اتفاق مشركي قريش على قتل النبي
واسْتَمَرَّتْ الفتْرَةُ المَكِّيَّةُ منذ بعثة النبي ﷺ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا. ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول الله ﷺ قد تجهزوا وخرجوا، وحملوا وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج، أصابتهم الكآبة والحزن، وساورهم القلق والهم. فاجتمع طواغيت مكة في دار الندوة ليتخذوا قراراً حاسماً في هذا الأمر. وكان اجتماعهم في شهر صفر بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة وتوافد إلى هذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة، تكفل القضاء سريعًا على النبي ﷺ ودعوته، ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل، ووقف على الباب، فقالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأياً ونصحاً. قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم. وبعد أن تكامل الاجتماع، ودار النقاش طويلاً. قال أبو الأسود: نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا، وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، ثم يسير بهم إليكم - بعد أن يتبعوه - حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأياً غير هذا. قال أبو البختري: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا قبله - زهيرًا والنابغة - ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه - كما تقولون - ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم، فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره. بعد ذلك تقدم كبير مجرمي مكة أبو جهل بن هشام باقتراح آثم وافق عليه جميع من حضر، قال أبو جهل: والله إن لي فيه رأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نَسِيبا وَسِيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعَقْل، فعقلناه لهم. قال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره. واتفقوا على ذلك.
стр. 212
قصة الهجرة
ثم أُذِنَ للنبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة، قال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك، أو يقتلوك، أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين﴾. وقال رسول الله ﷺ : رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ (١) مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي (٢) إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ، أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى (٣)، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ (٤)، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ (٥) خَبَثَ الْحَدِيدِ.
قالت عائشة ﵂: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجراً قبل الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكِ الْغِمَادِ (٦)، لقيه ابْنُ الدَّغِنَةِ، وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟، فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فارجع فاعبد ربك ببلدك، وأنا لك جار، فرجع، وارتحل معه ابْنُ الدَّغِنَةِ، فطاف ابْنُ الدَّغِنَةِ عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابْنُ الدَّغِنَةِ لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه - وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن - فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فقدم عليهم،
стр. 213
فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابْنُ الدَّغِنَةِ إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة - فقال رسول الله ﷺ للمسلمين: إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين - وهما الحرتان -، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة. فاستأذن أبو بكر النبي ﷺ في الخروج حين اشتد عليه الأذى، فقال له رسول الله ﷺ :" لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحباً، فإني أرجو أن يؤذن لي "، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟، قال: " نعم، إني لأرجو ذلك "، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر - وهو الخبط -، قالت: فلما أذن له في الخروج إلى المدينة؛ أتاه رسول الله ﷺ ذات يوم ظهراً متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فلما رآه أبو بكر جاء ظهراً قال: ما جاءنا رسول الله ﷺ في هذه الساعة، إلا لأمر حدث، فلما دخل عليه قال لأبي بكر: "أخرج من عندك "، فقال أبو بكر: يا رسول الله ليس عليك عين، إنما هما ابنتاي - يعني عائشة وأسماء -، إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: " فإني قد أذن لي في الخروج إلى المدينة "، فقال أبو بكر: يا رسول الله الصحبة؟، فقال رسول الله ﷺ : " الصحبة "، قالت عائشة: فلقد رأيت أبا بكر يبكي من الفرح، قال: يا رسول الله، عندي ناقتان قد كنت أعددتهما للخروج فخذ إحداهما. قال: " قد أخذتها بالثمن ". فأعطى النبي ﷺ إحداهما - وهي الجدعاء -.
стр. 214
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب - فبذلك سميت ذات النطاقين - ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور فتواريا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلام شاب، ثقف، لقن، فيرحل من عندهما سحرا، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يُكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلهما (١) ثم يسرح بها عامر بن فهيرة بغلس، فلا يفطن به أحد من الرعاء، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
قال أبو بكر ﵁: نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه؛ أبصرنا، تحت قدميه، فقال: " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما؟ "، قال تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن، إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم﴾.
واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديِل هادياً خريتاً (٢) قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل الدِّيلِيُّ، فأخذ بهم أسفل مكة، وهو طريق الساحل.
قال أبو بكر: أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلاً، فأسرينا ليلتنا ويومنا، حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فعطش رسول الله ﷺ ، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة، فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت له: اضطجع يا رسول الله، فاضطجع النبي ﷺ ،
стр. 215
ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحداً، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام؟، فقال: لرجل من قريش سماه، فعرفته، فقلت له: هل في غنمك من لبن؟، قال: نعم، قلت له: فهل أنت حالب لنا؟، قال: نعم. فأخذ شاة من غنمه، فقلت له: انفض الضرع من التراب والشعر والقذى، فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة حملتها للنبي ﷺ يرتوي منها، يشرب ويتوضأ، فصببت على اللبن، حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي ﷺ فكرهت أن أوقظه، فقلت له حين استيقظ: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت. ثم ارتحلنا بعدما مالت الشمس، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له. فقلت: أتينا يا رسول الله. فقال: " لا تحزن، إن الله معنا".
فلما دنا؛ التفت نبي الله ﷺ ودعا عليه فقال: اللهم اصرعه "، فصرعه الفرس، فساخ في الأرض إلى بطنه ثم قامت تحمحم.
وحكى سراقة بن جعشم ﵁ تلك الواقعة وكان مشركاً قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما، من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفا أسوِدة بالساحل، أراها محمداً وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة، فتحبسها علي، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي (١)، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها،
стр. 216
ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة، إذا لأثر يديها عثان (١) ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره. فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها، أضرهم أم لا؟، فخرج الذي أكره أن لا أضرهم فعصيت الأزلام، وركبت فرسي تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها، فناديتهم بالأمان فوقفوا.
ووثب سراقة عن فرسه، وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله أن يخلصني مما أنا فيه، ولك علي لأعمين على من ورائي، وهذه كنانتي، فخذ سهماً منها، فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، قال: " لا حاجة لي في إبلك"، ودعا له رسول الله ﷺ فنجا.
قال سراقة: فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني شيئاً، فقلت: يا نبي الله، مرني بما شئت، قال: " فقف مكانك، لا تتركن أحداً يلحق بنا، أخف عنا "، فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أديم.
فجعل سراقة لا يلقى أحداً إلا قال: قد كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحداً إلا رده، قال أبو بكر: فوفى لنا. فكان أول النهار جاهدا على نبي الله ﷺ وكان آخر النهار مسلحة له.
стр. 217
وأقبل رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر ﵁ وكان أبو بكر يختلف إلى الشام، وكان يعرف، وكان رسول الله ﷺ لا يعرف. فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟، فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.
ثم مضى رسول الله ﷺ و لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض. وقدما المدينة ليلاً. (١) فلما دنوا من المدينة، نزلا الحرة، ثم بعثا رجلاً من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار.
وكان المسلمون بالمدينة سمعوا مخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون (٢) كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود على أطم (٣) من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله ﷺ وصاحبه بظهر الحرة، واستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فجاءوا إلى نبي الله ﷺ وأبي بكر فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، فركب رسول الله ﷺ وأبو بكر، وحفوا حولهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله ﷺ فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، جاء نبي الله.
فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك.
стр. 218
السنة الأولى من الهجرة (١ هـ)
بناء مسجد قباء والمسجد النبوي
فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى (مسجد قباء)، وصلى فيه رسول الله ﷺ ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس، فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول الله ﷺ فقال: " أنزل على بني النجار، أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك " ثم أرسل إلى بني النجار؛ فجاءوا متقلدي السيوف، والنبي ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرق، ينادون: يا محمد، يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله.
حتى بركت عند مسجد الرسول بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مِرْبَدًا (١) لِلتَّمْرِ، لسهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: "هذا إن شاء الله المنزل"، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملإ من بني النجار، فقال: يا بني النجار، ثامنوني (٢) بحائطكم (٣) هذا "، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما،
стр. 219
فكان فيه قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه (١) الحجارة، فكان رسول الله ﷺ يبنيه، وهم ينقلون الصخر، وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه ويناولونه ورسول الله ﷺ يقول: "هذا الحمال لا حمال خيبر، هذا أبر ربنا وأطهر، اللهم إن الأجر أجر الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة، ألا إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة". فتمثل بشعر رجل من المسلمين. (٢) وهم يرتجزون (٣) ويقولون: "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة". ثم بناه مسجداً باللبن (٤) وسقفه مظلل بجريد النخل، وعمده من خشب النخل.
стр. 220
فرح أهل المدينة
وما فرح أهل المدينة بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء، ولعبت الحبشة لقدومه بحرابهم فرحاً بذلك، وكانت الحبشة يَزْفِنُونَ (١) بين يدي رسول الله ﷺ ويرقصون، ويتكلمون بكلام لا يفهمه، فقال رسول الله ﷺ : "ما يقولون؟ " قالوا: يقولون: محمد عبد صالح.
وما عَدُّوا (٢) من مبعث النبي ﷺ ولا من وفاته، ما عَدُّوا إلا من مقدمه المدينة.
стр. 221
دعوة يهود المدينة للإسلام
وكان يهودُ بَني قَيْنقاعَ حُلفاءَ الخَزْرَجِ، وَكَانَتْ دِيَارُهُمْ دَاخِلَ المَدِينَةِ، ويهود بَني النَّضِيرِ، وبَني قُرَيْظَةَ كَانُوا حُلفاءَ الأَوْسِ، وَكَانَتْ دِيَارُهُمْ في عَوَالِي المَدِينَةِ. فأقبل رسول الله ﷺ يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهلها؛ إذ سمع به عبد الله بن سلام ﵁ وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فإن أخبرتني بها آمنت بك، وإن لم تعلمهن عرفت أنك لست بنبي. قال: " سل "، قال: ما أول أشراط الساعة؟ أول شيء يحشر الناس؟ وما أول ما يأكل منه أهل الجنة؟ ومن أين يشبه الولد أباه وأمه؟ من أي شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟، قال: " أخبرني بهن جبريل آنفاً. " فقال عبد الله: جبريل؟، قال: " نعم "، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿من كان عدواً لجبريل، فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾. أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تخرج من قبل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد حوت، رأس ثور وكبد حوت. وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه، كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها، كان الشبه لها ". قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأنك جئت بحق. ثم قال: يا رسول الله، قد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم؛ فأخبئني عندك وابعث إليهم واسألهم عني: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم، قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم، بهتوني عندك وقالوا فيّ ما ليس فيّ.
стр. 222
فأرسل إليهم نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، ودخل عبد الله البيت. فقال لهم رسول الله ﷺ : " يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً، وأني جئتكم بحق، فأسلموا"، فقالوا للنبي ﷺ : ما نعلمه. فقال لهم رسول الله ﷺ : "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ "، قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وعالمنا وابن عالمنا، وأفقهنا وابن أفقهنا وسيدنا وابن سيدنا. قال: " أفرأيتم إن أسلم؟ "، قالوا: حاشى لله، ما كان ليسلم، قال: " أفرأيتم إن أسلم؟ "، قالوا: حاشى لله، ما كان ليسلم، قال: " أفرأيتم إن أسلم؟ "، قالوا: حاشى لله، ما كان ليسلم، قال: " يا ابن سلام، اخرج عليهم "، فخرج عبد الله إليهم، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت. فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا. وانتقصوه ووقعوا فيه. فأخرجهم رسول الله ﷺ . فقال ابن سلام: هذا الذي كنت أتخوف منه يا رسول الله، قد أخبرتك يا رسول الله أن اليهود قوم بهت. ثم قال نبي الله ﷺ : " أي بيوت أهلنا أقرب؟ "، فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي، قال: " فانطلق فهيئ لنا مقيلاً "، فقال أبو أيوب: قوما على بركة الله. وأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ والعَفْوِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
стр. 223
الدعاء للمدينة بالصحة
وقالت عائشة ﵂: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة؛ اشتكى أصحابه فوعك (١) أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، فاستأذنت رسول الله ﷺ في عيادتهم، فأذن لي. قالت: فدخلت عليهم، فقلت: يا أبت، كيف تجدك؟ فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهلهِ ** والموت أدنى من شراك نعلهِ
وسألت عامراً، فقال:
إنيّ وجدت الموت قبل ذوقهِ ** إن الجبان حتفه من فوقهِ
قالت: وسألت بلالاً كيف تجدك؟، فكان بلال إذا أقلع عنه الحمى، يرفع عقيرته (٢) يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة** بوادٍ (٣) وحولي إذخر وجليل (٤)
وهل أردن يوماً مياه مجنة (٥) ** وهل يبدون لي شامة وطفيل (٦)
ثم قال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد. اللهم بارك لنا في صاعنا، وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة. (٧)
стр. 224
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
وفي السنة الأولى من الهجرة آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار ﵃. حتى كان يرث بعضهم بعضاً في أول الأمر. وأتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله ما رأينا قوماً أبذل من كثير ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي ﷺ : لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم.
مشروعية الأذان
وفي السنة الأولى من الهجرة شُرِعَ الأذان، فقد كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ. قال عبد الله بن زيد: لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخَرَ عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال:"إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك". فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به. فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى. فقال رسول الله ﷺ : "فلله الحمد". وزِيدَ في صَلَاةِ الحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، عَدَا صَلَاةُ الفَجْرِ لِطُولِ القِرَاءَةِ، وصَلَاةُ المَغْرِبِ لأنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ. واشترى عُثْمَانُ ﵁ بئْرَ رُومَةَ وجعلها للمسلمين.
стр. 231
السنة الثانية من الهجرة
صيام عاشوراء
وكانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يَصومه في مكة، فلمّا هاجَر إلى المدينة صامه وأمَر بِصيامه، فلما فُرِض شهر رمضان قال: "من شاء صامه، ومن شاء تركه". وكانت اليهود تصومه أيضاً فسأل النبي ﷺ اليهود ليستكشف السبب الحامل لهم على صوم يوم عاشوراء، فقالوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إسْرَائيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى. فلما عَلِم ذلك قال لهم كلمة حق تقتضي تأنيسهم واستجلابهم، وهي:" نحن أحق وأولى بموسى منكم ". (١)
стр. 232
إعلان قريش الحرب على المدينة
ثم إنّ قريشاً في مكة أعلنت الحرب على المسلمين في المدينة ومنعت المهاجرين والأنصار من بيت الله الحرام، وأخذت أموال المهاجرين وبيوتهم، وهددت الأنصار بمقاتلتهم والسير إلى المدينة لقتلهم واستباحة نسائهم إن لم يطردوا المهاجرين من المدينة ويتخلوا عن نصرتهم. وقد تجرأت على المدينة بعض القبائل المجاورة بالإغارة على بعض سروح ومواشي أهل المدينة ونهبها. ونزل الإذن من الله تعالى بالقتال.
فعقد النبي ﷺ ألوية السرايا وبعثها لإعزاز الإسلام وحماية عاصمته ومنع وتعقُّب المعتدين، وقد يكون في تلك البعوث والسرايا قتال، وقد لا يكون، ومنها ما يكون لرصد أخبار العدو و غيره، ومنها ما يكون لإشغال ومناوشة العدو وإخافته وإرباكه. وقد نكلت بعض تلك السرايا بقوافل تجارة قريش المحاربة والمحرضة على المسلمين والناهبة لأموال المهاجرين. وعرَّفت هذه السرايا المسلمين بالدروب والطرق حول المدينة المنورة، ودرَّبت الصحابة على فنون القتال وركوب الخيل والحرب على الإبل، وأشعرت القبائل المحيطة بقوة المسلمين، وأدبت المغيرين على سروح المدينة، ومكنت من عقد بعض المعاهدات مع بعض قبائل المنطقة بحسن الجوار والدفاع المشترك وضمان حيدتهم في حالة وقوع صدام مسلح بين المدينة وأهل مكة.
стр. 233
بدء الغزوات
وكانت أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتَالِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. وابتدأت الغزوات في السنة الثانية من الهجرة، فأول ما غزا النبي ﷺ الأبواء في شهر صفر، والأبواء بينها وبين الجحفة من جهة المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً. وكان ذلك على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه المدينة يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فوادع بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة من كنانة وادعه رئيسهم مجدي بن عمرو الضمري ورجع بغير قتال. وكان قد استعمل على المدينة سعد بن عبادة. ولما وصل إلى الأبواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين رجلاً فلقوا جمعاً من قريش فتراموا بالنبل فرمى سعد بن أبي وقاص بسهم وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله.
ثم كانت غزوة بواط في ربيع الثاني حيث سار الصحابة مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ. وبواط: جبل من جبال جهينة، بقرب ينبع.
ثم غزا غزوة العُشَيْرَة يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ذَاهِبَةً إِلَى الشَّامِ، وكَانَ قَدْ جَاءَهُ الخَبَرُ بِخُرُوجِهَا مِنْ مَكَّةَ فِيهَا أمْوَالُ قُرَيْشٍ، فبلَغَ ذَا العُشَيْرَةِ، فَوَجَدَ العِيرَ قَدْ مَضَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ. (١) فنزل العشيرة من بطن ينبع فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، وادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ثم رجع الى المدينة ولم يلق كيداً. وأرسل سَرِيَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵁ إِلَى نَخْلَةٍ يترصد أخبار قريش، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ فيها تجارة لِقُرَيْشٍ، فأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدِرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ، فَكَانَ في هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَوَّلَ خُمُسٍ في الإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْكُفَّارِ فيِ الإِسْلَامِ، وَأَوَّلَ أَسِيرَيْنِ في الإِسْلَامِ.
فرض الصيام وزكاة الفطر
ويذكر أنه فرض في شهر شعبان صيام رمضان، وفي رمضان فرضت زكاة الفطر. فهي واجبة على كل مسلم حُر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير من المسلمين قادر عليها. والحكمة منها تطهير الصائم مما عسى أن يكون قد وقع فيه أثناء الصيام من لغو أو رفث، وإعانة للفقراء على إدخال السرور عليهم في يوم العيد.
стр. 236
غزوة بدر الكبرى
ووقعت في رمضان منها غزوة بدر (الكبرى) حيث ندب رسول الله ﷺ نفراً من المسلمين لاعتراض قافلة قريش القادمة من الشام التي كان يرأسها أبو سفيان الذي علم بعد ذلك بخروج المسلمين، فأرسل إلى قريش يستنفرها لاستنقاذ تجارتهم كما غير طريقه لإنقاذ التجارة، ثم التقى المسلمون والمشركون عند ماء بدر وهي مكان بين مكة والمدينة وهو أقرب إليها من مكة وكان عدد المشركين يقارب الألف وعدد المسلمين أكثر من ثلاثمائة وبدأت المعركة بالمبارزة المشهورة ثم بدأ القتال وكان شديداً. وقتل فيها صناديد قريش كأبي جهل، وأمية بن خلف وغيرهما حتى بلغ قتلاهم سبعون رجلاً ومثلهم من الأسرى وقتل أربعة عشر من المسلمين، وقيل ستة عشر. فكان النصر الكبير حليف المسلمين. حيث نصرهم الله تعالى وأرسل ملائكة تقاتل معهم، أما الأسرى فأشار عمر بقتلهم وأشار أبو بكر بفدائهم فأخذ النبي ﷺ برأي أبي بكر ولكن الوحي نزل موافقاً لرأي عمر، أما الغنائم فنزلت فيها سورة الأنفال.
стр. 237
وفاة رقية بنت محمد ﵊
وفيه توفيت رقية بنت سيد البشر ﷺ ، وهي زوج عثمان بن عفان. وكانت رقية أولاً عند عتبة بن أبي لهب فلما بعث النبي ﷺ أمر أبو لهب ابنه بطلاقها فتزوجها عثمان وهاجر بها إلى الحبشة. ولما ندب رسول الله الناس للخروج لاعتراض قافلة أبي سفيان أمر عثماناً أن يبقى عند رقية يمرضها ويعتني بها وكان سبب تخلفه هو أمر النبي ﷺ له بالبقاء وقد أسهم له النبي ﷺ كما أسهم لمن حضر بدراً ثم ما لبثت رقية في مرضها حتى توفيت ﵂. وتزوج عَلِيُّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَاطِمَةَ ﵂، بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى.
стр. 238
إجلاء يهود بني قينقاع
ثم وقعت غزوة بني قينقاع في منتصف شوال، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول وكانوا أشجع اليهود وكانوا صاغة، فلما أظهروا صريح العداء والبغضاء وخالفوا عهد الصحيفة، وخاف النبي ﷺ خيانتهم، استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وعقد لواء أبيضاً حمله حمزة بن عبد المطلب، وحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، فاشتد عليهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول ﷺ ، فأمر بهم فكتفوا، وأراد قتلهم، ثم كلمه فيهم حليفهم عبد الله بن أبي بن سلول، فوهبهم له، وأمر بهم أن يجلوا عن المدينة، على أن له أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، وتولى أمر جلائهم عبادة بن الصامت، فلحقوا بأَذْرِعَات (١)، وتولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة الأنصاري حيث تم تقسيمها بين الصحابة بعد إخراج الخمس للرسول ﷺ .
стр. 239
غزوة السويق
وفي ذي الحجة وقعت غزوة السويق (قرقرة الكدر) وكان أبو سفيان حين رجع إلى مكة، ورجع فل قريش من بدر؛ نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة، حتى يغزو محمداً، فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له: نيب، من المدينة على بريد أو نحوه. ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل، فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم، وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالاً من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها العريض، فحرقوا في أصوار من نخل بها، ووجدوا رجلاً من الانصار وحليفاً له في حرث لهما فقتلوهما، وانصرفوا راجعين. فنذر بهم الناس، فخرج رسول الله ﷺ في طلبهم. فبلغ قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعاً وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، ووجد أصحاب رسول الله ﷺ أزواداً كثيرة قد ألقاها المشركون يتخففون منها وعامتها سويق، فسميت غزوة السويق.
стр. 240
السنة الثالثة من الهجرة
مقتل كعب بن الأشرف
وفي رَبِيعٍ الأَوَّلِ من السنة الثالثة من الهجرة كان مَقْتَلُ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، حيث نقض عهد صحيفة المدينة والتي نصت على: ألا تُجار قريش ولا تُنصر على المسلمين. فساند قريشاً في حربها على المسلمين وحرّضها على قتال المسلمين، وأفتاها أنها أهدى سبيلاً من رسول الله ﷺ ، وأنشد الأشعار في هجاء الصحابة وتحدث بالفاحشة في أشعاره عن نساء الصحابة. فنقض الميثاق وأعلن حربه على المسلمين، وكان مِنْ أَشَدِّ اليَهُودِ عَدَاوَةً لِلرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَبُوهُ عَرَبِيًّا مِنْ قَبِيلَةِ طَيِّءٍ، مِنْ بَنِي نَبْهَانَ، وَكَانَ أَصَابَ دَمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَتَى المَدِينَةَ فَحَالَفَ بَنِي النَّضِيرِ، فَشَرُفَ فِيهِمْ، وَتَزَوَّجَ عَقِيلَةَ بِنْتَ أَبِي الحُقَيْقِ، فَوَلَدَتْ لَهُ كَعْبًا، وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا، وَكَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا، سَادَ يَهُودَ الحِجَازِ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَكَانَ يُعْطِي أَحْبَارَ يَهُودٍ وَيَصِلُهُمْ، وَكَانَ حِصْنُهُ شَرْقِيَّ جَنُوبِ المَدِينَةِ فِي خَلْفِيَّاتِ دِيَارِ بَنِي النَّضِيرِ.
وَكَانَ مِنْ عَدَاوَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ، وَقَتْلُ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فِي بَدْرٍ، قَالَ: أَحَقٌ هَذَا؟ هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ العَرَبِ وَمُلُوكُ النَّاسِ، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَصَابَ هَؤُلَاءَ القَوْمِ لَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لِي مِنْ ظَهْرِهَا.
فَلَمَّا تَأَكَّدَ لَدَيْهِ الخَبَرُ، انْبَعَثَ عَدُوُّ اللَّهِ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُسْلِمِينَ، وَيَمْدَحُ عَدُوَّهُمْ، وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَرْضَ بِهَذا القَدْرِ حَتَّى رَكِبَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَبَكَى قَتْلَاهُمْ فِي بَدْرٍ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى المُطَّلِبِ بنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَنْزَلَهُ وأَكْرَمَهُ، وَجَعَلَ يُنْشِدُ الأَشْعَارَ، وَيُحَرِّضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالمُسْلِمِينَ.
وفي جمادى الأولى كانت سرية زيد بن حارثة، حيث كان مشركو مكة بعد هزيمتهم في غزوة بدر، يبحثون عن طريق أخرى لتجارتهم للشام، فأشار بعضهم إلى طريق نجد العراق، وقد سلكوها بالفعل، وخرج منهم تجّار، فيهم أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وحويطب بن عبدالعزّى، ومعهم فضة وبضائع كثيرة، بما قيمته مائة ألف درهم؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ بواسطة سليط بن النعمان ﵁، فبعث زيد بن حارثة في مائة راكب لاعتراض القافلة، فلقيها زيد عند ماء يقال له: القرَدة، وهو ماء من مياه نجد، ففرّ رجالها مذعورين، وأصاب المسلمون العير وما عليها، وأسروا دليلها فُرات بن حيّان الذي أسلم بين يدي النبي ﷺ ، وعادوا إلى المدينة، فخمَّسها رسول الله ﷺ ووزع الباقي بين أفراد السرية.
стр. 246
غزوة أحد
وكانت غزوة أحد يومَ السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان سببها أن المشركين حين قُتل من قتل من أشرافهم يوْمَ بَدْر، وسَلمَت العيرُ بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سُفْيان، فلما رجع قفَلُهُم إلى مكة قال أبناء من قُتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: ارصد هذه الأموال لقتال محمد، فأنفقوها في ذلك، وجمعوا الجموع والأحابيش وأقبلوا في قريب من ثلاثة آلاف، حتى نزلوا قريبًا من أحد تِلْقاء المدينة، فصلى رسولُ الله ﷺ يومَ الجمعة، فلما فَرَغَ منها صَلى على رجل من بني النجار، يقال له: مالك بن عَمْرو، واستشار الناس: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ فأشار عبد الله بن أُبيّ بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشِرِّ مَحْبس وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدراً بالخروج إليهم، فدخل رسول الله ﷺ فلبس لأمَتَه وخرج عليهم، فسار في ألف من أصحابه، فلما كان بالشَّوط رجع عبد الله بن أبيّ في ثُلُث الجيش مُغْضَباً؛ لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالاً لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. واستمر رسول الله ﷺ سائراً حتى نزل الشِّعْب من أُحُد في عَدْوَةِ الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه، وأمَّر على الرماة عبد الله بن جُبَيْر أخا بني عَمْرو بن عوف، والرماة يومئذ خمسون رجلاً. وظاهر رسولُ الله ﷺ بين درعين (١)، وأعطى اللواء مُصْعَب بن عُمَير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله ﷺ بعض الغِلْمان يومئذ وأرجأ آخرين، حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين. وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فَرَس قد جَنَبوها فجعلوا على مَيْمَنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عِكْرِمة بن أبي جَهْل، ودفعوا إلى بني عبد الدار اللواء. ثم كان بين الفريقين ما كان، وكانت بوادر النصر تلوح لصالح المسلمين فلما رأى المسلمون تقهقر المشركين أهمل الرماة وصية نبيهم لهم ونزلوا يحصدون الغنائم فانتهز خالد بن الوليد الفرصة فالتف خلفهم وأعمل الحرب فيهم مما أدى لقلب الموازين وانجلت المعركة عن استشهاد سبعين رجلاً من المسلمين منهم سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ﵁.
стр. 247
غزوة حمراء الأسد
وكانت بعدها مباشرة غزوة حمراء الأسد، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين يوم أحد؛ كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا أنهم لم يغيروا على المدينة ويجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجَلَداً، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر وقعة أُحُد سوى جابر بن عبد الله ﵁، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ولرسوله ﷺ . (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) هذا كان يوم حمراء الأسد وهو موضع على ثمانية أميال من المدينة باتجاه مكة، ورجع المشركون إلى مكة قبل وصول جيش المسلمين.