← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

محمد قوتاً» (١)). (٢) ١٠. صفتها وشمائلها. صفتها: كانت ﵂ تشبه أباها ﷺ في مشيته وهديه وسمته. لم تذكر كتبُ السنةِ المشرَّفة، والتاريخ، والتراجم إلا شبهها بأبيها ﷺ في: مِشيَتِهِ، وهَديِهِ، وسَمْتِهِ، وكَلامِهِ. وقد تجرأ بعضُ المعاصرين فذكروا شيئاً من صِفتها الخَلقية بما لم يرد له ذكر البتة في كتب المسلمين لا تصريحاً ولا تلميحاً. وغالب الظن القريب من اليقين أنها أُخذت من كتب الرافضة، أو المستشرقين الذين أخذوا من كتب الرافضة ـ ولا يُعوَّل على ذلك كما لا يخفى ـ. (٣)

стр. 142

من شمائلها: قال أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) ﵀ في وصف فاطمة ﵂: (ومن ناسكات الأصفياء وصفيات الأتقياء فاطمة ــ رضي الله تعالى عنها ــ، السيدة البتول، البَضعة الشبيهة بالرسول، ألوطُ أولاده بقلبِه لُصُوقاً، وأولهم بعد وفاته به لحوقاً، كانت عن الدنيا ومُتعتها عازِفة، وبغَوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارِفة ... ). (١) كانت قويةَ النفسِ شُجَاعَةً لا تهابُ في الحق، ففي صغرها ـ مع ضعف المسلمين واضطهادهم ـ لما وضعَ الأشقياءُ كُفَّارُ مكة على ظهْرِ رسولِ الله ﷺ ـ وهو ساجدٌ ـ سَلا الجزور؛ أتت فاطمة، فأزالَتْهُ، وشتَمَتْهُمْ (٢)، قال ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ﵀: (وفيه قوَّةُ نَفسِ فاطمة الزهراء من صِغَرها؛ لِشَرَفِهَا في قومها ونفسِهَا، لكونها

стр. 143

صَرَخَتْ بشَتْمِهِم وهُمْ رؤوس قريش، فَلَمْ يردُّوا عَليها). (١) ١١. ملازمتها لأبيها ﷺ ودفاعها عنه. يُلحظ أن لِفاطمة ﵂ ملازمةً خاصةً لأبيها، وحضوراً لكثير من مشاهده. كانت بارةً بأبيها، تُناصِرُه وتَذُبُّ عنه، ففي العهد المكي، أزالت عن ظهر والدها الأذى الذي وضعه كفار قريش ـ كما سبق ـ، وكانت تعينه. وفي غزوة أحد (٣ هـ)، داوَتْ جِراحَه وأوقفَتْ الدمَ الذي يسيل على وجهه الشريف. وكانت معه في «عمرة القضاء» (٧ هـ) ـ كما في «صحيح البخاري» (٢) ـ في حديث تنَازُعِ عليٍّ وجعفرٍ في ابنة حمزة. وكانت معه ـ أيضاً ـ في «فتح مكة» (٨ هـ)، وقد سترته لما أراد الاغتسال بعد الفتح مباشرة.

стр. 144

وكذا كانت معه في حجة الوداع (١٠ هـ) ﵂. ومما ساعدها في ملازمتها: أنها آخر أخواتها زواجاً، وبيتها بعد زواجها كان ملاصقاً بيتَ والدها ﷺ = بيت عائشة ﵄ وقد بقيت معه حياتَه كلها، بخلاف بقية بناته، فقد متن في حياة النبي ﷺ . وقد حفظت لأبيها السِّرَّ الذي استودعها إياه، فلم تُخبِرْ به أحداً، مع تشوُّفِ نساء النبي ﷺ إلى معرفته، وكُنَّ حاضرات كلُّهُنَّ وقتَ الإسرار، وشاهدوا أمراً غريباً من بكائها ثم ضحكها في وقت قريب. ١٢. من العلاقة بين النبي ﷺ وبناته. كان النبي ﷺ يقوم عليها وعلى بقية أولادِه بالنفقة والعناية والرعاية، وكان عادلاً بل هو إمام العادلين ﷺ . مع حبه ﷺ لبناته، لم يكن يحابيهن في دين الله، فقد قال: ... «لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمد سَرَقَتْ؛ لَقَطَعْتُ يدَها». ومع قُرْبِهنَّ الشديد له يقول كما في أول الإسلام في مكة: «يا فاطمةُ بنتَ محمد، سَليني ماشئتِ من مالي، لا أُغني عنكِ مِن الله شيئاً». كان النبيُّ ﷺ يحبُّ أولادَه كلَّهم، وكان يحتفي كثيراً بفاطمة ﵂ بعد وفاة أخواتها، وتفرُّدِها، ويُكثر من زيارتها في بيتها، وكان يغار

стр. 145

عليها، فغضب لها حينما عَلِم بِخِطْبَةِ عليٍّ ابنةَ أبي جهل ﵄. وكان ﷺ يدعو لآل بيته ﵃. ١٣. هجرتها. عُمرها عند هجرتها نحو ثمان عشرة سنة، بناء على الراجح في مولدها قبل النبوة بخمس سنين. هاجرت مع أختها أم كلثوم، وسودة زوج النبي ﷺ مع زيد بن حارثة، وآل أبي بكر ﵃، لم يختلِف في ذلك المؤرِّخون. وكان هجرتهم بعد مَقدَمِ النبيِّ ﷺ المدينة بنحو سبعة أشهر. عن عائشة ﵂ أنها سُئلتْ: متى بنَى بكِ رسولُ الله ﷺ ؟ فقالت: لما هاجرَ رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، خلَّفَنَا وخَلَّفَ بَنَاتِهِ. فلما قَدِمَ المدينةَ بعَثَ إلينا زيدَ بنَ حارثة، وبعثَ معَهُ أبا رافعٍ مَولاهُ , وأعطاهُمَا بَعِيرَيْنِ وخَمسمَئةِ درهم، أخذَهَا رسُولُ الله ﷺ من أبي بكر، يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظهَر، وبعثَ أبو بكر معهما عبدَالله بن أُرَيْقِط الدِّيلي بِبَعِيرين أو ثلاثة، وكتبَ إلى عبدِالله بنِ أبي بَكر يأمرُهُ أنْ يحمِلَ أهلَه: أُمِّي أمُّ رُومَان، وأنَا، وأُخْتِي أسماء ــ امرأةَ الزبير ــ؛ فخَرجُوا

стр. 146

مُصْطَحِبِينَ. فلما انْتَهَوا إلى قُدَيْد اشتَرى زيدُ بنُ حَارثة بتلك الخمسمئة ثلاثةَ أَبعِرَة، ثمَّ رحَلُوا مِن مكة جميعاً. وصَادَفُوا طلحةَ بنَ عُبَيدِالله يُريدُ الهجرَةَ بآلِ أبي بكر، فخرَجْنَا جميعاً. وخرَجَ زيدُ بنُ حارِثةَ، وأبُو رافعٍ، بِفَاطِمَةَ وأُمِّ كُلثُومِ، وسَودَةَ بنتِ زَمعَةَ، وحمَلَ زيدٌ أمَّ أيمنَ، وأسامةَ بنَ زيد. وخرَجَ عبدُالله بنُ أبي بكر بأمِّ رُومَان وأُختَيْهِ، وخرَجَ طلحةُ بنُ عُبَيدِالله، واصطَحَبَنَا جَميعَاً. حتَّى إذا كُنَّا بِالبيضِ مِن مِنَى (١)، نَفَر بَعِيرِي ــ وأنا في مَحَفَّةٍ مَعِي فيها أُمِّي ــ، فجَعَلَتْ أُمِّي تقُولُ: وَابِنْتَاه، واعَرُوسَاه، حتَّى أُدْرِكَ بَعِيرُنا وقَد هَبَطَ مِن لَفْتٍ (٢)، فسَلَّمَ الله .

стр. 147

ثم إنَّا قدِمنا المدينةَ فنزلتُ مع عيالِ أبي بكر، ونَزَلَ آلُ رسولِ الله. ورسولُ الله ﷺ يومئذ يَبنِي المسجدَ وأبيَاتَاً حولَ المسجد، فأنزلَ فيها أهلَهُ، ومَكثْنَا أياماً في مَنزِلِ أبي بكر، ثم قال أبو بكر: يا رسولَ الله , ما يمنَعُكَ من أنْ تَبنِيَ بِأهلِكَ؟ قال رسول الله ﷺ : «الصداق». فأعطاهُ أبو بكر الصداق اثنتَي عشرةَ أُوقِيَّةً ونَشَّاً؛ فبعثَ بها رسولُ الله ﷺ إلينا، وبَنَى بِي رسولُ الله ﷺ في بَيتِي هذا الذي أنا فيه، وهُو الذي تُوفِّي فيهِ رسولُ الله ﷺ ، وجعلَ رسولُ الله لِنفسه باباً في المسجد وِجَاهَ بابِ عائشة. قالت: وبنَى رسولُ الله ﷺ بِسَوْدَةَ في أحَدِ تِلكَ البُيُوتِ التي إلى جنبي. فكان رسول الله ﷺ يكونُ عندَهَا). لفظ ابن سعد. (١)

стр. 148

أخرجه: ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ٦٢). والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٥) رقم (٦٧١٦) من طريق الحسين بن الفرج. كلاهما: (ابن سعد، والحسين) عن محمد بن عمر الواقدي، عن موسى بن محمد بن عبدالرحمن، عن ريطة (١)، عن عمرة بنت عبدالرحمن. وذكره ابن جرير في «تاريخه» (١١/ ٦٠١) معلقاً عن الواقدي، به. ــ وأخرجه: الزبير بن بكار، ومن طريقه: [الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٣/ ٢٤) رقم (٦٠)، وابن عبدالبر في «الاستيعاب» ... (٤/ ١٩٣٦)] عن محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي، عن عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عروة بن الزبير. وقد رواه البلاذري في «أنساب الأشراف» (١/ ٤١٤) رقم (٨٧٢) عن أبي مسعود الكوفي، قال سمعتُ مالك بن أنس يحدِّث، عن هشام بن

стр. 149

عروة. قال: قالت عائشة. [كذا لم يَذكر عروة، فهو منقطع بين هشام وعائشة، وقد أورده بنحوه] ذكره: ابن حجر في «الإصابة» (٨/ ٣٩١) معلقاً عن الزبير بن بكار، به. وذكره: ابن الأثير في «أسد الغابة» (٦/ ٣٣٢) معلقاً عن هشام بن عروة، به. كلاهما: (عمرة بنت عبدالرحمن، وعروة بن الزبير) عن عائشة ﵂. فيه: الواقدي، وهو متروك. (١) ومحمد بن الحسن بن زبالة، قال عنه الذهبي: متروك. وقال ابن حجر: كذَّبُوه. (٢) وهو مع ضعف إسناده، يُقبَل لأنه من أمور السيرة التي يُتسامح في أسانيدها. خاصةً أنه لم يُعارَض بروايات أخرى؛ لذلك ذكرَ هذا الحديثَ عَددٌ من العلماء دون نقد، واحتَجَّ به بعضهم. (٣)

стр. 150

قال ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ١٦٥ ـ ١٦٦): (أخبرنا محمد بن عُمَر (١)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري. ومحمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة. قالا: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينةَ ونزلَ في منزل أبي أيوب، بَعَثَ أبا رافع، وزيدَ بنَ حارثة وأعطاهما بعيرين وخمسمئة دِرهم ... ــ أخذها من أبي بكر ــ، يَشتَريان بها ما يحتاجان إليه من الظَّهْر، وأمَرَهُمَا أنْ يَقْدُمَا عليه بِعِيَالِهِ. وبَعثَ أبو بكر معهما عبدَالله بنَ أريقط الدئِلي ببعيرين أو ثلاثة، وكتبَ إلى عبدِالله بنِ أبي بكر يأمُرُه أنْ يحمِلَ إليه أهلَهُ. فخرَجَ زيدُ بنُ حارثة بأَهْلِ رسولِ الله ﷺ فَاطِمَةَ ... وَأمِّ كُلْثُوم ابنَتَي النبيِّ ﷺ وسودةَ بنتِ زمعة زوجِ النبيِّ ﷺ . وأرادَ الخروجَ بزَيْنَبَ بنتِ رسولِ الله ﷺ ، فحَبَسَهَا زوجُهَا أبو العاص بن الربيع. وكانَتْ رُقَيَّةُ قَدْ هَاجَرَ بِها زوجُهَا عثمان بن عفان قبل ذلك إلى المدينة.

стр. 151

وحَمَلَ زيدُ بنُ حارثة امرأتَهُ أمَّ أيمن، وأسامةَ بنَ زيد، وكانوا مع عيالِ رسولِ الله ﷺ وأهلِه. وخرَجَ عبدُالله بنُ أبي بَكر بِأمِّ رُومَان، وأُختَيْهِ عائشةَ وأسماءَ ابنتَي أبي بكر؛ حتَّى قدِمُوا جميعاً المدينة، ورسولُ اللهِ ﷺ يَبنِي المسجدَ وأبياتَاً حولَ المسجد (١). فأنزَلهمْ في بيتٍ لحارثةَ بنِ النعمان، وبَنَى رسولُ الله ﷺ لعائشةَ بيتَهَا الذي دُفِنَ فِيه رسولُ الله ﷺ ، وجعلَ بابَاً في المسجد وِجَاهَ بابِ عائشة، يخرُجُ مِنهُ إلى الصلاة. وكان إذا اعتكفَ يُخرِجُ رأسَهُ مِن المسجدِ إلى عَتَبةِ عائشة، فتَغْسِلُ رأسَهُ وهي حائض). وقال ابن سعد ـ أيضاً ـ في «الطبقات الكبرى» (١/ ٢٣٧): ( .... حتى تحوَّل رسولُ الله ﷺ من منزل أبي أيوب، وكان مقامُه فيه سبعة

стр. 152

أشهر، وبعثَ رسولُ الله ﷺ مِن منزل أبي أيوب زيدَ بنَ حارثة وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمئة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد ..... ). قال محمد بن إسحاق: (وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة وأعطاهما بعيرين وخمسمئة درهم، فقدِمَا عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنَتَيْه، وسودة بنت زمعة ـ زوجته ـ، وحمَلَ زيدُ بنُ حارثة امرأتَه ــ أمَّ أيمن ـ مع ابنها أسامة بن زيد. وخرجَ عبدُالله بن أبي بكر بعيال أبي بكر فيهم عائشة، وأختها أسماء ... ــ زوج الزبير ــ، وأم رومان ـ أم عائشة ـ. فلما قدموا المدينةَ أُنزِلُوا في بيتِ حارثة بن النعمان. وذكر رَزِين أن ... أبا بكر أرسل عبدَالله بن أُريقِط مع زيد ليأتيه بأهله). (١) وذكر مثلَ ذلك ابنُ القيم، وغيرُه. (٢)

стр. 153

س: هل تعرَّض الحويرثُ بنُ نُقَيذ لفاطمة وأم كلثوم ﵄ عند هجرتهما ؟ قال ابن هشام (ت ٢١٣ هـ) ﵀: ( ... الحُويرِث بن نُقَيذ بن وَهْب بن عبد بن قُصيِّ، وكان ممن يؤذيه بمكة. وكان العباس بن عبدالمطلب حملَ فاطمةَ وأمَّ كلثوم ابنتَي رسولِ الله ﷺ مِن مكة يريد بهما المدينة، فنخسَ بهما الحويرث بن نُقَيذ (١)، فرمى بهما الأرض). (٢) وقال مثلَه (٣) الكُلاعي الأندلسي (ت ٦٣٤ هـ). (٤) وهذا النص فيه إشكالان: خرَجَ بهما العباسُ بنُ عبدالمطلب، ونخسَ بهما الحويرث! ! وهو مخالف لما عليه المؤرِّخون ـ كما سبق ـ.

стр. 154

قال السهيلي (ت ٥٨١ هـ) ﵀ عن الحويرث: (نخس بزينب بنت رسول الله ﷺ حين أدركها، هُوَ وَهبَّار بنُ الأسود (١)، فسقطَتْ عن دابتها، وأَلقَتْ جَنِينها). (٢) وذلك في السنة الثانية من الهجرة. (٣) وأما أبو الطيب التقي الفاسي (ت ٨٣٢ هـ) ﵀ فقد أورد قولَ ابنِ إسحاق، الذي لم يُعِّين فيه عمل ابن نقيذ، وقول ابن هشام بأنه نخس فاطمة وأم كلثوم، وقول السهيلي بأنه نخس زينب، ثم قال: (والمعروفُ أنَّ المشركين عرَضُوا لزينبَ بنتِ النبي ﷺ ، لا لأختَيها: فاطمةَ وأمِّ كُلثوم؛ فيكونُ الحويرث نخَسَ بِزينب، لا بفاطمة وأم كلثوم، والله أعلم بالصواب). (٤)

стр. 155

الخلاصة: أن فاطمة وأم كلثوم، هاجرتا مع زيد بن حارثة، وزوجه أم أيمن، وأسامة بن زيد، وأم المؤمنين سودة، ومعهم آل أبي بكر ﵃ ولم يتعرض لهم أحد. وكان ذلك بعد مَقدَمِ النبي ﷺ المدينة بنحو سبعة أشهر. وأما زينب فحبسها زوجها أبو العاص، ثم هاجرت بعد في السنة الثانية للهجرة، فنخسَها الحويرثُ بن نُقَيذ، وهبَّارُ بن الأسود. وقد وهم ابن هشام في «السيرة» فجعل النخس على فاطمة وأم كلثوم، ولم يتعقبه شارحه السهيلي. وجعل الذي خرج بهما العباس بن عبدالمطلب. وبيَّن هذا الوهم التقي الفاسي. ومن ذلك يُعلَم خطأ ما أوردَه عَددٌ من المترجمين لفاطمة من المعاصرين، الذين ذكروا هذه القضية كما ذكرها ابنُ هشام. (١)

стр. 156

١٤. محبة المسلمين لها. لم أجد أحداً من المسلمين من بدء الإسلام إلى يومنا هذا، صرَّح بما يخالف حبَّه لفاطمة وأخواتها ﵅، فالمسلمون أجمعون يحبونهن، ويحبون أزواجَ النبي ﷺ ، والصحابةَ كلَّهم رجالاً ونساءً، حباً شرعياً يتقربون به إلى الله - جل وعلا -، حُبَّاً لا إفراط فيه ولا تفريط. وأما فرقة النواصب أعداءُ آل البيت، فهم طائفة بغيضة، ظهرت فترة قليلة من التاريخ، ثم انقرضوا من قرون بعيدة ـ ولله الحمد والمنة ـ. (١) وكذا لم أجد من أي مذهب من المذاهب المنتسبة للإسلام مَن يبغض فاطمة، فجميع المذاهب المنتسبة للسُّنَّةِ والجماعةِ، والخارجة عنها متَّفِقَةٌ على حُبِّ فاطمة ﵂، تشهد لها بيقين أنها في الجنة، وأنها سيدة نساء أهل الجنة. أما المستشرقون ـ يَهودٌ ونصارَى ـ فلم أقف على نقْدٍ منهم إلا من

стр. 157

اثنين، أحدهما معروف عند بني قومه بالمبالغة والإفراط وهو «لامنس»، ولم يكونوا ـ أو غالبهم ـ يرضون كتاباته، وسيأتي بيان ذلك في المبحث الخامس من هذا التمهيد. والحقيقةُ أنَّ المدحَ أو الغلوَّ في المدحِ المتضمنَ قدحاً وفحشاً وتنقصاً وجدته في كثير من كتابات الرافضة ومؤلفاتهم عن فاطمة. وكذا في ما وجدتُ من كتب الإسماعيلية. وسيأتي في المبحث الخامس من هذا التمهيد، ماذكره الرافضة، والإسماعيلية، والمستشرقون عن فاطمة ﵂. هذا، ولم يعتن أحدٌ بفاطمة ﵂ عنايةً صادقةً صَحِيحَةً إلا أهلَ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ ـ جزاهُمُ الله خيرَ الجزاء ـ. ١٥. زوجها. هو ابنُ عَمِّ النبيِّ ﷺ : عليُّ بنُ أبي طالب بنِ عبدالمطلب بن هاشم القُرَشِيِّ، أفضلُ هذه الأمَّةِ بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. هو رابع الخلفاء الراشدين. قُتل شهيداً عام (٤٠ هـ) ﵁. أمُّه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، وهي بنتُ عمِّ أبي طالب، كانت من المهاجرات، توفيت في حياة النبي ﷺ بالمدينة.

стр. 158

قال الحافظ ابن حجر: (عليٌّ أوَّلُ الناسِ إسلاماً في قولِ كَثيرٍ مِن أهل العلم. وُلِد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فرُبِّيَ في حَجْر النبيِّ ﷺ ولم يُفارِقْهُ، وشهِد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: «ألا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى». (١) ومناقبه كثيرة، حتى قال الإمام أحمد: لم يُنقل لأَحَدٍ من الصحابة ما نُقل لعليٍّ. وقال غيرُه: وكان سببُ ذلك: بُغض بني أمية له، فكان كلُّ من كان عنده عِلْمٌ من شيءٍ مِن مناقبِهِ مِن الصحابة يبُثُّهُ، وكلما أرادوا إخماده وهدَّدوا من حدَّث بمناقبه لا يزداد إلا انتشاراً. وقد وَلَّدَ له الرافضةُ مناقبَ موضوعَة، هو غَنيٌّ عنها، وتتبَّع النسائيُّ ما خُصَّ به من دون الصحابة ﵃، فجمع من ذلك شيئاً كثيراً بأسانيد أكثرها جياد. (٢) روى عن النبيِّ ﷺ كثيراً. وكان ﵁ قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام، وكان أحدَ الشورى الذين نصَّ عليهم عمرُ بنُ الخطاب ﵁.

стр. 159

ومن خصائص عليٍّ: قولُه ﷺ يوم خيبر: «لأدفعنَّ الرَّاية غداً إلى رجُلٍ يحبُّ الله ورسولَه، ويحبُّه الله ورسولُه، يفتح الله على يديه». فلما أصبح رسولُ الله ﷺ غدوا كلُّهم يرجو أن يُعطاها، فقال ... رسول الله ﷺ : «أينَ عليِّ بن أبي طالب»؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأُتيَ به فبصَقَ في عينَيه، فدعا له فبرَأَ، فأعطاهُ الرَّايةَ». (١)). (٢) وهو مِن الذين بشَّرَهم النبيُّ ﷺ بالجنة. ففاطمةُ، وأمُّها، وزوجُها، وولدَاها: الحسنُ والحسينُ، كلُّهم مِن المبشَّرِينَ بالجنة ﵃. ١٦. زواجها. لم يتيسر الزواج لفاطمة في مكة، لشدة أذى المشركين للنبي ﷺ والمؤمنين، وهجرة بعضهم للحبشة، وحصار بني هاشم في الشِّعْب، ثم موت خديجة ﵂، ولما هاجر النبي ﷺ تقدَّم

стр. 160

لخطبتها أبو بكر وعمر ﵄ فاعتذر لهما النبي ﷺ بأنها صغيرة أي بالنسبة لهما، ثم خطبها عليٌّ، فاستأذنَها النبيُّ ﷺ ، فقبِلَتْ، ثم زوَّجها ـ وكان عمرها نحو عشرين سنة ـ. وكانت الخِطبة في السنة الأولى من الهجرة، والبناء بها بعد غزوة بدر وقبل أُحُد، أي في آخر السنة الثانية أو أوائل السنة الثالثة. وقد نبَّه عَددٌ من الحفاظ كابن حبان، وابن ناصر الدين الدمشقي، وابن كثير إلى كثرةِ المرويات المكذوبة في زواج فاطمة ﵂. كان مهرُها ﵂ أربعمئة وثمانين درهماً، قوَّتها الشرائية في ذلك الزمن (٤٨) شاةً. وكان جهازها: خَميلاً، وهو كِسَاءٌ فيه لِين. وقِربةً، وفي رواية سِقاء. وَوِسادةً من جِلْد حشْوُها لِيفُ الإذْخِر. ورَحْيَيْن، تثنية رحى، وهي: التي يُطحن بها. وجرَّتين وهما إناءان من فَخار، ويُقال أيضاً: سريراً مُزيَّناً بحِبال من خُوص أو لِيف. وإناءً من جِلْد. وقِطعةً من أقط. يُروى عند البناء بها أنَّ النبيَّ ﷺ مجَّ في ماء، ثم صبَّ على فاطمة وعلي ﵄، ودعا لهما بقوله: «اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نَسلهما». بَنَى بها عليٌّ ﵁ في منزلِه وكان بعيداً عن منزل النبي ﷺ ، ثم حوَّلها ﷺ إلى بيتٍ مجاور له من الجهة الشمالية،

стр. 161

وكان لحارثة بن النعمان ﵁. أوْلَمَ عليٌّ ﵁ في زواجِه، وساعدَه النبيُّ ﷺ بآصُعٍ من تمر وشعير، وكذا ساعدَه الصحابةُ ﵃، فقدَّمَ سعدُ بنُ معاذ كَبشاً، وقدَّم الأنصارُ آصُعَاً من ذُرَةٍ. الصحابة ﵃، بل كلُّ مُسلِمٍ يغبطُ أصهارَ النبيِّ ﷺ لِقُربِهم من النبي ﷺ خاصةً علياً لزواجه بأفضل بنات النبي ﷺ ، وبقاءِ نَسْلِ النبيِّ ﷺ منها، وكان عليٌّ ﵁ يفخر بهذه المصاهرة، وحُقَّ له. ١٧. من علاقتها مع زوجها: أـ خدمتُها لِزَوجِها، وصَبرُهَا على ضِيق العَيشِ معه. يقع بين علي وفاطمة ما يقع بين الزوجين، وكان النبي ﷺ قريباً منهما، زيارة وتربية وإصلاحاً ونصحاً. كانت فاطمة ﵂ خير زوج، صبرت وصابرت على شظف العيش، وخِدمَتِها لزوجها وصبيانها، وفي فترات لم يكن لها خادم يخدمها، ولم يُقدِّمها النبيُّ ﷺ على حاجة المسلمين حينما جاءه السبي، وأرشدَها وزوجَها إلى خَيرٍ مُعِين لهما، وهو الذكر عند النوم من التسبيح والتحميد والتكبير.

стр. 162

ب: كان عليٌّ ﵁ يستحي أنْ يسأل النبي ﷺ في بعض شؤونه الخاصة لمكانته من فاطمة ﵂. كان عليُّ بن أبي طالب ﵁ يستحي من سؤال النبي ﷺ بعض الأسئلة لأن زوجَه: فاطمة بنت النبي ﷺ . قال ﵁: كنت رجلاً مَذَّاءً وكنت أستحي أنْ أسألَ النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرتُ المقدادَ بن الأسود فسألَه فقال: «يَغسِلُ ذكرَه، ويتوضأ». وفي لفظ: مِن أجل فاطمة. (١) ١٨. أولادها. أولادها: الحسن، والحسين (٢)، ومحسِّن، وأم كلثوم، وزينب ﵃. وَلَدَتْ الحسن: في النصف من شهر رمضان، (سنة ٣ هـ). ووَلَدَتْ الحسين: لخمس ليال خلون من شعبان، (سنة ٤ هـ). وأمَّا أمَّ كلثوم: فلَمْ يُحَدَّدْ بالضبط تاريخُ ولادتها، قال ابن عبدالبر:

стр. 163

وُلِدَتْ قبل وفاة النبي ﷺ . وقال الذهبي: (وُلِدَتْ في حدود سنة ست من الهجرة، ورأَتْ النبيَّ ﷺ ولم تَروِ عنهُ شيئاً). وهي التي تزوَّجَها عمرُ بنُ الخطاب ﵄، وولَدَتْ له: زيداً ورُقَيَّة ـ وليس لهما عقِب ـ. وتزوجها بعدَه: ابنُ عمِّهَا: عون بنُ جعفر بنِ أبي طالب، فمات عنها. ثم تزوجها بعده أخوه: محمد، فمات عنها. ثم تزوجها بعده أخوه: عبدُالله بن جعفر، فماتت عنده، ولم تَلِد لأحَدٍ من الثلاثة شيئاً. وأما زينب: فكذلك لم يُحَدَّد تاريخ ولادتها، قال ابن الأثير: (وُلِدَتْ في حَيَاتِهِ، ولم تَلِدْ فاطمةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ بعدَ وفاتِهِ شيئاً). وقد تزوَّجَها ابنُ عمِّها: عبدُالله بن جعفر بنِ أبي طالب بن ... عبد المطلب، فولدَتْ لهُ: عَلِيَّاً، وعَونَاً الأكبر، وعبَّاسَاً، ومحمَّدَاً، وأمَّ كلثوم. وأما مُحَسِّن: فقد قال يونس بن بُكير، سمعت محمد بن إسحاق يقول: فولَدَتْ فاطمةُ لعليٍّ: حسَناً وحُسَيناً ومُحَسِّناً، فذَهَبَ مُحسِّنٌ صغيراً، وولدت له أم كلثوم وزينب. وذكر ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) المحسِّن من أولاد علي، قال: ولا عقب له، مات صغيراً جداً، إثر ولادته.

стр. 164

عقَّ النبي ﷺ عن الحسن والحسين، وكان يحبهما ويلاطفهما. كانت فاطمة تلاعب صبيانها، من ذلك ما روي أنها كَانَتْ تَنْقُزُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَتَقُولُ: «بِأَبِي شَبَهُ النَّبِيِّ * لَيْسَ شَبِيهَاً بِعَلِيٍّ». لم يصح أنَّها طلَبَتْ من أبيها ﷺ أنْ يورِّثَ ابنَيْها الحسنَ والحُسَين. ١٩. عقبها. أبدأُ بالحديثِ إجمالاً، ثم أُثَنِّي بالتفصِيلِ والنُّقُول. الهاشميون الموجود الآن، هم: الطالبيون، والعباسيون، وهم: ١ ـ آل علي، وجعفر، وعقيل، أبناء أبي طالب. ٢ ـ آل العباس بن عبدالمطلب. ﵃ - انحصر عقب فاطمة ﵂ في ذرية الحسن، والحسين، وزينب من عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ﵃. وهم الآن عددٌ غفير، في: الحجاز، ونجد، وجازان، واليمن، والشام، ومصر، وشمال أفريقيا، وغيرها.

стр. 165

لهم كتُبٌ، وسِجِلاتٌ، وضُبُوطٌ، ومُشَجَّرَاتٌ، وعِنَايةٌ دَقِيقَةٌ في ضَبْطِ أنسَابِهم، فمِن الصعوبةِ جداً دخولُ أفرَادِ فيهم أو خروجُ أفراد منهم؛ لِدِقَّةِ الضبطِ، وامتدادِ التدوِينِ، وعدَمِ انقطَاعِهِ، أباً عن جَدٍّ مِن وقتنا هذا إلى الحسن والحسين، بخلاف عامة الأنساب من غير آل البيت، فقد وقَفَ تدوينها قبل سبعة أو ثمانية قرون تقريباً، والثابت يقيناً ـ لا شكَّ فيه ـ استمرار ربط الأفخاذ بالقبائل الأولى، فلم يؤثِّر انقطاعُ التدوين الشامل في ضبط النسب ـ يقيناً ـ، بل أثَّر في وَصْلِهِ أبَاً عن جَدِّ إلى القرون الأولى في الإسلام. وهذا الاتصال ميزة عظيمةٌ لأنسَاب الأشراف الهاشميين من السبطين، وغيرهما. (١)

стр. 166

- ذرية زينب = الزينبيون، من الأشراف، من آل هاشم = آل البيت بإجماع العلماء، لكنهم لا ينتسبون إلى النبي ﷺ مثل أولاد الحسن والحسين؛ لأنهم أولاد بنت البنت. وللسيوطي رسالة جميلة فيها جُملةُ مسائل عن ذرية زينب ﵂، سيأتي ذكرها والنقل منها. تَمييزُ ذريَّةِ فاطمةَ ﵂ بأمرَيْن ظاهريَّيَن: ١ ـ اللقب. ... ٢ ـ اللباس ١ ــ اللقب: - لقَبُ الأشراف = والشريف، والسيِّد: معناهما، وتاريخهما، وإطلاقاتهما، والفرق بينهما، وهل يُطلَق الشرَفُ على غير ذريَّة السِّبْطَين، وحكم التلقُّب بالشريف، وهل يدخل في الأوقاف على الأشراف منَ ينتسب إلى غير السبطين من بني هاشم؟ كان يُطلق الأشراف على آل البيت جميعاً، سواء كان حسَنياً، أو حُسَينِياً، أو زينبياً، أو علَوياً، أو جَعفَرِياً، أو عَقِيلياً، أو عبَّاسياً. ثم قصَرَهُ الحكامُ العُبَيديون الباطنِيون ــ المنتسبون زُورَاً إلى الفاطميين ــ (١) على ذرية الحسن والحسين فقط لا غير.

стр. 167

وذكر ابنُ تيمية، وابنُ حجر: أنه لُقِّبَ بِالشريف: كلُّ عباسيٍّ في بغداد، وكلُّ علَويٍّ في مصر، والشام. (١) إطلاق لقب الشريف والسيد على آل البيت، مقروناً باسمهم، لم يكن معروفاً في القرون المفضَّلة الأولى، لا تجد ذلك في كتب الأسانيد، والتراجم. وقد بدأ ظهور لقب الهاشميين بالسيد والشريف مع الاسم من القرن الرابع ـ على قِلَّة ـ، ثم كَثُر في القرن الخامس الهجري، وما بعده. ويذكر د. حسان الباشا أنه وجدَ نقْشاً فيه لقبُ الشريف، عام ٢٩٥ هـ. قلتُ: لكن يبدو أن انتشارَه في القرن الرابع وما بعده؛ وللعبيديين ـ فيما يبدو ـ سبب في ظهوره والتزامه. وكذا يُطلق وصف: السيدة والشريفة ـ على قِلَّة فيما يبدو ـ وقد ذُكِرا في القرن السابع وما بعده. ولا فرق بين لقب الشريف والسيِّد (٢)، فيُطلقان عُرفاً على ذرية الحسن، وذرية الحسين، وقد فرَّق بعض المتأخرين في إطلاق هذين اللقبين

стр. 168

فجعلُوا لقبَ «الشريف» على ذرية الحسن، ولَقَبَ «السيِّد» على ذرية الحسين. (١) ذكر ذلك الشرواني الشافعي (ت ١٣٠١ هـ) (٢)، والنبهاني ... (ت ١٣٥٠ هـ) عن أهل الحجاز فقط. وقد أنكر العلماء هذا التفريق، وهو تفريق مُحْدَث، بل هو باطل لا يصح إن كان القصدُ منه أن يكون كلُّ لقَبٍ محدوداً فيما أُطلِقَ عليه لا يتجاوزه، فلا يطلق الشريف على ذرية الحسين، ولا السيد على ذرية الحسن. فالعلماء السابقون من قرون متطاولة يطلقون اللفظين على ذرية الاثنين الحسن والحسين دون تفريق، تجد ذلك في كتبهم التراجم وغيرها، وكذلك الصكوك والوصايا المحفوظة لدى الهاشميين. فلا فرق بين اللقبين، ولكلِّ بلَدٍ اصطلاحٌ وعُرْفٌ، ولا مُشاحَّةَ في الاصطلاح، إنما يُنكر على مَن خصَّصَ لقب الشريف على ذرية الحسن، ومنع إطلاقه على ذرية الحسين، والعكس كذلك.

стр. 169

وذكر النبهاني (ت ١٣٥٠ هـ) اصطلاح أهل الحجاز لِلَّقَبَين؛ لأجل التفريق بينهما. ذكر الشيخ: إبراهيم بن منصور الهاشمي: أنَّ لقبَ «السيِّد» مقدَّم على لقب «الشريف» عند أهل: اليمن، وشرق وجنوب السعودية، والعراق، وأقاليم في الشام، وأقاليم في مصر، وبلاد العجم. ولقَبَ «الشريف» مقدَّمٌ على لقَبِ «السيِّد» في: الحجاز (١)، ونجد، والمغرب، وأقاليم في مصر، وأقاليم في الشام، وغيرها. (٢) قال: ولعل هذا العُرْف المناطقي من أسباب التفريق في إطلاق اللقبين. حكم لقب الشريف والسيد، والتلقب بهما: لم يُعلِّق الشرع المطهَّر الحكيم على هذا اللقب حكماً شرعياً، فالأحكام الشرعية مذكورة باسم النبيِّ ﷺ ، وباسم آلِ البيت، وباسم ذوي القُربى ـ كما سيأتي بيانه في قول ابن تيمية ـ.

стр. 170

وقال ابن تيمية: (ولا يكون الرجلُ بنفسِه أفضلَ من غيره؛ لأجل النسب المجرَّد، بل التفاضل عند الله بالتقوى ... ). وقال السخاوي: (ويَنتَفِعُ المنتَسِبُ بِذلِكَ إنْ صَحِبَهُ القِيَامُ بِأمْرِ الدِّينِ، ولم يَكُنْ فيهِ مِن المتهَاوِنِينَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ سورة الحجرات، آية: ١٣). (١) وقد كَرِه بعض أهل العلم أن يُلقِّبَ الهاشمي نفسَه بِـ: الشريف، والسيِّد؛ لأن فيه تعظيمَ نفسِه وتزكيتَها. قلت: والصواب أنه لا يُكرَه ذلك (٢)، لأنه مصطلح تعريفي لا تعظيم فيه ولا تزكية، بل إشارة إلى النسب لا غير. ولقبُ الشَّرَفِ لا يلزم منه عدمُ الفِسْق. ويُحذَر من إطلاق لفظ «السيِّد» على مَن فيه ضلالة ظاهرة، وبدعة،

стр. 171

لحديث النبي ﷺ : «لا تقولوا للمنافق سيِّد، فإنه إنْ يَكُ سيِّدَاً، فقَدْ أسخَطْتُمُ ربَّكُمْ ». (١) ومِن العلماء مَن يرى عدم جواز تلقيب غير ذرية السبطين بالأشراف؛ لجريان العُرف بذلك، ولعدم اختلاط الأنساب، والاشتباه بين الناس، ويرى بعضهم تأديب من يفعل ذلك. ومنهم من يرى جواز لقب الشريف لكل شريف أياً كان، وكذا السيد لمن كان سيداً، ولا يجوز منع إطلاقهما على غير الهاشميين أو ذرية السبطين. وإن كان الأولى عند الإطلاق ـ في مواطن الاشتباه ـ التقييد حتى لا يشتبه بذرية السبطين، وهذا هو الأولى ـ والله أعلم ـ؛ لأنَّ الأنسابَ محفوظة لا تتأثر بلقَبٍ أو لباس.

стр. 172

- لقب: الحسَني أو الحُسَيني الهاشمي، أفضل وأحسن من لقب: الشريف أو السيد . الأفضل والأولى أن يَذكُر ولدُ فاطمة ﵂ لقبَه: الحسَنِي أو الحُسَينِي الهاشمي، وهو أحسن من ذِكر: «السيد» و «الشريف» قبل الاسم أو بعده؛ لأمور: ١. أنَّ لقبَ النبيِّ ﷺ : الهاشميُّ القرشيُّ، والاتِّسَاءُ به في ذلك مِن أولادِه أفضلُ. ٢. أنَّ اللقَبَين: السيد، والشريف، لم يُستخدما في القرون المفضَّلة. ٣. أنَّ المستعمل في القرون المفضَّلة لقب: «الهاشمي». ٤. أنَّ اللقبين من الألقاب المشتركة، فقد يكون المرء ـ غير الهاشمي ـ سيداً في قومه، شريفاً في أفعاله، وله أن يتلقَّب بذلك ـ على الصحيح ـ؛ بخلاف لقب الهاشمي، فله حُرْمَةٌ ومكانَةٌ ووَقْعٌ في النفوس؛ محبةً للنبي ﷺ وآلِه ﵃. والناسُ يكرهون من يَنتسِب إلى جَدٍّ له اسمه هاشم، فيقول: الهاشمي؛ لما فيه من الالتباس بآل النبي ﷺ ، و حَريٌّ أن يُمنَع هذا اللقب «الهاشمي» في بلاد الإسلام إلا لآلِ النبي ﷺ -. ٥. أن اللقبين من الألقاب المستهلَكةِ كثيراً عند المسلمين، وغيرِ المسلمين بخلاف لقب: الهاشمي. ٦. خروجاً من خلاف مَن قال بأن اللقبين المذكورين فيهما تزكية،

стр. 173

فيُكره التلقُّبُ بهما، وإن كان الصوابُ عدمَ الكراهة، وأنهما للتعريف. ٧. جاء النهي في الحديث عن تلقيب الفاسق بِـ «السيِّد»، وقد يكون أحد الهاشميين معروفاً بفسقه وضلاله، فتلقيبه بالسيد والشريف فيه ما فيه. - الأوقاف والوصايا على «الأشراف» هل تكون لذرية السبطين: الحسن والحسين فقط، أم لآل هاشم؟ يُرجع في ذلك إلى تقييد المُوْقِفِ والمُوصِي، فإن لم يوجد ما يدل عليه، فالمرجع العُرف في إطلاق هذا اللقب ـ زمنَ الموصِي ومَكانَه ـ. - الهاشمي مولاهم يجوز لمولى الهاشميين أن ينتسب إليهم، لكن يجب أن يصرح بأنه مولاهم، فيقول: .... الحسَني مولاهم، أو الحُسَيني مولاهم، أو الهاشمي مولاهم، أو العبَّاسي مولاهم، أو العَقِيلي مولاهم، وهكذا كما هو متقرر في علم النسب، ومعمول به في كتب التراجم.

стр. 174

٢ ــ اللباس: شُطْفَة (١) = قِطعَةٌ خضراء على العمامة، ثم توسَّعَ بعضُهم فجَعَلَ العِمامةَ كلَّها خضراء.

стр. 175

ليس لها أصل في الشرع الحكيم، ولا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم. أصلها: أنَّ الخليفة المأمون: أبا العباس، عبدَ الله بنَ هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي (خِلافتُه من أول سنة ١٩٨ هـ إلى ٢١٨ هـ) (١) بَايع بالعَهْدِ (سنة ٢٠١ هـ) لِـ: علي بن مُوسى ــ الرِّضَى ــ بن جعفر بن محمد ـ الصادق ـ بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ (ت ٢٠٣ هـ)، ونوَّهَ بِذكِرِه، ونبذَ السَّوادَ، واتَّخَذَ لهم شِعَارَاً أخضَرَا؛ فهاجَتْ بنو العباس، وخلَعُوا المأمون، ثم بايعوا عمَّه إبراهيم بنَ المهدي .... ثم انثنى عزمُه، وردَّ الخلافة إلى بني العباس. فبقي الأخضرُ شِعَارَ الأشرَافِ من ذُرِّيةِ السِّبْطَين. ثم اختَصَرُوا الثياب إلى قِطعَةِ ثَوبِ خَضَرَاءَ = شطفة خضراء، تُوضَعُ عَلى عَمائِمِهِمْ؛ شِعَارَاً لهم، ثمَّ انقطعَ ذلكَ إلى أواخِرِ القَرنِ الثامِنِ الهجرِي. ثمَّ في سنةِ ثلاثٍ وسبعين وسَبعِمئة (٧٧٣ هـ) (٢) أمَرَ السلطانُ الأشرفُ: شعبان بنُ حسين بن الناصر محمد بن قلاوون الصالحي النجمي،

стр. 176

سلطان الديار المصرية والشامية (ت ٧٧٨ هـ) وعُمُره (٢٤ سنة) (١) أنْ يمتَازُوا عَلى الناسِ بعصَائِبَ خُضْرٍ = علامة خضراء = شطفة أي قطعة

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 179

خضراء عَلَى العمائم (١) ولَيسَ عمامةً خضراء، فَفُعِلَ ذِلكَ بِأكثرِ البلادِ كمِصْرَ، والشامِ، وغيرِهما. وذكر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بقاءَ هذا الشعار إلى وقته. والعلماء اختلفوا بعد ذلك: منهم مَن يرى أنه لا يجوز لأحدٍ من غير ذرية السبطين لُبس العمامة الخضراء أو الشطفة الخضراء، المختصة عرفاً بذرية السبطين؛ لئلا يحصل اختلاط في الأنساب، وقد يسبب ذلك اختلاطاً وإشكالاً في الاستفادة من الأوقاف المخصصة للأشراف من ذرية السبطين. ذكر ذلك وشدَّدَ فيه بعضُ المتأخرين من المالكية، بل رأوا تأديب مَن يلبسها من غير ذرية السبطين.

стр. 180

ويبدو أنه لم يستمر ذلك؛ لأن الدسوقي المالكي (ت ١٢٣٠ هـ) يرى أنه لم تَعُد الشطفة الخضراء في زمانه مختصةً بالأشراف، وذكر أنه عمَّت بها البلوى، ولَبِسَها غيرُهم، فلا تأديبَ إذَنْ. ومع ذلك يرى أنَّ الأفضلَ عدمُ لبسِها لغير ذُرية السبطين. ومِن العلماء مَن يرى الجواز، وأنه لا دليل على تخصيص اللباس الأخضر، ولا على منع غيرهم من لبسه، وأن الاختلاط والاشتباه متوهَّم، لأن الأنساب محفوظة مضبوطة لا تتأثر باللباس. فيجوز أن يُلقَّب غيرُ الهاشميين بالأشراف، وأن يلبسوا العمائم الخضر. - نكاح الفاطميات يجوز لكل عربي كفؤ في النسب أن يتزوج الفاطميات = ذرية الحسن أو الحسين؛ ولا يجوز منع تزويج الفاطميات إلا من الفاطميين أو الهاشميين، فهذا بدعة منكرة، وضرر بالغ بنساء آل البيت. وقَصْرُ الفاطميات على الفاطميين قولٌ مَشهُورٌ عند الزيدية، وأوَّلُ مَن قال به: العياني (ت ٤٠٤ هـ)، ولا يَعرِفُ هذا القولَ عُلماءُ السُّنَّةِ والجَمَاعَة.
следующие страницы →