باب الغصب (١)
وفيه خمس مسائل
المال المغصوب
١ - مسألة: إِذا غصب إِنسان دراهمَ، أو حنطةً من جماعة: من كل واحد شيئًا معينًا، ثم خلط الجميع ولم يتميز، ثم فرق عليهم جميع المختلَط على قدر حقوقهم، هل يحل لهم أخذُ قدر حصصهم؟.
الجواب: يحل لكل واحد أخذُ قدرِ حقه، إِذا فرق جميعه على جميعهم، فإن فرق على بعضهم، لزم المدفوع إِليه أن يَقسم القدر الذي أخذه عليه، وعلى الباقين بالنسبة إِلى قدر أموالهم.
ولو أخذ إِنسانٌ دراهمَ، أو حبًا، أو غيره لغيره، وخلطه بماله ولم يتميز، فله عزل قدر الذي لغيره، ويتصرف في الباقي.
وقد اتفق أصحابنا، ونصوصُ الشافعي على مثله فيما إِذا غصب حنطة، أو زيتًا، أو غيرَهما وخلطه بمثله.
стр. 142
قالوا: يدفع إِليه من المختلط قدر حقه الباقي للغاصب.
وأما ما يقوله بعض العوام: اختلاط الحلال بالحرام يحرمه فباطل، لا أصل له "والله أعلم".
٢ - مسألة: فرس مشترك: فباع أحدٌ الشريكين نصيبه وسلّم الفرسَ إِلى المشتري بغير إِذن شريكه، فتلفت في يد المشتري، فللشريك أن يطالب بقيمة نصيبه مَنْ شاء منهما.
٣ - مسألة: إِذا أخذ المكَّاسُ من إِنسان دراهمَ، فخلطها بدراهم المكس، ثم رد عليه قَدْرَ دراهمه من ذلك المختلَط هل له أخذُها؟.
الجواب: لا يجوز ذلك إِلا أن تُقسَّم بينه وبين الذي أُخذت منهم بالنسبة.
٤ - مسألة: سرق صبي مالًا، وسلمه إِلى أبيه، ثم مات أبوه ولم يخلف شيئًا، فهل يلزم الابنَ غرامةُ المال بعد البلوغ؟.
الجواب: نعم؛ تلزمه غرامته.
٥ - مسألة: إِذا سرق الصبي شيئًا، وسلمه إِلى أبيه، فأتلفه أبوه ومات فبلغ الصبيُ؛ وليس لأبيه تَرِكَةٌ يؤخذ منها بدلُ المسروق فهل يجب ذلك في مال الصبي؟.
الجواب: نعم؛ يجب في مال الابن؛ لأنه من أهل الضمان في غرامة المتلفات (١).
* * *
باب القراض (١)
وفيه مسألتان
١ - مسألة: رجل دفع مالًا لرجل قراضًا، فعامل العامل عاملًا ثانيًا بغير إذن الأول، وتلف المال في يد الثاني، هل للمالك أن يطالبهما بالضمان أم لا، وعلى مَنْ يكون قرارُ الضمان (٢)؟.
الجواب: له مطالبة كل واحد منهما وقرار الضمان على الأول إِن كان الثاني جاهلًا بالحال، فإن كان عالمًا بالحال فالقرار على الثاني "والله أعلم".
стр. 145
المزارعة (١)
٢ - مسألة: المشهور من مذهبنا أن المزارعة الخالية عن المساقاة باطلة، وهو نص الشافعي. وقال به جمهور أصحابنا وجماهير العلماء.
وقال أحمد بن حنبل: إِنها صحيحة (٢)؛ وبه قال ثلاثة من كبار أئمة أصحابنا: وهم إِمام الأئمة أبو بكر محمد بن إِسحاق بن خزيمة، وأبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، وأبو سليمان أحمد بن محمد بن إِبراهيم الخطابي وهو المختار الراجح في الدليل.
وأما الأحاديث الواردة في النهي عنها فأجاب عنها المُجَوِّزُون وصنف فيها ابن خزيمة كتابًا وتلخيصه في شرح المهذب "والله أعلم".
* * *
стр. 146
كِتابُ الإجارة وغيرها (١)
وفيه خمس عشرة مسألة
١ - مسألة: إِذا آجر داره أو غيره بجارية جاز له وطء الجارية بعد الاستبراء قبل انقضاء مدة الِإجارة، وإِن كانت معرضةً للانفساخ بانهدام الدار وغيره؛ لكنه احتمال نادر فلا يؤثر في استقرار ملكه صرح
стр. 147
بهذه المسألة أصحابُنا، منهم: الماوردي في مسألة زكاة الأجرة قبل انقضاء المدة.
استحقاق الأجرة المسماة
٢ - مسألة: قال أصحابنا؛ إِذا استأجره ليبني له حائطًا فبناه معتقدًا أن الحائط لنفسه، ثم بان أنه للمستأجر استحق الأجرة المسماة بلا خلاف.
واستدل أصحابنا بهذه المسألة المشهورة، وهي: إِذا استأجر أجيرًا للحج عن ميت، أو معضوب، فأحرم الأجير عمن استؤجر له، ثم صرف الِإحرام إِلى نفسه والمذهب أنه لا ينصرف؛ بل يبقى للمستأجر.
وهل يستحق الأجير الأجرة؟ فيه قولان مشهوران:
١ - أصحهما: عند الأصحاب يستحق كما ذكرنا في مسألة بناء الحائط.
٢ - والثاني: لا؛ لأنه حج معتقدًا أن الأفعال لنفسه وعلى هذا: الفرق بينهما أنه في الحج خائن، مخالف بصرف الِإحرام، وإِن كان لا ينصرف بخلاف البناء "والله أعلم".
٣ - مسألة: إِذا أُوجر المكانُ الموقوف على جهة عامة بأجرة مثله حالَ الِإيجاب، ثم زاد إِنسان في الأجرة بعد التفوق من مجلس الِإجارة، واستقر العقد، هل ينفسخ العقد، أم يجوز للناظر أو لغيره فسخه -والحالة هذه-؟.
الجواب: لا ينفسخ، ولا يجوز للناظر ولا لغيره فسخُه، وسواءٌ زيد فيه الثلثُ، أو أكثرُ لا يجوز فسخُه، فهذا هو الصواب.
وأما ما يفعله بعضُ الجهلاء أو الجهلة: من متولي الأوقاف
стр. 148
ونحوها ونحوهم من قبول الزيادة، إِذا بلغت الثلثَ، وفسخِهم بذلك فباطل لا أصل له، ولا يُغتر بارتفاع مرتبة من يتعاطاه؛ فإِنه خطأ من جاهل أو متجاهل، وإنما ذكر بعضُ أصحاب الشافعي وجهًا أنه يجوز الفسخ مطلقًا، وهذا الوجه ضعيف باتفاق الأصحاب لا يحكيه جمهورهم، ومن حكاه منهم متفقون على ضعفه، وبطلانه وأنه لا يُفتى به، ولا يُعَوَّل عليه "والله أعلم".
٤ - مسألة: رجل استأجره (١) رجلًا ليحفر له بركة، أو بئرًا أو حفرة طولها عشرة أذرع، في عرض عشرة أذرع، في عمق عشرة أذرع فحفره خمسة في خمسة ثم انفسخت الِإجارة، ما يستحق من الأجرة؟.
الجواب: طريق عمل هذا النوع أن يكعب ما وقع الاستئجار عليه، ثم يكعب ما عمله وينسبه إِليه، فما حصل فهو مقدار ما يستحقه من الأجرة.
ومعنى التكعيب: أن يضرب الطول في العرض في العمق؛ فإذا ضربت المستأجر عليه، ضربت عشرة الطول في عشرة العرض، فيحصل مائة ثم تضربها في عشرة العمق صارت ألفًا؛ ثم تضرب خمسة في خمسة فيحصل خمسة وعشرون ثم تضربها في خمسة فيحصل مائة وخمس وعشرون؛ فإذا نسبتها إِلى الألف كانت ثمنًا فيستحق ثمنَ الأجرة وعلى هذا يعمل كل ما جاء من هذا النوع "والله أعلم".
٥ - مسألة: إِذا أجر السيد عبده نفسه لم تصح الِإجارة بخلاف ما لو باعه فإنه يصح (٢) البيع على الصحيح المنصوص.
стр. 149
موت الدابة المستأجرة
٦ - مسألة: إِذا استأجر دابةً للركوب، فركب وضربها الضرب المعتاد فماتت منه؛ قال أصحابنا: لا ضمان فيه؛ لأنه متولد من مباح؛ قالوا: والفرق بينه وبين ضرب الزوج زوجته، حيث كان مضمونًا، إِذا ماتت منه، أنه يمكنه تأديبها بغير الضرب بخلاف الدابة.
٧ - مسألة: إِنسان استأجر نجارًا، ليقيم له دارًا مائلة، بأجرة معلومة، فنقض النجار أعاليها، ولم يعلقها على ما تقتضيه الصنعة، وذهب ليُحضر الآلات، فوقعت على بيت جارٍ للدار فأتلفته، فعلى من تجب غرامة ذلك البيت؟.
الجواب: يجب على النجار لتفريطه بترك التعليق المعتاد ولا شيء على صاحب الدار.
الأرض المشغولة بالزرع
٨ - مسألة: قال الشافعي والأصحاب: لا تصح إِجارة الأرض المشغولة بالزرع للزراعة لعلتين:
١ - إحداهما: أنها مستورة لا يمكن رؤيتها.
٢ - والثاني: أنه لا يمكن تسليمها في الحال فتصير في معنى إِجارة الزمان المستقبل.
٩ - مسألة: قال الغزالي في الفتاوى: إِذا طرح في المسجد غلة أو غيرها، لزمه أجرته؛ فإن أغلق بابه لزمه أجرة جميع المسجد، كما لو طرح ذلك في بيت من دار أو في دهليز وأغلق؛ فإنه يلزمه أجرة
جميع الدار، قال: وكما تضمن أجرة المسجد بالإِغلاق تضمن منفعته بالِإتلاف كمنفعة الأملاك، هذا آخر كلام الغزالي وهو صحيح متعين وإِن
стр. 150
شغل بالغلة جانبًا من المسجد ولم يغلقه لزمه أجرة ما شغله وتصرف الأجرة في مصالح المسجد "والله أعلم".
١٠ - مسألة: إِذا أقطع السلطان جنديًا أرضًا، هل يجوز له إِجارتها؟.
الجواب: نعم يجوز؛ لأنه مستحق لمنفعتها ولا يمنع من ذلك، كونها معرضةً لأن يستردها السلطان منه لموته أو غيره، كما يجوز للزوجة أن تؤجر الأرض التي هي صداقها قبل الدخول، وإِن كانت معرضة لأن يسترد منها لانفساخ النكاح.
حبس الثوب عند الخياط
١١ - مسألة: هل للخياط والقصار حبس الثوب إِلى أن يستوفي الأجرة؟.
الجواب: يجوز ذلك للقصار، ولا يجوز ذلك للخياط؛ لأن الصحيح أن القصارة عين فهي كالمبيع له حبسه.
حكم قبول هدية المعلم
١٢ - مسألة: إِذا أهدى إِلى المقرىء، أو المعلم من يقرأ عليه ويتعلم ولولا الِإقراء والتعليم لم يُهد إِليه فهل يحل (١) له قبولها؟.
الجواب: لا يحرم ذلك والورع ترك قبولها (٢).
стр. 151
١٣ - مسألة: إِذا كان الِإنسان في حبس السلطان، أو غيره من المتعذرين حُبِسَ ظلمًا فبذل مالًا لمن يتكلم في خلاصه بجاهه وبغيره هل يجوز؟ وهل نص عليه أحد من العلماء؟.
الجواب: نعم؛ يجوز وصرح به جماعة منهم: القاضي حسين في أول باب الربا من تعليقه، ونقله عن القفال المروزي، قال: هذه جعالة مباحة، قال: وليس هو من باب الرشوة؛ بل هذا العوض حلال كسائر الجعالات.
١٤ - مسألة: هذه الحجارة التي تكون ملقاة حول القرى وبين الأزقة هل يحل لأحد أخذُها، والبناء بها، وتملكها؟.
الجواب: يجوز ذلك إِن كانت تُرِكَتْ رغبةً عنها "والله أعلم".
١٥ - مسألة: رجل ضاع فرسه، فلقيه إِنسان، وهما في العسكر الكثير، فتركه الواجد عنده نحوَ خمسةِ أشهر، ونادى عليه صاحبُه أيامًا، والعادة في المعسكر أنَّ مَنْ وجد شيئًا حمله إِلى دهليز السلطان، فظهر خبرُ الفرس بعد هذه المدة، وحضر (١) واجد المتاع الذي كان على الفرس، وادعى أنَّ الفرس مات عنده فهل يُقبل قولُه في موته؟. وهل يلزمه قيمته؟ وهل على ولي الأمر خلاص قيمة الفرس؟ وإِن أخذ صاحب الفرس القيمة أثم أم لا؟.
стр. 152
الجواب: القول في موت الفرس قول الواجد بيمينه، فإن كان فرط في إيصاله إِلى صاحبه بعد معرفته به، إما بسماع النداء، وإما بغيره لزمه (١) قيمتُه، وإِلا فلا يلزمه. وإِذا لزمه وبلغ ذلك ولي الأمر فعليه تخليصُ قيمته لصاحبه إِذا طلبها ولا يأثم مالكه بأخذ قيمته إِن كان الواجد فرط بحيث لزمته "والله أعلم".
* * *
стр. 153
كِتابُ الوقفِ وغَيره (١)
وفيه ستة وعشرون مسألة
١ - مسألة: إِذا اشترى السلطان من بيت المال أرضًا، أو
стр. 154
غيرَها، ووقفه على شيء من مصالح المسلمين: كمدرسة، أو مارستان، أو رباط، أو خانة (١)، أو زاوية، أو رجل صالحٍ، أو ذريته، ثم على الفقراء، فهل يصح وقفه؟ أو وقف على ذلك أرضًا لبيت المال؟.
الجواب: نعم؛ يصح وقفه من بيت المال إِذا رأى ذلك مصلحة؛ لأن بيت المال لمصالح المسلمين، وهذا منها.
٢ - مسألة: رجل وقف على زيد، ثم على أولاده، ثم على أولاد أولاده، ثم على نسله، وعقبه على أن الذكر والأنثى سواء، وأنَّ مَنْ (٢) مات: عن ولد، أو نسل، أو عقب، عاد نصيبُه إِليه، ومن مات: عن غير نسل، أعطى نصيبه للأعلى، فالأعلى من أهل الوقف، فمات زيد، وترك ابنًا يسمى بَكْرًا، وثلاثَ بناتٍ: عائشةَ، وزينبَ، وهند (٣)، ثم مات بكر، وخلَّف ثلاثَ بنين: إِبراهيم، ومحمدًا، وأحمد، ثم ماتت زينب ولم تخلف عقبًا، ثم مات أحمد، وخلف إِسماعيل، ثم مات
стр. 155
محمدُ، ولم يخلف عقبًا، ثم ماتت هند، وخلفت ابنًا، ثم ماتت عائشة، وخلفت ابنَ ابن؟.
الجواب: يكون لابن هندٍ من الموقوف ربع وسدس، ولابن ابن عائشة، ربعٌ وسدسٌ -أيضًا- ولإِبراهيم بنِ بكر، نصفٌ وسدس، ولأحمد، نصف وسدس.
٣ - مسألة: وقف وقفًا على من يقرأ كل يوم جُزْءًا من القرآن قراءة مرتلة، ما حدُّ المرتلة (١)؟.
الجواب: أنها تُعْرف بالعرف، وتقريبها أنها قراءة مبيَّنة فيها تمهل (٢).
فيما إذا اتفقت العادة جاز العمل بها
٤ - مسألة: رجل ولي تدريس مدرسة، ولم يقف على شرطها لعدم كتاب الوقف، ولم يعرف شرط الواقف على (٣) كيفية الصرف إِليه وإِلى الفقهاء، فمشى على عادة المدرسين قبله في جميع ذلك، فهل يحل له ما كان يأخذه منها على وفق العادة، أم يكون حرامًا أم فيه شبهة، مع أن الذين كانوا قبله فيهم من هو أهل لأن يُقتدى به في مثل ذلك، وفيهم من لم يكن أهلًا لذلك؟.
стр. 156
الجواب: إِذا اتفقت عادتُهم جاز العمل بها، وكان المأخوذ منها حلالًا: فإن شكَّ في شيءٍ استحب الاحتياط "والله أعلم".
الوقف يثبت بالاستفاضة
٥ - مسألة: هل يثبت الوقف أو شروطه بالاستفاضة؟ فإن لم يثبت فكيف يصرف؟ ولو حكم بثبوت شروطه وتفصيله بالاستفاضة حاكمٌ هل ينفذه حاكم آخر أم لا؟.
الجواب: أما الوقف فيثبت بالاستفاضة. وأما شروطه وتفصيله فلا يثبت بها إِن (١) كان وقفًا على جماعة معيَّنين، أو جهاتٍ متعددةٍ قسمت الغلة بين الجميع بالسوية، وإِن كان على مدرسة مثلًا وتعذرت معرفةُ الشروط صرفَ الناظرُ الغلةَ فيما يراه من مصالحها، وإِذا حكم حاكمٌ بثبوت شروطه بالاستفاضة -وهو من الحكام المقلِّدينَ لأئمة مذاهبهم كما هو الغالب ولم يكن ذلك مذهبَ إِمامه- لم ينفذ حكمه فلا ينفذه غيره "والله أعلم".
٦ - مسألة (٢): وقف وقفًا على أن يُشْترى بغلَّتِه ثيابٌ، وتُفرق على الأيتام يومَ الرابع عشر من شعبانَ كل سنة، فتعذر تفريقُه في (٣) اليوم بعد ذلك؛ لعدم حضور الغلة أو لغيره (٤)، هل يجب تأخيرُ تفرقته إِلى اليوم الرابعَ عشر من شعبانَ المستقبل؟.
الجواب: لا يجب ذلك؛ بل تجب المبادرة بتفريقه على الأيتام في أول وقت الِإمكان؛ لأن الزمانَ (٥) الذي شرطه الواقف قد فات،
стр. 157
وصارت تفرقته قضاءً لا أداءً، فمتى تمكن أخرجه كالأضحية المنذورَة إِذا لم يذبحها حتى فاتت أيامُ التشريق، يذبحها متى تمكن، ولا يؤخرها إِلى وقت الأضحية من السنة الثانية.
٧ - مسألة: إِذا استناب إِمامُ مسجد يصلي فيه بجامْكيةٍ (١) من يصلي عنه مدة، هل تكون الجامكية للنائب أم للإمام الأصلي؟؟.
الجواب: إِذا استناب لعذر لا يُعد بسببه مقصرًا كانت الجامكية للِإمام الأصلي، وأما النائب فإِن ذكر له جَعْلًا استحقه، وإِلا فلا شيء له، لأنه متبرع. وإِن استناب على صفة يُعدُّ معها مقصرًا لم يستحقَّ الِإمام الأصلي شيئًا من الجامكية، وأما النائب فإن أذِن له الناظرُ فيه استحق الجامكية، وإِلا فلا يستحقها.
٨ - مسألة: إِذا وقف شيئًا على جماعة يقرؤون القرآن في سبع وغيره، وشرط أن يكونوا بالغين رجالًا هل يدخل فيهم مَنْ هو بالغ ولا لحيةَ له، أم يختص بمن له لحيةٌ، فإن لم يختص فما فائدةُ قوله رجالًا؟.
الجواب: نعم، يدخل البالغ الذي لا لحية له.
وفائدة التقييد في قوله رجالًا: إِما للتوكيد، وإِما للاحتراز من النساء.
٩ - مسألة: إِذا فسق ناظر الوقف، ثم صار عدلًا، هل تعود ولايته؟.
الجواب: إِن كانت ولايته مشروطةً في أصل الوقف، منصوصًا عليه بعينه عادت ولايته، وإِلا فلا.
стр. 158
١٠ - مسألة: إِذا شرط الواقف النظرَ لإِنسان، وجعل له أن يُسنده إِلى من شاء، ولمن أسنده إِليه إِسنادُه إِلى من شاء، وكذلك مسندًَا بعد مسنَد، فأسنده إِلى إِنسان، فهل للمُسْنِد عزلُ المسنَدِ إِليه أم لا؟ وهل له مشاركته أم لا؟ ولو مات هل يعود النظر إِلى المسند أم لا؟ ولو أسنده المسند إِليه إِلى ثالث فهل للأول عزلُه أم للثاني؟.
الجواب: ليس للمُسنِد عزلُ المسنَد إِليه، ولا مشاركته، ولا يعود النظر إِليه بعد موته، وليس له ولا للثاني عزل الثالث الذي أسند إليه الثاني، "والله أعلم".
١١ - مسألة: مدرسة فيها بيوت موقوفة على سُكنى الفقهاء والمتفقهين على مذهب إِمام معين، فسكن بيتًا منها فقيه من فقهاء ذلك المذهب؛ وليس له منزلٌ فيها هل يجوز له ذلك؟.
الجواب: نعم؛ يجوز له ذلك إِذا أسكنه الناظرُ إِلا أن يتحقق أن شرط الواقف أن لا يسكن فيها من ليس له منزل "والله أعلم".
١٢ - مسألة: رجلٌ إِمامُ مسجدٍ، وللمسجد أرض موقوفةٌ يتناول الِإمام غلَّتها، فيعمر المسجدَ منها، وُيسْرِجُه، ويَفرشه بالحصر (١) وغيرها، فإذا تمت مصلحته أخذ الباقي لنفسه وتصرف فيه، هل له الزيادة على كفاية المسجد، وهل يحل له الحج بها؟.
الجواب: إذا ولَّاه ذلك من له النظرُ، وأذنا له أن يأخذ الزيادة على كفاية المسجد، ولم يكن فيه مخالفةٌ لشرط الواقف، ولا للمصلحة، كانت الزيادة له، ويحل له الحج بها، وسائرُ التصرفات.
١٣ - مسألة (٢): وقف شيئًا على بناته الثلاث، وعلى من
стр. 159
يحدث له من الأولاد، للذكر مثلُ حظ الأنثيين: على أنَّ من مات منهم عاد نصيبه إِلى أقرب أهل الواقف إِليه، فماتت إِحدى البنات، وخلّفت أختيها:
١ - إِحداهما: من أبويها.
٢ - والأخرى: من أبيها فقط، ثم حدث له ابنٌ؟.
الجواب: لما ماتت إِحدى البناتِ، انتقل نصيبها إِلى أختها من أبويها: فيكون لها الثلثان، وللأخرى الثلث، فلما حدث الابن استحق نصفَ الوقف، ويكون النصف الآخر للبنتين؛ للتي من الأبوين ثلثاه، وللأخرى ثلثه، وتصح من ستة للابن ثلاثةٌ وللأخت من الأبوين سهمان، وللأخرى سهم (١).
١٤ - مسألة: رجل وقف على بنيه الثلاثة: علي،. وأحمد، وأبي بكر، بينهم بالسويه، يجري على كل واحد نصيبُه من ذلك وهو
стр. 160
الثلث أيامَ حياته، فمن توفي منهم عن نسل (١) وإِن سفل، كان ما كان عليه جاريًا من ذلك لنسله وإِن سفل، ومن توفي من بنيه الثلاثة المذكورين من غير نسل في حياة أخويه، عاد ما كان من ذلك -وهو الثلث- إلى أخويه الباقيين بينهما نصفين، ثم إِلى نسلهما للذكر مثل حظِ الأنثيين، فتوفي علي وخلَّف عبدَ الخالق ومظفرًا وإِسماعيل، وسارة، ومحبوبة، ثم مات أحمد، ثم (٢) أبو بكر عن غير ولد، ولا نسل، ثم مات عبد الخالق، وخلف ابنًا وبنتًا، ثم مات مظفر، ولم يُعْقب، ثم مات إِسماعيل، وخلف ابنًا واحدًا، ثم ماتت سارة ولم تعقب، ثم ماتت محبوبة وخلفت ابنين، فالحاصل أن الباقي الآن: ابنُ إِسماعيل، وولدا عبدِ الخالق، وابنا محبوبة، فكيف يقسم بينهم (٣)؟.
الجواب: لابن إِسماعيل سهم من ثلاثين، ويقسم الباقي بينه وبين الباقين بالسوية، وتصح من مائة وخمسين: لابن إِسماعيل أربعةٌ وثلاثون، ولكل واحد من الأربعة الباقين، وهم ولدا عبدِالخالق وولدا محبوبةِ تسعةٌ وعشرون؛ لأن أصل المسألة من ثلاث، مات علي عن سهم، فانتقل إِلى أولاده الخمسة، فتضرب خمسة في ثلاثة بخمسةَ عشر، فمات (٤) ابنه عبدُ الخالق عن سهم واحد وخلف ولدين، فتضربهما في خمسةَ عشر، تبلغ ثلاثين لأولاد علي منها عشرة لكل واحد سهمان، فينتقل نصيب إِسماعيل وهو اثنان إِلى ابنه، ونصيب عبد الخالق وهو اثنان إِلى ولديه، ونصيب محبوبة وهو اثنان إِلى ولديها، ويبقى من الثلاثين أربعةٌ وعشرون، منها عشرة كانت لأحمدَ، وعشرة
стр. 161
كانت لأبي بكر، وأربعة كانت لمظفر وسارة، وهذه الأربعة والعشرون تكون للموجوين الآنَ من أهل الوقف، وهم هؤلاء الخمسة:
ولدا عبدِالخالق، وولدا محبوبة، وابن إِسماعيل بينهم بالسوية، وهي منكسرة فتضرب الخمسة في الأصل، وهو ثلاثون تكون مائة وخمسين، فيكون لابن إِسماعيل اثنان في خمسة بعشرة، ولولدي عبد الخالق عشرة لكل واحد خمسة، وكذلك لولدي محبوبة يبقى مائة وعشرون للخمسة لكل واحد أربعة وعشرون، ولابن إِسماعيل منها (١) العشرة التي ذكرناها فصار له أربعة وثلاثون، ولكل واحد من الباقين أربعة وعشرون وخمسة فصارت تسعةً وعشرين، وإِنما قلنا: إِنه يُقْسم بينهم كذلك؛ لأن نصيبَ كل واحد من الثلاثين الذين أعقبوا من أولاد علي يكون لعقبه، ونصيب من لم يعقب منهم مع نصيب أحمد وأبي بكر يكون مسكوتًا عن مصرفه، فيصرف إِلى الموجودين الآن من أهل الوقف وهذا معروف في كتب الأصحاب، وقد كان قبل هذا الحال مقسومًا على غير هذا، لكن مقتضاه الآن قسمته هكذا، لأن الاعتبار في كل زمان بالموجودين فيه ممن يدخلما في الوقف، فإن مات بعضُهم عن غير عقب عاد نصيبه إِلى الموجودين فزاد نصيبهم، فإن حدث معهم أحدٌ شاركهم فنقص نصيبهم، وإنما لم يعد نصيبُ كل إِنسان إِذا مات إِلى عقبه، لأن الواقف إِنما ذكر ذلك فيما يستحقه كل واحد من أولاده الثلاثة من الثلث، لا في كل شيء يصير إِليهم، فيبقى فيما سواه مسكوتًا عنه، فَيُصرَف إِلى الموجودين بالسوية.
وأما قوله: ومن توفي من بنيه الثلاثة المذكورين عن غير نسل في حياة أخويه عاد ما كان له من ذلك، وهو الثلث إِلى أخويه ثم إِلى نسلهما.
стр. 162
فهذا أمر لم يوجد؛ لأنه شرط فيه أن يموت من غير نسل في حياة أخويه؛ بل مات أبو بكرٍ عن غير نسلٍ، ثم مات أحمدُ فلم يُخلفْ أخويه، بل أحدهما، فلم يوجد الشرط.
وإِذا لم يوجد يكون هذا الكلام كالعدم، وحينئذ لا يقسم شيء من ذلك للذكر مثل حظ الأنثيين، بل يقسم بالسوية بمقتضى الإِطلاق والله أعلم.
نقل غلة مسجد لآخر
١٥ - مسألة: ناظرُ أوقافِ مساجدَ، كان عادته أن يصرف غلةَ مسجدٍ في عمارة مسجد، ثم عُزِل هذا الناظرُ ووُلّيَ غيرُه، واحتاج بعض المساجد إِلى عمارة، هل له عمارته من غلة مسجد آخر لاحتمال أن (١) الذي قبله أخذ من (٢) هذا الثاني وصرفه في عمارة الأول؟.
الجواب: ما لم يثبت أنه أخذ من غلة المسجد المحتاج إِلى عمارةٍ شيئًا صرف في عمارة هذا الآخر، لا يجوز صرف شيء من غلة هذا في عمارة ذلك، وإِن ثبت صرفه من غلة ذاك في عمارة هذا، فإن كان المصروف أعيانًا موجودةً كالأحجار، والأخشاب والآجُرُّ ونحوها، رُدَّت إِلى المسجد الذي أَخذت من غلته.
وإِن كان المصروف ليس بعين، وإِنما هو أجرة صناع ونحوها لم يَجُزْ أخذه من غلة المسجد الثاني، بل يجب ضمانه على الذي صرفه، والله أعلم.
* * *
стр. 163
الوصية (١)
مسائل علمية تتعلق بها
١٦ - مسألة: أوصى لأولاد زيدٍ، وله أولاد ذكورٌ، وإِناث من نسوة كيف يُقْسَمُ بينهم؟.
стр. 164
الجواب: يُقسم بينهم بالسوية؛ للأنثى مثلُ الذكر. والله أعلم.
١٧ - مسألة: إِذا أوصى لرجل بمائة معينة، ثم أوصى له بمائة معينة أخرى، قال أصحابنا: استحق المائتين، وإن أطلق إحداهما حُمِلَت المطْلَقَةُ على المعينة. وكذا لو أطلقها لم يكن (١) له إِلا مائةٌ، ولو أوصى له بخمسين. ثم بمائة، استحق المائة فقط.
ولو أوصى له بمائة، ثم بخمسين فوجهان:
١ - أصحهما: ليس له إِلا خمسون.
٢ - والثاني: له مائة وخمسون.
١٨ - مسألة: رجل أوصى أن يُشْترى من ثلث ماله أرضًا بألف درهم، في موضع بدمشقَ، يُدفن في موضع منها، والباقي يكون وقفًا على من يقرأ كلَّ يوم جزءًا من القرآن عند قبره المذكور، ثم إِن تعذر القارىء، كان وقفًا على القراء (٢). فمات الوصي المذكورُ في الحجاز، ودفن هناك، فماذا يُصنَع بالألف.
стр. 165
الجواب: يُحكم ببطلان الوصيةِ لتعذرها، ويجب رَدُّ الألف درهمٍ إِلى التركة، فتقسم بين الورثة كسائر التركة (١).
١٩ - مسألة: رجل تملَّك (٢) نصفَ عبدٍ وأعتقه، لا يَسْري العتق إِلى باقيه مع إِنه قِنٌ.
صورته أن يكون باقيه موقوفًا، فلا يسري إِلى النصف الآخر باتفاق أصحابنا، وفرق صاحب الشامل وغيرُه من أصحابنا بينه وبين نصيب الشريك، لأن نصيب الشريك يُتصور إِعتاقه، بخلاف هذا.
٢٠ - مسألة: إِذا خارج السيد عبدَه بمالٍ قرره (٣) عليه، كلَّ يوم أو أسبوع، فبقي مع العبد شيء بعد نفقته، وأداء وظيفة الخراج، هل للسيد أن ينتزع منه ما فَضل؟.
الجواب: نعم؛ له ذلك (٤).
٢١ - مسألة: إِذا قَتلَتْ أم الولد، والمدبَّرُ سيّدهما، هل يَعتِقان؟ وإِذا قتل مُستَحِقُّ الدَّين، مَنْ عليه دينٌ مؤجلٌ هل يحل الدين؟.
يأجوجُ ومأجوج (١)
٢٢ - مسألة: يأجوجُ ومأجوجُ، هل هم من أولاد حواء؟ وكم صح في قَدْر أعمارهم؟.
стр. 168
الجواب: هم من ولد آدم من حواءَ عند جماهير العلماء، وقيل: إِنهم من بني آدم لا من حواءَ، فيكونون إِخوتنا لأب، ولم يثبت في قدْر أعمارهم شيء، وذكر المفسرون وأهل التاريخ في ذلك أشياء لا تثبت.
العلم والجهاد
٢٣ - مسألة: الاشتغال بالعلم، والجهاد أيُّهما أفضل؟.
الجواب: ما دام الجهاد فرضَ كفاية، فالاشتغال بالعلوم أفضل، وإِن صار الجهاد فرضَ عين فهو أفضل من العلم، سواء أكان فرضَ عين أم فرضَ كفاية "والله أعلم".
مسائل نفيسة تتعلق بعلم الفرائض
٢٤ - مسألة: مذهب الجمهور من الصحابة، ومَنْ بعدهم ﵃ إِثباتُ العَوْل في مسائل الفرائض، إِذا زادت الفروض على السهام، وهذا هو القياس كما لو ضاقت أموالُ المفلس، والميتِ عن ديونه، فإِنه تقسط بنسبتها.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا عول. فما قولُ ابن عباس إِذا ضاقت السهام عن الفروض؟.
الجواب: يدخل النقصُ على الأخوات والبنات، لأنهنَّ يكنَّ عصباتٍ في بعض الأحوال وهو مع إخوتهن، وشأنُ العصبة أن يدخل
стр. 169
النقص عليه فيأخذ ما بقي بعد الفروض، ولا بد في مسائل العَول من أخوات أو بنات "مثاله" زوج، وأم، وأخت، قال ابن عباس: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت ما بقي وهو السدس. زوج وأبوان، وبنتان: للزوج الربع، وللأبوين السدسان، والباقي للبنتين: وهو خمسة أسهم من اثني عشر سهمًا (١).
стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 175
٢٥ - مسألة: مما وقع السؤال فيه مراتٍ: مسألة المشرَّكة في الفرائض: وهي زوج وأم، أو جدة واثنان من ولد الأم، وذكر فأكثرُ من ولد الأبوين، فلو كان الذين من الأبوين ذكورًا، أو إِناثًا، والذين من الأم كذلك، فكيف يتقاسمون الثلث الذي هو فرض ولد الأم؟.
الجواب: قال أصحابنا وغيرهم: يتقاسمه أولاد الأبوين، وأولاد الأم: الذكر والأنثى بالسوية، ولا تفضيل للذكر، سواء كان من الأم، أو من الأبوين لأنهم إِنما يرثون بولادة الأم ولا تفضيل فيها "والله أعلم".
٢٦ - مسألة: سئل عن خمسة عشر ذكرًا، ورثوا مالًا بالنسب: خمسة منهم نصفه، وخمسة ثلثه، وخمسة سدسه؟.
الجواب: الأولون أولاد عم (١) وهم إخوة لأم، والخمسة الثانية أولاد عم فقط، والخمسة الثالثة إخوة لأم فقط (٢)، والله أعلم.
* * *
стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 177
كِتابُ النِكَاحِ (١)
وفيه خمس عشرة مسألة
١ - مسألة: هل الزواج من أعمال الآخرة أم من أعمال الدنيا وحظوظ النفوس؟.
الجواب: إِن قصد به شيئًا من الطاعات، بأن قصد الاقتداء برسول الله ﷺ ، أو تحصيلَ ولد صالح، أو إعفافَ نفسه، وصيانةَ فرجه، وعينه، وقلبه، ونحو ذلك، فهو من أعمال الآخرة وُيثابُ عليه، وإن لم يقصد به شيئًا من ذلك فهو مباح من أعمال الدنيا وحظوظ النفس، ولا ثواب فيه، ولا إِثم (٢)، والله أعلم.
стр. 178
كشف وجه المسلمة
٢ - مسألة: هل يجوز للمسلمة أن تكشف وجهها ونحوَه من بدنها (١) ليهودية أو نصرانية وغيرهما من الكافرات؟ وهل في ذلك خلافٌ في مذهب الِإمام الشافعي وما دليلهُ؟.
الجواب: لا يجوز لها ذلك؛ إِلا أن تكون الكافرة مملوكةً لها، هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي ﵁، ودليله قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ
стр. 179
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) أي نساء المسلمات، فبقيت الكافرات (٢) على النهي المذكور في أول الآية. وقد كتب سيدنا عمر بنُ الخطاب ﵁ إِلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁، وهو بالشام يأمره: أن ينهى المسلمات عن ذلك، والله أعلم (٣).
стр. 180
النظر إلى الأمرد
٣ - مسألة: هل يجوز النظر إِلى الأمرد أم لا؟ ولو كان رجل يهوى المرْد، وُينفق عليهم ماله، ويهون عليه إِعطاء الواحد منهم جملة كثيرة، ويشق عليه إِعطاءُ درهم لفقير ذي عيال محتاج، هل يحرم عليه اجتماعه هو وهم؟ وإِنفاقه على هذا الوجه؟ وهل إِذا جمع بينهم يكون آثمًا أم لا؟ وهل تسقط عدالة من جمعهم، وداوم على ذلك أم لا؟ وهل قال بإجازة ذلك أحد من العلماء أم لا؟.
الجواب: مجرد النظر إِلى الأمرد الحسن حرامٌ، سواء كان بشهوة أم بغيرها، إِلا إذا كانت لحاجة (١) شرعية: كحاجة البيع، والشراء، أو التطبب، أو التعليم ونحوها، فيباح حينئذ قدرُ الحاجة، وتحرم الزيادة، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢) وقد نص الشافعي رحمه الله تعالى وغيرُه من العلماء رحمهم الله تعالى على تحريم النظر إِليه من غير حاجة شرعية واحتجوا بالآية الكريمة، ولأنه (٣) في معنى المرأة؛ بل بعضهم أحسنُ من كثير من النساء، ولأنه يمكن في حقه من الشر ما لا يمكن في حق المرأة، ويتسهل من طرق الريبة والشر في حقه، ما لا يتسهل (٤) في حق المرأة، فهو بالتحريم أولى، وأقاويل السلف في التنفير منهم، والتحذير من رؤيتهم أكثرُ من أن تحصر، وسموهم الأنتانَ؛ لأنهم مستقذَرون شرعًا، وسواء في كل ما ذكرناه، نظر المنسوب إِلى الصلاح وغيره.