ومما يناسب هنا، بيان ما انتشر في بعض الكتب العقدية، وغيرها من إيراد خطبة جبريل ﵇ في الملائكة لزواج فاطمة! !
عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: أصابت فاطمة صبيحة يوم العرس رِعْدة، فقال: لها رسول اللَّه ﷺ : «يا فاطمة، زوَّجتُكِ سيِّدَاً في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين، يا فاطمة، لما أراد اللَّه تعالى أن أُملِّكَكِ بعلي أمر اللَّه جبريلَ فقام في السماء الرابعة، فصفَّ الملائكة صفوفاً ثم خطب عليهم، فزوَّجْتُك من علي، ثم أمرَ اللَّه شجرَ الجِنان فحمَلَتْ الحُليَّ والحُلَلَ، ثم أمرها فنثَرَتْهُ على الملائكة، فمَنْ أخذ منهم يومئذ شيئاً أكثرَ مما أخذَ غيرُه؛ افتخرَ بِهِ إلى يوم القيامة».
قالت أم سلمة ﵂: لقد كانتْ فاطمةُ تفتخرُ على النساء؛ لأن أوَّلَ مَنْ خطبَ عليها جبريل ﵇.
حديث موضوع.
أخرجه: الآجري في «الشريعة» (٥/ ٢١٣٠) رقم (١٦١٦) ... ـ مختصراً ـ، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٥٩) ــ وهذا لفظه ـ، والحاكم في ... «فضائل فاطمة» (ص ١٤٧) رقم (٢٢٤) ـ مختصراً ـ، والخطيب في ... «تاريخ بغداد» (٥/ ٢١٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ... (٤٢/ ١٢٧)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٢٢١) رقم (٧٧٦) من
стр. 1052
طُرق عن خالد بن عمرو بن خالد السُّلَفي أبي الأخيل الحمصي، قال: حدثنا عبيداللَّه بن موسى، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁، به. وهذا لفظ أبي نعيم.
آفته: خالد بن عمرو بن خالد السُّلَفي (١) الحمصي.
كذَّبه جعفر الفريابي، ووهَّاه ابن عدي، وغيره. (٢)
قال أبو نعيم: (غريب من حديث الثوري، عن الأعمش.
وعبيداللَّه بن موسى، ومن فوقه أعلامٌ ثقات، والنظر في حال خالد بن عمرو السُّلَفي).
وقال الخطيب عقب الحديث: (والحديث على لفظ ابن مقسم غريب جداً، تفرَّد به أبو الأخيل بهذا الإسناد، وقد تابعه بعض الناس فرواه عن ... عبيداللَّه كذلك.
حدثني الأزهري، عن أبي الحسن الدارقطني، قال: عثمان وأحمد ابنا خالد بن عمرو السلفي من أهل حمص ثقتان، وأبوهما ضعيف).
قال ابن الجوزي عقب الحديث: (هذا حديث موضوع، والمتهم به خالد
стр. 1053
بن عمرو الحمصي، قال جعفر الفريابي: كان يكذب.
وقد رواه سفيان بن محمد الفزارى، عن عبيداللَّه بن موسى. قال ابن عدي: يسرق الأحاديث ويُسوِّى الأسانيد، وفي حديثه موضوعات. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به).
وقد ذكر الذهبي الحديث من بلايا وكذب خالد بن عمرو. (١)
ولخالدِ بن عَمرو السُّلَفي متابِعٌ
أخرج: ابنُ جميع الصيداوي (٢) في «معجم شيوخه» (ص ١٩٣)، ومن طريقه: [ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ١٢٧)] عن أبي سعيد أحمد بن سعيد بن عُتَيب (٣) الفارسي بصُور، قال: حدثنا محمد بن علي بن راشد (٤)، قال حدثنا عبيداللَّه بن موسى ... فذكره.
وهذا الحديث باطل، كما قال الذهبي في «المغني» في ترجمة: محمد بن علي بن راشد.
стр. 1054
وقد روي موقوفاً على ابن مسعود ﵁ بذكر النثار فقط:
أخرج ابن الأعرابي في «معجمه» (٢/ ٨٢٨) رقم (١٧٠٥) قال: حدثنا سليمان بن الربيع النهدي (١)، قال: حدثنا الحارث بن إدريس (٢)، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبداللَّه بن مسعود ﵁ قال: «لما تزوَّجَ علي فاطمة، تناثرت ثمار الجنة على الملائكة».
وأُخبرت أن سفيان حدث به بالشام
وهذا حديث موضوع، سليمان: متروك. والحارث بن إدريس. لم أجد له ترجمة.
وستأتي أحاديث فيها النِّثَار، في مبحث: «البناء بها».
стр. 1055
وكذلك ما يروى من خطبة علي في زواجه بفاطمة ﵄! !
أخرجها: أبو القاسم إسماعيل بن القاسم بن إسماعيل الحلبي الخياط ... (ت بعد ٣٧٠ هـ) في «حديثه» (مخطوط (ص ٥٣) في برنامج «جوامع الكلم»)، ومن طريقه: [ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ١٢٥)، ومن طريق ابنِ عساكر: الذهبيُّ في «العلو للعلي الغفار» (١/ ٣٤٣) رقم (٤١)، وفي «العرش» له (٢/ ١١٠) رقم (٩٤)] قال: حدثنا أبو الحسن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد العسقلاني، قال: حدثنا جعفر بن هارون الفراء قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما خطبَ عليٌّ فاطمةَ ﵄ من ... رسولِ اللَّه ﷺ دخل عليها , فقال لها: «أي بنية، إن ابن عمك علياً قد خطبك , فماذا تقولين»؟ فبكت , وقالت: كأنك يا أبتِ ذخرتني لفقير قريش , فقال: «والذي بعثني بالحق، ما تكلمت في هذا حتى أذِنَ اللَّهُ لي فيه من السماء».
فقالت فاطمة: رضيت بما رضي اللَّهُ لي ورسولُه , فخرج من عندها واجتمع المسلمون إليه، ثم قال: «يا علي اخطبْ لنفسك».
стр. 1056
فقال عليٌّ: الحمدُ لله الذي لا يموت , وهذا محمدٌ رسولُ اللَّه ﷺ زوَّجَني فاطمةَ ابنتَه على صداق، مبلَغُه أربعمئة درهم, فاسمعوا ما يقول واشهدوا , قالوا: ما تقولُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: «أشهدكم أني قد زوَّجْتُه».
ــ ليس عند الذهبي الجزء الأخير من الحديث في خطبة علي ﵁.
وهذا حديث موضوع.
ــ يعقوب بن إسحاق العسقلاني. كذاب. (١)
ــ جعفر بن هارون الفراء. قال الذهبي: (جعفر بن هارون، عن محمد بن كثير الصنعاني، جاء بخبر موضوع). (٢)
وقال الذهبي أيضاً ـ بعد تخريجه ـ: (هذا حديث منكر، لعلَّ محمد بن كثير افتراه، فإنه متَّهم، فإن الأوزاعي ما نطق به قط، ولم أرو هذا ونحوه إلا للتزييف والكشف، والفراء ليس بثقة). (٣)
قلت: محمد بن كثير هو ابن أبي عطاء الثقفي المصيصي الصنعاني، صدوق كثير الخطأ. (٤) =
стр. 1057
والعلَّة ممن دونه.
قال ابن كثير: (رواه ابن عساكر، وهو حديث منكر). (١)
وقد جاء من طريق أخرى بلفظ مختلف:
روى الأديب أبو هلال العسكري في «الأوائل» ـ تحقيق القصاب والمصري ـ (ص ١٧٥) عن أبي أحمد، عن أبي الحسين النسابة، عن سعيد بن العباس، عن الزبير بن بكار، عن عمه، قال: سمعت أبا سعيد الأصمعي يقول: لما أملك عليٌّ بفاطمة ﵉ قال النبي ﷺ : ... «اخطب».
فقال: الحمدُ للَّهِ شكراً لأنْعُمِه وأياديه، وأشهدُ أنَّ لا إلهَ إلا اللَّه شهادةً تَبلُغُهُ وتُرضِيه، وصلَّى اللَّهُ على محمدٍ صلاةً تُزْلِفُه وتُحْظِيه، والنكاحُ مما أمرَ اللَّه به ورَضِيَهُ، واجتماعُنَا مما قدَّرَهُ اللَّهُ تعالى وأَذِنَ فيه؛ وإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ زوَّجَنِي ابنتَهُ فاطمةَ بِصَدَاقِ اثنتي عشْرَةَ أُوْقِيَّةً، فاسألوه واشهدوا).
رجالُه من أهل الأدب والنسَب، وليسوا من أهل الحديث، وفيه من لم يُعرف، وهو منقطع. فالأصمعي (ت ٢١٦ هـ).
стр. 1058
وقد أوردها ــ للأسف ــ محتجاً بها بعضُ أهل الفقه، والسير. (١)
ومن الأحاديث الباطلة:
حديث طويل في جزء مفرد
نشر د. صلاح الدين المنجد جزءاً مخطوطاً بعنوان: «تزويج فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ » (٢) للإمام الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ت ١١٣ هـ).
وهذا الجزء فيه حديث واحد فقط يرويه:
أبو عبداللَّه محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن إبراهيم الكاتب (٣) ... ـ إجازة ـ، قال: أخبرنا الشيخ الثقة أبو القاسم يحيى بن أسعد بن بوش
стр. 1059
التاجر (١)
ـ إذناً ـ، قال: أخبرنا الشيخ أبو سهل محمد بن إبراهيم بن محمد بن سعدويه الأصبهاني (٢) ـ قراءةً عليه ببغداد، في صفر سنة ثلاث وعشرين وخمسمئة ــ قال: أخبرنا الشيخ أبو عبدالرحمن بن أحمد بن الحسن بن بندار الرازي المقري بأصبهان (٣)، قال: حدثنا أبو القاسم جعفر بن عبداللَّه بن يعقوب بن فناكي الرازي بالري (٤) ـ قراءة عليه في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمئة ـ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن هارون الروياني (٥) إملاء، قال: حدثنا يحيى بن محمد البصري (٦)، قال: حدثنا عبدالرحمن بن حماد بن شعيث
стр. 1060
الشعيثي البصري (١)، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن البصري (٢)، عن محمد بن علي (٣)،
عن أبيه (٤) قال: لما أدركت فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ خطبها رجال من قريش، وكلما خطبها رجل أعرض عنه رسول اللَّه ﷺ بوجهه، فلقي بعضهم بعضاً، وشكى بعضهم ما صنع بهم رسول اللَّه ﷺ .
وكان رجلٌ ممن خطبَها بينه وبين عليٍّ خاصيَّةٌ، فقال ذاك الرجل: أنا أكفيكم هذا الأمر، فأنطلقُ إلى عليٍّ فأهيجه على أن يخطبها، فإن هو زوَّجه فعليه كان يحبسها، وإن هو رده فالأمر فيهما واحد، ينتظر فيها أمر اللَّه .... ثم ذكر حديثاً طويلاً فيه الخطبة، والمهر، والجهاز، والبناء، وطلب الخادم ...
ومنه: أنه لما اقتُرح على علي خطبة فاطمة، قال: واللَّه لقد هيجتني على أمر إن كنتُ عنه لفي غطاء.
وفيه: أنه انطلق إلى النبي ﷺ للخطبة وهو في بيت أم سلمة ..
стр. 1061
وذكر الدرع وبيعه، وأن النبي ﷺ قبض قبضة من المال الذي أخذه من علي، وأعطاه بلال ليشتري به طيباً لفاطمة، وأعطى الباقي أم سلمة لتجهيز فاطمة، وكان مقدار الباقي: مئتي درهم.
ثم ذكر تجهير أم سلمة، والبناء بفاطمة، وصب الماء عليها وعلى زوجها، وأن النبي ﷺ زارهما في اليوم الرابع بعد صلاة الفجر، وكانت غداة باردة، وأنه جلس بينهما، وأدخل قدميه وساقيه بينهما، فأخذ كل منهما ساق النبي ﷺ وقدمه ليضعه على الصدر والبطن ويدفئها! ! وطلبت فاطمة في هذا اليوم الرابع من الزواج خادماً، فقالت: إني كنت في عيالك، وكنت مكفية، وقد أفردت بنفسي، وقد شق عليَّ العمل، فأخدمني يارسول اللَّه!
فأرشدها إلى خير من خادم، إلى الذكر عند النوم، ووعدها إذا غزا وأصاب مغنماً أن يخدمها! !
ولبث ستة أشهر، فغزا ساحل البحر، وأصاب سبياً، فأعطى فاطمة بنتاً شابة منها، وأرشدها إلى عدم ضربها، وقال: إن جبرائيل قد نهاني أن أضرب المصلِّين.
وقالت فاطمة: يارسول اللَّه، عليَّ يوم، وعليها يوم ـ أي الخدمة ـ ففاضت عينا رسول اللَّه ﷺ بالبكاء، فقال: «اللَّه أعلم حيث
стр. 1062
يجعل رسالته، ذرية بعضها من بعض، واللَّه سميع عليم».
وهذا حديث موضوع باطل، قبَّح اللَّه واضعه، ولا شك عندي أن الإسناد مركب، وفيه علل:
نكارة متنه: في وضع ساقي النبي ﷺ على صدر فاطمة وعلي أول زواجهما لتدفئتهما! !
وكذلك: ورد مراراً ذكر أم سلمة قبل الخطبة وبعدها وأثناء التجهيز، ولم يكن النبي ﷺ متزوجاً أم سلمة ﵂ ذلك الوقت، فقد تزوجها النبي ﷺ بعد وفاة أبي سلمة ﵁ في جمادى الآخرة ... (سنة ٤ هـ)، وقيل: (٣ هـ)، كما في «الإصابة» لابن حجر (٨/ ٤٠٤)، وهو بعد زواج علي ﵁.
وأيضاً كيف يتقدم أحدٌ للنبي ﷺ ـ أحسنَ الناس خُلُقاً ـ لخطبة ابنته، فيُعرِض عنه بوجهه ولا يرد عليه، حتى شكى بعضهم لبعض! ! في هذا إساءة للنبي ﷺ .
وكيف تشكو فاطمة الخدمة، وتطلب خادماً في اليوم الرابع من زواجها؟ !
ثم صرَفها للذِّكْرِ، ووعدَها بخادم، والحديثُ في الصحيحين لم يعدها بشئ.
стр. 1063
ثم يعطيها خادمة من السبي مباشرة ـ والسبي غير مسلمين ـ ويقول: إني نُهيت عن ضرب المصلين، فهل أسلمت مباشرة؟ !
ثم في آخر الحديث عبارة ركيكة، لا معنى لها ولا مناسبة، قوله: فاضت عيناه! وقال: اللَّهُ أعلم حيث يجعل رسالته، ذرية بعضها من بعض! !
ثم في الإسناد من لم يوثَّق، وفيه من لم أهتد لمعرفتهم، وفيه انقطاع بين أبي سهل ابن سعدويه وأبي الفضل ابن بندار، ويظهر أن فيه انقطاعاً آخر بين ابن بندار والفناكي. وهو أيضاً مرسل علي بن الحسين لم يدرك جده.
فالحديث موضوع.
стр. 1064
وفي مسألة خطبة فاطمة ونكاحها
قال ابن حبان ﵀: (وقد روي في تزويجها أخبارٌ فيها طُول، تؤدِّي إلى مَسلكِ القُصَّاص؛ فتنكَّبْتُ عن ذكرها، لعلمي بعدم صحتها من جهة النقل). (١)
وقال ابن كثير ﵀: (وقد ورد في هذا الفصل أحاديثُ كثيرةٌ منكرةٌ ومَوضُوعَةٌ، أضرَبنا عنها؛ لئلا يطول الكتاب بها، وقد أورد منها الحافظ ابنُ عساكر طرفاً جيداً في «تاريخه» مع ضعفها، ووضْعِها). (٢)
وقال في موضع آخر: (وقد وردت أحاديث موضوعة في تزويج علي بفاطمة، لم نذكرها؛ رغبة عنها). (٣)
ولما أورد ابن ناصر الدين الدمشقي ﵀ في الأحاديث الواردة في تزويج فاطمة ﵂، قال: (وقد رُويت قصة عرس فاطمة ﵍ من طُرُق أُخَر، ومن رواية كذابين ورافضة (٤)،
стр. 1065
أضربنا عنها، ولله الحمد.
وكذلك أَضْرَبْنَا عن حديثِ الخِطبة عند التزويج التي أولها: الحمد لله المحمود بنعمته.
وكذلك الخطبة المنسوبة إلى جبريل في ذلك أيضاً، وما قيل إنه جرى في زفافها؛ لكونه موضوعاً لا يحل ذِكرُه إلا للبيان، واللَّه أعلم). (١)
شبهة وجوابها:
عرض المستشرق الكذاب: هنري لامَّنس (ت ١٣٥٦ هـ) (١) في كتابه ... «فاطمة وبنات محمد» ﷺ للسيدة الشريفة البضعة النبوية الكريمة: فاطمة ﵂، أشبهِ الناس بأبيها هدياً وسمتاً ودَلَّاً ومِشيةً (٢) فوصفها بأبشع الأوصاف، وأكذبها، ذهب «يبحث فيها عن العيوب حيث لا عيوب، فإذا العيب هو الإسفاف، وكم في الإسفاف من عيوب بل من ذنوب .... ومن إسفافه وتفاهته أنه حاول جهده إثبات أن فاطمة لم تتزوج قبل الثامنة عشرة؛ لأنها كانت محرومة من الجمال» (٣)، وقد أخَّر المؤرِّخون سنة ولادتها ستراً لسبب تأخر زواجها حتى لا يقال بأنها لم تتزوج إلا متأخراً
وسبب ذلك ـ في نظره القاصر ـ أنها امرأة غير جذَّابة! فاقدة للجمال، والذكاء، والمرح، مهملة تماماً، لا يُحِبُّهَا والدُها، ولا يعتني بها، ولا يقدِّرُها زوجها، لذا زهد الناس في خطبتها، وتأخرت في الزواج، وأن والدها
стр. 1068
النبيَّ ﷺ حين أخبرها بخطبة عليِّ، بَكَتْ، لأنها فقيرة، عديمة الجمال، وتعجَّبَتْ من تقدُّمِ عَليٍّ لخطبتها .... إلى آخر الهراء! !
عرض هذه الشبهة وردَّ عليها: الأستاذ الأديب: عباس العقاد، والأديبة د. عائشة بنت عبدالرحمن، المعروفة بِـ «بنت الشاطئ»، وبعض المستشرقين (١) ممن رد تعصبات وأكاذيب لامنس ـ إلا أنَّ المستشرقين وافقوه بأنها ليست جميلة! ! ـ. (٢)
стр. 1069
وخلاصة الرد عليه من وجوه:
١. أن تأخرها عن الزواج يسير، حيث خُطِبت في السنة الأولى من الهجرة، وعمرها ثمان أو تسع عشرة سنة تقريباً. وبنَى بها عليٌّ بعد بدر وعمرها عشرون أو دون العشرين بقليل، هذا بناء على الراجح أنها ولدت قبل الهجرة بخمس سنين، (١) وعلى القول الثاني: قبل الهجرة بسنتين، فيكون عمرها ـ عند البناء بها ـ ثمان عشرة سنة تقريباً.
٢. للتأخر اليسير سبب قاهر، وهو أن: الكرب والبلاء استحكم على النبي ﷺ والقلة المؤمنة في مكة ـ وكثير من المؤمنين هاجر إلى الحبشة ـ، وقد حصل الحصار الجائر على بني هاشم في الشِّعب، بدءاً من ... (محرَّم ٧ من النبوة) أي: قبل الهجرة بست سنين، واستمر ثلاث سنوات،
стр. 1070
وكان عمر فاطمة ــ بعد انتهاء الحصار ـ خمس عشرة سنة.
وبعد سنةٍ من انتهاء الحصار ـ قبل الهجرة بسنتين، وعمرها ١٦ سنة ـ، توفيِّتْ أمُّها خديجة ﵂، وعمُّها أبو طالب، وهو ما عُرِفَ بعامِ الحزن.
ولازال المسلمون مضطهدون، والبلاء مستحكم، والهجرة إلى المدينة قريبة.
وذكرت د. عائشة بنت الشاطئ: أن حياة فاطمة حياة شاقة كادحة، لابد أن تُؤثِّر على صِحَّتِها ــ وهي التي شدتها الأحداث من ملاعب الطفولة إلى صميم المعركة ــ ثم أحزنها موت أمها أشد الحزن، وزادها وحشة وشجناً، وكان إلى جانب ذلك كله مشغولة البال بأبيها النبي ﷺ ، تفكر فيه على البعد والقرب ... وليست هذه الظروف مجتمعة (١) مما يعين على بهجة وانشراح. (٢)
٣. في هذه الفترة لا يمكن لأحد من المشركين أن يتقدم لخطبة مؤمنة، لتحريم اللَّه الزواج بين المؤمنين والمشركين.
وبقية المؤمنين هاجروا للحبشة ـ ومنهم: رقية ابنة النبي ﷺ
стр. 1071
مع زوجها عثمان بن عفان ﵁: وكذا هاجر عدد من أقاربه؛ وكان البلاء في مكة شديداً، والوضع غير مستقر، ، والحزن جاثم على فراق الأمِّ والعَمِّ النصير، وغيرهما ...
قال العقَّاد عن المسلمين في الفترة المكية: (فمن كان متزوجاً قبل اشتداد العنت على المسلمين فلا حيلة له في الزواج، ومن لم يكن فليس أخلق به من إرجاء الزواج إلى حين). (١)
٤. لذا، حصلت الخِطبة أول سَنَةٍ استقر بها النبي ﷺ في مهاجَرِهِ: طيبة الطيبة، المدينة النبوية، وبنى بها عليٌّ بعد غزوة بدر (٢ هـ).
٥. لايشك المسلمون أن نبينا ﷺ من أجمل الناس خِلقةً وخُلقاً وهَدياً وسمتاً، وأولادُه بضعةٌ منه.
قال عباس العقاد ﵀: «المشهور أنها وُلِدت لأبوين جميلين، وأن أخواتها تزوجن من ذوي غنى وجاه كأبي العاص بن الربيع، وعثمان بن عفان، وليس من المألوف أن يكون الأبوان والأخوات موصوفين بالجمال وأنْ تُحرَمْه إحدى البنات، والمشهور المتواتر أن السيدة فاطمة بلغت سن الزواج والدعوة المحمدية في إبَّانها، والمسلمون بين مهاجر أو مقيم غير آمن، والحال قد تبدَّلَتْ بعد الدعوة المحمدية، فأصبحت خطبة المسلمات مقصورة على المسلمين،
стр. 1072
وهؤلاء المسلمين قِلَّةً، منهم المتزوج، ومنهم من لا طاقة له بالزواج ... ... وذكر أنه كان ﷺ ينتظر بها أن تهدأ الحال، ويستعدَّ ابنُ عمِّه للزواج، ويستقرَّ على حال بينه وبين آله الذين لا يزالون على دين الجاهلية، فلاهم في ذلك الوقت ذووه، ولاهُمْ بُعداءُ عنه ... إلخ». (١)
٦. كلُّ الصحابة ـ بل كل المسلمين ـ يتمنون القرب من النبي ﷺ مصاهرة، ولمعرفتهم بعقل ودين وخلق أولاده ﷺ ، لذا تقدم أبو بكر وعمر لخطبة فاطمة ﵃، فليس صحيحاً ما ادَّعاه أنه لا يرغب أحدٌ بخطبة فاطمة.
٧. ومسألة بكائها عند عِلمها بالخطبة، لا يصح فيه حديث، ولو صحَّ فيحمل البكاء على ما قاله العقاد: (وليس في ذلك من غرابة؛ لأننا لا نتخيل فتاة في مثل موقفها لا يبكيها ما تثيره في نفسها ذكرى أمها، ووداع بيت أبيها، وقد فارقتها مع أمها وهي صبية (٢)
تدرك ما فقدته من عطفها وبرها وإلطافها
стр. 1073
لها في رخائها وعسرها.
ثم يكون يوم الفِصَال في غربة من البيت الذي لزمتها فيه، ومن البلد الذي يحتويه، فإن جَهِدْنَا أنْ نتخيَّل فتاة لا تبكي حين تحوم بنفسها تلك الذكريات وتقترب من اليوم الفاصل بين معيشتها في كنف أبيها ﷺ ومعيشتها في غير كنفه؛ فموضوع الغرابة أن تخيلها ... ـ بعد الجهد ـ غير باكية ولا آسية، ولا سيما من كانت مثل الزهراء مجبولة على مزاج حزين، وأسى دفين على أمها العزيزة لم يفارقها مدى السنين ... ). (١)
٨. وأما عدم حب والدها ﷺ لها، وعدم تقدير زوجها، فهذا كذب صريح، استحى من هذا الإفك وأمثاله: إخوانُه المستشرقون، فبيَّنوا أنه لا يُوثَق بكلامه، ولا نَقْلِهِ ـ كما سبق في ترجمة في التمهيد ـ.
٩. وأما تأخير المؤرِّخِين سنة ولادتها، فهذا غير صحيح إلا على رأي الرافضة، فإنهم ادعوا بأنها وُلِدَت بعد البعثة النبوية بخمس سنين، وهاجرت وعمرها ثمان سنوات، وبَنَى بها عليٌّ في ذي الحجة سنة ٢ هـ وعمرها عشر سنوات (٢) وقيل: بنى بها بعد الخطبة بشهر أي في السنة ١ هـ، وهذا كله غير
стр. 1074
صحيح البتة.
وسبق بيان الأقوال في ولادتها عند أهل السُّنَّةِ، وكان آخر تقدير مَن قال: وُلِدَتْ قبل البعثة بسنتين أو ثلاث، وبناء عليه عمرها سبع عشر سنة تقريباً.
هذا، وقد ذكرت د. عائشة بنت الشاطئ من أسباب التأخر بالزواج: ... «أنه لا يتزوج المسلمة إلا مسلمٌ، والمسلمون يرون أنهم غير أكفاء لبنت النبي ﷺ بخلاف عثمان في زواجه فقد كان ذا شرَفٍ وثَراءٍ وجَاهٍ.
ويكفيها جمالاً وبهاءً وهدياً أنها أشبهُ الناسِ بأبيها ﷺ ». (١)
وذكَرَتْ من الأسباب: إنشغال والدها بالدعوة إلى الإسلام، ولأنها لا تريد فراق أبويها، وقد بلغت الثامنة عشرة وهي كارهة الزواج، لأنها لا تريد فراق الأبوين، وتعلم حاجة والدها إليها بعد وفاة أمها خديجة، لرعايته! ! (٢)
قلت: لا دليلَ على ذلك، ولا نقلَ يدلُّ عليه، وقد تزوج النبي ﷺ ـ بعد موت خديجة وقبل زواج فاطمة ـ تزوَّجَ: سودة، وعائشةَ ﵅.
стр. 1075
فوائد:
١. ذكر إحسان إلهي ظهير مسألة مساعدة أبي بكر الصديق علياً في تزويجه من فاطمة ﵃
ونقل في ذلك بعض الأحاديث الموضوعة السابقة، ونقل أيضاً من كُتُب الشيعة. (١)
٢. قال ابن الجوزي: (لما تبختر جمال فاطمة في جلباب كمالها , حين شروع الشرع في وصف جلالها , أنهض الصديق خاطباً لها في خطابه، فسكت الرسول عن جوابه , فنهض عمر نهوض الليث في غابه، فلم يجبه، فاشتد الجوى به , فلما نقل علي أقدامه لخطبتها؛ وجد الوحي قد سبقه قُدَّامه: ... «إن اللَّهَ أمرني أن أزوج فاطمة من علي».
فتزوجها في صفر، وبنى بها في ذي الحجة , فولدت له الحسن في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة , وولدت الحسين لثلاث خلون من شعبان سنة أربع). (٢)
стр. 1076
٣. ذكر ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (٨/ ٢٤٤) كلاماً حسناً في دفع استدلال من يستدل من الرافضة بتفضيل عليِّ بن أبي طالب عَلَى أبي بكر وعمر وعثمان؛ لأنه زوَّجَه فاطمة ﵃. فليُراجع.
стр. 1077
المبحث الثاني:
مهرها ﵂ -.
٣٧. [١] قال الإمام أحمد ﵀ أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجُلٍ، سَمِعَ عليَّاً، يقولُ: أردتُ أنْ أخطُبَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ابنتَه، فقلتُ: ما لي مِن شيءٍ، فكيف؟ ! ثم ذكرتُ صِلَتَهُ وعَائدَتَهُ، فخطبتُهَا إليه، فقال: «هل لكَ مِن شَيءٍ»؟ قلتُ: لا. قال: «فأينَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةِ التي أعطيتُكَ يومَ كذا وكذا»؟ قال: هي عندي. قال: «فأعطِنِيْهَا». قال: فأعطيتُها إياه.
[«المسند» للإمام أحمد (٢/ ٤١) رقم (٦٠٣)]
دراسة الإسناد:
ــ سفيان بن عيينة بن أبي عمران، واسمه ميمون، الهلالي، أبو محمد الكوفي.
إِمَامٌ، حُجَّةٌ. (١)
ــ عبداللَّه بن أبي نَجِيح، واسمه: يسار، الثقفي، مولاهم، أبو اليسار المكي.
ثِقَةٌ.
стр. 1078
وثَّقَه: ابن سعد، وزاد: كثيرالحديث، ابن معين، وابن المديني، وأحمد، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، وأبو زرعة الرازي، والنسائي، وذكره ابن حبان في «الثقات».
قال أبو حاتم: صالح الحديث.
وقد ذُكر فيه أمران:
الأول: البدعة.
قال يحيى القطان: كان معتزلياً، وقال مرة: من رؤوس الدعاة. وقال ابن المديني: أما الحديث فهو فيه ثقة، وأما الرأي فكان قدرياً معتزلياً، وقال أحمد بن حنبل: أفسدوه بأخرة، وكان جالس عمرو بن عُبيد. وقال البخاري: كان يتهم بالقدر والاعتزال. وقال أبو حاتم: يقال في ابن أبي نجيح القدر، وهو صالح الحديث.
قلتُ: ومع هذا فلم يؤثر وصفه بالبدعة في مروياته، فوثقه الأئمة واحتجوا به، فغالب من وصفه بالبدعة، وثَّقَهُ، ومنهم من جمع بين التوثيق والوصف بالبدعة في عبارة واحده كابن المديني.
وقد احتج به الشيخان في «صحيحيهما» مع وصف البخاري له بالبدعة ـ كما سبق ـ.
قال الذهبي في «السير»: (قد قفز القنطرة، واحتج به أرباب الصحاح، ولعله رجع عن البدعة، ولقد رأى القدَرَ جماعةٌ من الثقات، وأخطأوا،
стр. 1079
نسأل اللَّه العفو).
الثاني: التدليس.
قال ابن حجر في «تعريف أهل التقديس»: (أكثر عن مجاهد، وكان يدلس عنه، وصفه بذلك النسائي)، وأورده في المرتبة الثالثة وهم: الذين أكثروا من التدليس، فلم يحتج الأئمة من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع.
قلت: أما ما ذُكِر من تدليسه، فهو خاص في روايته التفسير فقط عن مجاهد في قول الأكثر، وبيان ذلك:
قال يحيى القطان: (لم يسمع ابن أبي نجيح من مجاهد التفسير، كله يدور على القاسم بن أبي بزة) (١)، وقال ابن عيينة: (تفسير مجاهد لم يسمعه إنسان إلا القاسم بن أبي بزَّة).
وقال ابن حبان: (ما سمع التفسير من مجاهد أحدٌ غير القاسم بن أبي بزة، نظر الحكم بن عتيبة، وليث بن أبي سُليم، وأبي نجيح، وابن جُريج، وابن عيينة في كتاب القاسم ونسخوه، ثم دلسوه عن مجاهد).
وكذا أنكر ابن المديني سماع ابن أبي نجيح التفسير عن مجاهد.
وقد صحَّحَ الثوريُّ حديثَه كما في «الجرح والتعديل»، وألمح إلى
стр. 1080
تصحيحه ابن معين لما سئل عن تفسير ورقاء أحب إليك أم تفسير شيبان عن قتادة؟ قال: تفسير ورقاء؛ لأنه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، ومجاهد أحب إليّ من قتادة.
وقد احتج البخاري في «صحيحه» بحديث ابن أبي نجيح، عن مجاهد، يُنظر: الحديث رقم (٤٥٣١)، و (٤٢٧٩)، و (٤٤٧٤).
وجاء في «العلل للإمام أحمد» رواية عبداللَّه (١/ ٢١٨) رقم ... (٢٤٩)، و «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (٣/ ١٤٢) رقم (٥٩٩)، ... و «سنن الدارمي» (١/ ٤٣٩) رقم (٥١٩) من طريق فُضيل بن عياض، عن عُبيد المكتب، قال: رأيتهم يكتبون التفسير عند مجاهد.
فهذا نص يفيد برواية أصحاب مجاهد عنه التفسير، وهو يخالف ما ذكره القطان، وابن عيينة من أنه لم يسمع التفسير إلا القاسم.
خاصةً وأنَّ ابن معين لما سُئل عن قول ابن عيينة بأن ابن أبي نجيح لم يسمعه من مجاهد؟ قال: (هكذا قال سفيان).
وفي «سؤالات ابن الجنيد لابن معين» لما سئل عن قول القطان قال: ... (كذا قال ابن عيينة، ولا أدري أحق ذلك أم باطل؟ ! زعم سفيان بن عيينة أن مجاهداً كتبه للقاسم بن أبي بزة، ولم يسمعه من مجاهدٍ أحدٌ غير القاسم.
ثم قال ابن معين: ولا ندري ما هذا؟ ).
стр. 1081
وقال قال الإمام أحمد كما في «مسائل صالح للإمام أحمد» رقم ... (١٢١٥): (ليس أحدٌ أروى عن مجاهد من منصور، إلا ابن أبي نجيح).
فيحتمل أن مجاهداً أملى التفسير على طلابه، ولم يتلقه كاملاً إلا القاسم، والبقية رووا بعضه، وهذا القولُ يجمع قولَ مَنْ نفى، وقولَ مَن رجَّح روايتَه كما في تصحيح الثوري تفسير ابن أبي نجيح، وقول ابن معين، وتوقُّفِه مِنْ رأي القطان وابن عيينة، واحتجاج البخاري في «صحيحه» بروايته التفسير عن مجاهد.
قال الذهبي في «السير»: وعن بعضهم قال: لم يسمع ابن أبي نجيح كلَّ التفسير من مجاهد. قال الذهبي: هو من أخص الناس بمجاهد.
وقال: قال علي أما التفسير فهو فيه ثقة يعلمه. قد قفز القنطرة واحتج به أرباب الصحاح.
وفي «الميزان» نقلَ عبارة القطان وهي: (لم يسمع التفسير كلَّه من مجاهد، بل كلُّه عن القاسم بن أبي بزة) ومثله في «المغني».
وعلى فرض تدليسه في بعض رواياته، فالواسطة القاسم بن أبي بزة، وهو ثقة ـ كما سبق ـ.
وقد يُقال: بأن روايته فيما لم يسمعه من مجاهد وجادةً.
стр. 1082
فالذي يترجَّحُ: تقييد وصفِه بالتدليس ـ عند مَنْ يراه ـ بروايته التفسير عن مجاهد.
هذا أولاً، ثم إنه يكون من المرتبة الثانية ممن احتُمل تدليسه، لأنه لم يدلس إلا عن ثقة.
والمرجَّح فيما مضى قبوله مطلقاً، وعدم التوقف في حديثه عن مجاهد، في التفسير، وغيره.
لذا، وضعُ ابن حجر له في «المرتبة الثالثة» وهم: مَنْ أكثر من التدليس، فلم يحتج الأئمة من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من ردَّ حديثَهم مطلقاً، ومنهم مَنْ قبلهم.
وضْعُهُ في هذه المرتبة فيه نَظَر ـ واللَّهُ أعلم ـ.
قال الذهبي في «الميزان»: صاحب التفسير، أخذَ عن مجاهد، وعطاء، وهو من الأئمة الثقات.
وفي «السير»: الإمام، الثقة، المفسِّر ... وقد قفز القنطرةَ، واحتَجَّ به أربابُ الصحاح.
وقال في «المغني»: ثقة، وذُكِرَ أنه رُمِيَ بالقَدَرِ.
وقال في «التقريب»: (ثقة، رُمي بالقَدَرِ، وربما دلَّس).
стр. 1083
والصواب أنه ثقة مطلقاً، ولم يؤثِّر وصفُه بالبدعة على مروياته ... والاحتجاج به، وأما وصفُه بالتدليس فقد سبَق ترجيح قبولِ روايتِه ولَو لم يُصرِّح بالسماع.
(ت ١٣١ هـ)، وقيل: (١٣٢ هـ). (١)
ــ يسار، أبو نجيح الثقفي مولاهم، المكي.
ثِقَة.
وثَّقَهُ: ابن سعد، ووكيع، والإمام أحمد، وابن معين، والعجلي، ... وأبو زرعة، وغيرهم.
стр. 1084
وذكره ابن حبان في «الثقات».
قال الذهبي، وابن حجر: ثقة.
(ت ١٠٩ هـ). (١)
تخريج الحديث:
ــ أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» ــ كما سبق ـ
ــ الحميدي في «مسنده» (١/ ١٧١) رقم (٣٨).
ــ وسعيد بن منصور في «سننه» (١/ ١٩٦) رقم (٦٠٠).
ــ ومسدد في «مسنده» ـ كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري ... (٤/ ١٢٠) ــ ومن طريق مسدد: [البيهقي في «السنن الكبرى» ... (٧/ ٢٣٤)].
ــ وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٢٠).
ــ وابن معين في «الجزء الثاني من حديثه» رواية أبي بكر المروذي ... (ص ١٥٢) رقم (٧٠).
ــ وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٥/ ٣٦٠) رقم (٢٩٥١)،
стр. 1085
ومن طريقه: [ابن الأثير في «أسد الغابة» (٦/ ٢٢٤)] من طريق أبي صالح عبداللَّه بن صالح، كاتب الليث.
ــ والبلاذري في «أنساب الأشراف» (١/ ٤٠٣) عن علي بن المديني.
ــ والنسائي في «السنن الكبرى» (٧/ ٤٦١) رقم (٨٤٧٨) من طريق ابن أبي عمر.
ــ وعبداللَّه بن أحمد في زوائده على «فضائل الصحابة للإمام أحمد» ... (٢/ ٧٨٣) رقم (١٠٧٦)، ومن طريقه: [ابن الجوزي في «التحقيق» ... = «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٣٣٩) رقم (٢٧٢٩)]، وأبو علي الصواف في زياداته على «مسند الحميدي» (١/ ١٧١) عقب الحديث رقم ... (٣٨) من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي.
ــ والكلاباذي في «بحر الفوائد» (ص ٢٨٨) من طريق يحيى الحماني.
ــ وابن شاهين في «فضائل فاطمة» (ص ٤٠) رقم (٣٠)، ومن طريقه: [ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ١٢٤)] من طريق نصر بن علي.
ــ وابن شاهين ـ أيضاً ـ في «فضائل فاطمة» (ص ٤٠) رقم (٣١) من طريق شجاع بن مخلد.
ــ والخطابي في «غريب الحديث» (١/ ٢٩١) من طريق عبدالجبار بن العلاء العطار.
стр. 1086
ــ وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ١٢٤) من طريق الحارث بن مسكين.
خمسة عشر راوياً: (أحمد، والحميدي، وسعيد بن منصور، ومسدد، وابن سعد، وابن معين، وعبداللَّه بن صالح، وابن المديني، وابن أبي عمر، وإبراهيم بن بشار، ويحيى الحماني، ونصر بن علي، وشجاع بن مخلد، وعبدالجبار بن العلاء، والحارث بن مسكين) عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجُلٍ، عن عليٍّ ﵁.
في حديث سبعة منهم: (الحميدي، وسعيد، ومسدد، وابن معين، وإبراهيم بن بشار، ونصر بن علي، والحارث بن مسكين)، زيادة في آخره، وهي: (فزوَّجَنِيها، فلما أدخلها عليَّ قال: «لا تُحدِثا شيئاً حتى آتيكما». فجاءنا وعلينا كساء أو قطيفة، فلما رأيناه تخشخشنا (١) فقال: «مكانكما»، فدعا بإناءٍ فيه ماء، فدَعَا فيهِ، ثم رشَّهُ علينا، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أهِيَ أحَبُّ إليكَ أمْ أنَا؟ قال: «هِيَ أحَبُّ إليَّ منْكَ، وَأنْتَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْهَا».
ــ وفي حديث: (عبداللَّه بن صالح، والحماني، وابن أبي عمر) الاقتصار على الجزء الأخير من الزيادة السابقة، ولم يذكروا الشاهد «المهر»، ولفظه:
стр. 1087
سمعتُ عليَّاً، على المنبر بالكوفة يقول: خطبتُ إلى رسول اللَّه ﷺ فاطمة، فزوَّجني فقلتُ: يا رسول اللَّه، أنا أحبُّ إليكَ أم هي؟ فقال: «هي أحبُّ إليَّ منكَ، وأنْتُ أعزُّ عليَّ منها».
وهذا الحديث ضعيف، لجهالة الراوي عن علي ﵁.
وقد ضعَّفَه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٨/ ٤٦٥) رقم (٤٠٠٠).
خالَفَ ابنَ عيينة: محمدُ بنُ إسحاق، خالفَه في إسناده ومتنه:
أخرج: ابن إسحاق في «السير والمغازي» (ص ٢٤٦)، والزبير بن بكار في «الأخبار الموفقيات» (ص ٣١٠) رقم (٢٣٠)، وأبو يعلى في ... «مسنده» (١/ ٣٨٨)، ومن طريقه: [الضياء المقدسي في «المختارة» ... (٢/ ٣٣٩) رقم (٧١٦)]، والدولابي في «الذرية الطاهرة» للدولابي ... (ص ٦٤) رقم (٩٢)، ومن طريقه: [ابن الأثير في «أسد الغابة» ... (٦/ ٢٢١)]، والحاكم (١) ـ كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري ... (٤/ ١٢١) رقم (٣٢٧١) ـ ومن طريقِ الحاكم، أخرجه: [البيهقي في ... «السنن الكبرى» (٧/ ٢٣٤)، و «دلائل النبوة» (٣/ ١٦٠)]، والبيهقي أيضاً في «السنن الكبرى» (٧/ ٢٣٤) (٢)، قال ابن إسحاق: حدثني ...
стр. 1088
عبداللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال:
(خطَبتُ فاطمةَ إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت لي مولاةٌ لي: هل علمتَ أن فاطمة قد خُطِبَتْ إلى رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: لا، قالت: فقد خُطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول اللَّه ﷺ فيُزوِّجك؟ فقلت: وعندي شيء أتزوَّجُ به؟ ! فقالت: إنك إن جئتَ رسول اللَّه ﷺ زوَّجَك. فواللَّه ما زالتْ تُرَجِّيني حتى دخلتُ على ... رسول اللَّه ﷺ ، وكانتْ لرسول اللَّه ﷺ جلالةٌ وهَيبةٌ، فلما قعدتُ بين يديه أُفحِمتُ، فواللَّه ما استطعتُ أنْ أتكَلَّمَ، فقال: ... «ما جاء بك، ألكَ حاجَةٌ»؟ فسَكَتُّ، فقال: «لعلكَ جئِتَ تخطُبُ فاطِمَةَ»؟ فقُلتُ: نَعَم.
فقال: «فهل عندَكَ مِن شيءٍ تَستحِلُّهَا به»؟ فقلتُ: لا واللَّه ... يا رسولَ اللَّه.
فقال: «ما فعلْتَ بالدِّرعِ (١) التي سلَّحْتُكَهَا (٢)»؟ فقُلتُ: عندي والذي نفسُ عليٍّ بيده، إنها لحُطَمِيَّةٌ مَا ثمَنُها أربعمئةُ دِرْهَم، ...
стр. 1089
قال: «قد زوَّجْتُكَها، فابْعَثْ بها».
فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ). لفظ الدولابي.
وقد صرَّح ابن إسحاق (١) بالتحديث عن شيخه ابن أبي نجيح، كما في «سيرته»، وعند الدولابي، والبيهقي في «دلائل النبوة»، وأما بقية الإسناد فمعنعن.
وهو ـ أيضاً ـ منقطع، مجاهدُ لم يسمع من علي بن أبي طالب ﵁. (٢)
ــ عند أبي يعلى مختصراً، وفيه: «واللَّه ما ثمنها كذا وأربعمئة درهم».
ــ وفي مطبوعة «السيرة» لابن إسحاق: «ما ثمنها أربعة دراهم». ولعله وهم قديم وليس تصحيفاً، بدليل تعليق البيهقي، فقد ذكر بعد الحديث: (كذا في كتابي أربعمئة درهم. ورواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق فقال: أربعة دراهم). (٣)
ــ عند الزبير بن بكار، والحاكم، والبيهقي: فسكت، حتى أعاد ذلك ثلاث مرات.
стр. 1090
وقد رواه عن علي بن أبي طالب ﵁ من طرق ضعيفة، يشد بعضها بعضاً:
عِلباءُ بن أحمر اليشكري، ومحمدُ بن علي بن الحسين، وسعدُ بن عبيداللَّه الكاهلي، وطلق العبدي، والأصبغُ بن نباتة.
١. علباء بن أحمر اليشكري.
سبق ضمن شواهد حديث رقم (٣٣).
٢. مرسل محمد بن علي بن الحسين بن علي:
أخرج ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٢١)، والبيهقي في ... «السنن الكبرى» (٧/ ٢٣٥) وفي «الصغرى» (٣/ ٧١) رقم (٢٥٣٤) من طريق سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي، قال: «أصدق علي فاطمة درعاً من حديد، وجَرْد بُرْد» (١) لفظ ابن سعد.
ولفظ البيهقي: أن علي بن أبى طالب ﵁ أصدق فاطمة ﵂ درعاً من حديد، وجرَّة دوَّار (٢)، وأنَّ صَدَاق نساء النبي ﷺ كان