من معجزاته وخصاله ﵊
يقول عن نفسه ﵊: أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ (١)، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ، فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةً لِأُمَّتِي (٢) وَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ، أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدَيَّ".
وكان جميل الوجه حتى وصفوه بالبدر، وعرقه من أطيب الطيب، تنام عيناه ولا ينام قلبه، ويأخذ الهدية ولا يأكل الصدقة، ويرى المؤمومين في الصلاة خلفه، ويواصل الصيام يبيت يطعمه ربه ويسقيه، عرفه أهل الكتاب في كتبهم باسمه ووصفه ومخرجه ومبعثه، وحاجّهم مراراً ونُكسوا عن مباهلته، وصارع ركانة فصرعه، وأمر جبل أحد أن يثبت لما اهتز، وخنق إبليس حتى أحس ببرد لعابه بين إصبعيه، وأعانه الله على شيطانه فأسلم، ومن رآه في المنام فقد رآه حقاً فإن الشيطان لا يتمثل به.
وشهد الله له أنه على خلق عظيم، وكان خلقه القرآن، ومَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا لَعَنَ رَسُول اللهِ ﷺ مِنْ لَعْنَةٍ تُذْكَرُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للهِ، وَمَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَسَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَقْدَامِ،
стр. 178
وَخَصَفَ نَعْلَهُ بِيَدِهِ وَرَقَّعَ ثَوْبَهُ بِيَدِهِ، وَرَقَّعَ دَلْوَهُ وَحَلَبَ شَاتَهُ وَفَلَّى ثَوْبَهُ وَخَدَمَ أَهْلَهُ وَنَفْسَهُ، وَحَمَلَ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَرَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ تَارَةً وَشَبِعَ تَارَةً، وَأَضَافَ وَأُضِيفَ، وَاحْتَجَمَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ وَعَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ، وَاحْتَجَمَ فِي الْأَخْدَعَيْنِ (١) وَالْكَاهِلِ، وَتَدَاوَى وَكَوَى وَلَمْ يَكْتَوِ، وَرَقَى وَلَمْ يَسْتَرْقِ، وَحَمَى الْمَرِيضَ مِمَّا يُؤْذِيهِ.
وجعل الله بعثته رحمة للعالمين، ومَا خَاطَبَهُ فِي كِتَابِهِ إِلَّا بِالْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ الَّتِي لَا أَجَلَّ مِنْهَا فَخْرًا، ونهى الناس أَنْ يُخَاطِبُوه بِاسْمِهِ، وندبهم إلى تكنيته، ودافع الله عنه فبرأه في كتابه من كل ما رماه به الكفار من السحر والكهانة والجنون، وزكاه بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمر الناس بالتأسي به، وفرض طاعته، وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وجعل أزواجه أمهات للمؤمنين لا ينكحهن أحد بعده، وقرن الله اسمه باسمه تعالى عند ذكر طاعته وأحكامه، وأقسم الله بحياته، وأفرده بسيادة ولد آدم في القيامة، وحفظه من التدين بدين الجاهلية، ومن تعريهم، ومن لهوهم، وحرست السماء من استراق السمع لثبوت بعثته وعلو دعوته (٢)، وأسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السماء، ورأى من آيات ربه الكبرى، وما زاغ بصره وما طغى، وعاد متواضعاً حريصاً على أمته مشفقاً عليها بالمؤمنين رؤوف رحيم.
وانشق الْقَمَرُ بِدُعَائِه فِلْقَتَيْنِ، وصبر على أذى المشركين وعنادهم بعدما رأوا الآيات والمعجزات، واستمع له نفر من الجن فآمنوا به، وعرض نفسه على القبائل ليبلغ دين الله، وأخبر بالمعجزات الغيبية وانتصار الروم على الفرس في بضع سنين، ولما تآمر الكفار على قتله حجبه الله عنهم فلم يروه وأنجاه الله، وهاجر إلى المدينة، فبوركت غنم مر بها في طريقه، ونصره الله في الغار وحماه من المشركين وأنزل عليه سكينته وأيده بجنود من عنده، وصد عنه لحاق سراقة بن مالك، وصبر على مشقة الدعوة وجاهد المشركين، وشكت إليه بعض البهائم فنصرها وأوصى بها أصحابها،
стр. 179
وتسابقت إليه الإبل يوم النحر أيها ينحر أولاً بيده الشريفة، وسلم عليه الحجر والشجر قبيل بعثته، وحن إليه الجذع الذي كان يستند إليه في مسجده قبل أن يصنعوا له المنبر، وتبارك الطعام والماء بدعائه و بيده أو نفثه أو مجِّه، وأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً (مشوية) سَمَّتْهَا فأخبرته الشاة أنها مسمومة، وتكلم الذئب شاهداً بنبوته، وسبح الحصى في يده، وقَدِم الشَّجَرُ إلَيْه إذ دعاه، ونبع الماء من بين أصابعه، وشفى الله على يده جراحاً وأعيناً ومرضى، وأخبر بأشراط الساعة وما يكون إلى قيامها.
وما ترك خيراً إلا دل أمته عليه، ولا شرّاً إلا حذرها منه، وجعلها الله خير الأمم، معصومة لا تجتمع على ضلالة، ولن تضل ما تمسكت بسنته وهديه، وشريعتها ناسخة لما قبلها، أمة شاهدة على الأمم يوم القيامة بتبليغ الرسل، وصفوفها كصفوف الملائكة، ونبيها هو أول شافع ومشفَّع، وصاحب الشفاعة العظمى، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، وأول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها، وأكثر الأنبياء أتباعاً، أوتي جوامع الكلم، وأُنزل عليه القرآن معجزة خالدة إلى قيام الساعة محفوظاً من التحريف والتبديل، تحدى الناس أن يأتوا بسورة من مثله، وهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود.
حتى نُقضت الصحيفة وفُك الحصار؛ وذلك أن قريشًا كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له، فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهًا لها، فاجتمعوا عند الحجُون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، إنما جاءهم لأن الله كان قد أطلع رسوله ﷺ على أمر الصحيفة، وأنه أرسل عليها الأرضة، فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظلم إلا ذكر الله ، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا (باسمك اللهم)، وما كان فيها من اسم الله فإنها لم تأكله. ثم نَقَض الصحيفة، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من الشِّعب، وقد رأى المشركون آية عظيمة من آيات نبوته بإخباره عن حال الصحيفة، ولكنهم - كما أخبر الله عنهم: (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ).
وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ).
وبعد أن ألح المرض على أبي طالب عم النبي ﷺ وهو الذي كفله صغيراً، وآزره كبيراً، وناصره على دعوته، وحماه من عوادي المشركين، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل، فقال: "أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبدالمطلب. فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنه". فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، ونزلت: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ). وكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الشِّعْبِ في آخِرِ السَّنَةِ العَاشِرَةِ مِنَ المَبْعَثِ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً.
وتوفيت بعده بقليل زوج النبي ﷺ ، خديجة التي آمنت به إذ كفر به الناس، وآوته إذ رفضه الناس، وصدقته إذ كذبه الناس، ورزقه الله منها الولد. تُوُفِّيَتْ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَدُفِنَتْ ﵂ بِالحَجُونِ في مَقَابِرِ أَهْلِ مَكَّةَ، ونَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حُفْرَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةُ الجَنَازَةِ شُرِعَتْ،
خروجه ﵊ إلى الطائف
وفي شوال سنة (٣ ق هـ) خرج النبي ﷺ إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميلًا، سارهاً ماشيًا على قدميه جيئة وذهاباً، ومعه مولاه زيد بن حارثة، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجب إليه واحدة منها، فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى رؤسائها فدعاهم فلم يستجيبوا له، فأقام بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا. وأغروا به سفهاءهم، فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، فوقفوا له سِمَاطَيْن [أي صفين] وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجَاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، ورجع رسول الله ﷺ في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبًا محزونًا كسير القلب، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة، فقال النبي ﷺ : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً". وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول ﷺ تتجلى رحمته وحرصه على أمته، وما كان عليه من خلق عظيم.
ولما انصرف النبي ﷺ من الطائف راجعًا إلى مكة، حتى إذا كان بنخلة (١)، قام من جوف الليل يصلي، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تعالى، وكانوا سبعة نفر من جن أهل نصيبين (٢)، فاستمعوا لتلاوة الرسول ﷺ ، فلما فرغ من صلاته، ولَّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، وبعد عدة أشهر من لقاء الوفد الأول من الجن برسول الله ﷺ ، جاء الوفد الثاني متشوقاً لرؤية الحبيب المصطفى ﷺ ، والاستماع إلى كلام رب العالمين.
стр. 202
العودة لمكة وبيعتا العقبة
ورجع الرَّسُولُ ﷺ وصَارَ إلَى حِرَاءٍ، ثمَّ َدَخَلَ مَكَّةَ فِي جِوَارِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ بعدما رفض الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو إجارته.
وكان ﵊ يعرض نفسه عَلَى القبائل، فلقي في الموسم رهطًا من الخزرج ستة عند العقبة التي بمنى وهي التي تنسب إليها جمرة العقبة. فقال: "ألا تجلسون أكلمكم؟ ". فعرض عليهم الإسلام، وكانت يهود أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأوثان، وكانوا قَدْ غزوهم في بلادهم، فكانوا إِذَا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًّا يبعث الآن قَدْ أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر قَالَ بعضهم لبعض: تعلموا والله إنه لَلنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبِقنَكم إليه. فأجابوه وصدقوه. فلما كان العام المقبل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلًا منهم خمسة من الستة السابقين، فبايعوه في ليلة العقبة الأولى عام (٢ ق هـ). وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ اثني عشر رجلاً مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ".
وفي شوال من نفس العام تزوج رسول الله ﷺ عائشة الصديقة ﵂ وهي بنت ست سنين. (١)
وكانت بيعة العقبة الثانية في الموسم التالي سنة (١ ق هـ). قال البراء بن عازب ﵁: أول من قدم علينا (٢) من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير وابن أم مكتوم ﵄ فجعلا يقرئان الناس القرآن، ثم قدم علينا بلال وسعد وعمار بن ياسر ﵃، ثم قدم عمر بن الخطاب ﵁ في عشرين من أصحاب النبي ﷺ .
стр. 203
قال جابر ﵁: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة (١) وفي المواسم بمنى يقول: من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة. حتى أن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر، فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة ويخاف فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا: يا رسول الله نبايعك. قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة. قال فقمنا إليه فبايعناه. وأخذ بيده أسعد بن زرارة -وهو من أصغرهم- فقال: رويداً يا أهل يثرب فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافةً وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة، فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها أبداً. فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة.
стр. 204
انشقاق القمر
وسأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يريهم آية؛ فأراهم انشقاق القمر بمكة فلقتين، حتى رأوا حراء بينهما، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا، اشهدوا". فقال كفار أهل مكة: سحرنا محمد، هذا سِحْرٌ سحَركم به ابن أبي كبشة!، وقال بعضهم: لئن كان سحرنا فما يستطيع أن يسحر الناس. انْظُرُوا السُّفَّارَ؛ (١) فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم؛ فهو سحر سحركم به. فَقَدِمُوا فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا قَدْ رَأَيْنَا قَدِ انْشَقَّ. فنزلت: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾. (٢)
стр. 205
رحلة الإسراء والمعراج (١ ق هـ)
وكانت في هذه الفترة رحلة الإسراء والمعراج، قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير﴾.
وقال رسول الله ﷺ : فرج سقف بيتي وأنا بمكة ليلة أسري بي من مسجد الكعبة فنزل جبريل ﵇ ففرج صدري، (١) ثم غسله بماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم جاء بطست من ذهب، ممتلئ حكمة وإيماناً وعلماً فأفرغها في صدري، ثم أطبقه. ثم أتيت بالبراق مسرجاً، ملجماً، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته، فاستصعب علي، فقال له جبريل: ما يحملك على هذا؟ أبمحمد تفعل هذا؟ فوالله ما ركبك أحد أكرم على الله منه. فارفض البراق عرقاً، فمررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر، فلما انتهينا إلى بيت المقدس، قال جبريل بإصبعه، فخرق به الحجر، وشد به البراق، فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فقال: اشرب أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته. فقال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر، غوت أمتك.
وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فحانت الصلاة، فأممتهم فلما فرغت من الصلاة، قال قائل: يا محمد، هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام، ثم وضعت قدمي حيث توضع أقدام الأنبياء من بيت المقدس، ثم أخذ جبريل بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جاء إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، قال: من هذا؟، قال: هذا جبريل،
стр. 206
قال: معك أحد؟، قال: معي محمد، قال: أرسل إليه؟ - لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم - قال: نعم، فافتح. قال: مرحبا به وأهلا، فنعم المجيء جاء. واستبشر بي أهل السماء، فلما علونا السماء الدنيا، إذا رجل عن يمينه أسودة (١)، وعن يساره أسودة، وإذا نظر قبل يمينه تبسم، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم. وهذه نسم بنيه (٢)، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح، والنبي الصالح. فإذا أنا في السماء الدنيا بنهرين يطردان، (٣) فقلت: ما هذان النهران يا جبريل؟، قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى بي في السماء، فإذا أنا بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد (٤) حَافَّتَاهُ (٥) قباب الدر المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فضربت بيدي، فإذا طينه هو مسك أذفر (٦)، ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟، قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟، قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟، قال: نعم، قالوا: مرحباً به وأهلا ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة، عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكرياء، صلوات الله عليهما، فقال جبريل: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت، فردا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ودعوا لي بخير، وإذا عيسى رجل مربوع الخلق، وفي رواية: (مبطن الخلق حديد البصر، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس (٧)، كأنما خرج من ديماس - يعني الحمام -، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، ثم عرج بي جبريل إلى السماء الثالثة، فاستفتح فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد قيل: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، قيل: مرحبا به، ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇ وإذا هو قد أعطي شطر الحسن. فقال جبريل: هذا يوسف، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا جبريل إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس ﵇ فرحب ودعا لي بخير، قال الله : ﴿ورفعناه مكانا علياً﴾.
стр. 207
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون ﵇ فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇ قيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇، فقال: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، قلت: من هذا؟، قال: هذا موسى، وإذا هو رجل ضربٌ (١) أسحم، آدم، كثير الشعر، رجل الرأس، جعد شديد الخلق كأنه من رجال شنوءة، ثم عرج بي إلى السماء السابعة، فلما جاوزت موسى بكى، فقيل: ما أبكاك؟، قال: يا رب، هذا الغلام الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر وأفضل مما يدخل من أمتي؟ رب لم أظن أن يرفع علي أحد، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد ﷺ قيل: وقد بعث إليه؟، قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - قلت: من هذا؟ فقال جبريل: هذا أبوك، فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام وقال: مرحبا بالابن الصالح، والنبي الصالح، قال: ومررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس (٢) ويقعون في أعراضهم ومررت على قوم تقرض شفاههم بمقاريض (٣) من نار، كلما قرضت وفت، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، من هؤلاء؟، قال: هؤلاء خطباء أمتك، الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به. الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟.
стр. 208
قال: ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ (١) اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك. ثم انطلق بي جبريل إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كأنه قلال هجر، يخرج من ساقها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران، فالنيل والفرات، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشيها، تحولت ياقوتاً، أو زمرداً، أو نحو ذلك، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، فأوحى الله إليّ ما أوحى، ففرض على أمتي خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: يا محمد، ماذا فرض ربك على أمتك؟، قلت: فرض عليهم خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم إن شئت، فَعَلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا رب، خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، فقلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا، فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادا، وقلوبا، وأبدانا وأبصارا، وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك - كل ذلك يلتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل - فرفعه عند الخامسة، فقال: يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم، وقلوبهم وأسماعهم، وأبصارهم، وأبدانهم، فخفف عنا، فقال الجبار: يا محمد، قلت: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضته عليك في أم الكتاب، إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشراً، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، ومن هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم تكتب شيئاً، فإن عملها، كتبت سيئة واحدة،
стр. 209
قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟، قلت: خفف الله عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضاً، فقلت: يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه، قال: فاهبط باسم الله. فاستيقظ وهو في مسجد الحرام.
قال ﷺ : لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ فَقَعَدْتُ فِي الحِجْرِ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ بِهِ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ" قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: "إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ" قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: "إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ " قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ حَتَّى قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ " قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مُتَعَجِّبًا لِلكَذِبِ زَعَمَ قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَرَأَى الْمَسْجِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى سألتني قريش عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط. فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَنَعَتُّهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْه مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ". فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ.
اتفاق مشركي قريش على قتل النبي
واسْتَمَرَّتْ الفتْرَةُ المَكِّيَّةُ منذ بعثة النبي ﷺ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا. ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج، أصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق والهم. فاجتمع طواغيت مكة في دار الندوة ليتخذوا قراراً حاسماً في هذا الأمر. وكان اجتماعهم في شهر صفر بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة، تكفل القضاء سريعًا على النبي ﷺ ودعوته، ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، ووقف على الباب، فقالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأياً ونصحاً. قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم. وبعد أن تكامل الاجتماع، ودار النقاش طويلاً. قال أبو الأسود: نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا، وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، ثم يسير بهم إليكم - بعد أن يتبعوه - حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأياً غير هذا. قال أبو البختري: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله - زهيرًا والنابغة - ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه - كما تقولون - ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره. بعد ذلك تقدم كبير مجرمي مكة أبو جهل بن هشام باقتراح آثم وافق عليه جميع من حضر، قال أبو جهل: والله إن لي فيه رأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا وَسِيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم. قال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره. واتفقوا على ذلك.
стр. 212
قصة الهجرة
ثم أُذِنَ للنبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة، قال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين﴾. وقال رسول الله ﷺ : رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ (١) مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي (٢) إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ، أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى (٣)، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ (٤)، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ (٥) خَبَثَ الْحَدِيدِ.
قالت عائشة ﵂: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً قبل الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكِ الْغِمَادِ (٦)، لقيه ابْنُ الدَّغِنَةِ، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟، فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فارجع فاعبد ربك ببلدك، وأنا لك جار، فرجع، وارتحل معه ابْنُ الدَّغِنَةِ، فطاف ابْنُ الدَّغِنَةِ عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابْنُ الدَّغِنَةِ لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه - وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن - فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فقدم عليهم،
стр. 213
فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابْنُ الدَّغِنَةِ إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة - فقال رسول الله ﷺ للمسلمين: إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين - وهما الحرتان -، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة. فاستأذن أبو بكر النبي ﷺ في الخروج حين اشتد عليه الأذى، فقال له رسول الله ﷺ :" لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحباً، فإني أرجو أن يؤذن لي "، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟، قال: " نعم، إني لأرجو ذلك "، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر - وهو الخبط -، قالت: فلما أذن له في الخروج إلى المدينة؛ أتاه رسول الله ﷺ ذات يوم ظهراً متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فلما رآه أبو بكر جاء ظهراً قال: ما جاءنا رسول الله ﷺ في هذه الساعة، إلا لأمر حدث، فلما دخل عليه قال لأبي بكر: "أخرج من عندك "، فقال أبو بكر: يا رسول الله ليس عليك عين، إنما هما ابنتاي - يعني عائشة وأسماء -، إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: " فإني قد أذن لي في الخروج إلى المدينة "، فقال أبو بكر: يا رسول الله الصحبة؟، فقال رسول الله ﷺ : " الصحبة "، قالت عائشة: فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح، قال: يا رسول الله، عندي ناقتان قد كنت أعددتهما للخروج فخذ إحداهما. قال: " قد أخذتها بالثمن ". فأعطى النبي ﷺ إحداهما - وهي الجدعاء -.
стр. 214
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب - فبذلك سميت ذات النطاقين - ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور فتواريا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلام شاب، ثقف، لقن، فيرحل من عندهما سحرا، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يُكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلهما (١) ثم يسرح بها عامر بن فهيرة بغلس، فلا يفطن به أحد من الرعاء، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
قال أبو بكر ﵁: نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه؛ أبصرنا، تحت قدميه، فقال: " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما؟ "، قال تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم﴾.
واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديِل هادياً خريتاً (٢) قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل الدِّيلِيُّ، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل.
قال أبو بكر: أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلاً، فأسرينا ليلتنا ويومنا، حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فعطش رسول الله ﷺ ، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة، فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت له: اضطجع يا رسول الله، فاضطجع النبي ﷺ ،
стр. 215
ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحداً، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام؟، فقال: لرجل من قريش سماه، فعرفته، فقلت له: هل في غنمك من لبن؟، قال: نعم، قلت له: فهل أنت حالب لنا؟، قال: نعم. فأخذ شاة من غنمه، فقلت له: انفض الضرع من التراب والشعر والقذى، فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة حملتها للنبي ﷺ يرتوي منها، يشرب ويتوضأ، فصببت على اللبن، حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي ﷺ فكرهت أن أوقظه، فقلت له حين استيقظ: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت. ثم ارتحلنا بعدما مالت الشمس، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له. فقلت: أتينا يا رسول الله. فقال: " لا تحزن، إن الله معنا".
فلما دنا؛ التفت نبي الله ﷺ ودعا عليه فقال: اللهم اصرعه "، فصرعه الفرس، فساخ في الأرض إلى بطنه ثم قامت تحمحم.
وحكى سراقة بن جعشم ﵁ تلك الواقعة وكان مشركاً قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما، من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفا أسوِدة بالساحل، أراها محمداً وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي (١)، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها،