

стр. 141

وكان منهم يزيد بن شجرة الرُّهاويُّ. وكان فارسا، وهو الذي وجَّهَهُ معاوية بن أبي سفيان ليُقيِم بالناس الحَجّ، ووجَّه علي بن أبي طالب عبد الله بن العباس، فلما اجتمعا بمكة خشيا أن يكون في حرم الله حَرْب فاصطلحا. على أن يصلي بالناس شَيْبَة ابن عثمان بن أبي طلحة الشيبي. ومنهم تُجِيب بنت ثوبان بن سُلَيْم بن رُهاء، وهي التي غَلبت على ولد السكون بن أشرس بن كندة. ومنهم مالك ابن مروان الرُّهَاوي الذي كان على طوائف البحر معاوية. ومنهم مُسْلية ابن عامر بن رُهَاء بن حارث بن عُلَة بن خالد بن مذحج. عَنْس: وأما عَنْس بن مذحج بن أدد فاسمه زيدُ بن مالك. والعَنْسر الصُّلبة من قولهم عَنَسَت المرأة إذا كبرت ولم تتزوج، وكذلك الرَّجل. وقيل حتى أنت أشْمط عانس. فولد عَنْس، وهو زيد بن مالك ابن الحارث - عبد الله، ومالكاً وسعد. فمن بني الحارث عمار بن ياسر، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو عَمَّار بن عبد الله ابنا ياسر بن عمار بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر بن سعد - وهو يام بن عبس بن مذحج النبيُّ ﷺ يمرّ بعمار وأبيه ياسر وأمُه سُمَيَّة وأخيه عبد الله يعذبون بمكة قبل النبيُّ ﷺ بالهجرة، فيقول النبي ﷺ : اصبروا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، وكان الذي يتولى عذابهم أبو جهل بن هشام لعنه الله. واجتاز عمارٌ يوم بدر أبو جهل بن هشام فوجده صريعا فأجاز عليه، وكان عمار شهد بدرا - من قولهم وذَمت الناقة توذيماً إذا جعلت على فمها وذيمة، وهي قطعة من مستطيلة - وكان عمّار بن ياسر ﵀ من خِيار المسلمين، شهد المواضع كلها مع النبي ﷺ ، وقال له تقتلك الفئة الباغيةُ، قاتِلكُ وسَالِبُك في النار يوم صفين، وهو مع علي بن أبي طالب ﵁ فلما بلغ قتلهُ معاوية قال في الشام: إنما قتله الذي أخرجه معه.

стр. 142

ومن بني عبد الله بن عَنْس بن مذحج لَمِيسُ بن عبد الله بن الحارث بن عبد الله بن عَنْس. ومن بني مالك من عنس صَعْب بن مالك بن من بني عَنْس الأسود العَنْسي الكذَّاب الذي تَنَبأ باليمن، واسمه عَبْهَلةُ بن كَعْب بن عوف وفي نسخة: عوف بن كعب بن الحارث بن عمرو بن بن سعد بن عنس. وسمي الأسود لأنه كان أسود الوجه. وكان قد تَكَهَّن النبّوة فاتبعته عنس وغيرها، وسمي نفسه رَحْمن اليمن، كما سَمْى مُسَيْلَمة من اليمامة. وهو ذو الحِمار، وذلك أنه كان له حمار معلم، يقول له: لربك. فيسجد، ويقول له أبرك. فيبرك، فسمى ذا الحمار. ورواه: ذو الخِمار - بالخاء المعجمة، وذلك أنه كان مُخْتَمِراً مُعْتَماً أبداً وجهه، وكان الأسود هذا قد تَجَبَّرَ بصنعاء. واستذل الأبناء، وهم بقيةُ الذين وجَّهَهَم كِسْرَى إلى اليمن مع سيف بن ذي يزن الحِمَيَري، وكان وهرز. والأبناء من بقية أولئك، فاستخدم الأسود العَنْسِيَّ وأضَرَّبِهم،، وتزوج ابنته المَرْزُبانة، وكان باذام مِلَكهم، وكان عامل ابرَويز عليهم، أبا مسلمة الخولاني وسأله أن يشهد أنه رسول الله، فلم يفعل، فأجج له وألقاه فيها، فلم تضره. فقيل له: انفه عن بلادك، وإلا أفسد عليك ما أنت عليه. فأمره أن يخرج من بلاده، فأتى إلى المدينة، فلما بلغت أخباره النبي وجه قيس بن هُبَيْرة المكشوح المُرادِي لقتاله، وبعث معه فَرْوة ابن مِسَّيك ثم المُرَادي، أحد بني غُطَيْف، وأمره باستمالة الأبناء. فلما صار قيسٌ بلغه وفاةُ النبي ﷺ ، فأظهر قَيْسٌ للأسود أنه على رأيه حتى خَلَّى بينه وبين صنعاء فدخلها ومن معه من مذحج وهمدان وغيرهم، واستماب الأبناء، وبروز بن الديلمي، ويقال: إن الأسود لما قتل باذام رأس الأبناء أقرّ بعده يُسَمّى دَيْدُونهْ، فأسلم دَيْدُونه، وبقي قيس بن ذي الحرة البختري، وثّبَّت دَيْدُونه دعاته في الأبناء فأسْلَموا، وتصافق هؤلاء كلُّهم على قتل واغتياله، ودَسُّوا إلى المَرْزُبانة امرأته من أعلمها الذي همّ عليه، وكانت مبغضة لرؤيته حَنِقة عليه، لقتله أباها باذام، فدلتهم على جَدْول يَدْخل الماء. فدخلوا عليه بسَحر، ويقال: بل ثَقَبوا عليه جدار بيته ومعهم قيس بن هبيرة المكشوح، فدخلوا عليه بسحر - ويقال: إن رسول الله ﷺ قال لهم قبل وفاته: قد قتل الله الأسود الكذَّاب، قتلة الرجل الصالح فَيْروز الديلمي، وفي ذلك يقول فَيْروز: أبرمت امري وقتلت عيهلة ... حتى تحملنا إليه العيهلة ينتظر الرسول والقتيل ارسله فجعل الأسود حين ذبح يخور خوار الثور حتى افزع حرسه، فقالوا للمرزبانه: ما شأن رحمن اليمن قالت ان الوحي ينزل عليه فأمسكوا عند قولها وسكنوا واخبر قيس اصحابه فاحتزوا رأسه ثم علو رأس المدينة حتى اصبعوا فقالوا: نشهد ان لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله ﷺ وأن الأسود الكذاب عدو الله فأجتمع اصحاب الاسود فألقى اليهم رأسه فتفرقوا غلا قليلا مخرج اصحاب قيس ففتحوا الباب ووضعوا في بقية أصحاب الاسود السيف فلم يبق الا من اسلم منهم وجيء رأسه إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ ووثب قيس على ديدونه فقتله غيله وقال يستميل عنسا: قد عَلِمَ الأحياءُ من مَذْحج ... ما قتل الأسودَ إلا أنا طلبتُ ثأراً كان لي عنده ... بقتلي الأسود مستمكنا ثأرت عنسا وبني عامر ... وكنت لَمَّا أن أسَوْا مُحْسِنا ومن عَنْس كعب بن حامد. أنساب ولد مُرّة بن أُدَد

стр. 143

فأما مُرّة بن أدد بن زيد بن كهلان - وبعض قال: مرة بن أدد بن زيد بن هَمَيْسع بن عمرو بن يَشْجب بن عَريب بن زيد بن كهلان - وأمَ مُرّة بن أدد مدلة وهي مذحج، وبها سُميَّ ابنها مالك بن أدد مَذْحج، فغلبت على اسمه دون سائر ولد أدد، وإنما سُمِّيت مَذْحج لأنها وُلِدَت على أكمة يقال لها مَذْحج، فسميت بذلك - هكذا قال ابن الأنباري: فَولد مُرَّة بن أدد الحارث، عفيرا ومالكا، ومالك وهم لحم، وعمرا وهو جذام عاملة - فاما عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد فولد مُريعاً، واسمه عمرو، وإنما سمي مُرْيعاً لأنه إذا سألها رجلُ شيئا أعطاه أرضا يَرتَع فيها، فسمي بذلك. فولد مُرْتَع بن عفير ثور بن مرتع، وهو كندة بن مُرْتع، ويزيد بن مُرْتع. فولد يزيد بن مرتع صَدَّاء بن يزيد. أنساب كِنْدة فأما كِنْدة فاسمه ثور بن مرتع بن عُفير بن عَدِي بن الحارث بن مُرّة بن أدد، وإنما سمي كِنْدة لأنه كَنَدا أباه: أي كفر نعمه، من قولهم كند نعمة الله أي كفرها، ومن ذلك قوله تعالى " إنَّ الإنسانَ لربِّه لَكَنُودٌ (أي لكفور. فولد كِنْدَةُ ثَوْرُ بن مُرْتع رجلين: معاوية بن كندة، وأشرس بن كندة. أمهما رَمْلَةُ بنت أسد بن ربيعة، وكل كندة من ولدها. ولذلك كانت كِنْدَة تمت بحلفها لربيعة للقرابة التي بينهم، فولد الأشرس بن كندة السَّكون، ويقال بل اسمه السكن، وعدادها في واثلة بن حمير والسكاسك والسكون قبيلتان عظيمتان، وهما ابنا أشرس بن كندة، والسكون فعول من سَكَن في الموضع يَسْكن سكونا والسكاسك: من قولهم تَسَكْسَك الرجل كأنه ضرب من التضرع. وأما معاوية بن كندة فإليه جماع كندة وبيتها. فولد معاوية بن كِنْدة مُرتْعا، فولد مُرْتع ثورا، فولد ثور، معاوية، فولد معاويةً الحارث الأكبر بن معاوية، فولد الحارث الأكبر رجلين: معاوية الأكرمين بن الحارث، وبداء بن الحارث. فولد بداء بن الحارث الأكبر بنت معاوية عمرو بن معاوية، والحارث الأضغر بن معاوية، وهَيَاج بن معاوية. وبيت كندة من هؤلاء بني عمرو بن معاوية الأكرمين بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع معاوية بن كندة. وهو ثور مُرْتع وهو عمرو بن عُفير بن عدي بن الحارث بن الهَمَيْسع بن عمرو بن يَشْجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ يشجب بن يعرب بن قحطان. فهؤلاء بنو معاوية الأكرمين بن الحارث الأكبر ثور بن معاوية بن كندة - وهو ثور بن مرتفع - وكنده هم الذين خبر النبيُّ ﷺ أنهم لسان العرب وسَنَامها، والبيت منهم في بني مُعاوية ابن كندة - في القَسْملي وغيره. ومنهم حُجْرُ آكل المُرَار مَلِك العرب وهو قالت بن الهبولة السلنحي. والد حُجْراً غائباً فاستاق جميع الحيّ، وأخذ امرأة حُجْر وهي هند الهنود، أخت ذات القرطين، وهما ابنتا ظالم بن وهب بن ربيعة بن معاوية بن الحارث الأصغر معاوية الأكرمين بن كندة - ويقال: بل هما ابنتا الأرقم بن ثعلبة بن عمرو حقبة - فلما سُبيت هِنْد الهنود، ونظرت إلى ابن الهَبُولة القضاعي - وكان أجما أهل زمانه - فهويته، وأشارت إليه بالمقام معها والنزول بها: للذي وقع بقلبها من حبه. فقال لها: ما ظنك بحُجْر؟ فقالت: فكأنك به قد طلع علينا كما جمل أكل مرارا. وقيل إنه سُمِّي آكل المرار لأنه لمّا لقي ابن الهَبُولة القُضاعي جعل يأكل أصل شجرة المارا، شجرة مُرّة إذا أكلتها الإبل تقلَّصت مَشافرها والجمل إذا أكل المُرَارَ أزْبَد، فسمي من ذلك آكل المرار. هذا قول أحمد بن علي وقال ابن الكلبي: لإنما سُمِّيَّ حُجُر آكل المرار لقول هند امرأته حين سألها القُضاعي فقالت: كأني أنظر إليه يدمر فوارسه كأنه جمل أكل المرار. ويقال درته فأنا أدمره ودُمُورا إذا أوثقته وحبسته عن الشيء فلما بلغ حجرا حَبِّيه أقبل في خيله وفوارسه على الحالة التي ذكرت هند الهنود، فسمي آكل المرار،، وأصاب ابن الهَبُولة وهو نائم مع هند الهنود فقتلهما جميعا، واستنقذ الحيّ من جميع السَّبْي، فأنشأ حُجْرَّ يقول: إنّ من غّرّه النساءُ بشيء ... بَعْد هندٍ لجاهلٍ مغرور حلوة العيش والحديث ومُرُّ ... ما سُواه وما يجن الضمير كل أنثى وإن بَدَالك منها ... آية الحب حُبُّها خَيْعَتُور

стр. 144

ومنهم ابنه عمرو المقصور بن حُجْر آكل المرار، وإنما سمي المقصور لأنه اقتصر على مُلْك أبيه حُجْر آكل المرار. هذا قول يعقوب بن السكيت. وقال أحمد بن عبيد: إنما سمي المقصور لأنه قصر على الملك كأنه كرهه، فمُلِّكَ شَاءَ أو أبى. وقال: هذا أصح ما قيل في ذلك. ومنهم الحارث الملك بن عمرو المقصور بن حُجْر آكل المرار بن عمرو بن معاوية الأكرمين، وهو جد امرئ القيس بن حُجْر الكِنْدي، وكانت بنوه مُلُوكاً، ومَلَكوا بعده. ومنهم حجر أبو امرؤ القيس، وسلمة غلفاء، وشرحبيل، ومعديكرب، وعبد الله بن قيس فهؤلاء بيت آكل المُرار بن عمرو بن معاوية، وهم بيت أهل المملكة من كندة، وبيت المملكة من بعدهم في كندة بيتُ بني الحارث الأصغر بن معاوية الأكرمين بن الحارث الأكبر، والبيتُ منهم في آل جَبَلة بن عَدِيّ رَهّطُ الأشعث بن قَيْس الكِنْدي، وهو الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عَدَيّ بن ربيعة بن معاوية بن الحارث الأصغر بن معاوية الأكرمين بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن ثور - وهو كندة بن مرتع. ونحن نبتدئ بشيء من ذكر أخبار ملوك كندة، وما كان من أمورهم، ثم نَرْجع إلى بقية شرح أنسابهم إن شاء الله تعالى. أخبَار كِنْدة كان من حديث الحارث بن عمرو المقصور ملك كنْدة: أنه كان أعظم ملوك كِنْدة قَدْرا، وأشدهم عِتِيا، وأوسعه مملكة. وذكروا أنه اجتمع له من سعة البلاد ما لم يكن لآبائه من قبله، فُتِّج وسمي الحَرِّاب، لكثرة حربه، وهو الذي تزوج أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني، وهو الحارث الملك الملقب الحّراب بن عمرو المقصور بن حُمْر آكل المرار بن عمرو بن معاوية الأكرمين بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة - وهو ثور بن مُرتع - بن عُفير بن عدي بن الحارث بن مُرّة بن أدد زيد بن كهىن بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكان من أشد كندة ملكا وسلطانا. وهو الذي قرن بنيه في حياته وملَّكهم على قبائل معد، فكان شرحبيل وهو قتيل الكلاب الأول على قبائل من بني تميم بن مرو الرَّباب. فمن قبائل تميم الذي كان ملكا عليها منهم بنو حنظلة بن مالك بن يزيد مناة بن تميم والرباب. وبنو أسيد بن عمرو بن تميم، وطوائف من بني عمرو بن تميم. وأما الرباب فهو تيم وعدي وعكل ومزينه وضبة وسائر بطونهم فهؤلاء الثلاثة هم الرباب. بنو عبد مناة بن أد بن طانجة بن إلياس بن مضر - وكان معدي كرب على النمر بن قاسط، وقبائل من قيس وسعد بن زيد مناة بن تميم، وطوائف من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، والصنائع وهم بنو رقية، وهم قوم يكونون مع الملوك من شذاذ العرب. وشذاذ العرب: ما تفرق منهم. وكان سلمة - وهو غلفاء على تغلب وبكر بن وائل، وإنما سمي سلمة غلفاء لأنه كان يغلف رأسه بالطيب. وكان عبد الله على عبد القيس وكان عبد القيس سيارة على العرب، وكان حجر وهو أبو امرئ القيس على بني أسيد، وكنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر وعلى غطفان. والحارث هذا هو الذي غزا أهل الحيرة، وأجلى نضر اللخميين عن الحيرة، وأغار على بلاد فارس، وكان قد سار في أربعين ألف رجل من العرب، كندة من ذلك اثنان وعشرون ألفا، وسائر ذلك من أفناء القبائل. وقاد الخيل إلى الحيرة، وكان حوله ثلاثمائة وستون مقنبا، حتى أغار على فارس ثم رجع إلى موضعه، ثم اتخذ الأنبْار بعد ذلك منزلا، فلم يزل أمره ظاهرا، وَوَاَدَع الفرسَ، وكان على الفرس قُبَاذ بين فيروز وصالحهم، ولم يزل ملكة كذلك ستين سنة، ثم أوقع به المنذر بن ماء السماء اللخمي - وهو لا يعلم - فخرج هاربا نحو الشام، وظفر المُنْذر بأربعين رجلا من بني أبية، لحقهم في الطريق فأسرهم، حتى أتي بهم ديار بني مرينا بموضع بين دير والكوفة. فضرب أعناقهم، وذلك أن الحارث الملك كان قد قتل في بني نضر قَتْلا ذريعا، فلم يستبق المنذر أحدا ممن في يده، وذلك قول امرئ القيس بن حجر: ألا يا عَيْن بَكِّي لي شنينا ... وبكي لي الملوك الذاهبينا ملوكا من بني حجر بن عمرو ... يُساقون العشية يُقتَلُونا فَلَوْ في يوم معركةٍ أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا

стр. 145

ولم تغسل جماجمهم بغسل ... ولكن بالدماء مُرَمَّلِينا في شعر طويل فمات الحارث الملك في أرض كلب بعد ذلك بمُدّه يسيرة، ثم رجع بنوه من بعده حين ملكوا على القبائل التي كانوا عليها، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى بغي بعضهم على بعض - وتحاسدوا واختلفت كلمتهم، وأراد كل واحد منهم ملك أخيه يضمه إلى ملكه، وبعث شرحبيل بني تميم فأغاروا على مُلك سلمة، وهو ملك على تغلب وبكر ابني وائل، فأتوا بأفراس وغنموا - ثم يزالوا يتعازون حتى زحف شرحبيل إلى سلمة، وقال شرحبيل لبني تميم: لا عليكم أمر تغلب وبكر: فو الله إن ألقى بمائة أعزال من تميم أحبّ إلي من أن بمائة من تغلب شاكين في السلاح، فساروا حتى التقوا بماء يقال له الكلاب كل واحد منهم: أيكم يأتيني برأس أخي فله مائة من الإبل، فاقتتلوا شديدا، فانهزمت بنو تميم، فصاح بهم شرحبيل: ويلكم يا بني تميم: فلم عليه أحد منهم، فنزل يقاتل حتى قتل، فجاء أبو حنش التغلبي إليه وندم وأكب الأرض. فلما رأى أبو حنش ما به من الحُزْن على أخيه خاف منه فهرب ساعته. وفي ذلك اشعار، فمن ذلك قول قيس بن الحارث يرثى أخاه شُرحبيل: ألا قَبَح الله البَراجم كلَّها ... وقبح يَربْوعاً وقبح فما حاربوا عن ربهم وربيبهم ... ولا آذنوا سِلْما فيرجع في شعر طويل، فلم يزل أمرهم كذلك حتى أصاب سلمة بن الحارث ومات، وغدت بنو أسد فقتلت حُجْر بن الحارث غدراً، وهو أبو امرؤ القيس وكان ابنه امرؤ القيس غائبا، فقتل امرؤ القيس من بني أسيد خلقا كثيرا لقتلهم أباه، وأفنى منهم قبيلتين، حتى كان من امرئ القيس وخبره عند ملك الروم ما كان، ولذلك حديث يأتي بعد هذا إن شاء الله. أخبار امرئ القيس بن حُجْر الكندي
следующие страницы →