← Ансаб

Ансаб · id 491

الأنساب للصحاري

الصحاري

Полный текст (287 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومنهم الجُشم بن رُعين قبيلٌ. ونافع بن شرحبيل بن ذي رعين قبيلٌ، رهط علي بن علي من بني حجيلان بن نافع، وحجر بن ذي رعين منهم. وحارثة بن الحارث بن رعين قبيلا، وذكروا أنه أصيب بابن له يقال له الهيضم بن حجر بن ذي رعين: فاشتد وجده عليه، وقلى من الشراب زمانا. ثم إن بقية ولده لم يزالوا يعزونه عنه ويلهونه عنه إلى أن هيئوا له طعاما وشرابا وسألوه إجابتهم إليه، فقال: حملوه إلى أخيكم ففعلوا، فركب حتى أتى قبره فطعم، فلما نزل الكأس سكنها على قبر الهيضم ثم أنشأ يقول: أيها الساقي بني ذي حرّف ... ابد بالهيضم ذي العظم الجوى واسقِهِ كأسا رُواءً إنه ... طال ما أروى النَّدامى وروى كان فينا ناظرا لغصن له ... روقٌ بادٍ نضيرٌ فَذوى يقال ذوى العود وزوى لغتان. ومن ولده عبد كُلال بن مُشوب بن ذي حارث بن عيدان الذي وجّهه حسان ذو مُعَاصر بن تُبع الأوسط على مُقدَّمته إلى طسم باليمامة فأباد طسما وجديسا. وكُلال اشتقاقه من تكلل النَّسب، ومنه الكلالة، ويمكن أن يكون اشتقاقه من كل كلالا إذا أعيا وسيف كليل، والأكليل معروف. ولعبد كُلال هذا يقول الشاعر، ويقال إنه لغيره: ألا إنّ خير الناس كلَّهم فهدُ ... وعبدُ كلال خبر سائرهم بَعدُ وفهدٌ هذا فهد بن عريب بن يليشرح، ويعمر، بن معد حُرث: موضع: وغيدان وهو فعلان من الغيد والغيد النَّعمة نعمة البدن. من ثم ملك عبد كلال بعد حسان ذي مُاعصر، وعمه ضهبان بن ذي حارث، الذي لقي جمع معد بالبيداء والسلان، فأبادهم وسر أشرافهم، بعد أن أثخن القتل فيهم. ومن بني المذل بن ذي رُعين بن يعرب يليشرح الذي ذكره أبو ثور عمرو بن معدي كرب فقال: ألا عتبت عَلَى اليومَ عُرسي ... لآتيها كما زَعَمت بفَهدِي وما لأحلاف تابعتي عليه ... ألا وأبيك لا آتيه وحدي وفيه وفي أخيه عبد كلال بن عريب يقول الشاعر: عبد الله عجلان فارس بن فهد: وعبد كلال حاز كلّ عظيمة ... سمعت بها في حمير وكفيلها فأتاه نعيم والحارث ابنا عبد كُلال بن عريب اللذان كتب إليهما رسول الله ﷺ من محمد رسول الله ﷺ إلى الحارث بن عبد كُلال والى نعيم بن عبد كُلال بن ذي رُعين، ومُعافر وهمدان، أما بعد ذلكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد وقع بنا رسولكم متقلبا من أرض اليمن فلقينا بالمدينة فبلغنا ما أرسلتم قتله وأتانا إسلامكم، وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهدايته إن أصلحتم، وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله وخمس نبيه وصفوته أما بعد فإن رسول الله أرسل إلى زرعة بن ذي يزن أن إذا أتتكم رسلي فاني أوصيكم بهم خيراً، معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرة وأصحابه، وأن آجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم فتلقوا بها رسلي فان أميرهم معاذ بن جبل فلا يتقَّلبن إلا راضيا.

стр. 72

ومن ولد ذي رُعَين يزيد بن منصور بن عبد الله بن شهر بن زيد بن عريب بن الأشهل بن مُثوب بن الحارث بم مالك بن غبدان بن حجر بن ذي رُعين، وأسمه عمرو بن مُثوب بن الحارث بن مالك بن غبدان بن حجر بن ذي رُعين، وأسمه عمرو بن شراحيل بن سهل ويزيد بن منصور هذا خال المهدي إبي اهارون الرشيد أخو أمه المهدي اسمها أم موسى بنت منصور بن عبد الله. ومنهم شراحيل بن عمرو الذي يقال له ذو رُعين. قال لما اصطفقت حِمير مع عمرو ب تبع على قتل أخيه حسان ذي مُعاهد أبى ذلك عمروُ بن شُراحيل وهو ذُو رُعين فدعا به عمرو ليضرب عنقه فقال لا تعجل على أيها الملك، إني لم أمتنع عليك، إني أريد محالفتك أو أني أرى أحدا أحقّ بهذا الأمر منك، وإن أخاك لم يستحق العقوبة على مخالفتك حِمير وحملها على مالا يوافقها، ولكنه لم يقتل رجلٌ أخاه إلا امتنع منه النَّوم، فأبى عليه عمروُ إلا أن يفعل. قال شراحيل: فأمانة أودعكها. فأتاه فيه بدرج فيه صحيفة لا يدري عمروٌ ملفيها، فتحّملها، ثم تابعه فقتل عمروٌ أخاهُ حسانا. فلما ملك عمرو بن تبع انتفضت عليه البلادُ واستخفت به حِمير، وامتنع منه النوم: فأقبل على من ساعده على قتل أخيه فقتلهم، إلى أن بعث إلى شراحيل بن عمرو وسادات ذي رُعين ليقتلهم فقال له: إيها الملك أمانتي عندك اردُدها علي فقال ما هي؟ قال: الصحيفة التي أودَعتُك إياها. فدعا بها فاستخرجها فدفعها إلى شراحيل، الكتاب وفتحه ودفعه إلى عمرو بن تبع، فإذا فيه شعر: إلا مَن يشتري سهرا بنومٍ ... سعيدٌ من ينام قرير عين ابينا الغَدر إذا دُعيت إليه ... مَقَاولنا فأمسوا رهن حين فإن تلك حميرٌ غدرت وخانت ... فمعذرةُ الإله لذي رُعين فقال عمرو لشارحيل: أنت خيرُ حِمير، وجعله رأس المقول، وولاه ما كان ولاّه من قبل، وقال: كنت نصيحي لو كنت في خيرة. قبائل سبأ الأصغر قال أبو المنذر: قبائل سبأ الأصغر وهو كعب بن زيد بن سهل بن قيس بن معاوية بن جُشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن أيمن بن الهَمَيسع بن حِمير. ومنهم نُباتة بن سبأ. وهو ابن قحطان، وصيفيُّ بن سبأ وهو أبو ملك الرائش، ولم يزل الملك في حِمير يتوارثون ملكا عن ملك من عهد حِمير إلى زمن الرائش، وهو الحارث بن شدد. ملك الرائيش وهو الحارث بن سَدَد، فأول التبابعة الرائيش. وهو الحارث بن سدد ابن المِلطاط بن عمرو بن ذي أنس بن ذي يقدم بن الصّوار بن عبد شمس ابن وائل بن عريب بن زُهير بن أيمن بن الهَمَيسع بن حِمير بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يَعرُب بن قحطان. قال غيره: الرأيش هو الحارث بن سدد بن الملطاط بن عمرو ذي أنس بن قدم بن الصوار بن وائل ابن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهَمَيسع بن حمير وهؤلاء كلهم كانوا ملوكا في نسق، ولم يكن أحدٌ منهم - بعد التبايعة - غزا ملوك الأعاجم حتى ملك الحارث الرائيش فسار إلى أرض فارس فقتل وغنم. وقال أبو منذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: هو الائيش، وهو الحارث بن سدد بن قيس بن صيفى بن سبأ ابن حمير، وصيفى بن سبأ ابن حمير، وصيفى بن سبأ بن يَشجُب بن يَعرُب بن قحطان. ومنهم التبابعة. وهكذا عن أبي المنذر هشام. وكان من حديث الرائيش وملكه ما ذكره عبيد بن شرية الجُرهمي حين سأله معاوية بن أبي سفيان عن شأن حِمير وملوكها، فأخبره أن الرائيش وهو الحارث بن سدد أوّل من غزا بالجيوش من ولد حمير فأدخل اليمن الغنائم من غيرها، فسمي بذلك الرائيش، فغلب على اسمه، وله يقول لقمان بن عاد الذي خُير في العمر لِنسره لُبَد، وكان لقمان قد عمر إلى زمن الرائيش، فمن قول لقمان في الرائيش لنسره لبد فقال: انهض لبد نهض فتى لا يعتمد. نهضا بلا سند. نهض المليك المنجرد.

стр. 73

ذلك الحارث ابن ذي شدد. وكان من حديث الرائيش أنه يأتيه الطبيب من قبل الهند والسند. ومن خاسان، وعجائب الهند، فتطلعت نفسه إلى غزوها، فعبأ الجنود وأظهر أنه يريد المغرب بحرا، وأعد السفن، حتى إذا رأى البحر قد مكن قَّدم بين يديه تعفر بن عمرو بن شراحيل بن عمرو بن ذي أنس في خيل عظيمة، وسار في أرضه حتى دخل أرض الهند، فقتل وسبى الذُّرية، وغنم الأموال، ثم أقبل على اليمن، وخلف يعفر بن ذي أنس في اثنى عشر ألف فارس، وأمره ببناء مدينة هناك، فأقام سنة، وسمّاها باسم الرائيش، ففي ذلك يقول برق بن سعد بن عمرو بن ذي أنس: من ذا من الناس له مَالَنا ... من عرب الناس ومِن أعجم سار بنا الرائيش في جحفل ... مثل مغيض السيل كالأنجم يؤم أرض الهند غازِ لها ... يخترق الأمواج كالضَّيغَم والدر والياقوت من فوقها ... وسبي أبكارٍ بها تسوم إلى أولى الغايات من ملكها ... يحصدهم حصد الهباء المضوّم أعنى به يعفُر إذ جاءها ... يا حبذا ذلك من مقدم في بحرها المنشور يطويهم ... يوم وغُولُ الملك المعلم فصبح الهند له وقعة ... هدت قواها بالقوى الصيَّلم فأنفص الرائيش أملاكها ... وآب بالخيرات والأنُعم قال سله معاوية: فما صنع الرائش بعد؟ قال: أقام دهرا حتى أتته هدية من أرض بابل. أهداها له ملكها. قال: ولم؟ وقد كان في عُزلة من أرض بابل؟ قال: يهادي الملوكُ بعضها بعضا مداراةً له لما كان من أمره في الهند. قال: وما كانت الهدية؟ قال: كانت بُراة بيضاء، وسروجا كراما، وديباجا فاخرا، وآنية من متاع الملوك، فلما رآه قال: أكل ما أراه في بلادكم؟ قال: بعضُه أيها الملك. وبعضه في بلاد الترك، وهم أمة من ورائنا. قال الرائيش: لنغزون الأرض التي فيها ما أرى، فاستخلف يَعفر بن عمرو على اليمن، وسار بنفسه في مائة ألف وخمسين ألف فارس، وقدم الرجال في ابتغاء الطريق، فلم يجد طريقا هو خيرا له ولا أسهل من طريق أخذه على جبل طيئ حتى خرج على ما بين العراق والجزيرة. وقد سألت عن ذلك فبلغني أنه خرج على الأنبار من أرض العراق. قال يعاد به وينبت الأنبارُ يومئذ قال: وقبل ذلك وسار من هنالك حتى نزل الجبل من أرض الموصل، وبعث شمر بن الغطاف بن المثار بن عمرو بن ذي أنس في مائة ألف حتى دخل أذربيجان، فلقي فيها ملك الترك فقتله، وغنم ماله وبلاده ثم أقبل شهر بن العطاف إلى الرائيش، وأمر فكتب في حجرين أمر مسيرة فهما اليوم على جدار في طرق أذربيجان. يسمى طريق الحجرين. قال: وما بال أذربيجان؟ قال: كانت من أرض الترك وبها اجتمعوا له قال: فأين كان ملك بابل عنه؟ قال: كانت لحمير عدة والله أني لأستحي من ذكرها. وكانت تنزع إلى اليمنللأولاد والأوطان. وكانوا إذا ظفروا وقتلوا ودخلوا البلاد وأهدى بعضهم إلى بعض قَبِل وصُرِف عن المُهدى إليه إلى غيره. قال معاوية فمن القائل منهم: بنو مهليل انتخبوا وساروا ... وخطوا البيت في البلد الحرام قال ذلك الرائيش. قال: قال: قال الرائيش، وهو الحارث: أنا الملك المقدّم والمسامي ... جلبت الخيل من يَمنٍ وشام لأغزوا أعبُداً جهلوا مكاني ... بأرض الشرق من شرَّ الأنام فنحكم في بلادهم بحكم ... سواء لا يجاوز للأثام بنو مهليل انتجعوا وساروا ... وخطَّوا البيت في البلد الحرام بإذن الله خُط وكان بيتا ... توارثه الهُمام عن الهمام دعوا أحداثه لبني أبيكم ... وكونوا مثل قحطانٍ وسام وكونوا مثل ملطاط بن عمرو ... وذي أنس الكرام ذوي السنام وكونوا مثل جُرهُمْ أو نَبيتٍ ... أو الضرار أو مثل الغرام ملوك الناس أسلافا تولوا ... ويخلف بعدهم نسلُ الكرام بنته منزلا نزلوا وهيّوا ... وملكِ فوق أملاك الأنام فإن أهلك ولم أرجع إليكم ... فقد هلك الملوك مِنَ آلِ سام

стр. 74

ويملك بعدنا منا ملوك ... يدينون العباد بكل دام وتنتشر الأعادي ثَمّ عشرا ... عقاب الله في القوم الأثام ويملك بعدهم منا ملوك ... عظيم أمرهم بَكْل المرام ويملك بعدهم رجل عظيمٌ ... نبيٌ لا يرخص في الحرام يسمى أحمدا بالبيت أنّى ... أ﴾ خر بعد مبعثه بعام فتنتعش الحقوق كما أميتت ... حياة الأرض في قطر الغمام ويخلف بعده حلفاءُ صِدْق ... ويملك بعدهم ولدُ الكرام قال معاوية: يا عبيد فهل ذكر الرايش أحدْ من الشعراء؟ قال: نعم امرؤ القيس حيث يقول: ألم يَحْزُنُك أنّ الدهرَ غولٌ ... خؤون العهد يلتهم الرجالا أزال من المصانع ذارياش ... وقد ملك السهولة والجبالا وأنشب في المخالب ذا مَنَار ... وللزرّاد قد نصبَ الحِبالاَ قال معاوية: ما كنت أرى أن هذا الشعر قيل إلا لذي نُواس. قال: هيهات؟ قرب هذا وبَعُدَ ذلك وكان اسم ذي نواس أسهل على الرُّوَاة. فأما القول: فوالذي بعث محمد بالحق نبيا لقد رويت هذا الشعر وإن ذا نواس لغلام، والمُلِكُ على حمير يومئذ خثعمة ذو شنانز. قال معاوية: صدقت. قال فَكمْ مَلَكَ الرايش؟ قال: مائة وخمسا وعشرين سنة قال: فمن ملك بعده؟ قال عبيد بن شرية: ثم ملك من بعده ابنُه ذو الكنار أبرهة بن الرايش، وكان يقال لأبرهة ذو المنار، وكان من أجمل الناس، فعشقته امرأة من الجِنّ يقال لها العيوق ابنة الرايع، فتزوجها فولدت له العبد بن أبرهة. قال معاوية: فما صنع أبرهة؟ قال: سأفسر لك ذلك. ملك ذي المنار أبرهة بن الرايش قال عبيد بن شربة: فسار أبرهة ذو المنار غازيا نحو الغرب ومعه ابنه العبد بن أبرهة على مقدمته، واستخلف على اليمن ابنه أفريقتش بن أبرهة، فسار حتى أوغل في البلاد، وبلغ بلاد السودان فقضى فيها برا وبحرا. فلما أمعن بَدَالَهُ في المقام فأقام وسّرح ابنه العبد في غرب الأرض حتى انتهى إلى بلاد النسناس، إلى قوم وجوهم في صدورهم، فإذا كان النهار استخفوا في الماء من حَرَّ الشمس، واذا كان الليل خرج بعضهم إلى بعض، فوضع فيهم السيف فأبادهم، ورجع إلى أبيه بنفر منهم فقدم بهم على أبيه فَذُعِر الناس منهم، فسمي العبد بذلك ذا الأذعار ولما رجع أبرهة من مسيره ذلك أمر بمنار قَبُنى له، وأوقد عليه ليُهْتَدى به، فسمى أبرهة بذلك ذا المنار. وقال في ذلك اليحموم بن مالك بن زيد بن المثاب بن عمرو ذي اُنس: ولقد بَلغْتَ مِنَ البلادِ مَبَالِغاً ... ياذا المنار فمَنْ يُرُومُ لحاقكا قُدْتَ الجيادَ فامعنت في برها ... وحملت منها في السفين كذلكا حتى وطي جمعاك حيث تثبتت ... اولادُ حام في فضاء بلادكا أوغلتَ عَبْداً فاستقر به النوى ... حيث العجيب بغير خلق رجالكا فأتاك بالنسناس خلق وجوهم ... في الصدر منهم قادهم لبنانكا أنت القهُور فما نُزَامُ بِذلّة ... نعم الخليفة في البلاد فعالكا من ذا يُجَاري إن سَمْوت لحظَّةٍ ... هيهات أعجزهم سُمُوّ سنائكا جمعوا الملوك لما رأوا من كندة ... كرما لحمير إذ عَلَتْ بعلائكا وبلغ ذو المنار مبالغ كثيرة انتهى فيما سار إلى وادي الرمل؛ وجعل هناك علامة، ثم كرّ راجعا نحو المشرق، حتى بلغ وادي النمل، فوجد. فيما يقال النملة تحمل القتيل وسلاحه، ووجد الأمور تخرج عن حدما نعرف، فجعل هناك حيث انتهى علامة، وكتب في تلك العلامة: ليس وراء هذا مطلب. ثم رجع، وكان ملكه مائة سنة وثلاثا وستين سنة. ملك أفريقش بن أبرهة

стр. 75

ثم ملك ابنه أفريقيش بن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرايش، فغزا نحو المَغْرِب عن يمين مسير أبيه في أرض البرابر، حتى انتهى إلى بلاد طنجة، فرأى بلاد كثيرة الخَيْرِ قَلِيلَة الأهل، فنقل البرابر من بلادها إليها. قال معاوية: وأين كانت بلادهم؟ قال: أرض فلسطين إلى مصر والساحل. قال معاوية: فإنه يقال إنهم من قَيْس عيلان. فهل علمت ذلك؟ قال: لاعلم لي بذلك، ولكني أخبرك أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح، وهم بقيْة من قَتَلَ يُوشَعَ بن نون من أهل فلسطين. قال معاوية: ولم قتلهم؟ قال كان عبد صالحا فدعاهم إلى الله. فعظموا الحق. وأراد الله أن يبوَىء بني إسرائيل أرض فلسطين فتركوا الحق وكرهو الإسلام، وأحبوا المقام على الكفر فقاتلهم يوشع فأبادهم إلا بقايا كانوا في الساحل. وإنما وقع عليهم اسم بربر لشعر أفريقيش بن أبرهة: بَرْبَرت كنعانٌ لما شقتها ... من ديار الملك للعيشر العجب قد رأت كنعانُ فيها وقعة ... لبني يعقوب يوشع ذي الرهب ورات كوشا لعمري دارها ترتقي عيشا لبابا لم يرب ثم أمسوا مثل أمس ذاهب ... من قتيل وطَرِيدٍ ذي تعب فاشكري كنعان شكراً صادقا ... واحذري مني انتقاما وحرب ولما بلغ رأسَ مغزاه أمَرَ بمدينة فُبِنَيت، وسميت إفريقية باسم أفريقش، وكذلك كانت تسميها البرابر، وفي ذلك يقول الهَمَيْسَع ابن مالك بن زيد بن المثاب بن عمرو بن ذي أنس: سرنا إلى المغرب في جحفل ... يحف أفريقش ذاك الهمام حتى أتينا دار بطحاء بها ... من دون بحر غير سهل المرام نخوض بالفتيان في غمرة ... نعيد فيها ضربَ أيدٍ وهام نقتل فيها كل أملاكها ... جهرا تباعا غير عجز كهام وأسْكَنَ البربَر في فضفض ... مكارمٌ في الناس تَعْلَو الغمام وأثبت البُنْيَان في حومةِ ... بغير ذي كره لدهر دوام ملك مائة وأربعا وستين سنة. ملك ذي الأذغار العبد بن أبرهة قال عبيد بن شربة: فلما انقضى ملك أفريقش ملك بعده أخوه وهو ذو الأذعار العبد بن أبرهة ذو المنار وزعم ابن الكلبي أنه سمى ذو الأذعار: لأنه جلب النسناس إلى اليمن، فذُعر الناس منهم فسمى ذو الأذعار - ولا أدري ما صحة ذلك، فسقط شقة من فالج أصابة، فلم يَغْرُ بنفسه، وكان يَغْزُو سنةً ويكفُ ثلاث سنين، وكان مهينا - أي ضعيفا. قال معاوية: ويحك يا عبيد، ما سمعت برجل من أهل اليمن الناسُ له أكثر ذكرا ومسيرا من العبد!! قال: فما يقول ذلك إلا مَنْ لا عِلْم له، وما كثرة ذكرهم له إلا لما أصاب من النسناس في مسيره مع أبيه، فقتل منهم مَقْتَلَةٌ عظيمة، ورجع إلى اليمن من سببهم بقوم وجوههم في صدورهم، فذعر الناس منهم، فسمى ذو الأذعار - وكان هذا غي حياة أبيه. وقال فيه المغتر بن وائل بن يَعْفُر بن عمرو بن شراحيل بن عمرو بن ذي أنس: عجبت للدهر وبلوائه ... وصرف أيام له فانية بَيْنا يُرَدَينا لباس الهوى ... إذ صار لا يبقى على باقيه لو كان إذ جاء بما جاءنا ... يهدي إلينا هذه الداهيه أبقَى على رب لنا قاهر من ملك إنس في ذرى ساميه ومُلك مِلْطاط هم أهله ... لم يكن الباقي لدى الدانيه غيرك ذا الاذعار من سيد ... لكن ارى الدنيا بنا فانيه فأكثروا التعوالَ يا حِمْيَر ... على مليك كان بالعاليه من نجل سادات همُ ماهمُ ... قد قهروا أملاكها العاتيه ولم يزل العبد كذلك حتى مات، فكان ملكه خمسا وعشرين سنة. ملك الهدهاد ذو يشرح

стр. 76

قال عبيد بن شربة ثم ملك الهدهاد بن شراحيل بن عمرو بن وذي أنس. وقال أبو المنذر: بل هو ذو يشرح بن شراحيل بن عمرو بن الحارث الرايش بن شدد بن قَيْس بن صيفي ابن سبأ بن حمير. وقال قال غيره: هو ذو يَشْرَح بن شراحيل بن عمر بن الحارث الرايش بن شدد بن قَيْس بن صيفي ابن سبأ بن حمير. وقال غيره: هو ذو يَشْرَح بن شراحيل بن عمرو بن الحارث الرايش بن شدد بن المِلْطَاط بن عمرو بن ذي أنس. فملك سنة ثم مات، وكان تزوّج امرأة من الجن يقال لها رواحة بنت السكين، فولدت له بلقيس واسمها يلمقه واليلمق القباء المحشو. ويقال إنه فارسي معرب وكانت بلقيس من أعقل امرأة يسمع بها في ذلك الزمان، وأفضلها رأيا، وحلما وعلما وتدبيرا، وكانت ذات المشورة على أبيها، حتى عرف جميع حِمْيَر ذلك منها. فلما حضرته الوفاة بعث إلى رؤساء حمير ومقاولها وقاداتها فذكر لهم أنه قد استخلف عليهم بلقيس. فقال له رجل منهم: أبيت اللعن، أتدع رجال أهل بيتك وتستخلف علينا امرأة وإن كانت بالمكان الذي هي منا ومنك؟! قال: يا معشر حِمْيَر إني قد رأيت الرجال وعَجَبْت أهل الفضل، وشهدت ملوكنا الماضين أو الذي أدركت منهم، فلا والذي يُحْلَف به ما رأيت مثلَ بلقيس قطَ رأيا وعلما وحلما مع أن أمها من الجن، فأرجو أن يظهر لكم بها من غلبة الجن وأمورها ما تنتفعون به وأعقابكم ما قامت لكم الدنيا، فاقبلوا رأي فيها. وإني كنت سميت الملك لابن خالي هذا الغلام وله عقل فإذا بلغ وَلَي الأمرَ إما في حياتها وإما بعد وفاتها. فقالوا: من هو؟ فقال ناشر بن عمرو ابن يَعْفُر بن شراحيل بن عمرو بن ذي أنس قالوا: سَمِعْنا وأطعنا وأنت أيها الملك انظر لنا. ملك بلقيس ابنة الهدهاد ذو يشرح قال عبيد العبيد بن شربة: فملكت بلقيس حمير. قال معاوية: فهل كانت تريد الرجال؟ ما تزوّجت قط ولا صارت إلى سليمان إلا جارية. قال فمن كان حرسها؟ قال: الرجال وخدمها النساء بنات أشراف حمير ثلاثمائة وستون جارية. قال: فكم مَلَكَت حتى جاءها سليمان؟ قال سبع سنين. حدثنا محمد بن مسلم البارقي، عن إسحاق بن حذيفة، عن عباس عن ابن إلياس عن وهب بن منبه: أن بلقيس أمرت أن يصنعوا لها منزلا فاخِراً لم يصنعوا مثله لمن كان قبله، ووصفت لهم عملهم، فعمدوا إلى كل مشرف من صفا صلد فأنشئوا على ظهره خمسمائة أسطوانة من رخام، نقر لهن، طول كل أسطوانة ثلاثون ذراعا، وبين كل أسطوانتين خمسة أذرع، ثم حملوا على تلك الأساطين كلها سطحا واحدا من ألواح الرخاك، وضموا بعضها إلى بعض، ثم بنوا فوق ذلك السطح بيوتا من رخام، وقِبَايا من ذهب وفضة، مبّوبة بأبواب مفضضة بالجوهر الملون، ثم أحاطوا على ذلك الحائط بسطح باطنه من رخام وظاهره من نحاس، وله أربع زوايا، على كل زاوية قُبّة من ذهب، وعلى قبتها ياقوته حمراء تلتهب، وإذا طلعت الشمس سطح ضوء الياقوتة على القبة فلم تملأ العين منها، ثم جعل للقصر حين فرغ منه أربع مراق عن يمين وشمال وشرقي وغربي، وفي كل مرقاة مائة درجة في أعلاها باب مفضض، وفي أسفلها باب من نحاس. ثم جوف ذلك التل من الصفا. فكانت طرقا إلى الخزائن، ثم بُنِيّ تحتَ كلّ أسطوانتين مجلس من رخام للحرس والقواد، ولما فُرغ من عرشها أمرت ببناء المدينة والحيان والأرباع، فبنى ذلك كله حول قصرها، حتى صار وسط ذلك، وأشرف عَرْشُها على ما حوله حتى يُرَى مسيرُ يوم، وكان تحت يديها اثنا عشر ألف قَيْل، تحت كل قيل اثنا عشر ألف مقاتل، وتحت يديها مائة ملك. وقد أمرت كل ملك على كُوَر معلومة، واشترطت عليه أربعة آلاف مقاتل متى احتاجت إليهم. فلما أراد الله إكرامها بالإسلام كان من حديثها ما قص الله في القرآن. قال حدثنا يعلي بن عبيد، عن الأعمش، عن مجاهد قال: تحت يَدَيْ صاحبة سبأ اثنا عشر ألف قيل، مع كل قيل مائة ألف مقاتل وعن وهب بن منبّه في قول الله تعالى) وَأُوِتيتَ مِن كُلَّ شَيء (يعني أصناف الأموال) وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيّمٌ (قال كان عرشها مقدمه من ذهب مفضض بالياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، ومؤخره من فضة مكلّلَة بألوان الجواهر، وله أربع قوائم، قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من زبرجد أخضر، وقائمة من زُمُرد، وقائمة من در، وصفائح ومن غيره. وقال أسعد تُبّع في عرش بلقيس:

стр. 77

عَرْشُها شرجع ثمانون باعا ... كلَّلَتْه بجَوْهَر وفريد وبإسناد عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن بلقيس لما أتاها كتابُ سليمان جمعت أشراف قومها فقالت: قد كتب إليّ هذا الرجلُ ولَيْسَ هذا من كُتُب الملوك أفْتُوني في أمري إلى آخر الآية. فأجابوها بما قال الله) نَحنُ أُوْلُوا قُوّةٍ وأُوْلُوا بأسٍ شدِيدٍ والأُمُر إليكِ فَانظُري مَاذا تأمرين () قالت إنَّ المُلوك إذا دَخَلُوا قَريَةً أفْسَدُوها وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهلِها أذِلَةً (يعنى إذا غَلُبوا عليها فدخلوها عنوة أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. يقول الله: صَدَقت يا محمد) وَكَذلِكَ يَفعَلُون (. قال وهب بن المنبه في حديثه: فأسلمت، وتزوجها سليمان، وولدت له ابنا سماد دَاوُود. فأما الأرد فيقولون: إنه تزوجها امرؤ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن أدّ الركب، وهو غسان أبو الملوك من الأزد، وبطرقة سليمان بن داوود ﵇ على اليَمَن، سمي امرؤ القيس البطريق لذلك. وهو جد عمرو بن مُزَيْقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق. وعن ابن ذُريد أن سليمان ﷺ قال: لا تصلح امرأة بلا زَوْج، فزوجها سليمانُ شَدَد بن زُرْعة الحِمْيَري. مُلك ناشر النعم قال: فلما انقضى أمرُ سُلَيْمان صلوات الله عليه الملكُ إلى حِمْيَر، فَمَلَّكوا امرهم ناشِر النعم بن عمرو بن يَعْفُر بن شراحيل بن عمرو بن ذي أنس ويُعْرف بناشر النعم، لإنعامه على الناس، وردّه الملك عليهم بعد سُلَيْمان، وكان شديد السلطان قَوِيَّاً في أمْرِه. قال عبيد بن شربة: ذلك ناشر النعم بن عمرو بن يَعْفُر بن شراحيل بن عمرو بن أنس، وإنه اجتمعت له حمير، وبعث بالجيوش إلى ما كانَ حَوِى عليه آباؤه، واشتد سلطانه، ثم سار بنفسه غازيا نحو المغرب، لرؤيا رآها، حتى بلغ وادي الرَّمْل، ولم يبلغه أحدٌ من أهل بيته، فلما انتهى إلى الوادي لم يجد مجازا حتى جاء يومُ السبتِ فأسْبِتَ الرّمل، فلم يَجْرِ شيئا، وأمر رجلا من أهل بيته يقال له عمرو أن يعبر الوادي فعبر وأصحابهُ ليعلم ما وراء ذلك، فلم يرجعوا، فلما رأى ذلك كَفّ عن العبور، وأمر بصنم نحاس فَصُنِع، ثم نُصِبَ على صخرة وشُدّ بها، ثم كتب على صدره: صنَعَ هذا الصنم الملكُ الحِمْيَري ناشر النعم اليَعْفُرِيّ، ليس وراء هذا مذْهَب، فلا يتكلف المُضِيَّ أحدٌ فيعطب. قال معاوية: إنك لتخبر بالعجب، قال: إن أمر حمير كان عَجَباً من مسيرها وسرعة رجوعها، لرفاهية العيش باليمن وملك ودنيا قد أتوها. قال: فهل ذِكُرَ ذلك في شعر؟ قال: نعم، رجل ممن أمّرَه أن يَعْبُر وادي الرمل، وذلك قوله عند إلزامه العبور شعرا: فليس إلى إجبال ضج إلى اللوى ... لَوِي الرَّمْل فاصدقن النفوس معاد بلادٌ بها كُنَّا وكُنَّا نودها ... إذا الناسُ ناسٌ والبلاد بلاد وقال النعمان بن الأسود بن المغرب يمدح ناشر النعم، ويذكر أمر سليمان وردّه الملك. وإنما سمي ناشر النعم لإحيائه الملك وإقراره إياه في حِمْيَر، ورده النعم عليهم. قال في ذلك شعرا: حُيِيتَ أبيتَ اللعن في كل شارق ... تحية ملك في نهاء إلى الحشر لعمري لقد جَللت حمير نعمةً ... بقمعك عنها كل عات وذي كفر وراجعتها المُلك الذي كان قد مضى ... فأنت أبيتَ اللعن ذو نعم زهر ولولا سليمان الذي كان أمره ... من الله تنزيلا ووحيا على قدر لما كان إنسيّ بذاك يرومنا ... ولا الجن إذ نحن الأناظر بالصهر ولكنّ قدرا كان تحويل ملكنا ... إلى ابن نبيَّ الله داوود ذي القدر فنحن ملوك الناس قبل نبيْه ... وقبل أبيه الحبر عَصْراً من الدهر ونحن ولاة الملك في دهر ما بقي ... إلى أن يصير الملك دينا بلا قمر يكون نبيّث أَمْرُه غَيْر واهن ... رحيمٌ بذي القربى وذي الأجنب الوتر يكون له منا يسمى محمدا ... غطاريفُ صدق في الإنابة والنصر

стр. 78

يكون له بالأوس والخزرج الرضى ... بلوغ الذي يهواه في السر والجهر تدين له كل العباد لباسهم ... فيعلو بهم دين الإله على الكفر يحوطونه فيهم ويؤونه معا ... ويَلْقَونه بالحُبّ والرّحب والبشر ويبذل كلَّ مِنْهُم النفس دونه ... كذاك يواسون الجماعة في الوقر هم قومنا أبناء حارثة الندى ... لثعلبة بن الملك خير الورى عمر فُسوف تطَا السودانُ أرضا ابن حمير ... وتلبث عشر أو قريبا من العشر فيبرزها الملك الذي كان قد وهى ... قصير قوام الشخص متسع الصدر ملك خمسا وثمانين سنة. ملك شَهَر يَرْعَش بن أفريقيش بن أبرهة ذي المنار قال عبيد بن شربة: ثم رجع الملك إلى الرايش، فملك بعده شَهَر يَرْعَش بن أفريقيش بن ابرهة ذي المنار بن الرايَش. وهو الحارث - بن شدَد بن المِلْطَاط بن بن عمر وبن ذي انس بن يقدم بن الصرار بن عبد شمس. وسمى يَرْعَش لارتعاش كان به، فسار بعد ما ملك سنين نحو المشرق وساحل البحر، حتى دخل ارض العراق في شيء لم اسمع ان رجلا منهم سار في مثله من الخيول، ثم توجه نحو الصين يريدها، فكان طريقه على ارض فارس، ثم سِجِسْتان، حتى دخل خراسان، لا يمر بأهل مملكة الا بعثوا بالهدايا والادلاء وينتحون عنه. حتى كان منتهاه نهر بلخ فبينما هم كذلك إذا أقبل اليهم مالا يعلمه الا الله من امم بلغها مسيره فاجتمعت لتصطلم ذلك الجند من العرب فقاتلهم اياما، ثم ظفر بهم فهزمهم ومزقهم كل ممزق، وتبعهم مسيرة ايام. وكان للقوم مكان فيه سفنهم فانتهوا اليها وحِمْيَرُ في آثارهم، فركبوا معهم في سفنهم فأخذوا آلتها، فقاتلوهم فيها حتى عبروا أو نصفهم - ثم عبر القوم على مهل، فاتبعوا القوم فرأوا بلادا كثيرة الخير واسعة الميسر، فحاصروا المدائن، وافتتحوا القلاع، وظفروا بالسبى، وحووا الاموال، حتى انتهوا إلى جمع عظيم بالصغد فقاتلوهم فدخل مدينة الصغد فسبى اهلها وهدمها واسمها يومئذ اعجمى بلخى فسماها الاعاجم شمر كندة، تعني: شمر اقلعها فعربتها العرب فقيل: سَمَرقَنْد، فأبدلت من الشين سينا، وجعلوا موضع الكاف قافا، أي موضع كند قند. قال عبيد: وبلغني ان شمرا أمر بموضع مدينة الصغد فكتب هناك في صخرة: هذا ملك العرب والعجم شَمَر يَرْعَش الاشم، من بلغ هذا المكان فهو مثلي، ومن جاوزه فهو افضل مني. ملك مائة سنة وستا وثلاثين سنة: اسمه حسان، ويقال: هو تبع الأكبر. ملك الأقرن عَمِّيكَرِب بن شَمَر يَرْعَش بن افريقيش قال عبيد بن شريّه: ثم ملك ابنه الاقرن عَمِّيكَرِب بن شَمَر يَرْعَش بن افريقيش بن ابرهة ذي المنار، قغزا ارض المغرب متيمما إلى ارض الروم فانتهى إلى ارض الظُّلْمَة ليدخل وادي اللؤلؤ والياقوت والُّدرَ، فمات هنالك. وقال الياس بن عمرو بن الغوث بن العبد ذي الادغار شعرا اوله: ان تمس في اللحد ابو مالك ... يسفى عليه المُورُ بالحاصب ملك ثلاثا وخمسين سنة. ملك ابنه تُبَّع ذو الشأن الأكبر قال عبيد بن شريه: ثم ملك ابنه تُبَّع ذو الشأن، وهو تبع الاكبر بن عَمِّيكَرِب بن شَمَر يَرْعَش بن افريقيش بن ابرهة ذي المنار بن الحارث الرايُش، وكثر غزوه، ثم اقام عشرين سنة. لم يغز فتنقضت عليه الترك والخزر فلما بلغه ذلك ارسل عليهم فامتنعوا بالهدايا، وقتلوا رسله، فسار اليهم في الوجه الذي كان الرانيش سار فيه على جبلي طيء، ثم على الموصل، فلقيهم على حداء، اذربيجان - كانوا تهيئوا للقائه - فاقتتلوا اياما، ثم ان الترك انهزمت، فقتل المقاتلة وسبى الذرية، ثم قال تبع ذو الشأن في ذلك: منع البقاء تقلب الشمس ... طلوعها من حيث لا تمسي وطلوعها حمراء صافية ... وغروبها صفراء كالورس تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت للنفس اليوم اعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه امس وتشتت الاهواء تخلجني ... نحو العراق ومطلع الشمس خرجت لحربي الترك طاغية ... لافرغن لحربهم نفسي

стр. 79

لاوجهن شمرا لحتفهم ... ان ابن حمير غير ذي نكس حتى يتقرعن خبيتهم ... ويذيقهم ما ذاق ذو الرمس فلما رجع إلى اليمن اقام بها دهرا، فهابته الملوك، وراسلت اليه بالهدايا، من قبل الهند من كتان وحرير وفيها الخشكار وغيره من متاع الصين الفاخر ن فتطلعت نفسه إلى غزوها، فسار نحوها حتى انتهى إلى الركايا واصحاب القلانس السود فلما رجع خلف بأرض التبت اثني عشر الف رجل من خيار حمير فهم التبتيون اشتق اسمهم من تُبَع إذا سئلوا اخبروا ان اصلهم التبتيون من العرب، ولتبع في ذلك شعر اوله. انا تبع الاملاك من نسل حمير ... ملكت عباد الله في الزمن الخالي ملك مائة وثلاثا وستين سنة مُلْكُ كليكرب بن تبع الأكبر ذي الشأن قال عبيد بن شريه: ثم ملك ابنه كليكرب بن اتبع الأكبر ذي الشأن بن عَمِّيكَرِب بن شَمَر يَرْعَش بن افريقيش بن ابرهة ذي المنار بن الحارث الرايُش كليكرب: قال عبيد كان رجلا ضعيفا، لم يغز حتى مات، ولم يبعث جيشا فأما اهل اليمن فيزعمون انه كان يتحرج من الدماء، ووافق صنيعه حِمْيُر للراحة والدعّة، ولم يزل متحيزا باليمن حتى هلك وملك خمسا وثلاثين سنة. ملك ابن الاسعد ابي كرب وهو الاوسط ثم ملك ابنه الاسعد ابو كرب - وهو الاوسط - بن كليكرب بن تبع الاكبر ذي الشأن بن عَمِّيكَرِب بن شَمَر يَرْعَش بن افريقيش بن ابرهة ذي المنار بن الحارث الرايُش. وقال بعض: هو ابو كرب اسعد بن كليكرب ابن تبع بن حسان الأقرن. وابو كرب هذا هو تبع الثالث ويقال هو الاوسط وهو الكامل، اجتمع فيه ما افترق من الملوك، لانه بلغ في مغازيه جميع ما بلغه آباؤه من شرق وغرب، وزاد عليهم في بلوغ الشمال والجنوب، ثم سار إلى الظُلُمات، ودخل بلاد فارس وتفسير كليكرب بلغة حمير كُلِّى وَجْهُ وكرب فلاح، فكأنه وجه فلاح. وكان تبع هذا شاعرا منجما، يسير بسعد النجوم. ويقول الاشعار فيكثر، ومكث زمانا لا يغزو حتى سمته حمير مونثان، وهو القاعد في لغتها، وارجفت به معد، فقال شعرا اتاني ان قومي وبنوني ... بأني لا ازال على وثاب واني قد رضيت من المعالي ... بطيب من طعام أو شراب فأغضبني الذي بُلِّغْتُ عنهم ... واغضبت المقاول من عتاب ولكني امَرت بأن يسيروا ... على الجُرد المسومة العراب وضرب على اهل اليمن البعثَ، فخرج في جمع كثير لا يحصى، وآلى الا يرجع إلى بلاده حتى يقاتل مع الجيش الذي معه ابناؤهم، فكلما مر بحرس قال: احرب هاهنا - قوما ليكونوا بها، فسميت حرس بذلك وخرج يريد بلاد معد. فلم يلبي بين يديه احد منهم، ومن ثبت اوقع به واباده قتلا واسرا، وهو يطأ البلاد منعة، وذلك قوله شعرا: ايها الناس ان همي ورأيي ... ومن الرأي ان احف بلاد بالعوالي وبالعناجيج تمشي ... بالبطاريق مشية العيد اسقني ثم اسق حمير قومي ... كأس خَمر انني لابن عاد والبهاليل مذحج اذ نعادي ... بهم الخيل في عراض البلاد في شعر طويل، ومضى حتى اتى الطائف فحاصرها، وبث سراياه في قبائل هوازن بن جشم وثقيف، فمن ادرك قُتِل ومزهوَبَ طُلِب، ونال من كعب وكلاب مثل ذلك. ثم سار إلى اليمامة فقتل وسبى. وفي ذلك يقول تُبَع: جلبنا الكتائب من منكث ... فجنبى أزال إلى الواعرة فقرت تميم وألافَهْا ... ومن باليمامة من غاضره وفازت بكعب قدور لنا ... فدارت على جمعها الدايره وكرت عُذيل إلى ارضها ... وكانت لها كرة خاسره وجاءت ثقيف بأحلافها ... فلاقت ثقيف بنا الفاقره وجاءت كنانة تبغي الامان ... نمنى علانية صاغره تركت الديار بنى كاهل ... يبابا معطلة دامره وقائع في مضر تسعة ... وفي وائل كانت العاشرة

стр. 80

ثم بث سراياه ووجه امناؤه على جيوشه: فوجه ابنه حسان ذا معاهن، ووجه عبد كلال فوجيء اليمامة فاستباحها، ووجه عامر ذا حوال فأتى المُشَقَّر فاستباح اهلها. ووجه خالد ذا شلال فدّوخ بلاد مضر كلها، ووج شمرذا الجناح على مقدمته في خلق عظيم يريد الجوف، فمضى شَمَر ذو الجناح فواقع صاحب الجوف فهزمه، وقتل وسبى وغنم المدائن، ثم سار تبع الاسعد في جمهوره عساكره وقال في ذلك: هل اتى الناس ان اسعدا قد ... ازمع بالسير مع قصور ازال نحن سرنا إلى بلاد معد ... بجيوش كالاسد ذي الاشبال الف الف تعطل الارض منهم ... فوق جرد تسمو بصم العوالى فوطئنا البلاد من ارض قيس ... وتميم هناك وطيء النعال ثم مالت إلى المُشَقَّرخيل ... فاحتوت ما بها من الاموال وطحنا جَوَّا وما حول جَوَّ ... بالعناجيج والقُنا والرجال واستبحنا هوازنا بخيول ... ساهمات الوجوه مثل السعالى وملكنا معد شرقا وغربا ... فاستكانوا في قبضة الاذلال ثم وجهت ذا معاهن في جمع ... وفي مثل ذاك عبد كلال ثم تتبعهم بخيل ورجل ... عند ذي البأس عامر ذي جوال وسما ذو الجناح وقد قَدَّمْتُ ... في الخيل خالدا ذا شلال فوطئنا جبال كرمان حتى ... تركتها الجياد مثل الرمال واخذنا حراير الصين قسرا ... وتركنا البلاد في زلزال واقبل يبع يسير حتى نزل موضع الحيرة قبل ان تبنى، فعسكر به إلى شط الفرات، وسأل: لمن هذه البلاد؟ فقالوا: لرجل من قومك يقال له جذيمة الوضاح، فقال: تحيروا بها. فسميت الحيرة لقوله. ثم اقبل قباذ بن هرمز - وهو الملك يومئذ على فارس - وجمع كل اهل فارس، واستعان بقاصيهم ودانيهم، ولقي تبع يريد كَفَّه ورده عن ارض فارس، فأوقع بهم هزيمة فهزمه وكشفه، وفل جمعه، وقتلهم قتلا ازرع فيهم، واستباح سواده، بعد قتال ايام، وهرب قباذ حتى قطع دجلة، ووجه تبع شمر ذا الجناح في طلبه. وقال تبع في ذلك: سائل معد بن عدنان التي وطئت ... جيادنا هل رأيت في بطشنا اينا قدنا الكتائب من اقطار ذي يمنٍ ... حتى نطحنا بها كرمان والصينا والسند والهند قد سدنا وقد وطئت ... خيلى على خد بهرام وجورينا دار قباذ تركنا الطير تنهشه ... مجدلا واسرنا ثم شروانا وقد غضبنا بسابور وحوزته ... ولا يصبح له من مسه حينا ثم انصرفت وتلك الارض خامدة ... وسقت من شئت مقرونا ومحبونا في اشعار له كثيرة يذكر فيها وقائعه ومسيره. ولما دوخ بلاد العراق والجزيرة وخراسان، ووطيء الصين وبلاد فارس كافة، وارض العرب ذكر له صين الصين فعنف من نعته له اذ لم يذكره وهو بقربه، ثم اجمع على ان يوجه اليه جندا، فأمر قُيُوله ان يخرجوا من كل عشرة واحدا، ففعلوا، وولى عليهم اخاه عمرو بن كليكرب، فأوغل في البلاد التي هي للاعاجم ن وافتتح فتوحا كثيرة، وافتتح سمرقند، والذي ولى فتحها شمر ذا الجناح، ثم رد شمرا ومضى عمرو فأفتتح صين الصين ثانيا، واقام بها، فكتب اليه تبع بعلمه ان الجيش قد ملوا الثراء، وتطلعوا للقفول ن فكتب اليه اخوه عمرو بن كليكرب: ابلغ ابا كرب العلى ... والمرؤ تنفعه التجارب انا اتينا الصين قد ... جمعوا لسورتنا الجلائب عبُّوا وعبأنا لهم ... جمع القبائل والكتائب فرماحنا ورماحهم ... ما بين مقتصد وثاقب وسيوفنا وسيوفهم ... ما بين مغلول وقاضب وبنالنا ونبالهم ... يوقدن نار ابي الحباحب فهزمتهم وقتلتهم ... وابدتهم الا الكواعب فلنا المشارق كلها ... في ملكنا ولنا المغارب ان كنت ازمعت الايا ... ب فأنني لا غير آيب

стр. 81

ولما وصل عمرو بن كليكرب من الصين كتب كتابا بالحميرية، واودعه لوخ نحاس، وغادره هنالك أمارة، ثم ان تبعا كرّ راجعا إلى اليمن، فسار في طريقه حتى قدم المدينة، وهي يومئذ تسمى يثرب، يريد اسباحتها حين قتل بها ولده، واهلها الاوس والخزرج ابناء حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء، وهم يومئذ اهلها ومن بقي عندهم من يهود يثرب، وقد كان تبع في مسيره ذلك خلف بيثرب ابنا يقال له خالد، ومعه امه ن ومضى إلى الشام والعراق وارض فارس، واستفتح الفتوح، فاغتالت يهود يثرب ابنه فقتلته، وقد كان خلفه بها، فلما كر راجعا إلى اليمن بلغه ذلك، فأمر جيوشه بالمسير إلى المدينة ليدمر اهلها، فتوجه نحوها وأنشأ يقول: يا ذا مُعاهن ما اراك تريد ... اقذى بعينك غالها ام عود منع الرقاد فما اغمض ساعة ... نبط بيثرب آمنون قعود نبط اسارى ما ينام سميرهم ... لا بد ان طريقهم مورود فلأ وقعن يوما بيثرب وقعة ... تبكي اراملها معا وترود ولاخضبن سبالهم بدمائهم ... ولترغمن معاطس وخدود واقبل تبع حتى بلغ المدينة مجمعا على خرابها وقطع نخيلها، فنزل بسفح أُحُد واحتفر بئرا، فهي إلى اليوم تسمى بئر الملك، وارسل إلى اشراف اهل يثرب، الاوس والخزرج. فتحصنوا عنه في آطامهم، ومنعوا احلافهم من اليهود وكانت خيوله تحاربهم النهار حتى إذا امسوا وكان الليل دلوا اليهم التمر في المكان والخبز واللحم والثريد والعلف، والقت للخيل، فرجعوا إلى تبع فاخبروه بذلك فقالوا: بعثنا إلى قوم يحاربونا بالنهار ويقروننا بالليل!! فقل: نِعْم القوم قوم وجدت، قاتلوني نهارا واقروني ليلا. ثم ان الاوس والخزرج ارسلت اليه فقالت: ابيت اللعن. ان اليهود لم تكن لتجتريء ان تقتل ابنك وانما قتلته امرأته. قال تبع: وكيف ذلك؟ فقالت دخلت امة بينه وبين امرأته. فقال تبع: اولعت الحماة بالكنة واولعت الكنة بالظِّنّة. فذهبت مثلا. وأتاه حبران من اليهود فقالا له: ايها الملك ان مثلك لا يُقْبِل على الغضب ولا يقبل قول الزور. وشأنك عظيم من ان يصير امْرُكَ إلى التسرع إلى مالا يَجْمُل وانك لا تستطيع ان تخرب هذه القرية. فقال: ولم ذلك؟ فقالا: فأنها محفوظة، وومهاجر اليها نبي من بني اسماعيل بن ابراهيم اسمه احمد، يخرج في آخر الزمان هذه البنية. يعني الكعبة - قال تبع: متى ذلك؟ قالا؟ من بعد زمانك بوقت وازمان. فوقع كلام اليهوديين في قلب تبع فأعجبه ما سمع منهما وصدقهما وامسك عن حرب اهل المدينة، وانصرف عن رأيه في خرابها. وقال تبع في ذلك ال عيني لا تنام كأنها ... كحلت اماقيها بسم الأسود انا لما فعل اليهود بخالد ... فأبيت منه ساهرا لم ارقد قد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي به بلا بقتل محصد إلى ان اتاني من قريظة عالم ... حبر لعمرك ذو تقى وتعبد ازدجر عن قرية محجوبة ... لبني مكة من قريش مهتد عفوت عنها عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد

стр. 82

ثم سار تبع نحو مكة، ومعه اليهوديان، وهما الحبران، وقد دان بدينهما، وآمن بالنبي ﵇، وبما انزل في التوراة، فلما قدم إلى مكة آمن بالله وبمحمد ﷺ ، وامر بنصب مطابخه في الشعب الذي يقال له شعب عبد الله بن عامر، فبذلك سمي هذا الشعب المطابخ. وكانت خيله في موضع فسمي بجياد الخيل، تُبَع أجيادين. وكان سلاحه في موضع قيقعان فسمي قيقعان بقعقة السلاح، فأقام بمكة اياما ينحر كل يوم خمسمائة بدنة لا يرزأ هو ولا احد من عسكره شيئا منها، يردها الناس فيأخذون منها حاجتهم، ثم تقع الطير فتأكل، ثم السبع إذا مست، لا يصد عنها شيء من الاشياء انسان ولا طائر ولا سبع - على ذلك كل يوم - ثم كسا البيت كسوة كاملة بالبرود اليمانية والعصب والحبر، وكان تبع اول من كسا الكعبة كسوة كاملة. ثم رأى في المنام ان يكسوها، فكساها الانطاع. ثم رأى ان يكسوها فكساها الويل - ثياب حبرة من عصب. وانما كان تكسى الخصاف وهي كالبواري من خوص النخيل. ونحر عندها ستة الاف جزوز، واطعم جميع من ورده من العرب من اهل مكة. وطاف، وجعل على بابه مصراعين من ذهب وقفلا من ذهب وميزانا من ذهب، ولم يكن له باب يعلق عليه قبل ذلك. وقال تبع في ذلك، وفي مسيره قصيدة طويلة منها الابيات التالية: كنا جبادنا من ظفار ... فرمينا بها مغارا بعيدا التبع المليك على الناس ... ورثت الجدود ثم الجدودا وكسوت البيت الذي حرم الله ... مُلاء مقصبا وبرودا ثم طفنا به من الشهر عشرا ... وجعلنا لبابه اقليدا ونحرنا تسعين الفا من البدن ... ترى الناس حولهن ركودا ونحرنا بالشعب ستة الاف ... ترى الناس حولهن وفودا وامرنا لا نقرب البيت منه ... لحم ميت ولا دما مقصودا ثم سرنا نوّم قصد سهيلا ... ورفعنا لواءنا المعقودا بعد ان دوّخت معدا جنودي ... فغدت لي معد صغرا عبيدا قال: وكانت التبابعة إذا عاودت من غزوهم ان يذبحوا وينصبوا المطابخ بأجبال مكة، ويتعمدون بذلك اجتماع الناس من كل فج، فيطعمون الطعام هناك، وكان ذلك فعل التبابعة. وفعل ذلك ايضا حجر من بني معاوية الاكرمين من كندة، وفي ذلك يقول عبد المطلب بن هاشم يلاعب ولده العباس في ارجوزة له: ظني بعباس إذا هو كبر ان يطعم اللحم نشيلا وقدر ويكسر البيت ملاء وازز كأن عبد كلال أو حجر قال فحدثنا زيد بن ابي الورقاء، عن ابي لهيعة، عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال النبي) ص (:لا تسبوا تُبَّعا فأنه قد اسلم. وباسناد عن ابي هريرة قال: نهى النبي) ص (عن سب يبع الاسعد الحميري، وقال: هو اول من كسا البيت. وعن ابي المنذر، عن ابيه، عن مجالد بن سعيد قال: رأيت بمكة رجلا عليه السيف محلى بذهب، فقلت: ما دعاك إلى ما أرى؟ قال: اخبرك، اني كنت مع عامل اليمن، فأتاه آت قال: أدلك على كنز. فكنت الرسول معه، فحفرنا في الارض حتى وصلنا إلى باب ففتحناه، فاذا هو بيت مملط بالذهب، واذا لوح مكتوب فيه: هذا قبر تبع الاسعد، مات على الحنيفية، يشهد ان لا اله الا الله. فأخذنا ما كان من ذهب، واتيته به إلى العامل، فأمر لي بمائة مثقال، ثم لم يمكث الا قليلا حتى اتاه آت آخر، فقال: ادلك على مثله، فبعثني فأحتفرنا بيتا مثل الاول مملط بالذهب، واذا لوح مكتوب فيه: هذا قبر لميس اخت تبع، ماتت على الحنيفية، تشهد ان لا اله الا الله، فنزعنا ما كان من ذهب، واتينا به إلى العامل، فأمر لي بمائة مثقال، فحليت بها سيفي هذا. ومما شهر من قول تبع الاسعد قوله في وقائعه ومسيرة قصيدة اختصرنا منها قوله شعرا: أرقت وما ذاك الا طرب ... وهل يطرب النازح المغترب وبيت بالشرق لي بيعة ... ثياب الحرير وكنز الذهب فسرت اليهم بجيش لهام ... كثير الزهاء شديد اللجب بأبناء قحطان من حمير ... بهاليل شم صميم العرب فدانت معد لنا عنوة ... فكلهم مولع بالتعب

стр. 83

فمنهم جعلت لحوك البرود ... وحَذوا النعال وصبغ العصب وقيسا جعلت بارض الحجاز ... لنسج القباء وحك الجرب تميما جعلت لحفر البيار ... ومتح الدلاء ومد الكرب ربيعة ثم هداة الطريق ... منارا على القصد حيث السغب خزيمة فيها لنحت البرام ... وكانت كنانة اهل الحلب صنيع ابي كرب الحميري ... اسعد ذاك ابن كليكرب في شعر طويل من شعره. ثم قال تبع في هذه القصيدة: وذلك حين بدأ اعلانه حديث النبي) ص (، وكان أظهر امره في آخر مملكته، وشهد بصحته، وله في ذلك اشعار كثيرة سنذكر بعضها. قال تبع في هذه القصيدة: فدع ذا وقل للذي هو آت ... لكل الذي هو آت سبب فأما إذا اضمرتنا البلاد ... تليها المجوس واهل الصُّلب واهل المواشي واهل العمود ... يذودون ملكا طويل الغلب ويأتي على الناس من بعد ذا ... ستون كما قال اهل الكتب يكونون في غمرات العمى ... فيأتيهم مرسل منتخب فيأتيهم بسبيل الهدى ... ويكسر اصنامهم والنصب فلو مد يومي إلى يومه ... لكنت نسيبا له في النسب وسوف يلي الامر من بعده ... ولاة يصيبون من لم يرب هم يملكون جميع البلاد ... لسفك الدماء ووثب الحرب وقد قيل ملكهم ذاهب ... واني لأعجب كل العجب لأمر يجيء إلى معشر ... يرى في جمادي أرى أو رجب وبالشط احمر من قومنا ... سينئار بالملك بعد الغلب هو الخلق الغابر المرتجى ... يفض الجموع وجمع العصب وقال تبع في ايمانه بالله والنبي) ص (، ويذكر اشياء تحدث: أو كريح الجنوب عمت بخير ... عجبا بعد من عراص المقيم أو كهذا النهار يغشاه الليل ... بعد ضوء من الصباح مقيم يا بني حمير الكرام غدرتهم ... غدرة قد سرت بدهر غشوم قد غدرتم بخير من تحمل الارض ... بذي البؤس في الورى والنعيم قد غدرتم بتبع الاسعد الملك ... ربيع الورى وعز الحميم من له بعده يوطد ملكا ... رابط الجأش عند خطب جسيم ما سوى قومك المقاول ... فأخاك غليك السلام من معدوم قال: فلما مات تبع الاسعد ندمت حمير على ما كان منهم في محاولة قتله، زاختلفوا فيمن يملكون بعده، حتى اضطرهم الامر إلى ان ملكوا ابنه خسَّانا فملكوه واخذوا عليه موثقا الا يؤاخذهم بما كان منهم في ابيه. وكان ملك تبع الاسعد مائة وعشرين سنة. ملك حسان ذي معاهن بن تيع الاسعد قال عبيد بن شريه: ثم ان حميرا سقط في ايديهم الامر مخافة الهلاك، وصارت امورهم إلى ان اتوا حسان بن تبع فسألوه ان يتولى امورهم، فبايعته حمير، فلم يزل مقيما بأرض اليمن لا يروم غزوا ولا يهم به مداريا في ذلك قبول اهل اليمن، لملالتهم صنيع ابيه واتعابه اياهم بالغزو، إلى ان قدم عليه رياح بن مرة الطسمي يخبره بغدر جِدِيس بملك طَسْم، حين قتلتهم وأبادت طسما، وانشده في ذلك شعرا لما دخل عليه، فقال: حُيّيت من ريِّس ... في الحسب القدموس جيْتك من جديس ... لغارة الخميس وفعلة الشيطان الماعوس ... لم يبق من انيس غير النسا الحبوس ... والصبية الجلوس يبكيب للبئيس ... بكاء لا ينقيس

стр. 84

فبعث حسان إلى مقاول حمير، واخبرهم خبر جديس، وما فعلت بطسم فقالوا: لا أرب لنا بهم، هم اخوة اغار بعضهم على بعض، وهم عبيدك. فقال: ما هذا يحسن من فعلكم. ان تهدروا دماء احرار اصيبوا بغدر، لا ينصف بعضهم من بعض. فعند ذلك بطشت المقاول للمسير، واجابت حسان إلى النهوض. فسار إلى اليمامة، فأباد جديسا ببغيهم على طلسم، فلم يبق منهم باقية، فهرب قائدها الاسود بن عفار الجديسي. فلحق بأجأ وسلمى وهما اذ ذاك خلا، لا انيس بهما. فلم يزل بهما حتى نزل بهما طيء فقتله عمرو بن الغوث بن طيء. وان حسانا لما اباد جديسا جعل يتجنا على قتلة ابيه، فقتلهم واحدا بعد واحد إلى آخرهم، فاشتد عليهم امره، ثم انه جمع مقاول حمير وحضهم على الخروج والغزر، وامرهم بالمسير نحو الغرب، وقدم اخاه عمرو بن تبع بين يديه، في ثلاثمائة فيل. فكرهت المقاول فعله ونقضت عليه، وقام فيهم الاخيل بن حيدان فقال: يا معشر حمير، هذا رجل غير راجع حتى يبلغ المشرق، فأنظروا لانفسكم، فأنه قد غدر بنا، وحملنا على ما ليس من امرنا. قالوا: انت سيد القيول وذر رأيهم. فقال: اقيموا مع صاحبكم. وسار حتى لحق عمرو بن تبع فيمن اتبعه من المقاول، فبايعوه على قتل اخيه حسان بن تبع وتمليكه مكانه، ما خلا ذو رعين فانه ابى ان يبايعهم، وكان من اشرافهم من المقاول ونهاهم عن ذلك وحذرهم وحذر عمرا سوء العاقبة، واخبره انه ان فعل ذلك مِنُعَ النوم فقال: ما قتل احد اخاه قط أو اباه الا منع منه النوم، فلا ينام حتى يموت. وان فعلك هذا معيلة وفساد وسهر تضمنه حتى التناد. فأبى عليه الا ان يبايعه أو يقتله. قال: فأدفع اليك صحيفة لتكون امانة عندك، فأتاه بصحيفة لا يدري ما فيها، ولا يعلمه غيرها، وكان في الصحيفة مكتوب: الا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من ينام قرير عين فان تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الاله لذي رعين مضى عمرو قدما حتى قتل اخاه حسانا، فلم ينم ولم تغمض عيناه بعد ذلك، إلى ان مات. وكان ملك حسان ذا معاهن بن تبع خمسا وعشرين سنة. ملك عمرو بن تبع الاسعد قال عبيد بن شريه: فملك عمرو بن تبع واستنفخت به اهل اليمن ينازعونه، وأتنقضت عليه بالبلاد، ومنع منه النوم. فشكا ذلك، فقيل له: إن النوم لا يأتيك أو تقتل قتله أخيك. فنادى في جميع أهل مملكته: إن الملك يريد أن يعهد عهدا فاجتمعوا. وأقام لهم الرجال، وقعد في مجلسه، ثم أمر بهم أن يدخلوا خمسة خمسة، وعشرة عشرة، فإذا دخلوا أمر بهم فقتلوا، حتى أتى على عاقبة القوم، وأدْخِلَ عليه ذوُ رُعين، فلما رآه ذكر ما كان قال له، وأنشده الشعر الذي أوْدَعه إياه في الصحيفة: ألا من يشتري سهرا بنوم ... سعيد من يبيت قرير عين فإن تك حمير غَدَرَت وخانت ... فمعذرة الآله لذي رعين فأمر بتخليته فأكرمه وقربّه واختصه، وأضطربت على عمرو أموره، وترك الغَزْوَ، وأراد إذلال ولد أخيه حَسَّان، فزوج عَمْراً المقصور ابن حجر آكل المرار الكندي جد امرئ القيس الكندي ابنة أخيه حسان ذي معاهن، فولدت له الحارث الملك بن عمرو بن حُجْر سيّد كندة، وكان يخدم أباها حسان بن تُبّع، وكان ملك عمرو بن تبع ثلاثا وثلاثين سنة. ملك عبد كُلال بن مثِّوب الرعيني قال عبيد بن شربة: ثم ملك عبدُ كلال بن مثوّب الرعيني، وذلك أن ولد حَسّان وولد عمرو كانوا صغارا، إلا ما كان من تُبَّع بن حسان فإن الجن استهامته زمانا، فأخذ عبد كلال المُلْكَ مخافة أن يطمع فيه غيرهم من أهل البيت، فوليه بِنُبْلِ وتجربة وسياسة كاملة، وهيبة فائقة، وسرِّح الجنود في العرب فقوتل مخافة الجرأة منهم عليه. قال معاوية: فصنع عبد كلال ماذا؟ قال: بلغنا أنه كان من عباد الله الصالحين، وكان على دين عيسى بن مريم ﵇، ونشر إيمانه، وكان مُلكه أربعا وسبعين سنة. " ملك تُبّع الأصغر بن حسْان ذي معاهن بن تبع الأسعد "

стр. 85

قال عبيد بن شربة: ثم ملك تُبّع بن حسان بن ذي معاهن ابن تبع الأسعد، فهابته حمير والعرب هيبةً شديدة، فبعث بابن أخته الحارث بن عمرو المقصور بن حُجر الكندي وهو جد امرئ القيس الكندي، فملكه على مَعّدّ، وسار هو إلى الشام حتى أعطته غسان طاعتها، ووطيء العَرَب حتى أشتد ذلك منه فيها، وقتل له: أرفق بربيعة جندك، فإنهم عَضُدَك وعضدَ مَنْ بعدك. قال: ومن ربيعة؟ ليست إلا قوم مي قال: فإن ألهك قد أمرك بذلك. فلتكن منهم وليكونوا منك. قال: ما أريد أن يكون سوى قومي أُزْر. قال: بلى أتخذهم دون المعاشر، ما استقل في السماء طائر، فإنك بذلك مأمور، فاحذر من المعصية التغيير. فبعث إلى سادة ربيعة فعَقَد الحلفَ بينهم وبين اليَمَن، وكنت بينهم في ذلك كتابا، ووضعه في صندوق ودفنه في خليج من البحر، وأجرى عليه الماء، وفي ذلك يقول عوف بن ربيعة: إلا يا خير خلق الله ... تبع بن حسان وابن التُّبَّع الأسعد ... أو التُّبَّع ذي الشن وابن السادة الأخياء ... رو الفكاك للعالي أبيت اللعن أنت المَلْك ... من أولاد قحطام وأهل السؤود الأقدام ... مجدا غير بهتان ملوك الناس والسادة ... في أوّل الأزمان أتيناك بحلف نبتغي ... في خير جيران فكنت المرتضى علما ... وكنت الهادم الباني وَرِثْتَ المجد عن جدل ... قدما قبل لقمان فقد آمن منا الشرّ ... عقلاك الوثيقان وكان ملكه ثماني وتسعين سنة. وفي نسخة أخرى ثماني وسبعين سنة. ملك مرثد بن عبد كلال بم مُثَوّب الرعيني قال عبيد بن شربة: لما هلك تبع الأصغر بن حسان استخلف بعده مَرْثِد بن عبد كُلالَ بن مثوب الرعيني، وهو أخو تُبّع هذا لأمه، وكان ذا رأي وبأس وجود، فنطقت حمير في ذلك وقالوا: لانرضى، هذا حسان بن تبع ابن حسان هو وإن كان غلاما. فهو أحق بالملك من بني مثوب حتى كاد أن يقع بينهم الشر، ثم جيء بالغلام حتّى سلم لِعَمِه المُلْك، وكان ملك مرثد بن عبد كلال إحدى وأربعين وسنة. ملك وليعة بن مرثد بن عبد كلال قال عبيد بن شربة: ثم ملك بعده ابنُه وليعةُ بن مرثد بن عبد كلال، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكان فيما يذكرون. من أعقل رجال اليمن وأحسنهم تدبرا. قال معاوية: لم أسمع لوليعة ذكرا، فهل تَرْوِي في قصته وأمره شعرا: فإن ديوان العرب؟ قال: رثاه جعفر الأحوص بن جعفر بن كلال إذ يقول: وليعة إمّا تُمْسِ في اللحد تثاويا ... عليك مَسَافي التُّرْب في البلد القفر فقد عشتَ محمودا ومتَّ مُرَزَّاً ... إليك معد في الأمور معا تقدي تفك أسارها وتعطى جزيلها ... زتعفو عن السوء وتسمح بالوفر فبكى معد خير رب علمته ... فنعم مليك الناس كان أبو نصر فلستَ بمكفورٍ لَدَى وإن لوى ... بك الدهرُ بالمراثي وبالشكر وملك تسعا وثلاثين سنة. " ملك حسان بن عمرو بن تبع الأصغر بن حسان ذي معاهن بن تبع ايسعد " قال عبيد بن شربة: ثم رجع الملك إلى ولد تبع الأسعد فملك حسانُ بن عمرو - وكان من خيارهم - وهو الذي أوقع ببني عامر بن صعصعة فأصاب منهم أسرا وسبى سبيا، فوفد عليه خالد ابن جعفر بن كلاب في بني ربيعة وهوازن وخالد متقدمهم، وكان خالد: قصير القامة، فقال له حسان قدموك وأنت أقصرهم قامه - فقال خالد: قصير إنه يرتفع الرجل بأصغرية قلبه ولسانه. فقال له: قومك أعلم بك. ثم شفَّعة فيمن شفع ومنّ عليه بإطلاق أسارى قومه، ورَدَّ عليهم سَبْيَهُم، وأكرمهم فقال فيه خالد بن جعفر بن كلاب شعرا: فِدّى لأخي المقاول حيث أمسى ... نَبِيّ وما أقلّ الفعل مني كساني حُلَّة وحبا جناحي ... كريم لا يكدره بمنّ وفكَّ عشيرتي وأفاد حمدا ... وكان من المكارم حيث ظني لقد جاوزت نحوك يابن عمرو ... بلاد مخوفة إنس وجن فلن أَنْفَكَّ ما عَّمرتُ أهدى ... ثناءً طيبا في كل فن

стр. 86

وملك سبعا وخمسين سنة. ملك خثيعة ذو شنانز قال عبيد بن شربة: ثم ملك رجل ليس من أهل المملكة وهو من أبناء المقاول يقال له خثيعة ذو شناتر، وكان من أفَظَّ مَلِكَ في حمير وأشطهم قِيلاً بلا جرم، وكان لا يسمع بغلام نشأ من بيت المملكة له قّدْر وأدب إلا بعث إليه فنكحه ليَّلا يطمع في مُلِكٍ مَاَ بَقَى حميرُ لا تَمَلَّكُ مَن لُعَب به فلم يزل أمره كذلك حتى بلغه عن غلام منهم يقال له ذو نُواس كانت له ذؤابتان تَنُوسَان على عاتقه: أي تذبذب، اسمه يوسف بن ذرعة - وذو نُوَاس بالسين المهملة وضم النون وبهما سمى ذو نواس، وهو من ولد تُبَع، وكان هذا الغلام لا يزال يُعَبّر الغلمان بما يأتي إليهم خثيعة. فلما بعث إليه أعَدّ ذو نُوَاس سِكَّيناً لطيفا، فلما أُدخِل عليه هَسَ إليه، وذهب ليلتزمه فوجأ لبَّتَه فقتله، واحْتَزَّ رأسه فوضعه في كُوَّة في المشرفة ووضعَ السِّوَاك في فيه، وكانت علامته إذا فرغ من فجوره، ونزل ذو نُوَاسَ ومَرّ بالحَرَس، فقال بعضهم ذو أنَواس لا بأس، افرخ روعك في الناس. فقال ذو نُواسَ وهو مُدْبِرٌ عنهم: ما عَلَى ذي نُواس من بأس، بل عليكم البأس من الرأس ومضى فنظر الحَرَسُ إلى خثيعة فقالوا: نعس الملك. فلما طال ذلك عليهم صعدوا فإذا به قتيل، فأخبروا الناس وبعثوا إلى الميامنة والمقاول، فاجتمعوا وقالوا: لا يملكنا ولا يَسُوسُنا إلا الذي أراحنا من فضيحته وبَلِيَّته، ولم يَكْلَمْهُ الطمعُ كما كَلَم أولادنا، فملَّكُوه. وكان ملك خثيعة ذي شناتر سبعا وعشرين سنة. ملك ذي نُوَاس قال عبيد بن شربة: ثم إن حمير بعثت إلى ذي نُوَاس فعرضوا عليه المملكة فما تكرَّه عليهم، فملكَّوُه أمْرَهم. وذو نُواس هذا صاحب الأخدود الذي ذكره الله في كتابه، وذلك أنه دان باليهودية، وبلغه عن أهل نَجْران أنهم دخلوا في النصرانية برجل أتاهم من جهة ملوك غسّان فعلمهم ايَّاها، فسار إليهم بنفسه حتى عرضهم على أخاديد احتفرها في الأرض وملأها جَمْراً، فمن تابعه على دينه خَلَّى عنه، ومن أقام على النصرانية قذفه فيها، حتى أتي بامرأة معها صبيٌّ لها ابن سبعة أشهر فقالت إن لم أرجع عن ديني فليس الا من رحمتك. فقال ابنها، وهو رضيع وهو في حجرها - يا أمّاه امضى على دينك، فإنه لانار بعدها، فعجبت المرأة من كلام الغلام، ومضت على دينها، ورمى بها وابنها في النار، وبلغ ذا نواس ففزع وكفَّ، وخرج من نجران حتى أتى صنعاء، ورفع الأخاديد. خروج الحبشة إلى أرض اليمن

стр. 87

لما كان من أمر ذي نُواس ما كان في أرض نَجْرَان حين ألقاها في الأخاديد وحرَّقَهم بالنار، خرج عند ذلك رجلٌ من اليمن يقال له دَوْس بن عازب ذي ثعلبان الحميري، مراغما لذي نُوَاس بالخَيْل حتى دخل الرَّمل ففاتهم، س فعند ذلك قالت حِمْيَر دعوه فقد قتل نفسه. فلن يَنْجُوَ من الرمل، فنجا دَوْسُّ من الرمل، وكان على دين النصرانية. فشكا إلى ملك الحبشة ما لقي أهل نجران من ذي نواس، وقال إنهم أهل نصرانية، وانت أحق من انتصر منهم لهم. فكتب ملك الحبشة إلى قيصر يُعْلِمُه، ويستأذنه في التوجه إلى اليمن. فكتب إليه يأمره بذلك، وأعلمه أنه سيظهر عليها، وأمره أن يولي دَوْس بن عازب الحِمْيَريْ أمر قومه. فبعث إليه ملك الحبشة سبعين ألفا من الحبشة، وجعل على ضبطهم قائدا من قُوَّده يقال له أرباط، وقال له: إذا ظهرتم على ذي نُواس فليكن دَزْسُ بن عازب على قومه، وكنت أنت على ضبط الجيش وساروا حتى خرجوا إلى أرض اليمن، وسمع بهم ذُ نُوَاس، فجمع لهم وخرج إليهم. فاقتتلوا قتالا شديدا. وكانت نقمة الله في ذي نُوَاس وأصحابه، لإحراقهم المؤمنين، فانهزمت حِمْيَر وقُتِلَ بَشَرُّ كثير. فلما رأى ذو نواس وأصحابه ذلك أقحم فَرَسه البحر فأغرق نفسه، وظفر السودان بعسكره. فلما رأى ذلك أبْرَهة الأشرم نازع أرباط الجيش. وقال: أنا أحق أن أضبط جيش الحبشة. فقال لهما دَوْسُ بن عازب بن ذي ثعلبان الحميري: ما كنت لأدخل في شيء من أمركما. فصارت الحبشة حِزْبَيْن. حزب مع أبرهة وحزب مع أرباط وتهيئوا للحرب، فأقبل عَتْوَة بن الحبتري الحميري - وكان من أبطال حمير ورجالها - فقال لأبرهة: إن أرباط لو قُتِلَ لاستقامت لك الحبشة، قال: أجل، فمن يقتله؟ قال عَتْوَدة بن الحبتري: أنا أقتله. فقال أبرهة: وكيف ذلك؟ قال: تدعوه إلى البراز لك. فأكمن أنا له فإذا برز إليك خرجتُ إليه من خلفه فَقَتَلْتَهُ. قال: فبعث أبرهة إلى أرباط - وكان أبرهة رجلا قصيرا فحمل عليه أرباط فضربه بعمود كان معه - وهو يريد رأسه - فقصر وشرم حاجبه وعَيْنه وأنفه وشَفَتَه، فبذلك سمي الأشرم. وحمل عَتْوَدَة على أرباط فطعنه فقتله، واستولى عند ذلك أبرهة على الحبشة. وكان صاحب الجيش عَتْوَدَة من تحت يد أبرهة وسار أبرهة حتى ورد أرض اليمن، وكان عتودة صاحب أمره، فلما ورد أرض اليمن تركت مذبح وهمدان سهل البلاد وصعدوا إلى الجبل، وقالوا: لاندخل في طاعة أحد غير حمير. وانما كان البلد الذي نزله أبرهة بلد حمير وهمدان ومذبح وبني نهد. فأما مذبح وهمدان فاعتصموا بجبالهم وامتنعوا بالخيل والعدة، وكانوا يغيرون على أبرهة إذا وجدوا الفرصة، ثم يصعدون إلى جبالهم، ولم يكن بينهم وبين أبرهة سِلْم، وكانوا له حربا، وهم في جبالهم، ولم ينزلوا إلى السهل حتى قدم ابن ذي يزن اليمن. وأما بنو نهد فوادعوا أبرهة على أن ينزلوا السَّهل من أرض اليمن آمنين، لايعرض لهم أحدٌ من قِبَل أبرهة، ولا يعرضون لأحد من أصحاب أبرهة. وتركوا عند أبرهة رَجُلاً رهينة من ساداتهم يقال له طُفَيْل بن عبد الرحمن بن طفيل بن كعب الهندي - هذا ما أخبر به ابن الكلبي. وأما حمير فأعتصم أكثرها بالجبال، فلم ينزلوا إلى السهل، ولم يسالموا أبرهة. وأما من أقام منهم بالسهل فإنه وادع أبرهة وخطب إلى أبرهة الصَبَّاح بن لهيعة بن شيبة الحمد ابن مرتد الخَيْرِين نَيْفَ بن نيف بن معدي كرب بن مصحاء وهو عبد الله بن عمرو بن ذي أصبح الحميري. فخطب إلى أبرهة ابنته وكان الصبّاح سيدا في حمير، وألطف أبرهة ابنته ريحانة بنت أبرهة الأشرم فأولدها الصباح غلاما، فسماه أبرهة جده أبرهة الأشرم فمن ولده النَضْرُ بن معدي كرب بن أبرهة بن الصبّاح، وكان سيد أهل الشام في زمن معاوية. وبهذا عَرَّض الكميتُ بن زيد حيث يقول: وما سموا بأبرهة اغتباطا ... بشين خؤولة مُتَزَّينينا

стр. 88

وليس هو بعار ولا بعيب أن يكون الصَّبَّاح إلى ملك الحبشة، ليس إن ملك الحبشة تزوج إليه، وكان الصباح بن لهيعة صاحب أمره لا يقطع أمرا دونه، ودون مُضَارب بن سعد اليحصبي، وكان مضارب من جلاس أبرهة يبره ويهدي إليه وكان من خيرة حمير أيضا، وكان كذلك عبد الله بن عمرو أيضا، وكان المستحوذ على أمر أبرهة الصبّاح وعبد الله بن عمرو، والمضارب ابن سعد، وعَتْوَدَة بن الحبنزي، فهؤلاء كلهم من حمير. وكان لا يقيم أحد بالسهل إلا وهو مُوَادَعِ لأبرهة، فلما علا أمر عَتْوَدة بن الجنزي - وإنما كان رجلا من حمير ليس هو من أهل بيت شرف منهم - فخطب إلى رجل من أهل بيت المملكة من حِمْيَرَ ابنته، فرَّده الرجل، فوجد عَتْوَدة في نفسه وتهدد الرجل لذلك، فلم يزل الشرّ بينهم حتى خرجوا بالسلاح - أهل بيت أبي الجارية وأهل بيت عَتْودة - فاقتتلوا فضَرب عتودة رجلٌ من أهل بيت أبي الجارية فقتله، وبلغ أبرهة فقال: يا معشر العرب. ما كنت لأفيما بينكم، بعضكم أولى ببعض. وزعم قوم أن أبرهة كان له باليمن صولة وسطوة. وليس الأمر عندنا كذلك، لأنه لو كان كذلك لقاتله اليمن عن أنفسهم وبلادهم كما قاتلوا عن البيت الحرام لما أراده، فهم كانوا لأنفسهم وبلادهم أشدَ منه للبيت، لأنهم كانوا كُفَاراً، وإنما كانوا يقاتلون حمية وأنفا، ولكنهم كانوا يوادعون له من كان منهم مقيما بالسهل، وكيف يكون أيضا كما قالوا وهو يزوّجهم بنّاته ويتخذهم ندماء وأصحابا لا يقطع أمراً دُونَهم. خروج الحبشة إلى مكة لهدم الكعبة

стр. 89

قال: ثم إن أبرهة الأشرم بني بيعة لم ير الناس مثلها في زمانهم، ثم عزم أن يجعل حَجَّ العرب إليها، فلما بلغ العرب ذلك أكبروه وعظَّمُوه. فقال القُلَّيس الكناني ثم الفقيمي: أنا أكفيكم ذلك. ثم سار حتى ورد على أبرهة فقال: إني وافد قومي إليك على أن يحجوا لهذه البيعة. فسرَ ذلك أبرهة وأكرم القليس الكناني، حتى إذا عيد للحبشة وشغلوا بملاعبهم وشربهم اقبل القليس الكناني حتى دخل البيعة وسلح في كل زاوية منها ولوث به جميع البيعة حتى اقذرها، ثم قعد على راحلته راجعا إلى مكة، فلما دخل ابرهة كنيسته وجدها على ذلك الحال وفقده، فعلم انه صاحب ذلك، فغضب وعزم على غزو البيت الذي تحجه العرب، وبعث إلى النجاشي يخبره بذلك ويستمده، فأمده بجيش عظيم ثم ان ابرهة عزم على المسير إلى البيت، وخرج معه الفيل، فلما ذاع هذا منه في ارض العرب اكبروا ذلك، فقالت حمير: والله يامعاشر حمير، لئن سار ابرهة إلى البيت الحرام يريد هذمه ولم تقاتلوه ولم تمنعوه عن ذلك لسبة عليكم في العرب كلها. فنزلت حمير اليه من جبالها وعليها ذو القرنين الايقاع الحميري، ثم ساروا حتى لقوا ابرهة فقاتلوه قتالا شديدا فهزمت حمير، فانكشفت فلحقت بجبالها، وثبت ذو نفر حتى اسر، فأتى به ابرهة فكلمه المُضارب بن سعد الحميري فاستبقاه، ثم ان ابرهة وجه الاسود بن مقصود - وهو قائد من قواده إلى تهامة وعهد اليه فسار حتى اوقع بقيس وبني عقيل وأسر، وكان فيمن اسر خالد بن كعب بن كلاب. ثم سار حتى قدم تهامة فأخذ ما اصاب من سبي واخاف اهل الحرم، وكان جيشه كلهم سودان ليس فيهم عربي الا دليل، واقام الاسود بتهامة، وكتب إلى ابرهة بما يصنع، فسار ابرهة بعد ما هزم ذا نفر، فجمع له نفيل بن حبيب الخثعمي خثعما، ثم سار اليه فواقعه، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمت خثعم، فلحقت بخيلها، واسر نفيل بن حبيب، فأتى به ابرهة فقال نفيل: استبقني أكن دليلك في ارض العرب: فأستبقاه، فسار به نفيل حتى اتى يه إلى البيت الذي كانت ثقيف تعظمه بالطائف - وانما اراد صرفه عن الحرم - فقال نفيل: ايها الملك دونك هذا البيت فاهدمه، واصنع بأصحابه ما شئت. فقال له مسعود بن معب الثقفي: ايها الملك ليس هذا البيت الذي اردت. ذلك امامك وانه ذلك الاسود بن مقصور عنده ينتظرك، وبعث مسعود بن معتب عنده رجلا من ثقيف دليلا لابرهة على الحرم، فسار معه الدليل الثقفي حتى اورده مكة، وعظم امره في قلوب اهل تهامة وهربوا منه حتى لحقوا بشواهق الجبال، وكان الحبش فيما نهبوا من اموال الناس) نهبوا (كنانة، واخذوا ابلا لعبد المطلب بن هاشم، فأقبل اليه عبد المطلب بن هاشم حتى أتى عسكر ابرهة بطلب فداء ابله، فدخل على ذي نفر بن الايقاع الحميري - وكان له صديقا - فقال: هل عندك حيلة؟ فقال ذو نفر: واي حيلة عند محبوس مأسور؟ وكلم ذو نفر انيسا سائس الفيل وقال: يا أبا رباح هذا سيد قريش، وصاحب هذا البيت، فاستأذن له على الملك. فدخل انيس فأستأذن له، فدخل عبد المطلب على ابرهة فأعجب به ابرهة، وقال: سل حاجتك. فقال: مائتا بعير اخذها الاسود بن مقصور. قال ابرهة: لقد كنت اعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك عند هذا: لانك سألتني مالك دون دينك، انا اريد هدم بيتكم الذي تحجونه، وهوعزمكم، وانت تطلب مني ابلا؟ فقال عبد المطلب: انما اطلب ابلي، واما البيت فله رب وسيمنعه. فردوا عليه ابله، واتى عبد المطلب قريشا وقال لهم: اتاكم مالا طاقة لكم به، فأرغبوا إلى ربكم، ثم اخذ بحلقة الباب فقال: يا رب لا ارجو لهم سواكا ... يارب فأمنع منهم حماكا ان عدو البيت من عاداكا وفي نسخة قال لا هُم ان المرء يمنع رحله ... فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم ... ابدا محالك ان كنت تاركهم وبيتك ... فافعل الهي ما بدا لك

стр. 90

قال فلما اصبح ابرهة وتهيأ لدخول مكة وعبأ الجيش وقدم الفيل اقبل نفيل بن حبيب الخثعمي فأخذ باذن الفيل وهو يقول: ابرك محمودا أو ارجع راشدا من حيث اتيت: فأنك في حرم الله. فبرك الفيل ولم يتحرك، وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل وضربوا الفيل فقام، فوجهوه إلى البيت فبرك، فوجهوه إلى المغرب فارفل، فوجهو إلى البيت فبرك. فصاح انيس سايس الفيل: ايها الملك، نفيل سحر الفيل. قال اطلبوه. فجعلوا يصيحون يا نفيل يا نفيل وارسل الله عليهم طيرا ابابيل فاقبل كأمثال الخطاطيف، مع كل طير ثلاثة احجار في كفيه وفي منقاره امثال الحمص، فلما غشيت القوم ارسلت عليهم ما معها من الحجارة، فلم تصب الحجارة الا السودان، كانت تصيب الاسوديين الابيضين والاسودين بينهما الابيض. قال عبيد بن شريه: اخبرني رجل: اصيب اسودان وانا بينهما، فنظرت اليهما تقع الحجر على اليافوخ فتمر في جوفه إلى الدابة فتنفذ إلى الارض، فلا يرى شيئا - وجعلوا يبتدرون الطريق يسألون عن نفيل، فأنشأ نفيل يقول عند ذلك شعرا: الا حييت عنا يا رُدَيْنا ... نِعمناكم مع الاصباح عَينا رُدينة لو رأيت ولن تريه ... لذي جَنْبِ المُحَصَّبِ ما رأينا إذا لعذرتني وحمدت امري ... ولم تاسي على ما فات بينا حمدت الله اذ عانيت طيرا ... وخِفتُ حجارة تُلقى علينا وكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علىَّ للأحبوش دينا قال فخرجوا يتساقطون في كل طريق، فأصيب أبرهة أيضا، فخرجوا متوجهين إلى صنعاء، فجعلت تسقط أنامله، كلما سقطت أصبع تبعها دو وقيح، حتى قدموا صنعاء وهو مثل الفرخ، فانصدع قلبه فمات، فمَلَّكت الحبشةُ على الجيش يكسوم بن أبرهة، فلم يلبث أن هلك، فقام مقامه مسروق بن أبرهة. خروج ابن ذي يَزَن إلى كِسْرَى يستنصره إلى اليمن

стр. 91

قال: وكان ابن ذِي يَوَن، سواسمه النعمان بن الحارث بن قَيْس بن مَعْدِي كَرِب بن عبد سيف بن ذي يَزَن. واسمه عامر بن أسلم ابن زيد بن سهل بن عمرو بنقيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قَطَن بن عَرِيب بن زُهَيِر بن أيْمن بن الهَمَيَسُع بن حِمْيَر بن سبأ. ومن قبل ذلك بسنين خَرَج حتى قدم على قَيْصَر الروم يستمده على الحبشة، فَمَطَلَهُ قَيْصَر ثلاث سنين، ومال إلى النصرانية، فلما عرف ابن ذي يزن ذلك خرج من عنده حتى قدم على النعمان بن المنذر اللخمي، وكان النعمان يأتي كِسْرى في كُلِّ خمس سنين كَرَّةً فركب معه النعمان حتى دَخَلا على كِسْرى في إيوانه، وتاجه معلق فيه كالقنديل العظيم، مضروب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ. فيعلق في سلسلة من الذهب في رأس إيوانه لأنه كانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما تستر بالثياب حتى يجلس مجلسه، ثم يدخل رأسه في تاجه وتكشف الثياب عنه. فلما دخل ابن ذي يَزَنَ من باب الإيوان طأطأ رأسه، فلما سار كسرى كَلَّمه وشَكَا إليه ما هُمُ فيه من الحبشة، وسأله أن يبعث معه جُنْداً لمحاربتهم. قال له كسرى: بَعُدَت بلادك عنا. فقال له ابن ذي يَزَن إنما أريد من الرجال سُمْعَةً بقدر ما يذهب به الصوت فإني لو قَدْ صِرْتُ إلى بلدي لصار إليّ، من الخيل والرجال ما شئتُ فقال له كسرى: أُنْظُرُ في حاجتك. ثم دعا بطعامه وحبس ابن ذي يَزَن يأكُل معه: فوضع كسرى بين يديه بَطَّةٌ ثم قال لرجل من أساورته: خذها فمد يده ليأخذها فضربه ابن ذي يَزَن بالسكين فقطع أصبع الفاريس، وكان ابن ذي يزن حين دخل إلى كسرى فكَلَّمَه سَقْطَت مِخْصَرَتُه من يده، فقطع كلام كِسْرَى حتى أخذ المِخْصَرَة، ثم تكلم. فقال له كسرى: قد فعلت منذ دخلتَ عَلَيَ ثَّلاث خلال ما رأيتُ أعجبَ منهن. قال: وما هنَّ؟ قال: دخلت وأنت رجل قصير وإيواني ذاهب في السماء وطأطأت رأسك ثم دخلت باب الإيوان ثم كلمتني فسَقَطَت مِخْصَرَتُك من يدك فقطعت كلامي حتى أخذتها، وما فعل هذا أحد قط، ثم جلست على طعامي فمدّ رجلّ من أساورتي يده ليأخذ شيئاً مما بين يديك فقطعت أصبعه بسكينك، ما رأيت مثلك! قال ابن ذي يزن: أما قولك طأطأت رأسي فإن همتي أعظم من ايوانك، وأما قطعي كلامك حتى أخذت مخصرتي فإن كلامي بها وما كنت لأتكلم وليس معي مخصرة. وأما قطعي ليد رَجُلٍ من أساورتك فإني ما خرجت من اليمن إلا مخافة أن أُضَام، فكيف أُقَرُّ على الضيم رأي العين. فعجب كسرى من قوله، ثم شاور أصحابه، فقالوا: ما ينبغي أن تنجد هذا الرجل بخيل، وبلده بعيده، وليس لك من الرأي إلا أن تُخْرِج مَنْ في سجونك من الفُرْس وتعطيهم السلاحَ، وتقويهم بالخيل والآلة، ثم وَجِّه بهم مع هذا الرجل، فإن فتحوا فتحا كان ما أردت، وإن قتلوا كان قتل قوم كنت تخافهم على مملكتك. فأخرج كسرى جميع من كان في حبسه من الفُرْس مِمَّن كان يخافهم على مملكته - وكانوا ثمانمائة رجل - وأعد لهم السلاح والآلة، وحملهم على الخيل. ثم قال لابن ذي يَزَن ليس عندي ما أنجدك به غير هؤلاء، فوجه بهم عنده، وولى عليهم ابن عمِّ له كان قد تشغّب عليه يقال له خرزاد بن موسى، من نسل يَهْرَام جُور، وكان رجلا حازما وهو من الأساورة المتقدمين، وقد أتت عليه مائة وعشرون سنة. وسقط حاجباه على عينه. فحملهم في ثمان سفائن، فخرج بهم ابن ذي يزن في البحر فغرق منهم مركبان فيهم مائتا رجل، ونجا منهم ستمائة، وساروا حتى أرست مراكبهم بساحل عَدَن، فلما خرجوا إلى عَدَن كتب ابن ذي يزن إلى اليمن يخبرهم بقدومه ويستنجدهم، وكان أوَل من أمده السكاسك من كندة في جمع عظيم، ونزلت إليه حِمْيَر وهَمْدان من جبالها، فصاروا في أربعين ألفا من اليمن، وصارت الفرس فيهم كالشامة لا يعاونوهم إلا بالاسم. فلما رأي خرزاد بن موسى كثَرَةَ مَنْ صَارَ مع ابن ذي يزن أو حشه ذلك، فقال له: بم تأمرني فإني لا أظن بك إليَّ حاجة؟ قال: بل أنت معي حتى نظفر جميعا أو نموت فسُرَ بمقالته.

стр. 92

وسمع مسوق ابن أبرهة ملك الحبشة بابن ذي يزن وما اجتمع إليه من الناس فَجَمَعَ أصحابه. وسار بهم ليقاتل حتى التقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، وعمد خُرْزَاد إلى ابن له فَوَلاَّه فرسان أصحابه، وقدَّمَه فصار في موضع لم يمكنه الخروج منه فقتَل وجميع أصحابه، واصطكت الناسُ حتى حَمَيَت الشمس، وكان مسروق على الفيل، واشتد القتال، وكان عليه تاجٌ بين عينيه ياقوته حمراء، فلما حِمَيت الحربُ قال لهم خرزاد بن موسى: ويقال إن اسم خُرْزاد وهرز. فقال: يا معاشر اليمن على أي الدَّوَاب مَلِكُهُمُ؟ فقالوا على الفيل، فقاتلهم ساعة، ثم قالوا: قد تحوّل إلى الفرس، فقاتلهم ساعة، ثم قالوا: قد تحول إلى البغل، فقال ابنُ الحمار: ذَلَّ وذَلَّ مُلْكُه اسمتوا إلى سمته. فلما استقر بَصَرُه عليه وقَد رَبَط حاجِبَه بجريرةٍ فأخذ قوسه وكان لا يوترها غيره، ثم نزع فيها بسهم، ورمى مسروقا بسهم، فأصابه السهمُ على الياقوته التي بين عينيه، فتغلغل السهمُ في رأسه حتى خرج من قفاه، وخَر ضريعا، وحمل أهلُ اليمن على أهل الحبشة فانكشفوا، وقتلوا تحت كل حجر ومدر وشجر، فلم يُجْمَع منهم إلا الشريد، وملك ابن ذي يزن اليمنَ، ودخل صنعاء، ونزل غمدان - وهو بيت مملكتهم - وله حديث طويل اختصرناه، ووفدت إليه الوفود، وامتدحته الشعراء، وفيه يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي ويذكر صنيعه وبلاءه: - لله دَرُّهُمُ منْ عُصْبةٍ خرجوا ... مَا إنْ أرى لَهُمْ في الناس أمثالا بيضُ الوجوهِ كرامٌ من ذوي يمن ... أسْدُ ترشح في الغْيضَاتِ أشْبَالا لا يرمضون إذا طال الوقوف بهم ... ولا ترى لهم في الطعن مَيَّالا لا يتكلمون إذا نادت طلائعهم ... إلا اركبوا فلقد نبهت أبطالا كيد الأنيس ورمى الجن عن شرر ... وهصر أسد إذا أنكلن إنكالا لم يطلب الثأر ابن ذي يزن ... خيم في البحر يبغي العز أحوالا أتى هرقلا وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده نجح الذي سالا ثم انتحى نحو كسرى بعد ثالثة ... من السنين لقد أيغلت إيغالا حتى أتي ببني الأحرار يقدمهم ... تخالهم فوق متن الخيل أجبالا صب الأسود على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم في الناس اسلالا فاشربْ هَنيئاً عَليك التّاجُ مرتفعا ... في رأس غَمْدان قصرا منك مِحْلالا قصر منيف بناه الفيل ذُويزن ... فهل ترى أحدا نال الذي نالا واشرب هنيئا فقد سالت نعامتهم ... وأسْبِل اليوم في بُرديك إسبالا تلك المكارم لا قَعْبَانِ مِن لَبَن ... شيِبَا بماءٍ فعادا بَعْدُ أبوالا وغمدان حصن باليمن على جبل، وهو بناء كان بصنعاء لم يُدْرَك مثله، هدمه عثمان بن عفان في الإسلام، وله رسومٌ باقية إلى اليوم وصنعاء من المدن التي لا يُدْرى مَنْ بناها، وهي باليمن واصطخر بفارس والأبلَّة بالعراق. ذكر خروج عبد المطلب بن هاشم في وفد قريش لتهنئة ابن ذي يزن بالملك حين ظفر بالحبشة وأخبار ابن ذي يزن عبد المطلب بأمر النبي ﷺ حين بشر به قال محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما ظفر ابن ذي يزن بالحبشة، ورجع المُلْكُ إلى حِمْيَر بُشِّرت بذلك جميعُ العرب لرجوع الملك فيها، وهلاك الحبشة، وذلك بعد مولد النبي ﷺ بسنتين، فخرجَت وفودْ العرب وأشرافُها وشعراؤها لتهنئة سيف بن ذي يزن، وتمدحه وتذكر ما كان من بلائه، وطلبه بثأر قومه. فأتاه وفدُ قريش وفيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جُدْعان وخويلد بن أسد. في أناس من وجوه قريش من أهل مَكَّة. فأتوه بصنعاء. فإذا هو في رأس قصره غمدان، وهو الذي ذكره أميه بن أبي الصلت الثقفي في مدحه: فاشْرَبْ هنئاً عليك التاج مرتفعا ... في رأس غمدان قصرا منك محالا

стр. 93

في شعر له طويل. فاستأذنوا عليه فأذن لهم، فدخلوا عليه فإذا الملك مضمخ بالعَنْبَرِ، ينطف من وجهه، وينبض المسك من مفرقه، وسيفه بين يديه، وعن يمينه وشماله الملوكُ وأبناءُ الملوك، والمقاول. فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام. فقال له سيف بن ذي يزن: إن كنت ممن يتكلم، بين يدي الملك فقد أذنا لك. فقال له عبد المطلب إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا، صعبا منيعا، شامخا باذخا، وأنبتك منبتا علت أرومته، وعزت جرمته، وثبت أصله، س وبسق فرعه، في أكرم معدن وأطيب موطن، وأنت - أبيت اللعن - رأسُ العرب وربيُعها الذي به تخصب، وأنت أيها الملك رأس العرب الذي له تنقاد، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يحمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم اللهِ وسَدَتَة بيته، أشْخَصَنَا الذي أبهجنا، لكشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال الملك وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب المطلب ابن هاشم بن عبد مناف. قال له الملك: ابن أختنا؟ قال نعم - وكانت أم عبد المطلب من اليمن من الخزرج من بني عَدِيْ بن النجار من أهل المدينة - فعند ذلك قال له الملك: أدْنُ فأَدْنى، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا، وناقَةً ورَحْلا، ومناخا سهلا، وملكا رِبْحلاً، يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، وأنتم أهل الليل وأهل النهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحياء إذا ظعنتم. ثم قال: انهضوا إلى دار الضيافة والوفود. فأقاموا شهرا لا يَصِلون إليه، ولا يؤذن لهم في الأنصراف. قال: وأُجْرِيَت عليهم الأنزال والمائد، ثم انتبه لهم انتباهةً فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه، وأخلى مجلسه وأدناه، وخلا به، ثم قال: يا عبد المطلب، إني مفض إليك من سِرِّ علمي أمرا، لو غيرك يكون لم أبح له، ولكني وجدتك معدنه فأطلعتك عليه، فيكن عندك مطلوبا حتى يأذن الله فيه، الله بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المكنون والعلْمِ المخزون الذي اختَزَنَّه لأنفسنا واحتجبنا به دون غيرنا خيرا عظيما، وخطبا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة، ولك أنت خاصة. قال عبد المطلب: أيها الملك مثلك مَن سَرَّ وبَرّ فما هو فداؤك أهل البر والمدر زمرا بعد زمر؟ قال: إذا ولد بتهامة غلامُ بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الدعامة، إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد أبتُ بخير ما آب بمثاه وافد قوم. ولولا هيبةُ الملكِ وإعظامُه وإخلالُه لسألته من سرّه أياي ما أزداد به سرورا. قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، وُلد، واسمه محمد ﷺ يموت أبوه وأمه، ويكفله جَدُّه وعمُّه، قد وجدناه مرارا، والله باعثه جِهَارا. وجاعل له منا أنصارا، يُعِزُّ بهم أولياؤه، ويُذْلُ بهم أعداءه، يرمى بهم الناس من عرض، ويستبيح بهم كرايم الأرض، يكسر الأوثان، ويعبد الرحمن ويخمد النيران، وَيدْحَرُ الشيطان، قوله فصلَّ، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال له عبد المطلب: أيها الملك عَزَّ جدك، وعلا كعبك، وطال عمرك، فإن رأى الملك أن يخبرني مَنْ سَارَّني إياه بإفصاح فقد وضح لي بعض الإيضاح. قال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك يابن عبد المطلب فَجَدُّهُ غير الكذب. قال: فخر عبد المطلب ساجدا. فقال له: أرفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرتُ لك، قال عبد المطلب: نعم أيها الملك، كان لي أبنٌ، وكنت به معجبا، وعليه شفيقا، فزوجته كريمةً من كرائم قومي، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام فسمّضيْتُه محمدا، مات أبوه، وهو يتيم، بين كتفيه شامة، وفيه كل ما ذكرت من علامة. قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت كما قلت، فاحتفظ بابنك واحذر عليه من اليهود، فهم أعداؤه، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا. واطو ما ذكرتُ لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخلهم النَّفَاسَةُ من أن تكون له الرياسة، فيبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون وأبناؤهم، ولولا إني أعلم أن الموت مجتاحني قبل مبعثه لسرتُ بخيلي ورَجلي حتى أصير بيثرب دار مُلكه، فإني أجده في الكتاب الناطق والعلم السابق أنّض بيثرب استحكام أمره، وأهل

стр. 94

نصرهره وموضع قبره، ولولا أني أقية الآفات، وأحذر عليه العاهات. لأوطأت رقاب العرب كعبه، ولأَعْلَيْتُ ذِكْرَه على حداثة سنه، ولكني صارف ذلك إليك، من غير تقصير بمن معك. وموضع قبره، ولولا أني أقية الآفات، وأحذر عليه العاهات. لأوطأت رقاب العرب كعبه، ولأَعْلَيْتُ ذِكْرَه على حداثة سنه، ولكني صارف ذلك إليك، من غير تقصير بمن معك. ثم أمر لكل واحد منهم بمائة من الإبل، وعشرة أعبد، وعشر إماء، وعشرة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فضة، وكرش مملوة عنبرا. وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، ثم قال لعبد المطلب: إئتيني بخبره، وما يكون من أمره عند رأس الحول فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول وكان عبد المطلب يقول: أيها الناس لا يغط أحدكم بجزيل عطاء الملك لي فإنه إلى نفاد، ولكن ليعطني بما يبقى لي ولعقبي شرف وذكره وفخره، فإذا قيل له: وما وراء ذلك؟ قال: سَيُعْلَم ولو كان بعد حين وفي رواية: ولتعلمن نبأه بعد حين، على ماقال الله وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس شعرا: جلبنا النصح تحقبه المطايا ... على أكوار أجمال ونوق مغلغلة مراتعها تعالى ... إلى صنعاء من فج عميق نؤم بها ابن ذي يزن ونفري ... ذوات بطونه أم الطريق ونرعى من مخايله بروقا ... مواصلة الوميض إلى البروق فلما وافقت صنعاء صارت ... بدار الملك والحسب العريق إلى ملك يُدِرّ لنا العطايا ... بحسن بشاشة الوجه الطليق ملك أبرهة بن الصباح الأصبحي ذي أصبح قال عبيد بن شربه: ثم ملك أبرهة بن الصباح بن لهيعة بن شيبة الحمد بن مَر الخير بن نكيف بن نيف معدي كرب بن مصحاء، وهو عبد الله بن عمرو بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن الغوث الأصغرين بن سعد بن عدي بن مالك بن زيد سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر واسمه كعب - بن زيد بن سهل بن عمرو بن قين بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن وائل بن الغوث بن قَطَن بن عريب بن زهير بن الهَمَسع بن حمير بن سبأ. وكان من أحلم ملك كان باليمن، وإعطائه للمال وأحسنهم رأيا في ولد معد. قال معاوية: ولأي شيء كان ذلك؟ قال: كان عنده علم، وكان يرى في علمه أن الملك صاير إلى بني فهر. وذلك قوله: صبرا بني حمير عن ملككم ... فكل ملك صائر لا يدوم وقولي القول به يهتدي ... فأكرموا فهراً تروا يوم نبيّ رشيد كائن بعدنا ... يدعو إلى الله بخير الدعا واسمه أحمد في زُبُرِنا ... وخاتمُ الرسل إذا ما أنقضى أوصيكم حميرُ بعدي به ... لا يستعن أولاد ماء السما يُؤْوونه فيهم ويحمونه ... من كل من كذبه أو طغا ويبذلون المال في حُبِّه ... ويصدقون الحرب عند اللقا فالأوس والخزرج أنصاره ... ابناء عمرو خير من يجتبى من بعد ما تسمو قريش له ... بالكيد والتكذيب فيما أتى ذلك حق كايِّن بعدنا ... إذا طوانا الدهر وسط الثرى ولم يزل الملك في حمير يتوارثونه إلى أن جاء بالإسلام. وكانت أم أبرهة بن الصباح ريحانة بنت أبرهة الأشرم ملك الحبشة. ومن ولده أبو شمر بن أبرهة. قتل مع علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه بصفين وأبو رشد بن أبرهة. كان سيد حِمْيَر في زمانه بالشام، والنضر بن يَرِيم بن مَعْدِي كَرِب بن أبرهة، وكان سيد حمير، وأمه بنت معيد بن العباس بن عبد المطلب. فوالله لا أدري وإني لسائل ... أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لذا الدهر أوبة ... فحسبي من الدنيا رجوعك في بجل تذكرنيه الشمسُ عند طلوعها ... ويقرب ذكراه إذا غَرْبُها أفل فإن هبت الأرواح هَيَّجْنَ ذكره ... فيا طول ما حُزْني عليه وما وجل ومنهم امرؤ القيس بن جماح بن عبيدة بن هُبَل بن عبد الله بن كنانة.

стр. 95

ومنهم بنو المدينة - اسم امرأة حضنتهم، نسب إليها ولد عمرو بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد بن اللات بن زفيرة بن ثور ابن كلب بن وبرة. ومنهم الفحل بن عياش بن حسان بن شراحيل بن عميرة أحد بني جابر بن زهير الذي قتل يزيد بن المهلب وقتله يزيد فماتا. ومنهم محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود وابنه أبو المنذر هشام بن محمد - وكانا جميعا من أعلم أهل ومانهما بعلم العرب وأيامها وأنسابها، وكان محمد بن السائب ممن حَضَر الجَمَاجم مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكانا عالمين بتفسير القرآن وأيام العرب، وقد روى عنه أنه قال حضرتُ مجلس ضِرَارَ بن عُطَارِد من ولد حاجب بن زُوَارة بالكوفة، فينما أنا عنده إذ ريت رجلا في المجلس كأنه جرذ يتمرغ في الحر، فغمزني ضِرَارُ فقال اسأله ممن أنت. فسألته فقال لي: إن كنت ناسبا فانسبني فإني من أشراف بني تميم. فابتدأت النسب، فنسبت تميما حتى بلغتُ غالبا. فقلت: وولد غالب هماما، فاستوى جالسا وقال: والله ما سماني به أبواي إلا ساعة من النهار. فقالت: والله إني أعرف اليوم الذي سَمَّاك فيه أبوك الفرزدق. فقال: وأي يوم: كان ذلك؟ فقلت: حين بعثك في حاجة فخرجت تمشي وعليك منشقة لك - فقال والله لكأنك فرزدق دهقان قرية سمَّاها بالجبل فقال: صدقت والله. ثم قال: أتروى شيئا من شعري؟ قلت: لا، ولكني أروى لجرير مائة قصيدة. فقال لي: أتروى لابن المراغة ولا تروي لي؟ لأهجون كلباً سنة أو تروي لي كما رويت لجرير. فجعلت أختلف أقرأ عليه النقائض خوفا منه. ومالي في شيء منها حاجة. ومنهم أبو ثور صاحب أبي جُهَيْنَة - واسمه إبراهيم بن خالد. ومنهم بنو رِقَاشْ، وهم مالك وربيعة وثعلبةُ بنو عامر بن عوف، منهم حميد بن أسلم صاحب المرة مرة كلب. ومن شعرائهم حسان بن الطوامة. ومنهم بنو زيد مناة بن عامر. ومنهم الخزرج رهط دِحْيَة ابن خليفة بن فروة بن فصالة بن امرئ القيس بن الخزرج - وهو زيد مناة بن عامر بن بكر، ومنهم بنو شحمه بنت كلب بن عمرو بن عَدِيّ إمرأةٌ من الأزد، غلبت على ولد عوف بن عامر، فولد كعب والحارث وحجر بنو عوف بن عامر. وبها يعرفون. ومنهم الأبرش، الكلبي واسمه الوليد بن هاشم. وكان نسَّابةً عالماً بالأخبار وسِيَر الملوك، وكان مصاحبا لهشام بن عبد الملك، فلما أفضت إليه الخلافة سَجَد هشامُ وسَجَد كل من عنده من جلسائه، والأبرش شاهد لم يسجد، فقال له هشام: ما منعك من السجود؟ فقال: ولم أسجد وانت اليوم معي ماشيا وعلى قومي طائرا؟ فقال هشام: فإن طِرْتُ طِرْتُ بك معي قال: اتراك فاعلا؟ قال: نعم والله. قال الأبرش: الآن طاب السجود ومن كلب أم يزيد بن معاوية، واسمها ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دجلة بن قيافة بن عَدِيّ بن زهيد بن حارثة بن جَنَاب ابن هُبَل. ومنهم حارثة بن صخر بن مالك بن عبد مناه بن هُبَل بن عبد الله بن كنانه بن بكر بن عوف، عاش مائة وثمانين سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وقال في ذلك: من عاش خمسين حَوْلاً قَبْلَها مائِةً ... من السنين وأضحى بعد ينتظر وصار في البيت مثل الحِلْسِ مُطَّرَكاً ... لا يستشار ولا يعطى ولا يذر ملَّ المعاش وملَّ الأقربون له ... طول الحياة وشر العيشة الكبر وأسلم ابنه، ومنهم بنو حُنّ، وفيهم. يقول الشاعر تَجَنَّبْ بني جُنَّ فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تَلق إلابِصَابِر ومن ولد عمران شيع الله بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران، ووائلة بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران. س فمن القين حبيش بن دجلة - ولي المدينة لمرقان في حرب عبد الله بن الزبير - وهو الذي كان يأكل على مِنْبَر رسول الله ﷺ . ومن شعر القين أبو الطيحان القيني، س وأسمه حنظلة بن الشرقي، ومن جيد شعره في ذلك: واني لأرجوا مَلْحَها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر

стр. 96

ومن موالي القَيْن بن ثعلب بن حُلْوَان بن عمران. ومنهم خشين واسمه وايل بم تَيّم الله بن النمر بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران. ومنهم تنوخ، واسمه مالك بن فهم بن تيم الله بن النمر بن وبره بن تغلب بن حلوان بن عمران. ومنهم راسب بن جدير بن حرب بن ريان بن تغلب بن حلوان بن عمران، ويقال حزم بن زياد بن حلوان بن عمران بن الحاف. بطون عمرو بن الحاف منهم أسلم بن عمرو بن الحاف، ومنهم إراشة بن عمرو، ويَليّ بن عمرو ومنهم فرعون موسى واسمه الوليد بن مصعب بن قاران بن بَلَي بن عمرو، ومنهم الهادي بن التَّيَّهان - واسمه مالك - وهو من خيار الصحابة وعداده في الأنصار. وبهر بن عمرو، ومن بهراء المقداد بن الأسود صاحب رسول الله ﷺ وسلم، حليم الأسود بن عبد يَغُوث بن مُغِيث بن مناف بن زهرة، واسم أبيه عمرو، ولكن غلب عليه اسم الأسود بن عبد يغوث الزهري. وكان يوم بدر راكبا فرسا. ومن: هُبِيْلة بنت هُبَل بن عمرو بن أبي جُشَم بن كعب عمرو بن لحيون بن بهراء. غلب على اسم ولده حوط بن عامر بن عبدود وزيد بن حوط. ومن بهراء ماوية بنت جشم بن كعب بن عمرو بن لَحْيون بن بهراء غلبت على ولد امرئ القيس كلب. وخولان بن عمرو بن الجاف، ومهرة بن حيدان بن عمرو الحاف. مهرة رشيد ابن سعيد أسلم بن عمرو، وهم بطون بمصر، والحوتك وقتيبة بن أبي بن عمرو ونهد بن زيد بن ليث بن سُود بن أسَلُم بن عمرو، ومن نهد عبد الله عجلان الشاعر، وهو أحد عُشّاق العرب المشهورين صاحب هِنْد. وجُهَيْنَة بن بن ليث بن سُود بن أسْلُم بن عمرو بن الحاف. ومنهم عُقْبَة بن عامر صاحب النبي ﷺ . وكان أسلم بعد قدوم النبي ﵇ المدينة وكان يكثر الرمي لحديث سمعه من النبي ﷺ في فضل الرَّمي. ومات وترك سبعين قَوْساً بجعابها ونِبالها، وشهد صفين مع معاوية وتحول إلى مصر، وكان يخضب بالحناء وسعد بن زيد زيد بن سُودين أسلم بن عمرو. وسعد بن زيد وهو سعد هُذَيم، وكان هُذَيم عبدا حَبَشِيَّاً حَضَن سعْداً فنُسِب إليه، ووايل بن سعد بن عمرو. فمن أشراف عُذْرة رِزَاح أجلى نهد بن زيد وحَوْتَكة بن أسلُمْ، وهما كانا أكثر من بطون قضاعة وأنماها واجتماعها ببلادها فقال قُصْي بن كلاب - وكان تحت قضاعة لما بينه وبين رِزَاح من الرحم. ولبلائهم عنده - أعنى عند قُصْي - حين أجابوه إلى نصره على كنانة حين دعاهم، فكر ما صنع بهم، فقال قصي يعاتبه: ألا مَن مبلغ عني رِزَاحاً ... كما فَرّقت بينهم وبيني وجَوْتَكة بن أسلمُ إن قوما ... عنوهم بالمساءة قد عنوني ورَزاح بن ربيعة العُذْري هو الذي أخرج رِفَاعة بن عُذْرة من جملة بلاد بني عذرة فألحقهم بيني يَشْكُر، وهو رهط عبد أسْلَم الخارجي، وألحق قبائل عَامِلَه بالحجاز، حتى سكن بعضُهم جزائر البحر، وأخرج طائفة منهم إلى مصر. وهو الذي رَدّض حِجَابَة البيت إلى قُصْي بن كِلاب. ومن عذره النَّجَّار بن أوس الخطيب، وسمى النَّخَّار لأنه كان إذا حمى أكْرَهَ وأنكَرَ مَكَنَه وازدراهُ في مجلسه. فلما علم ذلك منه النَّخَّار قال لمعاوية: ليست العباءة تكلمك ولكن يكلمك من فيها، فاستنطقه فملأ سَمْعَهُ وأصابه كما أحَبَ، وعظَّمَ حاله، ثم نهض ولم يسأله، فقال معاوية: ما رأيت رجلا أحقر ولا أجل قدراً منه وأنشأ النَّخَّار يقول: فإن تك أثوابي تخرقن للبلى ... فإني كَنَصْلِ السيّف في خَلَقِ الغِمِد فأرسل إليه معاويةُ بالخِلَع والجوائز، وألزمه مجالسته، حتى إنه كان لا يفارقه. وكان النخار أحد نُسَّاب العرب وعلمائها.

стр. 97

ومن عذرة زياد بن زيد الشاعر. ومن عذرة هُدْبَة بن خَشْرَم بن كُرز بن أبي حيّة الكاهن، وهو أول من أفتدى في الإسلام، ومن عُذْرة جميل ابن عبد الله بن مَعْمَر بن قمية بن الحارث بن ظَيبان بن جرير بن ربيعة بن خزام بن ضَبْة بن عبد الله بن كثير بن عذرة بن سعد هدبة، العاشق لبُثَيْنَة ابنة عمْه، وهي بثينة بنت منار بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الحارث بن منار بن الحرث بن لاحب بن جرير بن ربيعة، ومنهم عُرْوَة بن حِزام صاحب عفراء، وقد مات من شِدة عِشْقِه، وهي قبيلة كثيرة العُشَّاق صادقين المحبة، مات منهم بالعشق جماعة. وقد ذكروا أن رجلا من عُذْرة وَقَفَ بباب سُكَيْنَة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، فاستسقى بعض خدمها ماءً، فقالت سكينة لخادمها: إذا سَقَيْتَه فاسإلية عن قبيلته. فسألته عن ذلك فقال: أنا من قوم إذا عَشِقوا ماتوا. فلما أخبرت سُكَيْنَة بذلك قالت: هو إذا من بني عُذرَة. ومنهم ثَمّ من بطون عمرو بن الجاف سلامان بن سعد بن زيد بن سود ابن اسلم بن عمرو. ومنهم جلهمة بن عمرو بن زيد بن سود بن اسلم بن عمرو. ومن قبائل نهد بن زيد بن سود بن اسلم بن عمروز مالك وسود وصباح وحزينة. وحنظلة وعامر ومعرق وطول وجمل وربيعة وغنم. ومن بطون قضاعة غشم ووديعة والحادين ومنهم بنو الذئب والنمر والدب والثعلب وفهد وراسية وضبيع بنو وبرة بن ثعلب بن خولان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، والبريد والدحيد وعبد مناة ومصاده وراسية وفويد. ومنهم بنو ضنة بن سعد بن هذيم بن زيد ورفيد وهذيم بن ليث بن سود بن أسلم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير. ومن غير هذا الكتاب نسب مهرة بن حيدان - يقال: مهرة ومهري مثل كندة وكندي - قال ولد جيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير مهرة وعمران فولد عمرو مجيدا وعريدا وعربيا ويزيد والنعمان والضيغر واللحاد وجنادة. قال: ودعوة هذ القبائل غير مهرة بآل حيدان. وولد مهرة بن حيدان عمرو اصطمري بن مهرة، فولدا اصطمري ثلاثة نفر، الآمري وبادغم والديل، فولد الآمري القمر - مثل قمر السماء - والقراء والمصلاء والسكاء. فمن قبائل القمر بنو ريام، وبلدهم قرية يقال لها رضاع على ساحل بحر عمان، ولهم جبل حصين بناحية عمان يمتنعون فيه، يعرف بجبل بني ريام. ومن القمر بنو حتريت وبنو بيرج. ومن قبائل الدِّيل حسريت، والسموح ويختن ابي حسريت بن الدِّيل بن اصطمري بن مِهْرة. فولد يختن كرشان والثعين. فمن الثعين بنو تبلة بن شماسة رهط أبي ثور صاحب الأشعار، وهو عمرو بن محمد بن كنانة بن جبل بن تبلة، يقال لهم بنو قضف. ومن قضف بنو وتار - بكسر الواو - وهم الوِتارِيُّون. فأما وَتار بفتح الواو - ففي ولد الهَمَيْسَع بن حِمْيَر. ومن قبائل بادعْم بن اصطمري بن مهرة العفار، والهنسم، والعيدي، وإليهم نَسَبْ الإبل العيدية، والعتب والثغر والقرحاء وهم أفصح مِهْرة. فهذه قبائل مِهْرة. وقال بعض أهل النسب: ولد مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة أربعة، الآمري والذيل وبادغم ونيدع - بطن - فولد الآمري اصطمري ومهرهي، فولد اصطمري القمر وبيرج، فولد بيرج القراء بطن - وبني ريام - بعمان - وولد المهرهي الهداد والمسكاء، والمصلاء. فمن بني الهداد بنو لإسماعيل ابن علي بن إسماعيل بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن المشير بن ملدج بن عمرو بن بلد بن وعاث بن العادي بن الهداد ابن مِهرهي بن الآمري بن مِهْرَة بن حيدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وهم بسمائل. فولد المصلا الموافر وغيرهم، وولد الديل الوحد والعثب بنو دهن وبنو ناعب، وهم بعمان. وولد بادغم العيدي والحسريت الذين إليهم نسبت الإبل العيدية. فولد حسريت السوحم ويختن. فولد يختن الثعين والكرشان والثعران. فمن ولد الثعين آل تبلة، وهم سادة مِهْرة، رهط أبي ثور صاحب الأشعار. وهو عمرو بن محمد بن كنانة بن جبل بن تبلة، يقال لهم بنو قضب.. ومن قضف بنو وتار بكسر الواو وهم الوتاريون. فأما وَتَّار بفتح الواو ففي وتر الهَمَيِسَع بن حمير، وهو تبلة بن شماسة بن عثيران بن شمام بن عجل بن وتار بن عجل بن ثعين ابن حسريت بن بادغم بن مهرة بن حيدان.

стр. 98

ويزعم بعضهم أن يختن من بني عمرو بن مُرّة بن حمير، دخل في حمير. ويقال بعض الحضارم: من بادغم بنو جديل وبنو نخ، قال بحضرموت، فيقال في باد دغيمي مصغرا. وبحضرموت من هذه القبائل الهَيْسَم، والضيغر، وليس من بالساحل أحدُ والباقي ها هنا والكرشان بن يختن بن حسريت بنون من حضرموت مع بني قضاعة، وإليهم نسبت ربذة الضيغر. بحضرموت. وبقلعة ربسوت جميع القبائل ما خلا مِهْرَةٌ، ولكنهم يَتَزَّوَجون إلى مِهْرَة، وكان ساكنها البياسب وهي في المنتصف ما بين عَدَن وعُمَان، منها إلى كل واحد منهما ثلاثمائة فربما بزعمهم، وأنا أستكثر هذا، إلا أن يكون بِجَوْرِ البحر عن القصد. قال وبجير سُقُطْرَى من جميع القبائل من مِهْرَة، وهي جزيرة طولها ثلاثمائة فرسخ، وبها الطريق السُّقطري، وبها نخل كثير، ويسقط إليها العنبر، وبها دم الأخوين، فإذا لِمِهْرِيّ يا سُقُطْرِيّ غضب، وإنما السُّقُطْري الروم الذين كانوا بها من أولاد الروم فدخلوا في نسب القمر بن مِهْرَة، وهم معروفون. قال ولها عشرة الآف مقاتل كانوا نصارى وذلك أنهم يذكرون أن قوما من بلد الروم طرحهم كسرى فيها فعمرو حتى عبرت إليهم مِهْرَة فغَلَبَتْ عليهم وعلى الجزيرة. قال وقد يقولون إنه لم يكن روم ولكن رهابنة على دين الروم من النصرانية، ثم دخلتها الشراة من مِهْرِة وحضرموت وعمان فقتلوا من بها. ومن مِهْرَةٌ ثُمّ من بني ريام بن القمري بن الآمري بن مِهْرَة بن جيدان، كان منهم منير بن النّير الرّيامي، وهو أحد العلماء الأربعة الذين حملوا العلم من البصرة إلى عُمَان، وهو منير بن النير بن عبد الملك ابن سار بن وهب بن عبيد بن صلت بن يحيى بن مالك بن حضرمي ابن ريام. نسب بني مجيد بن عمرو بن حيدان فولد مجيد بن حيدان يحيى وحيا وحياً وعيدلا والأرفاع ووداعة وبنو مسبح - بطون كلها - وآل أبي الغارات ساداتهم وملوكهم من آل يحيى. انقضت قَضَاعة. تباعة حمير وإنما سموا التبابعة لأن ملك اليمن كان لملكين، ملك بأرض حضرموت، وملك بأرض سبأ. فمن ملكها جميعا سمى تُبَّعاً لاتِّبَاع أهل البلدين إياه. وأول من ملك البلدين وسُمِّيَ تُبَّعاً الحارث وهو الرائش، ويقال له ملك الأملاك، واسمه الحارث بن سدد - ويقال - شددبن الملطاط بن عمرو بن ذي أنس بن الضرار بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن عمرو بن قَطَن بن عمرو بن الهَمَيْسَع بن حِمْيَر بن سبأ بن يشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان. ومنهم زيد بن كهلان بن عياد بن عبد شمس بن وائل بن حمير قال الحسن بن أحمد الهمداني: ذو القرنين، المتعارفون بهذا الاسم ربعة: قال: أولهم باني سد يأجوج ومأجوج، وهو الصعب بن مالك بن الحارث بن الجبار بن مالك بن زيد بن كهلان وأهل السجل يقولون: هو الهميسع بن عريب بن زيد بن كهلان، وهذه درجة متقدمة لعصره. وابن شربة، وأهل الخبرة يقولون: اسمه زيد بن مالك بن زيد بن كهلان. روايتهم أنه لقي إبراهيم ﵇، وأنه صاهر إليه حيدان بن قطن وقيس بن الهبوب بن الأزد، يَدْحَضْ هذه الدرجة من النسب، ويوجب أنزل منها، ويؤيد الرواية الأولى أنه من ولد مالك بن زيد بن كهلان. والثاني الإسكندر بن بيلوش، ويقال بيطيوش، وهو فيلفوس ملك مصر، وهو من اليونانيين وهو الذي بنى الإسكندرية، ويقال إنه من ولد هرمس ملك مصرالمنجم صاحب الأحكام، وهو الإسكندر بن بيلوش بن مصر بن هرمس ابن هردس بن ميطون بن رومي بن ليطن بن يونان بن يافث بن نوح. ويقال: بل هو الإسكندر بن بيلوش بن يونة بن شرحون بن رومية بن يربط بن نوفل بن رومي بن الأصفر وهو الرقم بن العيص ابن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وكان ملكه - الذي بلغ فيه أقصى المغرب وأرض المشرق - خمس عشرة سنة، وكان عمره ستة وثلاثين سنة، وكان مؤدبه أرسطا طاليس الحكيم. والثالث المنذر بن ماء السماء اللخمي ملك الحيرة، وهو جد النعمان بن المنذر ابن النعمان بن المنذر بن ماء السماء اللخمي.

стр. 99

والرابع الذي أتى فيه الخبر عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس خاصة، وسئلا عن ذي القرنين السَّيَّاح فقالا: هو الصعب بن عبد الله بن مالك بن شدد ابن زرعة، وهو حمير الأصغر، وهو زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن أيمن بن الهَمَيْسَع بن سبأ بن حمير، فإن صح هذا الخبر عن ابن عباس وعلى فأنه الذي ملك بعد تُبَّع الأكبر الأسعد المدة التي نُسَبت إلى ذي منار وهي خمس وخمسون سنة، وإن لم يصح فإن الذي ملك بعد تُبَع الأكبر ذو منار. وسئل علي بن أبي طالب عن الذين اجتمع لهم ملك الأرض فقال: الذي ملك الأرض كلها أربعة، مؤمنان وكافران، فامؤمنان سليمان بن داوود وذو القرنين، واسمه الصعب بن عبد الله ابن مالك بن زيد بن سدد بن حمير الأصغر. والكافران، نمرود وتُبْع لعله يريد تبع الأكبر. وقال بعض من يدعى همدان من حمير هو همدان ابن سلة بن تُبْع الأقرن بن ذي القرنين. وكان من هؤلاء من يقولون إنه شمر يرعش. وقال أبو نصر يصحح في أن ذا القرنين بن همدان الأصغر بن زياد بن حسان بن ذي الشعبين. وقد سمعت بعد هذا الصحيح الذي ذكرناه في ذي القرنين أحاديث مختلفة وأخبارا متناقضة، من ذلك أن بعض حمير ذكر أن الإسكندر اليوناني بني المصانع، وهو جد الصَّعْب ذي القرنين أب أمه، والصعب بن خالة الخضر، وهو أرميا، وإنما دخل على هؤلاء الشّك في الخضر وظنوه أرميا، ورأوه في عصر الإسكندر أقرب فصّيَّرُوا ذا القرنين في هذا العصر، إنما هو الخضر، واسمه إيليا بن ملكان بن فالج بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ. ومن تبابعة حمير أسعد تبان - وتبان هو الثور بلغة حمير - ومنهم كليكرب، وكلكي بلغة حمير: وجه، وكرب: فلاح، كأنه وجه فلاح. ومنهم حسان بن تُبَّع، وهو ذو معاهن، وقد مرّ تفسير حسان، ومعاهد: مُفَعِل من العَهِدْ هو والزَّنا بِعْيِنه، أو يكون موضعا. ومنهم ذو صبح، واسمه الحارث بن مالك بن زيد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل ابن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وايا بن الغوث بن فَطَن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهَمَيْسع بن حمير ابن سبأ وإليه ينسب السياط الأصبحية. ومنهم الفقيه مالك بن أنس بن أبي عانر الفقية، وعداده في بني تميم بن مُرَة بن قريش. وكان الربيع بن مالك عم مالك يروي الحديث. وأبوه أنس بن أبي عامر يروي عن عُمر بن الخطاب وعثمان وطلحة، واسمه مرثد بن عَلْس الذي استمده امرؤ القيس بن حجر الكندي على بني أسد. ومنهم ذو قيفان الذي قتله عمروُ بن مَعْدِي كَرِب، واسم ذي قيفان شراحيل، ويقال علقمة بن شراحيل بن علس - وهو ذو جَدَن - بن الحارث بن زيد بن الغوث الأصغر. ومن التبابعة ذو قَيْفَان الذي قتله عمرو بن معدي كرب الزبيدي واسمه شراحيل. ومنهم ذو جدن واسمه علقمة. الملوك من حمير ومنهم ذو كلاع، واسمه حِمْيَر الأصغر، وهو ذو قايش. ومنهم ذو يَزَن، واسمه عامر، وابنه سيف بن ذي يزن ابن شريك بن ياليل بن الشمراخ بن صردف بن مالك بن ذي أصبح ابن علي بن شهاب بن عامر بن زيد بن زُرعة بن حمير الأصغر، وهو أوّل من عمل سنانا من حديد، وكانت قبله من صياصي البقر، فسميت اليَزْنيّة، وفي ذلك يقول الشاعر: يُهز هِزُ صَعدةً جرداء فيها ... نقيعُ السُّمْ أو قَرنٌ مِحَيقُ ومن ولد سيف بن ذي يزن عُفَير بن زُرعة بن غُفير بن الحارث بن النعمان بن قيس بن عبد سيف، وكان سيد حمير أيام عبد الملك بن مروان بالشام. ومنهم ذو هلاهلة، وأسمه شرحبيل بن عمرو. ومنهم ذو رُعَين، واسمه يَرِيم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس. بن معاوية بن جُشم بن عبد شمس بن وائل. ومنهم ذو جدد واسمه علس الشاعر بن المعمر بن الحارث بن زيد بن العوث بن سعد. ومنهم سبأ الأصغر الذي ينسب إليه، واسمه سماعة بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن غَريب بن زُهير بن أيمن بن الهَمَيْسع بن حمير بن سبأ الأكبر. ومن ولدانهم قيس الذي وجَّهَهُ دُرَيْد غَسَّان إلى حرب الضجاعم بالشام، وهم كانوا ملوكا قبل غَسْان. ومنهم حمير الأصغر، وإليه ينسب، وهو ذو كلاع بن قَطن بن عَريب ابن هير.

стр. 100

ومن بطون حمير بنو شِهَال، واشتقاق شِهَال من أشياء، إما من قولهم: عين شهلاءُ والشَّهَل: دُونه الزُّرقة، أو من قولهم: امرأة كَهْلَةٌ شَهْلَة. كأنَه إتباعٌ أو وهي الحاجة من الشهلاء كما قال الراجز رجزا. لم أقض حتَّى ارتحْلَتْ شَهلاتي ... من الكَعَاب الرُّودة الغَيداء ومنهم ذو نواس قاتل خثيعة، ولم يمنعنا عن استقصاء ملوك اليمن من حمير إلا أنّضا نَظَمْناهم ملكا ملكا من لدن قحطان إلى سيف بن ذي يزن في موضع تأريخ ملوك الدنيا، ما ستراه في موضعه إن شاء الله. وكان الملك في اليمن مِنْ قَبْلُ في الأزد من ولد كهلان وحمير. وأما مُلْك العراق فكان نصفين بين الأزد ولَخْم، وكانت الأزد تسكن الحِيَرة، وكانوا يغشون ملوك البلد، وكانوا مَرَّة يستعملون من هؤلاء ومَرة من هؤلاء، فإذا اضطرب جبل الأعاجم قاتلت إحدى القبيلتين الأخرى على الملك، فأيتهما غلبت ملكت حتى صَنعا مُلْك العراق واجتمعوا على جَذِيمة الأبرش، وهو الوَّضاح الأزدي صاحب الزَّبَّا، وهو أول عربي ملك العراق. حتى كان آخرهم إياس بن قُبَيْصة الطائي. وأما ملك الشام فكان لسليخ حتى نزلت عليهم غَسّان فَتَغَّلبوا على سليج، وملكتها غسان، وبقي فيهم نحو ثلاثين ملكا حتى جاء الله بالإسلام، وكان آخر من مَلَكَهُم جَبَلَة بن الأيْةَ، أتينا بأسمائهم في التأريخ، تاريخ ملوك غسان. ومن ولد ذي رُعَين أم المهدي، واسمها أم مُوسَى بنت منصور بن عبد الله بن شهر بن يزيد بن مُثَوب بن الحارث بن شَمَر ذو الجناح بن لهيعة بن يَعْفر بن نيكف بن فهدي بن ذي غشيم ابن أعرب بن نيكف بن عبدان بن يريم ذي رُعَين بن زيد بن سَهُل بن عمرو بن قَيْس بن معاوية جُشَم بن عبد شمس ابن وائل بن الغوث بن قَطَن بن عَرِيب بن زُهَير بن أيمن بن الهَمَيْسع ابن سبأ بن حمير، ومنهم كعب الأحبار وهو كعب بن مانع، ومنهم أبو حميد السمرقندي، واسمه محمد بن إبراهيم - وكان - أحد قواد أبي سلمة الحلال، وهو أول من بايّع السَّفاح خيفة من أبي سلمة. ومن مواليهم عبد الرزاق بن همام بن نافع، المحدث صاحب التفسير. ومن شعرائهم العترف الحميري، واسمه النعمان بن يعفر من ولد شرحبيل بن عمرو بن ذي أنس، وكان ذو أنس على مقدمة الرائيش الحميري حين سار إلى الهند. وقيل نعمان المعترف لغواة شِعرِه واقتداره عليه. ومنهم يحيى بن نوفل الجميري، وكان كثير الهجاء قَلّ ما يمدح أحدا، وهو القائل في ابن بُردة بن أبي موسى الأشعري: فلو كنت مُمتَدِحا لنوال ... فتى لا متدحت عليه بِلالا في قصيدة له طويلة. ومنهم يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ الشاعر، وانما سمى مُفرغا لأنه قل ما يَشرَب من إناء إلا فَرّغه، ومن ولده السيد الحميري، ومن جيد شعر يزيد بن مفرغ في زياد ابن ابيه قوله شعرا: إن زيادا أو نافعا وأبا بكر ... عندي من أعجب العجب إن ثلاثة خلقوا من ... بطن أنثى مخالفوا النسب ذا قرشى كما تقول وذا ... مولى وهذا عمه عربي ومن رجال حمير ناب بن أبي الحرة الذي قَتَل شهرك قائد يزدجرد، وكان ناب من أصحاب عثمان بن أبي العاص الثقفي يوم لقى الفرس، وهو صاحب زقاق ناب الذي بالبصرة، وهو الزقاق الذي من آخر دار صحارب بن سلم بن زياد إلى دار الشعراني في الكبرى في الصدر. وذكر أبو عبيدة: أن يزدجرد بعث شهرك ومعه قيل من ثلاثين ألأفا من الأسارة، فلقيهم عثمان بن أبي العاصى فيمن عَبَر معه من عُمان والبحرين، وهم في ثلاثة الآف، فركب نابُ جَمَلا وقال: أنا صاحب قيل العرب، وكان وصل بن محين - فطعن شهرك فصرعه، وانهزم العسكر، فنفله عثمان منطعة شهرك، وكان طولها ثلاثة عشر شبرا مرصعة بالجوهر، باعها بالبصرة بثلاثين ألف دينار. وفي ناب وشهرك يقول الشاعر: نابُ من ذى الحرة أردى شهركا ... والخيل تجتاب العَجاجَ الأرمكا ومنهم أبو شمر بن أبرهة بن الصباح، قتل مع علي بن أبي طالب يوم صفين. ومن قبائل حمير اليان والأملوك وجرش، واشتقاق جرش فهو فُعل من قولهم: جَرَشتُ الشيء أجرشُه إذا نَحَتُّه وبه سُمى الرجل جُراشة، وأجرشه أكثر والصدق. واسمه مالك، وردمان ومقرِى، والأحموش، ووحاظة.

стр. 101

وهم رهط ذى الكَلَاع الذي قُتل مع معاوية بصفين. واسمه سُميفع بن ناكور بن عمرو بن يَعْفُر بن يزيد، وهو ذو الكَلاَع الأكبر الوحاظي. ومَيْدَع، والأكُلْوم، والأوزاع، منهم الأوزاعي، شَعْبان بن عمرو بن قيس، واسمه حسان ذو الشّعبين، وهم الشَّعْبِيُّون، ومنهم علي بن شعبان، وهم رهط عامر بن شراحيل ابن عبد الشَّعْبِي، وعِدَادُه في همدان، فكل من سكن منهم اليمن والشام فهو حميري، ومن كان بالكوفة فهو هَمْدَاني، وكذلك هذان الحيان إذا قلت حِمْيَري في بلاد دخلوا في هَمْدَان، فإن قلت همدان في البلاد دخلوا في البلاد دخلوا في حمير. ويقال إنهم نُسِبُوا إلى جَبَل بالينت نَزَله حسّان ابن عمرو والحميّري هو وولده، ودفن فيه، فمن كانت منهم بالكوفة قيل لهم شَعْبَيَّون، ومن كان منهم بمصر والمغرب قيل لهم الأشعوب، ومن كان منهم بالشام قيل لهم الشَّعْبَانُّيِون، ومن كان منهم باليمن قيل لهم آل ذي شَعْبين، وكان عامر الشَّعْبي أحد علماء العراق المشهور ذكرهم، ومن ولد عامر الشّعبي أبو سعيد الجندي المحدث، واسمه المفضل بن إبراهيم بن المفضل بن سعيد بن عامر الشعبي. ومنهم شَرَعَبَ، وإليه تنسب الرماح الشَرْعَبية ومنهم حلوان، والقضاعة، وحيلان، والسميفع وحمزة، وذلان، وحصور - منهم شُعَيْب النبيّ ﷺ والنمر، والسحول - وإليهم تنسب الثياب السحولية - وهم في همدان. وولد مالك بن حمير أيضا زهران، وكانت لهم اليمامة فيما يذكر بعض الرواة بالانساب - وولد العمودَ بَن مالك، والأخطون بنَ مالك وعدادها في حَضَرَمْوت عامر بن حمير. فولد عامر بن حمير دهمان، فولد دهمان يحصب كلها. سعد بن حمير. وولد سعد بن حمير واسمه ربيعةُ السلف أسلم كلها. عمرو بن حمير وولد عمرو بن حمير الحارث، وولد الحارثُ آل ذي رُعين. واثلة بن حمير وولده وائلة ابن حمير السكاسك، وهم بنو سَكْسَك بن وائلة، والعدد من حمير في السكاسك، وفيهم الشجرة إلى وقتنا هذا. وأعظم بيت في السَّكَاسِك بيت ربيل بن عبد الرحمن، ثم بيت سعيد بن رايت، ثم بيت عامر بن أحمد، وفي بني عسراء من السكاسك بيت، وفي بني الجعاشة بيت وبيت المعافرين يعفر، ومن السكاسك أبن روح الفقيه، واسمه حَوْشَب ابن يوسف. أنساب حمير ومنهم ذو الكلاع الأكبر، والتكلع بلغتهم التحالف، وذو الكَلاَع اسمه: يزيد بن سعد بن عوف بن مالك بن زيد بن سدد بن زُرعة بن سبأ، وهو كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قَطَن بن عَريب بن زُهَيْر بن أيمن الأصغر بن الهَمَيْسع بن حمير. ومنهم: ذو الكَلاَع الأكبر، واسمه سُمَيْفَع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن يزيد بن ذي الكَلاَع الأكبر، وسُمَيْفَع تصغير سَمفع إن كان أوله مضموما وإلا فهو مثل سَمَيدع - والسَّمْفَعَة: الجرأةُ والإقداْم في لغتهم، وناكور: فاعول من النُّكْر الدهاء - وأدرك ذو الكَلاَع الإسلام، وقُتِل يوم صفين عند معاوية، وفي ذلك يقول شاعر العراق من أصحاب علي بن أبي طالب. ان تَقَتُلُوا الصَّقَر بن عمرو بن الحصن ... فغ، ّا قَتلنا ذَا الكَلاَع وحَوْشَبَا والحوشب ذو ظليم أيضا. والحوشب عُظَيم في باطن الحافر يتصل بالرّثسغ، والحوشب أيضا القَصِيرُ من الرجال الضخم، والجمع حواشب ومن قبائل ذي الكَلاَع مِنْهُم بنو نَجْلاَن، وهو فَعْلاَن من قولهم: عينٌ بجلاء وطعنة نجلاء أي واسعة، ويقال نجلت الرجلَ بالرُّمح أنجله نجلا إذا طَعْنته، سمِّي الرُّمح مِنجلا مفعلا. والنجل ماء، يظهر في بطن وادٍ أو سفح جبل حتَّى يسيح، والجمع نِجال. والنجيل ضروب من النبت يجمعها هذا الأسم، هؤلاء نَجْلُ فلانٍ: أي نسلهُ، وزعم قومٌ من أهل العلم أنَّ الإنجيل إفعيل من النّضجل، كأنه ظهر بعد كُمُونه. ومن قبائلهم: بنو عْنَّة. واشتقاق عنة من الخيمة التي تتخذ من أغصان الشجر وغيره، وجمعه عنن.

стр. 102

ومنهم بنو السحُول بن سوادة ابن عمرو بن سعد بن عوف بن عَدِي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر وإليه تنسب السحولية، وهم في هَمْدَان، والسّحول: فعول من السَّحْل، وهو الثوب الأبيض، أو يكون اشتقاقه من سَحَلْت الشيء أسْحَلُه إذا قشرته أو بردته بمبرد، أي سحلته بمسحل والمسحل بلغتهم المبرد، والمسحلان حديدتا اللجام اللتان تكتنفان الحَّنك، والسحل: الفتل الرخو، وخيط سحيل ومسحول والسحيل ضد المُبْرَم، الأرز ما قشر عنه، وسمى ساحل لأن الماء يقشره، وحمار مِسْحل، وهو مفعل من السحيل: وهو نهاق غَلِيظٌ يُرَدّده في الهواته انقضت أنساب حمير، وهذه شجرة أنسابهم منير بن النِّير بن عبد الملك بن وسار بن وهب بن عبد صلت. هشام ابن محمد بن السائب بن بشؤ بن عمرو بن الحارث بن عبد العزيز بن امرئ القيس ابن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود بن يحيى بن مالك ابن حضرمي بن ريام بن القَمَر بن الامري بن اصطمري بن مِهْرَة بن حيدان. القراء المصلاء. المسكاء. الغفار بن ناد بن عمرو. والهيثم العبدي حتريت العتب بنو ناعت بن الوجد بن داهي. جميل بن عبد الله بن المقمر بن قصبة الحارث بن ظفار، رزاح بن ربيعة بن حزام بن صمته بن عبد الله بن كثير بن عذرة بن سعد بن هديم. نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن عمرو. أراشة بلى بن نهد. هشام بن محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث ابن عبد العزيز بن امرئ القيس بن عامر بن النعان بن عبدود بن عوف. زيد بن حارثة - مولى رسول الله ﷺ بن شرحبيل ابن كعب. أسعد الأصغر بن تُبَّع بن حَسْان ذي معاهن بن أسعد أبي كرب - وهو تبع الأوسط - بن ملكيكرب بن تُبّع ذي الشأن بن تبع الأقرن - وهو تبع الأكبر - بن عميكرب بن شَمَر يَرْعَش بن أفريقيش ابن أبرهة ذي المنار بن الحارث الرايش بن سدد بن الملطاط. ذكر كهلان بن سبأ وكهلان فهلان من الكهل من الناس، ومن النبيت، ولد كهلان بن سبأ بن يَشْجب بن يَعْرُب بن قحطان. خولان بن عمران بن الجاف بن قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ. عوف. سعد، واثلة، عمرو، سليم، واسمه عمرو بن أسب بن الخوص، جَدُّه ناحية بن الحرم بن ذبان. مالك بن فَهْم بن عبد الله بن أسد بن مشجعة بن تميم بن النَّمِر بن كنانة بن القيس بن حُشَم. سبع الله سبأ الأصغر، واسمه سماعة بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن حمير الأصغر، وهو ذو الكَلاَع. سعد. ربيعة. الأيسر الأخصوص الأرغون الحياومة، رسوان. الأيفع أصحاب. أنساب ولد كهلان وَوَلد كَهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان زيد بن كهلان فولد زيد بن كهلان مالك بن زيد، وأدد بن زيد. فولد أدَدُ بن زيد بن كهلان خمسةً طياً ومالكا - وهو مذحج - ومَرّةَ وعريبَ والأشعر ويقال: إن الأشعرَ بن سبأ - وقد أتينا به فيما تقدم - فهؤلاء بنو أدَد بن زيد بن كهلان. وقد ذكر بعضٌ: أن ولدَ ولدا يقالُ له عدي بن كهلان. ومن ولده لَخم وجذام وعاملة وأبناء عمرو بن زيد بن مالك بن عدي بن كهلان، ويقال: إن من ولد زيد بن كهلان الأشعر بن عمرو بن الغةث بن نَبْت بن مالك بن زيد بن كهلان والرواية الصحيحة على خلاف ذلك، وقد أتينا بالاختلاف ليكون أمعن للناظر فيه إن شاء الله. بسم الله الرحمن الرحيم أخبار طيء بن أُدَد وانتشار ولده قال الخليل: أصل طيء من طاء، وأصله الواو، فقلبوا الواو ياء فصارت ياءً ثقيلة، وكان الأصل فيه طَوْي. وقال ابن الكلبي: نقول إنما سُمي طيء طيئاً لأنه أوّل من طَوْي المناهل، ويقال طَوَيْتُ الشيء أطْويه طَيَّا. وكذلك طويتُ البئر أطويها بالحجارة وبه سميِّت الطَّوِىَّ. واسم طيئ جُلهُمة، وإنما سمي طيئا لأنه أوّل من طوى المناهل. وهو جُلْهُمة بن أدَد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يُشْجُب ابن يَعْرب بن قحْطان، وقال بعض: هو جلهمة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان وكذلك هذا الاختلاف في نسب كندة.

стр. 103

قال: كان طيئ - وهو جُلْهُمة بن أدد - هو وابن أخيه مُراد بن مالك بن أدد بوادٍ باليمن يقال له طريف. وإنه نزل بطيء ضيف فأنزله وأكرمه وسقاه لبناً صريحاً كثير الرَّغوة طيَّب الطّعم، ثم أعْقَبَهُ بالليل مِثْلَهُ، وإن الضيف خَرَج من طيء فنزل بابن أخيه مُرَاد بن مالك، فسقاه لَبناً رقيقا لا طَعْمَ له ولا زُهْومَة، فقال الضيف: إني نزلت بإخوانكم هؤلاء فسقوني لَبَناً ما شَرِبْتُ مِثْلُهُ، ولا رأيت قَط لبنا طيِّباً - طعما ولونا - مثله، وذقتُ ألبانكم فوجدتها لا دَسَم لها، ولا رَغْوة، ولا طعما. فقالوا له: ولِم ذلك ترى؟ قال: لأنهم في أعلْى الوادي، فهم يسرحون إبلهم مَشْرِقَ الشمس، فنضرب أعطافها الشمس فتحس سخونتها وتصفو ألبانها وتدر أخلافها، ويطيب طعمُ ألبانها. ويبقى جلودها وأخلافها لاستقبالها الشمس واستدبارعا الصِّرد، وتسرحون أنتم مواشيكم فتستدبرها الشمس حتى تعود في أعطابها فلا تنفع بمرعاها، فاستعطبوا إخوتكم. فرحل مراد إلى طيء في ولده فقال: يا عم، إنا قد اجتوينا شَوْلَنا ورأينا الضرر في أموالنا، فقد مَسّها جهد وضُرَّ فأعقبونا ترجع إلينا أنفسنا، وتصلح أموالنا. فقد مسها جهد وضر. قال طيء: لا يوقع بينهما تلاح وتدابر، وتناقلوا أشعارا أظنها في النسخ الشامية، ولم ينشدها أحد من رواة العراق، فقال أحدٌ ولد مراد بن مالك في ذلك: إن كنتم إخوتنا فأعقبوا ... نعقبكم إن جاء يوم غَيْهَب ثم أقبلوا الحثَ ولا تنّكَّبُوا ... والحق يعلو نوره فَيَغْلِبُ والضيم يشكوه مضيم مغضب ... والحُرّ من ذات القناع يَهْرَب فأجابه حية بن فطرة بن طيء فقال: إنا لكم لإخوة لم نبعد ... وما أستوت كَفُّ وكَفُّ في يد إن التداني ليس بالتهدد ... والحُرّ يأبى سُبَّة المجلعد وقال شاعر من مراد في ذلك: - إن كنتم إخوتنا فانصفوا ... ننصفكم إن جاء يوم أكلف إن الإخاء بالتأسي يُعَرف ... والحُرَّ من ذات الخمار يأنف فأجابه حية بن قطرة فأنشأ يقول في ذلك شعرا: - ليس أخونا من أتانا من عَلِ ... يطلب ما كان لي من أوّل تحطه جايزة من منزل ... فهاجرونا بالحروب نصطل بَحَّها حتى هلال الأعجل وقال العيثم بن عدي: فلما رأى طيء التفاني، ووقوع الشرّ بينهم، خرج عن الوادي في ولده حتى قطعوا جبلا يقال له بهلا، وكان طيء كاهنا فأنشأ يقول: إمض ودع عنك جبال بهلا ... تركت أهلا وأصبت أهلا حتى يحل الحمُّي أرضاً سهلا ثم أخذ في طريق يقال له ويران في دار الجبل، وهو الطريق الذي قالت فيه العرب: لا تُكِلّم رعيل بن كعب بن عمرو بن خلة بن مالك - وهو مذحج - في أدد بن أخ طيء في أناس من مذحج يسألون طيُا الرجوع، فلما توسط رعيلٌ الطريق قال: لا تمر ظعينة حتى تمرّ ظعينتي. فكف القوْم حتى مرت ظعينته، وقالوا: لا تُكَلِّم رعيل. فذهب مثلا. قال الهيثم: ثم انحدر طيء في وداي يقال له الهرجاب بتهامة، فقال طيء: - هرجان هرجان. هرهان هرهان. ذهاب لا إياب. لا عتاب بعد عتاب. ثم امتنع طيء من الرجوع، فسمى طياً لطية المراحل مُرَاغِماً لقومه. فارتحل طيء لوجهته، وتخلف مراد. حتى إذا انتهى طيء إلى مضيق الوادي متقدما بولدة فجاز ساير، وقضّ الله صخرة من أعلى الوادي فسدت الطريق بين طيء ومراد، وتخلف عن طيء من ولده اعلا وانيم وطبيان وبذول ورضا، فانتسبوا في ولد زاهر بن عامر بن عربيان بن مراد، وسَمَّت العربُ ذلك الموضع ضيقةً، وقال مراد عند انصرافه عن طيء: لو كان أأسى طيء ما أمسى ... مغتربا يزجر طيرا نحسا لو كان في أهل طريق بأسا وأنشد الهيثم لطيء: اجعل مُرَاداً كَحَدِيثٍ يُنْسّى ... لِكل حيّض مُصْبَحٌ ومُمْس قال ومضى طيء حتى أتي بئرا بناحية حصن، فأقام هناك بها. وسرحٍ إبله. ثم أن ولده انتشى لهم المَرْعى، فرجعوا إلى طيء فأخبره أنهم قد أصابوا قرية من قُرى عاد، يقال لها إحليلا، فانتشروا إلى وراء ذلك إلى فضاء من الأرض، فأقاموا بها.

стр. 104

قال وأقبل جمل أذب أخشب، فضرب في أبلهم فأقام، فلما كان ذهاب هياج الإبل رجع عنهم إلى وطنه. فلما كان من قابل أقبل أيضا فضرب في الإبل، ثم رجع. فلما كان في العام الثالث عَاوَدَهم على عادته، فرأوا في سنامه ووبره عَثَاكيلَ التَّمْر، وفي بعره النَّوى، فقال طيء. لولده إن هذا البعير ليجيء من مكان مُخْصب، انظروه إذا انصرف، وتبعه أولادهُ فَلْيَرْكَب رجلان منكم في طلبه. فلما انصرف البعير لم يبق شيء من ولده إلا تبعه، وقفا أثره أسامةُ بن لؤي بن الغوث بن طيء، والحارث بن فطرة بن طيء، على جملين، فكان يرعى النهار ويرعيان معه حتى المساء، ثم مضى ويمضيان معه، ويجعلان الصوى والآكام والانهار ليعلما بهلا السبيل والقصد، فمضى حتى دخل باب أجا، وكان عليه باب من حديد مصراعاه عرضهما خمسة أذرع، فنزعهما عبد الملك بن مروان، ووسّضع الباب فجعله تسعة أذرع حين بلغة تعريض الطِّرماح ابن عدي بن حاتم الطائي على الحُسَين بن علي بن أبي طالب أن يأتي به الجبلين، وخاف عبد الملك أن يجعله بعض من يناويه حِصناً. قال فدخل الجملُ بابَ أجأ فدخلا معه، فإذا بحصن ونخل وعيون، وإذا الأرض خلاء ليس بها سفر، وإذا التمر قد غَطَّى كَرَانِيف النخل، فجالا ونظرا ثم انصرفا إلى طيء فأخبراه، فرحل طيء في جميع ولده حتى نزل الجبلين، فبينما طيء ذات يوم جالس ومعه ولده إذ أقبل عليه رجلٌ من بقايا جَدِيس بن عامر بن سام بن نوح، ممتد الخَلْق، قد كادَ أنَ يَسُدّ الأفق، يقال له الأسود بن غِفَار. فقال لطيء من أدخلكم بلادي وأرومتي وميراثي من آبائي؟ اخرجوا من بلادي وإلا فعلتُ بكم وفعلتُ. فقال طيء البلاد بلادُنا لقد دخلناها وما فيها أحد، بل بخلت أنت بخلا فادّعيتها. فقال لتخرجن منها أو لأفعلن بكم الأفاعيل. قال له طيء فاضرب لنا أجلا. ففعل وانصرف الجَبَّار. فقال طيء لجُنْدُب بن خارجة بن سعد بن فُطْرَة بن طيء، وأمه جَدِيلة بنت سُبَيْع من حمير - وقال آخرون جَديلة بنت يسلع من حضرموت، وقالوا جديلة بنت أنمار أخت بجيلة، وإليها ينسب فُطْرة بن طيء، وكان طيء لجُنْد مُكْرِمَا مؤثرا يا بُني قاتِل عن مَكْرَمِتك. قالت له أمه بالله لا تتركن بنيك وتعرض ابني للقتل، لا والله لا يفعل. قال ويُحْكَ، إنما خصصته بذلك. فأبت عليه. قال وكان طيء يُحِب جُنْدباً دون إخوته، ويخبئ له الحيس والطعام الطيّب. فلما أبَت عليه أمه أن يلحقه العادي حين أمره طيء فخالفته وبخلت بابنها. فأمر طيء عند ذلك عَمْرَو بن الغوث بن طيء وقال يا عمرو دونك الرجل. فأنشأ عمرو عند ذلك يقول لضُمهْرة بن خارجة أخ جُندب بن خارجة بن سعد بن فُطْرَة بن طيء شعرا يا ضمر أخبرني ولست بكاذب ... وأخوك صاحبك الذي لا يكذب هل في القضية أن إذا استغنيتم ... وأمنتمُ فأنا البعيد الأجنب وإذا الشدائد بالشدائد مَرةً ... أشجتكم فأنا الحبيب الأقرب وإذا تكون كريهة أدْعى لها ... وإذا يُحاس الحيسُ يُدعْى جُنْدُب تَباً لتلك قضية وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب ولجندب رُعي البلاد وسهلة ... ولي الحَزُوَنةُ والمَحَلَّ الأجدب ومن البلية أن شاةً بيننا ... فَيَديِ بقرنيها وإنك تحلب هذا وجدكم الصغار بأسره ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب قال فقال طيء لعمرو بن الغوث بن طيء يا بني هذه أكرم دار على وجه الأرض. قال: لن أفعل إلا علي ألا يكون لولد جُنْدب فيهما حقّض يعني الجبلين. قال ذلك لك. قال فمضى عمرو بن الغوث في طلب العادي فوجده يخترق رُطَباً وهو يقول: تُطَأطُِئ أجنى جناك قَاعدا، مالي أرى حملك ينزوا صاعدا وقال العادي حين أبصر بعمرو: يا طالب الظبي أصبت أثَرَه ... إن أنت لم تحرم لصيد خطره أنصفَ رام إن أنْذَرَه

стр. 105

قال الهيثم بن عدي الطائي: ولم أصِب هذا الشعر عند رُواة العراق. قال: فأقبل العادي ومعه قوس من حديد ونشاب حديد له نصالُ عظام، وهي التي يقال لها: العقارية. فقال لعمرو: إن شئت صَارَعْتَك، وإن شئت رَامْيتك، وإن شئت سايفتك. قال عمرو: الصراع أحَبّ إليّ قال: أرى معك قوسا. قال: إني أكسرها - وكانت قوس عمرو متى شاء جعلها ومتى رَدَّها - فأهوى بها إلى سفح الجبل. فظن أنه قد كسرها، فاعترض العاديّ بقوسه ونِصَاله الجَبَل فكسرها. فلما رأى ذلك عمرو وأخذ قَوْسه فركبها. فقال اسْتَعِن بقَوْسَك والرَّمْيُ أحبّ إليّ. فذكر الأسود غَدْرَته بطسْم فقال: مَنْ ير يوماً يُرَيه. فذهبت مثلا. ورماه عمرو ففلق قلبه، فقال الأسود - وهو يجود بنفسه: أما أن أكون عادتها. قال له: أين هي؟ قال: شرقي غربي طلل طلل طلل - يردد ذلك حتى مات وانصرف عمرو بن الغوث بن طيء وهو يقول: قلتُ الحارس العاديَ لما ... رأيت بجَنْدُبٍ عنه ازْوِرَارَا فقلت له ودمع العين يجري ... على الخَدّضين ينحدر انحدارا سأكفيك الذي حاذَرْتَ منه ... فأرخ الذيل واحتلب العشارا وأقام طيء وولده منذ ذلك الحين بالجَبَلَيْن وسميا أجَأ وسلمى فنزلوا بهما واطمأنوا، وصار قرار ولد طيء الجبلين، فهما اليوم بلادهم، ولهم أيضا قُرْى خارج الجبلين، وأكثر مالهم من القُرى خارجا لبني جَدِيلة والغالب على الجبلين بنو الغوث بن طيء. قال سامة بن لؤي بن الغوث بن طيء في ذلك شعرا: حلفنا لا نفارق بطن سلمى ... وأجأ مابقينا في الليالي بحيث الشعب أنزلنا ابن غوث ... وطاح الغوثُ منها بالنهال رمينا قلب عاديٍ بسهم ... كأن قَتِيره رَهَجُ النصال وكان طيء بن أدد قد عاش وعَمَر إلى أن بلغ ولدهُ ووَلدُ ولدهُ خمسمائة رجل، حتى أدركه سُلامان بن ثُعل بن عمرو بن الغوث بن طيء وأنشد الهيثم بن عَدِيَ لطيء أدد في ذلك: أنَّا من القوم اليمانينا ... إن كنت عن ذلك تسألينا وقد ثوبنا بظُريف حبنا ... ثم تفرقنا مغاضبينا لينة كانت لنا شطونا ... إذ سامنا الضيم بنو أبينا فتفرقت من رجلين الغوث بن طيء وفُطْرة بن طيء، وبنو فُطْرَة هم بنو جَدِيلة أمهم، وبها يُعْرَفون بنو جُنْدُب بن خارجة بن سعد بن فُطْرَة بن طيء. نسب ولد طيء بن أدد ولد طيء بن أدد رجلين الغوث بن طيء، وفُطْرة بن طيء، فولد الغوث بن طيء عَمْراً ولؤياً، فولد سامة بن لؤي بن الغوث، وولد عمرو بن الغوث أسودان - واسمه نَبْهان - وثُعل وجَرْم وبَوْلان، وحبه، فهؤلاء بنو عمرو بن الغوث بن طيء، والعدد فيهم. ومنهم تفرقت أكثر قبائل طيء. وأما فُطْرة بن طيء فولد سعداً والحارث وحة والعدد في ولد سعد، فولد سعد بن فُطْرة خارجة بن سَعْد، فولد خارجة ابن سعد جُنْدُب بن خارجة، وضهرة بن خارجة. فمن ولد جُنْدُب بن خارجة بن سعد بن فُطْرة بنو جَدِيلة، وهم بنو جُنْدُب بن خارجة ابن سعد بن قُطْرة بن جَدِيلة، وهم بنو جُنْدُب بن خارجة ابن سعد بن فُطْرة طيء، وجَدِيلة أمهم، وقد مضى نسبها، وهم بها يعرفون. ومن قبائل الغوث بن طيء بنو نَبْهان بن عمرو بن الغوث، وبنو ثُعل بن عمرو بن الغوث، وبنو جَرْم واسمه ثعلبة - بن الغوث، وبنو بولان - واسمه غصين - بن عمرو ابن الغوث. ومن بطونهم بنو هنيء بن عمرو بن ثُعل، وبنو سنبس بن عمرو بن ثُعَل، ابن سعد بن نَبْهان - وهم نُعْمان - وبنو الصامت - واسمه عمرو - بن غَنْم ابن مالك بن سعد بن نَبْهان - وهم أيضا بُعمان - وأفخاذ طيء كثيرة غير أن جمهور النسب إلى الأب الأكبر وهو طيء بن أدد. نَبْهَان، فنن بني نَبْهان. وهو أسودان: بن عمرو بن الغوث بن طيء نابل ابن نَبْهان - بطن - والنّضابِل: الحاذق بااشيء. قال الشاعر: ابن نبهانبطنوالتنَّابِل وابن نابِلأي حاذق وابن حاذق والنابل: حامل النَّبْل، ويقال تَنَبَّل الرجلُ إذا استنجى، ويقال للرجل نَبِلْني أحجارا: أي أعطني استعملها في ذلك الشأن. والنبيلة زعموا جيفة الميَّت، والنبل عندهم من الأضداد، ويقال للشيء الحسن النبيل وللشيء الخسيس قال الشاعر:

стр. 106

أفرح أَرْزَاً الكرام وأن ... أورَثَ ذوداً شَصَايصاً نَبَلا فمن نابل زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وصاحب غاراتها، وهو فارس العرب كافة، وكان يكنى أبا مِكْنَف. وأدرك الإسلام، وفد على النبي ﷺ في وفد طيء وأسلم على يديه، وهو أحد من أكرمه رسولُ الله ﷺ ، وبسط له رِداءه، وسماه زيد الخير، وعلّمه ودَعَا له، ومات في رجوعه. وكان النبي ﷺ قال: ما ذكر لي أحد فرأيته إلا كان دوُنَ ما وصُفَ لي إلا زيد. وكان عرفه بالإجابة حين دعا به، وهو زيد الخيل بن مُهِلهِل بن زيد بن منهب بن عبد رُضي ابن المختلس بن ثوب بن كنانة بن مالك بن نابل بن نَبْهان بن عمرو بن الغوث بن طيء. ونحن نذكر من مقاماته ووقائعه لمعاً يستدل بها ويستكفي بشاهر أخبارة ووقائعه ومقاما عن الإطالة. قال أبو بكر محمد بن الحسن القسملي، عمن حدثه قال: غار زيد الخيل ابن مُهلهل الطائي على بني فزارة، وعندهم يومئذ زُهير بن أبي سُلمى المُزني، والحطيئة العبسي، وقد جمع عُيينة بن حصن الفرازي سيدُ فزارة جُموع كثيرة من أحياء معد، وكان خروج زيد الخيل اليهم، فاستعد وتأهب لقتالهوجموعه، فأوقع بهم زيد الخيل في عدد يسير من فرسانه، فهزم بني فزارة، وفض جموعهم، واستباحهم، وولى قتال ذلك اليوم هو نفسه، فأسر عُيينة بن حِصن الفرازي سيد قيس وفارسها، فقال له: يا أبا مكنف، خل سبيلي أثبك على ذلك فجزّ ناصيته وأطلقه. وأما زُهير جز ناصيته وأطلقه، فدفع إليه زُهير فرسه الكميت المشهور بالسبق، فقبله زيدُ الخيل. وأما الحطيئة فأنشأ يقول: ظفرت بقيس ثم أنعمت فيهم ... ومن آل بدر قد أسرت الأكبر جرزت النواصي منهمُ إذ ملكتهم ... وأطلقتهم إذ كنت يا زيد قادر وحىّ سليم قد تركت شريدهم ... فلولا وقد كانوا حلولا كراكر ومُرَّة أمرت الشراب عليهم ... جهارا وقد أخزيت بالمس عامر نبلت ولم يدرك لقيس نبيلها ... وسقت السبايا واستقدت الأبار فإن يشكرو فالشكر حق عليهمُ ... وإن يكفروا لا ألف يا زيد كافر فأجابه زيد الخيل وهو يقول: أقول لعبدي جرول ملكته ... أثبني ولا يغررك أنك شاعر أنا الفارس الحامى حقيقة مذحج ... لها المكرمات واللُّها والأكابر وقومي رءوس الناس والرأس قائد ... إذا الحرب شبتها الرجال المساعر فلست إذا ما الموت رنّق ظله ... وأنزع حوضاه ورنق ناظر توافقني أخشى الحروب محاذرا ... يباعدني عنها من القبّ ضامر ولكنني أغشى يصعدني الوغى ... مجاهرة إن الكريم مجاهر أروى سناني من دماءٍ غزيرة ... على أهلها إذ ليس ترعى الأناضر فلما صار زيد الخيل إلى بني فزارة يطلب نعمته عندهم أغار عامر بن الطفيل العامري على بني فزارة، فاستاق إبلاً، وأصاب امرأة منهم. فقال عُيينة بن حصن لزيد الخيل: يا أبا مكنف. أجعلها نعمة في إثر نعمة. قال: وما ذلك؟ قال: أغار عامر بن الطفيل عدوانا فاستاق إبلا وأصاب امرأة من نسائنا. فركب زيد الخيل حتى أتى عامرا. فلما رآه عامر أنكر ما رأى من هيئته، فوقف عامر وقال له: من أنت؟ قال: وما سؤالك وخلّ عما معك. قال: لا والله حتى أنظر من أنت. قال: أنا من بني فزارة. قال: لا والله ما أنت من الفلج أفواها - في كلام كثير - قال: فأنا زيد الخيل، خلّ ما معك. قال: لا والله، مالي إلى ذلك من سبيل. فحمل علية زيد الخيل فحمله فصرعه إلى الأرض، فاستسلم عامر، وأقبل به زيد، الخيل إلى الحي حتى ردَّ على بني فزارة هذه الفَزَاريّة، ورد ما استاق عامرٌ من إبلهم، ثم إنه بعد ذلك جَزّ ناصية عامر، ومنّ عليه بنفسه، وأطلقه بلا فداء. وقال في ذلك زيدُ الخيل: إنا لنُكثر في زيدٍ وقائعنا ... وفي تميم وهذا الحي من أسد وعامر بن طُفيل قد نحوت له ... صدر القناة بماضي الحدِّ مضطرد لمّا تَيِقَّن أن الورد مٌدركه ... وصارما وربيط الجأش كالأسد

стр. 107

نادىالى السلم منى بعد ما علقت ... منه المنية بالحيزوم واللغد ثم زيد الخيل - بعد ما منّ على عامر بن الطفيل وجزّ ناصيته وأطلقه - رجع إلى فزارة يطلب نعمته عندهمز فأما الحطيئة فشكا الحاجة، وزعم أنه لا شئ عنده فخلى سبيله. فقال الحطيئة لزيد يمدحه: إلا يُكن مال يُثاب فإنه ... سيأتي ثنائي زيدا بن مُهلهل فما نِلتنا غَدرا ولكن صَبَحتنا ... غداة ألتقينا في المضيق بأخيل في شعر طويل ومن طى أيضا ثم من بني نبهان حُريث بن عتاب الشاعر، ومنهم بنو خطامة بن سعد بن نبهان - وهم بعمان - كان منهم مازن بن غضوبة بن سبيعة بن شماسة بن حيان بن أبي بشر بن سعد نبهان بن عمرو بن الغوث بن طئ، وكان من أهل سمايل، قدم على رسول الله ﷺ عند أول الإسلام بعمان، وأسلم ودعا له النبي ﷺ ، ولأهل عُمان بخيرٍ. وكان من قصته وخبر إسلامه وقدُومه على النبي ﷺ أنه كان يسدون صنما له في الجاهلية بأرض عُمان بقرية سمايل، يقال له ناجر، تعظمه بنو خطامة وبنو الصامت من طئ. قال مازن: فعترنا عنده ذات يوم عَتيرةٍ: يعنى الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن اسمع تُسرّ ... ظهر خيرٌ وبَطَن شرّ بعث نبي من مضرة ... يدين بدين الآله الأكبر فدع نَحيتا من حَجَر ... تسلم من حَرّ سقر. قال مازن، إن هذا لعجب، وإنه لخيرٌ يُراد بي. فبينما نحن كذلك بعد ذلك إذ ورد علينا بأرض سمايل رجل من أهل الحجاز يريد أن ينزل أدما. قال فقلت ما الخبر وراءك. قال: ظهر رجلٌ يقال له محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، يقول لِمن أتاه أجيبوا داعي الله. فلست بمُتكبر ولا جبَّار، ولا مختال ولا عصاء، أدعوكم إلى الله وترك عبادة الأوثان، وأبشركم بجنة عرضها السموات والأرض، واستنقذكم من تلظى لا يطفأ لهيبها، ولا ينعم ساكنها. قلت: هذا والله نبأ ما سمعته من الصنم. فوثبت إليه وكسرته أجذاذا، وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله ﷺ ، فسألته عمَّا بُعث به، فشرح لي الإسلام، ونَوَّر الله قلبي للهدى، فأسلمت، وقلت: كسَّرت ناجرَ أجذاذا وكان لنا ... ربَّا نظيف به ضلا بتضلالِ بالهاشمي هَدَانا مِن ضلالتنا ... ولم يكن دينه منى على بالِ يا رَاكِباً بَلَّغن عَمراً وإخوتها ... إنّى لمن قال: ربي ناجر قالى قولهبلَّغت عمرا: يعنى يريد بني الصامت، واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء. وإخوتها: يريد بني خطامة بن سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء. قال مازن: فقلت يا رسول الله صلى الله عليك. أدع الله تعالى لأهل عُمان. فقال: اللهم أهدهم وأثبهم. فقلت: زدني يا رسول الله. فقال: اللهم أرزقهم العفاف والكفاف والرضى. بما قدرت لهم، قلت: يارسول الله، البحر ينضح بجانبنا. ادع الله في ميرتنا وخُفنا وظلنا. قال: اللهم وسِّع لهم وعليهم في ميرتهم، وأكثر خيرهم من بحرهم. قلت زدني، قال: لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم، قل يا مازن آمين، فإن آمين يستجاب عنده الدعاء قال: قال: يارسول الله إني مولع بالطرب، وشرب الخمر، لجوج بالنساء. وقد نفذ أكثر ما لي في هذا. وليس لي وَلَدٌ فادع الله أن يُذهب عني ماأجد، ويهب لي ولدا تقرّ به عيني، ويأتينا بالحياء. فقال النبي ﷺ : اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، وبالعهر عفة الفرج، وبالخمر ريا لا إثم فيه، وآتهم بالحياء. وهب له ولدا. قال مازن: فأذهب الله تعالى عني ما كنت أجد من الطرب والنشاط لتلك الأسباب، وحججت حججاً، وحفظت شطر القرآن، وتزوجت أربع عقائل العرب، ورزقت ولدا فسميته حَيّان بن مازن، وأحصبت عُمان في تلك السنة وما بعدها، وأقبل عليهم الخُّف والظِّلف، وكثر صيد بحرها، وظهرت الأرباح في التجارات وآمن عدد كبير من أهل عُمان، ولمازن في ذلك شعر حيث يقول: إليك رسول الله خَبَّت مطيتي ... تجوب الفيافي من عمان إلى العرج لتشفع لي يا خير من وطئ الحصى ... فيغفر لي ربي وأرجع بالفلج

стр. 108

إلى معشر خالفت في الله دينهم ... فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي وكنت أمراُ باللهو والخمر مولعا ... شبابي حتى آذن الجسم بالنهج فبدلني بالخمر خوفا وخشية ... وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي لإأصبحت همي في الجهاد ونيتي ... فلله ما صومي ولله ماحجي قال: فلما كان في العام القابل الذي وفدت على رسول الله ﷺ فقلت: يا بن المباركين، الطيب بدينك، وقد أخصبت عُمان خِصبا هنيا، وكثرت الأرباح والصيد بها، فقال ﵇: ديني دينُ الإسلام، وسيزيد الله أهل عُمان خصوبة وصيدا، فطوبى بي لِمن آمن بي ورآني، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني، وطوبى طوبى لمن آمن بي ولم يرني ورآى من رآني، وطوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني ولم ير من رآني، وسيزيد الله أهل عمان إسلاما. بطون بني خطامة جُرش وشرح وعرابة - وقالوا عراب. فهؤلاء حطامة، فمن بني جرش ساقر وصهبان وبطل وعرابة، وهم بعُمان بقرية حا وأما شرح بن خطامة فمن ولده سعيد وراشد وأخزم ووهيب ومعيناء وهم أهل صي ومنهم إخوتهم بن والصامت. واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان والصامت. يقال: لهُ من المال صامت وناطق، فالصامت: ما كان من الذهب والورق، والناطق: ما كان من الماشية وشبهها. فمن بني الصامت سعد وشرح وجُشم بنو الصامت، وسمه عمرو بن غنم بن مالك. فمن سعد كلب بن سعد، وبعدان ابن جشم بن سعد، وبعدان بن جشم بن سعد، وعمرو بن مالك بن الصامت فهؤلاء كلهم. ومن بني شرح الصامت صَبهان، وهادية، وأشرف بنو شرح بن الصامت. وهؤلاء كلهم بعُمان. ونهم أكلب بن سعد بن عمرو بن عمرو الصامت بن خالد بن مَعد جد قحطبة بن شبيب بن غنم بن مالك بن سعد ابن نبهان بن عمرو بن طيء، وكان قحطبة أحد نقباء بني العبَّاس، وصاحب مقدمة أبي مسلم الخرساني إلى العراق. وغرق في الدجلة، كبا به فرسُه. ومن ولده الطّوسي، وكان له من هارون الرشيد موضع، وداره بالبصرة في المهالبة. ومن قبائل نبهان سعدُ ونابلٌ - وفد مَرَّ نابل - فمن ولده خطامة بن سعد نبهان، والصامت، واسمه عمرو بن غنم بن مالك بن سعد بن نبهان - وقد مرّ ذكر نسبهما - وأما الباقون من ولد سعد فهم بنو أصمع، وبنو سُدوس بن أصمع بن أبي عبيد بن ربيعة بن نضر بن سعد بن نبهان، وفي بني سُدوس يقول امرؤ القيس: إذا ما كنت مُفتخراً ففاخر ... ببيت مثلى بيت بني سُدُوسا بيت تبصر الرؤساء فيه ... قياما لا تنازع أو جلوسا ومنهم خالد بن سدوُس، وزيد بن جابر بن سُدُوس بن أطمع، وفد على النبي ﷺ ، ومنهم الغوث بن طئ، ومنهم قيس بن عازب الفارس، ومنهم عامر بن جوين، واسمه الأسود - وكانا سيدين رئيسين. ومن قول عامر بن جوين: فلا مُزتَةٌودقت ودقها ... ولا الأرض أبقل إبقالها ومنهم أبو حنبل جابر بن مرّ، الذي أجار امرأ القيس، من ثُعل، ومنهم قيس بن عايد الذي خاصم عليَّا على الراية يوم صفين. ومنهم عبد بن الجعل، صحب عليَّا. ومنهم الخشخاش - واسمه الخياش بن أبي كعب بن عبد الله بن سعد بن فرير، وهو الذي كان فيه بدء حرب الفساد. ومنهم جوش، بن وديعة الشاعر. ومنهم حابس بن سعد وهو الذي كان على طيء بالشام مع معاوية، وقتل يوم صفين، وكان عمر بن الخطاب ﵁ ولاَّه قضاء حمص. ومنهم ثرملة بن شُعاث بن عبد كُثرى الشاعر، وثُرملة اسم من أسماء الثعالب وهي الأنثى خاصة، وشُعاث فُعال من الشَّعث ورجل أشعث الرأس وامرأة شعثة وشعثاء: وهو الذي قد طال عهده بالدهن وقاسى السفر فشعث شعر رأسه، والجميع شُعث والشَّعث: التفرق والتبدد، وكل شئ بددته وفرقته فقد شعثته، ويقال لمَّ الله شعثك، أي جمع متفرق أمرك، فهو يلم شعثه لماّ وقد شعثت أطراف المساويك أي تفرقت. وكثرى تأنيث أكثر كما كُبرى تأنيث أكبر، وكثرت بنو فلان بني فلان إذا كانت أكثر منهم، والفاعل كاثر والمفعول مكثور. ومنهم عبد عمرو بن عمار بن أمتى الشاعر. ومنهم المقعد الشاعر. ومن بني نبهان بنو الضرُّيس، منهم حُريث بن زيد المختلس، كان فارسا. ومنهم القشعم بن ثعلبة قاتل داهر ملك الهند. ومنهم حُبشِى بن حارثة الجّراح الفارس.

стр. 109

ومنهمعُويج ابن الضُّريس الشاعر. ومنهم أعور بني نبهان، واسمه حُريث بن عَنَاب، ويقال نعيم بن شريك وهو أحد من هجا جريرا الخطفي، ومما هجاه به وهو يقول: ألست كُليبيًّا وأمك كلبة ... لها عند أطناب الكلاب هرير وقلت لها أمي سليطا بأرضنا ... فبيس مناخ النازلين جرير ومنهم كعب الأشرف اليهودي، الذي أمر النبي ﷺ بقتله، ومنهم كنف بن حكيم الشاعر، وإبنه إبراهيم بن كنف شاعر أيضا. ومن جيد شعره: تَعَزَّ فإن الصبر بالحُرّ أجمل ... وليس على ريب الزَّمان مُعوّل وإن تُكن الأيام فينا تبدلت ... ببؤسٍ ونُعمى والحوادث تفعل فما ليَّنت منا قناةٌ صليبة ... ولا ذلَّلتنا مالا يحملُ البعض تُجعل ولكن رجلناها نفوسا كريمة ... تحمَّل مالا يحمل البعض يذلل أما بنو ثُعل، ويقال: إن ثعل وثعاله اسم من أسماء الثعالب، والثَّعَل: سنٌّ زائدة في الأسنان، والثعل: خلف زائد لاصق بضرع الشاة، ويقال لها ثعلاء إذا كانت كذلك، وثُعل: موضع ومن ثُعل بن عمرو بن الغوث بن طيء. حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن قطن بن أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثُعل بن عمرو بن الغوث بن طيء وأخزم بن أبي أخزم جُدُّ حاتم طيء. وهو الذي يُضرب به الأمثال، فيقال: شِنشنة أ'رفهامن أخزم أي نُطفة شَنششنها أجزم. والحشرج الحسى الصافي الماء البارد. قال الشاعر:. شُرب النَّزيف ببرد ماء الحشرج. والحشرجةُ: صوت يجيء من الصدر عند السعال أو المرض. وقد سارت الأمثال بسخائِة وجُده وكرمه، بحيث تكفى شُهرة ذلك عن تعداده. وكان قدر حاتم في قومه أنهم وضعوا عنه المغازي، وضربوا له بالسهام، وكان ينحر كل يوم جزورا وكان له قِدر نُحاس على الأثافي لا تزال أبدا. وكان إذا دخل رجب نادى في الأحياء، ونَحَر كل يوم وأطعم. ومن المحفوظ من جود حاتم أن بني جَدِيلة ما جَدُوه بالحيرة، فنحر مائة من الإبل أدماء، ووهب عشرة أفراس. واشترى كل لحم وخمر وطعام بسوق الحيرة في ذلك اليوم، وما جدوه جماعة من أهل اليسار بالجيزة فمجدهم في ذلك اليوم، وغلبهم، فأطعم الطعام وسقى الخمر في وسط الحيرة ومضى بذكر ذلك المقام. وحاتم هو الذي خرج ممتاراً حتى أتى بلاد عنزة، فإذا أسيرٌ قد خَذَله قوُمه، وطال أسرُه، فلما رأى حاتما صاح به يا سيد العرب يا حاتم فُكَّ أسري. فقال حاتم: والله ما عندي فداك، ولكني ألطف لك ذلك. فأتى نادي القوم فقال: يا قوم، أطلقوا هذا الأسير وأعطيكم عهدا إلى أن آتيكم بفدائه: فقالوا: لانفعل إلا بفداء حاضر. قال: فأوثقوني مكانة، وينطلق فيأتي بفدائه. ففعلوا، فأعطى حاتم الرجل علامة إلى منزل حاتم ليقبض فداءه فمضى الرجل، ولبث حاتم وهم لا يعرفونه، وأصبح في غداةٍ باردةٍ، فأتته العالية العنزية ببعير فقالت له: أفصد لي هذا البعير فنحره، فصاحت المرأة، وقالت: أمرتك أن تفصده فنحرته!! فقال إنه هذا قصدي. قالت: ومن أنت؟ قال: أنا حاتم ثم قال: - أنا المغيثُ حاتمُ بن سعد ... أعطى الجزيل مُوفيا وشيمي البذل وصدُق الوعد ... واشترى الحمد بِفِعل ورَّثني المجد نباتُ المَجَد ... إني وجدي حشرج ذُو هلا سألت الوفد عني وجدَّي ... كيف طعاني بالقنا وكيف ضربي بالحسام الفرد ... وكيف بذلي المال غير وكيف تِضافي وكيف فصدى ... وكيف إعلافي وكيف فلما عرفته العنزية - وكانت سيدة قومها - دعته إلى تزويجها فتزوجها، فولدت شبيب بن حاتم. وحاتم هو الذي كان يخرج وهو صبيُّ بطعامه إلى الطريق، فإن وجد من معه أكل وإلا ردَّه

стр. 110

ورجع. فلما رأى أبوه هذا منه ومن فعله أخرجه إلى إبل له فيها، ووهب له فرسا ومعها فلو، ووهب له جارية فخرج حاتم فلما رأى طفق يبغى الناس، فلا يجدهم، ويأتي الطريق فلا يجد أحدا، فلما كان كا بصر بركب على الطريق فأتاهم، فقالوا: يا فتى، هل من قِرى؟ فقال: هل من قِرى وأنتم تَرون الإبل أمامكم؟ ميلوا معي. وكان الرَّكب عمر الأبرص، وبشر بن أبي حازم الأسديان، والحطيئة العبسي، وزياد بن وهو النابغة الذبياني - وكانوا يريدون النعمان بن المنذر النعمان بن ماء اللخمي. فنحر لهم حاتم أربعا من إبله. فقال عبيد: ما أردنا الإبل؟ فإن متكلفا فبكرة. قال: رأيت أربعة رجال من بلدان شَتَّى فأجبت أن أنحر زاحد منهم بكرة. فقال عبيد والنابغة وبشر والحطيئة: ليقل كلُّ واحد منا فقالوا مدائح في حاتم لم نوردها ها هنا حذر الإطالة. ومن طريق ما روت الأخبار عن حاتم، ونحن نقول كما قالوا، ونروي كما رووا - قال المهلبي: ذكر لنا أن رجلا أتى معاوية بن أبي سفيان فقال: أخبروني من أسخى العرب؟ فقال له: حاتم اسخى العرب: الأحياء منهم والأموات: فقال له: أسرفت: أما سخاء الأحياء علمناه، فما سخاء الأموات؟ قال: نعم، خرج ركب فمروا بقبر حاتم فنزلوا، فمضى إليه رجلُمنهم ويكنى أبا الخيبري - فصاح بالقبر: أبا عدي ضيافك. فلما كان في السحر وثب أبو الخيبري. وهو الرجل الذي صاح حاتم - فصاح: واراحلتاه. فقال له أصحابه؟ ما شأنك؟ قال: خرج والله بسيفه - وأنا أنظر إليه - حتى عَفَر ناقتي فنظروا إلى راحلته فإذا هي لا. فقالوا له: قد والله أقوك. فنحروا الناقة، وظلوا يأكلون منلحمها. فلما شبعوا أنطلقوا، فبينما هم كذلك في مسيرهم إذ طلع عليهم عَدِيُّ بن حاتم، ومعه جمل أسود وقد قَرَنه ببعيرة، فقال لهم: يا معشر الركب، إن حاتما جاءني في اليَّوم وذكر لي شتمك إياه، وأنه أقرك وأصحابك راحلتك، وأمرني أن أدفع إليك جملا. جملك، ذلك فخذه. وقال في ذلك أبياتا: - االخيبري وأنت امرؤ ... حسودُ العشيرة لوّامها ماذا أردت إلى رَّمة ... بداوية قد صدت هامها في أذاها وإعسارها ... وحولك عوفٌ وأنعامها فهذا يا أمير المؤمنين أسخى الأحياء والأموات. وأدرك حاتم الإسلام إلا أنه لم يسلم، ومات نصرانيا. وقد ذكرت النوارُ امرأته أنها قالت: أصابتنا سنةٌ أقشعرت لها الأرضُ، واغبر أفق الماء، وراحت الإبل جُرْبا جُدْبا، وضَنَّت المراضعُ عن أوردها، فما تنض، وأتلفت السنة المال، وأيقنَّا بالهلاك، فو الله إني لفي ليلةٍ صبيرة بعيدة ما بين، تَتَصايَحُ من الجُوع - عبدُ الله وعديّ وسفانة - فقام حاتم إلى الصبَيَّيْن، وقُمْتُ أنا إلى الصَّبيّة، فو الله ما سَكَتوا إلا بعد هدو من الليل، وأقبل بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تهوَّرت النجومُ إذا بشيء قد رَفَعَ كسر الخباء، فقام حاتم: من هذا؟ فقالت: جَارَتُكَ فلانةُ، أتَيْتُك من عند صِبْيِةٍ يتعاوَو﴾ ن عُوَاءَ الذئاب من الجوع، فما وجدتُ مُعَوَّلاً إلا عليك أبا عَدِي. فقال لها: أعْجِلِيهم فقد أشْبَعَك الله وإياهم. فأقبلت المرأةُ تَحْمِلُ اثنين وتُمْشي جانبها أربعة كأنها نعامةٌ حولها ريالها. فقام حاتم إلى فرسه فَوَجأَ لبَّتَهُ بمُدْيِته فَخَّر صريعا، ثم كشطه، ودفع المدية إليّ، ثم قال: شأنك. فاجتمعنا حوله، وأججنا ناراً، وجعلنا نَشْوي ونأكل، ثم جعل حاتم يأتي بَيْتا بَيْتا ويقول: هُبُّوا أيها النُّوَّام، عليكم بموضع النَّار، والتفع هو بثوبه، فو الله ما ذَاق منها مُزْعة واحدة. وإنه لأحوج إليها منا. فلما أصبحنا وما على وجه الأرض من الفَرَس إلا عظم وحافر، وأنشأ في ذلك حاتمٌ يقول شعرا: مَهْلاً نَوَارُ أقلي اللَّوْم والعَذَلا ... ولا نُقُولي لشيء فاتَ ما فَعَلا ولا تقولي لمالٍ كنتُ مُهْلِكَه ... مَهْلاً وإن كنُت أَعْطي الحيَّ والحَفَلا لا تَعْذِلِيني في مالٍ وصلتُ به ... رَحِماً فخيرُ سبيل المال إن أُكِلا يرى البخيل سبيل المالِ واحِدَة ... إنّ الكريمَ يَرَى في ماله سُبُلاَ
следующие страницы →