Полный текст (398 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قوله: "أمر بقتل الكلاب"، ثم قال: "ما لهم ولها؟! " فيه تصريح بجواز النسخ، وأنَّ قتل الكلاب منسوخ، وكان أَمَر بقتلها ثم نُسخ إلاَّ الأسْود، ثم نهى عن قتل الأسْود أيضًا، واستقرَّ الحكم أنه لا يقتل منها إلاَّ العقورُ والكَلِبُ (١) . الحواشي
(١) قال المصنف في "شرح صحيح مسلم" (١٠/ ٣٣٩): "أجمع العلماء على قتل الكلب الكليب، والكلب العقور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيها"، ثم نقل ما قرره هنا عن إمام الحرمين، وفصل في الخلاف، وتجده أيضًا في "الإغراب"(٢٨٠) ، و"أحكام الكلاب في الفقه الإسلامي، لكمال العجيلي (أطروحة ماجستير)(١٠٢) ، و"الفوائد العذاب فيما جاء في الكلاب"(٧٨) .
و (الكلب العقور) هو كل ما عقر الناس، وعدا عليهم وأخافهم، مثل: الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، قاله مالك في "الموطأ" (١/ ٤٤٦) و (الكلِب) جنون الكلاب المعتري من أكل لحم الإنسان، كذا في "القاموس"(١٦٩) : (الكَلْب).стр. 317
٣٧ - باب: سؤر الهر ّ
٧٥ - (حسن صحيح) حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبيُّ، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حُميدة بنت عُبيد بن رِفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أن أبا قتادة دخل فسكبتْ له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني انظر إليه! فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوَّافين عليكم والطوَّافات" (١) . الحواشي
(١) أخرجه أبو داود من طريق مالك في "الموطأ" (أ) (١/ ٢٢ - ٢٣/ رقم ١٣ - رواية يحيى و ٥٥/ رقم ٢٨ - رواية سويد، ط- دار الغرب و ٥٤/ رقم ٩٠ - رواية الشيباني و ١/ ٢٥/ رقم ٥٤ - رواية أبي مصعب).
وأخرجه من طرق عنه: الشافعي في "الأم" (١/ ٢٠)، و"المسند" (ص ٩)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، ١/ ٥٥)، و "السنن الكبرى" (رقم ٧٣)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة،١/ ١٥٣ - ١٥٤/ رقم ٩٢)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الهرة، ١/ ١٣١/ رقم ٣٦٧)، وأحمد في "المسند" (٥/ ٣٠٣ و ٣٠٩)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١/ ١٠١ رقم ٣٥٣)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٤٧٨)، وأبو عبيد في =
_________
(أ) ورواه من طريقه يحيى بن يحيى الأندلسي، ووهم فيه، انظر: "الاستذكار" (٢/ ١١٣ - ١١٤)، "الإمام" (١/ ٢٣٢).стр. 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = "الطهور" (رقم ٢٠٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣١ و ١٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، والدارمي في "سننه" (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، وابن حبان في "الصحيح" (٢/ ٢٩٤/ رقم ١٢٩٦ - مع "الإحسان")، وابن خزيمة في "الصحيح" (١/ ٥٥/ رقم ١٠٤)، والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٦٩/ رقم ٢٨٦)، والدارقطني في "السنن" (١/ ٧٠)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٨ - ١٩)، و"مشكل الآثار" (٣/ ٢٧٠)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٦٠)، وابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٥٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٤٥)، و"السنن الصغرى" (١/ ٥٨ - ٥٩/ رقم ١٤٤) وفي "المعرفة" (٢/ ٦٧/ رقم ١٧٧٠)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٠٣)، وابن منده في "الصحيح" -كما في "نصب الراية" (١/ ١٣٧) -، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم ٦٠)، وابن حزم في "المحلى" (١/ ١٧٧)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣١٩)، وابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٤٤/ رقم ٦٣)، وابن دقيق العيد في "الإمام" (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
وصححه الترمذي، ونقل عن البخاري قوله: "جوّد مالك بن أنس هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره".
وقال العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٤٢): "إسناد ثابت صحيح".
وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٤١): "صححه البخاري، والترمذي، والعقيلي، والدارقطني".
وصححه أيضًا الحاكم، فقال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، على أنهما على ما أصلاه في تركه، غير أنهما قد شهدا جميعًا لمالك بن أنس أنه الحكم في حديث المدنيين، وهذا الحديث مما صححه مالك واحتج به في "الموطأ"" ووافقه الذهبي.
وقال ابن الملقن في "تحفة المحتاج" (١/ ١٤٥): "رواه مالك والأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وخالف ابن منده؛ فأعلَّه بما بان وهنُهُ".
قلت: نقل كلام ابن منده وأيَّده: ابن دقيق العيدة فأفاد في "الإمام" (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥) أن ابن منده خالف في التصحيح، فإنه لما أخرج الحديث =стр. 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = في "صحيحه" بالاتفاق والاختلاف؛ قال: "وأم يحيى اسمها حُميدة، وخالتها هي كبشة، ولا يُعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه، وسبيله المعلول".
وأجاب ابن دقيق العيد بأن ابن منده جرى على ما اشتهر عن أهل الحديث، أنه من لا يروي عنه إلا راوٍ واحدٌ فهو مجهول، ولعل من صححه اعتمد على كون مالك رواه وأخرجه مع ما عُلم من تشدده وتحرزه في الرجال. قرأت بخط الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر وروايته في "سؤالات أبي زرعة"؛ قال: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول: مالك إذا روى عن رجل لم يُعرف؛ فهو حجة. وروى طاهر بن خالد بن نزار عن أبيه، عن سفيان بن عيينة؛ أنه ذكر مالك بن أنس، فقال: كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحًا، ولا يحدث إلا عن ثقات الناس، وما أرى المدينة إلا ستخرب بعد موت مالك بن أنس، وهذا اللفظ الذي لسفيان أعم من كلام أحمد الذي قبله، مع احتمال كلام أحمد لموافقته. وذكر بشر بن عمر الزهراني؛ قال: سكت مالك بن أنس عن رجل، فقال: هل رأيته في كتبي؟ قلت: لا. قال: لو كان ثقةً لرأيته في كتبي، وهذا يُفهم منه أن كل من في كتبه ثقة، وإن كان قد شغَّب في هذا بعض المتأخرين؛ لأنه لا يلزم من كون كل ثقة في كتابه أن يكون كل من في كتابه ثقة، إلا أن هذا يبطل فائدة هذا الكلام بالنسبة إلى السائل؛ لأنه لو كان في كتابه غير ثقة لم يدل وجوده في كتابه على أنه ثقة، وكلام مالك يدل على أنه أحاله في الثقة على وجوده في كتابه، وبالجملة؛ فإن سلكت هذا الطريق في تصحيح هذا الحديث (أعني: الاعتماد على تخريج مالك له)، فالقول ما قال ابن منده، وقد ترك الشيخان إخراجه في "صحيحيهما" اهـ.
ونقل ابن الملقن كلام ابن منده ثم رد عليه باختصار؛ فقال في "خلاصة البدر المنير" (١/ ٢٠): "والعجب من الشيخ تقي الدين! كيف تابعه في "الإمام" على هذه المقولة! ".
ورده بتفصيل طويل؛ فقال في "البدر المنير" (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٦) عقبه: "وقال شيخنا الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري: "بقي على ابن منده أن يقول: ولم يُعرف حالهما من جارح؛ فكثير من رواة الأحاديث مقبولون". =стр. 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٣٠) للزركشي. وصححه ابن الأثير في "الشافي في شرح مسند الشافعي " (١/ ٨٩)، فقال: "وهذا الحديث صحيح مشهور".
وصحح الحديث المصنف في "خلاصة الأحكام" (١/ ١٨١)، وفي "المجموع" (١/ ١٧١ و ١٧٣)، ونقل عن البيهقي قوله: "إسناده صحيح"، وقال عقبه: "وعليه الاعتماد"، وكلامه هذا في "المعرفة" (٢/ ٦٧).
وصححه الدارقطني في "العلل" (٥/ ق ١٠٤/ أ) أيضًا.
وصحح الحديث أيضًا ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٠٣)، فقال: "وذلك لثبوت الخبر عن رسول الله ﷺ الدال على طهارة سؤره"، ثم ساق الحديث. =стр. 322
٧٦ - (حسن) حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا عبد العزيز، عن داود بن صالح بن دينار التمار، عن أمه: أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة [﵂]، فوجدتها تُصلي فأشارت إليَّ أنْ ضعيها، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: "إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوَّافين عليكم" وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها (١) . الحواشي
(١) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في "المعرفة" (٢/ ٦٩)، و"الخلافيات"(٩١٣) .
وتابع عبد الله بن مسلمة جماعة، منهم:
* سعيد بن منصور، عند الطحاوي في "المشكل" (٣/ ٢٧٠).
* أسد بن موسى، عند الطحاوي في "المشكل" (٣/ ٢٧٠).
* سعيد بن أبي مريم، عند الطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٣٨/ رقم ٣٦٦) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (٨/ ٤٠٣) - وعندهما عن داود عن أمه -كذا في مطبوع "الأوسط" و"تهذيب الكمال"، وأخشى أن يكون هذا =стр. 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = تصرفًا من المحققين، فلم يدققوا في رسم "أمه"، ووجدوها هكذا في مصادر التخريج، فأثبتوها؛ فقد قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٣٦١): "وأخرجه الطبراني في معجم شيوخه" -قلت: أي "الأوسط"، والعجب من قول محققة "ولم أقف على الكتاب"!! - بحذف أم داود، والإتيان بأبيه بدلها".
* يحيى بن بكير، عند الدارقطني في "السنن" (١/ ٧٠).
* نعيم بن حماد، عند أبي عبيد في "الطهور" (رقم ٢٠٧ - بتحقيقي).
* الحميدي، عند البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
* إسحاق بن راهويه، أخرجه في "مسنده" (٤/ ١/ ١١٥/ و ١١٨ ب- ١١٩/ أ) يقابله من المطبوع (٢/ ٤٣٦،/ ٤٥٨ رقم ٤٦٠، ٤٨٧ - مسند عائشة): أخبرنا عبد العزيز بن محمد، نا داود، عن أبيه (كذا)؛ أن مولاة لعائشة أرسلت إلى عائشة ... وسرده بلفظين، مطولاً ومختصرًا، وفيهما: "إنها ليست بنَجَس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" من قول عائشة. ثم قالت: "ولقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها".
قال الدارقطني في "السنن" (١/ ٧٠): "رفعه الدراوردي عن داود بن صالح، ورواه عنه هشام بن عروة، ووقفه على عائشة".
ونقله ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٣٦٠)، والزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٣٣)، عن الدارقطني هكذا: "تفرد به عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن أمه بهذه الألفاظ".
وتصرف ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٤٢) بهذه العبارة؛ فقال: "قال الدارقطني: تفرد برفعه داود بن صالح!! وكذا قال الطبراني والبزار، وقال: لا يثبت".
قلت: لم أظفر بمقولة الطبراني في مطبوع "الأوسط"، وهو يعلق -غالبًا- بتفرد بعض الرواة عقب الحديث؛ فلعل ابن حجر كتب "والطبراني" بناءً على هذه العادة!!
أما مقولة البزار؛ فقد قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٢/ ٢٤٨): "وحديث عائشة فيه امرأة مجهولة عند أهل العلم، وهي أم داود بن صالح، =стр. 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ولهذا قال البزار: "لا يثبت من جهة النقل"، والبيهقي أورده شاهدًا لحديث أبي قتادة".
وقال ابن الملقِّن في "البدر المنير" (٢/ ٣٦٠) عقب نقله عن الدارقطني: "تفرد به عبد العزيز":
"قلت: قال أحمد في داود [بن صالح]: "لا أعلم به بأسًا"، فإذا لا يضرُّ تفرده، لكن أمّه مجهولة لا يُعلم لها حال، ولهذا قال البزار: "لا يثبت من جهة النقل"، وقال الدارقطني في "علله": "اختلف في هذا الحديث، فرفعه قوم، ووقفه آخرون".
واقتضى كلامه أن وقفه هو الصحيح، انتهى.
قلت: ونص كلام الدارقطني في "العلل" (ج ٥/ ق ١٠٤/ أ):
"يرويه داود بن صالح التمار، واختلف عنه؛ فرواه عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن أمه عن عائشة مرفوعاً (وفي المخطوط: موقوفاً!)، واختلف عن هشام بن عروة؛ فرواه عن داود بن صالح عن أمه عن عائشة موقوفاً، واختلف عن هشام؛ فقال عيسى بن يونس وأبو أسامة: عن هشام عن داود عن أمه، وقال علي بن مسهر وأبو معاوية ويحيى بن سعيد الأموي: عن هشام عن داود بن صالح عن جدته عن عائشة، ولم يختلف عن هشام في إيقافه على عائشة" انتهى.
قلت: إسناده ضعيف على أي حال؛ لجهالة أم داود بن صالح، وقد ضعف الحديث بها ابن التركماني وابن الملقن -وسبق كلامهما- والطحاوي؛ قال في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٧٠): "ليست من أهل الروايات التي يؤخذ مثل هذا عنها، ولا هي معروفة عند أهل العلم"، ومنه تعلم ما في قول صاحب "آثار السنن" (ص ١١): "إسناده حسن".
وللحديث طرق أخرى عن عائشة، منها ما أخرجه ابن خزيمة في "الصحيح" (١/ ٥٤/ رقم ١٠٢)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٦٠)، والعُقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٤١)، والدارقطني في "السنن الكبرى" (١/ ٦٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٤٦)، وابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٤٥/ رقم ٦٤) من طريق سليمان بن مسافع، عن منصور بن صفية، عن أمه، عن =стр. 325
فيه حديثان: أحدهما: حديث كبْشَة، وهو صحيح، والثاني: حديث عائشة، وهو حسن عند أبي داود، وليس فيه سبب محقق في ضَعْفِهِ (١) .
قوله ﷺ : "إنها ليست بنجس، إنها من الطوَّافين عليكم والطوافات". النَّجَس -بفتح الجيم- عين النجاسة (٢) . ووقع هنا: "والطَّوَّافات" بالواو، وكذا وقع في رواية الترمذي وابن ماجه، ووقع في "الموطأ" و"مسند الدارمي" ورواية الرَّبيع عن الشافعي: "أو الطوافات" الحواشي
(١) نقل هذا الكلام وعزاه لكتابنا هذا: ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٣٤٢ - ط العاصة، أو ١/ ٥٥٦ - ط الهجرة) وأقره، وقد سبق تخريجنا المطول للحديث، وأضبط وصف له كلام النووي هذا، فرحمه الله، ما أدقه!(٢) عرفها المصنف بقوله في "تحرير ألفاظ التنبيه" (ص ٤٦): "النجاسةُ: في اللغة: المُسْتَقْذر، وشيء نجس ونَجِس، ونَجِسَ الشيء ينجَسُ كعلم يعلَم.
وفي الاصطلاح: كلُّ عين حَرُم تناولُها على الإطْلاق، مع إمكان تناوُلها، لا لِحُرمَتها أو استقْذَارها أو ضررها في بدن أو عقل".стр. 326
بـ (أو)، قال صاحب (١) "المطالع" (٢) وغيره: يحتمل أن تكون (أو) للشكّ، ويحتمل أن تكون للتقسيم، ويكون قد ذكر الصِّنفين من المذكور والإناث، وهذا الثاني أظهر؛ لأنه بمعنى روايات الواو (٣) .
قال أهل اللغة: الطّوافون: الخدم والمماليك، وقيل: هم الذين يخدمون برفقٍ وعناية (٤) .
ومعنى الحديث: أن الطوافين من الخدم والصِّغار الذين سقط في حقهم الحجاب والاستئذان في غير الأوقاف الثلاثة التي سمَّاها الله تعالى الحواشي
(١) هو ابن قُرْقُول، أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس ابن القائد، الحَمزي الوَهراني، من قرية (حَمْزة) من عمل (بجاية).
كان رحّالًا في العلم، نقّالًا، فقيهًا، نظَّارًا، أديبًا، نحويًا، عارفًا بالحديث ورجاله، بديع الكتابة.
وكتابه "المطالع" قال عنه الذهبي في "السير" (٢٠/ ٥٢٠): "غزير الفوائد".
قلت: وضعه على مثال: "مشارق الأنوار"، بل اختصره منه، واستدرك عليه، وأصلح فيه أوهامًا، ووقفت على أكثر من نسخة خطية منه، ولله الحمد.
انظر ترجمته في: "تكملة الصلة"(١٥١) ، "وفيات الأعيان" (١/ ٦٢، ٦٣)، "شذرات الذهب" (٤/ ٢٣١).(٢) "مطالع الأنوار" (ق ٢٧٣ - نسخة المكتبة السعودية)، وأصله في "مشارق الأنوار" (١/ ٣٢٣).(٣) قال ابن الأثير في "الشافي" (١/ ٩٤): "والذي جاء في بعض الروايات "أو" وفائدته: أنها إما أن يكون ذكرًا أو أنثى، فجاء بحرف الشك لذلك. وأما ما جاء منها بواو العطف، فلأنه أراد أن ما يطوف بكم منها، يكون ذكرًا أو أنثى". ونقل السيوطي في "مرقاة الصعود"(١٨) عن النووي في "شرحه" هذا قوله: "الثاني أظهر".(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١٤/ ٣٤)، "لسان العرب" (٩/ ٢٢٦)، "الفائق في غريب الحديث" (٢/ ٣٦٩)، "مجمع بحار الأنوار" (٣/ ٤٦٥).стр. 327
عورات (١) ، إنما سقط في حقِّهم دون غيرهم للضرورة وكثرة مداخلتهم بخلاف الأحرار البالغين، فكذا يُعفى عن الهرة للحاجة، هذا هو الصحيح في تفسيره، ولم يذكر جماعةٌ سواه (٢) . وذكر الخطابي (٣) فيه تاويلاً آخر، وهو: أنه شَبَّهها بمن يطوف للحاجة والمسألة، ومعناه: أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للمسألة (٤) .
واعلم أنه وقع هنا: "عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت الحواشي
(١) في سورة النور: آية (رقم ٥٨)، ونصها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(٥٨) ﴾ [النور: ٥٨].(٢) نقله السيوطي في "زهر الربى" (١/ ٥٥)، والعظيم آبادي في "عون المعبود" (١/ ١٤٢)، والمباركفوري في "تحفة الأحوذي" (١/ ٣٠٩)، عن المصنف، وأقروه، وسبق كلامهم بتمامه في تقديمنا للكتاب، والله الهادي والموفق للصواب.(٣) "معالم السنن" (١/ ٤١).(٤) نقل ابن الأثير في "الشافي في شرح مسند الشافعي" (١/ ٩٣) التأويلين، وزاد: "وإنما قال: "من الطوافين والطوافات" بجمع السلامة، وجمع السلامة إنما هو لمن يعقل؛ لأنه لمّا أضافها ونسبها، وشبّهها بهم، حَسُنَ له ذلك".
ونقل ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٥٦٢ - ٥٦٣) كلام المصنف هذا، وعزاه له، وارتضاه، وقال: "قال النووي (أ): وهذا الثاني قد يأباه سياق قوله ﵊: "إنها ليست بنجس" قال: "وهو كما قال، بل قال الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام": إنه غريب بعيد".
_________
(أ) في "المجموع" (١/ ٢٢٤).стр. 328
ابن أبي قتادة" وكذا وقع في رواية الشافعي والدارمى وابن ماجه، ووقع في رواية "الموطأ" والترمذي: "وكانت تحت أبي قتادة"، وهذا مجاز محمول على الأول، تقديره: تحت ابنه (١) .
وفي هذين الحديثين: طهارة الهرة، وجواز الطهارة بالماء الذي ولغت فيه ما لم يتيقَّن نجاسة فمها حال الولوغ، وأنه لا كراهة، وأنه يستحب الرفق بها، وأنه يجوز الأكل من الطعام الذي أكلت منه، ومن موضع أكلها.
... الحواشي
(١) قال الترمذي عقب الحديث: "وقد روى بعضهم عن مالك: وكانت عند أبي قتادة، والصحيح ابن أبي قتادة"، وعند ابن ماجه: "وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة".
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣١٩): "ورواه ابن المبارك عن مالك عن إسحاق بإسناد مثله، إلا أنه قال: "كبشة امرأة أبي قتادة"! وهذا وهم منه، وإنما هي امرأة ابن أبي قتادة". وقال ابن الأثير في "الشافي" (١/ ٩١): "والخلاف الواقع في زوج كبشة أنه أبو قتادة، أو ابنه، منشأه من أصحاب مالك، فإنهم اختلفوا عليه، والصحيح أنها كانت تحت عبد الله بن أبي قتادة، وبذلك يشهد قول أصحاب التواريخ والأنساب، والشافعي كذلك رواه، وإنما الشك من الربيع لا منه، وكذلك رواه أكثر المحققين".
ونقل ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٥٦١) كلام النووي هذا، وقال على إثره: "ورأيت من وهَّم النووي في نقله ذلك عن "الموطأ"، ووهَم هو في ذلك، فكفى بالنووي أن يوافق نقله ما نقله ابن المبارك، لكن المشهور من رواية مالك في "الموطأ": "تحت ابن أبي قتادة" وكذلك هو موجود في "الملخص" [ص ١٣٦] للقابسي، فافهم ذلك".стр. 329
٣٨ - باب: الوضوء بفضل وضوء المرأة
٧٧ - (صحيح) حدثنا مُسدد، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ونحن جُنُبان (١) .
٧٨ - (حسن صحيح) حدثنا عبد الله بن محمد النُّفيلي، قال: حدثنا وكيع، عن أُسامة بن زيد، عن ابن خَرَبُوذَ، عن أم صُبَيَّة الجُهَنِية، قالت: اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد (٢) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري (٢٥٠، ٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٣، ٣٠١)، ومسلم(٣٢١) .(٢) أخرجه ابن ماجه في "سننه"(٣٨٢) ، والترمذي في "العلل الكبير"(٣٠) ، وأحمد في "المسند" (٦/ ٣٦٧)، وإسحاق في "مسنده" (٥/ ٢٣٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٢٣٥، ٢٣٦) (رقم ٥٩٦، ٥٩٨، ٥٩٩) و (٢٥/ رقم ٤٠٩)، وابن سعد (٨/ ٢٩٥، ٢٩٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٤٠)، والطحاوي في "شرح الآثار" (١/ ٢٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٦/ ١٨٢)، والبيهقي في "الكبرى" (١/ ١٩٠)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦/ ٣٥٢١) رقم(٧٩٦٩) ،(٧٩٧٠) ، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ١٤٤ - ١٤٥)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ١٤٣) (ترجمة خارجة بن الحارث) من طرق عن أسامة بن زيد، به. وأسامة صدوق يهم، وقد توبع، وهذا البيان: أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٦)، والبخاري في "الأدب المفرد"(١٠٥٤) ، وابن سعد (٨/ ٢٩٥، ٢٩٦)، والطبراني (٢٤/ رقم ٥٩٥)، وعنه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦/ ٣٣٠٦) رقم (٧٥٨٨، ٧٥٨٩)، والمزي في "تهذيب الكمال" =стр. 330
٧٩ - (صحيح) حدثنا عبد الله بن مَسلمة، عن مالك، عن نافع (ح)، وحدثنا مسدد، قال: حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ قال مُسدد - من الإناء الواحد جميعًا (١) .
٨٠ - (صحيح) حدثنا مُسدد، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: كُنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد نُدلي فيه أيدينا.
حديث عائشة في "الصحيحين"، وحديث أم صُبَيَّة فيه ضعف (٢) .
وحديث ابن عمر الأول في "صحيح البخاري"، والثاني صحيح أيضًا (٣) . الحواشي
(٣٠) للترمذي.
والمصنف جعل اسمه (معروفًا) متَّبعًا ابن عساكر؛ وهو وهم، كشفه المزي في "تحفة الأشراف" (١٣/ ٩٠) ومحمد بن عبد الهادي في "شرح علل ابن أبي حاتم" (٢٠٢ - ٢٠٣).
والحديث حسنه العراقي في "طرح التثريب" (٢/ ٣٩) وهو صحيح بمجموع شواهده.(١) أخرجه البخاري في "صحيحه"(١٩٣) دون قوله: "من الإناء الواحد".
أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٩٠)، وانظر الحديث السابق.(٢) بل هو حسن، وضعفه عند المصنف بسبب ابن خرَّبوذ، انظر كلامه الآتي عليه.(٣) أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (١٢٠، ١٢١) من طريقين آخرين عن عُبيد الله به.стр. 331
قوله: "عبد الله بن محمد النُّفيلي" منسوب إلى جده نُفَيْل، وسبق بيانه (١) .
قوله: "عن ابن خُرَّبوذ"، هو بخاءٍ معجمة مضمومة ومفتوحة، والضم أشهر (٢) ، ثم راء مشددة مفتوحة ثم باءٌ موحدة مضمومة، ثم واو ثم ذال معجمة، واسمه: معروف (٣) ، ضعفه ابن معين (٤) ، الحواشي
(١) عند آخر شرح حديث رقم(٤١) .(٢) كذا قال هنا، بينما قال في "شرح صحيح مسلم" (٩/ ٢٨): "الفتح أشهر" وقال عن الوجهين (الفتح والضم): "وممن حكاهما القاضي عياض في "المشارق" [١/ ٢٥١]، والقائل بالضم هو أبو الوليد الباجي [في "التعديل والتجريح" (٢/ ٧٥٣)]. وقال الجمهور بالفتح، وبعد الخاء راء مفتوحة مشددة، ثم باء موحدة مضمومة، ثم واو، ثم ذال معجمة".
ولم يحك أبو علي الغسَّاني في "تقييد المهمل" (١/ ٢٣٨) إلا فتح الخاء المعجمة، وأهمل الضم، وهذا يؤكد أنها هي المشهورة.(٣) سبق بيانه في التخريج ومما ينبغي ذكره: ما قاله أبو أحمد الحاكم: مَنْ قال: ابن سَرْج، عرَّبه، ومن قال: ابن خَرَّبوذ، أراد به الإكاف، بالفارسية، كذا في "تهذيب الكمال" (١٠/ ١٤٣)، وانظر: "المؤتلف والمختلف"(١١٢٥) للدارقطني، وقال ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٣٠٦): "الصحيح ابن سرج"، وعند مسلم في "الكنى" (ص ١١١): "سالم بن سَرْج، ويقال: ابن خرّبوذ"، وفي "الجرح والتعديل" (٤/ ١٨٧): "سالم بن النعمان بن سَرْج"، وانظر: "إكمال تهذيب الكمال" (٥/ ١٨٤).(٤) قال ابن أبي مريم عن ابن معين: سالم بن النعمان ثقة، شيخ مشهور، نقله المزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ١٤٢) وعنه الذهبي في "تذهيب تهذيب الكمال" (٣/ ٣٧٠) وعبارة الذهبي مختصرة، ونصها: "وثقه ابن معين وغيره"، ولم أظفر بتضعيف ابن معين له في جميع كتبه المطبوعة، ولم يترجم له في "الميزان"!.
ثم وجدت ابن رسلان الرملي يقول في شرحه على "سنن أبي داود" المسمى "صفوة الزبد" (ق ٣٩/ ٢): "ابن خربوذ: بفتح الخاء المعجمة، قال =стр. 332
وروى له البخاري (١) .
قوله: "عن أم صُبَيَّة"، هي بضمِّ الصاد المهملة على التصغير، واسمها: خَوْلة بنت قَيْس (٢) ، قاله البخاري (٣) وأبو زرعة (٤) . الحواشي
(١) في "الأدب المفرد"(١٠٥٤) وليس من رجال "صحيحه". نعم، أخرج لمعروف بن خَرَّبوذ المكي في موطن واحد: كتاب العلم: باب مَن خَصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا (رقم ١٢٧) وأسند عن أبي الطفيل عن عليّ قوله: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتُحبُّون أنْ يُكَذَّب اللهُ ورسولُه"
وأسند له مسلم في (كتاب الحج) (رقم ١٢٧٥) عنه قال: سمعت أبا الطُّفيل يقول: رأيتُ رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلمُ الرُّكنَ بِمِحْجَنٍ معه، ويُقَبلُ المِحْجن.
فلم يرو له البخاري وحده، وهو غير المذكور هنا- فغاير بينهما المزي، فترجم لسالم بن سرج في (١٠/ ١٤٢) ولمعروف بن خربوذ في (٢٨/ ٢٦٣) من كتابه "هذيب الكمال"، وهو مسبوق بصنيع ابن أبي حاتم انظر "الجرح والتعديل" (٤/ ١٨٧ - ١٨٨) و (٨/ ٣٢١). والمتأمل في الترجمتين يعلم خطأ جعلهما واحدًا، وهذا الذي وقع للمصنِّف!(٢) وقع في رواية لابن سعد والطبراني مسماة "خولة بنت قيس أم صبية"، وانظر: "الاستيعاب (٩٥٥ - ٩٥٦ - ط دار الأعلام)، "تهذيب الكمال" (٣٥/ ٣٦٩)، "الإصابة" (٧/ ٦٢٦ و ٨/ ٢٤٣).
وضبطها في: "تبصير المنتبه" (٣/ ٨٣٨)، "توضيح المشتبه" (٥/ ٤٣٣).(٣) في "التاريخ الكبير" (٤/ ١١٤).(٤) نقله عنه ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٦٣٦ - تحقيق فريق من الباحثين) وابن ماجه في "سننه" على إثر رقم(٣٨٢) .стр. 333
قوله: "نُدْلي فيه أيديَنا"، وهو بإسكان الدال وتخفيف اللام، وبفتح الدال وتشديد اللام لغتان، الأولى أفصح (١) ، وبها جاء القرآن: ﴿فَأدلى دَلوهُ﴾ [بوسف: ١٩].
وفي هذه الأحاديث جواز اغتسال الرجل والمرأة ووضوؤهما جميعًا من الإناء الواحد في حالةٍ واحدةٍ من جنابة وغيرها، وهذا مُجْمعٌ عليه (٢) .
وفيها: أن ماء الطهارة ليس محدودًا بحدٍّ لا يزيد ولا ينقص.
وفيها: أن غمس المغتسل يده في الإناء لا يمنع استعماله (٣) .
قوله: "عن أم صُبَيَّة الجُهَنِيَّة قالت: اختلفت يدي ولد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناءٍ واحد"، هذا محمول على ما قبل الحجاب.
... الحواشي
(١) انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" (٣/ ١٠٦).(٢) بوب المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٤/ ٣): (باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد، في حالة واحدة)، وقال مستنبطًا من عدة أحاديث، منها الحديث المتقدم برقم(٧٧) :
"وأما تطهير الرجل والمرأة في إناء واحد، فهو جائز بإجماع المسلمين، لهذه الأحاديث التي في الباب"، ونحوه في "المجموع" (٢/ ٢٢١، ٢٢٢).
وحكى الإجماع هذا: ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢١٨)، وابن حزم في "مراتب الإجماع" (١/ ١٨) وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ٥١)، وابن القطان الفاسي في "الإقناع" (١/ ٢٦٨).(٣) قال المصنف في "تصحيح التنبيه" (١/ ٧٤ رقم ٩): "والصواب أنه إذا تيقن طهارة يده لم يكره غمسُها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من النوم أم لا، ولا استحباب أيضًا في تقديم غسلها على الغمس على الصحيح"، ونحوه في "المجموع" (١/ ٣٩٨)، و"المنهاج" (١/ ٥٧ - مع المغني)، و"الروضة" (١/ ٥٨)، و"التحقيق"(٦٥) جميعها للنووي.стр. 334
٣٩ - باب: في النهي عن ذلك
٨١ - (صحيح) حدثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، عن داود بن عبد الله، (ح)، وحدثنا مُسدد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله، عن حُميد الحميري، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، قال: نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأًةُ بفضل الرجلِ، أو يغتسل الرجلُ بفضل المرأةِ -زاد مُسدد- وليغترفا جميعًا (١) .
٨٢ - (صحيح) حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا أبو داود -يعني الطيالسي-، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو، [قال لنا أبو داود] وهو الأقرع: أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة (٢) . الحواشي
(١) أخرجه النسائي في "المجتبى"(٢٣٨) ، و"الكبرى" (١/ ١١٧)، وأحمد (٤/ ١١١)، و (٥/ ٣٦٩)، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٧٣٩)، والطحاوي (١/ ٢٤)، والدارقطني في "السنن" (١/ ١١٦)، والبيهقي في (السنن الكبرى) (١/ ١٩٠)، وابن شاهين في "الناسخ المنسوخ" (ص ٦٧) من طرق عن داود بن عبد الله الأودي به.
وهو قطعة من الحديث (رقم ٢٨). وهو صحيح انظر ما قدمناه في التعليق على رقم(٢٨) .(٢) أخرجه النسائي في "المجتبى" (١/ ١٧٩) رقم(٦٣) و(٦٤) ، وابن ماجه رقم(٣٧٣) ، وأحمد في "المسند" (٥/ ٦٦) و (٤/ ٢١٣)، وعبد الرزاق (١/ ١٠٦)، والطيالسي في المسند رقم(١٢٥٢) ، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١٨٥)، وأبو عبيد في "الطهور" (١٩٣ - بتحقيقي)، وابن قانع في =стр. 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 336
في الباب حديثان: حديث حميد الحميري عن بعض الصحابة، وهو صحيح، ولا يضرُّ جهالة اسم الصحابي، وعَيْنُه؛ لأنَّهم كلهم عدول (١) ؛ وحديث الحكم بن عمرو، وهو ضعيف عند الجمهور (٢) ، وقال الترمذي (٣) أنه حَسَن، وقال البخاري (٤) وغيره (٥) : ليس هو بصحيح، وهم أتقن من الترمذي في ذلك، لا سيّما في باب التصحيح والتضعيف (٦) . الحواشي
(١) هذا مذهب الجماهير، وعليه التطبيق العملي، ونازع في ذلك ابن حزم في "الإحكام" (٢/ ٢ - ٣)، وينظر له "المحلى" (٩/ ٣٦١)، وانظر في صحة تقرير المصنف: "الكفاية" للخطيب(٣٨٥) ، و"نكت ابن حجر على ابن الصلاح" (٢/ ٥٤٧).
وهذا الذي قرره المصنف في "المجموع" (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢) وفي "التقريب"(٨٢) ، فانظره، وينظر معه "التدريب" (١/ ١٩٧).(٢) هذا أدق من كلامه في: "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٣)، و"المجموع" (٢/ ١٩١)، وقد تقدم قريبًا في التخريج، وكلامه في: "خلاصة الإحكام" (١/ ٢٠٠) بنحو المذكور هنا، ونصه: "وقال الترمذي: حسن، وخالفه الجمهور، قال البخاري: "حديث الحكم ليس بصحيح" قال: "والصحيح في حديث ابن سَرْجس أنه موقوف عليه ومن رفعه فقد أخطأ" وكذا قال الدارقطني وغيره، انتهى".
قلت: سيأتي تخريج أثر ابن سرجس ﵁.(٣) في جامعه(٦٤) .(٤) فيما نقله عنه تلميذه الترمذي في "العلل" (١/ ١٣٤)، والبيهقي في سننه (١/ ١٩٣)، و"المعرفة"(٤٤٨) .(٥) كالدارقطني (١/ ٣)، والبيهقي (١/ ١٩٣)، كل منهما في "سننه".(٦) من ضعَّف حديث الحكم تعلّق بسوادة بن عاصم، وقد روى له أصحاب "السنن"، وووثقه غير واحد كما قدمناه في التخريج، فالحديث صحيح إن شاء الله تعالى وصححه جماعة، كما قدمناه، والحمد لله.стр. 337
وقد أجمع العلماء على جواز استعمال المرأة فضل الرجل (١) ، واختلفوا في استعمال فضلها إذا خَلَت به (٢) ، فقال عبد الله بن سَرْجس الصَّحابي (٣) والحسن البصري (٤) وأحمد (٥) الحواشي
(١) حكى هذا الإجماع: ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢١٨) والمصنف في "شرح صحيح مسلم" (٤/ ٣ - ٤) وفي "المجموع" (٢/ ٢٢١).
وقال ابن حجر في "الفتح" (١/ ٣٥٩): "ونقل النووي أيضًا الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضًا، فقد أثبت الخلاف فيه الطحاوي [في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٦)] ".
وانظر: "الإقناع" (١/ ١٧٠) لابن القطان، "إجماعات ابن عبد البر في العبادات" (١/ ١٤٥).(٢) المراد استعماله في الطهارة، واكتفى بقرينة الحال، أما ما مسته في شرب أو أدخلت يدها فيه بلا نية، فليس هو فضل. انظر: "التنقيح في شرح الوسيط" للشارح (١/ ٣٣٩).(٣) أخرجه عنه عبد الرزاق(٣٨٥) ، وأبو عبيد في "الطهور" (١٩٤ - بتحقيقي)، والدارقطني(١١١٧) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٩٢)، و"معرفة السنن والآثار"(٤٤٨) .
وروي عن عبد الله بن سَرْجس مرفوعًا عند ابن ماجه(٣٧٤) ، وأبي يعلى(١٥٦٤) ، والطحاوي (١/ ٢٤)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ"(٥٣) ، والدارقطني (١/ ١١٦ - ١١٧)، وابن حزم في "المحلى" (١/ ٢١٢).
وصحح الدارقطني الموقوف، وقال عنه: "هو أولى بالصواب"، وهو الذي نقله الترمذي في "العلل" (١/ ١٣٤) عن البخاري، وكذلك فعل البيهقي في "المعرفة"(٤٤٨) ، وهو الذي اعتمده ابن القيام في "تهذيب السنن" (١/ ٨١).(٤) أسنده عنه: عبد الرزاق(٣٧٥) ، وابن أبي شيبة (١/ ٣٤) في "مصنفيهما"، والأثرم في "السنن" (ق ٤/ ب)، وأبو عبيد في "الطهور" (١٩٩ - بتحقيقي)، وحكى عنه الكراهة: ابنُ المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٩٢).(٥) انظر: "مسائل أحمد وإسحاق" (١/ ٩)، و"مسائل صالح لأبيه"(٤٣٧) ، =стр. 338
وداود (١) : لا يجوز. وجوّزه مالك (٢) وأبو حنيفة (٣) والشافعي (٤) والجمهور (٥) ، وأجابوا عن حديث الحكم بن عمرو بثلاثة أجوبة: أحدها: تضعيفه (٦) .
والثاني: حمْلُه على كراهة التنزيه (٧) جَمْعًا بين الأدلة.
والثالث: حَمْلُهُ على المتساقط عن الأعضاء (٨) ، والله أعلم. الحواشي
(١) انظر: "المحلى" (١/ ١١٢).(٢) انظر: "المدونة الكبرى" (١/ ١٤)، "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٢٤) مسألة رقم (٦٩ - بتحقيقي)، "بداية المجتهد" (١/ ٢٤)، "الخرشي" (١/ ٦٦)، "حاشية الدسوقي" (١/ ٣٥).(٣) انظر: "الأصل" (١/ ٢٦)، "البناية" (١/ ٤٣٠) للعيني.(٤) انظر: "الأم" (١/ ٢١)، "المجموع" (٢/ ٢٢١)، "تحفة المحتاج" (١/ ٧٧).(٥) انظر بسط المذاهب في "الأوسط" (١/ ٢٩٧) لابن المنذر، "الطهور" لأبي عبيد (٢١٦ - ٢٦٣ بتحقيقي)، "طرح التثريب" (٢/ ٣٩ - ٤٠)، "التمهيد" (١٤/ ١٦٥).(٦) لا يسلَّم بذلك، كما بيّناه، والحمد لله.(٧) به قال أبو الخطاب وابن عقيل من الحنابلة، وإليه ميل المجد ابن تيمية في "المنتقى" (رقم ١٦)، وينظر "شرح الزركشي على الخرقي" (١/ ٣٠١)، والتعليق عليه.(٨) قدمه الخطابي في "المعالم" (١/ ٨٠) ورجحه على غيره، وبالنظر إلى التطبيق العملي آنذاك نرى ضعف هذا القول، فلم يكن الصحابة يجمعون ما تقاطر من الماء. =стр. 339
قوله: "عن عاصم عن أبي حاجب عن الحكم بن عَمرو هو الأقرع".
أما عاصم فهو الأحول، وأما أبو حاجب فاسمه سوادة بن عاصم العنزي، وقوله: "الأقرع" هو لقب (١) لعمرو لا للحكم، ويقال: الحكم ابن الأقرع.
... الحواشي
(١) لم يذكره ابن الجوزي في "كشف النقاب"، ولا الذهبي في "ذات النقاب"، ولا ابن حجر في "نزهة الألباب"، وينظر "تهذيب الكمال" (٧/ ١٢٤)، "الإصابة" (١/ ٣٤٣)، "أسد الغابة" (٢/ ٣٦).стр. 340
٤٠ - باب: الوضوء بماء البَحْر
٨٣ - (صحيح) حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن سُليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، قال: إن المغيرة بن أبي بُردة -وهو من بني عبد الدار- أخبرهُ، أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عَطِشنا، أفنتوضأُ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : "هو الطَّهور ماؤه الحِل مَيْتَتُهُ" (١) . الحواشي
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٢٢) رقم(١٢) ، ومن طريقه الشافعي في "الأم" (١/ ١٦)، و"المسند" (٨/ ٣٣٥ - مع الأم)، ومحمد بن الحسن في "الموطأ" رقم(٤٦) ، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وفي "المسند" كما في "نصب الراية" (١/ ٩٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٧ و ٣٦١ و ٣٩٣)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٤٧٨)، والنسائي في المجتبى (١/ ١٧٦) (٧/ ٢٠٧)، وفي "الكبرى" رقم(٦٧) ، والترمذي (١/ ١٠٠ - ١٠١) رقم(٦٩) ، وابن ماجه(٣٨٦) ، والدارمي (١/ ١٨٦)، (٢/ ٩١)، وابن خزيمة(١١١) ، وأبو عبيد في "الطهور" (رقم ٢٣١ - بتحقيقي)، وابن حبان رقم (١١٩ - موارد الظمآن)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٤٧)، وابن الجارود(٤٣) ، والدارقطني (١/ ٣٦)، والحاكم (١/ ١٤٠ - ١٤١)، وفي "معرفة علوم الحديث" (ص ٨٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٣)، و"السنن الصغرى" (١/ ٣٦) رقم(١٥٥) ، والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٥٥ - ٥٦) وقم(٢٨١) ، والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير" (١/ ٣٤٦)، وقال: "إسناده متصل ثابت". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". ونقل =стр. 341
حديث الباب صحيح، والسائل عن ماء البحر اسمه عُبَيْدٌ، وقيل: عبد، وممن حكى الوجهين فيه الحافظ أبو موسى الأصبهاني (١) ، وأما الحواشي
(٣٢٤٦) : "بلغني عن أبي عبيد الجواد أنه قال: "هذا نصف العلم؛ لأن الدنيا بر وبحر، فقد أفتاك في البحر وبقي البر".
انظر: "التمهيد" (٢/ ٧٧)، و"نصب الراية" (١/ ٩٥)، و"التلخيص الحبير" (١/ ٩)، و"خلاصة البدر المنير" رقم(١) ، و"تحفة المحتاج" رقم(٣) ، و"البناية شرح الهداية" (١/ ٢٩٧)، وتعليق شاكر على "جامع الترمذي" (١/ ١٠١)، و"نيل الأوطار" (١/ ٧١)، و"سبل السلام" (١/ ٥١)، و"إرواء الغليل" (١/ ٤٢)، و"البدر المنير" (٢ - ٥).
وقال الإمام الشافعي في هذا الحديث: "هذا الحديث نصف علم الطّهارة".
انظر: "المجموع" (١/ ٨٤).(١) قال المصنّف في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢/ ٣١٥): "اسم هذا السائل: عبيد، وقيل: عبد، قال أبو موسى الأصبهاني في كتابه "معرفة الصحابة": قال ابن منيع: بلغني أن اسمه عبد، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبيد، وذكره أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "معرفة الصحابة" فيمن اسمه عبيد" انتهى، وبنحوه في "الإشارات" (ص ٥٩٢ رقم ٢٤٤)، له، وهو من استدراكه على الخطيب.
وقول ابن منيع عند ابن الأثير في "أسد الغابة" (٣/ ٣٣٦)، ووصف في رواية عند ابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة" (٢/ ٥٥٦) بأنه (عبد العركي) وترجمه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ١٩١٤) ترجمة رقم(١٩٦٢) : "العركي" وقال: "قيل: إن اسمه عُبيد، أخرجه الطبراني فيمن اسمه عبيد" وأورد هذا الحديث من (مسنده)، ولا يوجد في مطبوع "المعجم الكبير" للطبراني هذه الترجمة، وفي دار الكتب المصرية: "البدر المنير بترتيب أحاديث المعجم الكبير" للهيثمي، وأورد فيه أسانيد الطبراني، وهو قيد =стр. 342
قول ابن السَّمعاني في "الأنساب" (١) اسمه: العَرَكي -بفتح العين والراء- ففيه إيهامٌ أنه اسم عَلَمِ له، وليس كذلك، بل العركي وصف له، وهو ملاَّح السفينة (٢) .
وسُمِّي البحر لسعته واتساعه (٣) ، وقيل: لأنه مشقوق (٤) ، وَمَيْتَتُهُ: بفتح الميم. الحواشي
(١٨٥) بـ (عبد الله المدلجي)، وأخرجها الطبراني في "الكبير"، وفي إسناديهما عبد الجبار بن عمر، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والنسائي، ووثقه ابن سعد، وانظر "مجمع الزوائد" (١/ ٢٢٥) وقال ابن حجر في "الإصابة" (٤/ ١٩٤): "قال البغوي: بلغني أن اسمه عبدود".(١) "الأنساب" (٤/ ١٨٢).(٢) قال النووي في "الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات" (ص ٥٩٢/ رقم ٢٤٤): "لم يذكر الخطيب هذا الحديث. قال السمعاني في "الأنساب": اسم هذا الرجل (العركي) -بفتح العين والراء- كذا قاله السمعاني، وغلط في قوله: اسمه (العركي)، وإنما (العركي) وصف، وهو ملاح السفينة، وإنما اسمه عبيد، قاله الطبراني وأبو نعيم. وقال ابن منيع: بلغني أن اسمه عبيد".
وعبارته في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢/ ٣١٥) أدق وألين -من هنا- ومستند هذا القول: ما أخرجه الطبراني -وعنه أبو نعيم في "المعرفة" (٤/ ١٩١٢) - بسنده إلى العركي أنه سأل النبي ﷺ ... الحديث، وإسناده حسن، كما في "المجمع" (١/ ٢١٥).
وانظر: "تجريد أسماء الصحابة" (١/ ٣٦١)، "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" (١/ ١٦٣) وفيه تعقب السمعاني بمثل عبارة النووي السابقة في الهامش وأثبت ناسخ أصله على "غلط" ما نصه: "يمكن أن نقول: إنه -أي العركي- اشتهر به، حتى صار علمًا له بالغلبة".(٣) انظر "التوقيف على مهمات التعريف" (١/ ١٦٦).(٤) قال المصنف في "تحرير ألفاظ التنبيه"(١٧١) "البحر: من البحر وهو =стр. 343
وفي هذا الحديث فوائد، منها: جواز الطهارة بماء البحر (١) ، وبه قال جميع العلماء (٢) إلا ابن عمر (٣) وابن عمرو (٤) الحواشي
(١) قال البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٥٦): "في هذا الحديث فوائد، منها: أن التوضؤ بماء البحر يجوز مع تغير طعمه ولونه، وهو قول أكثر أصحاب النبي ﷺ وعامة العلماء، وكذلك على ما نبع من الأرض على أي لون وطعم كان، جاز الوضوء، وكذلك ما تغير بطول المكث في المكان".
قال أبو عبيدة: نعم، هو كذلك ما لم يسلب خواص الماء كالبحر الميت، فإنه ملح أجاج، وفي استخدامه في الوضوء نظر، فليتأمل.(٢) حكى الإجماع جمع، منهم: ابن المنذر في "الإجماع"(٣٣) ، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ٢٢١)، وابن دقيق العيد في "الإحكام" (١/ ٢٢)، وابن القطان في "الإقناع" (١/ ١٦٠).(٣) صح عنه قوله: "التيمم أحب إلي من ماء البحر"، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢)، وعبد الرزاق (٨/ ٣)، وأبو عبيد في "الطهور"(٢٤٨) ، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٤٩).
وكأني بابن العربي يرده في "القبس" (١/ ١٤٢)، لما قال: "قد ركبت الصحابة البحر من عهد النبي ﷺ ركوبًا، فما روي عن أحد منهم أنه احتمل ترابًا للتيمم".(٤) صح عنه قوله: "ماء البحر لا يجزيء من وضوء ولا جنابة" أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢)، وعبد الرزاق (١/ ٩٣)، وابن المنذر (١/ ٢٥٠)، وأبو عبيد في "الطهور"(٢٤٧) ، والجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ٣٤٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٣٤)، وأعله الجوزقاني بمحمد بن المهاجر! وكذا صنع ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٧٩) وهو لم ينفرد به، ولذا تعقبه غير واحد، وانظر: "اللآليء المصنوعة" (٢/ ٢ - ٣)، "تنزيه الشريعة" (١/ ٦٩)، "الفوائد المجموعة" (ص ٦) والتعليق عليه.стр. 344
وسعيد بن المسيب (١) .
ومنها: أنَّ الماء إذا خالطه ما أزال عنه اسم الماء المطلق لم تَجُزْ الطهارة به (٢) ، هذا مذهب الشافعي والجمهور (٣) ، وجوَّزه أبو الحواشي
(١) حكى المصنف في "المجموع" (١/ ١٣٧)، وابن قدامة في "المغني" (١/ ١٥ - ١٦)، وابن العربي في "القبس" (١/ ١٤١)، وابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٤٤)، وابن الأثير في "الشافي" (١/ ٦٦) وغيرهم مذهب السابقين، وعند بعضهم -كالمصنف- مذهب ابن المسيب. وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٥٠) عنه: "إذا أُلجئت إلى البحر فتوضأ منه، أو فلا بأس به"، وفي هذا دلالة على أنه طاهر عنده.
وحكي هذا المذهب عن أبي هريرة، فأسنده ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢)، وأبو عبيد في "الطهور"(٢٤٦) ، والجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، وسعيد بن منصور في "سننه" -كما في "إعلام الموقعين" (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦ - بتحقيقي) - وفيه راوٍ مبهم، فهو مما لم يثبت عنه.
وانظر: "الموضوعات" (٣/ ٢٧٩)، "اللآليء المصنوعة" (٢/ ٢ - ٣)، "تنزيه الشريعة" (١/ ٦٩)، "الفوائد المجموعة" (ص ٦ - ٧).
وأثر هذا المذهب عن أبي العالية رفيع بن مهران، كما عند ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢) وفي إسناده من تكلم فيه.
ويعجبني كلام الزرقاني في "شرح الموطأ" (١/ ٥٢): "التطهير بماء البحر حلال كما عليه جمهور السلف والخلف، وما نقل عن بعضهم من عدم الإجزاء به مزيف أو مؤوَّل، بأنه أراد بعدم الإجزاء على وجه الكمال عنده"، وارتضاه المباركفوري في "تحفة الأحوزي" ١/ ١٩٢) وقال قبله: "لم يقم على الكراهية دليل صحيح". وانظر: "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٥٩).(٢) ينظر: لو نقل ماء من البحر، فوجد فيه طعم زبل، أو لونه، أو ريحه، هل يحكم بنجاسته؟ قال البغوي في "تعليقه" بنجاسته، وانظر: "الإقناع" (١/ ٨١)، "حاشية البجيرمي" (١/ ٢٨١).(٣) انظر: "الأم" (١/ ٣)، "المجموع" (١/ ١٢٤ - ١٢٥)، "نهاية المحتاج" =стр. 345
حنيفة (١) ، وموضع الدلالة للجمهور أنه شكّوا في جواز الطهارة بماء البحر من أجل ملوحته، فسألوا عنه؛ فلو لم يكن التغير في الجملة مؤثرًا لم يسألوا (٢) . الحواشي
(١) انظر: "البداية" (١/ ١٨)، "شرح فتح القدير" (١/ ١٦٩)، "بدائع الصنائع" (١/ ٨٤)، "البحر الرائق" (١/ ٢٣٣)، "تبيين الحقائق" (١/ ٦٩)، "فتح باب العناية" (١/ ٢٣٧)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٣٠٩). والمسألة مبسوطة مع أدلتها في "الخلافيات" (١/ ١٢٧ - ١٩٢) للبيهقي.(٢) ويستفاد ذلك أيضًا، من قوله ﷺ : "هو الطهور ماؤه"، ولم يجب بقوله - مثلاً-: "نعم"، وأوضح ابن الأثير في "الشافي في شرح مسند الشافعي" (١/ ٦٤) وجهة الدلالة بكلام بديع، وتبعه جمع، منهم: الزرقاني في "شرحه على الموطأ" (١/ ٥٣) والسهارنفوري في "بذل المجهود" (١/ ٣١٥) والعظيم آبادي في "عون المعبود" (١/ ١٥٣) والمباركفوري في "تحفة الأحوذي" (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، ونص كلام ابن الأثير:
"وفي جواب النبي ﷺ هذا السائل بقوله: "هو الطهور ماؤه، الحل ... " بلاغة معروفة من كلامه، وفصاحةٍ خاصةٍ بألفاظه، فإنه لو قال له في الجواب: نعم. لم يحل للسائل غرضه، لكنه ﷺ عدل عن هذا الجواب إلى الجواب الذي أتى بالغرض على أكمل وجه مقرونًا بعلة الجواز، وهي الطهورية المتناهية في مائه، ثم إنه قدم الطهارة على الماء، فقال: "هو الطهور ماؤه" ولم يقل: ماؤه الطهور؛ لأنه في هذا المقام أشد عناية بذكر الوصف الذي اتصف به الماء، وجاز الوضوء به، وهو الطهورية، دون ذكر الماء، فقدم في الذكر الأهم عنده والأحوج إليه. فانظر إلى ما في هذا الجواب السديد من الفائدة التي في قوله: "نعم"، هذا إلى ما كان يجوز أن يحمل لفظة "نعم" عليه من أن ذلك إنما أجازه رخصة لهذا السائل ولمن كان في حاله ممن معه القليل من الماء، وأنه مع كثرة الماء لا يجوز الوضوء به، وهذا الاحتمال من النبي ﷺ منتف بذكر العلة في جواز الوضوء به، وأن ذلك وصف لازم له، سواء قلَّ الماءُ مع المسافرين فيه أو كثر".стр. 346
ومنها: أن الطهور هو المطهِّر، وهو مذهب الشافعي والجمهور (١) ، وقال أصحاب أبي حنيفة: هو الطاهر (٢) . حجة الجمهور: أنهم سألوا عن طهوريته لا عن طهارته.
ومنها: أن ميتات البحر (٣) كلها حلال إلاَّ الضِّفْدَع، لدليلٍ خصَّها (٤) ، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا.
ومنها: أن السمك الطافيء: هو الذي مات في البحر بغير سبب؛ حلالٌ، وهو مذهب الشافعي والجمهور (٥) ، وقال أبو حنيفة: لا يحلُّ (٦) ؛ الحواشي
(١) انظر: "المجموع" (١/ ١٢٩ - ١٣٠)، و"التحقيق"(٣٦) كلاهما للنووي، "المغني" (١/ ١٨)، "الشافي في شرح مسند الشافعي" (١/ ٦٢ - ٦٣)، "إحكام الأحكام" (١/ ٢٢) لابن دقيق العيد.(٢) ولذا يرون جواز إزالة النجاسات بما سوى الماء من المائعات، وأنه يطهر كذلك.
انظر: "الهداية" (١/ ١٨)، "مجمع الأنهر" (١/ ٢٧)، "بدائع الصنائع" (١/ ١٨٤)، "تحفة الفقهاء" (١/ ١٢٥)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٣٩).(٣) فيه دليل على أن السمك لا ذبح فيه، لإطلاق اسم الميتة عليه.(٤) يشير إلى ما ورد عند أبي داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، وأحمد (٣/ ٤٥٣، ٤٩٩)، والطيالسي(١٠٨٣) ، وعبد بن حميد(٣١٣) ، وابن أبي شيبة (٨/ ٩٢)، والدارمي (٢/ ٨٨)، والحاكم (٤/ ٤١٠ - ٤١١)، والبيهقي (٩/ ٣١٨)، والخطيب (٥/ ١٩٩)، وغيرهم -وهو حديث صحيح- أن طبيبًا سأل النبي ﷺ عن ضِفْدِع يجعلها في دواء، فنهاه عن قتلها.
قال النووي في "المجموع" (٩/ ٣٥): "الصحيح المعتمد أن جميع ما في البحر تحل ميتته إلا الضفدع".(٥) انظر: "المجموع" (٩/ ٣٣)، "حاشية الدسوقي" (١/ ٥٧)، "بلغة السالك" (١/ ٢٢)، "كشاف القناع" (١/ ١٩١)، "الفروع" (١/ ٢٥٠)، "المبدع" (١/ ٢٤٧).(٦) انظر: "بدائع الصنائع" (٦/ ١٧٨)، "البحر الرائق" (١/ ٩٤)، =стр. 347
ومنها: أن ركوب البحر جائز ما لم يَهج، ويغلب على الظن الهلاك (١) .
ومنها: أن المفتي إذا سُئل عن شيءِ، وعلم أن بالسائل حاجة إلى أمرٍ آخر متعلّق بالمسألة؛ يستحب له أن يذكره له ويعلمه إياه؛ لأنه سأل عن ماء البحر فأجيب بمائه وحكم ميتته؛ لأنهم يحتاجون إلى الطعام كالماء، وإذا جهلوا كونه مطهرًا فجهالتهم حِلُّ ميتته أوْلى (٢) ، وبها نظائر الحواشي
(١) انظر في ركوب البحر: "مصنف ابن أبي شيبة" (٤/ ١٣٥ و ٥/ ٣٣٦)، و"مصنف عبد الرزاق" (١١/ ١٤٩)، و"سنن سعيد بن منصور" (٢/ ١٨٥ - ١٨٧)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، و"مجمع الزوائد" (٤/ ٦٤)، و"فتح الباري" (٤/ ٢٩٩)، و"القرى لقاصد أم القرى" (٦٧ - ٦٨)، و"إتحاف السادة المتقين" (٤/ ٥١٣)، و"تفسير القرطبي" (٢/ ١٩٠ و ٧/ ٣٤١)، و"أحكام القرآن" للجصاص (١/ ١٣١)، و"السلسلة الضعيفة" (١/ ٤٩٢) و"إسعاف أهل العصر بأحكام البحر" (٤١١ - ٤٢٨)، و"الأحاديث الواردة في البحر" (١٤، ٦٨، ١٢١، ١٣٢، ١٤١) وكتابي "المروءة وخوارمها"(١٠٨) وغيرها كثير.(٢) أشار إلى هذه النكتة جماعة قبل النووي، منهم: الخطابي في "معالم السنن" (١/ ٤٣ - ٤٤) والرافعي -فيما حكاه المصنف عنه في مقدمة "المجموع" (١/ ٨٣) -، وابن العربي في "عارضة الأحوذي" (١/ ٨٨ - ٨٩)، وابن الأثير في "الشافي" (١/ ٦٤ - ٦٥) -وعبارته: "لما أجاب ﷺ السائل عن سؤاله، أضات إليه جوابًا على شيء ولم يسأله عنه، فقال ﷺ : "الحل ميتته"؛ لأنه لما سأله عن ماء البحر، فأجابه، رأى من المصلحة لهذا السائل أن يعرفه لهم في طعام البحر، لعلمه أنهم قد يعرض لهم إذا ركبوا البحر قلة الزاد، كما أعوزهم الماء العذب، فلما جمعتهم الحاجة إليهما جمع الجواب عنهما، وأبان عن الحكم فيهما، ولأن علم طهارة ماء البحر أمر ظاهر عند =стр. 348
كثيرة في الأحاديث (١) .
... الحواشي
(٥٠) لزكريا الأنصاري، "تحفة الأحوذي" (١/ ٢٢٦).(١) كالمسيء صلاته، فابتدأ ﷺ فعلمه الطهارة، ثم علمه الصلاة، وذلك -والله أعلم- لأن الصلاة شيء ظاهر تشتهيه الأبصار، والطهارة أمر يستخلي به الناس في ستر وخفاء، فلما رآه ﷺ جاهلاً بالصلاة حمل أمره على الجهل بأمر الطهارة، فعلمه إياها. أفاده الخطابي في "معالم السنن" (١/ ٤٤).
وفي الحديث فوائد أخري غير المذكورة، مثل: إن العالم إذا تفرد بالجواب يتعين عليه ذلك، وأنه يجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه، أو يتردد فيه.стр. 349
٤١ - باب: الوضوء بالنبيذ (١)
٨٤ - (ضعيف) حدثنا هناد وسليمان بن داود العتكي، قالا: ثنا شريك، عن أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال له ليلة الجِنِّ: "ما فِي إِدَاوَتكَ"؟ قال: نبيذ، قال: "تمرةٌ طَيبة، وماءٌ طهور" (٢) . الحواشي
(١) هو أن يُلقى في الماء تميرات، ويبقى رقيقًا يسيل على الأعضاء، ويصير حلوًا غير مسكر، ولا يكون مطبوخًا، قاله البَنُّوري في "معارف السنن" (١/ ٣٠٩).(٢) أخرجه الترمذي في "الجامع" (١/ ١٤٧) (رقم: ٨٨): ثنا هناد ثنا شريك به.
وأخرجه أبو يعلى في "المسند" (٨/ ٤٥٩) (رقم: ٥٠٤٦): ثنا منصور بن أبي مراحم ثنا شريك به مختصرًا، بلفظ: "إن النبي ﷺ توضأ بالنَّبيذ".
وأخرجه ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١٥٨): أخبرنا أبو الحسن بن سفيان ثنا منصور به.
وأخرجه الهيثم بن كليب في "مسنده" (٢/ ٢٤٨) (رقم: ٨٢٢): ثنا أبو بكر بن أبي خيثمة نا ابن الأصبهاني نا شريك به.
وأخرجه ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (رقم: ٩٤): ثنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا أبو الربيع الزهراني ومنصور بن أبي مزاحم قالا: ثنا شريك به.
وساق لفظ أبي الربيع وقال: "قال أبو الربيع في حديثه: عن زيد أو أبي زيد".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٧٨) (رقم: ٩٩٦٤) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (٣٣/ ٣٣٣) -: ثنا أحمد بن عمرو القَطِراني ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا شريك به، وفيه: "عن أبي زيد".
وقال ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٧٤٧): "وروي عن أبي عبد الله الشَّقَريّ عن شريك ولم يُقم إسناده". ثم أخرجه فقال: "ثناه علي بن سعيد بن بشير =стр. 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ثنا عمران بن موسى ثنا عبد الوارث بن سعيد ثنا أبو عبد الله الشقري عن شريك عن أبي فزارة قال: كان عبد الله بن مسعود، وساق ... نحوه".
وأسقط منه: "عن أبي زيد" وهذا الإسقاط هو الذي جعله يقول: "لم يُقم إسناده".
وقد أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠/ ٧٨ - ٧٩) (رقم: ٩٩٦٥): ثنا أحمد بن عمرو البزار ثنا عمران بن موسى به. وأثبتت "عن أبي زيد" وهذا خطأ، لا أدري منشأه! ويغلب على ظني أنها ساقطة في النسخة الخطيّة منه، وهي ليست تحت يدي، ثم تيسر لي تصوير نسخة أحمد الثالث منه، وفحصت هذا الموطن، فوجدته مثبتًا فيها (م ٥/ ق ٢١٣)، ثم أخرجه ابن عدي من طريق آخر عن عبد الوارث قال: "حدث أبو عبد الله الشقري ثني شريك عن أبي زائدة (كذا) عن ابن مسعود ... " نحوه.
وشريك، هو القاضي بواسط، ثم بالكوفة، صدوق يخطيء كثيرًا، تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابدًا، شديدًا على أهل البدع، رحمه الله تعالى.
أما الذي روى عنه الشقري فقيل: هو النخعي. وقيل: هو ابن أبي نمر، وإسناده ضعيف جداً، وفيه ثلاث علل:
* الأولى: جهالة أبي زيد، قال أبو زرعة: "حديث أبي فزارة ليس بصحيح أبو زيد مجهول، يعني: في الوضوء بالنَّبيذ". كذا في "العلل" (١/ ١٧)، و"الجرح والتعديل" (١/ ٢/ ٤٨٥) لابن أبي حاتم.
وقال أبو زرعة وأبو حاتم -كما في "العلل" أيضًا (١/ ٤٤ - ٤٥) (رقم: ٩٩) -: "هذا حديث ليس بقوي؛ لأنه لم يروه غير أبي فزارة عن أبي زيد .. وأبو زيد شيخ مجهول لا يعرف".
وقال البخاري: "أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود، رجل مجهول، لا يعرف بصحبة عبد الله".
وقال الترمذي: "أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث".
وقال ابن عدي: "أبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول، ولا يصح =стр. 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = هذا الحديث عن النبي ﷺ ، وهو بخلاف القرآن".
وقال ابن عبد البر: " ... أما أبو زيد مولى عمرو بن حريث فمجهول عندهم، لا يعرف بغير رواية أبي فزارة، وحديثه عن عبد الله بن مسعود في الوضوء بالنبيذ منكر لا أصل له، ولا رواه من يوثق به، ولا يثبت".
وقال ابن حبان: "أبو زيد يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، وليس يدرى من هو، لا يعرف أبوه ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت، ثَمَّ لم يرو إلا خبرًا واحدًا، خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنَّظر والرَّأي؛ يستحق مجانبته فيها، ولا يحتج به".
وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال" وكلام الجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ٣٣١).
* الثانية: إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن كما في "صحيح مسلم" وغيره، وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي (٢/ ٢٢٨ - ٢٣٣)، "الهداية في تخريج أحاديث البداية" (رقم: ٥٩) و"نصب الراية" (١/ ١٣٩ - ١٤١، ١٤٣ - ١٤٧).
* الثالثة: التردد في أبي فزارة، هل هو راشد بن كيسان، وهو ثقة، أخرج له مسلم. وقيل: هما رجلان، وأنَّ هذا ليس براشد بن كيسان، وإنَّما هو رجل مجهول. وقد نقل ابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٢٣٠ - مع التنقيح) و"الواهيات" (١/ ٣٥٧) عن الإمام أحمد أنَّه قال: "أبو فزارة -في حديث ابن مسعود- رجل مجهول". وذكر البخاري أبا فزارة العبسي غير مسمى، فجعلهما اثنين.
وفي كلٍّ هذا نظر، فإنه قد روى هذا عن أبي فزارة ستة -على اضطراب وقع بينهم فيه-، وبعض هؤلاء ثقات، انظر رواياتهم بتفصيل وتطويل في تحقيقي لـ "الخلافيات" (١/ ١٥٧ - ١٧٧)، والجهالة عند المحدثين تزول برواية اثنين فصاعدًا، فأين الجهالة بعد ذلك؟ نعم، إنْ كان المراد جهالة الحال، فصحيح كلامهم، ولعله المراد، وقد صرح ابن عدي -فيما سيأتي- أن أبا فزارة هو راشد بن كيسان، فإنْ صحَّ كلامه، فتزول هذه العلَّة.
وقد تعقب محمد بن عبد الهادي في "التنقيح" (١/ ٢٣٣) ما نقله ابن =стр. 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الجوزي من تجهيل أحمد لأبي فزارة، فقال عنه: "ليس بثابت عنه، والظاهر أن الراوي غلط، وأن قول أحمد إنَّما هو في أبي زيد"، ونقله ابن حجر عنه في "التهذيب" (٣/ ٢٢٧) وأقره، وقال ابن عبد الهادي: "وهو راشد بن كيسان بلا خلاف". وذكر من وثقه من الأئمَّة.
وكلى كل تبقى العلتان السابقتان، وإحداهما قمين أن يحكم بها بنبذ الحديث، وعدم ثبوته، فكيف بهما مجتمعتين؟!
وقد تتابعت كلمة الجهابذة النقاد من أهل هذه الصَّنعة على تضعيف الحديث على اختلاف أعصارهم وأمصارهم ومشاربهم ومذاهبهم، وعلى رأسهم الحذَّاق الكبار؛ وإليك ما وقفتُ عليه من ذلك:
* قال البيهقي في "المعرفة" (١/ ١٤٠ - ١٤١): "وأمَّا حديث ابن مسعود ... وساقه، ثم قال: فقد روي من أوجه كلها ضعيف، وأشهرها رواية أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وقد ضعَّفها أهل العلم بالحديث".
ثمَّ ساق مقولة البخاري التي أوردناها في أبي زيد في العلَّة الأولى، وأسندها في "الكبرى" (١/ ١٠) من طريق ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٧٤٦).
* وقال ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٥٦): "وضعف هذا الحديث غير واحد من أصحابنا، وقالوا: حديث ابن مسعود لا يثبت؛ لأن الذي رواه أبو زيد وهو مجهول لا يُعرف بصحبة عبد الله ولا بالسماع منه، ولا يجوز ترك ظاهر الكتاب، وأخبار النبي ﷺ لرواية رجل مجهول، مع أن علقمة قد أنكرَ أن يكون عبد الله كان مع النبي ﷺ ليلة الجن".
* وقد ضعَّفه البخاري وأحمد وأبو زُرعة وأبو حاتم وابن عدي والترمذي وابن عبد البر وابن حبان، وسقنا كلامهم في العلَّة الأولى فيه.
* وضعفه أبو عُبيد أبو القاسم بن سلام، فقال في كتاب "الطهور" (ص ٣١٥ - بتحقيقي): "وأمَّا الذي روي عن ابن مسعود في ليلة الجن، فإنَّا لا نثبته من أجل أنَّ الإسناد فيه ليس بمعروف، وقد وجدنا مع هذا أهل الخبرة والمعرفة بابن مسعود ينكرون أنْ يكون حضر في تلك الليلة مع النَّبي ﷺ ، منهم: ابنه أبو عبيدة بن عبد الله، وصاحبه علقمة بن قيس". =стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٩) : "أجمعوا على ضعفه".
* الحافظ ابن حجر، قال في "فتح الباري" (١/ ٣٥٤): "وهذا الحديث أطبق علماءُ السلف على تضعيفه".
ويعجبني بهذا الصدد ما نقله ابن عبد الهادي في "التنقيح" (١/ ٢٣٥) عن:
* هبة الله الطبري، قال: "أحاديث الوضوء بالنبيذ وضعت على أصحاب ابن مسعود عند ظهور العصبية". =стр. 354
قال أبو داود: وقال سُليمان بن داود، عن أبي زيد، أو زيد، [قال]: كذا قال شريك، ولم يذكر هنَّاد: ليلة الجن.
٨٥ - (صحيح) حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، عن داود، عن عامر، عن علقمة، قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجنّ؟ فقال: ما كان معه مِنَّا أحد (١) .
٨٦ - (صحيح) حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا بشرُ بن منصورٍ، عن ابن جريج، عن عطاء قال: إنّه كَرِهَ الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إنَّ التيمم أعجبُ إليَّ مِنه (٢) .
٨٧ - (صحيح) حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن [يعني ابن مهدي]، حدثنا أبو خَلْدة، قال: سألتُ أبا العالية عن رجلٍ أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ، أيغتسل بهِ؟ قال: لا (٣) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه"(٤٥٠) .(٢) علقه البخاري (١/ ٣٥٣)، ووصله عبد الرزاق(٦٩٥) ، والبيهقي من طريق المصنف في "السنن الكبرى" (١/ ١٢) وإسناده صحيح.(٣) علّقه البخاري (١/ ٣٥٣)، ووصله ابن أبي شيبة (١/ ٢٦)، وأبو عبيد في "الطهور" (٢٦٥ - بتحقيقي)، والدارقطني (١/ ٧٨)، والبيهقي (١/ ٩)، =стр. 355
فيه حديثان عن ابن مسعود، أحدهما:
حديث: "تمرة طيبة وماء طهور".
والثاني: قوله: "لم يكن مع النبي ﷺ ليلة الجن مِنّا أحدٌ". أما الثاني فصحيح، رواه مسلم، وأما الأول (١) فأجمع الحفاظ على أنه ضعيف، وينضمُّ إلى ضعفه من حيث الإسناد، كونه منابذًا للحديث الثاني الصحيح.
واختلف العلماء في النبيذ؛ فقال مالك والشافعي وأبو يوسف وأحمد والجمهور: لا يجوز الوضوء به بكل حال (٢) ، وعن أبي حنيفة أربع روايات: إحداهن: جواز الوضوء بنبيذ التمر المطبوخ إذا كان في السفر وعُدِم الماء. والثمانية: يجب الجمع بينه وبين التيمم، وبه قال محمد بن الحسن. والثالثة: يُستحبُّ الجمع بينهما. الرابعة: إنه رجع عن جواز الوضوء به، وقال: يتيمم، وهو الذي استقرَّ عليه مذهبه (٣) . وممن الحواشي
(١) في الأصل: "الأولى"، ولا يناسب السياق.(٢) انظر: "الأم" (١/ ٤)، "المجموع" (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، "مغني المحتاج" (١/ ١٧)، "الشرح الصغير" (١/ ٢٩)، "قوانين الأحكام الشرعية"(٤٩) ، "المغني" (١/ ٩)، "الإنصاف" (١/ ٢٢)، "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٤).
وأما مذهب أبي يوسف فهو كالجمهور كما قال المصنف، واختاره الطحاوي، وانظر المراجع الآتية.(٣) في "الأصل" (١/ ٧٥): "روى نوح الجامع عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا، وقال: يتيمم ولا يتوضأ به"، وانظر: "أحكام القرآن" (٤/ ٢٧)، "بدائع الصنائع" (١/ ١٦٥ - ١٦٨)، "شرح فتح القدير" (١/ ١٦٩)، "البناية" (١/ ٤٧١)، "البحر الرائق" (١/ ٢٣٣)، "تبيين الحقائق" (١/ ٦٩)، "مجمع الأنهر" (١/ ٢٧)، "تحفة الفقهاء" (١/ ١٢٥)، "فتح باب العناية" =следующие страницы →