← История

История · id 49

قصة الحياة

عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر

Полный текст (447 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

غزوة أحد وكانت غزوة أحد يومَ السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان سببها أن المشركين حين قُتل من قتل من أشرافهم يوْمَ بَدْر، وسَلمَت العيرُ بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سُفْيان، فلما رجع قفَلُهُم إلى مكة قال أبناء من قُتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: ارصد هذه الأموال لقتال محمد، فأنفقوها في ذلك، وجمعوا الجموع والأحابيش وأقبلوا في قريب من ثلاثة آلاف، حتى نزلوا قريبًا من أحد تِلْقاء المدينة، فصلى رسولُ الله ﷺ يومَ الجمعة، فلما فَرَغَ منها صَلى على رجل من بني النجار، يقال له: مالك بن عَمْرو، واستشار الناس: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ فأشار عبد الله بن أُبيّ بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشِرِّ مَحْبس وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدراً بالخروج إليهم، فدخل رسول الله ﷺ فلبس لأمَتَه وخرج عليهم، فسار في ألف من أصحابه، فلما كان بالشَّوط رجع عبد الله بن أبيّ في ثُلُث الجيش مُغْضَباً؛ لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالاً لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. واستمر رسول الله ﷺ سائراً حتى نزل الشِّعْب من أُحُد في عَدْوَةِ الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه، وأمَّر على الرماة عبد الله بن جُبَيْر أخا بني عَمْرو بن عوف، والرماة يومئذ خمسون رجلاً. وظاهر رسولُ الله ﷺ بين درعين (١)، وأعطى اللواء مُصْعَب بن عُمَير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله ﷺ بعض الغِلْمان يومئذ وأرجأ آخرين، حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين. وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فَرَس قد جَنَبوها فجعلوا على مَيْمَنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عِكْرِمة بن أبي جَهْل، ودفعوا إلى بني عبد الدار اللواء. ثم كان بين الفريقين ما كان، وكانت بوادر النصر تلوح لصالح المسلمين فلما رأى المسلمون تقهقر المشركين أهمل الرماة وصية نبيهم لهم ونزلوا يحصدون الغنائم فانتهز خالد بن الوليد الفرصة فالتف خلفهم وأعمل الحرب فيهم مما أدى لقلب الموازين وانجلت المعركة عن استشهاد سبعين رجلاً من المسلمين منهم سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ﵁.

стр. 247

غزوة حمراء الأسد وكانت بعدها مباشرة غزوة حمراء الأسد، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين يوم أحد؛ كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا أنهم لم يغيروا على المدينة ويجعلوها الفيصلة. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويريهم أن بهم قُوّةً وجَلَداً، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر وقعة أُحُد سوى جابر بن عبد الله ﵁، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله ولرسوله ﷺ . (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) هذا كان يوم حمراء الأسد وهو موضع على ثمانية أميال من المدينة باتجاه مكة، ورجع المشركون إلى مكة قبل وصول جيش المسلمين.

стр. 248

السنة الرابعة من الهجرة يوم الرجيع واستشهاد خبيب وفي صفر من السنة الرابعة وقع يوم الرجيع، حيث بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ وَهْوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِئَتيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَؤُوا إِلَى فَدْفَدٍ (١) وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَالُوا لَهُمُ انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ، وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا قَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ، وَابْنُ دَثِنَةَ وَرَجُلٌ آخَرُ فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ إِنَّ فِي هَؤُلَاءِ لأُسْوَةً يُرِيدُ الْقَتْلَى فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى فَقَتَلُوهُ فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ دَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا. وقالت بِنْتُ الْحَارِثِ: أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَأَخَذَ ابْنًا لِي وَأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ قَالَتْ فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي فَقَالَ تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ. وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا.

стр. 249

فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ ذَرُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وقال: وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَىِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا. وَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَبُعِثَ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ (١) فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يقْطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا.

стр. 250

حادثة بئر معونة وفي صفر أيضاً وقعت حادثة بئر معونة، وفيها جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالُوا أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ -فِيهِمْ حَرَام بن ملحان- يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِى الْمَسْجِدِ وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ فَبَعَثَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ. فَقَالُوا:"اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا"، وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا خَالَ أَنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ. فَقَالَ حَرَامٌ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا وَإِنَّهُمْ قَالُوا اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا». وفي رواية: أَنَّ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ وأنه نزلت فيهم آيات ثم رفعت (بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا).

стр. 251

إجلاء يهود بني النضير ثم كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول، وكان سببها أنه لما قُتِل أصحابُ بئر معونة، وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعًا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ . فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك الرجلين، للجوار الذي كان رسول الله ﷺ عقد لهما. وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها. فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم- فَمَن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدُهم، فقال: أنا لذلك، فصعَدَ ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي، ﵃. فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فَقَامَ مُظْهِرًا أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ لَا تَبْرَحُوا وَرَجَعَ مُسْرِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فلما استلبث النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسولُ الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم. ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسولُ الله ﷺ بقطع النخل والتَّحريق فيها. فنادوه: أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله ابن أبي بن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل، وسُوَيد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتَمَنَّعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خَرَجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، فأجلاهم، وفيهم نزلت سورة الحشر.

стр. 252

السنة الخامسة من الهجرة غزوة دومة الجندل ووقعت غزوة دومة الجندل في ربيع الأول سنة خمس من الهجرة، لخمس ليال بقين من ربيع الأول. ودومة الجندل: تقع شمالي نجد وهي طرف من أفواه الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة. وأراد رسول الله ﷺ أن يدنو إلى أداني الشام، وقيل له أن ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بدومة الجندل جمعاً كبيراً وأنهم يظلمون من مر بهم، وكان لها سوق عظيم وهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب رسول الله ﷺ الناس فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة، يقال له: مذكور، هاد خريت. فلما دنا من دومة الجندل، أخبره دليله بسوائم بني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد فيها أحداً، فأقام بها أياماً، وبث السرايا ثم رجعوا وأخذ محمد بن سلمة رجلاً منهم فأتى به رسول الله ﷺ ، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة.

стр. 253

غزوة المريسيع (بني المصطلق) ثم في شعبان من السنة الخامسة الهجرية وقعت غزوة المريسيع (بني المصطلق) من ناحية قديد، وفيها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ. وذلك أنه بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله ﷺ فلما سمع رسول الله ﷺ بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع من ناحية قديد الى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه. وقد كان من بين السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم فأسلمت وتزوجها النبي ﷺ . وأُعتِقَ بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فكانت من أعظم الناس بركة على قومها.

стр. 254

حادثة الإفك وفيها وقعت حادثة الإفك، وذلك أنه لما خرج النبي ﷺ إلى بني المصطلق لغزوهم أقرع بين نسائه من يخرج معه فكانت القرعة على عائشة الطاهرة ﵂ وأرضاها وفي طريق العودة كانت تحمل على هودج، فقدر الله في ذلك اليوم أن تكون خارج هودجها لتبحث عن عقد سقط منها فلما أرادوا الرحيل لم يشعروا بعدم وجودها ورحلوا؛ فقد كانت صغيرة خفيفة الوزن، فلما رجعت لم ترهم. قالت عائشة رضي الله عتها: "فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِى الَّذِى كُنْتُ فِيهِ وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِى فَيَرْجِعُونَ إِلَىَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِى مَنْزِلِى غَلَبَتْنِى عَيْنِى فَنِمْتُ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِىُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِىُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِى فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَأَتَانِى فَعَرَفَنِى حِينَ رَآنِى وَقَدْ كَانَ يَرَانِى قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَىَّ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِى فَخَمَّرْتُ وَجْهِى بِجِلْبَابِى وَوَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِى كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِى الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِى نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِى شَأْنِي وَكَانَ الَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ". فاتهموها مع صفوان وبدأ هذا الإفك المبين ينتشر في المدينة وبقيت عائشة شهراً لا تعلم شيئاً عن ذلك، حتى علمت بذلك صراحة من أم مسطح، وكل ذلك ولم تتبين الحقيقة. ثم نزلت آيات تتلى إلى يوم القيامة من قوله تعالى: (إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم) إلى قوله: (ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم) آيات تبرئ الطاهرة المطهرة مما افتراه المفترون.

стр. 255

غزوة الخندق (الأحزاب) ثم في شوال وقعت غزوة الخندق (الأحزاب)، وسبب هذه الغزوة هو إجلاء يهود بني النضير من المدينة حيث أن الحسد والحقد قد تمكنا من قلوبهم مما جعلهم يضمرون العداء ويتحينون الفرص للتشفي ممن طردهم من المدينة وما حولها. ولما لم يستطع يهود خيبر وخاصة بني النضير مجابهة المسلمين لجأوا إلى أسلوب المكر والتحريش. فالذين حزبوا الأحزاب نفر من اليهود، وكان منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، فلما قدموا على قريش، دعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه، قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه!!! وكانت في سنة خمس. فقام النبي ﷺ وأصحابه ﵃ بحفر خندق في المنطقة المكشوفة أمام الغزاة، واستغرق حفر الخندق قريباً من عشرين ليلة. وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ. فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ: نحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا. وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ ويَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ وَهْوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا، إنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا. قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا. وفيها نزلت: (إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ) فكَانَ ذَاكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. ووصلت الأحزاب المدينة ففوجئوا بوجود الخندق، فقاموا بعدة محاولات لاقتحامه، ولكنهم فشلوا. واستمر الحصار أربعاً وعشرين ليلة.

стр. 256

وثقل الأمر على قريش بسبب الريح التي أكفأت قدورهم وخيامهم، كما قام المسلمون بالتخذيل بين اليهود والمشركين فأرغموا على الرحيل وهزمهم الله تعالى وكف شرهم عن المدينة، وبعد رجوعهم قال ﵊ حين أجلى اللهُ الأحزابَ عنه: " الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ". (١)

стр. 257

نزول آية الحجاب وفي ذي القعدة نزلت آية الحجاب، وكان سبب نزولها أن عمر ﵁ كان يقول لرسول الله ﷺ : لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ؛ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ؛ فَنَزَلَ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) إلى قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).

стр. 258

غزوة بني قريظة ثم وقعت غزوة يهود بني قريظة بعد غزوة الأحزاب مباشرة، في آخر ذي القعدة، وأول ذي الحجة من السنة الخامسة الهجرية. وكان سبب الغزوة نقض بني قريظة العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ بتحريض من حيي بن أخطب النضري. وكان النبي ﷺ قد أرسل الزبير لمعرفة نيتهم، ثم أتبعه بالسعدين وابن رواحة وخوات لذات الهدف ليتأكد من غدرهم. وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ ، بقتالهم بعد عودته من الخندق ووضعه السلاح، فأوصى ﵊ أصحابه أن يتوجهوا إلى بني قريظة، وقال لهم: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة). فضرب الرسول ﷺ الحصار على بني قريظة لمدة خمس وعشرين ليلة على الأرجح، حتى نزلوا على حكم الرسول ﷺ ، فأحب أن يكل الحكم عليهم إلى واحد من رؤساء الأوس؛ لأنهم كانوا حلفاء بني قريظة، فجعل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ، فلما دنا من المسلمين قال الرسول ﷺ للأنصار: قوموا إلى سيدكم أو خيركم، ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك. قال -أي سعد بن معاذ-: تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم. فقال له النبي ﷺ : قضيت بحكم الله تعالى. ونفذ الرسول ﷺ هذا الحكم فيهم، وكانوا أربعمائة على الأرجح. ولم ينج إلا بعضهم، ثم قسم الرسول ﷺ أموالهم وذراريهم بين المسلمين.

стр. 259

السنة السادسة من الهجرة غزوة ذِي قَرَد وقصة سلمة بن الأكوع وفي المحرم منها وقعت غزوة ذِي قَرَد، وفيها أَغار عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ الفَزَارِي في بني عبداللهِ بن غَطَفَانَ على لِقَاحِ النبي ﷺ التي بالغابة، فاستاقها، وقتل راعِيَهَا -وهو ابن أبي ذر الغفاري-، واحتملوا امرأته. ونودي: يا خَيْلَ اللهِ ارْكَبي، وكان أول ما نُودي بها، ورَكِبَ رسولُ اللهِ ﷺ مُقنَّعاً في الحديد، فكان أول مَنْ قدم إليه المقدادُ بن عمرو في الدِّرع والمِغْفَرِ، فَعَقَدَ له رسولُ الله ﷺ اللِّواءَ في رُمحه، وقال: "امْضِ حتَّى تلحقك الخيولُ، إنَّا عَلَى أَثَرِكَ". وأدركَ سلمةُ بنُ الأكوع القومَ، وهو على رِجليه، فجعلَ يرميهم بالنَّبْلِ ويَقُول: خُذْهَا وَأنَا ابْنُ الأَكْوَع والْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّع حتى انتهى إلى ذي قَرَدٍ وقد استنقذَ مِنهم جميعَ اللِّقَاح حَتَّى أَلقوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا. قال سلمة: فَلَحِقَنَا رَسولُ اللهِ ﷺ والخيلُ عِشاءً. فَمَضَتِ الْخَيْلُ حَتَّى لَحِقُوا بِالْقَوْمِ، فَقَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ حَبِيبَ بْنَ قُتَيْبَةَ، وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ عَمْرٍو أَوْبَارًا وَأَبَاهُ وَهُمَا مُتَرَادِفَانِ عَلَى بَعِيرٍ فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُمَا. وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةُ ابن أبي ذر الْغِفَارِيِّ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ نَذَرْتُ لِلَّهِ نَذْرًا أَنْ أَنْحَرَهَا إِنْ نَجَّانِي اللهُ عَلَيْهَا، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "بِئْسَمَا جَزَيْتِهَا أَنْ حَمَلَكِ اللهُ عَلَيْهَا وَنَجَّاكِ بِهَا، إِنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا تَمْلِكِينَ، إِنَّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إِبِلِي، ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ". قال سلمة: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إن القومَ عِطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذتُ ما في أيديهم من السَّرْح، وأخذتُ بأَعناق القوم، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَلَكْتَ فَأسْجِحْ" (١)، ثم قالَ: إنَّهُم الآنَ لَيُقْرَوْنَ في غَطَفَان، وذهب الصريخُ بالمدينة إلى بني عَمْرو بن عوف، فجاءت الأمدادُ ولم تزلِ الخيلُ تأتي، والرجالُ على أقدامهم وعلى الإبل، حتى انْتَهَوْا إلى رسول اللهِ ﷺ بذي قَرَدٍ.

стр. 260

سرية الخبط (سِيف البحر) وبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح على رأس ثلاثمائة رجل إلى سِيِف البحر، وكان الغرض من هذه السرية رصد عير لقريش ومحاربة حي من جهينة، وزودهم جراباً من تمر، فجعل أبو عبيدة يقوتهم إياه، حتى صار إلى أن يعده لهم عدداً، حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة، فقسمها يوماً فنقصت تمرة عن رجل، فوجد فقدها ذلك اليوم، فلما نفد ما كان معهم من الزاد أكلوا الخبط وهو ورق السلم، فسمي الجيش لذلك "جيش الخبط"، وأصابهم جوع شديد، فنحر قيس بن سعد بن عبادة وكان أحد جنود هذه السرية ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه، فألقى إليهم البحر دابة يقال لها: العَنْبَر، فأكلوا منها عشرين ليلة، وادَّهَنَّوا منه، حتى ثابت منه أجسامهم، وصلحت، وأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه، فنظر إلى أطول رجل في الجيش وأطول جمل، فحُمل عليه، ومر تحته، وتزودوا من لحمه وَشَائِق، فلما قدموا المدينة، أتوا رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك، فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا؟ "، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ منه. (١)

стр. 261

خروج عمرو بن العاص إلى الحبشة قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ -قبل إسلامه-: لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الْأَحْزَابِ عَنِ الْخَنْدَقِ، جَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَرَوْنَ مَكَانِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الْأُمُورَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى قَوْمِنَا، كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّا أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عُرِفُوا، فَلَنْ يَأْتِيَنَا مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرٌ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: فَاجْمَعُوا لَهُ مَا نُهْدِي لَهُ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ، فَجَمَعْنَا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ.

стр. 262

قصة صلح الحديبية ولما أراد النبي ﷺ أن يعتمر سنة ست من الهجرة في ذي القعدة قبل أن يحج؛ أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة. ورُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ َ رَأَى فِي مَنَامه قبل خُرُوجه إِلَى الْحُدَيْبِيَة كَأَنَّهُ وَأَصْحَابه قد دخلُوا مَكَّة آمِنين وَقد حَلقُوا وَقصرُوا فَقص الرُّؤْيَا عَلَى أَصْحَابه فَفَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا وَحَسبُوا أَنهم دَاخِلُوهَا فِي عَامهمْ. واستنفر من حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب وظنوا بنبي الله ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا وأنهم سيهلكون. وخرج رسول الله ﷺ عام الحديبية (١) في بضع عشرة مائة من أصحابه يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً (٢)، وساق معه الهدي (٣) سبعين بدنة، فلما أتى ذا الحليفة؛ قلد الهدي وأشعره (٤) وأحرم منها بعمرة، وأهدى رسول الله ﷺ عام الحديبية في بُدْنِهِ جملاً كان لأبي جهل في رأسه برة (٥) فضة يغيظ بذلك المشركين. وبعث عينا له من خزاعة بين يديه يخبره عن قريش، وسار رسول الله ﷺ حتى إذا كان بغدير الأشطاط - قريب من عسفان -؛ أتاه عينه الخزاعي، فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ (٦)، قد لبسوا جلود النمور، وجمعوا لك الأحابيش (٧)، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قدموا إلى كُرَاعِ الْغَمِيمِ (٨) وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، ومانعوك.

стр. 263

فقال رسول الله ﷺ : " يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم، دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا، قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له، حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة (١)، ثم قال رسول الله ﷺ : أشيروا علي أيها الناس، أترون أن أميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم أن يصدونا عن البيت فنصيبهم؟، فإن قعدوا، قعدوا موتورين (٢) محروبين (٣)، وإن يَجِيئُوا (٤)، تكن عنقاً قطعها الله، أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ "، فقال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامداً لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال رسول الله ﷺ : "امضوا على اسم الله". قال جابر بن عبد الله ﵄: حضرت العصر (٥) يوم الحديبية وليس معنا ماء غير فضلة، فجهش (٦) الناس نحو رسول الله ﷺ ، فقال: " ما لكم؟ "، قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب. فقال رسول الله ﷺ : " هل في القوم من ماء؟ "، فجاء رجل بإداوة (٧) فيها شيء من ماء، " فصبه رسول الله ﷺ في قدح (٨) ووضع كفه في الماء والقدح، ثم قال: بسم الله، ثم قال: أسبغوا الوضوء "، قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري، لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ ، فتوضأ الناس وشربوا أجمعون، لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا ألفا وأربع مائة. ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟، فقال رسول الله ﷺ : " فرغ الوضوء ". حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال رسول الله ﷺ : إن خالد بن الوليد بالغميم (٩) في خيل لقريش طليعة (١٠)؛ فخذوا ذات اليمين". فسلكوا ذات اليمين، بين ظهري الحمض (١١)، على طريق تخرجه على ثنية المرار (١٢) والحديبية، من أسفل مكة، فوالله ما شعر بهم خالد، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش (١٣) قد خالفوا عن طريقهم، نكصوا راجعين إلى قريش نذيراً لقريش، وسار رسول الله ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها؛ بركت به راحلته،

стр. 264

فقال رسول الله ﷺ : حل حل. (١) فقال الناس: خلأت القصواء، خلأت القصواء. (٢) فقال رسول الله ﷺ : " ما خلأت القصواء، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، ثم قال: والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة (٣) يعظمون بها حرمات الله (٤) إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد (٥) قليل الماء يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبثه الناس أن نزحوه. قال البراء بن عازب ﵁: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة - والحديبية بئر - فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة فشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع رسول الله ﷺ سهما من كنانته (٦) ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب (٧) من تلك القلب فغرزه فيه، فجلس رسول الله ﷺ على شفير (٨) البئر، ثم قال: "ائتوني بدلو من مائها"، فأتي به، فتمضمض رسول الله ﷺ منه، ثم مجه في البئر ودعا. ثم قال: "دعوها ساعة ". فتركناها غير بعيد، ثم استقينا فجاش الماء بالرواء، حتى ضرب الناس عنه بعطن (٩)، حتى روينا وروت ركائبنا حتى ارتحلنا. قال عبد الله بن مغفل المزني ﵁: هبط ثمانون رجلاً من أهل مكة على رسول الله ﷺ وأصحابه يوم الحديبية من جبل التنعيم متسلحين عند صلاة الفجر يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه ليقتلوهم، فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذ الله بأبصارهم، فقدمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ : "هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أماناً؟ "، قالوا: لا، فخلى رسول الله ﷺ سبيلهم، فأنزل الله : ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم، وكان الله بما تعملون بصيراً﴾.

стр. 265

فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح (١) لرسول الله ﷺ من أهل تهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي (٢)، وعامر بن لؤي نزلوا أعداد (٣) مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل (٤) وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله ﷺ : " إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم (٥) الحرب فأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة (٦)، ويخلوا بيني وبين الناس (٧) فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (٨) وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره (٩) "، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدا لم يأت لقتال، إنما جاء زائراً لهذا البيت، معظما لحقه، فاتهموهم - وكانت خزاعة في عيبة رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئا كان بمكة - قالوا: وإن كان إنما جاء لذلك، فلا والله لا يدخلها أبداً علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب، ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف، أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا رجل غادر "، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ فبعثوا إليه الحلس بن علقمة الكناني - وهو يومئذ سيد الأحابيش - فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا من قوم يعظمون الهدي؛ فابعثوا الهدي في وجهه"، فبعثوا الهدي، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله،

стр. 266

واستقبله الناس يلبون، قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فرجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى، فقال: يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صده الهدي في قلائده، قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، فقالوا: اجلس: إنما أنت أعرابي لا علم لك، فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد. (١) وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي، قالوا: صدقت. قال: فهل تتهموني؟، قالوا: لا، فقال: إِنَّ هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فجعل يكلم النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ نحواً من قوله لبديل (٢)، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت قومك؟، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله (٣) قبلك؟، وإن تكن الأخرى (٤) فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوباشاً (٥) من الناس لكأني بهم قد انكشفوا عنك غداً - قال: وأبو بكر الصديق ﵁ خلف رسول الله ﷺ قاعد - فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات (٦)، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من هذا يا محمد؟، قال: " هذا ابن أبي قحافة "، قال: والله لولا يد (٧) كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، ولكن هذه بها (٨)، ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف (٩) وعليه المغفر (١٠) - فضرب يده بنصل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل والله أن لا ترجع إليك. فرفع عروة رأسه، فقال: ويحك ما أفظك وأغلظك. فتبسم رسول الله ﷺ ، فقال: من هذا يا محمد؟، قال: هذا ابن أخيك، المغيرة بن شعبة، فقال: أَيْ غُدَرُ!! (١١) أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ هل غسلتُ سوأتك إلا بالأمس؟ (١٢).

стр. 267

وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم (١)، ثم جاء فأسلم، فقال له رسول الله ﷺ : " أما الإسلام فقد قبلنا، وأما المال، فإنه مال غدر، لا حاجة لنا فيه" (٢). فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، فأخبره أنه لم يأت يريد حرباً، فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، ولا يبصق بصاقة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإذا أمرهم؛ ابتدروا أمره، وإذا تكلموا، خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر (٣) تعظيما له. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى، والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً ﷺ والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له فلقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: "الثعلب"، فلما دخل مكة، عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش، حتى أتى رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني، عثمان بن عفان ﵁، فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائراً لهذا البيت، معظماً لحرمته، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه.

стр. 268

فخرج عثمان حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته، وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ ، قال: فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتل. وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده. قال جابر بن عبد الله ﵄ في قوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحاً قريباً﴾. قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربع مائة، فبايعنا رسول الله ﷺ تحت الشجرة وهي سمرة -. بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت. فبايعناه كلنا إلا الجد بن قيس، اختبأ تحت بطن بعير، ونحرنا يومئذ سبعين من البدن، لكل سبعة جزور. فقال لنا رسول الله ﷺ : " أنتم اليوم خير أهل الأرض". قال جابر: لو كنت أبصر، لأريتكم موضع الشجرة. قال رسول الله ﷺ : " لن يدخل النار رجل شهد بدراً والحديبية، لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ". ثم إن قريشاً بعثوا سهيل بن عمرو- أحد بني عامر بن لؤي - فقالوا: ائت محمداً فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبداً، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: " سهل الله أمركم، لقد سهل من أمركم، قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل "، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا، حتى جرى بينهما الصلح،

стр. 269

فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أوليس برسول الله ﷺ ؟، أولسنا بالمسلمين؟، أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟، فقال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه (١) حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟، قال: " بلى "، قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟، فقال: " أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره وهو ناصري "، فقال له عمر: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟، قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ "، قال: لا، قال: " فإنك آتيه، ومتطوف به"، ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال له رسول الله ﷺ : اكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل بن عمرو: أما "بسم الله الرحمن الرحيم"، فما ندري ما " بسم الله الرحمن الرحيم"، أما "الرحمن"، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا " بسم الله الرحمن الرحيم "، فقال رسول الله ﷺ : " اكتب باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو ". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، لاتبعناك وما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: اسمك واسم أبيك، محمد بن عبد الله، فقال رسول الله ﷺ : " والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، (٢) وأنه لا إسلال ولا إغلال (٣)، وعلى أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه. فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟، قال: " نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم، سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً ".

стр. 270

وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه - فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم -. فقال رسول الله ﷺ :"على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به"، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخِذنا ضغطة، ولكن ترجع عنا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثاً، معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب (١) فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب؛ إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده (٢) - وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه، دخلَ الناسَ من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا - فلما رأى سهيل أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه، ثم قال: يا محمد، قد لجت (٣) القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال: " صدقت. فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال رسول الله ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد"، قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، فقال رسول الله ﷺ : "فأجزه لي"، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: "بلى فافعل"، قال: ما أنا بفاعل. فقام إليه فأخذ بتلبيبه، (٤) فصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني وقد جئت مسلماً؟، ألا ترون ما قد لقيت؟ - وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله - فزاد الناس شراً إلى ما بهم، وقالوا: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟، فقال رسول الله ﷺ : " يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهداً، وإنا لن نغدر بهم "، فوثب عمر بن الخطاب إلى أبي جندل، فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه. ونفذت القضية.

стр. 271

فلما فرغ رسول الله ﷺ من قضية الكتاب؛ قال لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا ". قال: فوالله ما قام منهم رجل، ثم عاد بمثلها، فما قام رجل، ثم عاد بمثلها، فما قام رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة ﵂ فقال: يا أم سلمة، ما شأن الناس؟، قالت: يا رسول الله، قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان، فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحداً، حتى أتى هديه فنحره بالحديبية قبل أن يحلق، ثم دعا حالقه فحلق. فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً. حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. فحلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ :"اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟، قال: " اللهم اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال: " اللهم اغفر للمحلقين "، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين؟ قال: " وللمقصرين ". قالوا: فما بال المحلقين يا رسول الله ظاهرت لهم الرحمة ثلاثاً (١) وللمقصرين واحدة؟، قال: " إنهم لم يشكّوا". (٢)

стр. 272

نزول سورة الفتح قال سهل بن حنيف ﵁: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، ولقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر النبي ﷺ لرددته، والله ورسوله أعلم، فجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟، قال: " بلى "، فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟، قال: " بلى "، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟، أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟، فقال رسول الله ﷺ : "يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً". فرجع عمر متغيظاً، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟، قال: يا ابن الخطاب، إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً. قال عمر بن الخطاب ﵁: كنا نسير مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره ليلاً فسألت رسول الله ﷺ عن شيء " فلم يجبني "، ثم سألته، " فلم يجبني "، ثم سألته " فلم يجبني ". فقلت لنفسي: ثكلتك أمك (١) يا ابن الخطاب؛ نزرت (٢) رسول الله ﷺ ثلاث مرات، " كل ذلك لا يجيبك؟ "، قال عمر: فحركت بعيري، ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل في قرآن. قال أنس ﵁: "نزلت على النبي ﷺ : ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطاً مستقيماً، وينصرك الله نصراً عزيزاً﴾ مرجعه من الحديبية وأصحابه يخالطهم الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية، فقال رسول الله ﷺ : " لقد نزلت علي آيتان، هما أحب إلي من الدنيا جميعاً، فلما تلاهما قال رجل: هنيئاً مريئاً يا رسول الله، قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟، فأنزل الله الآية التي بعدها: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، ويكفر عنهم سيئاتهم، وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً﴾.

стр. 273

حتى إذا كان رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة في وسط الطريق، نزلت سورة الفتح (١) قال عمر: فما نشبت أن سمعت مناديا ينادي: يا عمر، أين عمر؟، قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل في شيء. فجئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال: "يا ابن الخطاب، لقد أنزل علي هذه الليلة سورة، لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطاً مستقيماً، وينصرك الله نصراً عزيزاً﴾. فقرأها رسول الله ﷺ على عمر إلى آخرها. فقال عمر: يا رسول الله، أَوَ فتح هو؟، قال: " نعم ". فطابت نفسه ورجع. وأنزل الله فيها: ﴿هم الذين كفروا، وصدوكم عن المسجد الحرام، والهدي معكوفاً أن يبلغ محله، ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم، أن تطئوهم، فتصيبكم منهم معرة (٢) بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، لو تزيلوا (٣) لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً، إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية﴾ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"، وحالوا بينهم وبين البيت.

стр. 274

قدوم المهاجرات من مكة ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجاءه نسوة مؤمنات مهاجرات - وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق (١) - فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم، لما أنزل الله فيهن: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن، وآتوهم ما أنفقوا، ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن، ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية. ﴿واسألوا ما أنفقتم، وليسألوا ما أنفقوا﴾ فنهاهم الله أن يردوهن، وأمرهم أن يردوا الصداق. فلما أبى الكفار أن يقروا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم، أنزل الله تعالى: ﴿وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم﴾ والعقب: ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار ﴿فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا﴾ فأمر الله أن يعطى من ذهب له زوج من المسلمين، ما أنفق من صداق نساء الكفار اللائي هاجرن. (٢)

стр. 275

قصة أبي بصير ثم جاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه رسول الله ﷺ إلى الرجلين، فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة، نزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله الآخر فقال: أجل قد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه؟، فأمكنه منه، فضربه حتى برد (١) وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: " لقد رأى هذا ذعراً "، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال رسول الله ﷺ : " ويل أمه، مسعر (٢) حرب لو كان له أحد (٣) "، فلما سمع ذلك، عرف أنه سيرده إليهم. ولم يأت رسول الله ﷺ أحد من الرجال، إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلماً. فخرج حتى أتى سِيف البحر (٤) وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم، إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بِعِير (٥) خرجت لقريش إلى الشام، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فلما رأى ذلك كفار قريش، ركب نفر منهم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنها لا تغني مدتك شيئاً ونحن نقتل وتنهب أموالنا، وإنا نسألك أن تدخل هؤلاء الذين أسلموا منا في صلحك، وتمنعهم وتحجز عنا قتالهم. فأرسل رسول الله ﷺ إليهم.

стр. 276

وقيل أن الحج فرض هذا العام، وقيل غير ذلك. وقد كان الحج معروفاً قبل الإسلام فإبراهيم أذن في الناس بالحج وحج موسى وغيره من الأنبياء وبقي الحج معروفاً ولكن بدل فيه المشركون ما بدلوا وأول من بدل عمرو بن لحي ثم فرض الله تعالى الحج على المسلمين لمن استطاع إليه سبيلاً (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) وبيّن الرسول ﷺ مناسكه بتمامها في حجة الوداع سنة ١٠ هـ.

стр. 277

السنة السابعة من الهجرة دعوة الملوك إلى الإسلام ولَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ، أَرْسَلَ الرُّسُلَ إِلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ كُتُبًا، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْمُلُوكَ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، " فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَصُّهُ مِنْهُ، نَقْشُهُ ثَلَاثةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَخَتَمَ بِهِ الْكُتُبَ، فَخَرَجَ سِتَّةُ نَفَرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ، وَأَصْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ الْقَوْمِ الَّذِينَ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ. (١) (٢)

стр. 278

دعوة ملك الحبشة وإسلامه وكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ ﵁ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابَيْنِ، يَدْعُوهُ فِي أَحَدِهِمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَتْلُو عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَأَخَذَ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَنَزَلَ مِنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ آتِيَهُ لَأَتَيْتُهُ، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِإِجَابَتِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَإِسْلامِهِ عَلَى يَدَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَفِي الْكِتَابِ الْآخَرِ يَأمُرُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْكِتَابِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِمَنْ قِبَلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَيَحْمِلَهُمْ، فَفَعَلَ، فَزَوَّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَصْدَقَ عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَمَرَ بِجِهَازِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يُصْلِحُهُمْ، وَحَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، وَدَعَا بِحُقٍّ مِنْ عَاجٍ، فَجَعَلَ فِيهِ كِتَابَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ: لَنْ تَزَالَ الْحَبَشَةُ بِخَيْرٍ، مَا كَانَ هَذَانِ الْكِتَابَانِ بَيْنَ أَظْهُرِهَا. وكان عمرو بن العاص في وفد من أصحابه الكفار من قريش ينتظرون الدخول على النجاشي ورأوا عَمْرَو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وهو يخرج من مجلس النجاشي، فَقال عمرو بن العاص لِأَصْحَابه: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، لَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَجَدْتُ لَهُ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلَادِكَ شَيْئًا؟، فَقُلْتُ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ أُدْمًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَدَّمْتُهُ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوٍّ لَنَا، فَأَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا، فَغَضِبَ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنْ قَدْ كَسَرَهُ، فَلَوْ انْشَقَّتْ لِي الْأَرْضُ، لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَاللهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ، فَقَالَ لِي: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأتِي مُوسَى لِتَقْتُلَهُ؟، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَكَذَاكَ هُوَ؟، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو أَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللهِ لَعَلَى الْحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، فَقُلْتُ: فَبَايِعْنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ، وَبَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي وَقَدْ حَالَ رَأيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكَتَمْتُ أَصْحَابِي إِسْلَامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لِأُسْلِمَ.

стр. 279

دعوة ملك الغساسنة في الشام وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الأَسَدِيَّ ﵁ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، قَالَ شُجَاعٌ: فَأَتَيْتُ إِلَيْهِ وَهو بِغَوْطَةِ دِمَشْقَ، وَهو مَشْغُولٌ بِتَهْيِئَةِ الْإِنْزَالِ وَالْإلْطَافِ لِقَيْصَرَ وَهو جَاءٍ مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثةً، فَقُلْتُ لِحَاجِبِهِ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا تَصِلُّ إِلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَجَعَلَ حَاجِبُهُ - وَكَانَ رُومِيًّا - يَسْأَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكُنْتُ أُحَدِّثُهُ عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ فَيَرِقَّ حَتَّى يَغْلِبَهُ الْبُكَاءُ، وَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ قَرَأتُ الْإِنْجِيلَ، فَأَجِدُ صِفَةَ هَذَا النَّبِيِّ بِعَيْنِهِ، فَأَنَا أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ، وَأَخَافُ مِنَ الْحَارِثِ أَنْ يَقْتُلَنِي، قَالَ شُجَاعٌ: وَكَانَ يُكْرِمُنِي وَيُحْسِنُ ضِيَافَتِي، وَخَرَجَ الْحَارِثُ يَوْمًا، فَجَلَسَ وَوَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأسِهِ، فَأَذِنَ لِي عَلَيْهِ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَرَأَهُ ثُمَّ رَمَى بِهِ وَقَالَ: مَنْ يُنْتَزِعُ مِنِّي مُلْكِي؟، أَنَا سَائِرٌ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ بِالْيَمَنِ جِئْتُهُ، عَلَيَّ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَزَلْ يَفْرِضُ حَتَّى قَامَ، وَأَمَرَ بِالْخُيُولِ تُنْعَلُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ مَا تَرَى، وَكَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يُخْبِرُهُ خَبَرِي وَمَا عَزَمَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ قَيْصَرُ: أَلَّا تَسِيرُ إِلَيْهِ، وَالْهَ عَنْهُ، وَوَافِنِي بِإِيلِيَاءَ، فَلَمَّا جَاءَهُ جَوَابُ كِتَابِهِ دَعَانِي فَقَالَ: مَتَى تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى صَاحِبِكَ؟، فَقُلْتُ: غَدَاً، فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ مِثْقَالٍ ذَهَبٍ، وَوَصَّلَنِي حَاجِبُهُ، وَأَمَرَ لِي بِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ، وَقَال لِي: أَقْرِئْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنِّي السَّلَامَ، فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: " بَادَ مُلْكُهُ " وَأَقْرَأتُهُ مِنْ حَاجِبِهِ السَّلَامَ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَدَقَ".

стр. 280

دعوة قيصر ملك الروم وكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ، وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ عَلَى الزَّرَابِيِّ تُبْسَطُ لَهُ شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ، وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلُ سُقُفًا عَلَى نَصَارَى الشَّامِ، فَأَصْبَحَ هِرَقْلُ يَوْمًا حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدْ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ - قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ - فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟، فَقَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ، فلَا يُهِمَّنَّكَ شَأنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ، فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ قَرَأَهُ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا ملكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ، الْتَمِسُوا لِي هَا هُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ لِأَسْأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وكان أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِالشَّامِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدِمُوا تُجَّارًا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَجَدَنَا رَسُولُ قَيْصَرَ بِبَعْضِ الشَّامِ فَانْطَلَقَ بِي وَبِأَصْحَابِي، حَتَّى قَدِمْنَا إِيلِيَاءَ، فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ وَعَلَيْهِ التَّاجُ، وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا، قَالَ: مَا قَرَابَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟، فَقُلْتُ: هُوَ ابْنُ عَمِّي - وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي- فَقَالَ قَيْصَرُ: أَدْنُوهُ، وَأَمَرَ بِأَصْحَابِي فَجُعِلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفِي ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلَ عَنْ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنْ يَأثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ، لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأثُرُوا الْكَذِبَ عَنِّي فَصَدَقْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: كَيْفَ نَسَبُ هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ؟، قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ،

стр. 281

قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، فَقَالَ: كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ عَلَى الْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟، قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: فَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟، قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟، قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ الْآنَ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ، وَنَحْنُ نَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ. -قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَلَمْ تُمَكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا أَنْتَقِصُهُ بِهِ، لَا أَخَافُ أَنْ تُؤْثَرَ عَنِّي غَيْرُهَا - قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ أَوْ قَاتَلَكُمْ؟، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَتْ حَرْبُهُ وَحَرْبُكُمْ؟، قُلْتُ: كَانَتْ دُوَلًا وَسِجَالًا، يُدَالُ عَلَيْنَا الْمَرَّةَ، وَنُدَالُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى، قَالَ: فَمَاذَا يَأمُرُكُمْ بِهِ؟، قُلْتُ: يَأمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، وَيَأمُرُنَا بِالصَلَاةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ، تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ؟، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَأتَمُّ بِقَوْلٍ قَدْ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ، لَقُلْتُ: يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟، فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا يَغْدِرُونَ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ؟، فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ، وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ تَكُونُ دُوَلًا، وَيُدَالُ عَلَيْكُمْ الْمَرَّةَ، وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ، تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ: بِمَاذَا يَأمُرُكُمْ؟، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ يَأمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأمُرُكُمْ بِالصَلَاةِ، وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ النَّبِيِّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا، فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ، لَتَجَشَّمْتُ لُقِيَّهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ، لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ.

стр. 282

قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ثُمَّ دَعَا هِرَقْلٌ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُرِئَ، فَإِذَا فِيهِ: " بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَعَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ (١)، وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا أَنْ قَضَى مَقَالَتَهُ، عَلَتْ أَصْوَاتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ، وَكَثُرَ لَغَطُهُمْ، فلَا أَدْرِي مَاذَا قَالُوا، وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَوْتُ بِهِمْ، قُلْتُ لَهُمْ: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، هَذَا مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ يَخَافُهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَاللهِ مَا زِلْتُ مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ وَأَنَا كَارِهٌ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ - وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ - وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ، يُوَافِقُ رَأيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ (٢) لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ؟، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ؟ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟، فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ؛ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأنِ هِرَقْلَ.

стр. 283

ولما كان من قيصر ما كان؛ أجاز دحية بن خليفة الكلبي بمال وكسوة، ولما كان دحية بحِسْمَي في الطريق لقيه ناس من جُذَام، فقطعوها عليه، فلم يتركوا معه شيئاً، فجاء دحية إلى رسول الله ﷺ قبل أن يدخل بيته فأخبره، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى حِسْمي، وهي وراء وادي القرى، في خمسمائة رجل، فشن زيد الغارة على جذام، فقتل فيهم قتلاً ذريعاً، واستاق نَعَمهم ونساءهم، فأخذ من النعم ألف بعير، ومن الشاة خمسة آلاف، والسبي مائة من النساء والصبيان. وكان بين النبي ﷺ وبين قبيلة جذام موادعة، فأسرع زيد بن رِفَاعة الجذامي أحد زعماء هذه القبيلة بتقديم الاحتجاج إلى النبي ﷺ ، وكان قد أسلم هو ورجال من قومه، ونصروا دحية حين قطع عليه الطريق فقبل النبي ﷺ احتجاجه، وأمر برد الغنائم والسبي.

стр. 284

دعوة كسرى ملك الفرس وأهل فارس لما مات نبيهم، كتب لهم إبليس المجوسية، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إِلَى كِسْرَى يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُرِئَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُ "، وَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى بَاذَانَ عَامِلِهِ عَلَى الْيَمَنِ أَنِ ابْعَثْ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ فَلْيَأتِيَانِي بِخَبَرِهِ، فَبَعَثَ بَاذَانُ قَهْرَمَانَهُ وَرَجُلًا آخَرَ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابًا، فَقَدِمَا الْمَدِينَةَ وَفَرَائِصُهُمَا تُرْعَدُ، فَدَفَعَا كِتَابَ بَاذَانَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: ارْجِعَا عَنِّي يَوْمَكُمَا هَذَا حَتَّى تَأتِيَانِي الْغَدَ فَأُخْبِرَكُمَا بِمَا أُرِيدُ، فَجَاءَاهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ لَهُمَا: " أَبْلِغَا صَاحِبَكُمَا أَنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ رَبَّهُ كِسْرَى فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِسَبْعِ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنْهَا - وَهِيَ لَيْلَةُ الثُّلاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ - وَإِنَّ اللهَ ﵎ سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ ". فَرَجَعَا إِلَى بَاذَانَ بِذَلِكَ، فَأَسْلَمَ هو وَالْأَبْنَاءُ (١) الَّذِينَ بِالْيَمَنِ.

стр. 285

دعوة المقوقَس ملك القبط في مصر وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ اللَّخْمِيَّ ﵁ إِلَى الْمُقَوْقَسِ صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، عَظِيمِ الْقِبْطِ، يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، فَأَوْصَلَ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَرَأَهُ وَقَالَ لَهُ خَيْرًا، وَأَخَذَ الْكِتَابَ فَجَعَلَهُ فِي حُقٍّ مِنْ عَاجٍ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَدَفَعَهُ إِلَى جَارِيَتِهِ، وَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا قَدْ بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ عَظِيمٌ فِي الْقِبْطِ، وَقَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ كِسْوَةً، وَبَغْلَةً تَرْكَبُهَا". وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَلَمْ يُسْلِمْ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَدِيَّتَهُ، وَأَخَذَ الْجَارِيَتَيْنِ؛ مَارِيَةَ (١) أُمَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأُخْتَهَا سِيرِينَ، وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ، لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ غَيْرُهَا، وَهِيَ: دُلْدُلٌ. قَالَ حَاطِبٌ: كَانَ لِي مُكْرِمًا فِي الضِّيَافَةِ، وَقِلَّةِ اللُّبْثِ بِبَابِهِ، مَا أَقَمْتُ عِنْدَهُ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ضَنَّ الْخَبِيثُ بِمُلْكِهِ، وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ".
следующие страницы →