Полный текст (287 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وكان مولده في العام الذي قبض فيه رسول الله ﷺ ، فلما حضرته الوفاة قال: لا وبلت انفس الجبناء، قد حضرت الحروب، ونازلت الاقران، وقارعت الفرسان فها انذا اموت حتف. وفيه يقول بهار بن برسعة السلولي:
الا نهب العرف المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب
اقام بمرو الرود رهن ضريحه ... وقد قبضا من كل شرق ومغرب
وقال ابن حينا:
ترحلت الاخيار تبغي عميدها ... إذا العرف وارته السفايف والقبر
يقولون هل بعد المهلب مثله ... الا لا بل الأمصار من مثله قفر
كانا سكارى يوم قاموا بنعيه ... وليس بنا الا المصاب بنا سكر
اتى دون ابصار الرجال بغية ... بمثل العمى والسمع حالفه وقر
وقد مادت الارضون حتى كأنما ... بكت جبال الصم وانصدع الصخر
اترجون ان سمرقندبعده ... وأعلى طحارستان لو يقطع النهر
ومن دون ان يشا بأرض سناؤها ... من القصر اشراط القيامة والحشر
وقد جعل الله أحدا يأخذ نصف اموال المهلب وخصائله الكريمة، ولم يقدر ان يحوي شيئا من ذلك، لانه ليس من كتاب الف من بعده، في أي جنس، كان من تاليف، الا وقع فيه من اخبار المهلب، واحكامه، وبلاغته وسياسته، وجوده.
ولقد وصفه ابن الكلبي فأحسن واختصر فاجزم، وذلك ان ابن الكلبي حبس مع خالد بن عبد الله القشيري، فتذاكروا ام السؤدد.
فقال ابن الكلبي: ايها الامير، ما تعدون السؤدد؟ قال خالد: في الجاهلية فالرياسة، واما في الاسلام فالسياسة، وخير ذا وذلك التقوى.
فقال ابن الكلبي: صدقت، كان أبي يقول: لا يدرك الشرف الا بالعقل، ولا يدرك الآخر الا بما أدرك الاول.
خالد: صدق ابوك، ساد الاحنف بحلمه، وساد مالك بن مسمع بمحبة العشيرة له، وساد قتيبة بدمائه، وساد المهلب بهذه الخلال كلها، إلى ما زاد فيها من الكرم، والشجاعة، والحزم، والعفة، والعلم.
ابن الكلبي: صدقت، كان المهلب ابقى الناس للناس، خيرهم لنفسه، وذلك انه إذا كان كذلك أبقى على روحه من السرق، لئلا يقطع، ومن القتل لئلا يقاد نته، ومن الزنى لئلا يجلد، ومن الفرية لئلا يحد، فسلم الناس منه لاتقائه على نفسه.
خالد: فهذه الخصال كانت في المهلب.
٦ - خبر ولد المهلب، وما كان من شأنهم
وكان المهلب، لما حضرته الوفاة، استخلف ابنه يزيد على خراسان، وهو ابن ثلاثين عاما، فأقره عبد الملك على ما ولاه المهلب. ثم ان الحجاج حث على عزله، فلم يقدر على ذلك، لمعرفة عبد الملك بحسد الحجاج للمهلب وولده.
فلما مات عبد الملك، وولي ابنه الوليد بعده، زاد في محبة الحجاج عند الوليد، على ما كان عليه عبد الملك، حتى انه قال له في مجلسه: ان أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، كان يقول الحجاج جلدة ما بين عيني. وانا أقول: ان الحجاج جلدة وجهي كله. فلما علم الحجاج محبة الوليد له، كتب اليه يخبره: ان يزيد بن المهلب قد اكل اموال خراسان، واستجلب بها محبة العرب له، واني اخاف من اجانبه نفان اذن لي امير المؤمنين ان اتلطف له بالحيلة لعلي اقلعه من خراسان، واستقدمه إلى ما قبلي، فإنه ان قدم العراق قدرت على اخذ الأموال منه.
فكتب اليه الوليد: أمره اليك، فافعل ما ترته، ولم يكن احد من بني المهلب ينادي يزيد الا المفضل، فإنه كان ذا جمال، وسخاء وعلم مع فصاحة، وجودة شعره وكانت الازد تذكر المفضل وسؤدده نوتقولون نعزي ولكن يفضل يزيد عليخه للذي فضله ابوه.
وجعل الحجاج يسأل عن أموال بني المهلب، فلما خبر سؤدد المفضل، ازداد حسده لولد المهلب. وكان سبب زيادة حسد الحجاج لولد المهلب، وحقده ليزيد، ان يزيد لما اسر من اشراف أصحاب ابن الاشعث، كتب اليه الحجاج ان ينفذ اليه بالاسرى، فبعث بهم اليه، وخلى عن عبد الرحمن بن طلحة الطلحات، وعبد الله بن فضالة الزهراني نوبعث بالباقين، وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمرو بن عبيد الله القرشي، والعباس بن الأسود الزهري، والهلقام بن نعيم التميمي، ثم الداري وقيرود بن حصين، ثم دعا بالهلقام بن نعيم التميمي، فسبقه الهلقام إلى الكلام.
فقال: لعنك الله يا حجاج، ان افلتك هذا المزوني، يعني يزيد بن المهلب.
стр. 212
قال الحجاج: لم؟ لا ام لك.
قال شعرا:
لأنه كاس في اطلاق اسرته ... وساق نحوك في اغلالها مضرا
وفي بقومك ورد الموت اسرته ... وكان قومك ادنى عنده خطرا
الحجاج: وما أنت وذاك لا ام لك زووقعت في نفسه نوحقد الحجاج على يزيد بن المهلب، وازداد غيظا وحنقا. وقال: والله ما اتحدى ابن المهلب الا جزار المصر، وجعل لا يزال حانقا، حاسدا لولد المهلب، الا يقول ان يزيدا لا يعطيك الطاعة ابدا.
فلما ان استأذن بن عبد الملك نوأوهمه في يزيد ما اوهمه، واذن له الوليد في أمره نوقلد الحجاج الأمر في ذلك، جعل الحجاج يدبر الأمر في انقطاع الحيلة على يزيد بن المهلب، واخوته. فعند ذلك احتال حيلة يستدل بها على ما في نفسه، وكتب إلى يزيد في اطلاق من اطلق من الأساري، ويلومه في فوت ابن العباس الهاشمي اياه نواغلظ في كتابه بعض الاغلاظ.
فكتب اليه: انا لم نأل جهدا عن رضا امير المؤمنين من لا والنصيحة للامير، ولسنا نملك احاديث الكذبة الحسدة، وان بباب امير المؤمنين من لا احسب الامير ليسره، ان يصدق عليه. فلما قرأ الحجاج كتاب يزيد اليه، أغاضه فظن ان الذي بلغه عنه، كالذي بلغه. فأخذ في ايقاع الحيلة والمكيدة ليزيد.
فكتب اليه، وبعث اليه بألطاف العراق، وهداياها، وبعث بذلك مع الخيلر بن سيرة بن ذؤيب المجاشعي. وقال له: اعلم لي خبر يزيد وحاله ومحبة أهل خراسان له نوكان في جملة ما كتب اليه: ان الناس قد أكثروا عليك، فابعث اليّ اوثق من قبلك في نفسك أسأله عما اشكل عليّ من امرك.
فلما قدم الخيار بن سيرة، على يزيد بكتب الحجاج، وهداياه اليه، اكرمه يزيد، واقام الخيار عنده شهرا، ومكث يزيد يشاور في ذلك نصحاءه، ويطلبه فيجده ناصحا غير اريب ناويجده أريبا غير مامون. حتى وقع اختياره على الخيار بن سيرة نوكان الخيار قبل ذلك من فرسان المهلب وخواصه، ولم يزل مع المهلب إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى بنيه به، فكان يزيد له على ما أوصى المهلب به، فلما ان قدم عليه بكتب الحجاج وهداياه اليه، اختصه واكرمه وسكنت نفسه اليه، لما كان يولونه من الكرامة، فعند ذلك اعاده إلى الحجاج، وكتب عنده جواب كتابه، واوصاه وصية الرجل لأهل بيته، وأمر له بجائزة، وكتب معه أيضاً إلى الحجاج من حوائج الجند وغيرهم.
فلما قدم الحيار على الحجاج، دفع اليه بكتب يزيد، فقرأها، ثم قال له: اني أسالك عن بعض ما أريد من خراسان، فكيف علمك بها؟ الخيار: يسألني الأمير عما بدا له، فإني خابر وناصح، عالم بأمر القوم، قديم النصيحة للأمير.
الحجاج: فأخبرني عم يزيد بن المهلب وأخويه.
الخيار: خبر سر، أم خبر علانية.
فلما قالها عرف الحجاج أن عنده ما يحب عليه.
الحجاج: بل خبر سر.
الخيار: أدن مني.
فدنا منه، حتى لصق خده بخده. وقال: أصلح الله الأمير، أخبر خبر رجل إذا أخبرك بما في نفسه ونصحك وصدقك، رددته إلى صاحبه، فهو واليه وأميره، يحكم فيه بما شاء، أم خبر رجل إذا أخبرك بالحق وجلا لك عن العمى قربته واستنصحته واحتسبته.
الحجاج: لا، بل خبر رجل إذا نصحني وصدقني قربته واستنصحته واحتسبته.
الخيار: جئتك من عند قوم قد أسرجوا ولم يلجموا، ورأيت رجلا جبانا، ان أقررته ولم تهجه فالجري أن يفي لك، وان عزلته فلا أحسبه، والله يعطيك الطاعة أبدا.
فصدقه الحجاج واحتسبه وأثبته في أصحابه، ولم يزل فيه حسن الرأي والسيرة، حتى استعمله على عمان عداوة لبني المهلب، وأمره باستذلال أهل عمان، فقبح الخيار السيرة اليمانية من أهل عمان، يقصد بذلك أذية يزيد بن المهلب، ويتقرب إلى الحجاج بذلك، ولم يزل حتى تمكن منه يزيد بن المهلب، بعد موت الحجاج، فقتل بأمره.
ثم ان الحجاج لما أخبره الخيار بن سيرة بما أخبره من أمر يزيد واخوته، وصدقه الحجاج واستنصحه، وكان الوليد في ذلك الوقت قد رد أمر خراسان وولايتها إلى الحجاج، فكتب نسخة عهده إلى يزيد، واستقدمه وأمره أن يستخلف على موضعه المفضل، فقال حصين بن المنذر ليزيد بن المهلب، وقد كان أشار عليه ألا يشخص، وأن لا يعبر نهر بلخ، فلم يقبل منه لكثرة وصايا المهلب لبنيه بإلزام الطاعة، فقال له الحصين بن المنذر:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الامارة نادما
стр. 213
فما أنا بالباكي عليك صبابة ... ولا أنا بالداعي لترجع سالما
وأقبل يزيد في جماعة من أهل بيته وقواده، على قدم الحجاج بواسط، فقال له الحجاج: أما ان رسولي أخبرني انك أسرجت ولم تلجم. فعرف يزيد أن الخيار في ذلك اليه، فأسرها يزيد في نفسه للخيار، ثم أن الحجاج أخذ يزيدا بمال. فقال له: آتني بمن يكفل لك، وأخذ من بني المهلب مدركا، وزيادا، وعبد الملك، وأبا عيينة، ثم حبسهم لانتظار عزل المفضل، وكتب إلى قتيبة بن مسلم، وهو الذي تعمده على خراسان.
فكتب اليه: أن سر إلى المفضل، حتى توقع القبض عليه، وسر الليل والنهار، واياك أن تعلم بخبرك أحدا، حتى تكون أنت القادم عليه بخبرك. فسار قتيبة حتى دخل على المفضل، فأوقع القبض عليه، ثم بعث به إلى الحجاج، فلما تحصل عند الحجاج، تمكن من بني المهلب، وبعث إلى يزيد والى من في يده من بني النهلب فحبسهم واستأذاهم، وسلط عليهم العذاب. فسمعت هند أصواتهم، وهي بنت المهلب، عند الحجاج، فصرخت، فلما سمعها الحجاج خاف منها أن تقتله، وطلقها، وبعثها يوما إلى يزيد، فجيئ به في قيوده فأقيم بين يديه يشمته الحجاج، فقال له يزيد: استأذن لي في الكلام.
الحجاج: قد أذنت لك، وما عسى أن تقول.
يزيد: أصلح الله الأمير، ما نعرف شيئا مما أنعم الله علينا الا من الله، ومن أمير المؤمنين، وعلى يدي الأمير. ولنا الأموال ولنا جاه ولنا عشيرة. فإن رأى الأمير أن يسهل علينا في الدخول لعشيرتنا ووجوه رجالنا، فنرجو أن ندفع إلى أميرنا ما طلب منا.
فأمر الحجاج أن يؤذن بالدخول لمن أراد الدخول عليهم.
ثم كتب الحجاج إلى قتيبة، أن سل الخصين بن المنذر، فإن كان أشار على يزيد بما بلغنا، فاضرب عنقه. فسأله، فأنكر.
قال قتيبة: فما قال الناس عنك، انك قلت:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الامارة نادما
الحصين: انما قلت له، وقد أشرت عليه أن يحمل ما كان عنده من الأموال، وأمرته بالمسيرة إلى الحجاج. فقلت:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الامارة نادما
فإن يبلغ الحجاج ان قد عصيته ... فإنك تلقى أمره متفاقما
فأقام يزيد واخوته في السجن، وهم يؤدون الأموال، فلم يزالوا على ذلك إلى أن احتال يزيد لنفسه ولاخوته، حتى تسللوا من السجن وخرجوا منه بالحيلة من حيث لا يشعر بهم السجان، ولا أحد من الناس، وقد هيئت لهم الخيل فركبوها من وقتهم وركضوها حتى بلغوا آخر عمل واسط في الدجلة، فركبوا في السفن حتى وردوا البصرة ولم يدخلوها، وقد هيئت لهم الدواب والابل، وبعث بها اليهم فركبوها حتى قدوما على سليمان بن عبد الملك ليلا بفلسطين.
ونزلوا برجل من الأزد يقال له عثمان بن المحصن، فأقاموا عنده ثم ارسلوا إلى سليمان بخبرهم، فأمر سليمان الرجل الأزدي أن أبلغهم داره، فأقبل بهم حتى بلغهم داره، فأكرمهم وأجازهم.
ثم بعث إلى الوليد يخبره خبرهم، وانه قد أجازهم، فأجاز الوليد جوار سليمان. فلما بلغ إلى الحجاج كتب إلى الوليد: لا يتخذن ذلك علة، فلعمري ما ذهب به غير بني المهلب، أكثر أضعافا مضاعفة.
ثم ان سليمان ضمن عنهم ما كان بقي عليهم من مطالبة الأموال، وأخرجها من أعطيات أهل الشام من القحطانية وغرمها، عن بني المهلب.
ثم مات الحجاج بن يوسف ليلة الجمعة، لأربع ليال بقين من شهر رمضان سنة خمس وتسعين، وكانت امارته على العراق عشرين سنة.
وكان على عمان يوم مات الحجاج، الخيار بن سيرة المجاشعي، فأقره الوليد بن عبد الملك على عمان، وأقر يزيد بن المهلب على خراج العراق. فبعث يزيد بن أبي مسلم، سيف بن الهاني الهمداني إلى عمان، لاستيفاء صدقاتها، ثم مات الوليد بن عبد الملك يوم السبت النصف من جمادى الآخر سنة ست وتسعين.
واستخلف سليمان بن عبد الملك يوم مات الوليد بن عبد الملك، فعزل العمال الذين كانوا على عمان واستعمل عليها صالح بن عبد الرحمن بن قيس مشرفا ومستوفيا عليهم، ففعل ذلك.
ثم استخص يزيد بن المهلب فأكرمه ورفع من شأنه، وولاه أمر العراق وخراسان، وجعله مكان الحجاج. فولي يزيد بن المهلب أخاه زياد بن المهلب، عمان. وكتب إلى سيف بن هاني الهمداني يأمره بإيثاق الخيار بن سيرة وحبسه والاحتفاظ به إلى أن يقدم عليه زياد بن المهلب.
стр. 214
فلما قدم زياد عمان، بسط على الخيار العذاب، فلما كان بعد مدة، ورد مرتع غلام يزيد بن المهلب، على أخيه زياد، بكتاب منه يأمره فيه أن يمكن مرتعا من قتل الخيار، فمكنه من ذلك وقتله، وكتب إلى زياد: اني لم أبعثك جابيا، ولكن بعثتك ثائرا.
وبعث يزيد بن المهلب، المنهال بن عيينة، إلى جزيرة بني كاوان، وأمر زياد بن المهلب أن يفرض لأهل كاوان ويوجههم المنهال إلى البصرة.
ثم ان سليمان بن عبد الملك، أثر في نفسه محبة، يزيد بن المهلب، ورفع من أمره وقدره، وقدمه على سائر خواصه وأعماله وملكه، أعنة الخيل وتدبير الأمر، فبلغ من أمر يزيد بن المهلب حتى صار بالعساكر وفتح جرجان وزاد علو همته وبذل المال، فقصدته صناديد العرب وشعراؤها، فأعطى وأكثر، ثم أنه ولى خراسان وقيادة الجيوش ابنه مخلد بن يزيد، وهو ابن اثني عشر سنة، وفيه يقول الكميت:
قاد الجيوش لبضع عشرة حجة ... ولداته في ذلك عن اشغال
قعدت بهم هماتهم وسما به ... همم لملوك وسورة الأبطال
وفيه يقول، مرة بن بيض:
بلغت لعشر مضت من سنيك ... ما يبلغ السيد الأشيب
فهمك فيها حسام الأمور ... ولهم بداتك أن يبلغ
ففتح مخلد: اليم، والقم، في يوم عيد لهم، وأخذ امرأة ملكهم وأفلت الملك، فافتداها بأصنامهم الذهب، وما في بيوت أموالهم.
وكان يزيد يجلس على سرير سليمان بن عبد الملك في مغيبه. فإذا حضر سليمان جلس يزيد عن يمينه، فإذا نهض عاد إلى مكانه. واليه كان أمر جميع الناس لما علم فيه الكفاية والسياسة، وملكه أعنة الخيل، لمعرفته بشجاعته وبأسه ومحبة العرب له.
وكان معه على ذلك إلى أن مات سليمان بن عبد الملك، واستخلف بعده عمر بن العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان. فعزل يزيد بن المهلب عن العراق، واستعمل على العراق عدي بن أرطاة الفزاري.
وقد كان زياد بن المهلب عاملا من جهة أخيه يزيد بن المهلب على عمان مكرما لليمانية، إلى أن مات سليمان بن عبد الملك، وولى عمر بن عبد العزيز، واستعمل على العرق عدي بن أرطاة الفزاري، فاستعمل عدي بن أرطاة العرب تحت لوائه طوعا. فعند ذلك يزيد بن المهلب أن يغلب بني مروان. وجمع يزيد العساكر ومن أطاعه من اليمانية، من أهل الشام، منهم: كلب، وغسّان، ولخم، وخدام، وعامله، وأحياء قضاعة، وحمير، وكندة، والسكون، ومدجح، وجثعم، وقدم فيهم أخاه مسلمة بن عبد الملك، والعباس بن يزيد، فساروا بالعساكر يريدون يزيد بن المهلب وأهل بيته.
فلما بلغهم خروج مسلمة ومن معه بالعساكر إلى ما قبلهم لمحاربتهم. قال حبيب بن المهلب لأخيه يزيد: أيها الأمير؛ امض بنا إلى خراسان، واجعل بيننا وبين بني مروان العراق. فلم يقبل منه، فلما أقبلت العساكر واختلفت الناس على يزيد وحسدته العرب أن يغلب بني مروان، فبلغ ذلك يزيدا، فاستقبل ووقف عند اخوته وأهل بيته، وكان عنده في عسكره نفر من بني تميم وغيرهم من المضرية.
فلما التقى الجمعان يوم العقر، من بابل ببغداد، وقد أقبلت عساكر الشام من قبائل اليمانية مع مسلمة بن عبد الملك، إلى قبائل بني المهلب، ليس معهم أحد من ربيعة ولا مضر، فنظر ابن المهلب إلى كتائب مؤلفة، كلما أقبلت كتيبة قال يزيد لأصحابه: ما هذه؟ قيل: كنده، ثم جاءت أخرى، فقال: ما هذه؟ قيل: لخم، ثم أقبلت أخرى، فقال: ما هذه؟ قيل: حمير، ثم أقبلت الأخرى، فقال: ما هذه؟ قيل: غسان، ثم أقبلت الأخرى، فقال: وما هذه؟ قيل: همدان، وأقبلت الأخرى، فقال: وما هذه؟ قيل: قضاعة، ثم جاءت مدجح، وجاءت خثعم، وجاءت عامله، وجاءت السكون، وأقبل ينظر إلى قبائل اليمن ويعددهم حتى استتم عدد الكتائب. ثم قال: قبّح الله مسلمة، بقومي قتلني لا بقومه.
ثم تقدم هو وأهل بيته للقتال، فتقدم أخوه حبيب بن المهلب. فقاتل قتالا لم ير مثله، فكان يحمل على أهل الشام حتى يغيب فيهم، ثم يخرج من ناحية أخرى، ففعل ذلك مرارا، فلم يرع الناس الا بفرسه يجول. فعلموا أنه قتل، فأخبر يزيد بذلك. فقال: لا خير في العيش بعد أبس بسطام. ثم تمثل بهذا البيت:
أخو النجدات لا يبالي إذا انتضى ... حديدته من غاب عنه إذا اعتزم
стр. 215
ويقال: انه وقف بعض ولده، وولد بعض اخوته، على حبيب، وهو يجود بنفسه، فقال له: أي عم، اصبر عليك، حتى إذا مت قطعت رأسك ودفنته لئلا يعرف. فقال له وهو بآخر رمق: لا تفعل، فإنني أخشى إذا لم يجدوني في المعركة قتيلا يقولون هرب. فأخبر يزيد بذلك، فدعا يزيد حينئذ نافجة فيها مسك فشربه. فقال: الساعة أقتل، فأخب أن يوجد مني رائحة طيبة. وتقدم إلى القتال، وكانت به علة، قد تقدمت، فأضعفته وأنهكته، وأنشأ يقول متمثلا:
فإن نغلب فغلابون قدما ... وان تغلب فغير فعلبنيا
وما ان طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة أخرتنا
ثم قال: يا أهل العراق، وأصحاب السبق والسباق، ومكارم الأخلاق، ان أهل الشام في أجوافهم لقمة دسمة، قد رأبت لنا الأشداق، وقاموا لها على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدل، فألبستموها جلود النمر، والا لم يطيقوكم، ثم تقدم، فلم يزل يقاتل يمنة ويسرة حتى قتل، وكان الذي تولى قتله بيده، الفحل بن العباس الكلبي. فأتى عثمان، مولى بني حصيلة برأسه إلى مسلمة. فقال له: أنت قتلته. ولم يعرف مسلمة الرأس، فقيل له: مر به، فليغسل ويعمم، فإنا ما رأيناه قط بلا عمامة. فأمر به فغسل وعمم فعرف. وهذه مناقب يزيد، لم ير رأسا عمم، غير رأس يزيد. ثم قال لهم مسلمة: اطلبوا جثته، فإن برجله علامة. قال أبو عبيدة: كانت ابهام رجله والتي تليها ملتصقتين.
وكان يزيد بن المهلب نفر من بني تميم، وجماعة من المضرية، فانهزموا عنه، فلما قتل يزيد، انهزم الناس. فقيل لمحمد بن المهلب: انج بنفسك فقد قتل اخوتك، وانهزم الناس عنك. فقال: والله لا يسألني أحد كيف كانت وقعتكم وخلاصك أبدا. فقاتل حتى قتل. وبقي المفضل يقاتل ولا علم له بموت اخوته. فقاتل قتالا شديدا وفقئت عينه.
وقد أجمع رأي من بقي من آل المهلب أن يمضوا على حاميتهم، إلى عقر بابل، فأقبل عبد الملك إلى المفضل، وكره أن يخبره بموت يزيد يستقبل. فقال له: على ما تقتل نفسك يا أبا غسان، وقد انحاز الأمير إلى واسط. فقال له المفضل: ما تقول؟ قال: ما قلت لك الا حقا، وحلف له بالطلاق.
فانحاز عبد الملك، والمفضل، ومن بقي من آل المهلب، يريدون واسطا، وقد أفرج لهم أهل الشام، لأن مسلمة وأهل الشام اتفقوا فيما بينهم أن بني المهلب لا يبرحون المعركة، أو نَفْي جميع أهل الشام. وقالوا: أن يفسحوا فرجوا لهم. وسألهم مسلمة ذلك. قال لهم: ان رأيتم آل المهلب، يطلبون منكم الخلاص، فلا تضيقوا عليهم، فإنهم لا يموتون حتى يفنوا رجالكم.
فلما دنو من واسط، علم المفضل بقتل يزيد، فندم على الحياة وغضب على عبد الملك، وأقبل عليه يشتمه. وقال له: ويلك فضحتني إلى آخر الأبد، ما عذري عند الناس، إذا نظروا إلى شيخ أعور منهزم موتور، لاجرم، والله لا أكلمك بكلمة ما عشت. وما كلمه حتى مات.
وقال المفضل، حين علم بقتل يزيد:
ولا خير في القتل الصناديد بالقنا ... ولا في ركوب الخيل بعد يزيد
ومضى أهل المهلب يريدون قيدابيل، والتعن، فلما سمع بمجيئهم أغلق الباب في وجوههم، وبعث مسلمة بن عبد الملك، عبد الرحمن بن سليم الكلبي، إلى البصرة، في عشرة الآف، وأمره ان قول أن يستأصل، ونسي وأمره أن يهدم دور بني المهلب، وكان الذي ولي هدمها عمر بن يزيد بن عمير الأسدي.
وخرجت العساكر إلى آل المهلب، وتفرق الناس عنهم، ولم يبق الا ولد المهلب، وبعض مواليهم، وكثرت عليهم العساكر، وكان مسلمة أمرهم أن يقتلوا الا كل من قبل. فقبل منهم: المفضل، ومدرك، وزياد، وعبد الملك، وعمر بن المهلب، ومن بني بنيه حرث بن محمد، وعباد بن حبيب. وفي ذلك يقول المفضل:
وما الجود الا أن نجود بأنفس ... على كل ماضي الشفرتين قضيب
وما خير عيش بعد قتل محمد ... وبعد يزيد والحرون حبيب
ومن هز القنا خشية الردى ... فليس لمجد حادث مسكوب
وما هي الا رقدة تورث الشقا ... لعقبك ما جنت رواة ريبوا
стр. 216
وقدم مسلمة بن عبد الملك، بأسرى آل المهلب، إلى أخيه يزيد بن عبد الملك - لعنه الله - فجمع يزيد إلى بنيه وقواده ومن حضر من أهل وجوه الشام. فاستشارهم فيهم. فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين، قال الله :) إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتم فشدوا الوثاق فإمّا مّناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزراها (. وقد قتل الله طواغيتهم، وأمكن منهم وأظفرك ببقيتهم، فامنن عليهم. فإنه لم يبق منهم أحد تخافه. قال العبد الصالح:) رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا (. والله لا ينبغي لأمير المؤمنين أن يستبقي منهم أحدا فإنهم آفة العراق. ومتى لم يبق منهم أحد كنت قد حصنتها.
قال يزيد: هذا والله الرأي، لا رأي أبي سعيد، وأمر بإخراجهم ليقتلوا، وكان في الأسرى دريد بن حبيب، زري به فقتل، ثم قتل الأول، فالأول، حتى بقي المهلب بن يزيد، وكانا حدثين فلما أمر بقتلهما.
قال أحدهما: والله ما أنت، ولا وجب عليّ حدّ، ولا قتلت.
قال يزيد لمسلم بن عقبة، وارجأ بن حبوة: قوما فانظرا هل أنبتا.
قال: مسلم: قد أنبت.
وقال ارجأ: لم ينبت.
فقال يزيد: اضربوا أعناقهم.
فقال المهلب ليزيد: أما والله يا يزيد ما حاكمتك الا إلى الحكم العدل الديّان بالقسط الذي لا يجور.
فقال يزيد: اضربوا أعناقهما.
فنظر المهلب إلى سيف السياف، وقد علا رأسه ملطخا بالدماء، فقال له: امسح سيفك من الدم قّبحك الله، ولعن من أمرك، فإنه أسرع له، فأهوى السياف لمسح سيفه. ونظر المهلب إلى أخيه، فإذا عينه قد دمعت، فعض على شفتيه كالزاجر له. فقال يزيد: قاتلكم الله صغارا وكبارا، ما أشجعكم. ثم قتلا، فقالت فاطمة بنت المهلب في ذلك:
فإن الذي حانت بفلح دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
هـ ساعدوا الدهر الذي تبقى به ... وما خير كفّ لم يؤيد بساعد
أسود شرى لاقت أسود خفية ... يساقوا على لوح دماء الأساود
وقدمت هند بنت المهلب، إلى يزيد تسأله فيمن عنده من أهل بيتها. وكان موافاتها من الشام في عشية اليوم الذي قتل في نسمتها آل المهلب. فبعث اليها مسلمة يخطبها. وكان رسوله اليها رجل يقال له سياف. فلما أبلغها الرسالة قالت: كفء كريم، ولكن يأمني مسلمة على نفسه، وقد قتل اخوتي، والله لو أن مسلمة أعاد فيهم الروح، ما طابت نفسي بتزويجه، وقد كنت أحسب لمسلمة عقلا. فانطلق الرسول إلى مسلمة فأخبره بمقالتها، فقال: صدقت ابن المهلب، وما كان ارسالي اليها إلا هفوة، ثم أقبل على من حضره م أصحابه، فقال: كنت أحسب أن الشجاعة في رجالهم، فإذا هي في رجالهم ونسائهم جميعا.
وانما اقتدى يزيد بن عبد الملك في قتله آل المهلب، جبرا بين يديه، لفعل بن معاوية - لعنهما الله بيت نبي الله ﷺ ليرى أهل الشام انه قتل أهل بيت أعز العرب في وقته، كما قتل ابن معاوية - لعنه الله - أهل بيت بني الله ﷺ فضربت العرب بهذين البيتين المثل، فقالوا:
أضحى بنو حرب بالدين بكربلاء ... وأضحى مروان بالمروة ويوم العقر ببابل
فيوم كربلاء، يوم قتل الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، ويوم العقر، يوم قتل يزيد، وحبيب، ومحمد، وآل المهلب. وقال الفرزدق، يرثى يزيد بن المهلب:
لا حملت أنثى ولا وضعت ... بعد الأعز أصيب بالعقر
ذهب الجمال م المجالس كلها ... وخلا لفقدك مجلس القصر
كنت المنوه باسمه لملمة ... حدثت تخاف وطارد الفقر
وزعيم أهل عراقنا وقريعهم ... واليك مفزعنا لدى الذعر
قال الطرماح بن حكيم الطائي، للفرزدق التميمي، يعيره بفرار بني تميم عن يزيد بن المهلب، يوم عقر بابل:
فخرت ليوم العقر شرقي بابل ... وقد جبنت فيه تميم وولّت
تميم بطرق اللوم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم ضلّت
ولو أن عصفورا يمد جناحه ... لأهل تميم كلها لاستظلت
ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... يكر عليها صفا تميم لولّت
ولو جمعت يوما تميم جموعها ... على ذرة معقولة لاستقلّت
стр. 217
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... عظام المخازي عن تميم تجلّت
والشعر أكثر من هذا.
وسمع مسلمة بن عبد الملك، رجلا من أهل الشام، وهو يقول: ماذا لقينا من ابن خايك كنده، ثم انساناه هذا الزوني. يعني بالمزوني: يزيد بن المهلب. فقال له مسلمة: اسكت ثكلتك أمك، أما والله لولا حسد العرب له، ومشي فريص قريش اليه، ما كان خليفتك غيره.
وكان مولد يزيد سنة ثلاث وخمسين، وقتل سنة ثلاثين ومائة، وهو ابن تسعة وأربعين سنة. فلما قتل يزيد بن المهلب، وأهل بيته وانهزم جمعهم، وكان من أمرهم ما كان، مضى بقية آل المهلب يريدون عمان، وبها زياد بن المهلب، فاجتازوا بالبحرين، وبها مهزم بن الفرز العبدي، عاملا ليزيد بن المهب. فقال لهم: ياقوم، لا تفارقوا سفنكم فإنه أبقى لكم، فإني أخاف عليكم ان خرجتم منها أن يتخطفكم الناس ويتقربوا بكم إلى بني مروان. فقالوا له: ما شك فيما تقول، لكنا لا نقوى على طول المكث في البحر.
ثم مضوا حتى انتهوا إلى عمان، فآواهم زياد بن المهلب، وسكن معهم، وقال لهم: قد عرفتم اني من أكثركم مالا، فأقيموا بعمان، فإن جاءكم ما لا تقوون عليه من الجنود وغلتم في بلاد السحر، فإنما أنتم مع قومكم، فأبو، فركب معهم وهم يريدون الديبل، فجزع النساء من البحر، فلما رأوا ذلك عدلوا إلى مكران، وولوا أمرهم المفضل بن المهلب.
وكانت هند، وفاطمة، ونفيسة بنات المهلب ظاهرات، وذلك أنهن شخصن في البحر بعد خروج آل المهلب من العراق إلى عمان، فاتبعهم حتى قدمن عمان، فإذا القوم قد قطعوا إلى مكران، فأقمن بعمان حتى جاءهن أمان من مسلمة بن عبد الملك، فرجعن إلى البصرة.
ولم يزل آل المهلب متبددين حتى ظهر أبو مسلمة بالكوفة وكان من أمره ما كان. فقام سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بالبصرة على سعيد بن مسلم بن قتيبة، وكانت بينهما وقعة قتل فيها ابن لسفيان بن معاوية يقال له معاوية، فأراد سفيان أن يحرق البصرة ورمى النار في درب الحريق، فبه سمي إلى اليوم. فلما نظر الناس إلى ذلك، مشوا بينهم على الصلح إلى أن يظهر أبو مسلمة إلى من يدعو، فلما بلغ ذلك أبا العباس السفاح، واسمه عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهو أول من ملك من بني العباس، بعد ملك بني أمية ز فكتب ابو العباس بن عبد المطلب، وهو أول من ملك من بني العباس بعد ملك بني أمية. فكتب أبو العباس السفاح نحينبلغه ما كان من محاولة معاوية بن سفيان بن يزيد بن المهلب، وبذله نفسه، دون أبي العباس، إلى معاوية بن سفيان، يعيده، وولاه على البصرة، فلما ظهر أمر أبي العباس مضى اليه سفيان، قال له: يا سفيان؛تمنى ما تريد في دولتنا.
فقال له: يا أمير المؤمنين؛ضياع جدّي، الني أخذتها بنو مروان.
فقال: ولك ذلك.
فلما خرج، قال أبو جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين، انك أعطيت لسفيان نصف البصرة، وأنت محتاج في هذا الوقت إلى الأموال.
أمير المؤمنين: فما نرى بمنعه ماله، وقد بذل روحه دوننا، وقتل ابنه في طلب دولتنا.
المنصور: يا أمير المؤمنين، هو يرضى أن تشاطره، وله في ذلك مقنع.
أمير المؤمنين: ان رضي بذلك، فافعل ما تراه.
فخرج اليه المنصور، وقال له: يا سفيان، انك لتعلم أن أمير المؤمنين محتاج في هذا الوقت إلى الأموال إلى أن يهلك الله عدوه، فخذ نصف ضياع جدك، في هذا الوقت، إلى أن يهلك الله عدو الله وعدونا، ثم تأخذ ما بقي. فقبل منه، فأمر المنصور يقطين بن موسى أن يخرج معه، ويشاطره ضياع يزيد بالبصرة. فلما أخذ سفيان شطره كانت غلته في كل يوم أربعة آلاف دينار. وقام روح بن خاتم بن قبيضة بن المهلب بأكره، ودعا إلى أبي سلمة.
فلما ظهر أبو العباس، كتب اليه بعهده على فارس، وقام سليمان بن حبيب بن المهلب بفارس، وقام سليمان بن حبيب بن المهلب بفارس، فدعا إلى أبي سلمة بفارس. فلما ظهر أبو العباس، كتب بعهده على السند، وبعث به مع السعيد بن الحميري، فلما دخل على سليمان بعهده، وكان شاعراً أنشا يقول:
نصر بن الأزد وانتشار ولده
١ - مالك بن نصر
стр. 218
فأما نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. فولد رجلا، وهو مالك بن نصر، وكان مالك بن نصر بن الأزد، أحد أجواد ملوك العرب، وهو الذي كان يوقد نارا في كل بقاع من الأرض، والبقاع، هو ما أرتفع من الأرض ليقصد إلى ناره الوفود والأضياف، وذوو الحاجات والفاقات، ويبني المنازل على المناهل، وترك الأنعام والمواشي على المناهل نوكل من وصل من عابر سبيل لم ينحر له الموكلون بالأنعام، وله على الضيافة بكل منهل وكلاء انتجبهم من الناس، وكان ذلك دأبه في عصره. وهو الذي يقول فيه بعض شعراء ذلك العصر:
يا مالك الخيرات يا ابن نصر ... يا ناحر الكوم بكل قطر
ما دمت فالناس حليفو يسر ... قد قام جودك مقام القطر
فمن مالك بن نصر، تفرقت قبائل نصر، أزد شنوة، منهم بنو دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وأنما سموا أزد شنوة لشنان كان بينهم، والشنان هو البغض.
ومن أزد شنوة بنو عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. من قبائل نصر بن الأزد، بنو عامر. واسمه عامر. ويقال عمرو بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد.
ومنهم راسب، واسمه الحارث بن مالك بن ميدعان بن مالك بن نصر بن الأزد. وكان منهم عبد الله بن وهب الراسبي، صاحب الخوارج. فهؤلاء من قبائل نصر بن الأزد.
وكان مالك بن نصر بن الأزد، قد ولد خمسة نفر: عبد الله بن مالك. وميدعان بن مالك. وميدعان كلهم بالحجاز، ليس منهم أحد بعمان، وعمرو بن مالك، وهم بالحجاز، ومعاوية بن مالك، وهم قليل بالحجاز. ومويلك بن مالك، ملك اليمن كلها، وهو أول من قطع الأيدي والأرجل.
٢ - ميدعان بن مالك
وولد ميدعان بن مالك بن نصر بن الأزد، ثلاثة رهط: عوف بن ميدعان، ومالك بن ميدعان، ومنهب بن ميدعان، ومر بن ميدعان.
فولد مالك بن ميدعان، خمسة رهط وهم: معاوية، وراسب، ووهب، وقراد بني مالك، وولد عوف بن ميدعان. وميدعان اشتقاقه من الميدع، والميدع: ثوب يلبس فيودع به غيره، فإن كان من هذا فأصل هذه الياء. أو كأنه مودعان، والجمع ميادع، وقالوا ميادع. فمن قال ميادع، وجعله أصله من الساء نمن قال موادع، جعل أصله من الواو والميادع في لغة من قال ميازين، يريد موازين. والواو الأصل.
فولد مفرج بن عوف سلامان نوهم رهط عبد الملك قبن أبي الكنود، الفقيه، فولد سلامان بن مفرج بن عوف بن ميدعان ستة رهط، وهم: مليل، وعامر، ومريع، والعصب. ويقال العصب، وسعد، ورمان، ومفرج: مفعل من فرجت الشيء افرجه فرجا، إذا وسعته، وفرش فريج واسع الشجوة.
ومفرج جابر بن عوف، كان أحد من يغزو على رجليه، والحاجز، فاعل من حجزت بين القوم نوكل شيئين فصلت بينهما، فقد حجزتهما، وبه سميت الحجاز، لأنها بين نجد وتهامة. والحجزة ما يحتجز الرجل، كأنه فصل بين أعلاه وأسفله.
فمن بني رمان الشنفري بن مالك، واسمه مالك بن مالك. ويقال بل اسمه عمرو بن مالك، وكان الشنفري بن مالك، من الأبطال الفتاك العدايين، وهو من أشعر من تأبط شرا. وروي ابن الخناس نعن ابن السكيت، قال: تزوج مالك، يعني أبا الشنفري، امرأة من بني فهم، فولدت له الشنفري، ونازع مالك رجلا من قومه حليلا، فعدا على مالك فقتله، فلم يطلب قومه ثأره، فلما رأت ذلك أم الشنفري تحملت بابنها الشنفري، وهو صبي، فخرجت هاربة إلى دار قومها، بني فهم تولول. فقال الشنفري، ويقال انه أول شعر قاله:
تولول ان غلاها دهرها ... بريب المكاره بالأودع
وكل امرئ عاش في غبطة ... يصير إلى حدث الأشنع
فأقسمت ابرح ذا غارة ... تعزز بالنفس في المكرع
وكان الشنفري، يصحب تأبط شرا، ولا يفارقه الفهمي، وكان تأبط شرا، خال الشنفري، أخا أمه، وكانت أم الشنفري تقول له: ابني احذر أن تقتل، فيقول: من حذر قصر، ومن أراد يشفى غليله غزر، وكل أمر مقدور. وكان لا يزال يغير على قومه، وكان الذي قتل أباه رجلا من غامد، فبرح بغامد، وأخاه فهم، من كثرة غارته عليهم.
стр. 219
ثم إن رجلا منهم أسره وهو لا يعرفه، فجعله في نعمة، فخلا بابنته يوما، فأهوى ليقتلها، فلطمت وجهه، وهربت إلى أبيها فأخبرته، فجاء اليه أبوها مزمعا على قتله، فسمعه يترنم ويقول:
ألا هل أتى الفتيان قومي شناعة ... بما لطمت تلك الفتاة جهينها
ولو علمت تلك الفتاة مناصبي ... ونسبتها ظلت تقاصر دونها
فلما سمع أبوها قوله، قال له: يا ابن أخي من أنت؟ قال الشنفري: أنا الشنفري.
قال: قد برحت بقومك واسعت على حربهم بأعدائهم، ولولا إني أخاف أن يقتلوني لأنكحتك.
قال الشنفري كان قتلوك، قتلت منهم مائة رجل ز فأنكحه ابنته، وخرج معه، فعلم قومه بذلك، فقتلوا أباها، فبلغ ذلك الشنفري وامرأته. فجعل لا يظهر لها الجزع على أبيها، غير أنه يصنع النبل يبريها ويريشها، ويجعل فواقها من القرون والعظام. فقالت له: لقد خيب الله ظن أبي يوم أنكحك اياي. فأنشأ الشنفري يقول:
كان قد فلا يغررك مني تمكني ... سلكت طريقا بين مريع فالسرد
وأني زنيم أن نثور عجاجة ... على ذي كساء من سلامان أو لبد
ثم قال بقومه:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى أهل سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطاتي مطايا وارحل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
ولست بمختار الظلام إذا نجت ... هدى الهوجل العسيف بهما هوجل
إذا الأمعز الصوان لاقى مناسمي ... تطاير منه قادح ومفلل
اذيل مطايا الجوع حتى اميته ... واضرب عنه الذكر صفحا فيذهل
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حّمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما في الأرض ضيق على امرئ ... سري راغبا أو راهبا وهو يعقل
ولي دونكم أهلون سيد عملسُ ... وارقط زهلول وعرفاء جّيل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جرّ يخذل
ولكنني باسل غير أنني ... إذا عرضت أول الطرائد أبسل
وان مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وما ذاك الا بسطة عن تفضّل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل
واني كفاني فقد من ليس جازيا ... بحسنى ولاقى قمر به متعلل
ثلاثة أصحاب فؤاد مشيع ... وأبيض أصليت وصفراء عيطل
هتوف من المزن المتون يزينها ... رصايع قد نيطت اليها ومحمل
إذا زل عنها السهم حنت كأنها ... مرزّاة ثكلى ترنّ وتعول
ولست بمهياف يُعشى سوامه ... مخدعه سيقانها وهي بهَّل
ولا جُياءٍ أكهى مُربّ بعرش ... يطالعها في شأنه كيف يفعل
ولا خرق هيق كأن فؤاده ... يظل به المكاء يعلو ويسفل
ولا خالف داريّة متغزّل ... يروح ويغدو داهنا يتكحل
ولست بعلّ شرّه دون خيره ... الفّ إذا ما رعته اهتاج أعزل
ولست بمجيار الظلام إذا نحت ... هدى الهوجل العسيف يهماء هوجل
إذا الأمعر الصوان لاقى مناسمي ... تطاير منه قادح ومفلل
أديم مطال الجوع حتى أميته ... واضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
أديم مطال الجوع حتى أميته ... واضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
واستف ترب الأرض كيلا ترى له ... عليّ من الطول امرؤ متطوّل
стр. 220
ولولا اجتناب الذام لم يلف مشرب ... يعاش به الا لدي ومأكل
ولكن نفسا مرة لا تقيم بي ... على الضيم الا ريثما أتحول
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت ... خيوطه ماريّ نغار فتفتل
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا ... ازك تهاده التنائف أطحل
غدا طاويا يعارض الريح هافيا ... يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
فلما لواه القوت من حيث أمّه ... دعا فأجابته نظائر نحّل
مهللة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تتقلل
أو الخشرم المبعوث حثحث دبره ... مجابيضُ ارساهنٌ سام معسل
مهرته فوه كان شدوقها ... شقوق العصي كالحات وبسل
فضج وضجّت بالبراج كأنها ... واياه نوح فوق علياء ثكّل
فأغضى وأغضت وائتسى وائتست به ... سراميل غزاها وعزّته مرمل
شكا وشكت ثم أرعوي بعد وارعوت ... وللصبر ان لم ينفع الشكوى أجمل
وفاء وفاءت بادرات وكلها ... على نكظ مما يكاتم مجمل
وتشرب أساري القطا الكدر بعدما ... سرت قربا احناؤها تتصلصل
هممت وهمت وابتدرنا واسدلت ... وشمر مني فارط متمهل
فوليت عنها وهي تكبو لعُقره ... تباشره منها ذقون وحوصل
كان وغاها حجرتيه وحوله ... أضاميم من سفر القبائل نزّل
توافين من شتى اليه فضمها ... كما ضم اذواد الأصاريم منهل
فعّيت غشاشا ثم مرت كأنها ... مع الصبح ركب من احاطة مجفل
وآلف وجه الأرض عند افتراشها ... باهدأ تنبيه سناسن قحّل
واعدل منخوضا كان فصوصه ... كعاب دحاها لاعب فهي مثّل
فإن تبتئس بالشنفري أم قسطل ... لما اغتبطت بالشنفري قبل أطول
طريد جنايات تياسرن لحمه ... عقيرته لأيها جمّ أول
تنام إذا ما نام يقضي عيونها ... حثاثا إلى مكروهة تتغلغل
والف هموم ما تزال تعوده ... عيادا كحُمى الربع أو هي أثقل
إذا وردت أصدرتها ثم انها تثوب فتأتي من تحيت ومن عل
فاما تراني كابنة الرمل ضاحيا ... على رقة أحفى ولا أتنعّل
فأني طويل الصبر أجتاب بزّه على مثل قلب السمع والحزم أفعل
وأعدم أحيانا وأغني وانما ... نيال الغنى ذو البعدة المتبدل
فلا جزع من خلة متكشف ... ولا مرحُ تحت الغنى أتخيل
ولا تزهي الأجاهل حلمي ولا أرى ... سؤولا بأعقاب الأقاويل أنمل
وليلة نحسٍ يصطلي القوس كاربها ... وأقطعه اللاتي بها يتبنسل
دغشت على غطش وبعش وصحبتي ... سعار وارزيز وحر وأفكل
فأيمت نسوانا وأيتمت ولدة ... وعدت كما أبدت والليل أليل
وأصبح عني بالغميضاء جالسا ... فريقان مسئول وآخر يسأل
فقالوا لقد هرت بليل كلابنا ... فقلنا أذئب عسّ أم عسّ فرعل
فلم يك الا نبأة ثم هومت ... فقلنا قطا قد ريع أم ريع أجدل
فإن يل من جن لأبرح طارقا ... وان يك انسا ما لها لانس يفعل
ويوم من الشعرى يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه يتململ
نصبت له وجهي ولكن دونه ... ولا ستر الا تحمّى المرعبل
وضاف إذا هبت له الريح طيرت ... لبائده عن أعطافه ما ترجل
بعيد بمس الدهن والغلي عهده ... له عبس عافٍ من الغسل محول
وخرق كظهر الترس قفر قطعته ... بعاملتين ظهره ليس يعمل
стр. 221
فألحقت أولاه بأخراه موفيا ... على قنّة أقعى مرارا وأمثل
ترود الأراوي الضخم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاء المذيل
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أوفى ينتحى الكيح أعقل
ثم انه غزا قومه فأكثر الغزو فيهم، وقتل مرارا، وكان تأبط شرا، وعمرو بن براق معه. فغزا الشنفري هذيل فقتل منهم وأخذ بثأر خاله. قال الشنفري في قتل خاله، وقتله من قتل هذيل عدت على حال الشنفري، هو وتأبط شرا. قال الشنفري في قتل خاله:
صليت مني هذيل بحرق ... ولا يمل الشر حتى يمل
يورد الآلة حتى إذا ما ... نهلت كأن لها منه عل
أسقيتها يا سواد بن عمرو ... ان خالا بعد خالي نحل
حلت الخمر وكانت حراما ... وبلاي ما ألمت تحل
فصبحنا كأس حتفت هذيلا ... عقبها خزي وعار وذل
وكذا البصرى فيهم مليا ... ينتهي في هامهم ويصل
مطلع الشمس فلما استحرت ... اقشعوا من فورهم فاستقلوا
تضحك الضبع لقتل هذيل ... ويرى الذنب لها يستهل
ثم ان الشنفري اكثر الغزو في قومه، فنذر به أسيد بن جابر الغامدي، فأقبل هو واثنان جروران، حتى انتهوا إلى قليب ماء يرده الإبل الشنفري من وروده إياه، فأثبتوا له في مكمن على القليب من صدواله، فأقبل الشنفري في الليل يريد الورود، فلما دخل الضيق وقرب من الريبة، وتوجس وهاب من الاقدام. وقال: اني أراكم أيها الريبة، وما بي من ظمأ، ثم ولى راجعا من حيث جاء. فقال الغلامان لأبيهما: يا أبانا رآنا الخبيث فرجع. فقال أبوهما: لم يركما، ولكنه حديس وتظنن، فاثبتا واسكتا. فقام يومه وليلته ظمآنا. ثم مر له ثائرا له ثانية وهو متلثم، وفي يده بعض نبله، فلما نظرت إلى النبل عرفته لان أفواقها كانت من قرون وعظام، وكانت معروفة، فاستدعى القرى فأطعمته اقطعا وتمرا، ليزداد عطشا، واستقاها فسقته رائبا، فزاده عطشا. فقالت له: الماء منك على بعد، وأوحت له إلى جبل بعيد المطمع ليتوهمه ويزيده عطشا. فلما ولى أتت قومها فوصفت لهم صفة نبله فعرفوه. وقالوا: هذه صفة الشنفري.
واشتد بالشنفرى العطش، فأرسل القوم إلى صاحبهم أسيد بن جابر الغامدي، لا تبرح من مكانك فإن الشنفري يجول عنك، ولا بد ان يرد.
واشتد به العطش، فأقبل بالليل يريد الماء. وقد خلع احدى نعليه شدها على قلبه مخافة من سهم يأتيه، وجعل يضرب الأرض بنعله، ويمشي بالأخرى حافيا، فسمع الغلامان حسّه، فقالا: يا أبانا الضبع، ولرجل تقبض إذا خطت. فقال أبوهما: كلا هو الخبيث يلبس علينا.
فلما قرب الشنفري توجس فوقف يحد النظر يمينا وشمالا ويستنشق الريح ويقول:
أونس ريح الموت في المكاسر ... لا بدّ يوما من لقاء المقادر
هذا أونى أسد بن جابر ... بنبعه واسهم طوائرِ
ومرهف ماضي الشباة باتر ... وابناه في الريبة والتحابر
أخطأت ما أملت يا ابن الغادر ... لست بوارد ولا بصابر
ثم نكص راجعا يضحك ويدهده الصخور، حتى إذا كان بأسفل الوادي، رفع عقيرته، يعني لوس بن برقيه، وهو يقول شعرا:
أنا السمع الأزل فلا أبالي ... ولو صعبت شناخيب العقاب
فلا ظمأ يؤخرني وحرّ ... ولا حمص يقصر من طلابي
فقال الغلامان: يا أبانا، قد - والله - رآنا فأفلتنا ولن يعود ألينا، فامض بنا. فقال الشيخ: ما رآكما، وانما هذا منه حدس وخداع، اثبتا موضعكما فإنه سيعود. فثبتا، وعاد يعدو مبادرا، وهو يقول:
يا صاحبي هل الحذار مسلمي ... أم هل لحتف منية من مصرف
اني لأعلم ان حتفي في الذي ... أخشى لدى الشرب الظليل المشرف
стр. 222
ثم هجم على الماء يشرب، ورآه القوم، فلما همّ القوم بالخروج، رماه أحدهم بصخرة على هامته فأصدره في القليب. ثم قفز فتعلق برجل أحدهم فجره معه في القليب فقتله، وترامى اليه الآخر، فضرب شمال الشنفري فقطعها وسقطت في القليب، وسقط معها، فتناولها ورمى بها بعضهم فأصاب كبده، فجر معه في القليب، فوطئ الشنفري على صدره فدق عنقه.
ثم انهم اجتمعوا عليه من كل ناحية، فقال بعضهم: استبقوه، فإنما هو رجل منكم، ولعله ان مننتم عليه يشكر ذلك، ويترك غاراته عليكم.
فسمع قولهم. فقال: يا معشر الأزد، قد أخذتم ثأركم بقطع يدي.
قالوا: ويلك، وهل في قطع يدك على كثرة ما قتلت منا.
الشنفري: نعم، بعدد كل أنملة، وعضو، وعرق، وعصبة، وعظم في بدني ثأر منكم. وإني لا أعلم غير تاركي للومكم، وبه سلطت عليكم، ثم لم يأخذوا ثأر. وأنا الذي أقول:
ومن يك مثلي يلقه الموت خاليا ... من المال والأهلين في رأس فدفد
ألا ليت شعري أي دحل يصيبني ... وان ذنوبي تلفني وهو موعدي
سعيت لعبد الله بعض حشاشتي ... ونلت لثأري حيث كنت بمرصد
وقالوا أخوكم جهرة وابن عمكم ... ألا فاجعلوني مثلا بعد أبعد
أنا ابن الألى شدوا وراء أكفهم ... ولست بفقع القاع من بين قردد
أضعتم أبي قتلا فكنتم بشارة ... على قومكم ياآل عمرو بن مرثد
فها أنذا كالليث يحمي عرينه ... وإن كنت عانٍ في وثاقي مصفد
فإن تقطعوا كفي الأرب ضربة ... ضربت وقلبي ثابت غير مرعد
وطعنة حلس معكم قد تركتها ... يثج على أقطارها سم أسود
فإن تقتلوني تقتلوا غير ناكص ... ولا يرم هام على الحير ملهد
ألا فاقتلوني انني غير راجع ... اليكم ولا أعطي لذل معوّدي
فقال أسيد بن جابر: ان الرجل قد آيسكم من نفسه، فمن كان له قبله ثأر فليقتله. فسمع قوله قوم قد كان وترهم، فرضخوه بالحجارة حتى قتلوه، فأخرج فصلب. فبلغ ذلك عمرو بن براق. فقال يرثيه:
على الشنفري صوب الغمام ورايح ... غزير الكلى مثغجر الماء ماطر
عليك جزاء مثل يومك بالحيا ... وقد رعفت منك السيوف البواتر
فإن تك مأسورا مصاعا مصفدا ... فإنك للأعداء يا خل واتر
وحتى رماك المشيب في الرأس ضاحكا ... وخيرك مبسوط وزادك حاضر
وأجمل موت المرء ان كان ميتا ... ولا بد يوما قتله وهو صابر
إذا راع راع الموت عنه وان حمى حمى معه حر كريم مصابر
فإن ضحكت منك الاماء فقد بكت ... عليك فاعوان النساء الحراير
وسكن جاشي ان كل ابن حرة ... إلى مثل ما قد صرت لا بد صاير
مرّ بن ميدعان
وولد مرّ بن ميدعان نسعد بن مرّ. فولد سعد، سعيد خنبش بن سعد. وهو رهط شريك بن أبي العكر. واسم أبي العكر مسلم بن سمي.
وكان العكر تزوج أم شريك، امرأة من بني عامر بن لؤي، فولدت له شريكا، ثم خلف عليها رسول الله ﷺ ، والعكر مشتق من أشياء، وأصله كله راجع إلى المكدر، واعتكار الشيء: دخول بعضه في بعض، والعكرة من الابل ما بين الخمسين إلى المائة. وعكر الفارس على الكتيبة: إذا حمل عليها، واعتكر الليل: إذا اختلطت ظلمته. والمعكار: القطعة العظيمة من الابل، وعكر كل شيء ما غلظ منه. وقد سمت العرب عكيرا وعكارا ومعكرا.
وولد سعد أيضا شجاعة بن سعد. ويقال شجاعة بن مالك بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نضر بن الأزد. وشجاعة في غامد نولهم بمضر عدد كثير.
٣ - راسب بن مالك
وأما راسب، واسمه الحارث بن مالك بن ميدعان بن مالك بن نصر بن الأزد. فمنهم عبد الله بن وهب الراسبي، صاحب الخوارج، وكان رئيسهم يوم النهروان. وهو القائل لنافع بن الأزرق نحين سمعه يصف الخوارج في السر ولا يظهر ذلك:
لسانك لا تبكي من القوم إنما ... تنال بكفيك النجاة من الكرب
فجاهد أناسا حاربوا الله واجتهد ... عسى الله أن يخزي بني حرب
стр. 223
وكان عبد الله ذا رأي وفهم ولسان وجرأة وإقدام في الحرب. وهو الذي لما أرسل علي بن أبي طالب، صعصعة بن صوحان، إلى الخوارج، كان هو المخاطب لصعصعة في كلام طويل. ثم قال لصعصة: أبلغ صاحبك انا غير راجعين عنه، أو يقرّ لله بكفره، ويخرج من دينه، فإن الله قابل التوب، وغافر الذنب، فإذا فعل ذلك بذلنا له دونه المهج. فقال له صعصعة: عند الصباح يحمد القوم السُّرى.
عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد
فأما عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد، فولد رجلا، وهو كعب بن عبد الله، وولد كعب رجلين هما: الحارث بن كعب، وأراش بن كعب، فهم قليل، وهم بالحجاز.
وأما الحارث بن كعب بن عبد الله، فولد رجلين: كعب بن الحارث ونبيشة بن الحارث، واسمه ماسخة بن الحارث. ونبيشة ولد رجلين هما: عز بن نبيشة، وشديق بن نبيشة، وهو ماسخة بن ماسخة. فولد عز بن نبيشة: وزارة بن عز. وإزارة بالكوفة والرّي. وفي نسخة وزارة بالسراة. واسم زارة عامر بن عزر، وازارة أمهم وزارة الأجمة. والعزر: التكسر في الجلد، والجمع عزور، والعزر: آثار الطي في الثوب، وهو بكسرة. واشترى أعرابي ثوبا، فلما أراد أن يأخذه، قال للتاجر اطوه على عزره، أي على كسره.
ومن رجالهم بالكوفة زهير بن ناجد، أحد الأشراف بالكوفة، عدادهم في غامد. وأما شديق، وهم ماسخة، فهم بالحجاز. وأليهم نبت القسيّ الماسخة زوهي العربية، وهو أول من يراها. قال الشاعر:
شرعت قسي الماسخي رحالنا ... بسهام يثرب أم سهام الصاوي
المسخ: تحويلك الشيء عن حليته نوفرس ممسوخ العجز، إذا كان مطمئن العجز، وهو عيب الورد، إذا انحل، وطعام مسيخ، تهم الطعام.
قال الشاعر:
وأنت مسيخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر
وولد كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن مالك بن نصر بن الازد، خمسة نفر: زهران بن كعب، و أحجن بن كعب ، وعبد الله بن كعب، وعمرو بن كعب، ومالك بن كعب.
أحجن بن كعب
فأما أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر. واشتقاقه من الأذن الحجنا، وهي المرجعة طرفها إلى القفا. وكل شيء عطفته فقد حجنته. وبه سمي المحجن، وهو الغطا المعطوف رأسها.
واحتجن فلان حدا، أي عطفه إلى نفسه. والحجون بمكة معروف. وفي الحديث: استلم رسول الله ﷺ الحجر بمحجن في يده. والجمع: المحاجن.
وقوله أربعة رهط، فهم: أسلم، ولهب، وغالب، وعامر بني أحجن. فأما لهب بن عبد الله بن أحجن بن كعب، فمن ولده بنو لهب العافة، وهم أعيف العرب، وأزجرهم بالطيرة، وفيهم العيافة إلى اليوم.
وفيهم يقول كثيّر عزة نحين سئل بعضهم عن شيء في طريقه مقدم:
تيممت شيخا فيهم ذا أمانة ... بصير بزجر الطير منحني الصلب
تيممت لهبا أبتغي العلم عندهم ... وقد رد علم العايفين على لهب
فقال حرى الطير السنيح بينهما ... فدونك اسبلي خد منهر السكب
ولا تكن ماتت فقد حال دونها ... سواك حليل باطن من بني كعب
السانح: ما جاء عن يمينك، وأراد شمالك. والبارح: خلاف ذلك. والقعيد: ما أتى من ورائك. واللهيب: الشعب الضيق في أعلى الجبل، والجمع الهاب ولهوب. قال الشاعر: " في هضبة دونها لهوب ".
ولهب النار معروف، ولهيبها والتهابها سواء. وفرس ملهب في عدوه، ولهبان اسم من هذا اشتقاقه.
٥ - أنساب غامد
واشتقاق اسمائهم ورجالهم قال ابن الكلبي: فأما غامد، واسمه عامر بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وانما سمي غامد لأنه وقع بين عشيرته شر، فتغمد دونهم، أي غطاها وسترها. ومنه الغمد.
وقال ابن الكلبي: سماه بهذا الاسم، قيل من أقيال حمير، وينشد بيت لغامد يحتج به:
تلافيت شرا كان بين عشيرتي ... فسماني القيل الحصوري غامدا
وغمدت ليلتنا، إذا أظلمت. قال الراجز:
وليلة غامدة غمودا ... ظلما تغشى النجم والفرقودا
يريد منت الفرقد. يقال غمدت السيف، وأغمدته، لغتان. وبرك الغماد موضح.
стр. 224
وكان الأصمعي يقول: اشتقاق غامد من قولهم غمدت البرك. إذا كثر ماؤها. فولد غامد، وهو غامد بن عبد الله، سعد مناة بن غامد، وظبيان بن غامد. ومن قبائلهم بنو الدول بن سعد مناة. ومنهم بنو وابلة الفرخ من الزرع، يخرج في اصل كبيرة. ويقال أولب الزرع إذا خرج له أفراخ. ويقال ألب فلان إذا جرس عليه. ويقال ألب فلان مع فلان أي مثله معه.
ومن رجالهم: مجنف بن سليم، وهو بيت الازد بالكوفة. ومن بني مازن بن زبيان بن ثعلبة بن الدول بن سعد بن مناة بن غامد. قال قتادة بن أبي طارق بن أبي فروة الشاعر:
فلو فعل الفوارس مثل زيد ... لابنا غانمين لنا وقير
ومجنف مفعل. من قولهم: جنف الرجل بأنفه، إذا ماله من كبر.
والفرس جانف وجنوف، إذا مال رأسه في جريه وتقريبه. والجناف ضرب من سير الأبل. والجنف ثوب من الكتان حسن، والجمع جنيف، أيضا.
ومنهم، فراص بن عتيبة، الشاعر الجاهلي. ومن رجالهم أبو ظبيان الأعرج، واسمه عبد شمس بن الحارث بن كثير بن جشم بن سبيع بن ذهل بن مازن بن زبيان بن ثعلبة بن الدول بن سعد بن مناة بن غامد. وهوأحد فرسان العرب المشهورة، وقد ذكر القسملي في كتابه عند ذكر فرسان العرب الثلاثة، وكان فارسا شاعرا، ووفد إلى النبي ﷺ وكتب له كتابا، وكان في ألفين وخمسمائة من العطاء. وهو صاحب راية غامد، يوم القادسية، وكان أبو ظبيان كثير الغارة في الجاهلية، فمن فعله في الجاهلية أنه كان مضطجعا بالعقيق، فلم ينته الا حفيده الفحا في خثعم، يريد الغارة على غامد. وكانت غامد بهضبة الأمغر، وكان رسن فرسه في يده، فلما أتته من ورائه بصهيل الخيل، وثب فركب فرسه، ولم يأت قومه فيخبرهم، ولم يرجع حتى واقع القوم. فلم يزل يطعن فيهم حتى كشفهم وشد على حفيده، فطعنه فقتله، فانهزم أصحابه. فقالت غامد: نرجع إلى تمامه " من كتاب القسملي ".
ومنهم، جندب بن زهير. قتل يوم صفين. وكان على الراحلة. ومنهم عبد الرحمن بن نعيم، والي خراسان لعمر بن عبد العزيز، وكان من رجالهم زومنهم مالك اللهية، كان شاعرا. ومنهم بنو اللهية، بطن. ومنهم الحجن بن المرفع، وفد إلى النبي ﷺ ، وهم أشراف بالسراة، والحجن الغذاء من الناس والبهائم. فصيل محجن، واحجنه صاحبه، إذا أساء غذاءه. ومنهم عبد الله بن عوف بن الاحمر، الشاعر الذي أتى الحسين.
ومنهم عبد السارق بن مطر بن لغط. واللغط الخط في الوجه من السواد، تفعله النساء. والمظ رمان البر. ومنهم رمان ربيعة بن مهرب، شاعر جاهلي. ومنهم سعيد بن أبي سعيد، الشاعر، صاحب الانبار، وله حديث. وعبد الله بن مسروح جاهلي. ومنهم غامد جندب الخير بن عبد الله بن ضبّ من أصحاب.
وجندب بن كعب، الذي قتل الساحر، واسم الساحر بستاني. وكان بستاني يرى أنه يقتل نفسا ثم يحييها، ويعمد إلى الناقة فيدخل فيها من حبايها، فبينما هو يفعل هذا بين يدي الوليد بن عقبة بن أبي معيط نفي جامع الكوفة، وهو أميرها، إذ نظر اليه جندب، فأتى مولا له صيقلا وهو يصقل سيفا بين يديه زفقال له أعطني سيفك هذا، فأعطاه السيف. فأقبل جندب بن كعب يسير، والساحر بين يدي الوليد يفعل فعله ذلك، حتى اشرف على الساحر فضربه بالسيف، فأبان رأسه. ثم قال له: أحي نفسك الآن ان كنت صادقا.
فأخذه الوليد بن عقبة فحبسه. فلما رأى السجان صلاته وصومه خلى سبيله. فأخذ السجان فقتله.
وقيل لابن عمران المختار، يعهد إلى كرسي فتحمله على بغل أشهب، ويحفه بالديباج، فيطوف به أصحابه ويستنصرون ويستسقون، ويقولون: هذا مثل تابوت بني اسرائيل. فقال ابن جندبة الأزدي: لا يعقرونه وجنادبة الأزد جندب بن زهير بن جندب بن كعب نمن بني والبه، وجندب الخير بن عبد الله، وجندب بن كعب من بني ظبيان.
وغامد هي الجمرة البينة من جمرات العرب، الذين ذكرهم القسملي، وهم الذين لم يغشهم احد من العرب في خيارهم.
ومنهم بنو يشكر بن عامر، ولهم المقبرة بالبصرة، ومنهم بنو قطيعة، وهم في عشر. ويقال ان غامدا منهم زومنهم بنو وهم، رماة.
وولد أسلم بن أحجن عوفا، وثمالة. وثمالة بالحجاز. ويقال: ان ثمالة هو عوف بن أسلم. وهم بالحجاز. والثمالة رغوة اللبن. والجمع ثمال.
عبد الله بن كعب
стр. 225
وولد عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد، رجلا، عامر بن عبد الله، وهو غامد بن عبد الله. فولد غامد نوهو عامر بن عبد الله نسعد مناة بن غامد، ومالك بن غامد، وظبيان، ومالك بن غامد، وظبيان بن غامد.
فمن غامد، مسافر الشاري، الذي كان في أيام السفاح، بأرمينية، فقتله محمد بن صول.
مالك بن كعب
وولد مالك بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد، رجلا، شجاعة بن مالك نوهم في غامد. وشجاعة لهم بمضر عدد كثير.
زهران بن كعب
فأما زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد، فولد ستة نفر: عبد الله بن زهران، ونصر بن زهران، ومالك بن زهران، وعبرة بن زهران، وصقلب بن زهران، وهم الصقالبة، وقومحة بن زهران ز فمن بني عبرة، عبد الله بن عامر بن عبد الله بن عدي بن حيان بن معاوية بن حمزة بن عبيد بن عبرة.
وولد عبد الله بن زهران، رجلا، عدنان بن عبد الله، فولد عدنان بن عبد الله رجلين: دوس بن عدنان، ودهثة بن عدنان، ودهثة بالحجاز. فولد دوس بن عدنان: غانم بن دوس، ومنهب بن دوس، وثائر بن دوس، وعبد الله بن دوس، ومنهب وثائر وعبد بالحجاز. فولد غانم رجلين: فهم بن غانم، ومعاوية بن غانم. ومعاوية بالحجاز، فولد فهم بن غانم رجلين: مالك بن فهم، وهم بعمان، وعمرو بن فهم، وهم بالحجاز، رهط أبي هريرة نصاحب النبي ﷺ .
فولد عمرو بن فهم، سبعة رهط: هميم بن عمرو، وسابخ بن عمرو، وطريف بن عمرو، والحزم بن عمرو، ووجلة بن عمرو، وفهم بن عمرو، وسليم بن عمرو. فمن عامر، أبو هريرة، صاحب النبي ﷺ .
واسمه عبد الله بن عامر بن عمرو بن فهم بن غانم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وكان خيار أصحاب رسول الله ﷺ . وهو صاحب الروايات والأخبار عن النبي ﷺ .
ومنهم الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سلمة بن طريف بن عمرو بن فهم. وقال بعض أهل النسب: بل هو من ولد مالك بن فهم. وهو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن لقيط بن الحارث بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس. وهو الذي قدم على النبي ﷺ .
مالك بن فهم وولده
نسب مالك وانتشار ولده
١ - نسب مالك بن فهم الازدي وانتشار ولده
فأما مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد، فولد احد عشر رجلا وهم: نوبي بن مالك، وكان أكبر ولده، وبه يكنى مالك أبا نوبى، وهناة بن مالك ومعن بن مالك، وجذيمة الابرش بن مالك، وهوالوضاح، الذي ملك الحيرة بالعراق، وسليمة بن مالك، وولده بأرض كرمان وفارس، وبعمان منهم الاقل، والحارث بن مالك. وعمرو بن مالك. وفراهيد بن مالك. وشبانة بن مالك. وثعلبة بن مالك، وهم بتنوخ، وجماز ابن مالك، واسمه زياد.
وكان مالك بن فهم الازدي، اول من قدم من الازد إلى عمان. وذلك حين خرج في جملة الازد عند عمرو بن عامر، من ارض مأرب حين فرقهم سيل العرم، وخرب الجنتين. ونحن نورد قصته، بعد ان نأتي بحديث الجنتين، وما كان من أمرهما وخرابهما، وانتقال الازد منهما، أن شاء الله.
٢ - جنتا مأرب وما كان من أمرها وانتقال ألازد منها حين احشروا بسيل العرم
اخبرنا ابو عبد الله الموصلي، باسناد عن أبي اسحاق، ووهب بن منبه، عن هشام بن محمد السائب الكلبي. ان سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان رزق عدة من الولد، ورزق اولاده اولاد كثير، وملهّم الدهر، حتى امتلأت الارض من نسولهم وكان جمهورهم بمأرب.
وانما سمي سبأ لانه اول من سبأ الامم، واسمه عامر، ويسمى عبد شمس لحسنه، وهو سبأ الاكبر بن يعرب بن قحطان، وابناه حمير وكهلان. تفرقت اكثر قبائل اليمن وعدادها
стр. 226
وكانت ارض مأرب، من كهلان وولده، للأزد بن الغوث وولده، خاصة دون اخوتهم من بني كهلان. وكان اخوتهم من سائر ولد كهلان ينزلون الأطراف، من ارض اليمن، وغيرها. وكانت مأرب مدينة عظيمة، عليها سور من الصخر، لا يقل الصخرة الا خمسون رجلا. وكان السور مسيرة عشرة ايامن من قصر مشيد، إلى ظل ممدود، إلى سور متصل. وكان الاقدمون من اجدادهم، قد بنوا سدا، يحبسون به الامطار، إذا جاءتهم. وكانت الامطار لا تأتيهم، انما يأتيهم سيل لا يدرون من اين هو يغشى فيجيئها. ويقال ان ارضهم، هي الجزر، التي ذكرها الله تعالى، في كتابه:)) أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ((إلى آخر القصة. ويروي عن علي بن أبي طالب، انه كان يقول: ان طول السد، الذي بنوه، يحبسون به الماء، ثمانون فرسخا، وعرض جداره ثلث ميل، وارتفاعه مثل ذلك. مع أساس قد عمق وفرش فيه الصخور.
وكان الله ، قد ألان لهم الحجارة، من قبل طلوع الشمس إلى زوالها، ومن الزوال إلى العشاء، وكانوا يباركونه بالغداة كالطين، أو كالعجين. فيوضعونه في الاساس، ويدخلون بعضه في بعض، ويجعلون ملاطه الرصاص المذاب، وجعلوا فيه ابوابا مبوبة، وقناطر معقودة، وركبوا عليها أوصادا من حديد محكمة.
وكات جنتاهم من وراء السور، وقصورهم داخل الجنتين. والجنتان كل تؤتي اكلها كل حين. وكان أحدهم إذا اراد الماء رفع تلك ألابواب التي تلي جنته بابا، فخرج الماء إلى جداول تخترق في قصورهم، وجناتهم، وحدائقهم، واذا استغنى ارسل الباب. وكانوا قد غرسوا على ذلك الماء الجنتين اللتين ذكرهما الله تعالى في القرآن عن يمين وشمال وظللوها حتى كان لا تدخلها الشمس ولا الريح وكان من امرهم كما ذكر الله تعالى.
وحدثنا سعيد، عن قتادة ن عن الحسن ن في قوله :)) لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال ((. قال الحسن، كان واد بين جبلين ثمانية عشر ميلا. فكان كما قال الله ، جنتان: جنة عن يمين الوادي، وجنة عن يسار الوادي، ملتف بالشجر، ومنازلهم بين ذلك. ومن وراء الجنتين مزارعهم. وكانت أزكى ارض الله يومئذ، وهلها أخصب أهل اليمن. وكان شربهم من اعلى الوادي، من عين تخرج من ثقب في ذلك الجبل، فأن شاءوا سدوا ذلك الثقب، فأمسكوا الماء، وان شاءوا فجروه.
وكانت الكهنة تخبرهم ان هلاك واديهم من قبل سيل يجيئهم في عين شربهم، فبنوا على تلك العين بنيانا بالحجارة والرصاص، لا تخرج اليهم من الماء، الا بقدر. مما خوفوا من السيل. فكانت الجنتان عن يمين الوادي، وعن شماله. وكان الوادي ملتفا بالشجر.
قال: فكانت المرأة تخرج من مأرب، إلى بلد الشام، تريد بيت المقدس، ومغزلها في يدها، ومكتلها على رأسها، بلا زاد. وكانت إذا ارادت الاكل اصابت مكتلها مملوءا كله ثمر، مما القته الريح من غير أن تجتنيه، فتأكله.
ولم يكن في بلدهم سبع، ولا حية، ولا شيء من الهوام يخاف منه. وقال الله، ﵎:)) وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي واياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا وظلموا انفسهم فجعلناهم احاديث ومزقناهم كل ممزق ((، إلى آخر القصة.
قال الكلبي: وذلك ان الله تعالى ارسل اليهم رسلا، فدعتهم إلى الله ، وامرتهم بالشكر والمغفرة لما عليهم من نعمة، فكذبوهم. وقالوا: ما نعرف لله علينا من نعمة، ومازلنا في هذا الذي نحن فيه، وآباؤنا من قبلنا، وهذا من عمل آبائنا. وذكر قول الله :)) لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور، فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ((إلى آخر القصة.
стр. 227
قال الكلبي: وانما كان القوم، إذ ذاك على توحيد الله، وايثار طاعته، فأعطاهم التي كانوا فيها من خير الجنتين وغيرهما. فلما قدم عهدهم حادوا عن التوحيد، واتخذوا أوثانا فعبدوها من دون الله ز فلما فعلوا ذلك وعظهم عمران بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امريء القيس ىبن مازن بن الازد بن الغوث، وكان كاهنا عنده علم، وقد رأى في كهانته أن بلدهم تخرب ان لم يرجعوا إلى التوحيد، فعصوه، واستخفوا به، فأمسك عنهم حتى حضرته الوفاة. ويقال انه عمّر فيهم ستمائة سنة وخمسون سنة. ويقال انه عمّر فيهم اربعمائة سنة وست واربعين سنة. وكان عقيما لم يكن له عقب. فلما حضرته الوفاة، دعا اخاه عمرا، وهو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة، فوعد اليه ان القوم هالكون، فلتعمل على نفسك واوصاه ان يتزوج طريفة بنت سعد، وكانت امرأة من أهل ردمان، من حمير، وكان عندها علم من كهانتهم، وعلم هلكتهم، مثل ما عنده.
فلما مات عمران، ولم يكن له عقب، طلب اخوه عمرو بن عامر ن طريفة، وتزوجها فأقامت عنده، ولم يرزق منها ولدان. وكان عمرو بن عامر، يومئذ، سيد أهل مأرب، وصاحب أمرهم، وكان له بمأرب من القصور والحدائق، ما لم يكن لاحد غيره بها مثلها.
قال: وكثر تغيير القوم، فقيض الله بعض من كان على دين صالح، فدعاهم إلى الله ن والمراجعة إلى ما كانوا عليه من المعرفة، بحق الله والشكر له، والقيام بطاعته، والاحسان فيما انعم الله به عليهم. فجحدوا نعمة الله ن وكذبوا رسله، وقالوا ما نعرف الذي ارسلك، وما زلنا في هذا الخير، وآباؤنا من قبلنا، فان كنت صادقا فادعه يذهب به، فلما كذبوه دعا الله ان يغير ما بهم. فوعده ان يستجيب له.
قال: وان عمرو بن عامر رأى في المنام، ان سحابة غشيت ارضهم فارعدت وابرقت، ثم صعقت فأحرقت ما فيها، ثم وقعت على الارض. لم تقع على شيء الا احرقته. فقامت طريفة وقد ذعرت ذعرا شديدا، وهي تقول: يا عمرو بن عامر، ان في قلبي لزمجريرا ان ما قد رأيت في الغيم، قد اذهب عني النوم. رأيت غيما قد ابرق، ورعدا طويلا، قد اصعق، فما وقع برقه على شيء الا احرقه - فما بعد هذا الا الغرق. فلما رأى عمرو ما تداخلها من الرعب سكّنها، حتى سكنت، ثم سألها عما اعلمها اخوه. وقال: يا طريفة، هل لهذا السد من انهدام، ام لهذه النعمة من انصرام؟ قالت: اجل، ما اقرب الاجل، فقد دالت الدول، فقال لها: اعطيني قصة الخبر. قالت: الامر قد حل، والبلاء قد جل، والعز قد ذل.
ثم ان عمرو بن عامر، دخل حديقة من حدائقه، ومعه جاريتان له، فبلغ ذلك طريفة، فخرجت نحوه، وامرت وصيفا لها يقال له سنان أن يتبعها، فلما برزت من باب بيتها، عارضها ثلاث مناجد منتصبات على ارجلهن، واضعات ايديهن على اعينهن. والمناجد: دواب تشبه اليرابيع. وقيل بل هي الفأر التي لا عيون لها، فلما رأتهن طريفة، رفعت يدها، وقالتلوصيفها سنان، إذا ذهبت هذه المناجد، فأعلمني. فلما ذهبت المناجد اعلمها. فخرجت مسرعة، فلما عارضها خليج الحديقة، التي فيها عمرو نبت من الماء سلحفاة، فوقعت في الطريق على ظهرها، وجعلت تريد الانقلاب، فلا تستطيع، وتستعبث بذنبها فتحثو التراب على بطنها وجنبها، وتقذف بالبول، فلما رأت طريفة جلست على الارض، فلما عادت السلحفاة إلى الماء، مضت طريفة حتى دخلت الحديقة التي فيها عمرو ابن عامر، حين انتصف النهار في ساعة شديدة الحر، واذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فنفذت حتى دخلت على عمرو بن عامر ن ومعه الجاريتان، على الفراش. فلما رأت طريفة، استحيى منها، وامر الجاريتان، فنزلتا عن الفراش. ثم قال: هلمي يا طريفة إلى فراشك.
قالت: والنور والظلماء، والارض والسماء، ان الشجر لهالك وليغمرن الماء.
قال عمرو: ومن اخبرك بذلك، يا طريفة؟ قالت: اخبرتني المناجد بسنين شدائد، تقطع الولد والوالد.
قال: فما تقولين؟ قالت: اقول ان النادم لهف، وقد رأيت السلحفاة تحرف التراب حرفا، وتقذف البول قذفا، فدخلت الحديقة، فاذا الشجر يتكفأ.
قال: ما ترين ذلك؟ قالت: هي داهية وكيمة، أي محزنة، ومصائب عظيمة، بأمور جسيمة.
قال: ما هي؟ ويلك!! قالت: اجل، ان لي فيها الويل، ومالك فيها من النيل، فلي ولك الويل، مما يجيء به السيل.
стр. 228
فألقى عمرو نفسه على الفراش.
وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: امر جليل، وحزن طويل، وصيف قليل، والقليل خير من تركه.
قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت: اذهب إلى السد، فان رأيت جرذا يكثر بيديه في السد الحفر، ويقلب برجليه الصخر، فأعلم بأن العقر عقر، وان قد وقع الامر.
قال: وما هذا الامر، الذي قد وقع؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكل بنا نكل. فانطلق بنا ايها الملك فشاهد السد.
فانطلق عمرو، إلى السد، فحرسه، واذا حوله الفأر قد دار به كله، واحدق به، فأمر بجميع الهررة، وارسلها على الفار. فبينما هم كذلك ينظرون اليها إذا هم بجرذ عظيم يقاتل هرا، حتى قتله، فاستعظم عمرو ذلك عمرو، وايقن بهلاك القوم، وكل ذلك، واهل مأرب لا يدرون بشيء من هذا، وذلك انه كان يكتمه منهم، فدار إلى مكان من السد آخر، فاذا هو بجرذ له اظفار ومخاليب من حديد ينشبها في السد، ويقلع الصخر، يدحو به كل صخرة، لا يقلبها الا خمسون رجلا، فرجع إلى طريفة فأخبرها بذلك. وقال: لقد رأيت من هذا الجرذ امرا عظيما. قالت طريفة: ليس هذا من الجرذ، هذا امر من السماء، ليس له مدافع فانج بنفسك. ومن علامة ما ذكرت لك، ان تجلس في مجلسك بالجنتين، تأمر بزجاجة، فتضع بين يديك، فان الريح ستملأها بطحا من سهلة الوادي، وقد علمت ان الجنتين قد ظللتا حتى لا يدخلها شمس ولا ريح، فأمر بزجاجة فوضعها بين يديه في مجلسه، فلم يلبث الا قليلا حتى امتلأت بطحا. فأخبر طريفة بذلك. وقال لها: ما ترين هلاك السد. قالت فيما بينك وبين سبعين سنة. قال: في ايها: لا يعلم ذلك الا الله، ولو علمه احد لعلمته، ولا يأتي عليك يوم وليلة، فيما بينك وبين سبعين سنة، الا ظننت ان هلاكه سيكون في ذلك اليوم أو تلك الليلة.
فعرف عمرو ان ذلك واقع وان بلادهم، ستخرب. فكتم الامر واخفاه، وعزم ان يبيع كل ماله بأرض سبأ، ويخرج هو وولده. ثم خشي ان ينكر الناس ذلك، فجمع بنيه، وكانوا ثلاثة عشر رجلا. فقال لهم: احتالوا لانفسكم. فقالوا: يا اباه كيف؟ فقال: اني محتال لكم بحيلة، فأمر بابل فنحرت، ووضع طعاما واسعا. وبعث إلى أهل مأرب، ان عمرو ابن عامر، قد صنع يوم مجد وذكر، فاحضروا طعامه. ثم التفت إلى اصغر ابن له، يقال له وادعة أو مالك، ويقال بل كان ابنه ثعلبة، ويقال بل دعا يتيما كان في حجره، والله اعلم، انى ذلك كان. وقال له: إذا انا جلست اطعم الناس، فاجلس ونازعني الحديث، واردد علي، وافعل بي، مثل الذي افعل بك، فاذا امرتك بأمر فلتغفل عنه، فأذا شتمتك فلتقم اليّ فتلطمني. ثم التفت إلى اولاده، فقال: إذا لطمني فلا تغيروا عليه، فاذا رأى الجلساء انكم لا تغيرون على اخيكم لم يجسر احد ان يغير عليه، فأحلف عند ذلك يمينا بالله لا كفارة لها اني لا اقمت بين اظهركم، قام اليّ اصغر بنيّ فلطمني، ولم تغيروا عليه. قالوا نفعل.
فلما جاء أهل مأرب، وجلس، يطعم الناس، ومعه بنوه، وقد اجلس عنده الذي امره بما امره، جعل ينازعه الحديث ويردد عليه، وامره عمرو ببعض امره، فلها عنه، ثم امره، فلها عنه، فشتمه، فقام ابنه، فقبض على لحيته، ولطم وجهه. فنظر الناس، وعجبوا من جرأة ابنه ونكسوا رؤوسهم، وعظموا الذي جاء منهم، وظنوا ان اولاده يغيرون ذلك، فلم يغيره احد، فعند ذلك صاح عمرو، واذلاه، يوم فخر عمرو ومجده، رضي بشتم، وضرب وجهه، وحلف ليتحولن عنهم. وليتبدلن بداره، ولا يقيم ببلد صنع به مثل هذا. ولا تقيم بين اظهر قوم لم يغيروا على ابنه، وليبيعن عقاره وامواله. فقام القوم اليه معتذرين، فقالوا: كنا نظن ان اولادك يغيرون، فذاك الذي منعنا. قال: قد سبني من ترون، فليس اليّ غير تحويلي.
فعرض ضياعه للبيع، وكان الناس ينافسون فيها، ويغالبون بها. فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غضب عمرو، فاشتروا منه امواله، قبل ان يرضى فاشترى الناس لكل الذي له من ارض وضياع بالرخص، وهم لا يعلمون الخبر.
ثم فشى بعض حديثه، فيما بلغ من شأن سيل العرم، فخرج هذا الحديث إلى الناس، من الازد، فباعوا أموالهم، فلما كثر البيع، استنكر الناس ذلك، فأمسكوا واجتمعت إلى عمرو بن عامر، أثمان ماله. وأخبر الناس يومئذ بأمر السيل العرم. فخرج من مأرب ناس كثير. وأقام من قضي عليه ان يصيبه.
стр. 229
ثم رحل عمرو بن عامر من مأرب، وحمل أثقاله وعياله عنها. ورحل معه مالك بن فهم الازدي في ولده وقومه. وساروا جميعاً فلم يلبث القوم الا قليلا بعد مسيرهم، حتى اتى الجرذ على الردم فاستأصله، فلم يفاجأ القوم ليلة بعدها هدأت العيون، إذ هم بسيل قد أقبل، فأحتمل انعامهم وأموالهم، وخرب الجنتين، ومنازلهم، وسال بجنتيهم سيل العرم، فلم يبق الا الأثل والخمط وشيئ من سدر قليل. فسال السيل بما كان فيها من الخير والأكل فلم يبق بواديهم إلا الخمط، وهو الأراك والأثل، وهو الطرفا، والسدر، وهو النبق، فكان كما قال الله في كتابه، إلى اخر القصة.
وقيل ارسل الله مطراً على صدور أوديتهم، التي يجخمع فيها سيلها إلى السد، حتى سالها، فسمع ذلك من تخلف عنهم، فاشرفوا ينظرون إلى السيل فأقبل سيل احمر، كأن فيه النيران امامه كالرجل الفارس. فلما خالط الفارس سدهم، انهددم سدهم، انهدم السد، فغشى الماء ارضهم، فاحرق شجرهم، واباد انعامهم وكان الرجل ياخذ ابنه وامراته، فيصعد بهم الجبل، وفرارا من الماء، فنضب الماء على سدر واثل، وكل ذلك قيل، كما قال الله تعالى.
ومضى عمرو بن عامر، ومالك بن فهم، ومن تبعهما من قومهما وعشائرهما من الازد، فاقبلوا في خلق كثير، لا يعلمه الا الله تعالى، من العدد والعدة والخيل والسلاح والوقية، واستاقوا الغنم والابل والشاة، وغيرها من البقر، واجناس السوام، وكانت الخيل السائمة عندهم عدد هذه الانعام كثرة وعددا، وساروا باجمعهم لا يدرون ما كثر اوقل الا ونزفوه وسحوه، ولا ينزلون بلدا الا وطنوه، وغلبوا اهله عليه وقحطوه واجدبوه. حتى نزلوا ببلاد عك بن عدنان بن عبد الله بن الازد بن الغوث، وملك عك يومئذ سلقمة.
وكان بينهم وبين عك حروب قتل فيها من الفريقين. ثم استباحوا عك وقتلوا سلقمة، ولك عك، بعد قتال ايام جرت بينهم الخيل في الدماء.
ومات عمرو بن عامر، ببلاد عك، فملكوا امرهم ابنه ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء.
ثم ضربت لهم الرواد في بلاد، تلتمس لهم المراعي والموارد والكلا. فخرج من الرواد ناس إلى ارض اخوتهم من حمير، فرأوا بلادا ضيقة لا تحملهم، ولا تقوم بمواشيهم مراعيها ومياهها، مع ما فيها من كثرة اهلها، فأقاموا في بلاد عك، ما اقاموا، وما حولها، حتى استمرت خيلهم ونعمهم وماشيتهم على الحجر ثم ساروا منها وتخلف منهم في عك وثولان ابنا الحارث بن أبي الحارثة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء.
وساروا فلما مروا ببلاد فهزمت الازد همدان، خرجت اليهم همدان فحاربتهم عن بلادها فهزمت الازد همخدان. ثم اقامت الازد ببلاد همدان، واقاموا على المسير منها إلى غيرها، وتخلف من الازد همدان، وما اقاموا على ابن زيد بن الفرار بن الازدي، ووداعة بن عمرو بن عامر. ثم ساروا حتى انتهوا إلى يلاد مدجح، فخرج اليهم أهل الحنق، وهو بنو احكم بن سعد العشيرة بن مدحج فحاربت الازد عن بلادها، فهزمت الازد. ثم ساروا، وتخلف منهم رجاء بن عمرو بن الازد. فلما انتهوا إلى ارض بجران، خرجت اليهم مدجح في قبائلها، فقالوا الازد في الليل، ثم ظفرت بهم الازد فهزمتهم. واقاموا في بلادهم سنين ثم بدا لهم المسير فساروا وتخلف عنهم ربيعة وكعب ابنا الحارث بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر، فأقاما هناك، ودخلا في بني عمرو بن عامر بن علة بن مدجح ومالوا بنو الحارث بن كعب بن عمرو بن علة مدجح.
ثم ساروا حتى انتهوا إلى تبالة وبشة، واهلها خثعم وبجيلة أبناء انمار بن اراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن زيد بن كهلان، فناصبوهم الحرب، فهزوتهم الازد، وظفرت بهم، ثم ساروا حتى قاربوا مكة، ومعهم طريفة الكاهنة. فقالت لهم: سيروا فلن تجتمعوا، ومن خلفتم فهم لكم الاصل، وانتم لهم فرع. ثم قالت: مه مه، وحق ما اقول، وما علمني ما اقول الا الحكيم الحكم رب جميع النسم من عرب ومن عجم. قالوا لها: ما شأنك يا طريفة. قالت خذوا البعير الشدقم فخضبوه بالدم، يهزمون من تحتهم، وتجتثون اصل جرهم، خزان بيته المحرم بيت خليل ربه المعظم، ذلك النبي إبراهيم.
стр. 230
فلما انتهى إلى مكة واهلها جرهم، وقد قهروا الناس، وحازوا ولاية البيت على بني إسماعيل وغيرهم، وارسل اليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر: يا قوم، انا خرجنا من دارنا، فلم ننزل بلدا خرج اهله لنا، وتزحزحوا عنا، فنقيم معهم خحتى نرسل روادا، فيرتادون لنا بلدا وارضا تحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم قدر ما نستريح، ونرسل روادنا إلى الشام والشرق. فحثما بلغنا انه اميل لحقنا به، وارجو ان يكون مقامنا معكم يسيرا. فأبت جرهم اباء شديدا، واستكبروا في انفسهم. وقالوا: والله ما نحب ان ينزلوا فيضيقوا علينا مراتعنا ومواردنا، فارحلوا عنا حيث شئتم، فلا حاجة لنا في جواركم.
فقال المضاض بن عمروا الجرهمي، لقومه: يا قوم اني لأحسب ان القوم لا يستظهرون عليكم ببغيكم في حرم ربكم وركوبكم ما انهاكم عنه وقلة رجوعكم عما انتم عله، وإياكم وسفك الدماء في الحرم، فأبت عليه جرهم، فاعتزلهم.
فلما وصل جوابهم إلى ثعلبة بن عمرو، وارسل اليهم انه لا بد من المقام بحذا البلاد حولا، حتى ترجع الي رسلي الذي ارسلت، فإن تركتموني طوعا نزلت وحمدتكم وواسيتكم في الرعي والماء، وان ابيتم اقمت على كرهكم، ولم ترعوا إلا فضلا ولم تشربوا الا رتفا، والرتف: الكدر من الماء. وان قاتلتموني قاتلتكم. ثم ان ظهرت عليكم قتلت الرجال، وسبيت النساء، ولم اترك احدا منكم ينزل الحرم أبدا.
فأبت جرهم ان تتركه طوعا. وان جرهم لما اعتزلهم المضاض بن عمرو، وولت امرهم رجلا يقال له مطعون. وتعبأت لقتال الأزد فحاربتهم الازد، فاقتتلوا ثلاثة ايام. فقتلت الازد مطعونا. ثم انهزمت جرهم. ولم يفلت منهم إلا الشريد. وأجلت الأزد جرهما عن مكة. فنزلت فرقة منهم وادي أضم فسلط اللع عليهم الذر فأفناهم. ثم يأتيهم سيل أضم ليلا فادهمهم واكسحهم، في حديث طويل اختصرناه، حذر الاطالة.
ولحقت فرقة منهم باليمن.
وكان مضاض بن عمرو، قد اعتزل عن جرهم، ولم يعز جرهم في ذلك. وقال: قد كنت احذركم هذا. ثم رحل هو وولده وأهل بيته، حتى نزلوا قنوبا وحامى وما حول ذلك، فبقايا جرهم إلى الآن وفنيت جرهم تلك الحرب.
فأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولا، فأصابهم الحمى. وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى. فدعوا طريفة فشكوا الذي أصابهم. فقالت: قد أصابني الذي تشكون منه، وهو مفرق بيننا. قالوا: ما ترين؟ قال: فيكم ومنكم الأمير، وعليّ اليسير.
قالوا: فما تقولين.
قالت: من كان فيكم ذا هم بعيد، وحمل شديد، وزاد عتيد، فليلحق بقصر عمان المشيد.
فكانت أزد عمان. وكان أول من قدمها منهم مالك بن فهم وولده.
ثم قالت: من كان منكم ذا هم متقاصر، وحمل نافر، فليلحق بالشعب، من كاود ذات الجماعة وكاود من أرض همدان.
فخرج وداعة بن عمرو بن عامر. فلحق بهمدان. فانتشر هو ومن لحقه فيهم.
ثم قالت: من كان منكم ذا هم مدمن، وحمل مدعن، فليلحق بالثنى من سن، وهو موضع بالسراة.
وكانت أزد السراة.
ثم قالت: من كان منكم ذا جلد وقسر، وصبر على أزمات الدهر، فعليه بالأراك من بطن مرو. وكانت خزاعة.
ثم قالت: من كان منكم يريد الدسيات، في الوحل المطمعات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل.
وكان الأوس والخزرج.
ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والملك والتأمير، ويلبس الديباج والحرير، فليلحق ببصرى وغوير، وهما من أرض الشام، وكان الذي سكنها آل جفنة من غسان.
ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، والكنوز والأوراق، والدم المهراق، فليلحق بأرض العراق. وكان الذي سكنوها جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة من غسان وآل محرق.
فمكثوا حتى جاءهم روادهم، فافترقوا في مكة فرقتين: فرقة توجهت إلى عمان، وهم أزد عمان، وسار ثعلبة نحو الشام، ونزلت الأوس والخزرج ابنا حارثة بن عمرو بن عامر. وهم الأنصار، بالمدينة، وانخزعت خزاعة عن قومهم بمكة. سموا خزاعة. وأقام بها حارثة، وهو خزاعة بن عمرو بن عامر فولي امر مكة وحجابة الكعبة، وولد له ربيعة، وهو الملقب لحيّ، وأقصى، وكعب، وعدي. ثم ولي من بعده أمر مكة وسدانة البيت ابن ربيعة لحيّ.
стр. 231
ولما توجهت غسان نحو الشام، وشارفوا أرضها، بلغ خبرهم الملك على بلاد الشام، وهو الضجعم. فجمع جموعه فلقيهم الضجعم، من حول الشام. فقاتلوه في حديث طويل. فقتلوه وأبادوا عسكره. ثم وقعت بين ملك الروم وبين هذا الحي مهادنة على شرط، فأقاموا بينهم على ذلك. حتى كان من والي الروم وهو المنذر بن السبيط الضجعي، وخدع ما كان من وقوع الفتنة هناك، عند ذلك قتل جدع الوالي. وقال جذ من جذع، فذهبت مثلا.
ثم التقت الروم وغسان ببصرى، وهي مدينة حوان فظفرت غسان، ولم تزل تقتل الروم، حتى الحقتهم بالدروب، وغلبت غسان. وفي ذلك يقول بجيه بن الأسد بن أبي الدعلاء الغساني:
ايما ضربة سيف صقيل ... يوم بصرى وطعنة نجلاء
وعموس تصل فيها الأسى ... ويعيي طبيبها بالدواء
حلفوا بالصليب يوم التقينا ... ليردن صولة الملحاء
فصيرنا هناك للطعن حتى ... جرت الخيل بيننا في الدماء
ووضع التاج عند ذلك على رأس جفنة بن عمرو بن عامر. وبني أحد عشر اطما، فيها المجلس المعروف بجلق، وولد له عمرو، والحارث ابو جفنة، تم الملك فيهم وفي ولدهم، إلى أن جاء الله بالإسلام، وكان آخر ملوكهم جبلة ابن الأيهم، الذي ارتد أيام عمر بن الخطاب، رضى الله عنه. وقد أوردنا قصته مع العمر الخطاب.
وقال حسان بن ثابت يذكر انخزاع خزاعة بمكة، ومسير الأوس والخزرج إلى المدينة، وغسلان بالشام:
فلما هبطنا بطن مرو تخزعت ... خزاعة عنا في حلول كراكر
حموا كل واد من تهامة واحتموا ... بصم القنا والمرهفات البواتر
فكان لها المرباغ في كل غارة ... تشن بنجد والعجاج الغواير
خزاعتنا أهل اجتهاد وهجرة ... وأنصارنا جند النبي المهاجر
وسرنا فلما هبطنا بيثرب ... بلا وهن منا ولا بتشاجر
وجدنا بها رزقا غدا أمر تفينت ... من النار غاد بالخلال الظواهر
فحلت بها الأنصار ثم تبوأت ... بيثربها والأعلى خير طائر
بنو الخزرج الأخيار والأوس انهم ... حموها بفتيان صباح مساعر
نفوا من طغى في الدهر منها ودينوا ... يهودا بأطراف الرماح الخواطر
وسارت لنا سيارة ذات قوة ... بكوم المطايا والخيول الجماهر
يؤمون نحو الشام حتى تمكنوا ... ملوكا بأرض الشام فوق المنابر
يصيبون فصل القول في كل خطبة ... إذا أصلوا ايمانهم بالمحاصر
أولاك بنو ماء السماء توارثوا ... دمشقا بملك كابر بعد كابر
تمت، في شعر طويل.
فلما حاربوا أهل مكة، وصاروا أهلها جاءهم بنو إسماعيل، وقد كانوا اعتزلوا حرب جرهم، ولم يدخلوا في ذلك. فنالوهم السكنى معهم وحولهم، فأذنوا لهم فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن المضاض الجرهمي وكان آخر من ملك مكة، من جرهم، وهو مضاض الأصغر بن عمرو بن مضاض الأكبر بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن ظالم بن لحيّ بن أبي بن جرهم، فأرسل إلى خزاعة يستأذنها في الدخول إليهم، والنزول معهم بمكة في جواره، ومت إليهم برأيه وتوريعه قومه عن القتال، وسوء السيرة في الحرم، واعتزله الحرب. فأبت خزاعة ان يفهم عن الحرم كله، ولم تتركهم ينزلون معه. وقال لحيّ، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، لقومه: من وجد منكم جرهميا وقد قارب الحرم، فدمه هدر.
فنزعت إبل، المضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي من اقتونا، تريد مكة، فخرج في طلبها، حتى وجد اثرها قد دخلت مكة، فمضى على الجبال من نحو أجياد، على ظهر أبي قبيس، ينتظر الابل، في وادي مكة، فأبصر الابل تنحر وتؤكل لا سبيل له اليها، فخاف ان يهبط الوادي أن يقتل، فولى منصرفا إلى أهله، وأنشأ يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم يتربع واسطا فجنونه ... إلى المنحنى من ذي الاراكة حاضر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
стр. 232
وبدلنا ربي بها غربة بها الذئب يعوي والعدو المحاصر
فإن تمل الدنيا علينا بكلها ... ويصبح حال بعدنا وتشاجر
فكان ولاة البيت من بعد ثابت ... نمسي بهذا البيت والخير ظاهر
وانكح جدي خير شخص علمته ... فأبناؤنا منا ونحن الأياصر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك عضتنا السنون العوابر
وسحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم آمن وفيها المشاعر
بواد أنيس ليس يؤذي حمامة ... ولا منفر يوما وفيها العصافر
وفيها وحوش لا تزال انيسة ... إذا ؤخرجت منها فما أنم تغادر
فياليت شعري هل لعمرو هل لعمرو بعدنا ... جياد ومضا سبيله فالظوهر
قال، وانطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله، وهم يتذاكرون ما حال بينهم وبين مكة، وما فارقوا من أمنها، وملكها، فحزنوا على ذلك حزنا شديدا، فبكوا على مكة. ويقولون الاشعار في مكة، واختارت خزاعة حجلابة الكعبة وولاية أمر مكة، وفيهم بنو إسماعيل بن إبراهيم بمكة، لا ينازعهم أحد في شيء من ذلك، ولا يطلبونه إلى أيام قصي بن كلاب، فتزوج لحيّ وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر فهيرة بنت عمرو بن عامر بن مضاض بن عمرو الجرهمي، ملك جرهم. فولدت له عمرو بن ربيعة بن لحيّ بن حارثة فلما شب عمرو وساد وشرف وعاش ثلاثمائة سنة وبلغ عدد ولده وولد ولده في حياته الف مقاتل بمكة، وفي العرب من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده في الجاهلية. وهو الذي قسم بين العرب حكمة حكموها عشرة الآف ناقة. وكان قد اعوز عشرين فحلا، فكان الرجل في الجاهلية،إذا ملك ألف ناقة فقأ عين ابله، وكان قد فقأ عين عشرين فحلا. وكان أول من أطعم الحاج بمكة سدائف الابل ولحماتها على الثريد، وعم في ذلك السنة جميع العرب. وكان ذهب شرفه في العرب كل مذهب.
وفي هذه القصة يقول عمرو هذا بن ربيعة لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر اشعارا كثيرة، وكلمات طويلة كتبنا منها ما ندل على هذه الصفة:
ونحن ولينا البيت من بعد جرهم ... لنمنعه من كل باغ وظالم
ونمنعه من كل شيء يريده ... فيرجع عنا مرجعا غير سالم
ونحفظ حق الله فيه بجهدنا ... ونمنعه بالحق من كل آثم
وكيف يريد الظلم وفيه ربنا ... بصير بأمر الظلم من كل غاشم
فوالله لا ننفك نحفظ حقه ... ونعمره ما حج أهل المواسم
ونحن نفينا جرهما عن بلادها ... إلى بلد الافيال أهل المكارم
" في شعر طويل ".
فكان عمرو يلي البيت وولده من بعده خمسمائة سنة، حتى كان آخرهم خليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو. فتزوج إليه قصي بن كلاب ابن مرة ابنته حتى نبت خليل، وسنأتي بقصتهم إن شاء الله.
ولم أدع أن أفسر سبب رجوع سدانة البيت إلى قريش. إذا كان ذلك يقتضي ما قد أوردته وشرحته ليقف عليه من لا يعلم صحته. كان سبب ذلك ان رزاح بن ر بيعة العذري، كان أخا قصي بن كلاب لأمه، فلما همت كنانة تقتل قصي بن كلاب، وانتزاع ما في يده وطرده واذلاله. استنجد اخاه رزاح بن ربيعة العذري، واستصرخه، فانجده رزاح في خيل كثيرة من فرسان اليمانية من الشام، وأجاب دعوته، فقتل رزاح كنانة وأفنى جموع العدنانية، واستأصل شوكتهم وأبادهم وجمع لأخيه قصي قومه. فلما شدد أمره، وشد عضده، وادرك له رغمه، أراد رزاح الارتحال فخاف على أخيه قصي غائلة كنانة، وأن تعاوده الحرب إذا هو فارقه فخطب رزاح لاخيه قصي، إلى الخليل بن حبشية الخزاعي، وهو يومئذ سادن البيت ليمنع قصيا بخزاعة، ومنعتها من كنانة، إذا أرادت بقصي كيدا. فزوجه خليل ابنته حتى ولدت لقصي: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي بن قصي بن كلاب.
стр. 233
ووقع بمكة رعاف شديد، ووباء، فأخرج خليل ولده من بطن مكة إلى مر الظهران، فرارا من الوباء، فارتحلوا عنه، وتخلف خليل مفردا مع ابنته " حتى "، زوجة قصي. فمات خليل في ذلك الوباء بعد أولاده الذكور، فأوصى إلى ابنته " حتى "، ودفع إليها مفاتيح الكعبة. وقال: إذا رفع الله هذا الوباء، ولم يبق داء فابعثي إلى اخوتك، فادفعي إلى اخوتك هذه المفاتيح اليهم ليكونوا مكاني، ولتبق سدانة البيت فيهم. وأكد عليها العهد ووثق بها بوفائها. فلما وصل وصارت المفاتيح إلى " حتى "، طال التناحي باخوتها عن البيت، حذر الوباء.
قال قصي لعبد الدار، ولده، وهو ابن حتى، وكان أكبر ولده: لو سألت أمك ان تصير إليك مفاتيح الكعبة، فتكون في يدك، فإذا رجع أخوالك، اخوتها، رددت ذلك اليها فسلمته إليهم. فسألها ولدها عبد الدار، ففعلت له وأجابت ولدها فدفعت المفاتيح اليه، وهو عبد الدار بن قصي بن كلاب.
فلما ارتفع الداء. ونجم الوباء. عاد بنو خليل بن حبشية، يطلبون إلى أختهم المفاتيح، فامتنع بها قصي، وأولاده، فثبت في ايديهم غدرا لا غلبة يد ولا حق، على ما شرحت لك من أمرها إلى اليوم. وفي ذلك يقول زهير بن خداس العامري في منافرة حرب، بين قومه وبين ولده قصي:
بصهركم في لحيّ كعب بلغتم ... سدانة بيت الله غدار بلا غصب
فما نلتموها باغتصاب فتفخروا ... ولا جرأة الا بصهر بني كعب
ولولا رزاح في كتائب قومه ... لكنتم عبيدا بالصفاح لدى الشعب
ولولا الإطالة لتقصيت الحديث والشرح، ولجئت بما يدلك زيادة على ما أوردت، لكن حذر الإطالة، اوردت هذه اللمع، وان جاء في هذا الكتاب تكرير لهذه الاقاصيص أعدتها وشرحتها ان شاء الله.
٣ - خبر مسير الأزد حين أخرجهم سيل العرم وتفرقهم في البلاد
قال: ثم أن الأزد لما خرجوا من جنتي مأرب حين احسوا سيل العرم، وساروا في مسيرهم ذلك، حتى وصلوا إلى مكة وبها يومئذ جرهم بن قحطان. وكان من امرهم ما قصصناه، فأقامت الأزد بمكة حتى أتتهم روادهم، فعند ذلك افترقوا من مكة فرقا، كما ذكرناه في أصل القصة. فكان كل فرق منهم في أرض وبلاد ز فمنهم من نزل السروات. ثم افترقوا من السروات. فسار بعضهم إلى عمان، وأقام منهم من أقام بالسروات، ونزل بعضهم السهل. ومنهم من تخلف بمكة، وما حولها. ومنهم من سار إلى يثرب. ومنهم من خرج إلى العراق.
وسار ثعلبة وجفنة إبنا عمرو بن عامر، ومن بقي من إخوتهم وقومهم، فنزلوا بالمشلل نبين قديد والجحفة، على ماء يقال له غسان، فاقاموا به زمانا، فسموا بذلك الماء غسانا. وقد ذكرنا الاختلاف في تسميتهم غسانا في موضع قبل هذا. ثم انهم نهضوا من بعد ذلك حتى لحقوا بأرض الشام: وكان منهم ملوك غسان بالشام وكان من أمرهم ما قد ذكرنا، قبل هذا.
وكان نزول غسان الشام، في عهد عيسى بن مريم، ﵇، وأن غسان إنما نزلت الشام، بعد مسير الأزد من مأرب ونزول الأزد في البلدان، من نزل منهم بالسراة، وعمان، وبطن مرّ ويثرب، والعراق.
وقال بعضهم ان الأزد خرجت من مأرب، ومعها قضاعة، افترقت، فنزل وادعة بن عمرو بن عامر أرض ضوار، فصاروا مع همدان. ونزل عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد شمام، وشردد، ومرد، وهذه أرضون من تهامة على ساحل البحر. ثم سار الباقون من الأزد حتى نزلوا الناصف من أبيدة، وهو واد فيما بين نجد والسروات في سند جبل السراة، وهو احد مجامع شتوة اليوم، الذي يجمعهم فيه المصدق.
وافترقت الأزد من أبيدة، فرقا ثلاثا: فسارت فرقة منهم، ومعهم مهرة بن جيدان بن عمرو بن الحاف، وقضاعة بن مالك بن حمير، ومالك وعمرو ابنا فهم تيم الله بن أسد بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن الحاف بن قظاعة، في قبائل قضاعة ومن استجمع معهم من اليمن، وقد ملكوا عليهم مالك بن فهم الأزدي، فسار بهم مالك بن فهم على اليمانية. ثم سار بهم على برهوت، وهو واد بحضرموت، ثم جنب الخيل وامتطى الابل، وجعل على مقدمته ابنه هناة بن مالك في ألفي فارس من صناديد الازد وفرسانهم، وجعل يجد السير حتى انصب على عمان في طريق الشحر، وقد تخلفت مهرة فنزلت ارض الشحر.
стр. 234
وتقدم مالك بن فهم الأزدي، في قبائل الأزد. ومالك وعمرو ابنا فهم ابن تيم الله نوقضاعة حتى وردوا إلى ارض عمان. وانما سميت عمان لأن منازلهم كانت على واد لهم بمأرب يقال لع عمان، فسموها به.
وفرقة من الأزد، أقامت بموضعها، فنزلوا السروات من الجبل، وبعضهم نزل السهل. وأقامت معهم قبائل قضاعة. منهم نهيد، وسعد، وهديم بنو زيد بن ليث بن سود بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير.
ومنهم حزم بن ريان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وولده الثلاثة: مالك بن حزم، وجدة بن حزم، وباجية بن حزم. ومن ولد ولده راسب بن الخزرج بن جدة بن حزم. فأقاموا في السهل، مع من أقام به من قبائل الأزد.
ونزل سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر، جبل بارق، وتبرق، فسمي بارقا. ونزل معه ابن اخيه مالك بن عمرو بن عدي بن حارثة ابن عمر بن نجران، وهم من بني الحارث بن كعب بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر. وقد كانت بنو الحارث بن كعب قبل ذلك، عند خروجهم من الجنتين، قد سكنوا نجران، فدخلوا في مدجج، وانتسبوا فيهم، فهم يعرفون بني الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن مدجح، وهم ساكنو نجران.
وفرقة من الأزد، توجهت قبل مكة، فانخزعت عنهم خزاعة، فنزلوا مكة، وبطن مر. فأقاموا بهذه البلاد زفسموا خزاعة. فاقام بها حارثة، وهو خزاعة بن عمرو بن عامر، وهو الذي ولي أمر مكة نوحجابة الكعبة. وولد له ربيعة، وهو الملقب لحيّ وأقصى، وكعب، وعدي. ولي من بعده أمر مكة وسدانة البيت إبنه ربيعة لحيّ البيت.
ومضى الباقون، وهم آل جفنة، من غسان، سار بهم ثعلبة بن عمرو ابن عامر فنزل على ماء يقال له غسان بين قديد والجحفة. واقاموا بها زمانا، فسموا بذلك الماء غسانا. وهو بالمشلل. ثم سار بهم ثعلبة بن عمرو بن عامر حتى نزل بهم أرض الشام. وعظم شأنه. ومنهم كانت ملوك آل جفنة من غسان بالشام. وقال قوم بل سموا غسانا بماء كانوا ينزلونه بجنتي مأرب، يقال له غسان. وكانت بنو مازن بن الأزد ينزلونه دون إخوتهم، وبني أمهم من الأزد. وكان الرجل من الأزد، وغيرهم إذا جاء يطلبهم الأمر، قال: أريد غسانا. فاستمرت تسميتهم بذلك. وقد ذكرت هذه الاختلافات فيما تقدم من نسب غسان، قبل هذا.
ثم ظعنت عنهم الاوس والخزرج، ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر. امهما قيلة بنت عمرو بن جفنة بن عمرو بن عامر. فنزلوا يثرب. وقال بعضهم بل امهما قيلة بنت كاهل بن عمرو بن سود بن اسلم بن عمرو بن الجاف بن قصاعة. فلما اكرمهم الله بنصر نبيه محمد صلى الله عله وسلم وسماهم الله انصارا فصار اسما ونسبا.
واقام مع الاوس والخزرج، آل المحرق، وهي رهط القطيون عامر بن عامر بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الحارث المحرق بن عمرو بن عامر. فنزلوا معهم يثرب.
واقام ايضا مع الاوس والخزرج، ابنا حارثة بنو الاصم بن ثعلبة بن جفنة وهو الحارث بن عامر. ومضى الباقون إلى الشام، فنزلوا اذرعات، وقر الثنية، " أو في نسخة الثنية "، ومن ارض دمشق فهم غسان وغسان نحو الشام. وقد قال حسان بن ثابت الانصاري.
واما من سكن العراق من الازد فجذيمة الابرش، وهو الوضاح بن مالك بن فهم ومن كان معه بالحيرة من غسان، ومن آل محرق، فملكوا امرهم جذيمة الابرش. فسار بهم حتى نزل السواد. فملك الحيرة والعراق، وشطي الفرات ستين سنة، وتجبر وعظم شأنه. وقتل دارا بن دارا ملك الفرس، وكان من امره ما كان، وهو رب العصا. والعصا اسم فرس كان مشهورا. وهو الذي قتل الزباء. وغلب على ملكها. والجأ الزباء إلى طرف من مملكة ابيها، لغلبته اياها على كثرة ممالكها. وكان ابو الزباء ملكا بالشام، فقتله جذيمة، وذلك قبل غلبة غسان على لشام وقتلهم من كان من امره. وامر الزباء، وقد ذكرناه في موضع بعد هذا عند ذكر جذيمة.
ومضى الباقون من الزد، حتى نزلوا البحرن، وحجر اليمامة. ثم ترحل عامتهم ولحقوا باصحابهم الذين ذهبوا من قبل لبشحر إلى عمان، ومعهم قضاعة بن جشم بن جلوان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وعايد بن حلوان، وهما في الغير من غسان.
ونزلت ثمالة، وابو ثمالة عوف بن اسلم بن احجر بن كعب بن الحارث بم كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد، فأقامت بأرض نجد إلى الطائف منقطعة عن السروات. وبين ثمالة والسروات قبائل من عيلان.
стр. 235
واما من نزل عمان من الازد، وكان اول من لحق بها منهم، مالك بن فهم الازدي، فيمن تبعه من ولده وقومه الازد، وغيرهم، من احياء قضاعة. ثم لحقت به قبائل الازد من بعد طريق البحرين. وكان قد حدثنا خالد بنخداش، عن اشياخه. قال: لما أغرق مأرب سيل العرم، مضت قبائل الازد يرتادون منزلا، فنزلوا بمكان يدعى ذا الاراك وبهم سمي ذلك، وذلك ان ابلهم كانت اوارك، فبعرت به فانبت الاراك. ثم ساروا من ذي الاراك يرتادون حتى نزلوا موضع حجر في اليمامة. وحجر عمران بن عمرو بن عمر وانما سمي حجرا باسم حجر اليمامة لانه ولد به، ثم انهم استوخوا منزلهم، فارسلوا روادهم في لبلاد، فأتوهم حامدين للبحرن، واصفين لها بالخصب، فساروا اليها فنزلوها واستوخموها، ففرقوا روادهم يرتادون منزلا فأتوهم فخبروهم عن ريف عمان وطيبها وعلايها. فساروا اليها، حتى لحقوا بملكهم، وهو إذ ذاك مالك بن فهم الازدي، ومن كان معه من الازد، فنزلوا معه بعمان إلى جانب شطها الشرقي وينتقل منهم إلى غيره.
فكان اول من خرج من الزد اللا عمان، ولحق مالك بن فهم، عمران ابن عمرو بن عامر ماء السماء. وعمران هم جد العتيك. وخرج معه ابناه الحجر والاسد أبناء عمران بن عمرو مزيقيا بن ماء السماء. ولقام بنو عقب بن ثوبان بن سهيل بن عمران بالسراة.
قال: وكان سبب خروج عمران بن عمرو بن عامر إلى عمان، انه كان قد غضب على بني عمه بني مازن بن الازد، ففارقهم، فلحق بعمان، ففي قصة يقول الملتمس في شيء كان بينه وبين قومه:
كونوا كعمران لم يسكن بمسكنه ... فقال ضيق وحسن شانى رصد
شد المطية بالانساع فانتطغت ... نحو البسيطة حتى مسها النجد
وكأن ارض عمان بعد مسكنه ... من بعد ضيق يكون رحبه بلد
ان الهوان حمار الذل يعرفه ... والمرء ينكره والحسرة الاجد
ولا يقيم بدار الذل يعرفها ... الا الحمار حمار الاهل والوتد
هذا على الخسف مربوط بزمته ... وذا يسح ولا يبكي له احد
ينوي عمان على بعد فاحمدها ... من بعد ضيق فكان الرحب والبلد
وكان من خرج الىعمان، وسكنها من بعد عمران، قيس وهنيل، أبناء ثوباء بن سهيل بن عمران. والحجر والاسود ابنا عمران، ككما ذكرنا فقبائل الحجر بن عمران: عود بن سود بن حجر، واياد بن سود، وعبد الله ابن اسود، وعلي بن اسود، وطاحية بن اسود. فهؤلاء بنو سود بن الحجر بن عمران. ومنهم زهران بن الحجر، وهداد بن زيد مناة بن الحجر.
وقبائل الاسد بن عمران: العتيك بن الاسود، وبنو الحارث، وهو ابو وائل بن الاسد وبنو ثعلبة بن الاسد، وبنو سلمة بن الاسد بن عمران. فكان بعد ذلك العتيك بن الاسد، سيد ولد عمران، ورئيسهم. وامه هند بنت سامة بن لؤى بن غالب. ثم خرجت الربعة. واسمه ربعة بن الحارث بن عبد الله بن عامر بن الغطريف، واخوته من بني الحرث بن عبد الله.
وخرجت مدلاس بن عمرو بن عدي بن حارثة بن عمرو مزيقيا، فدخلت في هداد علىنسب فيهم. ثم خرجت عرمان بن عمرو بن الازد. ثم خرجت اليحمد بن حمى، واسم حمى عبد الله بن عثمان بن نصر بن زهران. ثم خرجت بنو غنم بن غلب بن عثمان، وبطونها جذيمة بن غنم، وسعد بن غنم. ثم خرجت الحدان، واخوتها زياد، وهو الندب الاصغر، وبالسراة منهم كثير، ومعولة ونحو بني شمس بن عمرو بن غانم بن عثمان. ثم خرجت الندب، وهو الندب الاكبر، ونكل بن الهنى بن الهور بن هنو بن الازد، فدخلت الندب في بني غالب بن عثمان، فقالوا الندب بن غالب، وخرجت الضيق بن عمرو بن الازد، فدخلت في عبد القيس بن غالب، فانتسب منهم. وخرجت ناس من بني غامد بن عببد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الازد. وخرجت ناس من خوالة.
فخرجت هذه القبائل كلها على راياتها، لا يمرون باحد الا اكلوه. فساروا إلى عشائرهم الازد بعمان، حتى نزلوها واقتطعوها. فملأوها، واقاموا في بلد ريف، وخير واتساع.
وقال، وسسمت الازد عمان عمانا، لأن منزلهم كانت على ود لهم بمأرب يقال له عمان فشبهوها به. فسموها عمان. وتسمى بالفارسية مزون. وفيها يقول بعض العرب:
стр. 236
ان كسرى سمى عمان مزونا ... ومزون يا صاح خير بلاد
بلدة ذات مزرع ونخيل ... ومراع ومشرب غير صاد
قال، ونزلت قبائل الازد تنتقل إلى عمان، حتى كثروا بها، وقويت ايديهم واشتدت شوكتهم، وتظاهر بعضهم إلى بعض. لم نذكر من مصاهرتهم ومناسبتهم شيئا لطوله. ثم انهم ملأوا عمان فانتشروا منها حتى نزلوا البحرين، وهجر، وفي ذلك يقول شاعرهم، وهو عامر بن ثعلبة، حين نزلوا عمان:
ابلغ ابيدة اني غير ساكنها ... ولو تجمع فيها الماء والشجر
ولا اقيم بذي الاحقاف من طربى ... كما تروح إلى اوطانها البقر
ولا اقيم بقملى لا افارقها ... كما يناط بخنب الراكب العمر
من بارض عمان سادة رجح ... عند اللقاء وحي دارهم هجر
فالازد، اول من نزل بعمان من العرب، بعدهم سائر الناس. وذكر آخرون ان نزار كثرت بناحية البحرين.
اولاد مالك بن فهم
١ - سليمة بن مالك
" خروجه وولده " حديث سليمة بن مالك بن فهم حين قتل اباه وخروجه إلى ارض فارس وكرمن وما كان من شأنه قال مكان من حديث سليمة بن مالك بن فهم الازدي، وقتله اباه ان اباه مالكا لما استولى على ملك عمان والعراق، وحاز اطرافها وما حولها، كان بنزل ما بين شط عمان إلى ناحية اليمن وكان ينتقل إلى ناحية اخرى. وكان بينه وبين ملوك اليمن تنافس وتحاسد. إلى ان طمع احدهما في ملك الاخر. وقد اختلفت الرواية في ذلك.
وكان مالك بن فهم قد جعل على اولاده الحرس بالنوبة، في كل ليلة على رجل منهم مع جماعة من خواصه وامنائه من قومه الازد. وكان احظى ولد مالك اليه واقربهم، ابنه سليمة. وهو اضغر ولده. فحسد اخوته مكانه من ابيه، وجعلوا يطلبون له زلة عند ابيه وقومه. وكان مالك يعلم سليمة في صغؤه الرمي بالسهام إلى ان يعلم وكبر، واشتد عضده، فكان يحرس كأحد اخوته بالنوبة. وان اخوته لما بلغ حسدهم له مكانة عند ابيه، واقبل نفر منهم إلى ابيهم. فقالوا: يا ابانا انك قد جعلت على جماعة اولادك الحرس بالنوبة، وما احد منهم الا قائم بما يليه، ما خلا سليمة، فانه اضعف همة، واعجز منه، وانه إذا جنه الليل في ليلة التي تكون نوبته من الحرس يعتزل عن فرسان قومه، ويتشاغل بالنوم والغفول عما يلزمه، فلا يكون لك فيه كفاية ولا معني.
وجعلوا يوهنون أمره عند أبيه، وينسبونه إلى العجز والتقصير. فقال لهم مالك: إنكم لكذلك، وما أحد منكم الا وهو قائم بما يليه. واما قولكم في ابني سليمة بما قلتم، فليس هو كذلك وان ظني فيه كعلمي، ومذ لم تزل الاخوة يحسد بعضهم بعضا لإيثار الآباء بعضا دون بعض. فانصرفوا من عنده راجعين بغير ما كانوا يأملون في أخيهم سليمة.
ثم ان مالكا دخله الشك فأسر كل منهم ذلك في نفسه. إلى ان كانت الليلة التي كان فيها نوبة إبنه سليمة. وقد خرج سليمة في نفر من فرسان قومه يحرسونه في العادة، إلى ان جنهم الليل. ثم اعتزل عنهم المكان الذي يكمن فيه بقرب دار ابيه.
فبينما هو كذلك، إذا أقبل مالك بن فهم من قصره في جوف الليل، س مختفيا من حيث لا يعلم به أحد، قاصدا، يريد ابنه سليمة إلى ذلك الموضع، لينظر انه كما القى اليه ولده عنه ام لا. وكان سليمة في ذلك الوقت قد لحقته سنة، فأغمض على ظهر فرسه، وهو متنكب كتانته، وفي يده قوسه، وهو على ذلك الحال إذا اقبل مالك بن فهم في سواد الليل قاصدا نحوه فحسب الفرس حس مالك ورأت شخصه من بعيد وهو متنكر، فصهلت الخيل. فانتبه سليمة من سنته تلك مذعورا. ونظر إلى الفرس وهي ناصبة أذنيها نحو شخص مالك وحسه، ففوق سهمه في كبد قوسه، ويممه نحو شخص مالك وهو يعلم أنه أبوه.
فسمع مالك صوت السهم، وقد حشق في القوس حين أرسله نحوه. فهتف به: يا بني لا ترم أنا أبوك. فقال سليمة يا أبت قد ملك السهم قصده. فارسلها مثلا. فأصاب السهم مالكا في قلبه، فقتله. فقال مالك حين أصاب السهم من ابنه سليمة هذه القصيدة، ونعى نفسه فيها إلى القبائل بأرض اليمن وذكر مسيره الذي ساره من أرض السراة، وخروجه من برهوت إلى عمان، وما كان من شأنه:
ألا من مبلغ أبناء فهم ... بمالكه من الرجال العماني
стр. 237
وبلغ منبها وبني حنيس ... وسعد الله ذي الحي اليماني
ومن أمسى بحي بني صريح ... إلى حرس وحي بني عدان
ومن حل الثنية من كلاع ... إلى بطن المناقب والمثان
بلاد قد نأى عنها مزاري ... وجيران المجاورة الأدان
بغته الدار من أبناء فهم ... ومن أبناء دوس والقنان
قتلت محرقا وحميت نفسي ... وراغمت الاعادي من اسان
وفي العرنين كنا أهل عز ... ملكنا بربرا وبني قران
جلبت الخيل من سروات نجد ... وواصلت الثنايا غير وان
صددنا قومنا الادتيت قدما ... لدى بطن المبالغ والدعان
بها عمران من اولاد عمرو ... ونسوتها ذوا النسب الأوان
وسرنا بين احقاف ورمل ... وغلفات تعاطاها بنان
وأودية بها نعم وشاء ... يردن الماء تنزحه السوان
به اولاد ناجية بن حزم ... وأوباش من الأمم الغوان
حلبت الخيل من برهوت شعثا ... إلى قلهات من أرضي عمان
قتلت بها سراة بني قياد ... وحاميت المعالي غير وان
وفي الهيجاء كنا أهل بأس ... قتلنا بهمنا وبني كران
لقينا خيلهم عند التعادي ... بابطال المرازبة الدعان
يؤمون الذرى والخيل تترى ... بفرسان اللقاء كجن عان
فصالت فهم الأملاك فيهم ... بمرهقة تحل عرى المتان
نصفناهم فنصف الخيل قتلي ... ونصف في الوثاق وفي القران
ثأرنا الملك يوم بني قياد ... وبهمن والمنايا في العيان
فأضحت بهمن وبنو قياد ... موالينا حيارى في الرهان
فامتعناهم بالمن عفوا ... وجدنا بالمكارم والأمان
وجزت مملكا قطري عمان ... وقدت الهبرزي مع كل عان
نكحت بها فتاة بني زهير ... وخودة بنت نصر الأسودان
وجعدة بنت حارثة بن حرب ... من الخور المحبرة الحسان
وأم جذيمة وهناة بكر ... عقيلة من ذرى العرب الهجان
ومعن والعميقي ثم عمرو ... وحارث منهم ذرب اللسان
شربت الماء من قطر عمان ... فلم ار مثل ماء البيذحان
جزاه الله من ولد جزاء ... سليمة انه ساحي جزان
اعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
توخاني بقدح شك لبي ... دقيق قد برته الراحتان
فأهوى سهمه كالبرق حتى ... أصاب به الفؤاد وما اتقاني
الا شلت يمينك حين ترتمي ... وطارت منك حاملة البنان
فلما مات مالك بن فهم، أنشأ ابنه هناة بن مالك يرثيه ويقول شعرا:
لو كان يبقى على الأيام ذو شرف ... لمجده لم يمت فهم وما ولدا
حلت على مالك الأملاك جائحة ... هدت بناء العلا والمجد فانقصدا
إذا جذيمة لا تبعد ولا غلبت ... به المنايا وقد أودى وقد بعدا
لو كان يفد البيت العز ذو كرم ... فداك من حل سهل الأرض والجلد
يا راعي الملك أضحى الملك بعدك لا ... تدري الرعاة أجار الملك أم قصدا
قال، فلما رأى سليمة أنه قد قتل أباه، خاف إخوته على نفسه، فاعتزلهم. وأجمع أمره على الخروج من بينهم. فسار اليه اخوه هناة بن مالك، في جماعة من وجوه قومه من الأزد. واجتمعوا اليه، وكرهوا عليه الخروج، وكان أكثر أوقاته متخوفا من أخيه معن بن مالك.
فقال سليمة: اني لا أستطيع المقام بينكم، وقد قتلت أبي، وكان ذلك سبب حسد اخوتي لي، ويأتي من معن ما أكره، فاخاف ان يغتالني، في بعض سفهاء قومه. فناشدوه الله والرحم، لما أن يرجع عندهم. وضمن هناة عنه بتسليم الدية من ماله إلى أخيه معن، دون سائر ولد مالك. وأعفوه عن القود. فقبل ذلك منهم ورجع معهم.
стр. 238
وسلم هناة عنه الدية من ماله، ووفى له بما عهده، وطمع أن يصلح ذات بينهن. فكان هناة أرأف ولد مالك، وأسيدهم سيرة في إخوته وقومه. ثم ان معنا خلا زمانا لا يتعرض لسليمة بمكروه. إلى أن أكل الدية من يده. ثم انه جعل يطلب غفلة سليمة ويبايع عليه سفهاء قومه بحيث لا يعلم به من اخوته قومه، وبلغ ذلك سليمة فأقسم أنه لا أقام بأرض عمان.
وقد بلغه من معن، ما بلغه من العذل، فاعتزل اخوته، وأجمع رأيه على ركوب البحر. فخرج هاربا في نفر من قومه. وقطع البحر حتى وصل بأرض فارس وكرمان، لذلك السبب. فلما رأى أخوة ثعلبة بن مالك، اعتزل أخوته، وخرج مراغم عند اخواله، من تنوخ. فصار فيهم، وسارت تنوخ بأجمعها، حتى لحقت بجذيمة الابرش بن مالك بن فهم، وهو يومئذ ملك الحيرى. ثم انتشروا من بعد ذلك إلى الشام والجزيرة فتفرقوا بها، وهم إلى الآن كثيرون هناك. فولد ثعلبة بن مالك بن فهم الازدي في تنوخ إلى اليوم. وقد ذكرنا قصته فيما تقدم فمن ولده: القفص، وهم أصحاب كرمان، والمتوجات. غير ما تفرق منهم بأرض فارس وجزائرها، ورجع منهم إلى عمان.
وقد ذكر بعضهم، أن سليمة بن مالك، لما قدم أرض فارس كان أول موضع نزل فيه من ساحل البحر، بر، جاشاه، وانه تزوج امرأة منهم من قوم يقال لهم الاسفاهية، فولدت له غلاما فولده منها يسمون بني الاسفاهية، نسبوا إلى امهم. وأن سليمة بينما هو ذات يوم بين حاشيته، إذا ذكر أرض عمان، وانفراده عن اخوته وقومه، وما كان فيه من العز والسلطان فأنشأ يقول:
كفى حزنا أني مقيم ببلدة ... أخلائي عنها نازحون بعيد
أقلب طرفي في البلاد فلا أرى ... وجوه أخلائي الذين أريد
ثم أنه رحل من برجاشاه، حتى نزل إلى ارض مكران. فأقام بها عند ملوك بعض اهلها، وانتسب اليهم. وقال: إني رجل من أهل بيت كان لنا الملك في العرب وكان لأبي عدة من الولد، وكنت أنا أقربهم اليه وأحبهم، فحدسني أخوتي مكاني من أبي، وكان ذلك سبب قتل أبي على يدي. ثم انه أخبرهم بقصته وأمره، وقال: إني قدمت إلى هذه البلاد مستجيرا بأهلها، ومستعديا بهم، وقد رجوت الله ان يمن علي بجوارهم، ويشد ازري بمكانهم.
فلما انتسب إلى أهل مكران، وعرفهم قصته، وما كان من أمره، س عرفوه وتبينوا موضعه، ومكانه، وشرفه من آبائه وقومه. فأنزلوه وأكرموه واعجبهم ما رأوا من فصاحته وجماله، وكمال أمره، فرفعوا قدره، س واكرموا منزلته، وزوجوه بإمرأة من كرائم نسائهم.
ويقال ان سبب تزويجهم إياه أن سليمة لما قدم إلى أرض كرمان، وانتسب إلى أهلها وملوكها، س وعوفوا موضعه وشرفه من آبائه وقومه، أرادوا أن يزوجوه بامرأة من بنات ملوكهم. وكان الملك إذ ذاك على أرض كرمان، حين قدم سليمة إلى أرضهم، بعض ولد دارا بن دارا بن بهمن. وكانوا قد كتموا مجيء سليمة وقدومه عليهم مخافة ان يعؤض له سبب ما كان من أبيه، مالك بن فهم، وأخيه جذيمة الأبرش، إلى ملوك فارس، وكان ملكا جبارا كثير العسف والظلم لأهل مملكته وقومه. وكان قد بلغ من أمره، أنه ما زُفَّتْ عروس على بعلها، حتى يؤتي بها إليه فيصيبها قبله، وإلا قتل بعلها، وبدد أهلها. فكان ذلك دأبه في أهل كرمان إلى أن قدم عليهم سليمة بن مالك فرأى ما صنع الملك عندهم، وشكوا عند أمره وحكوا اليه قصته، وما يصنع عندهم في آبائهم، وما يلقون منه من العسف والظلم، فانهم لا يتوصلون إلى دفعه بحيلة من كثرة حرسه وحجابه ومنعته.
فقال سليمة: وماذا لي عليكم ان انا كفيتكم أمر بأسه، وارحتكم من سلطانه؟ قالوا: وأَنَّى لك ذلك، ولم يرمه أحد من أهل العز والسلطان ممن كان قبلنا؟!! فقال سليمة: تدبير الأمر في ذلك عليّ، فماذا لي عليكم.
قالوا: ما شئت.
قال: فإذا اردتم ذلك فيجتمع إليّ من الغد أهل الوفاء والتقديم منكم قالوا: نعم.
فلما كان من الغد اجتمع اليه عظماء أهل كرمان وأهل الوفاء منهم وجرى الكلام بينهم كما جرى بالأمس.
فقال سليمة: إن امكنتموني مما اشترط عليكم دبرت الأمر.
قالوا باجمعهم: لك ما شرطت، طلبت وسألت.
стр. 239
قال سليمة: على أنكم تصيرون ملكه وسلطانه، إن أنا أمكنني الله منه لي، ولعقبي من بعدي، دون سائر أهل كرمان. وعلى ان آخذ جميع غلاتكم وجباية جميع أموال كرمان، إلى ان أتمكن وأبلغ غاية مرادي، وأن انتخب لنفسي من جميع ما قدرت عليه من رجال العرب، ومن أجناس أهل كرمان، من أردت من الرجال، وان تزوجوني إمرأة من كرائم عقائل نسائكم.
قال: فأمسك القوم لذلك، ونكسوا لرؤوسهم ساعة، ثم أقبل بعضهم على بعض.
فقالوا: إن كان فيكم معاشر أهل كرمان من يقدر على هذه المعاني بدون هذه الشروط والمطلب، فليفعل. فسكتوا ولم يتكلم منهم أحد.
قال سليمة: فإني لا أستطيع إلى فعل ذلك إلا على هذه الشروط.
فعند ذلك ضربوا بأيديهم على يد سليمة.
وقالوا له: لك جميع ما شرطت وطلبت.
ثم أنهم بايعوه على قتل الملك، وأهل بيت الملك والسلطان. وهم قوم أمر الملك، ونظام ملكه وسلطانه. فلما كثر بغيه وظلمه لأهل مملكته كرهه الكل منهم.
فلما فرغوا من أمر البيعة، عمدوا إلى سليمة فزوجوه بإمرأة من كرائم بناتهم، وكل ذلك والملك لا يعلم بشيء من أمرهم. إلا أنهم أشهروا من ترويج المرأة باسم رجل من بعض أهل كرمان، ممن شهد البيعة. ولم يذكر اسم سليمة لئلا يعلم الملك بشيء من أمره.
وأن سليمة لما فرغ القوم من بيعتهم له وتزويجهم إياه، عاهدهم إلى ليلة معلومة ليكونوا يزفونه إلى الملك. وقال لهم: إذا عزمتم على ذلك فاشهروا أمر هذه المرأة إلى بعلها، حتى يبلغ ذلك الملك، ليكون متأهباً للتعريس. ثم إنكم اعهدوا إلي في خفاء من الناس، فالبسوني أنواع الحلي والحلل، وزفوني إلى بعلها. فإذا أنا صرت إليه، وأغلق الأبواب وأرخيت الستور دوني، وأمر الخدم بالانصراف، وأشرف علي، وتمكنت من ضربه بيدي على هذه السكين التي في حجرة سراويلي ووجأته بها فاستمسك في يدي، فإذا أنا ظفرت به، وتمكنت من حجابه وأهل حرسه، وسمعتم الصريخ، فبادروا إلي بأجمعكم في سلاحكم، وآلة حربكم، وأعينوني على ما حاولت وعاهدتموني اليه.
فقالوا: نعم.
فلما كانت تلك الليلة التي يريدون يزفونه إلى الملك، أشهروا أمر هذه المرأة إلى بعلها من النهار، ليعلم الملك بذلك، فيكون متأهبا للخلوة. وعمدوا إلى سليمى وهو إذ ذاك شاب، وكان جميلا حسن الوجه والهيئة، فألبسوه أنواع الحلي والحلل، وقد جدد سكينه وجعله معه في حجرة سراويله، وسار عنده النساء وأنواع الخدم والحشم، يزفونه بينهم، في هيئة المرأة، حتى انتهوا به إلى الملك.
فحين نظر إليه الملك، في الأشماع وضوء المصباح، وهو على تلك الهيئة والجمال، هاله منظره وما رأى من حسنه وجماله. وقد أقبل إليه يرفل في انواع الحلي والحلل، بين الخدم والحشم. فأعجب به، وتيقن أنه المرأة المهداة إلى بعلها. فأوما إلى النساء والخدم بالانصراف، فانصرفوا عنه. وأمر بالأبواب فاغلقت، ورخيت عليه الستور. وبقي هو وسليمة جميعا.
ثم أنه أهوى على سليمة ليقبله ويضمه إليه. فاسترخى سليمة متماثلا عليه حتى إذا تمكن منه أهوى على السكين في حجرة سراويله، فوجأ به الملك في خاصرته اثبتها فيه، ثم أردفه الثانية في لبته، فبعج بطنه. فخر الملك ساقطا على فراشه يخور في دمه خوار الثور.
ثم وثب سليمة من فوره ذلك فلبس درع الملك وبيضته وتقلد سيفه ونظر إلى الملك وإذا فيه رمق الحياة، فضربه بالسيف، فأبان رأسه عن جسده. وبات ليلته على تلك الهيئة، ولا يدري أحد ما عنده. وبات وجوه أهل كرمان، الذين بايعوا ليلتهم تلك في خوف ووجل، لا يدرون ما يكون من أمره.
فلما أصبح وثب إلى الأبواب ففتحها. وخرج إلى حراس الملك وحاميته، فشد عليهم. فلم يزل يجالدهم بسيفه ويقتل من لحق منهم حتى أباد عامتهم، وباب الدرب مغلق عليه وعليهم. ثم تصايح الناس وتهافتوا بالسلاح، ووقع الصريخ، وأقبل إليه جماعة وجوه أهل كرمان، أهل البيعة منهم، وغيرهم من أعوان الملك، في آلة حربهم وخيلهم وعددهم، فعندما أشرف عليهم سليمة من رأس الحصن، وعليه الدرع والبيضة، شاهرا لسيف الملك بيده وهو مخضب بالدم. وألقى اليهم جثة الملك ورأسه.
стр. 240
فلما نظروا إلي ذلك هالهم أمره واكبروا شأنه، واعظموه، وتحاجز الناس عنه، وسدّ بذلك، فأمسك عنه الجميع، وحمد اليه عظماء أهل كرمان والأشراف منهم، ممن كان بايعه على قتل الملك، فاستجاشوا اليه، وصوفوا إليه جميع الناس، وفرحوا بذلك فرحا شديدا، لما كان من عسف الملك وسوء سيرته فيهم. ثم انهم شدوا في رجل الملك حبلا وأمروا الصبيان ان يجروه ويطوفوا فيه شوارع كرمان وسككها.
ثم اجتمع العظماء والأشراف فتآمروا بينهم في تمليك سليمة اياهم وتسليم الأمر إليه دونهم. فاجتمعوا على ذلك ووفوا له بما بايعوه، وصرفوا اليه جميع الناس، واستقبلوه بالسمع والطاعة حتى استقر الأمر وتمهد. ثم أنهم اهدوا اليه عرسه، فابتنى بها. واستقام له أمر كرمان وملكها. فاستولى على جميع كورها وثغورها وأطاعه الجميع من أهلها، ومكنوه من أنفسهم وأموالهم، وأعانوه على جميع أمره.
فلم يزل أمره فيهم كذلك، إلى أن بغى بعضهم وحسدوه. وقالوا: إلى كتى يملكنا هذا العربي ونحن أهل القوة والمنعة والعز والسلطان. وجعلوا يتعرضون له في أطراف أعماله وناحية ثغره. فعند ذلك كتب سليمة إلى أخيه هناة بن مالك بعمان يستصرخه، ويطلب منه المعونة والمدد، أن يمده بخيل ورجل من فرسان الأزد وأبطالهم، يشد بهم عضده، ويقيم بهم أود من تعاوج عليه من العجم.
فأمده هناة بثلاثة آلاف من فرسان الأزد وأبطالهم بالعدد والعدة والدروع وحملهم في المراكب، حتى أوردهم إلى كرمان. فتحصلوا عند سليمة وأقاموا معه بأرض كرمان، فشد بهم عضده، وأقام بهم صَفّي من تعاوج عليه من العجم.
واستقام الأمر، وسياسة الملك. وفي هذه القصة يقول بعض أهل هذا العصر:
فنحن سلبنا الملك من آل بهمن ... على رغمهم قسرا بجدع المناسم
وكان لنا الملك الأكاسر قلبهم ... وكنا الذرى من مالك والقوادم
اليس الفتى الأزدي أسرى بغرمه ... إلى بهمن بالموبقات الحواتم
الم يخترمهم يوم بوس بسيفه ... ويصرم راس الأعوج المتفاقم
وأهدى بجيشه بعد ذلك يقوده ... إلى الحرب أبناء الليوث الخضارم
أمد هناة من أخيه بعسكر ... سليمة فاثبتوا كأسد ضراغم
ثلاثة آلاف كرام فروعها ... إلى القفص صارت بالعتاق الصلادم
فأسكنهم كرمان ليست بدارهم ... ثلاثون محصنا من ملوك أكارم
إذا سلت عنكم سليم بن مالك ... روت رؤوسكم عنها بفرس اعاجم
فلا أنتم منهم فيلزم خدمكم ... ولا من شريك في العلا والجراثم
قال: ولم يزل سليمة بن مالك بن فهم بأرض كرمان مستقيما، قد أذعن له أهلها، ويؤدون إليه خرجها، إلى أن اشتد ملكه، وقوي سلطانه. وولد له عشرة أولاد ذكور وهم: عبد بن سليمة، وحماية بن سليمة، وسعد بن سليمة، ورواحة بن سليمة، ومخاش بن سليمة، وكلاب بن سليمة، وأسد بن سليمة، وأسود ين سليمة، وعثمان بن سليمة.
ثم أن سليمة بن مالك، مات بأرض كرمان، فاختلف رأي ولده من بعده واضطرب أمرهم، ودخل الناس بينهم. وكان سبب زوال أمرهم، ورجوع الملك إلى العجم، حين وجدوا عليهم المدخل، لما كان من حسد بعضهم بعضا، فتغلبت عليهم الفرس، واستولوا على ملك أبيهم، فاضمحل أمرهم، وتفرقوا في أرض فارس وكرمان وجزائر فارس وأعمالها، وفرقة منهم توجهت إلى جبال عمان، فلحقت باخوالهم ويروى بإخوانهم.
فمن ولد سايمة؛ اصحاب جبال القفص من كرمان المتوجان، وأهل المربد، وبنو بلال، وآل الجلندي بن كركر. وآل الجلنديبن كركر والجلندي بن كركر هو جد الصفاق، ومن ولده ملوك هروا إلى اليوم.
وجمهور بني سليمة، بأرض فارس وكرمان، لهم بأس وشدة وعدد كثير وبعمان منهم الأقل.
ذكر ولد سليمة بن مالك بن فهم
стр. 241
قال: ولد سليمة بن مالك بن فهم عشرة رهط، وهم من قبائلهم وعرايفهم أيام المهلب وحربه للأزارقة، من حماية بن سليمة، وبنو مخاشن بن سليمة، عرافة وبنو سعد بن سليمة، عرافة وبنو عبد بن سليمة، عرافة، وهم الروادف لهم عدد كثير، كان لهم لمازة بن مشجعة السليمي، صاحب المهلب، الذي تقدم لمكاره الناس لقاء الخوارج. ومنهم ابو حمزة الشاري، واسمه المختار بن عوف بن يحيى بن مازن، وهو صاحب وقعة قديد. وملك الحرمين، وهو صاحب عبد الله بن يحيى الشاري الكندي، المسمى بطالب الحق، وكان وجه أباحمزة، المختار بن عوف بالعساكر إلى الحجاز، فغلب على مكة والمدينة، وكانت وقعة قديد حتى ملك الحرمين، ودخل المدينة وملكها وخطب على منبر النبي ﷺ ، خطبته العجيبة المشهورة. وكان منزله في عمان بقرية حجز من جنوب صحار.
ومنهم أبو حمزة الفقيه، واسمه ثابت بن أبي صفية، واسم أبي صفية ديثار. ومنهم الفضل بن يزيد، الفقيه، الذي يروي عن الشعبي. ومنهم بعد ذلك الشيخ ابة محمد عبد الله بن محمد بن بركة، العالم، ﵀. وهو العالم المشهور، والبليغ المذكور، صاحب الكتاب الجامع، وكتب التقييدات، ومسائل أصول الدين، وغير ذلك من مسائل الفروع الحرام والحلال، والكتاب المبتدأ في خلق السموات والأرض وما فيهن من الخلق. ومنزله من عمان بقرية بهلاء وهو حامل العلم عن الشيخ أبي مالك غسان بن محمد الخضر الصلاني وحمل عنه الشيخ ابو الحسن علي بن محمد البسيوي، رحمه الله تعالى.
ومنهم بنو صامت وجميعهو يسكن بحسا المنقال. منهم: ابو سليمان بن صامت، وبنو سعد بن صامت، وبنو حيان بن صامت، وبنو هانىء بن صامت. فمولد سليمان بن صلمت، محمد بن سليمان، وهو بيت المشايخ زمنهم، وداود بن سليمان، وعمرو بن سليمان، وعبد الرحمن بن سليمان وشكير بن سليمان وطاهر بن بنسليمان، وولد سعد بن صامت: المغيرة، والخليل، والمخاشن، وخشين.
فمن بني مخاشن: ابو حمزة المختار بن عوف بن عبد الله بن يحيى بن مازن ابن مخاش بن سعد بن صامت بن مخاشن بن سليمة بن مالك بن فهم.
وولد حيا نبن صامت: شكير، وزيد، وحمدي. وولد هانىء بن صامت: ابا تميم بن هانىء.
فأما محمد بن سلمان بن صامت، فمن ولده: اسحاق، محمد، واببراهيم، وعلي، وتمام بنو موسى بن اسحاق بن إبراهيم بن محمد بن حبش بن محمد ابن سلمن بن صامت. وهم بيت بنى سليمة اليوم بعمان. ولهم التقدمة والنجدة والسخاء. فمولد اسحق بن محمد بن اسحق بن محمد بن حبش بن محمد بن سلمان ستة رهط: موسى، ومحمد، وتماما، وعبد الملك، واحمد، وعبد الله بن اسحق بن موسى. فمولد موسى بن اسحق بن موسى لربعة نفر: المبارك، وعيسى، ومحمدا، وعليا. وولد عبد الملك بن اسحق بن موسى ثلاثة رهط: يحيى، وزكريا، وعيسى. وولد أحمد بن اسحق بن موسى بن إبراهيم بن أحمد أحمد. وولد عبد الله بن اسحق بن موسى غدانة بن عبد الله. فهؤلاء بنو اسحق بن موسى بن اسحق بن إبراهيم المتقالي.
واما محمد بن موسى بن اسحق بن إبراهيم، فمولد: مروان، وحبشيا، ومحمدا، وعليا، واحمدا. واما إبراهيم بن موسى بن اسحق بن إبراهيم، فولد ثلاثة: جابرا، ومحمدا، والحسن. فمولد محمد بن إبراهيم رجلا الحسن بن محمد.
ومن بني شكير بن سليمان بن عبد الله بن أحمد بن نسيم بن صخير بن حماة بن حديد بن هلال بن شكير بن سلمان بن صامت.
ومن ولد محمد بن حبش: محمد بن أحمد بن محمد بن عطارد بن محمد بن الحسين بن محمد بن حبش بن محمد بن سلمان بن مجيب بن الحسين ب جابر بن غريب بن يزيد بن محمج بن عيسى.
ثم من بني بلال: سليمان بن عبد الملك بن بلال. ويقال بلال بن حاضر بن سويد. وكان سليمان بن عبد الملك بن بلال سيدا وجيها في قومه من ولد مالك بن فهم، وكان يسكن مجز من قرية الباطنة، وله فيها مال ومساكن وهد في عمان وقائع كثيرة ايام اختلاف أهل عمان، وتقدم راشد بن النظر الفجمي اماما على الصلت بن مالك.
وكان سليمان بن عبد الملك قد شهد من جملة هذه الوقائع وقعة الروضة بتنوف في جماعة من قومه من ولد مالك بن فهم واسر بها في جملة - من اسر - وقتل فيها اخوه حاضر بن عبد الملك ب بلال في جماعة من قومه ونحوهم.
٢ - جذيمة الابرش بن مالك بن فهم وولده
стр. 242
قال: وولد جذيمة الابرش بم مالك بن فهم رجلا وهو عوف بن جذيمة لربعة رهط: جهضهم بن عوف، وجرير بن عوف، وانمار بن عوف، وولد انمار بن عوف بن جذيمة رجلا، وهو الجون ابن انمار بن عوف بن جذيمة.
فمن بني الجون بن انمار: فرازة بن عمران بن مالك ب بلال بن حارث اببن زرارة بن الجون بن انمار بن عوف بن جذيمة الابرش بن مالك بن فهم. وكان فرازة قد ولي مظالم البصرة. فقال فيه بعض الشعراء:
ومن المظالم ان تكون على المظالم يا فرازة
ومن بني الجون ابو عمران الجوني، والذي يحدث عنه جماز بم مالك بن فهم، فاما جماز بن مالك بن فهم، فاسمه زياد بن مالك. وملك جماز بن مالك هذا مائة وعشرين سنة. وكان ملكه عل معد وطوائف من اليمن. وهو الذي ذذكره الله تعالى في القرآن، وصف جنته فقال تعالى:) فقال لصاحببه وهو يحاوره (إلى قوله تعالى:) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا واحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما انفق فيها وهي خاوية على عروشها (فخرب الله جنته بكفره. وهو الذي يقول فيه العرب لانت اكفر من جماز.
قال: ولم يملك العرب قط ملكا كان اعظم كبرا ولا اقتل لمعد منه كان اذذا راى رجلا في معد دهينا حلق راسه، واذا رآه جميلا ضرب وجهه فاذا رآه متكلما هشم فاه. وكان هذا دأبه في معد.
وكان ملكه من بلاد العالية إلى جانب ايلة من الشام، فصار كفره في الناس حيث يقال: لانت اكفر من جماز. ولم تستطع معد ان تخرج من سلطانه. فسار جماعة من عدوان فدعى المستنير بن عمرو، ويقال المستحير بن عمرو الىى جماعة الازد إلى ما سأل واراد. وأنشأ يقول هذا الشعر:
إلى الله اشكو لا إلى الناس ... بوائق جاءت من جماز بن مالك
فيا معشر الازد الذين هم هم ... خيار عباد الله ترضون ذلك
لكم شيمة لم يعطها الله غيركم ... وحاجة احلام واصل مرابك
قهرتم معدا غثها وسمينها ... ملوكا لهم والقوم تحت السنابك
وكنتم خيار الناس ملكا وقدرة ... فكي فبهذا بينكم شر مالك
ثم ان العدوني اقام بعمان مع الازد في جوارهم، وخاف ان يرجعع إلى بلاده فيبلغ جمازا امره انه شكاه إلى اخوته وقومه من الازد فيعابه. فمولده اليوم في الازد.
هنة بن مالك بن فهم وولده
وولده فأما هناة بن مالك بن فهم سيرة واكملهم رأيا وجودهم مروءة. وكان من ولد مالك ما لهناة من هذه الخصال.
فملك هناة بعد ابيه وقام بتدبير الامر وسياسة الملك إلى ان مات وولد ثلاثة نفر: اسلم بن هناة، وجهمن بن هناة، وصائد بن هناة.
فمن بني هنة: عقبة بن اسلم بن نافع بن هلال بن ضهيان بن هراب ابن عائد بن اجود بن اسلم بن هناة بن مالك بن فهم. ومنه جناح بن عبادة بن قيس بن عمرو الهنائي، وهو اخو عقبة بن اسلم الهنائي لامه. وكان جناح بن عبادة قد قام في شهر رمضان، سنة سبع ومائة إلى عمان عاملا علها لابي جعفر المنصور.
وجناح بن عبادة الهنائي، وهو صاحب المسجد المعروف بمسجد جناح. وهو الذي داهن الاباضة واعانهم حتى صارت الولاية الاباضية بعمان. والوالي بها لبني العباس يومئذ محمد بن جناح بعد ابيه جناح بن عبادة الهنائي.
واشرف بني هاة بن مالك كثير ورأس الازد مهم بالبصرة وعمان وخرااسان رؤساء عدة، وكان منهم ثمانية عرفاء بنو بكر اسلم بن هناة عرافة وبنو كليب وتميم عرافة، بنو اسهم بل مجارب عرافة، وبنو عايد بن جرير بن اسلم بن هناة عرافة، وبنو عقبان بن بشير عرافة، وهذه عرائف بني جرير بن اسلم بن هناة عرافة، وبنو عقبان بن بشير عرافة، فهذه عرائف بني هناة.
كان منهم سهم بن معدان، قد رأس الازد، ثم سار بعده الحكم بن تعيب الهنائي. وفيهم بخراسان شدة كثيرة.
стр. 243
ومن بني هناة في الجاهلية عند ناتقالهم إلى عمان: ثعلبة بن بكر بن اسلم بن هناة، وكان ثعلبة اغار على أهل اليمامة في خيل من الازد، وهو إذ ذاك بالبحرين عند اتشارهم من عمان اليها، فأصاب نعما من نعم بني حنيفة، فكر راجعا. فلقيه قوم من بني عامر بن صعصعة فقاتله على ما في يديه فقاتلهم ثعلبة وصبرت معه فرسان الازد. فقتل عامرا ووهزيما ابنى قرط الجعدي من بني عامر، وكانا رئيسي الجيش وهما من القوم، وانهزمت بنو عامر، هزيمة لم ير اقبح منها، واسر منهم خلق كثير، وقتل في المعركة منهم ستمائة رجل.
فقالت نائحة بني عامر تبكيها وتعير قومها من بني عامر:
الا ياعين فابكي لي هزيما ... وعامر المخلف في القيام
هما حميا الذمار وقد اضعتم ... وشتان المصيع والمحام
فلولا مثل صبرهما صبرتم ... وكان الصبر من شيم الكرام
لقد قسمت سيوف الازد فيكم ... هوانا ما اقام أبناء شمام
فلا تدركوا بالثأر ثمل ... على جدباء خالعة الخطام
وقال ثعلبة بن بكر بن اسلم بن هناة في ذلك:
جلبت الخل من اكناف سرج ... إلى أهل الحواجز والكثيب
﴿بكل طوالة شطبا وطرف اقب مقلصى عند الجنيب
عليها كل اروع شمرى ... وفور الجاش ف اليوم العصيب
صبحت بها حنيفة وهي خوص ... كان زهاءها جفل الجنوب
فكان كلا ولا ما ابصروها ... وضلوا من قتيل أو سليب
فأصبحت السباع تجر لحما ... غبيطا من نفيرا أو نحيب
وملت بها هناك وهن خوص ... سواهم قد شفين من الدروب
فأبت بهجة خور صفايا ... كان جبينها رجع القضيب
وانكلت الفتى من آل قرط ... وكان فتى المعارك والشروب
ومن بني اسلم بن هناة: ربخة بن حارث بن عابد بن خوثر بن اسلم بن هناة بن مالك بن فهم. وكان ربخة بن حارث شربفا مطاعا، وانه وقعت بن بني حمام بن عبد رفد بن شبانة مالك بن فهم دماء، وان حارث بن كعب عبد الله بن حمام تحملها فكير فيها ماله فلم يف بحملها. فخرج مسترفدا لبني مالك بن فهم على ربخة بن حرب ب عابد الهنائي.
فقال: ان وقعت بين العشيرة دماء تخوفت فيها علهم فتحملها اصطلاحا للعشيرة واطفاء للنايرة. وقد بقيت على فيها بقية فايتتك مسترفدا أو مستعينا على بني مالك. فقال ربخة: اهلا بك وسهلا، كم بقى علك من حمالتك. قال عشرون ومائة الف درهم، فاعطاه. وقال: فعلي وقد اباحك الله منها، وخففت ظهرك من ثقلها، لا على عريك بها دون مالك. وقال عريك بن كعب الحمامي يذكر ذلك:
إذا ما قد حث بحمل ثقيل ... نحث المطى إلى ربخة
الىالضامن الدهر المتقى ... به زامة السنة الثرحة
تجده حمولا لاعبائها ... جواد العربة ذا شدخة
تخيرته من بني مالك ... عزيز النوال من همخة
يقيد العشار ويحمي الذمار ... غداة العوار له تنخه
فتى خل من مالك في الذرى ... نفاعا لقبلة سمحة
تبحبح في منتمى عزها ... فأضحى له فوقها دمحة
به يصلح الحق من مالك ... كما يصلح القوم بالرشحة
فخفف ظهري بإعطائه جراحين كرما به فتحه
وهبا النوال بكشف السؤال ... وكانت عطية الديحة
ساشكره ما سرى كوكب ... وما احتك عود من المرخة
وقال ربخة بن حرب في ذلك:
أتاني حرب حين ضاق بامره ... وقد اثقلت حربا دماء حمام
وتلف فيها ماله وسوامه ... فاصبح محربا بغير سوام
ينادي بأعلا الصوت يا ربخ انني ... تحملت غرما من ثقيل غرام
فنحن ونتم من ارومة مالك ... من النبع لا من جزوع وثمام
نمت بارحام لنا قد تواشحت ... وحق عظيم لأزم وذمام
فقلت له اهلا وسهلا ومرحبا ... كفيت بلا رجع يرجع كلام
ولبت داعية واني بمثلها ... نهوض إذا احملت غير كهام
стр. 244
بذلك اوصاني هناة وعايد ... وكل همم ينتمي بهمام
ومن بني هناة: غسان بن سعد الهنائي، من بني محارب. وهو الذي وقع بنزوي، ونهبها، وهزم بني نافع، وكانت الدائرة على بني نافع وبني هميم بعد ان قتل منهم خلق كثير، وذلك في شعبان من خمس واربعين ومائة.
ثم ان أهل إبراء من بني الحارث عصبوا لبني الحارث وكان مع بني الحارث من أهل إبراء رجل عبدي من بني بكرة، يقال له زياد بن سعيد البكري. واجتمع رأي البكري، ورأي بني الحارث على الفتك بغسان، فوجده قد وصل عائدا لرجل من بني هناة من بني ربخة، وكان مريضا فجلسوا له بين دار جناح بن سعد ودار غسان، بموضع يقال له الخور. فمر بهم وهو لا يشعر بمكانهم نفقتلوه عند المقصرة.
فغضب لذلك منازل بن حبش العابري، من بني هناة، وكان منزله بناء بموضع يقال له العقير، وكان عاملا لمحمد بن زايدة، وراشد بن النظر الجلندايين. فساروا إلى أهل ابراء على غفلة منهم، فلما أحسوا به برزوا اليه فاقتتلوا قتالا شديدا، ووقعت الهزيمة على أهل ابراء، وقتل منهم أربعون رجلا، ومنهم راشد بن شاذان بن غسان بن سعيد بن شجاع الهنائي من بني محارب، وهو الذي سار إلى، دما، فانتهبها، وقتل واليها قومه، وكان ذلك في أيام ولاية الامام غسان بن عبد الله الغجحي.
فوجه غسان بن عبد الله على آثارهم في طلبه، ومن كان معه من بني محارب من بني هناة، فلم يلحقوا. ثم ان راشد بن شاذان طرح بالرستاق على الفجح من البحر فأخذوا له امانا من غسان ولأصحابه.
ومن بني هناة الأهيف بن حماحم الهنائي، وكان رئيس بني هناة، وصاحب رأيهم، وشاهد في عمان حروبا كثيرة، وهو صاحب وقعة القاع والخيام، وكان معنيا فيها لعزان بن تميم الخروصي، وهو يومئذ إمام.
وقد خرج الحواري بن عبد الله الحداني السلوتي، والفضل بن الحواري السامر، ومن كان معهم من النزارية وبني الحارث، الذين في السر.
فخرجوا إلى صحار، فملكوها على الامام، وهو إذا ذاك عزان بن تميم. فخرج اليهم الامام الأهيف بن حماحم الهنائي، في اجلاد قواده وأصحابه، فسار بهم الأهيف حتى قدم بهمالى ناحية صحار.
فالتقوا هم والحواري بن عبد الله، وكثير من رجالهم. وكانت الدائرة عليهم والظفر للأهيف بن حمحام، ومن معه من عسكر الامام، والأهيف بن حمحام، وهو الذي واقع محمد بن بور، بدما، وهزم محمد بن بور، حتى الجأه سيف البحر، إلى ان كان آخر النهار، وثاب محمد بن بور عبيدة بن محمد السامي، في جمع كثير من قومه ورجاله، فأعانوا محمد بن بور، على أهل عمان، فهزموا وقتل الأهيف بن حمحام مع مشايخ أهل عمان. وكان الظفر لمحمد بن بور.
ومن ولد الأهيف بن حمحام الهنائي: أبو الصقر محمد بن الأهيف بن محمد بن الأهيف.
ومن بني هناة أبو شح الهنائي، وكان احد عباد أهل البصرة.
فراهيد بن مالك بن فهم وولده
فأما فراهيد بن مالك بن فهم، فولد رجلا؛ظالم بن فراهيد. فولد ظالم بن فراهيد، رجلا حاضر بن ظالم بن فراهيد رجلا جشم بن حاضر فولد جشم بن حاضر رجلين: بكر بن جشم، وظالم بن جشم. فهؤلاء بنو جشم بن حاضر بن ظالم بن فراهيد بن مالك بن فهم.
ومن بطونهم: بنو هانئ، وبنو بكر، وبنو وهب، وبنو ضحيان. كان منهم ابن ضحيان بن قطن بن هانئ بن جشم بن حاضر بن ظالم بن فراهيد بن مالك بن فهم. وكان الحر بن الحر هذا من فرسان زمانه.
ومنهم بنو حديد بن جشم، كان منهم بعمان الموازع، الذي يقول فيه كعب بن معدان الاشقرى، حين هاجاه، يزيد بن أبي غسان الايادي، ويفخر به على عمران بن عمرو. وقال:
ألم يك ذو التيجان ضحيان منهم ... اليه تؤدي خرجها والمرابع
له حول ما بين جعلان والقرى ... إلى القيع قسرا والأنوف خواضع
стр. 245
والموازع ضحيان بن مازعة جاهلي، وفيهم بخراسان محمد بن مثنى، وكان رأس الأزد، وكان فارسا شديدا، وفي بني حديد أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن جشم بن الحسن بن حمادي بن جرو بن واسع بن وهد بن سلمة بن جشم بن ظالم بن جشم بن حاضر بن ظالم بن فراهيد بن مالك بن فهم، الشاعر النسابة، صاحب كتاب الجمهرة، وله مصنفات كتب عدة وهو الخطيب المذكور، والشاعر المشهور، الفصيح الذي تقف عن كلامه البلغاء وتعجز عن آدابه الأدباء، وتستعير منه الفصحاء، وتستعين بكلامه الخطباء، وهو خطيب في شعره، مصقع في خطبه، وقدوة في أدبه، وحكيم في نثره، لا زيادة عليه في فنون العلوم والآداب.
ووجدت في نسخة في نسب ابن دريد اختلافا. قال: هو أبو بكر محمد ابن الحسن بن دريد بن عتاهية بن جشم بن الحسن بن حمادي بن جرو بن واسع بن سلمة بن جشم بن حاضر بن جشم بن ظالم بن اسد بن عدي بن عمرو بن فهم. وحدثني رجل من فارس من أهل شيراز، قال حضرت جنازة ابن دريد، فلما تفرع من دفنه حتى جئ بجمال فدفن إلى جنبه، فعجب الناس وقالوا: من إلى جنب من، فحضرتني هذه الابيات فقلت:
مضى الشح في اثارد ... أمرئ القيس بن حجر ودغفل
وراح على آثاره الع ... م الضيف في أثر شمال
ثوى ابن دريد مسه وثوى به ... كما قيل قف يوما بهم وتامل
ثوى حثوتين هذه لحجائه ... وهذا لمر ويك حول
قال العتكي: دخلت على أبي بكر بن دريد قبل موته فسمعته يقول: ولدت يوم الجمعة في أحد الربيعين سنة خمس وعشرين ومائتين. وتوفي لأثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة احدى وعشرين وثلاثمائة، وصلى عليه رجل من الأنصار يقال من بني هاشم. ودفن في مقبرة الحيران بمدينة السلام.
ومن فراهيد، ثم من أهل عمان؛قيل ابن دريد أبو عبد الرحمن الخليلي بن أحمد الفراهيدي. وكان خرج إلى البصرة، وأقام بها، فنسب اليها. وهو صاحب العين، الذي هو إمام الكتب في اللغة، وما سبقه إلى تأليف مثله أحد، واليه يتحاكم أهل العلم والأدب فيما يختلفون فيه إليه من اللغويين، فيرضون به ويسلمون اليه. وهو صاحب كتاب النحو، واليه ينسب، وهو أول من بوبه، وأوضحه، ورتبه، وشرحه. وهو صاحب كتاب العروض في النقط والشكل، والناس تبعُ له، وله فضيلة السبق إليه والتقدم فيه.
ومن فرهيد، المبرد النحوي. وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن يزيد ابن عبد الأكبر الفراهيدي. ويقال الثمالي، من ثمالة زواسم ثمالة عوف بن اسلم بن احجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر ابن الأزد. وهو صاحب كتاب المقتضب في النحو وما سبقه احد إلى تأليفه، واليه يتحاكم أهل النحو فيما يختلفون فيه من النحو.
ومن فراهيد، بلج بن عقبة الشاري، صاحب المختار بن عوف الشاري وكان المختار من سلينمة. ومنهم الربيع بن حبيب بن عمرو، وهو احد العلماء الأربعة الذين حملوا العلم، ونقلوا به من البصرة إلى عمان. وهو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، وكان يسكن في البصرة بموضع يسمى الخريبة، ومنير بن نير الريامي، وبشير بن المنذر النزواني، ومحمد بن المعلا الكندي الفحشي من الفحش من جبال كندة.
ومنهم راشد بن عمرو الحديدي بن النعمان بن حمى بن حاضر بن حديد. وولد راشد بن عمرو خمسة نفر: الربيع بن راشد، وبشير بن راشد، والعلاء، ودريح، وأبو ارحى بن راشد، لا عقب له. فولد الربيع بن راشد رجلين: أبا بكر، وعمرو. ولد العلاء بن راشد: ابا درمة، ويسكن ولده اصطخر، وولد بشير حاجب وبحر ابني بشير. وولد دريح بن راشد سليمان، وعمرو، وسكنوا السند فهؤلاء بنو راشد بن عمرو الحديدي. وأما شهاب بن عمرو بن النعمان من ولده منحرس بن بركه، يسكن ولده عمان.
٥ - عمرو بن مالك بن فهم وولده
وأما عمرو بن مالك بن فهم، فولد ثمانية رهط: عايد بن عمرو، وهو صليم ومعاوية بن عمرو، وهو قسلمة، ومالك بن عمرو، وعدي بن عمرو، وصجعان بن عمرو، وكلاب بن عمرو، ووائل بن عمرو. فولدصليبم، وهو عايد بن عمرو اشقر واسمه سعد بن عايد ويقال لولده الأشاقر، وراكب بن عايد وثعلبة بن عايد. وولد مالك بن عمرو بن مالك بن فهم ثلاثة رهط: شريك بن مالك وبن مالك، ودهنان بن مالك.
стр. 246
وولد عديبن عمرو بن مالك بن فهم رجلا وهو اسد بن عدي. فولد أسد بن عدي رجلين: حاضر بن أسد، وعدي بن أسد.
فمن صليم بن عايد بن عمرو بن مالك بن فهم، كان منهم سبيعة بن غزال الصليمي وغنم، وسيدهم، وهو الذي خرج إلى المدينة في أزد سبأ أهل دبا، وخرج عنده المعلى بن سعد الخماصي، والحارث بن كليب الحديدي، في وجوه اصحابهم، وقد اتينا بقصتهم.
ومن بني قسملة نوهو معاوية بن عمرو بن مالك بن فهم زوقبائل القسامل كلها منهم: أبو بكر محمد بن بكر القسملي، صاحب كتاب الايضاح عن الأغفال نوكان فقيها عالما بأنساب العرب، وأيامها.
ومن بني أشقر، وهو سعد بن عايد بن عمرو بن مالك بن فهم، قبائل الاشاقر كلها منهم كعب بن معدان الأشقري، الخطيب البليغ، الشاعر وأكثر شعره في المهلب وولده لأنه كان معه في حروبه كلها، وهو رسوله بالفتح إلى الحجاج. فقال الحجاج: يا كعب كيف كان محاربة المهلب للقوم؟ فقال: إذا وجد الفرصة سار كما يسير الليث، واذا دهمته الطمحة راغ كما يروغ الثعلب، فاذا مادت القوم صبر الدهر.
الحجاج: كيف كان فيكم؟ قال: كان لنا مثل إشفاق الوالد الحذر، وله منا طاعة الولد البار الحجاج: فكيف أفلتم قطرى بن الفجاءة؟ قال: كاذبا ببعض مالك والاجل احسن جنة وانفذ عدة الحجاج: فكيف اتبعتم عبد ربه وتركتموه.
قال: أثرنا الحد على العد، وكانت سلامة الجنداب الينا من سحب المعد.
الحجاج: اكنت عددت هذا الجواب قبل لقائي؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله.
ومن جيد شعره:
ايا كعب يوشك ان تصيبك فاقة ... فيما تقلب في البلاد وتيفر
ليس التقلب في البلاد مقربا ... اجلا هديت ولا المقيم يعمر
ولقد رايت الشيب يغتال الفتى ... حتى يصير كميت من يكبر
ويصير بعد تجلد وبشاشة ... للطير أو جدث يحط فيقبر
لكفى بذلك عبرة وبصيرة ... فيما خلا لك لو علمت فتنذر
وكفى بما جرت فيما خلا ... لو كنت تعقل في الأمور وتبصر
فصديقنا كالمستكين كما يرى ... مما يرى وعدونا مستبشر
وخلقت فياض الهواجر والضحى ... ينتاب شيبك ذو الغنى والمقتر
كالنيل فجر في الجنان فزانها ... وحفافها الشجر الكريم المثمر
والحزم يجمعه بنانك والندى ... كف يفيض بها واخرى تجبر
فاثنى الصنايع ما تزال سيوبه ... ابدا تروح مع الزمان وتكبر
لا مقصر عما يريد من الندى ... الا ونفسي تستزيد وتنظر
شيخ أعز بدفعه وبرأيه ... عمر العراق وكان ما لا يعمر
أيام فارس والتي من قبلها ... كانت وقائعها أجل وأكبر
فيها مهالك فتحت أبوابها ... كثرت مواردها وطاب المصدر
فيهن نار الحرب توقد بيننا ... والشيخ يغشى هول ذاك ويحشر
فدعا المهلب لا كريهة قومه ... واخو الحفيظة في الكريهة ينفر
فأجاب شيخ لا يزال مشايخا ... وأخو الحروب مشايح ومشمر
فتراه كالمغضى إذا نزلت به ... جربا ليقرعها وان يشذر
والحرب تفزع بالأباة ولينها ... حينا ويهلك من يخف ويبطر
وتراه يرقبها على حذر لها ... والحرب كيد لها من يحذر
حتى إذا ما قلت قد فني القنا ... والخيل فيها ما تنوء وتعثر
برزت ململة تسوق أمامها ... حتف النفوس وردها لا يسكر
والبرق فوق رؤوسنا ورؤوسهم ... تنشق منه لوامع ما تفتر
طارت بأيدي قواطع ... تجدد للقراع فتشهر
من ضربنا ... قطع الصفايح والقنا المتكسر
هذا وكم من غمزة فرجتها ... زالت عجاجتها ووجهك مسفر
قصرت مساعي الناس عن مسعاته ... والمجددون شأنه والمفخر
اعطاك ذاك ولي كل خزانة ... فيه تدافع من تكيد وتنصر
وقال أيضا فيه:
стр. 247
بدأ المهلب هذا الناس كلهم ... عفوا كما بدأ ضوء الكوكب القمر
إذا تلقى ومآثره ... ونائلا لا اذى فيه ولا كدر
إن الهلب اعطى المال سائله ... ولا خير كل غداة منه ينتظر
كهل يفيض على الأعداء نائلة ... تسرى العشاء عطاياه وتبتكر
هو الربيع لمن ... واصل يعلو وينحدر
فللمهلب نعما لا به ... من طول الدهر تذتكر
أرى العدو وقد ارادوا مساكنها ... وكل باب لنا منهم به عسكر
وبعد ما كان أهل الحق قد قهروا ... منه وكادت جبال الدين تنبتر
ومن موالي الأشاقر، شعبة بن الحجاج، المحدث. فأما شريك بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم، فمن ولده قبائل بني شريك. كلها بنو الأسد بن شريك، اللذين لهم الخطبة بالبصرة، وليس لبني أسد بن جذيمة البصرة خطبة، ومن رجالهم مسدد بن مسرهد بن مسربل بن ماسل بن جرو بن يزيد بن سيب بن الصلت بن مالك بن اسد بن شريك بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم. ومن موالي مسدد، مقاتل بن سليمان، صاحب التفسير. ومنهم بنو والبة بن الدول.
ومنهم جندب بن كعب الذي قتل الساحر، واسم الساحر ستالي.
وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : " جندب يضرب ضربة يفصل بها بين الحق والباطل ". وكان هذا الساحر يقتلنفسا، فيما يرى الناس، ثم يحييها، ويعمد إلى ناقة فيدخل في فمها، ويخرج من حيائها، فينما هو يفعل ذلك بين يدي الوليد بن عقبة بن أبي معيط في جامع الكوفة، وهو أميرها. إذ نظر اليه جندب فأتى مولاهم صقيلا، وهو يصقل سيفا بين يديه، فقال له اعطني سيفك هذا، فأعطاه. فأقبل جندب بن كعب يسير، والساحر بين يدي الوليد يفعل فعله ذلك، حتى اشرف على الساحر فضربه بالسيف فأبان رأسه. ثم قال له: احي نفسك الآن إن كنت صادقا. فأمر به الوليد فحبس. وكان جندب نهاره أجمع في السجن يصلي، فلما رأى السجان كثرة صلاته خلى سبيله. فلما بلغ الوليد الخبر، قتل السجان.
واياه عنا عبد الله بن عمر، حين قيل له ان المختار بن أبي عبيد يعمد إلى كرسي، فبيحمل على بغل أشهب؟، ويحفه بالديباج، فيطوف به أصحابه، ويستنصرون به ويستقون، ويقول هذا مثل تابوت بني اسرائيل. فقال لهم ابن عمر: فأين جنادبة الأزد، لا يعقرونه وجنادبة الأزد جندب بن كعب، هذان وجندب بن زهير، وجندب بن عبد الله.
ومن مواليهم، واليه سفيان بن عوف، صاحب الصوائف، في أيام معاوية وبعده. وفيه يقول: رجل من ولد الحكم بن سعد يعير عبد الرحمن بنمسعود الفرازي، وقد ولي موضعه فقال:
أقم يا ابن مسعود قناة صليبة
كما كان سفيان ... بن عوف يقيمها
وسم يا ابن مسعود مدائن قيصر ... كما كان سفيان بن عوف يسومها
وسفيان قرم من قروم قبيلة ... تضيم وما في الناس حي يضيمها
لتبك على سفيان خيل تطاعنت ... بسمر القنا حتى استطار حطيمها
وبنو سيد، وبنو ذهبان ابنا مالك بن عمرو بن مالك بن فهم. كان منهم اثنا عشر عريفا. في سيد عرافة، وفي ذهبان خالد بن بذل الذهباني.
قال خلف: سمعت بعض مشيخة الأزد قال: لما قدم يزيد بن المهلب البصرة كان أول من سأل عنه خالد بن بذل، فلما أخبر سلامته، قال: لا أبالي من غاب، فأرسل ابنه مكانه للبيد أو ذهبان.
الحارث بن مالك بن فهم وولده
وأما الحارث بن مالك بن فهم فولد خمسة نفر: المعفى بن الحارث، وفردوس بن الحارث، ويقال لولده الفراديس، وجرموز بن الحارث، ويقال الجراميز، ويحيى بن الحارث.
فولد لقيط بن الحارث بن فهم ثلاثة رهط: مسعود بن لقيط، وقيد بن لقيط، وذهل بن لقيط، رهط كعب بن سور الازدي، الذي استقضاه عمر ابن الخطاب، ﵁.
стр. 248
قال الاندلسي، فمن بني الحارث بن مالك بن فهم، بنو لقيط بن الحارث، منهم كعب بن سور بن بكر بن عبد بن ثعلبة بن سليم بن لقيط بن الحارث بن مالك بن فهم، ولي القضاء البصرة لعمر، وعثمان، وهو ال١ذي استحسن عمر بن الخطاب حكمه حين قضى بين المراة وزوجها، حكم لها في كل أربع ليال بليلة، في قصة لذلك طويلة. ثم التفت إلى عمر، وقال: يا أمير المؤمنين: الرجل له من النساء مثنى وثلاث ورباع، فجعلت له ثلاثا يصومهن ويقومهن، ولها منه يوما واحدا وليلة. فقال عمر: اني لأعجب من فهمك قصتهما، أو من حكمك، أو من قضائك بينهما، اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.
وعاش إلى ان شهد يوم الجمل، فخرج يوم الجمل وفي عنقه مصحف ليصلح بين فأتاه سهم غائر قتله.
ومنهم الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن لقيط بن الحارث بن مالك بن فهم. ويقال بل هو الطفيل بن عمرو بن طريف ابن العاص بن ثعلبة بن طريف بن عمرو بن فهم، أخو مالك بن فهم. وكان لعمرو بن طريف أبي الطفيل بن عمرو بن الطفيل هذا في الجاهلية صنم من خشب يقال له ذو الكفين. فكان يبعث اليه بابنه الطفبل، وهو صغير، ومعه عس من لبن كل يوم نويقول له أسق الهك. فلما ألقى الله الاسلام في قلب الطفيل كان إذا أتى الصنم شرب اللبن. ثم ألهب في الصنم النار وجعل يرتجز ويقول:
يا ذا الكفين لست من عَّبادك ... ميلادنا أكبر من ميلادك
اني حشوت النار في فؤادك
ثم هرب من أبيه خوفا منه، متوجها إلى رسول الله ﷺ فبات ليلته تلك خائفا فأصبح يقول:
أيا ليلة من طولها وعنائها ... ألا إنها من دارة الكفر نجت
ورأى في منامه. تلك الليلة، ان رأسه حلق وأن طائرا أبيض خرج من جوفه إلى السماء، وأن امرأته ادخلته في فرجها. فلما قدم على النبي ﷺ وقص عليه الرؤيا. فقال له: أما حلق رأسك فالاستشهادج فاستشهد باليمامة يوم مسيلمة الكذاب، واما الطير فروحك تعرج إلى السماء، وأما فرج المرأة فقبرك. ثم بعثه رسول الله ﷺ إلى قومه دوس، يدعوهم إلى الاسلام فسأله أن يجعل له علامة يعرف بها صدقه. فدعا له النبي ﷺ . فأعطاه الله نورا بين عينيه. فقال: يا رسول الله اني اكره في جسدي فيكون مثله، ولكن في علاقة سوطي. فجعل ذلك في علاقه سوطه، فسمي الطفيل ذا النور، وعقبه إلى اليوم بفلسطين.
ومن شعراء دوس عدي بن زراع بن العقى بن الحارث بن مالك بن فهم بن دوس، عُمَّر ثمانمائة سنة، وأدرك الاسلام، فأسلم وقال:
لا عيش الا الجنة المخظرة ... من يدخل النار يلاقي ضرة
ومن دوس معيقب بن أبي فاطمة، وكان على خاتم النبي ﷺ في رواية يحيى بن معين. وكان ممن أسلم قديما بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة وكتب لعمر بن الخطاب، وكان من أمنائه.
ومن بني الحارث بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، الفراديس، وهم بنو فردوس بن الحارث بن مالك بن فهم. كان منهم سعد بن نجد الفردوسي " الحجاج بن يوسف "، إذ ظن برجل ان نفسه عجيبة، لو كنت سعد بن نجد الفردوسي ماعدا ما بدا، وهو الذي طعن قتيبة بن مسلم، وقال لأصحابه: قد اسعرت لكم الرجل فدونكم امره فوثب اليه عبد الملك بن علوان، فاجتر رأسه وأتوابه إلى وكيع بن أبي الأسود، وقد أخطأ من زعم ان وكيعا قتله، وفي ذلك يقول الحصين بن المنذر:
ألم تر سعدا وابن رمز تعاورا ... بسيفهما رأس الهمام المتوج
وما دركت في قيس غيلان ثأرها ... بنو منقر الا بأسياف مدجح
والا بفتيان العتيك وغيرهم ... من الأزد في دراج من الليل ادعج
أتاها ابن نجد بعدما هبت جمعها ... فيا شرها في حرها المتوهج
ومنهم الجراميز، وهم بنو جرموز بن الحارث بن مالك بن فهم، وهم بالبصرة خطة.
٧ - معن بن مالك بن فهم وولده
فأما معن بن مالك بن فهم فولد ثمانية رهط: شرطان بن معن نومعن ابن معن، وخدري بن معن، وجهيم بن معن، وصيفي بن معن، وحدادة ابن معن، وكوز بن معن، فهؤلاء بنو معن بن مالك بن فهم.
стр. 249
وكان منهم هميم بن عامر المعني، وهو احد بني شرطان نوهو الذي اغار على خارجة بن عمرو العامري، فاستاق نعمه في نفر من قومه. وكان خارجة بن عمرو أكبر بني عامر بن بنونة مالا. وأن خارجة بن عمرو، اتبع هميم بن عامر المعني، في جماعىة من بني عامر، ففاته هميم بالابل، حتى انتهى بها إلى الحجاز فيما بين عمان والشحر.
ومنهم مسعود بن عمرو بن عدي بن محارب بن صنم بن مليح بن شرطان بن معن بن مالك بن فهم. وكان مسعود بن عمرو يسمى قمر العراق. وهو الذي قتله الخوارج بالبصرة. فوقع من الحرب بين مضر والأزد وحلفائهم ربيعة - وكان من المتولي حربهم زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي، الذي كانت الأزد تسميه القمر لجماله.
وكانت من قصة مسعود بن عمرو، المعني الذي يسمى قمر العراق ان رجلا من الأزارقة رماه وهو على المنبر بالبصرة يخطب الناس فقتله، فادعت بنو تميم قتله، فحاربتهمالأزد عليه، فظفرت بهم وأكثرت فيهم القتل. فلما رأى ذلك الأحنف بن قيس، صالح الأزد على ان يؤدي دية مسعود بن عمرو، ودية الملك مائة الف درهم. وبرئ كل من قتل من الأزد في تلك الحروب ويهدر دم القتلى من بني تميم، وكان قتلاهم أضعافا كثيرة على قتلى الأزد، وعلى أن يجعل للأزد خراج دسمستان في تلك السنة، على أن يكفوا عنهم الحرب، فاصطلحوا على ذلك وتركوا الحرب. وفي ذلك يقول دعبل " الخزاعي ":
وكَّنا يوم مسعود بن عمرو ... غداة البصرة المتحكمينا
وولد معن بن " معن " سبعة بن علاح، وهو الذي ذهب بعبيد الله بن زياد إلى مسعود بان " عزوان " بن عوف، وانما سمي بكرمان لأنه ولد بها وهو " جذيع " بن علي بن سبيت بن عامر بن عمرو. وهو الذي خرج على نصر بن سيار الليثي وكان سبب خروجه ذهاب ملك بني أمية، ومجيء سلطان الدولة.
والعقب من ولد مسعود بن عمرو والمعني الاربعة: شقيق، وميمون، وبسطام، ونجد ابني مسعود الوحيا بن داوود، من ولد ميمون الكرماني، حذيع بن علي بن سبيت بن عامر بن عمرو، ومسعود بن عمرو، ومن ولد حبير بن مليح. وكان الكرماني شيعة لعلي بن أبي طالب، وخرج معه من اللبصرة، فسكن الكوفة، وسمى ابنه عليا، بعلي بن أبي طالب. فعلي بن الكرمانيَّ وهو شبيب.
٨ - نوبي بن مالك بن فهم وولده
فأما نوبي بن مالك بن فهم. كان أكبر ولد مالك. وبه كان يكنى مالك أبا نوبي. ويقال أن أكبر ولده فراهيد.
فولد نوبي بن مالك بن فهم ثلاثة رهط: شبيب بن نوبي، وحنيش بن نوبي، وعمرو بن نوبي.
٩ - شبانة بن مالك بن فهم وولده
فأما شبانة بن مالك، فولد رجلا، وهو رفد بن شبابة، فولد رفد بن شبابة رجلين: عبد بن رفد، وشبيب بن رفد. فولد عبد بن رفد رجلين: خمام بن عبد، وأسد بن عبد.
ويقال ان فراهيد من ولد شبيب بن رفد بن شبابة بن مالك بن فهم..
فمن بني خمام بن عبد رفد بن شبابة بن مالك بن فهم: حرب بن كعب الخسامي الذي يحمل دماء بني خمام، وخرج إلى ربخة بن حرب الهنائي مسترفدا ومعينا به على بني مالك وقد أتينا بقصتهما في موضع قبل هذا.
ومنهم المعلى بن سعد الخمامي. كان في الجاهلية، وفي صدر الاسلام من أشراف ولد مالك، وقد اتينا خبره في سبي أهل دبا.
وكان منهم كعب بن شهرى من وجوه أهل خراسان، ومن أشراف الأزد ورؤسائهم بالبصرة، ومن عرفاء بني خمام بنو نعل، وسعد عرافة، وبنو خيار ابن خمام عرافة، وبنو أسد والترخم عرافة، قبائل بنو خمام عرافة.
١٠ - ثعلبة بن مالك بن فهم وولده
وأما ثعلبة بن مالك بن فهم، فولد رجلا؛مالك بن ثعلبة. وثعلبة في تنوخ بأسرهم بن فهم بن غانم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن حمى، وهوعبد الله بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك ابن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن شمس بن عمرو بن غانم بن عبد الله بن عامر الغطريف ابن بكر بن يشكر بن مبشر بن مصعب بن دهمان.
١١ - من أشراف بني مالك بن فهم
سبيعة بن عراك الصيلمي، والمعلى بن سعد الخمامي، والحارث بن كلثوم الحديدي
ومن اشراف بني مالك بن فهم: سبيعة بن عراك الصيلمي، والمعلى ابن سعد الخمامي، والحارث بن كلثوم الحديدي، وهم الذين خرجوا في شأن أهل دبا المدينة.
стр. 250
وكان من خبر ذلك ان أبا بكر الصديق وجهّ حذيفة بن محصن الفلفاني وهو من بارق حليف للأنصار، وكان له بصر. فوجهه إلى عمان، أميرهم، ليجمع منهم الصدقة. فلما صار في ولد الحارث بن مالك بن فهم، ليصدقهم، تناول بعض اصحابه إمرأة من العفاة، وكان عليها فريضة شاة مسنة، فاعطتهم عتودا أو عناقا مكان الشاة المسنة. فأبوا ان يقبلوها، فأخذوا ما أرادوا. فنادت يا آل مالك. فقال حذيفة: دعوة جاهلية. وخاف ان يكون القوم قد ارتدوا فأغار عليهم فأخذ ناسا منهم، وهم قليل فمضى بهم إلى المدينة.
واتبعه سبيعة بن عراك الصيلمي، والمعلى بن سعد الخمامي، والحارث بن كلثوم الحديديفي اصحابهم. فوفدوا إلى أبي بكر.
فقالوا: يا خليفة رسول الله، إنا على اسلامنا لم ننتقل عنه، ولم نمنع زكاة، ولم ننزع يدا في طاعة، ولم نرجع عن دين، وقد عجل الينا صاحبك وكففنا أيدينا إلى أن آتيناك.
فقال: أصنع بكم ما صنعت بالعرب، إن شئتم خليت المال، وأخذت السبي فعادوا السبي.
فقالوا: على كل أسير أربعمائة وخمسين درهما.
ويقال ان سبيعة بن عراك، خرج إلى أبي بكر الصديق في شق دبا، الذين أخذهم حذيفة بن محصن القلفاني. وكان سبيعة زعيم القوم، والمعلى بن سعد، وكان إسم المعلى ثعلبة، فسماه عمر بن الخطاب المعلى. فقدموا المدينة، وقد مات أبو بكر الصديق، ﵀، وقام بأمر الناس عمر بن الخطاب، ﵁. فكلماه في سبي أهل دبا. وقال المعلى بن سعد الخمامي: يا أمير المؤمنين: ان حذيفة بن محصن تعدى طوره، وعظم في الناس حدثه، ولولا مراقبة أمير المؤمنين لكان شكامه متانا جزاء له عن غيره، واعظا لغيره، ولكن حملنا على مخافة نكله، فنرادف العثرة، وسكنت الحرة ولم نكد.
فقال عمر: يا معلى إن في الحق سعة وكف غربك أولى ان الاسلام سوى بين الناس فرفع الوضيع ورفع الشريف، واعطى كل امرئ قسطه من خيره وشره.
ثم أمر عمر برد السبي. فذلك حيث يقول كعب بن معدان الاشقري، يفخر على يزيد بن حسان الايادي:
في زمان سبيعة بن عراك ... والمعلى إذ يبنيان الفعالا
حين ردا سبي أهل عمان ... اكثر الحل فيه والترحالا
وفيه يقول أيضا:
وما ولد المخاصن كالمعلى ... أخي النجدات ثعلبة بن سعد
" انقضت أنساب وأخبار بني مالك بن فهم ".
أنساب اخوة بني مالك بن فهم
شرح
نسب اخوة بني مالك بن فهم من الأزد وشئ من أخبارهم
مطاعين في حومة الملتقى ... مطاعيم في الأزمة البارية
يداه ندى للعلى انه ... وتلك بسوء الجزاء كافية
ترى الناس من بين راض به ... ومن بين أخرى به راضية
فما جار في تلك عند القضا ... ولا خاش في هذه الثانية
وللخير داع إلى بابه ... وللشر من دجر ناحية
١ - نسب نصر بن زهران وانتشار ولده
وولد نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد عثمان بن النضر. فأما عثمان بن نصر بن زهران بن كعب ابن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن بنت بن يزيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فولد أربعة رهط: عبد الله نوهو الذي يسمى حمى بن عثمان، والنمر بن عثمان، وهم بعمان والحجاز وغالب بن عثمان، وليس بعمان منهم احد، وغانم بن عثمان. فهولاء اربعة رهط.
فولد عبد الله، وهو حمى بن عثمان رجلا واحدا وهو اليصمد بن عبد الله. وولد النمر بن عثمان بن نصر بن زهران اربعة رهط: حفين بن النمر، وبعليم بن النمر، وسليم بن النمر، وأنمار بن النمر. فهؤلاء اربعة.
فولد حفين بن النمر: عامر. فولد عامر حفين بن النمر الأوس، وكنانة، وثور بني عامر. وولد أنمار بن النمر جبيش بن أنمار بن النمر بن عثمان. وولد غالب بن عثمان ثلاثة رهط: غنم بن غالب، جماع قبيل يسمون. وولد غانم بن عثمان بن نصر بن زهران رجلا عمرو بن غانم. فولد عمرو بن غانم رجلا شمس ربن عمرو.
نسب شمس بن عمرو وانتشار ولده
следующие страницы →