ولما كان من قيصر ما كان؛ أجاز دحية بن خليفة الكلبي بمال وكسوة، ولما كان دحية بحِسْمَي في الطريق لقيه ناس من جُذَام، فقطعوها عليه، فلم يتركوا معه شيئاً، فجاء دحية إلى رسول الله ﷺ قبل أن يدخل بيته فأخبره، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى حِسْمي، وهي وراء وادي القرى، في خمسمائة رجل، فشن زيد الغارة على جذام، فقتل فيهم قتلاً ذريعاً، واستاق نَعَمهم ونساءهم، فأخذ من النعم ألف بعير، ومن الشاة خمسة آلاف، والسبي مائة من النساء والصبيان. وكان بين النبي ﷺ وبين قبيلة جذام موادعة، فأسرع زيد بن رِفَاعة الجذامي أحد زعماء هذه القبيلة بتقديم الاحتجاج إلى النبي ﷺ ، وكان قد أسلم هو ورجال من قومه، ونصروا دحية حين قطع عليه الطريق فقبل النبي ﷺ احتجاجه، وأمر برد الغنائم والسبي.
وقد جعل الله تعالى فتح خيبر على يد علي بن أبي طالب ﵁. وأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يهودَ خَيْبَرَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَتْرُكُكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَأَقَرُّوهُ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (١)
وفي أثناء غزوة خيبر حرّم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية، وأخبر أنها رجس، وأمر بالقدور فألقيت وهي تفور بلحومها، وأمر بغسل القدور بعد، وأحل حينئذ لحوم الخيل وأطعمهم إياها، كما نهى ﷺ عن متعة النساء.
تحريم المدينة والدعاء لأهلها بالبركة
وفي مرجعه من خيبر نظر رسول الله ﷺ إلى أُحُد وقال: "إن أُحُدَاً هذا جبل يحبنا ونحبه". ثم أشار بيده إلى المدينة فقال: "اللهم إني أحرم ما بين لابتيها (١)، ما بين جبليها، بمثل ما حرم إبراهيم مكة، أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها، اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم - يعني أهل المدينة - اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة".
إرسال السرايا إلى عَجُز وفدك والميفعة وغطفان والغابة
وفي شعبان بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ثلاثين رجلاً إلى عَجُز محل بينه وبين مكة أربع ليال بطريق صنعاء يقال له تُرَبة وأرسل ﷺ دليلاً من بني هلال فكان يسير الليل ويكمن النهار فأتى الخبر لهوازن فهربوا فجاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه محالهم فلم يجد منهم أحداً فانصرف راجعاً إلى المدينة فلما كان بمحل بينه وبين المدينة ستة أميال قال له الدليل: هل لك في جمع آخر من خثعم؟ فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: لم يأمرني رسول الله ﷺ بهم إنما أمرني بقتال هوازن.
وفي شعبان أيضاً بعث رسول الله ﷺ سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بناحية فَدَك، في ثلاثين رجلاً. وخرج إليهم واستاق الشاء والنعم، ثم رجع فأدركه الطلب عند الليل، فرموهم بالنبل حتى فني نبل بشير وأصحابه، فقتلوا جميعاً إلا بشير، فإنه ارْتُثَّ (١) إلى فدك، فأقام عند يهود حتى برأت جراحه، فرجع إلى المدينة.
وفي رمضان بعث رسول الله ﷺ سرية غالب بن عبدالله الليثي، إلى بني عُوَال وبني عبد بن ثعلبة بالمَيْفَعَة، وقيل إلى الحُرَقَات من جُهَيْنَة في مائة وثلاثين رجلاً؛ فهجموا عليهم جميعاً، وقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعماً وشاءً، وفي هذه السرية قتل أسامةُ بن زيد نَهِيكَ بن مِرْدَاس بعد أن قال: لا إله إلا الله، فلما قدموا وأخبر النبي ﷺ ، كبر عليه وقال: (أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟) فقال: إنما قالها متعوذاً قال: (فهلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب؟).
стр. 295
وفي شوال بعث رسول الله ﷺ سرية عبدالله بن رواحة إلى خيبر، في ثلاثين راكبًا. وذلك أنّ أسِير أو بشير بن زارم كان يجمع غطفان لغزو المسلمين، فأخرجوا أسيرًا في ثلاثين من أصحابه، وأطمعوه أن الرسول ﷺ يستعمله على خيبر، فلما كانوا بقَرْقَرَة نِيَار وقع بين الفريقين سوء ظن أفضى إلى قتل أسير وأصحابه الثلاثين.
وفي ذي القعدة بعث رسول الله ﷺ سرية أبي حَدْرَد الأسلمي إلى الغابة وسبب ذلك أن رجلاً من جُشَم بن معاوية أقبل في عدد كبير إلى الغابة، يريد أن يجمع قيسًا على محاربة المسلمين. فبعث رسول الله ﷺ أبا حدرد مع رجلين ليأتوا منه بخبر وعلم، فوصلوا إلى القوم مع غروب الشمس، فكمن أبو حدرد في ناحية، وصاحباه في ناحية أخري، وأبطأ على القوم راعيهم حتى ذهبت فحمة العشاء، فقام رئيس القوم وحده، فلما مر بأبي حدرد رماه بسهم في فؤاده فسقط ولم يتكلم، فاحتز أبو حدرد رأسه، وشد في ناحية العسكر وكبر، وكبر صاحباه وشدا، فما كان من القوم إلا الفرار، واستاق المسلمون الثلاثة الكثير من الإبل والغنم.
стр. 296
عمرة القضاء
وكانت عمرة القضية (عمرة القضاء) في ذي القعدة سنة سبع. وقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. قَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى وَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً. فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِى الْحِجْرَ وَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَاّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. وفي هذه العمرة تزوج النبي ﷺ بميمونة ﵂.
وفي ذي الحجة بعث رسول الله ﷺ إلى بني سُلَيْم سرية ابن أبي العوجاء، في خمسين رجلاً، وذلك ليدعوهم إلى الإسلام؛ فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، ثم قاتلوا قتالاً شديداً. جرح فيه أبو العوجاء، وأسر رجلان من العدو.
стр. 297
السنة الثامنة من الهجرة
وفاة زينب بنت محمد ﵊
وتُوُفِّيَتْ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ زينب بنت رسول الله ﷺ ، وَأَكْبَرُ أَخَوَاتِهَا، مِنَ المُهَاجِرَاتِ السَّيِّدَاتِ. تزَوَّجَهَا فِي حَيَاةِ أُمِّهَا - أي خديجة ﵂: ابْنُ خَالَتِهَا أَبُو العَاصِ؛ فَوَلَدَتْ لَهُ أُمَامَةَ (١)، وَوَلَدَتْ لَهُ: عَلِيَّ بنَ أَبِي العَاصِ. وقد أَسْلَمَتْ زَيْنَبُ، وَهَاجَرَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ زَوْجِهَا بِسِتِّ سِنِيْنَ. قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا وَاجْعَلْنَ فِى الْخَامِسَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ فَإِذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِى». قَالَت: ْ فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ وَقَالَ «أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ» (٢).
стр. 298
إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص
وفي شهر صفر أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، ولما حضروا عند النبي ﷺ قال: "إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها".
стр. 299
إرسال السرايا إلى بني الملوح وقضاعة وهوازن
وفيه بعث رسول الله ﷺ سرية غالب بن عبدالله الليثي فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا إلى بني المُلَوَّح بِالْكُدَيْدِ. وكان بنو الملوح قد قتلوا أصحاب بشير بن سُوَيْد، فبعثت هذه السرية لأخذ الثأر، فشنوا الغارة في الليل؛ فأصابوا من العدو نعماً، وقتلوا منهم قتلى، وساقوا النعم، وطاردهم جيش كبير من العدو، حتى إذا قرب من المسلمين نزل مطر، فجاء سيل عظيم حال بين الفريقين، ونجح المسلمون في بقية الانسحاب.
وَلَمَّا رَجَعَ غَالِبُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ مِنَ الكَدِيدِ مُؤَيَّدًا بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَفَرَ إِلَى حَيْثُ أُصِيبَ أَصْحَابُ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ ﵁، وَذَلِكَ فِي بَنِي مُرَّةَ نَاحِيَةَ فَدَكَ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ نَعَمًا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ قَتْلَى.
وفي ربيع الأول بعث رسول الله ﷺ سرية ذات أطلح بقيادة كعب بن عمير الأنصاري في خمسة عشر رجلاً إلى بني قُضَاعَة حيث كانت قد حشدت جموعاً كبيرة للإغارة على المسلمين، فلقوا العدو، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، وأرشقوهم بالنبل حتى قتلوا كلهم إلا رجل واحد، فقد ارْتُثَّ من بين القتلى.
وكانت بنو هوازن قد مدت يد المعونة لأعداء المسلمين مراراً، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ شُجَاع بن وهب الأسدي في خمسة وعشرين رجلاً، وهم بِالسِّيِّ (١)، ناحية ركبة، من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، فكان يسير الليل ويكمن النهار، حتى صبحهم وهم غارون، وقد أوعز إلى أصحابه ألا يمعنوا في الطلب، فأصابوا نعماً كثيراً وشاءً، ولم يلقوا كيداً، واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، واقتسموا الغنيمة، فكانت سهمانهم خمسة عشر بعيراً لكل رجل، وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وكان مغيبهم خمس عشرة ليلة.
стр. 300
غزوة مؤتة
وفي جمادى الأولى من سنة ثمان للهجرة أرسل النبي ﷺ سرية إلى مؤتة. وكان عدة هذه السرية ثلاثة آلاف مقاتل، بينما روي أن عدة الروم كانت مائة ألف مقاتل. وقد أمر ﷺ على الجيش زيد بن حارثة، ثم قال ﵊: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة. وقد قتل الثلاثة كلهم في أرض المعركة التي دارت بينهم وبين الروم، فأخذ الراية ثابت بن أقرم، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فلما أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس، فتمكن من الانسحاب بمن معه من المسلمين. ونَعَى النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ - حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ". قال خالد بن الوليد ﵁: "لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَاّ صَفِيحَةٌ يَمَانِيَة". وهذا يقتضي أنهم أثخنوا في العدوّ قتلاً، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، ولهذا السبب ولغيره ذهب بعض المحققين إلى أن المسلمين قد انتصروا في هذه المعركة، ولم يهزموا.
стр. 301
غزوة ذات السلاسل
وفي جمادى الآخرة وقعت غزوة ذات السلاسل. قيل سميت ذات السلاسل؛ لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل لأن بها ماء يقال له السلسل، وكانت بعد غزوة مؤتة. وفيها أن جمعاً من قضاعة تجمعوا وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة فدعا النبي ﷺ عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيضاً وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار. قال عمرو بن العاص ﵁: بعث إليَّ رسول الله ﷺ فقال: "خذ عليك ثيابك، وسلاحك، ثم ائتني"، فأتيته، وهو يتوضأ، فصعَّد فيَّ النظر، ثم طأطأ، فقال: "إني أريد أن أبعثك على جيش، فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة"، قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ ، فقال: "يا عمرو، نعم المال الصالح للمرء الصالح". ولما بعثه في ذات السلاسل سأله أصحابه أن يوقدوا ناراً فمنعهم فكلموا أبا بكر، فكلمه في ذلك فقال: لا يُوقِدُ أحد منهم ناراً إلا قذفته فيها. قال: فلقوا العدو فهزموهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم، فلما انصرف ذلك الجيش ذكروا للنبي ﷺ وشكوه إليه، فقال: يا رسول الله إني كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا ناراً فيرى عدوهم قِلَّتَهُم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم. فحمد رسول الله ﷺ أمره.
وفي شعبان بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة بن ربعي ﵁ في سرية إلى خَضِرَة؛ وذلك لأن بني غَطَفَان كانوا يحتشدون في خَضِرَة - وهي أرض مُحَارِب بنَجْد - فبعثه ﷺ في خمسة عشر رجلاً، فقَتَل منهم، وسَبَى وغَنِم، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.
стр. 302
فتح مكة وهدم الأصنام
ثم كانت غزوة فتح مكة في رمضان، وكان سببها أن المشركين قد نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فأغاروا مع بني بكر فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ على إحدى القبائل المحالفة للرسول ﵊ وهي قبيلة خزاعة -، ولما علم النبي ﷺ بالأمر واستنصرته خزاعة؛ أمر الناس بالتجهز دون أن يخبرهم بوجهته. وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها"، وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله ﷺ سرية قوامها ثمانية رجال، تحت قيادة أبي قتادة بن رِبْعِي، إلى بطن إضَم، فيما بين ذي خَشَب وذي المروة، على ثلاثة بُرُد من المدينة، في أول هذا الشهر الكريم؛ ليظن الظان أنه ﷺ يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار، وواصلت هذه السرية سيرها، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة، فسارت إليه حتى لحقته. وَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ ﵁ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، وجاء الوحي فأرسل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عليّاً وَالزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ وَأَبَا مِرْثَدٍ الغَنَوِيَّ إلى رَوْضَةَ خَاخٍ ليحضروا الصَحِيفَةٌ فأتوا بها إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ ﷺ لِحَاطِبٍ: "يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".
قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، -أَيْ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا-، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ.
وتَخَوُّفَ الأَنْصَارُ مِنْ بَقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقَالَ ﷺ : "كَلَّا، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، وَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ".
وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَلَسَ لَهُمْ عَلَى الصَّفَا، ثم بَايَعَ النِّسَاءَ، وفِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ. وأقام ﷺ عام الفتح بمكة تسعة عشر يوماً على الأرجح.
وفي رمضان بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى سواع ليهدمه، وسواع صنم لقوم نوح ﵇، ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية، وظل هذا الوثن منصوبًا تعبده هذيل وتعظمه، حتى إنهم كانوا يحجون إليه، حتى فتحت مكة ودخلت هذيل فيمن دخل في دين الله أفواجاً، وكان موضعه برهاط على قرابة ١٥٠ كيلو متراً شمال شرقي مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه قال: لا تقدر على ذلك قال: لم؟ قال: تُمنع. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئاً، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
ولما اطمأن رسول الله ﷺ بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من هذا الشهر الكريم ليهدمها وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان؛ فخرج إليها خالد في ثلاثين فارساً حتى انتهى إليها، فهدمها. ولما رجع إليها سأله رسول الله ﷺ :"هل رأيت شيئاً؟ " قال: لا، قال: "فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها". فرجع خالد متغيظاً قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "نعم، تلك العزى، وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبداً".
стр. 307
وفي شوال لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى بعثه رسول الله ﷺ إلى بني جذيمة داعياً إلى الإسلام لا مقاتلاً، فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فانتهى إليهم، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا. وظن أنهم يعيبون الإسلام. فجعل خالد يقتلهم ويأسرهم، ودفع إلى كل رجل ممن كان معه أسيرًا، فأَمَر يومًا أن يَقتل كل رجل أسيره، فأبى ابن عمر وأصحابه حتى قدموا على النبي ﷺ ، فذكروا له، فرفع ﷺ يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" مرتين. وكانت بنو سليم هم الذين قتلوا أسراهم دون المهاجرين والأنصار، وبعث رسول الله ﷺ عليًا، فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم.
стр. 308
غزوة حنين
وخرج رسول الله ﷺ إلى حنين لخمس خلت من شوال. و حنين: واد إلى جنب ذي المجاز، قريب من الطائف، وبينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً من جهة عرفات. وكان النبي ﷺ قد أقام بمكة ١٩ يوماً، حتى جاءت هوازن وثقيف، فنزلوا بحنين يريدون قتال النبي ﷺ ، وكانوا قد جمعوا قبل ذلك حين سمعوا بمخرج رسول الله ﷺ من المدينة، وهم يظنون أنه إنما يريدهم، فلما أتاهم أنه قد نزل مكة، أخذوا في الاستعداد لمواجهته. وقد أرادوها موقعة حاسمة، فحشدوا الأموال والنساء والأبناء حتى لا يفر أحدهم ويترك أهله وماله. وكان يقودهم مالك بن عوف النضري، واستنفروا معهم غطفان وغيرها. فاستعد الرسول ﷺ لمواجهتهم، فاستعار من يعلى بن أمية ثلاثين بعيراً وثلاثين درعاً، واستعار من صفوان بن أمية مائة درع. واستعمل عتَّابَ بن أسيد بن أبي العاص أميراً على مكة. وخرج الطلقاء معه إلى حنين. واستقبل الرسول ﷺ بجيشه وادي حنين في عماية الصبح، وانحدروا فيه، وعند دخولهم إلى الوادي حملوا على هوازن فانكشفوا، فأكب المسلمون على ما تركوه من غنائم، وبينما هم على هذه الحال استقبلتهم هوازن، وأمطرتهم بوابل من السهام. ولم يكن المسلمون يتوقعون هذا فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فولوا مدبرين لا يلوي أحد على أحد. وانحاز الرسول ﷺ ذات اليمين وهو يقول: "أين الناس؟ هلموا إلي أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله". وأمر الرسول ﷺ عمه العباس - وكان قوي الصوت - أن ينادي الناس بالثبات، وخص منهم أصحاب بيعة الرضوان، فأسرعوا إليه، ثم خص الأنصار بالنداء، ثم بني الحارث بن الخزرج، فطاروا إليه قائلين: لبيك، لبيك. ودارت المعركة قوية ضد هوازن. وقال الرسول ﷺ عندما رأى المعركة تشتد: "هذا حين حمي الوطيس". ثم أخذ حصيات أو تراباً فرمى به وجوه الكفار وهو يقول: "شاهت الوجوه"، فما خلق الله تعالى منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، والرسول ﷺ يقول: "انهزموا وربِّ محمد"، وقال: "انهزموا وربِّ الكعبة" مرتين.
السنة التاسعة من الهجرة (عام الوفود)
سميت السنة التاسعة من الهجرة: عام الوفود، حيث كان من أبرز نتائج فتح مكة أن أخذت قبائل العرب وأفرادها يبادرون بإسلامهم؛ لأنهم كانوا ينتظرون نتيجة الصراع بين المسلمين وقريش، وَفِيها هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ، وَآلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَاعْتَزَلَ عَنْهُنَّ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ .
وفاة النجاشي أصحمة
وفي رجب منها توفي أصحمة بن أبجر ملك الحبشة. والنجاشي لقب له ولملوك الحبشة. وقد أسلم في عهد النبي ﷺ ، وأحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إلى أرضه. ونَعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ لَهُمُ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وصلى عليه النبي ﷺ بالمدينة صلاة الغائب. وَقَالَ: "قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ"، فَقَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ:"النَّجَاشِيُّ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَة، اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُم". فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إلَى الْمُصَلَّى وَصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ.
стр. 315
غزوة تبوك
وفي رجب أيضاً من سنة تسع وقعت غزوة تبوك وسميت بغزوة جيش العسرة. وسببها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ جَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً مِنَ الرُّومِ وَالْغَسَاسِنَةِ وَقَبائِلِ الْعَرَبِ الْمُوَالِيَةِ لَهُ، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، ولِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ لِقُرْبِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وحث الصحابةَ على الإنفاق لتجهيز الجيش فأنفق عمر نصف ماله، وأبو بكر ماله كله، وجهز عثمان الجيش بنفقة عظيمة، وأنفق عبدالرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة، ولمز المنافقون المنفقين، وتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، رَئيِسُ الْمُنَافِقِينَ مع مجموعة منهم وقالوا: لا تنفروا في الحر. وقال أبو موسى الأشعري ﵁: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك. وفيه دلالة على ما كان عليه الصحابة من العسر الشديد في المال والزاد والركائب، وما وقع للمسلمين في طريق هذه الغزوة من نقص في الزاد حتى مصوا النوى وشربوا عليه الماء، واستأذنوا الرسول ﷺ في نحر مطاياهم ليأكلوا. وقد قال الله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة). وقد بين ﷺ وجهة هذه الغزوة.
من الأحداث في تبوك
وفي طريقم إلى تبوك كان ائْتِمَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ في الركعة الثانية من صلاة الفجر حيث تأخر ﵊ لِقَضَاءَ الْحَاجَةِ.
وقال: "ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي"، قَالَ مُعَاذُ: فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ - وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ - فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ "، فَقَالَا: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَى مَا هَهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا".
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي تَبوكٍ إِذَا تَوَضَّأَ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وأخبر أنَّهَا سَتَهُبُّ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ، وَهَبَّتْ رِيحٌ شدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَألقَتْهُ بِجَبَلِ طَيْءٍ. وأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبْنَةٍ في تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكِّينٍ فَسَمَّى وَقَطَعَ.
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁، فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى أُكَيْدَرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَدُوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ قَدْ مَلَكَهُمْ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ". فأسره خالد وأجاره من القتل ففتح له دومة الجندل، ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ بِأُكَيْدَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وكذلك صَالحَ أَهْلَ أَيْلةَ، و يَهُودُ جَرْبَاءَ على الْجِزيةِ.
وكان جيش تبوك ثلاثين ألفاً، ولكن الرسول ﷺ لم يلق حرباً من الأعداء، فرجع إلى المدينة منتصراً بعد أن أقام بتبوك عشرين ليلة. وروي أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ فيها دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ ﷺ بِرِسَالَةٍ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. وَكَانَ خُرُوجُهُ ﷺ إِلَى تَبُوكَ فِي رَجَبٍ، وَعَوْدَتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ.
стр. 318
العودة ومحاولة المنافقين قتل النبي
ولما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك؛ أمر منادياً فنادى: إن رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة، ويسوق به عمار ﵄، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله ﷺ وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: "قد، قد"، حتى هبط رسول الله ﷺ فلما هبط رسول الله ﷺ نزل، ورجع عمار، فقال رسول الله ﷺ : " يا عمار، هل عرفت القوم؟ "، فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: " هل تدري ما أرادوا؟ "، قال: الله ورسوله أعلم، قال: " أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه"، قال: فسأل عمار رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان أصحاب العقبة؟، فقال: أربعة عشر، فقال: إن كنت فيهم، فقد كانوا خمسة عشر. فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
ونَزَلَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ سُورَةِ بَرَاءَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ ظُرُوفِ الْغَزْوَةِ، وَفَضْلِ الْمُجَاهِدِينَ الْمُخْلِصِينَ، وَقَبولِ التَّوْبَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَفَضْحِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ مِنْ أَشَدِّ مَا نَزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ حَتَّى كَانَتْ تُسَمَّى: "الفاضِحَةَ"، وَتُسَمَّى: "الْمُبعْثِرَةَ" لِمَا كَشَفَتْ مِنْ سَرَائِرَ المُنَافِقِينَ. ورجع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المدينة فهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون كيداً للإسلام.
стр. 319
قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا
قال كعب بن مالك ﵁: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك -وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام- غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير (١) قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا (٢) على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر (٣) في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان (٤) قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى (٥) بغيرها، وكان يقول: "الحرب خدعة "، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد حين طابت الثمار والظلال، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً (٦) وعدواً كثيراً، فجلّى (٧) للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة (٨) غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - فما رجل يريد أن يتغيب، إلا ظن أن سيخفى له - ما لم ينزل فيه وحي الله -، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت (٩) أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتد بالناس الجد، فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون معه يوم الخميس - ولقلما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا خرج في سفر، إلا خرج يوم الخميس - وأنا لم أقض من جهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت (١٠) بعد أن فصلوا (١١) لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئاً، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط (١٢) الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك،
стр. 320
فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلاً مغموصاً (١) عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟، فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه (٢) ونظره في عطفيه (٣)، فقال معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ ، فبينما هو على ذلك، رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري ﵁ وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون - قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً (٤) من تبوك حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً؟، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان قلما يقدم من سفر سافره إلا ضُحىً، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ثم يجلس فيه للناس، فلما فعل ذلك؛ جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له - وكانوا بضعة وثمانين رجلاً - فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه، تبسَّم تبسُّم المغضب، ثم قال: "تعال"، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟، ألم تكن قد ابتعت (٥) ظهرك (٦)؟ "، فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ (٧) فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك،