التبرع على بعض الزوجات
١٩ - مسألة: إِذا كان له زوجات، فقام بواجبهن: من نفقة، وكسوة، وغيرها، ثم أراد أن يتبرع على بعضهن خاصةً بشيءٍ زائد: من نفقة، أو كسوة هل له ذلك؟.
الجواب: له ذلك، وتستحب التسوية بينهن في ذلك.
٢٠ - مسألة: رجل دفع إلى زوجته كسوةَ فصلٍ من فصول السنة، ثم طلقها بعد انقضاء الفصل -وهي حامل منه- طلاقًا بائنًا فهل تجب له كسوة الفصلِ الذي شَرعت فيه، وقد مضى لحملها ثمانية أشهر، فإن وجبت فوضعت الولد بعد شهر ونحوه، فهل يسترجع منها؟ وهل فيه خلاف في مذهب الِإمام الشافعي؟ وما دليله؟.
الجواب: نعم؛ تستحق كسوةَ ذلك الفصلِ الذي شرعت فيه؛ لأن الكسوة تجب بأول الفصلِ، فإن انقضت عدتها بعد شهر ونحوِه لم يسترجع منها ذلك على الأصح، كما لو ماتت في أثناء الفصل لم يسترجع كسوته على الأصح.
٦١ - مسألة: البائن الحامل تجب لها الكسوة كما تجب النفقة، صرحَّ به أصحابنا.
٢٢ - مسألة: إِذا كسا زوجته كسوةَ فصلٍ، ثم طلقها قبل انقضائه، أو مات عنها، هل يرجع عليها (١) أم لا؟.
الجواب: لا رجوع بها.
стр. 212
سقوط نفقة الزوجة بعارض
٢٣ - مسألة: رجل أراد السفر بامرأته، فاحتالت عليه فأقرت بدين لبعض أهلها، فحبست في الدين وامتنع سفرها معه، هل تسقط نفقتها؟.
الجواب: تسقط؛ لأنها تجب في مقابلة الاستمتاع، وشرطها التمكين، وقد فات بعارض نادر، وقد صرح البَغَويُّ وغيره: بأنها لو وطئت بشبهة فاعتدت عن الشبهة، لم يلزم زوجَها نفقتُها في (١) مدة العدة، وهي (٢) كمسألتنا. وقد أفتى في مسألتنا الشيخ أبو عمرو بن الصلاحِ بمثل ما ذكرته، ثم رأيت في فتاوى الِإمام الغزالي: أنها إِذا حبست في دين ثبت بإقرارها سقطت نفقتها، كما ذكرنا وإِن ثبت بالبينة لا تسقط؛ لأنها معذورةٌ، والمختار: أنها تسقط -أيضًا- إِذا ثبت بالبينة؛ لأنه يتعذر الاستمتاع (٣)، فأشبه عدة الشبهة، ويخالف المرض؛ فإنه عام متكرر، ولا يظهر الفرق بين إِقرارها، والبينة؛ فإنها معذورة -أيضًا- في إقرارها، لئلا تكذب.
حكم قتل النمل وإحراقه
٢٤ - مسألة: هل يحل قتل النمل، أو إِحراقه؟.
أجاب ﵁: لا يحل قتله، ولا إِحراقه، "والله أعلم، كتبته عنه" (٤).
стр. 213
سقوط حق الحضانة
٢٥ - مسألة: إِذا تزوجت المرأة سقط حقُها من الحضانة إِلا أن يكون زوجها جَد الطفل: أبا أبيه (١)، أو عم الطفل، أو ابنَ عمه، أو غيرَهم ممن له الحضانة من العصبات.
وإِن تزوجت بجده أبي أمه، وغيره من ذوي الأرحام فلا حضانةَ لها، وإِنما نثبت الحضانة لها إِذا تزوجت أبا أبيه، أو عمهِ، وغيرِهم إِذا رضي تزوجها لحضانتها (٢) فإن امتنع لزمها الامتناعُ، وله منعُها "والله أعلم".
الأحق بالحضانة (٣) بعد زوج الأم
٢٦ - مسألة: طفل له أم طلقَها أبوه، فتزوجت غيرَه وله أمُ أمٍ مزوجةٍ بأبي الأم، وله أبٌ وأمُّ الأب غيرُ مزوجة، فلمن حضانته؟.
стр. 214
الجواب: هي للأب: لأن الأم مزوجةٌ لا حق لها، وكذا (١) أمها مزوجة لمن (٢) لا حضانة له، بخلاف ما لو كانت مزوجةً بجد الطفل: أبي أبيه، فإن له الحضانةَ؛ لأنه من أهل الحضانة.
وأما أم الأب فلا حضانة لها مع وجود الأب، لأنها تُدلي به.
لو تنازعت المطلقة وزوجها في حضانة الولد
٢٧ - مسألة: إِذا تنازعت المطلقة، وزوجها الذي طلقها في حضانة الولد فادعت أنها أهلٌ للحضانة، وأنكر الزوج، فهل القول قولها، أو قوله؟ ومن يطالَب منهما بالبينة؟ وهل البينة بأنها ليست أهلًا من غير بيانِ سببِ عدم الأهلية؟.
الجواب: لا يقبل قولها في الأهلية، إِلا ببينة، ولا تقبل بينة بعدم الأهلية، إِلا ببيان السبب، كما في جرح الشهود والرواة "والله أعلم".
* * *
стр. 215
كِتابُ الجنايات
وفيه عشرون مسألة
إذا قال الرجل اقتلني أو اقطع يدي
١ - مسألة: إِذا قال لرجل: اقتلني، فقتله؛ ماذا يجب عليه من الدية، أو الكفارة؟.
أجاب رضي الله تعالى عنه: إِذا كان المقتول حرًا فلا قصاصَ فيه ولا دية، وتجب الكفارة.
٢ - مسألة: إِذا قال لرجل: اقطع يدي، فقطعها، ماذا يلزمه، والقول قولُ مَنْ إِذا اختلفا؟.
أجاب رضي الله تعالى عنه: لا يلزمه شيء سوى التعزيرِ (١)، وإِذا اختلفا في الإِذن فالقول قول المقطوع في عدم الِإذن، "والله أعلم، كتبتهما عنه".
٣ - مسألة: هل يؤخر قصاص الطَرَف (٢) لشدة الحر أو البرد، أو المرض ونحوها؟ وهل فيه خلاف في مذهب الشافعي؟.
الجواب: لا يؤخر، هذا هو المذهب الصحيح. وبه قطع الأكثرون.
стр. 216
الحديث على توبة القاتل ومطالبته في الآخرة
٤ - مسألة: في مَنْ قُتِلَ مظلومًا، فاقتص وارثه، أو عفى على الدّية، أو مجانًا، هل على القاتل بعد ذلك مطالبةٌ (١) في الآخرة؟،
الجواب: ظواهر الشرع تقتضي سقوطَ المطالبة في الآخرة، والحالة هذه (٢).
стр. 217
قهر صغيرة على نفسها فوطئها
٥ - مسألة: رجل قهر صبيةً عمرُها أربعُ سنينَ على نفسها فوطئها بغير حق، ولا شبهة فأفضاها، وخلط قبلَها بدبرها، ثم زوَّجه إِياها أبوها، فما الحكم في ذلك؟.
الجواب: يجب عليه بإفضائها دِيةُ المرأة مغلظةً: وهي خمسونَ بعيرًا، منها عشرون خَلِفةً وهي الحوامل، وخمسَةَ عشَر جذَعة، وخمسَةَ عشَر حُقَّة، ويجب عليه مهر مثلِها ثيبًا، وأرش (١) بكارتها وهي الحكومة، ويجب عليه حد الزنا. والنكاح المذكور باطل؛ لأنها صارت ثيبًا، لا يصح نكاحها إِلا بإذنها بعد بلوغها. وقد نص أصحابنا على أن وطء الضعيفة التي لا تحتمل الوطءَ إذا حصل به الِإفضاء وكان عمدًا فيجب فيه دية مغلظة "والله أعلم".
ما يجب على صاحب الحيوان لو أتلف شيئًا
٦ - مسألة: إذا كان له جمل، أو كلب، أو هرة، أو غيرُها من الحيوانات، وقد تولَّع بالتعدي، كالهرة التي تعودت أخذ الطيور
стр. 218
المملوكة، أو تعودت أن تقلب القدور، أو الحمارِ أو الجملِ الذي عُرف بعقر الدواب، أو إِتلافها، ونحو ذلك، ففي كل هذا وجهان لأصحابنا:
أصحهما عندهم، وبه يُفتى: أنه يجب ضمان ما أتلفت، سواء كان صاحبها معها أم لا، وسواء أتلفت ليلًا أو (١) نهارًا؛ لأن عليه حفظَها وربطها.
أما إِذا كانت الهرة لا يعرف منها الِإتلاف، فأتلفت فوجهان:
١ - أصحهما: عند أصحابنا لا ضمانَ على صاحبها، وبه يُفتى، سواء أتلفت ليلًا أم نهارًا؛ لأن العادة حفظُ الطعام عنها لا ربطُها.
٢ - والثاني: يضمن ما أتلفه (٢) ليلًا لا نهارًا كالبهيمة.
قتل الحيوان حال إفساده
٧ - مسألة: إِذا كانت الهرة، أو نحوها معروفةً بالإفساد وضارية، فقتلها إِنسان في حال إِفسادها (٣) دفعًا جاز، ولا ضمان عليه كقتل الصائل دفعًا، وإِن قتلها في غير حال الإِفساد ففيه وجهان لأصحابنا:
١ - أصحهما: وهو قول القفال: لا يجوز، فإن فعله ضمنها لأن ضررها عارض والاحتراز عنها ممكن.
٢ - والثاني: قاله القاضي حسين: يجوز قتلها، ولا ضمان فيها وتلحق بالفواسق الخمس.
стр. 219
في تحمل العاقلة الدية وفي اللوث
٨ - مسألة: هل تحمل العاقلة (١) ديةَ النفس، والأطراف، في شبه العمد (٢).
الجواب: نعم؛ تحمل كل ذلك.
٩ - مسألة: إِذا تقابلت (٣) طائفتان فَوجِد بينهما رجلٌ من إِحدى الطائفتين، ليس عليه أثرُ جِراحٍ (٤) ولا ضَرْبٍ، ولا غيرِ ذلك، ومات بعد يوم، أو يومين، أو نحو ذلك، هل يكون هَذا لوثًا (٥) حتى يكون القول قولَ وارثه في دعواهُ القتلَ على واحد من الطائفة الأخرى أم لا، وهل يحلف المدعى عليه في غير اللوث يمينًا أم خمسين يمينًا؟.
الجواب: ليس هذا لوثًا، ويحلف المدعى عليه، والحالة هذه خمسين يمينًا.
стр. 220
فيما لو دخل آخوان الدار فتفرقا فيها
فوجد أحدهما قتيلًا
١٠ - مسألة: رجلان أخوان، دخلا دارًا لحاجة، فتفرقا فيها، وفيها جماعة، فوجد أحدُهما الآخر قتيلًا ما حكمه؟.
الجواب: هذا لوث، فإن لم يكن هناك بينة ولا اعتراف وادعى الأخُ الحي على الموجودين أو بعضهم، أنه القاتل، حلف المدعي خمسين يمينًا، ووجب له على المدعى عليه دِيَةُ القتل حالَّةً في مال المدعى عليه إِن (١) ادعى عليه قتل عمد، وإِن ادعى عليه خطأ وجبت الدية على العاقلة ديةٌ مخففة مؤجلة، وإِن ادعى شبه عمدٍ فعلى العاقلة مغلظةٌ مؤجلة (٢).
فيما غنمه المسلمون
١١ - مسألة: إِذا غَنِمَ المسلمون غنائم، فأعطى السلطان أميرًا جملة من الغنيمة لم يُخمّسها، هل يلزمه خُمس ذلك، وما حكم ما صار إِلى الأمير؟.
стр. 221
الجواب: إِذا لم يخمسها السلطان التخميسَ الشرعي، ولم يقسم الباقي بالسوية المعتبرَة شرعًا بين جميع الحاضرين، وجب الخُمس في هذا الذي صار إِلى الأمير، ولا يحل له الانتفاع بالأخماس الأربعة حتى يصل منها أو من غيرها من الغنيمة إِلى كل حاضر قدرُ حصته، هذا إِذا لم يُعْطِه السلطان ذلك على سبيل النفل بشرطه، فإذا تعذر على الأمير صرفُ الذي في يده إِلى مستحقه لزمه إِلى القاضي كسائر الأموال الضائعة "والله أعلم".
فيما لو زنى الذمي ثم أسلم
١٢ - مسألة: إِذا زنى الذميُّ، ثم أسلم، وقامت بَيّنة بزناه سقط عنه الحد، فلا يُحدُّ ولا يعزَر، نصَّ عليه الشافعي بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) ويستدل أيضًا بقوله ﷺ : "الإِسْلامُ يَهْدِمُ ما قَبْلَهُ". رواه مسلم من رواية عمرو بنِ العاص. ولأنَ نص القرآن يدل على سقوط الحدِّ عن السارق وقاطع الطريق إِذا تابا، فعن الكافر أولى، ولأن في إِيجاب الحد تنفيرًا عن الِإسلام، وبمثل هذه العلة عللوا سقوط قضاءِ الصلاة عنه، وحكى ابن المنذر هذا عن مالك -أيضًا- وروايةً عن أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه. وقال أبو ثور: لا يسقط، وهي رواية أخرى عن أبي حنيفة.
فيما لو زنى بميتة
١٣ - مسألة: إِذا زنى بميتة، هل يُحدُّ، أو يلزمه المهر أو الغسل أم لا؟.
الجواب: يُعزَّر، ولا حد عليه، ولا مهر ويلزمه الغسل.
стр. 222
فيما لو قال الِإنسان يا مأبون أو يا سائب
١٤ - مسألة: رجل قال لِإنسان: يا مأبون (١) أو يا سائب، هل هذا كناية في القذف؟.
الجواب: قوله يا مأبون كناية (٢)، وكذا قوله يا سائب إن كان يطلق في العرف للنسبة إِلى الزنا.
لو سرق الكفن أو لعن الكفار أو
قال للمسلم يا كلب
١٥ - مسألة: إِذا سرق الكفن من القبر، هل يقطع؟.
الجواب: إِذا كان القبر في طرف العمارة قطع، وإِن كان في مضيعة فلا.
١٦ - مسألة: هل يجوز لعن اليهودِ، والنصارى، والرافضة، والقدرية عمومًا من غير تخصيص؟.
الجواب: يجوز ذلك، وتركه أفضل.
١٧ - مسألة: ماذا يجب على من يقول للمسلم: يا كلب، أو يا خنزير، ونحوه من الألفاظ القبيحة هل يأثم؟.
الجواب: يأثم، وُيعزَّر، وعليه التوبة "والله أعلم".
стр. 223
كلمة عمر الفاروق
١٨ - مسألة: ما معنى قولِ عمر رضي الله تعالى عنه: إِن أَسْتَخلف فقد اسْتَخْلفَ من هو خيرٌ مني، وإِن أترك فقد ترك من هو خير مني. وماذا أراد به؟ وهل الحسن أفضل من معاوية؟.
أجاب رضي الله تعالى عنه: المراد بالذي استخلف أبو بكر، وبالذي لم يستخلف النبي ﷺ . والحسن أفضل من معاوية رضي الله تعالى عنهما "كتبتهما عنه".
في إطلاق اسم الخليفة
وتولية اليهود في بيت المال
١٩ - مسألة: هل يجوز أن يقال لأحد من الخلفاء: هذا خليفة الله تعالى، أو خليفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الجواب: يجوز أن يقال: هذا خليفةُ رسولِ الله ﷺ ولا يجوز عند جمهور العلماء أن يقال: خليفة الله الا في آدمَ وداودَ صلوات الله عليهما وسلامه.
٢٠ - مسألة: رجل يهودي وُلِّي صَيْرفيًا في بيت مال المسلمين ليزنَ الدراهم المقبوضةَ والمصروفة، ويَنقدها، وُيعْتمدُ في ذلك قولُه هل تحل توليته أم لا؟ وهل يثابُ ولي الأمر على عزله واستبدالِ ثقة مسلمٍ بدله. وهل يثاب المساعد في عزله؟.
الجواب: لا يحل تولية اليهوديِ ذلك ولا يجوز إِبقاؤه فيها، ولا يحل اعتماد قولِه في شيء من ذلك، وُيثاب ولي الأمر وفقه الله تعالى في عزله، واستبدال مسلمٍ ثقة، ويثاب المساعِدُ في عزله.
стр. 224
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ (١) إِلى آخر الآيات. ومعناها لا تتخذوا مَنْ يداخل بواطن أموركم مِنْ دونكم، أي من غيركم، وهي (٢) الكفار، لا يألونكم خبالًا أي لا يُقصرون فيما يقدرون على إِيقاعه من الفساد والأذى والضرر، قد بدت البغضاء من أفواههم، يقولون نحن أعداؤكم، "والله أعلم".
* * *
стр. 225
كِتابُ الأقضِيَة (١)
وفيه سبعة عشر مسألة
تولية الأئمة الأربعة
١ - مسألة: هل صحَّ أن أحدًا من الأئمة الأربعة المشهورين تولى القضاء؟.
стр. 226
أجاب ﵁: لم يتولَّه أحدٌ منهم "والله أعلم، كتبته عنه".
قضاء القاضي بعلمه
٢ - مسألة: الأصح أن القاضيَ يقضي بعلمه في غير حدود الله تعالى، ولا يقضي في حدود الله تعالى بعلمه، وأجمع المسلمون على أنه لا يقضي على خلاف علمه وإِن شهد به عُدولٌ كثيرون.
стр. 227
القضاء على الغائب
٣ - مسألة: هل يجوز القضاء (١) على الغائب في الحدود؟.
الجواب: يجوز في القصاص، وحد القذف، ولا يجوز في حدود الله تعالى.
موت المدعى عليه بسبب المدعي
٤ - مسألة: إِذا ادعى على إِنسان مالًا، وحبسه ولي الأمر به، فمات في الحبس، هل على المدعي إِثم أو ضمان؟.
الجواب: لا يلزمه قصاص، ولا دِيَةٌ، ولا كفارة، وأما الِإثم فإن كان محقًا في الدعوى، وعَلم أو ظنَّ يساره (٢) به لم يأثم؛ وإن كان مبطلًا، أو محقًا، وعلم أو ظن إِعسارَه به أثم "والله أعَلم".
فيما إِذا تعارضت البيِّنات
٥ - مسألة: إِذا أقام إِنسان بينة أن هذه الدار ملكه، وأقام آخرُ بينةً أنها وقفٌ عليه، ما حكمه؟.
الجواب: لا ترجيحَ بالوقف؛ بل إِن كانت في يد أحدهما فهي له، وإِلا فهما متعارضتان، فلو كانت بينةُ الوقف أقدَم تاريخًا، وبينةُ الملك متأخرة لكنها في يد مدعي الملك حكم بها لمدعي الملك؛ لأن اليد أقوى من سَبْق التاريخ على الصحيح.
فيما إذا أقام بينته على أنه مكرَه في البيع
٦ - مسألة: رجل أُشْهِد عليه ببيعِ مكانٍ، وبقبض ثمنه، ورضاه بذلك، ثم ادعى أنه كان مُكرَهًا، وكان هناك قرينة، تصدق قولَه،
стр. 228
وأقام بينةً أنه (١) كان مكرهًا، هل تسمع بينته، ويحكم بفساد البيع مع اعترافه بالرضا؟.
الجواب: نعم؛ تسمع بينته، ويحكم بفساد البيع، والحالة هذه (٢).
إتيان المنجمين وتصديقهم
٧ - مسألة: هل يجوز الِإتيانُ إِلى المنجمين، وتصديقُهم فيما يقولون أم لا؟ وروى النسائي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقبل صلاة من أتاهم وصَدَّقهم" هل هذا صحيح، أوضحوا لنا ما جاء فيه عن النبي ﷺ ، وما قاله العلماء؟.
الجواب: ثبتت أحاديثُ كثيرةٌ بتحريم ذلك، منها: عن صفيةَ بنتِ أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، أنه قال: "مَنْ أتى عَرَّافًا فَسألَهُ عَنْ شَيءٍ فَصدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ صَلاتُهُ (٣) أرْبَعِينَ يَوْمًا". رواه مسلم في صحيحه. وعن قبيصةَ بنِ المخارق، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْعيَافَةُ، والطيِرَةُ، والطَّرْقُ مِنَ الْجبْتِ". رواه أبو داود بإِسناد حسن؛ قال أبو داود: والعيافة والخط والطَّرْق: الزجر، أي: زجرُ الطير، وهو أن يتيامن، أو يتشاءم بطيرانه، فإن طار إِلى جهة اليمين تيَّمن! وإِن طار إِلى اليسار تشاءم! قال الجوهري: الجبت كلمةٌ تقع على الصنم، والكاهن، والساحر، والمنجم، ونحو ذلك (٤).
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السحْر، زَادَ مَا زَاد". رواه أبو داود بإِسناد صحيح.
وعن معاويةَ بن الحكم ﵁ قال: قُلْتُ يا رسول الله إِني حَديثُ عَهْدٍ بجاهِليَّة، وقَدْ جَاءَ اللهُ بالإِسلامِ، وَإِنَّ منَّا رِجالًا يأتُونَ الْكُهَّان؛ قَالَ: فَلا تَأتِهمْ؛ قًلْتُ: وَمنَّا رِجَالُ يَتَطَيَّرُونَ؛ قالَ: ذاكَ شيء يَجِدُونَه في صُدُورِهم فَلا تُصَدقْهُمْ". رواه مسلم.
وعن أبي مسعود البدريّ، أن رسولَ الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي (١)، وحلوان الكاهن. رواه البخاري ومسلم.
стр. 231
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "سألَ رَسُولَ الله ﷺ نَاسٌ عَنِ الْكُهَّانِ، فقَالَ: ليْسُوا بِشيءٍ. فَقَالُوا: يا رَسُولَ الله إنَهُمْ يُحَدِّثونَ أحْيانًا بِشيءٍ فَيكونُ حَقًًَّا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : تِلكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَق، يَخْطَفُهَا الْجنّيُّ فَيُقرُّهَا في أُذُنِ وليّه، فَيَخْلطُونَ مَعَهَا مِائةَ كَذبَةٍ". رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أتَى كَاهِنًا فَصَدَّقهُ بِما يَقُولُ، أوْ أتى امرأةً في دُبُرِهَا، فَقَدْ بَريءَ ممَّا أُنْزِلَ عَلى مُحمدٍ ﷺ ". رواه أبو داود بإسناد ضعيف، قال العلماء فيحرم تعاطي هذه الأمورِ والمشيُ إليها، وتصديقُهم، ويحرم بذل الأموال لهم، ويجب على من ابتلي بشيء من ذلك المبادرةُ بالتوبة منه.
اللعب بالنرد والشطرنج
٨ - مسألة: اللعب بالنَّرد جائز أم حرام؟.
أجاب رضي الله تعالى عنه: هو حرام عند أكثر العلماء "والله أعلم".
٩ - مسألة: لعب الشطرنج، هل يجوز أم لا، وهل يأثم اللاعب به؟.
أجاب رضي الله تعالى عنه: إِن فوَّت به صلاةً عن وقتها، أو لعب على عِوَضٍ فهو حرام؛ وإِلا فمكروه: عند الشافعي رضي الله تعالى عنه وحرام: عند غيره "والله أعلم، كتبتهما عنه" (١).
стр. 232
القدح في الفتوة
١٠ - مسألة: رجل فَتِيٌّ معدود من الفتيان، ترسم على فتى آخَرَ بأمر بعض ولاة الأمر، فضايقه مضايقةً ظاهرة من غير أمر بذلك، وتكرر (١) أخذُه منه الدراهمَ بسبب ذلك بغير رضى المأخوذ منه، هل يقدح ذلك في فتوته، وهل يخرج عن كونه فتى؟.
الجواب: يقدح (٢) فيها، وينبغي أن يُستتاب، فإن أصرَّ خرج عن كونه فتى (٣) "والله تعالى أعلم".
стр. 233
إِكرام المغني
١١ - مسألة: هل يُفَسَّق إِذا أعطى المغني، أو الذين يُخرجون أنفسهم في الأسواق أم يثاب؟.
الجواب: لا يفسق بمجرد ذلك، ولا ثوابَ له؛ إِلا أن يكون له قصد صحيح شرعي (١).
العبور في سوق الصاغة
١٢ - مسألة: العبور في سوق الصاغة، هل يجوز أم لا؟ وهل يأثم الِإنسان إِذا اجتاز به أم لا؟.
أجاب رضي الله تعالى عنه: أنه: إِن كان فيها معاملات محرمة كالربا وغيره حرم (٢) العبور فيها لغير حاجة "والله أعلم".
تتبع الرخص وتقليد مذهب الغير
١٣ - مسألة: هل يجوز لمن تمذهب بمذهب أن يقلد مذهبًا آخرَ فيما يكون (٣) به النفع، ويتتبع الرخص؟.
стр. 234
أجاب رضي الله تعالى عنه: لا يجوز تتبع الرخص (١) "والله أعلم".
стр. 235
مرتكب الحرام والمكروه
١٤ - مسألة: إِذا علم الِإنسان شيئًا هو حرام أو مكروه ففعله، هل يفسق ويعاقب عليه في الآخرة أم لا؟.
أجاب ﵁: أما المكروه: فلا يعاقب عليه: لكن ينقص أجره بالنسبة إِلى من لا يفعله:
وأما الحرام: فيستحق العقاب عليه في الآخرة إِن لم يتب منه توبة صحيحة.
وأما الفسق: فيحصل بارتكاب كبيرة، أو الإِصرار على صغيرة.
"والله أعلم، كتبتهما عنه" (١).
إقرار الأصول بعين للولد
١٥ - مسألة: إِذا أقر الأبُ، أو الأم، أو الجد، أو الجدة بعين مال للولد، فيمكن أن يكون مستنَدُ (٢) إقراره ما يمنع الرجوع كالبيع
стр. 236
وأشباهه (١)، ويحتمل أن يكون ما لا يمنع، وهو الهبة، فإذا فسره بالهبة، وأراد الرجوع في تلك العين ولم يتعلق به حق أجنبي، فهل له ذلك؟.
الجواب: فيه وجهان:
١ - أصحهما: له ذلك؛ وبه أفتى القضاة الثلاثه: أبو الطيب الطبري، وأبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي، وأبو سعيد الهروِيّ صاحبُ كتاب الاشراف على غوامض الحكومات. وأفتى به آخرون، واحتجوا له بأن مبنى الِإقرار على قبول التفسير بأقل محتمل، فوجب تنزيلُه على أضعف المِلْكين، وأدنى السببين، كما يُنزل (٢) على أقل المقادير؛ فإنه لو أقر بدراهم كثيرةٍ حُمِلَ على ثلاثة.
٢ - والثاني: لا رجوع له، قاله ابن قاسم (٣) العبادي، وابنه أبو الحسن؛ لأن الأصل بقاء المِلك له، قاله الرافعي؛ ويمكن أن يتوسط فيقالُ: إِن أقر بانتقال الملك منه إِلى الابن فله الرجوع، وإِن أقر بالملك المطلق فليس له الرجوع، والأصح: المختار قبولُ تفسيره بالهبة، ورجوعُه مطلقًا "والله أعلم" (٤).
امرأة أقرت بابن لأخيها
١٦ - مسألة: امرأة أقرت بابن لأخيها، هل يثبت نسبه؟.
أجاب ﵁: يثبت النسب بشروط:
١ - أحدها: أن لا يكذبه الحس؛ بل يمكن كونه ولدَ أخيها.
٢ - والثاني: أن يكون الأخ الذي هو ابنه ميتًا.
стр. 237
٣ - والثالث: أن يصدقها ابن الأخ المُقَرُّ به.
٤ - والرابع: أن لا يكون معروفَ النسب من غير الأخ المذكور.
٥ - والخامس: أن تكون الأخت حائزة لميراث الأخ الميت؛ بأن كانت معتقة له، أو لا تكون حائزة، ويوافقها باقي الورثة إِن كانت ورثةَ نسب، أو يوافقها السلطان "والله أعلم، كتبته عنه".
إذا أقر بعدد ثم استثنى منه
١٧ - مسألة: إِذا قال له: "لك" عندي عشرُ دراهم، إِلا تسعةً، إِلا ثمانيةً، إِلا سبعةً، إِلا ستةً، إلا خمسة، إِلا أربعة، إِلا ثلاثة، إِلا درهمين، إِلا درهمًا، لزمه خمسة دراهم؟.
وطريقه: أن يجعل الذي بدأ به -وهو الأشفاع- مُقَرًا به، ويجمعه الذي ثنى به -وهو الأوتار- مستثنى ويجمعه؛ فالأشفاع -هنا- عشرة، وثمان، وستة، وأربعة، واثنان، فجملتها ثلاثون، والأوتار خمسة وعشرون فكأنه قال: ثلاثون؛ إِلا خمسة وعشرين، فلزمه خمسة "والله أعلم".
* * *
стр. 238
بابٌ في التفسِير
وفيه ست مسائل
الحديث على قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
١ - مسألة: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) هل هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢)؟.
الجواب: قيل: إِنها ناسخة؛ ولكنَ هذا الجواب ضعيف، والصحيح: الذي جزم به المتقنون، وأطبق عليه المحققون، أنها ليست ناسخةً لها؛ بل هي مفسرة ومبينة للمراد بقوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وأنه ما استطاعه المكلف، وحقيقة التقوى امتثال أمره، واجتناب نهيه (٣) وهو ما استطاعه المكلف؛ لأن غير المستطاع لا يكلف به قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥) وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذَا أمرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْه مَا اسْتَطَعْتُمْ".
стр. 239
آيات علم الغيب المعجزات والكرامات
٢ - مسألة: مامعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)، وقولَ النبي ﷺ : "لا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلا اللَّهُ"، وأشباهِ هذا من القرآن والحديث مع أنه قد وقع علم ما في غد في معجزات الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وفي كرامات الأولياء ﵃؟.
الجواب: معناه: لا يعلم ذلك استقلالًا، وعلمَ إِحاطة بكل المعلومات إِلا الله؛ وأما المعجزات والكرامات فحصلت بإِعلام الله تعالى للأنبياء والأولياء، لا استقلالًا، وهذا -كما أنا نعلم- أن الشمس إِذا طلعت تبقى ستَّ ساعات أو نحوَها ثم تزول، ثم تبقى نحو ذلك ثم تغرب، ثم تبقى مثل مجموع ذلك أو نحوه ثم تطلع، وهكذا القول في القمر وغيره من الأمور التي يعلم وقوعها في المستقبل، وليس هو علم غيب علمناه استقلالًا، وإِنما علمناه بإجراء الله تعالى العادة به.
معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ .
٣ - مسألة: ما مختصرُ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ (٢) الآية.
الجواب: معنى الآية الكريمة: لو أنزلنا القرآن بلغة العجم لكفروا به، واشتد إِنكارهم، وقالوا: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾، أي هلَّا (٣) بُينت آياتُه بالعربية لنفهمه ونعلمَ معناه ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ وهذا استفهام إِنكاري، أي كانوا يقولون: كيف يكون القرآن أعجميًا، والنبي عربي،
стр. 240
وهذه الآية الكريمة في المعنى كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ أي: قل لهم: إِن القرآن هدى من الضلالة، وشفاءٌ من الهلكة والانتقام، وظلماتِ الكفر وغيره من الأباطيل، فهو هدى للمؤمنين؛ أي: هم الذين يستثمرونه وينتفعون به، فهو هادٍ لكل أحد؛ لكن لما لم ينتفع به غيرُ المؤمنين، قيل: هدى للمؤمنين.
وأما الذين لا يؤمنون فلا ينتفعون به، ولا يستثمرونه لتقصيرهم وعدم توفيقهم؛ بل ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: صمم لا يسمعونه سماعًا ينتفعون به ويستهدون به، وإِن كانوا يسمعون سماعًا تتوجه به حجة الله تعالى ويصيرون مكلفين.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ أي: أعمى الله قلوبهم عن فهم القرآن، فلا يفهمونه لخذلانهم. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٢). أي: قلوبهم بعيدة عن فهمه، فهم كمن ينادى في مكان بعيد؛ فإِنه لا يفهم.
والمراد لا يفهمونه فهمًا ينفعهم لبعد قلوبهم، وإن كانوا قد فهموا منه التكليف ومدلولَ الكلام، "والله أعلم".
انشقاق القمر
٤ - مسألة: رجلان تنازعا في انشقاق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: انشق فرقتين دخلت إحداهما في كم رسول الله ﷺ ، وخرجت من الكم الأخر. وقال الآخر: بل نزل إِلى بين يديه، وهو فرقتين ولم يدخل في كمه، فمن المصيب منهما؟.
стр. 241
الجواب: الاثنان مخطئان؛ بل الصواب أنه انشق وبقي في موضعه من السماء، وظهرت إِحدى الفرقتين فوقَ الجبل، والأخرى دونه؛ هكذا ثبت في الصحيحين وغيرِهما من رواية ابن مسعود ﵁ (١).
أصحاب اليمين والشمال
٥ - مسألة: قوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ
стр. 242
(٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ (١) مَنْ هؤلاء، ومَنْ هؤلاء؟.
الجواب: قيل: (أصحاب الميمنة) أصحاب اليمين يؤخذ بأيديهم ذاتَ اليمين إِلى الجنة.
وأصحاب الشمال: هم الذين يؤخذ بهم ذاتَ الشمال إِلى النار.
وقيل: أصحاب اليمين هم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم.
وأصحاب الشمال: يأخذونها بالشمال.
وقيل: أصحاب اليمين هم الذين عن يمين آدم ﵌.
وأصحاب الشمال: هم الذين عن شماله، كما ثبت في "الصحيحين" أن رسول الله ﵌ "رأى آدم في السماء الدنيا عن يمينه أصحابُ الجنة، وعن شماله أصحابُ النار". "والله أعلم".
الكوثر، وهل السورة مكية، أم مدنية
٦ - مسألة: هل نزلت سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ بمكةَ أو بالمدينةِ؟.
الجواب: نزلت بالمدينة، ثبت في "صحيح مسلم" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينما رسولُ الله ﵌ يومًا بين أظهُرِنا إِذْ غفا (٢) إِغفاةً، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال:
стр. 243
"نزلت عليَّ آنفًا سورةٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ (١) الْأَبْتَرُ (٣)﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: إِنه نهر وعدَنِيه ربي ، عليه خيرٌ كثيرٌ، وهو حوض تَرِده أمتي يومَ القيامة، آنيته عدد النجوم". هذا اللفظ رواه مسلم.
وفي رواية له: "بين أظهرنا في المسجد". وقد أجمع المسلمون على أن أنسًا لم يصحب النبى ﵌ قبل الهجرة إِلى المدينة.
* * *
стр. 244
بابٌ في الحديثِ
وفيه سبع وثلاثون مسألة
١ - مسألة: لو كان معه خطُّ شيخٍ، بأنه سمع منه الكتاب الفلاني، أو قرأ فضاعَ، هل له كتابةُ صورته ويريها للناس ليرغبوا في السماع منه والقراءة عليه؟.
الجواب: له أن يكتب كان معي خط فلان، وصورته كذا وكذا، وليس له إِطلاق ذكر صورتها من غير بيان أنها محكية، ليست نفسَ خط الشيخ.
٢ - مسألة: هل في صحيح "البخاري ومسلم" شيء متواتر، أم كلها آحاد؟ وهل حديثُ: "إِنما الأعمال بالنيات" متواتر أم لا؟.
الجواب: أما حديث: "إِنما الأعمال بالنيات" فليس بمتواتر لِإخلال شرط التواتر منه في أوله، فإنه رواه في أوله واحد عن واحد، وأما في غيره ففي "البخاري ومسلم" أحاديثُ كثيرة متواترةٌ منها: "حديث حجة الوداع"، وحديث: "مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، وحديثُ إِتيانِ حوض النبي ﵌"، وأحاديث كثيرة.
الفارق بين البخاري ومسلم وغيرهما
٣ - مسألة: هل في صحيح "البخاري ومسلم" والمسانيد المشهورة، وسنن أبي داود، والترمذي، والنَّسائي غيرُ صحيح، أو أحاديث باطلة، أو في بعضها دون بعض؟.
стр. 245
أجاب ﵁: أما "البخاري ومسلم" فأحاديثهما صحيحة، وأما باقي السنن المذكورة، وأكثر المسانيد ففيها الصحيح، والحسن، والضعيف والمنكر، والباطل "والله أعلم، كتبته عنه".
٤ - مسألة: هل هذا الذي يقوله العوام أن النبي ﵌، لا يبقى بعد وفاته للقيامة ألفُ سنة، هل هو صحيح؟.
الجواب: هذا باطل، لا أصل له.
من حفظ على أمتي أربعين حديثًا
٥ - مسألة: هل صح عن النبي ﵌ أنه قال: "مَن حفظ على أمتي أربعين حديثًا بعثه الله يوم القيامة فقيهًا، أو في زمرة الفقهاء أو العلماء" (١)؟.
стр. 246
الجواب: هذا الحديثُ روّيناه من رواية جماعة من الصحابة ﵃، وطرقُه كلُها ضعيفة وليس هو بثابت (١) "والله أعلم".
حديث: من عرف نفسه فقد عرف ربه
٦ - مسألة: في الحديث عن النبي ﵌: "من عرف نفسَه فقد عرف ربَّه، ومن عرف ربَّه كَلَّ لسانُه" هل هذا الحديث ثابت أم لا وما معناه؟.
الجواب: ليس هو بثابت (٢)؛ ولو ثبت كان معناه من عرف نفسه بالضعف والافتقار إِلى الله تعالى، والعبودية له، عرف ربه بالقوة، والقهر، والربوبية، والكمال المطلق، والصفات العليا.
ومن عرف ربه بذلك كَلَّ لسانُه عن بلوغ حقيقة شكره، والثناءِ عليه كما ثبت في "صحيح مسلم" وغيره أن رسول الله ﵌ قال: "سبحانَك (٣) لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". "والله أعلم".
стр. 247
٧ - مسألة: جاء في الحديث: "ما مِنَّا إلا مَنْ عَصَى أوْ هَمَّ بمعصيةٍ؛ إلّا يحيى بنَ زكريا" هل هذا الحديث صحيح؟ ومَنْ رواه من أصحاب الكتب، وما اسم راويه الصحابي؟.
الجواب: هذا حديث ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به، رواه أبو يعلى الموصليُّ في مسنده (١)، عن زهير، عن عفان، عن حماد بنِ مسلمة، عن علي بن زيد بن جُدْعان -بضم الجيم وإِسكان الدال المهملة-، عن يوسفَ بن مِهْرَان، عن ابن عباس، عن النبي ﵌، قال: "ما منَا مِنْ أحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدمَ إِلَّا وَقَدْ أخْطَأ أَوْ هَمَّ بخطيئة، ليس (٢) يحيى بنَ زكريا"، ذكره في مسند ابن عباس، وهذا الِإسناد ضعيف لأن علي بن زيد بنِ جُدعانَ فيه ضعف، ويوسفَ بن مهران مختلفٌ في جرحه، "والله أعلم".
طلب العلم فريضة
٨ - مسألة: حديثُ "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، هل هو صحيح أم لا، ومن رواه من الأئمة والصحابة؟.
الجواب: هو حديث: ضعيف، وإِن كان معناه صحيحًا، رواه أبو يعلى الموصليُّ في مسنده بإسناده، عن أنس عن النبي ﵌ (٣)، وإسناده ضعيف فيه حفص بنُ سليمان، وهو ضعيف.
стр. 248
أمتي كالمطر
٩ - مسألة: "مثل أمتي كالمطر لا يُدرى أولُه خير أم آخره" هل هو صحيح، ومن رواه من الأئمة، وما معناه؟.
الجواب: هو حديث: ضعيف، رواه أبو يعلى الموْصِلي من رواية يوسفَ الصفار، عن ثابت، عن أنس (١)، عن النبيِّ ﵌، ويوسف ضعيف باتفاق المحدثين، كثيرُ الوهَمْ، منكَر الحديث، ولو صح لكان معناه أن هذا يقع بعد نزول عيسى ﵌ حين تظهر البركةُ ويكْثُر الخير، ويظهر الدين بحيث يتشكك الرائي، هل هؤلاء أفضل من أوائل الأمة أم الأوائل أفضل؟ وهذا فيما يظهر للرائي؛ وإِلا فأول الأمة أفضل في نفس الأمر، وهو قريب الشبه من قول الشاعر:
فيا ظَبيةَ الْوَعْساءِ بَينَ خَلاخِلٍ (٢) ... وبينَ النَّقا (٣) ها أَنْتِ أَمْ أُمُّ عَامِرٍ
معناه لتقاربهما تشككت فيهما، وإن كانت الظبية مخالفة لأم عامر فحصل من هذا أن هذا الحديث لو صح لم يكن مخالفًا للأحاديث الصحيحة، كحديث: "خَيْرُكمْ قَرْني ثُمَّ الذينَ يلُونَهُمْ" وحديثِ: "مَا مِنْ عامٍ إِلا والَّذي بَعْدَهُ شَرٌ منْهُ".
стр. 249
الخلق عيال الله
١٠ - مسالة: حديث: "الخلق عيال الله"، هل هو صحيح، ومن رواه من الأئمة؟.
الجواب: رواه أبو يعلى الموصلىُّ من رواية يوسفَ بن عطية، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: "الخلقُ عيالُ الله، وأحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعياله" (١)، وهو حديث ضعيف، لأن يوسف بن عطية ضعيفٌ باتفاق الأئمة.
١١ - مسألة: هذا الحديث المشهور: "نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلّينَ"، هل هو ثابت، ومن رواه من الأئمة؟.
الجواب: هو ضعيف، رواه أبو داود بإسناد ضعيف.
مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاه
١٢ - مسألة: ما قولُ علماء السنة فيما قيل: أن عليًا ﵁ قال: "لما غسَّلت النبي ﷺ امتصَصْتُ ماءَ محاجرِ عينيه وسرتهِ فَوُرِثْتُ علمَ الأولينَ والآخرينَ"، هل هذا صحيح أم لا؟ وما معنى قول النبي ﷺ : "مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَليٌّ مَوْلاه"، وهل كان مولىً لأبي بكرٍ وعمرَ، وهما أفضل منه أم لا؟ وما معنى: "أقضاكم عليّ"؟ هل كان أقضى من أبي بكر وعمرَ؟ فإن كان فَلِمَ خالفاه في مسائلَ عديدة؟ وإِن لم يكن فما معنى أقضاكم؟ وهل يستفاد من ذلك أنه كان أفضلَ منهما؟ وأولى بالِإمامة، وماذا يجب على من يعتقد أنه أفضل منهما؟.
الجواب: أما الحديث الأول فليس بصحيح.
стр. 250
وأما قوله ﷺ : "مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَليٌ مَوْلاهُ" فحديث صحيح، رواه الِإمام أبو عيسى الترمذيُّ وغيرهُ. قال الترمذي: هو حديث حسن؛ ثم معنى هذا الحديث عند العلماء الذين هم أهل هذا الشأن، وعليهم الاعتمادُ في تحقيق هذا ونظائِرِهِ، مَنْ كنت ناصرَه، ومُوالِيَه، ومحبَّه ومصافيَه فعلي كذلك.
قال الإِمام أبو عبد الله: "محمد بنُ إِدريس الشافعيُّ" رحمه الله تعالى أراد النبي ﷺ بذلك وَلاءَ الِإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ (١).
وقيل: سببُ هذا الحديث، أن أسامةَ بنَ زيد رضي الله تعالى عنهما قال لعلي: لستَ مولاي، إِنما "مولاي" رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌ مَوْلاه"، وقد قال العلماء من أهل اللغة وغيرهم: إِن اسم المولى يطلق على نحو عشرين معنى، منها:
١ - الرب.
٢ - والمالك.
٣ - السيد.
٤ - والعبد.
٥ - والمنعم.
٦ - والمنعم عليه.
٧ - والمعتِق.
٨ - والمعتَق.
٩ - والناصر.
١٠ - والمحب.
١١ - والتابع.
١٢ - والجار.
١٣ - وابن العم.
١٤ - والحليف.
١٥ - والصهر.
١٦ - والعقيل.
ويحصُل بما ذكرناه أن عليًا مولى لهما، وأنهما موليان له، ولا يلزم من ذكره وحده نفيُه عن غيره والسببُ في ذكره وحده ما ذكرناه. وأما قول السائل: هل هما أفضل منه؟.
فاعلم!! أنَّ كل واحد منهما أفضلُ من علي بإجماع أهل السنة،