← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سلطان الديار المصرية والشامية (ت ٧٧٨ هـ) وعُمُره (٢٤ سنة) (١) أنْ يمتَازُوا عَلى الناسِ بعصَائِبَ خُضْرٍ = علامة خضراء = شطفة أي قطعة

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 179

خضراء عَلَى العمائم (١) ولَيسَ عمامةً خضراء، فَفُعِلَ ذِلكَ بِأكثرِ البلادِ كمِصْرَ، والشامِ، وغيرِهما. وذكر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بقاءَ هذا الشعار إلى وقته. والعلماء اختلفوا بعد ذلك: منهم مَن يرى أنه لا يجوز لأحدٍ من غير ذرية السبطين لُبس العمامة الخضراء أو الشطفة الخضراء، المختصة عرفاً بذرية السبطين؛ لئلا يحصل اختلاط في الأنساب، وقد يسبب ذلك اختلاطاً وإشكالاً في الاستفادة من الأوقاف المخصصة للأشراف من ذرية السبطين. ذكر ذلك وشدَّدَ فيه بعضُ المتأخرين من المالكية، بل رأوا تأديب مَن يلبسها من غير ذرية السبطين.

стр. 180

ويبدو أنه لم يستمر ذلك؛ لأن الدسوقي المالكي (ت ١٢٣٠ هـ) يرى أنه لم تَعُد الشطفة الخضراء في زمانه مختصةً بالأشراف، وذكر أنه عمَّت بها البلوى، ولَبِسَها غيرُهم، فلا تأديبَ إذَنْ. ومع ذلك يرى أنَّ الأفضلَ عدمُ لبسِها لغير ذُرية السبطين. ومِن العلماء مَن يرى الجواز، وأنه لا دليل على تخصيص اللباس الأخضر، ولا على منع غيرهم من لبسه، وأن الاختلاط والاشتباه متوهَّم، لأن الأنساب محفوظة مضبوطة لا تتأثر باللباس. فيجوز أن يُلقَّب غيرُ الهاشميين بالأشراف، وأن يلبسوا العمائم الخضر. - نكاح الفاطميات يجوز لكل عربي كفؤ في النسب أن يتزوج الفاطميات = ذرية الحسن أو الحسين؛ ولا يجوز منع تزويج الفاطميات إلا من الفاطميين أو الهاشميين، فهذا بدعة منكرة، وضرر بالغ بنساء آل البيت. وقَصْرُ الفاطميات على الفاطميين قولٌ مَشهُورٌ عند الزيدية، وأوَّلُ مَن قال به: العياني (ت ٤٠٤ هـ)، ولا يَعرِفُ هذا القولَ عُلماءُ السُّنَّةِ والجَمَاعَة.

стр. 181

تفصيل ونقول عما سبق إيراده. - الزينبيون: قال السيوطي (ت ٩١١ هـ) ﵀ في «العجالة الزرنبية في السلالة الزينبية»: (مسألة: فاطمةُ الزهراء ﵂ رُزِقَتْ من الأولاد خمسة: الحسن، والحسين، ومحسناً، وأم كلثوم، وزينب: فذكرهم، وقال: وأمَّا زينب، فتزوَّجَها ابنُ عمِّها: عبدُالله بن جعفر، فولدَتْ لهُ عَلِيَّاً، وعَونَاً الأكبر، وعبَّاسَاً، ومحمَّدَاً، وأمَّ كلثوم. مسألة: أولاد زينب المذكورة من عبدِالله بن جعفر موجودون بكثرة، ونتكلم عليهم من عشرة أوجه: ثم بيَّنَها ﵀ ... وعناوينها كما يلي: الوجه الأول: أنهم من آل النبي ﷺ ، وأهل بيته بالإجماع. الوجه الثاني: أنهم من ذرِّيتِهِ ﷺ وأولادِه بالإجماع، وهذا المعنى أخصُّ مِن الذي قبله. الوجه الثالث: وأنهم لايشاركون أولاد الحسن والحسين في الانتساب إلى النبي ﷺ ؛ لأن هؤلاء أولادُ بنات أبنائه، والزينبيين أولادُ بنات بناته، فلا ينتسبون إليه. قال ﵀: (ولهذا جرى السلَفُ والخلَفُ على أنَّ ابنَ الشريفةِ لا يكُونُ شَرِيفَاً.

стр. 182

ولَو كانتْ الخصُوصية عامَّةً في أولاد بناته ـ وإنْ سَفُلْنَ ـ لَكَانَ ابنُ كلِّ شَريفَةٍ شَرِيْفَاً تَحرُمُ عليه الصدَقَةُ، وإنْ لم يكُن أبُوه كذلك، كما هو معلوم. ولهذا حكَمَ ﷺ بذلك لابنَي فاطمة دون غيرها من بناته؛ لأنَّ أختَها زينب بنتَ رسولِ الله ﷺ لم تُعقِبْ ذَكَرَاً حتَّى يكونَ كالحسَنِ والحُسَين في ذلك، وإنما أعقَبَتْ بِنْتَاً، وهي: أمامةُ بنتُ أبي العاص بن الربيع ﵄، فلم يحكُمْ لها ﷺ بهذا الحُكْمِ مَع وجُودِهَا في زَمَنِهِ؛ فدَلَّ عَلى أنَّ أولادَها لا يُنْسَبُونَ إليه؛ لأنها بنتُ بنتِهِ، وأما هي فكانت تُنْسَبُ إليه بناءً على أنَّ أولادَ بناتِه يُنْسَبُونَ إليه. ولَو كان لِزَينَبَ ابنةِ رسولِ الله ﷺ ولَدٌ ذَكَرٌ، لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الحسَنِ والحُسَين في أنَّ ولدَهُ يُنْسَبُونَ إليه ﷺ ، هذا تحرِيرُ القَولِ في هذه المسألةِ، وقدْ خَبَطَ جماعةٌ مِن أهلِ العَصْرِ في ذلك، ولم يتكلموا فيهِ بِعِلْمٍ). الوجه الرابع: هل يطلق على أولاد زينب أشراف؟ وسيأتي كلامه بتمامه. الوجه الخامس: أنهم تحرم عليهم الصدقة بالإجماع؛ لأنَّ بَنِي جعفر من الآل. الوجه السادس: أنهم يستحقون سَهْمَ ذَوِي القُرْبَى بالإجماع.

стр. 183

الوجه السابع: أنهم يستحقون مِن وَقْفِ «بِرْكَةُ الحَبَش» (١) بالإجماع؛ لأن بركة الحبَش لم توقف على أولادِ الحسن والحسين خاصة، بل وُقِفَتْ نصفين: النصف الأول: على الأشراف، وهم أولاد الحسن والحسين. والنصف الثاني: على الطالبيين، وهم: ذرية علي بن أبي طالب من محمد ابن الحنفية وإخوته، وذرية جعفر بن أبي طالب، وذرية عقيل بن أبي

стр. 184

طالب .... الثامن: هل يلبسون العلامة الخضراء؟ سيأتي نقل كلامه عند ذكر المسألة. التاسع: هل يدخلون في الوصية على الأشراف؟ والعاشر: هل يدخلون في الوقف على الأشراف؟ وذكر أن المرجع نص الوصية والوقف (١)، فإن كان فيهما ما يدل على الدخول أو الخروج، عُمِل به، قال: (وإن لم يُوجَد فيه ما يدُلُّ على هذا، ولا هذا، فقَاعِدَةُ الفِقْهِ: أنَّ الوَصَايَا والأوقافَ تُنَزَّلُ عَلى عُرْفِ البَلَدِ، وعُرْفُ مِصْرَ مِن عَهْدِ الخلَفَاء الفَاطِمِيِّيْن إلى الآن: أنَّ الشريفَ لَقَبٌ لِكُلِّ حَسَنِيٍّ وَحُسَيْنِيٍّ خَاصَةً، فَلا يَدْخُلُونَ عَلى مُقْتَضَى هذا العُرْفِ، وإنِّما قدَّمْتُ دُخُولهم في وَقْفِ بِرْكَةِ الحبَشِ؛ لأنَّ واقِفَهَا نَصَّ في وَقْفِهِ عَلى ذَلِكَ، حيثُ وقَفَ نِصفَهَا عَلى الأشَرافِ، ونِصْفَهَا عَلى الطَالِبِيِّيْنَ). (٢)

стр. 185

لقب الأشراف = الشريف، والسيد: قال السيوطي (ت ٩١١ هـ) ﵀ في الوجه الرابع من مسائل الزينبية: هل يطلق على أولاد زينب أشراف؟ فأجاب: (إنَّ اسمَ الشريف كان يطلق في الصدر الأول على كل مَن كان من أهل البيت سواء كان حَسنياً أم حُسينياً أم عَلَوياً، مِن ذرية محمد بن الحنفية وغيرِه منِ أولاد علي بن أبي طالب، أمْ جعفرياً أم عَقيلياً أم عباسِياً، ولهذا تجد «تاريخ الحافظ الذهبي» مشحوناً في التراجم بذلك يقول: الشريف العباسي، الشريف العقيلي، الشريف الجعفري، الشريف الزينبي. فلما ولي الخلفاءُ الفاطميون بمصر، قصرُوا اسمَ الشريف على ذُرِّية الحسن والحسين فقط، فاستمَرَّ ذلك بمصر إلى الآن، وقال الحافظ ابن حجر في كتاب «الألقاب»: الشريف ببغداد لقبٌ لكلِّ عباسي، وبمصر لقب لكل عَلَوي. انتهى. ولا شك أنَّ المصطلح القديم أولى، وهو: إطلاقه على كل عَلَويٍّ وجعفريٍّ وعَقيليٍّ وعَباسيٍّ، كما صنعه الذهبي، وكما أشار إليه الماوردي من أصحابنا، والقاضي أبو يعلى ابن الفراء من الحنابلة، كلاهما في «الأحكام السلطانية»، ونحوه قول ابن مالك في «الألفية»: وآله المستكملين الشرفا. فلا رَيبَ في أنه يُطلَقُ على ذرية زَينَبَ المذكورين أَشرافٌ، وكَمْ أطلقَ الذهبي في «تاريخه» في كثير من التراجم قوله: الشريف الزينبي.

стр. 186

وقد يُقال: يُطلَقُ على مصطلح أهل مصر: الشرَفُ أنواع: عامٌّ لجميع أهل البيت، وخاصٌّ بالذرية، فيدخل فيه الزينبية، وأخصٌّ منهُ: شَرَفُ النِّسْبَةِ، وهو مُختَصٌّ بذرية الحسن والحسين). انتهى كلام السيوطي. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (وأما اسمُ الشَّرَفِ فليسَ هُو مِن الأسماءِ التي علَّقَ الشارعُ بِها حُكْمَاً حتَّى يكونَ وحدَهُ مُتلَّقَى مِن جِهَةِ الشارِع ..... ثم ذكر معنى الشريف لغة واصطلاحاً، وقال: فالشريفُ هُو مَنْ له الرئاسة والسلطانُ، لكن لما كانَ أهلُ البيتِ أحقُّ مِن أهلِ البيوت الأخرى بالشرَفِ؛ صَارَ مَنْ كانَ مِن أهلِ البيتِ يُسَمَّى شَرِيفَاً. فأهلُ العِراق لا يُسَمُّونَ شَرِيفَاً إلا مَن كان من بني العباس، وكثيرٌ مِن أهلِ الشام، وغَيرِهم، لا يُسَمُّونَ شَرِيفاً إلا مَنْ كَانَ عَلَوِيَّاً. (٢)

стр. 187

وأما أحكامُ الشريعةِ التي عُلِّقَتْ، فهي مذكورةٌ باسمِ النبي ﷺ ، وباسمِ أهلِ بيتهِ، وذَوِي القُرْبَى، وهذه الأسماء الثلاثةُ تَتَنَاوَلُ جَميعَ بَنِي هاشم، لا فَرقَ بَينَ ولَدِ العبَّاسِ، ووَلَدِ أبي طالب، وغَيرِهم. وأعمامُ النبيِّ ﷺ الذين بَقِيَتْ ذُرِّيَتَهُم: العباسُ، ... وأبو طالب، والحارثُ بنُ عبدالمطلب، وأبو لهب. فمَنْ كان من ذرية الثلاثة الأولى؛ حَرُمَتْ عليهم الزكاةُ، واستَحَقُّوا مِن الخُمُسِ باتِّفَاقِ. وأما ذُرِّيةُ أبي لهب، ففَيْهِ خِلافٌ بَين الفقهاء؛ لِكَونِ أبي لهب خَرَجَ عَن بني هاشم لما نَصَرُوا النبيَّ ﷺ ومَنَعُوهُ ممَّنْ كان يُريدُ أَذَاهُ مِن قريش. ودخَلَ مع بني هاشمٍ بنُو المطَّلِب ..... وذكر حديث «إنما بنو هاشم وبنو المطلِّب شئٌ واحد». وأفضلُ الخَلقِ: النبيُّونَ، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثمَّ الصالحون، وأفضلُ كُلِّ صِنْفٍ: أتقاهُم، كما قال ﷺ : «لا فضلَ لِعَرَبيٍّ عَلى

стр. 188

عَجَمِيٍّ، ولا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ، ولَا لِأَبْيَضَ عَلى أسوَدَ، ولا لِأسودَ على أبْيَضَ، إلا بالتَّقْوَى». هذا في الأصنافِ العامَّةِ. وأفضَلُ الخلقِ في الطبَقَاتِ: القَرنُ الذين بُعِثَ فيهم رسولُ الله ﷺ ، ثمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذين يَلُوْنَهُمْ. وأما في الأشخاص: فأفْضَلُهُمْ النبيُّ ﷺ ، ثمَّ إبراهيمُ ﵇. فتَبَيَّنَ أنَّ الشَّرَفَ لَيس لِبَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً، بل يَتنَوَّعُ بِحسَبِ عُرْفِ المخَاطَبِيْنَ، ومَقَاصِدُهُمْ. وأمَّا المسمَّى بِهذا اللفظ، فيُقَالُ: مِن الأحكام ما تشتَرِكُ فيه قُرَيشٌ كُلُّهَا، نحو: الإمامة الكبرى .... ومن الأحكامِ ما يختَصُّ بِبَنِي هاشِمٍ، أو بَنِي هاشمٍ معَ بَنِي المطَّلِبِ، دون سائر قريش، كالاستحقاقِ مِن خُمُسِ الغنائم، وتحريمِ الصدَقَةِ، ودُخُولِهم في الصلاة إذا صُلِّيَ عَلى آلِ محمَّدٍ، وثُبُوتِ المزِيَّةِ عَلى غَيرِهِمْ. ومَنْ كانَتْ أمُّهُ قُرَشِيةً دُونَ أبِيهِ، لم يَستَحِقَّ الإمَامَةَ التِي اختُصَّتْ بِها قُريشٌ. ومَن أُمُّهُ هاشِمِيَّةً أوْ غَيرَ فاطَمِيَّةٍ، وأبوه لَيس بهاشِمِيٍّ ولا مُطَّلِبِيٍّ؛ فَلا يَستحِقُّ مِن الخُمُس كما يستحقُّ بنُو هاشِم، وإنْ كانَ ينتَسِبُ إليهم نَسَبَاً مُطلَقَاً، فلَهُ نوْعُ امتِيَازٍ لِكَوْنِ أُمِّهِ مِنْهُم.

стр. 189

وأمَّا أَوْلَادُ العَتَرَةِ، فلَهُم مِن الاختصاصِ بقَدْرِ مَا لهُمْ مِن النَّسَبِ؛ لِكَونِ أحدِهِمْ أفضلَ مِنْ غَيرِهِمْ. وبِكُلِّ حالٍ، فهذه الخصائصُ لا تُوجِبُ أنْ يكونَ الرَّجلُ بنفسِهِ أفضلَ مِن غيرِهِ لأجلِ نَسَبِهِ المجَرَّدِ، بل التفاضُلُ عِندَ الله بِالتقَوى كما قال ﷺ : «إنَّ آلَ بَنِي فُلَانٍ، لَيسُوا لِي بِأَولِيَاءَ، إنَّما وَلِيِّيَ الله، وصَالحُ المؤمنين». فمَنْ كانَ في الإيمانُ والتقوى أفضلُ؛ كانَ عِندَ الله أفضلَ ممَّنْ هُو دُونَهُ في ذلك، وأولَاهُمْ بِرسولِ الله ﷺ وإِنْ كان غيرُهُ أقربَ نَسَبَاً مِنْهُ، فإنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الولَايَةَ الإيمانِيَّةَ الدِّينِيَّةَ أعظمُ وَأوثَقُ صِلَةً مِن القَرَابَةِ النَّسَبِيَّةِ، والله أعلم). (١) ذكر ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ﵀ أنه لُقِّبَ بِالشريف: كلُّ عبَّاسيٍّ بِبغداد وكذلك كُلُّ عَلَويٍّ بِمِصْر). (٢) علَّق عليه السخاوي في «الأجوبة المرضية» بقوله: (قلتُ: ولهم الطالبيون وهي: نِسبَةٌ لِأولادِ علي بن أبي طالب، وأخويه: جعفر الطيار،

стр. 190

وعقيل ﵃، ومَيَّزُوا ذريةَ عَليٍّ من بَينهم بالعَلَوِيِّين، ويقال لِنقيبهم ببغداد: نقيب الطالبيين، كما أنه يُقال لنقيب العباسيين: نقيب الهاشميين. (١) وربما خُصَّتْ ذُرِّية عليٍّ من فاطمة ﵉ بالفاطميين، بل وُجِد من ذرية علي مِن غيرها مَن نُسب كذلك. ومَيَّزوا ذُريةَ عقيل بالعقيليين، وذُريةَ جعفر بالجعفريين، ووصف الحافظُ عبدُالعزيز بنُ محمد النخشبي وغيرُهُ بعضَ المنسوبين إلى جعفر بالسَّيِّد. ولهم الإسحاقيون، نسبة لإسحاق بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. والزيدون نسبة لزيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب. والزينبيون لمن يكون من ذرية زينب ابنة سليمان بن علي، أم محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب. وفي شرح ذلك طول ..... إلى أن قال السخاوي: والقصدُ: أنَّ شرَف مَن عدا ذرية الحسن

стр. 191

والحسين لا يوازي شرَفَهُم، وليس لهم التمييز بالشطفة (١) الخضراء على رؤسهم الحادية، حيث كان العُرْفُ تخصِيصُها بأولادِ الحسن والحسين؛ لحصولِ الاشتباه. وبالجملة: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: ١٣ ويُروى عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آل محمد كل تقي». وسنده ضعيف. وفي نوادر أبي العيناء أنه غضَّ من بعض الهاشميين، فقال له: أتغُضَّ منِّي وأنت تصلِّي عليَّ في كل صلاة في قولك: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد؟ ! فقال: إني أريدُ الطيِّبِين الطاهِرين، ولستَ منهم (٢)). (٣) وُجِّه سُؤال إلى السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) ﵀ ونصُّه: عن الأشراف الحسنية والحسينية أولاد علي مِن فاطمة الزهراء ... ــ رضوان الله عليهم ــ هل يُلحق بهم ذريةُ جعفر بن أبي طالب أخي علي في الشَّرَفِ والشَّطفَةِ الخضْرَاء، وقولهم: جدُّنا المصطفى؟ وكذا هل يلحق به العلوية أولاد علي من الحنفية؟

стр. 192

فأجاب وأطال، وسمَّى الجوابَ: «الإسعاف بالجواب عن مسألة الأشراف» (١) ومما قال فيه: الأشراف لجميع أولاد النبي ﷺ فلو ثبت انتساب أحدٍ لعبدالله بن جعفر من جهة مَن أعقب مِن أولاده مِن زينب سبطة ... رسولِ الله ﷺ ، ثبتَ له بذلك شرفٌ عظيم، لكنه دون الشرف الحاصل للمنسوبين إلى الحسن والحسين، لفضلهما على زينب. وذكر أنَّ العلويين المنسوبين إلى علي من غير زوجِه فاطمة، وكذا الهاشميين، لهم شرف لكنه دون شرف ذرية الحَسنين. وذكر أن ابن حجر يصف بالأشراف بعض المنسوبين إلى جعفر بن محمد بن علي، وكذا آل العباس بن عبدالمطلب. وذكر أنه قد اختُلِفَ في انتساب بني البنات إلى أبي أمِّهِمْ، هل هو عامٌّ أو خاصٌّ بهِ ﷺ ؟ ونقلَ السخاوي عن عدد من العلماء أجوبتهم في مسألة الشرف، والشطفة، فقال:

стр. 193

وكتب من الشافعية على هذا السؤال الشيخُ السراج العبادي (١) ما نصه: الشرف المعروف المصطلح عليه الذي ينسب إلى رسول الله ﷺ خاص بأولاد الحسن والحسين سبطي رسول الله ﷺ وذلك لضرورة نفاسة النسب الشريف، فإن الأولاد إنما يُنسَبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فلما لم يكن للنبي ﷺ ولَدٌ ذكر توسَّعُوا في نسبة أولاد ابنته إليه؛ محافظةٌ على بقاء هذا النسب ولشرفه على غيره من الأنساب. زاده الله شرفاً وتعظيماً. وأما أولادُ جعفر، فليسوا من أولاد أحد من بنات رسول الله ﷺ ، وأما عبد الله بن جعفر، فإنه زوج ابنة بنت رسول الله ﷺ فنسبة زوجته إلى أبيها، ففات المعنى المقصود، والعلَوية وغيرهم، وإن كان لهم شرف النسبة إلى هاشم جد النبي ﷺ ، فقد فاتهم النسبة إلى النبي ﷺ ، فليس لأحدٍ لُبسُ العلامة، ولا هذه النسبة، بل يقتصر بها على محلها المتعارف المقرر، ولا يعدل عن ذلك ولا يقاس عليه غيره، فليس للقياس في مثل هذا مجال والحالة هذه.

стр. 194

والفخر عثمان الحسيني (١) ونصُّه: أما الشرف الذي لأولاد السيد علي بن أبي طالب من فاطمة ﵃ أجمعين، فلا يُوازيه شرف، وقد قال النبي ﷺ للحسن بن علي: «إنَّ ابني هذا سيِّد» فأثبتَ له السيادةَ وأضافَه إليه بالبنوة، وليس هذا لأحدٍ غيرِ النبي ﷺ أعني أولاد البنات ينسبون إليه دون غيره، وهو من هذا الحديث الصحيح. وهُم المختصُّون بالأوقاف على الأشراف، وهم الذين جرى العرف بتميزهم بالشطفة الخضراء على رؤوسهم، وأما غيرُهم من أولاد بقية بناتِه، فجدُّهم المصطفى ﷺ بلا شك، غير أنهم لا يوازون أولادَ عليِّ بنِ أبي طالب من فاطمة ﵃ أجمعين فيما تقدم. وأمَّا (٢) تميزهم بالشطفة الخضراء، فليس لهم ذلك، إذْ العُرْفُ يُخالِفُه فحَمْلُهُمْ لها يُوهِمُ أنهم من أولاد الحسن أو الحسين ﵃، ويُخشى من ذلك اشتهارهم بها، فربَّما نُسِيَ الأصلُ ونُسِبُوا بسببِ ذلك إلى الحسن أو الحسين، وذلك خطر عظيم. والله تعالى أعلم.

стр. 195

وكتبَ من المالكية البرهان اللقاني (١) ما نصه: الشرف لأولاد علي ﵁ من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فيَخرُجْ أولاد علي مِن غيرها، وأولادُ أخواتها من غير علي، فلَيسَ لأحَدٍ منهم أنْ يدَّعِي شَرَفَاً، لكن يجوز لأولاد أخوات فاطمة وذرِّيَتِهمْ أن يقولوا: جدُّنَا، ولا يدخلونَ في وَقْفِ الأَشْرَافِ إلا بتَنصِيصٍ مِن الواقِف، ولا يجوز لأحَدٍ ممَّنْ ذُكِرَ حَمْلُ العلامةِ الدَّالَةِ عَلَى الشَرَفِ. وكتب بجانب خطِّهِ مِن المالكية أيضَاً: أحمد بن حسين الحسيني القاضي بالقرب من جامع الفكاهين: جوابي كما أجاب به الشيخ برهان الدين المذكور أعلاه، أبقاه الله للمسلمين وحفظ به الدين آمين). (٢) انتهى المراد نقله من رسالة السخاوي: «الإسعاف بالجواب عن مَسألَةِ الأشرَاف». وللسخاويِّ جوابٌ آخر ـ جاء بعد زمن من رسالته «الإسعاف ... » قال السخَاويُّ (ت ٩٠٢ هـ) ﵀: سُئلتُ عن مَن زعمَ انتسَابَه إلى الزبير بن العوام، ومَيَّزَ نفسَه بِشَطْفَةٍ خَضراءَ كآلِ النبي ﷺ ، أَيُمْنَعُ أمْ لا؟

стр. 196

فالجواب: أما الزبيرُ بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى أخي عبد مناف ابني قصي الذي يجتمع هو ورسولُ الله ﷺ فيه، مع كونهِ ابنَ عمِّةِ النبي ﷺ ، لأنَّ أمَّهُ هي صفيةُ أختِ حمزةَ والعباسِ بَنِي عبدِالمطلب ﵃، فمَنْ صحَّتْ نِسبَتُه إليه ﵁ بالطريقِ المعتبرِ؛ فَلَهُ بذلك فَخْرٌ، لِأنه حوارِي رسولِ الله ﷺ وابنُ عمته، وأحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة ﵃، ويَنتَفِعُ المنتَسِبُ بِذلِكَ إنْ صَحِبَهُ القِيَامُ بِأمْرِ الدِّينِ، ولم يَكُنْ فيهِ مِن المتهَاوِنِينَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات (١٣). ويُقالُ لِلْمُنْتَسِبِ كذلك: زُبَيري وقُرَشِي، ولكِنَّ التميُّزَ بالشَّطْفَةِ الخضراء إنِّما اختُصَّ عُرْفَاً بذُرِّيَّةِ السِّبْطَيْنِ، رَيحَانَتَي النبي ﷺ ، أعني: الحسنَ والحُسَين ابنَي فاطمة الزهراء ﵃؛ حتَّى إنَّ مَن كان مَنْسُوبَاً لأُختِهما زَينبَ ابنةِ فاطمة أيضاً، مع كَونِها سِبْطَةَ الرسولِ ﷺ ، لم يُمَيَّزْ بِذلكَ، فَضْلاً عَن غيرِهِ، لِكونهما ـ أعني الحسن والحسين ـ أفضلَ من زينبَ بِلا شَك؛ لامتيازهما بكَثِير من الخصوصيات. وإذَا ثَبتَ العُرْفُ بِذَلكَ انضَافَ إليه اختِصَاصُهُمْ بالأوقاف المرْصَدَةِ لِلأشرَافِ، فَلا يَحْسُنُ التعَدِّي بِالشَّطْفَةِ لِغَيرهِم، ممَّنْ انتسَبَ إلى الزبير، ولَا إلى غَيرِهِ، ممن هُو أقربُ مِنهُ نَسَبَاً، كالعباس عمِّ النبيِّ ﷺ وصِنْوِ أَبِيهِ، الذي ولَدُهُ البَحْرُ عبدُالله تَرجمان القرآن هُوَ جَدُّ الخُلَفَاءِ، مع وصفِ

стр. 197

ذُرِّيتِه ﵁ بالشَّرَفِ، لِكَونِهِم مِن بَنِي هاشم، فقد قال ﷺ : ... «إنَّ الله تعالى اصطفى كنانة مِن ولدِ إسماعيل، واصطفى قُريشَاً مِن كِنانة، واصطفى هَاشِمَاً مِن قُريش، واصطفَاني مِن بَنِي هاشم». إلى أن قال: وحِينئذ فيُمنَعُ مِن أشركَ نفسَه معهُم في هذه الخصوصية؛ لِتَضَمُّنِهِ إيهَامَ الاشتراك، وربما بتمادِي الزمان تَحصُلُ المزاحمةُ لهم في الأوقاف، وغيرِ ذلك، مما هُمْ المقصُودُوْنَ بِهِ، ويُثَابُ القَائِمُ بالسَّعْي في ذلِكَ. هذا كلُّهُ إنْ صَحَّتْ النِّسْبَةُ المشارُ إليها، ولم تكُنْ نِسْبَةً للزُّبَيْرِيَّةِ، قَرية مِن قُرى المحلَّةِ، فقَدْ انتسَبَ إليها جماعةٌ، وحَصَلَ الاشتِبَاهُ بِذلك، فظَنَّ أنَّ بعضَ مَن نُسِبَ إليها مِن ذُرِّيةِ الزُّبيرِ بنِ العوَّام. وذكر السخاوي أحاديث في تحريم ادِّعاء النَّسَبِ الذي لا يصح. ثم قال: وقد روى أبو مصعب (١)، عن مالك بن أنس ﵀ قال: «مَنْ انتَسَبَ (٢) إلى بَيتِ النبيِّ ﷺ ـ يعني بالباطل ـ؛ يُضرَبُ ضَرْبَاً

стр. 198

وَجِيْعَاً، ويُشْهَرُ، ويُحبَسُ طَويلاً حتَّى تَظْهَرَ تَوبَتُهُ؛ لأنَّه استِخْفَافٌ بِحَقِّ الرسولِ ﷺ ». قلتُ ـ السخاوي ـ: ورَحِمَ الله مَالِكَاً، كيفَ لَو أدرَكَ مَن يتَسَارَعْ إلى ثُبوتِ ما يَغْلِبُ على الظَنِّ التوقُّفُ في صِحَّتِهِ مِن ذلك بِدُونِ تَثبُّتٍ، غيرَ مُلَاحِظٍ مَا يتَرتَّبُ عَلَيهِ مِن الأحكام، غَافِلاً عَن هذا الوعيد الذي كانَ مُعِينَاً عَلى الوقوعِ فِيهِ، إمَّا بثُبُوتِهِ، أو بِالإعذَارِ فيهِ؛ طَمَعَاً في الشيءِ التَّافِهِ الحَقِيرِ، قائلاً: «الناسُ مُؤتَمَنُونَ عَلى أنْسَابِهِمْ» (١)؟ !

стр. 199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 201

وهذا لَعمْرِي توسُّعٌ غَيرُ مُرِضِيٍّ، ومِنْ هُنا تَوقَّفَ كثِيرٌ ممن أدرَكنَاهُ مِن قُضَاةِ العَدْلِ عن التعَرُّضِ لِذلِكَ، ثُبُوتَاً ونَفْيَاً؛ لِلرَّهْبَةِ مما قدَّمْتُهُ. ويُقال: إن السببَ في كون الشطفة خضراء أن المأمون ﵀ أراد أن يجعل الخلافة في بني فاطمة، فاتخذَ لهم شعارَاً أخضَرَا، ألبسهم ثيابَاً خُضْرَاً .... فذكره، وذكر الألوان: الأبيض، والأحمر، قال: والأصفرَ لأنه ورد أن الملائكة ﵈ خرجوا يوم بدرٍ بعمائم صُفْرٍ (١) .... ثم قال السخاوي: وقد جمعْتُ للأشرَافِ كتَابَاً سمَّيْتُهُ: «استجلابُ الغُرَفِ بِحُبِّ أقرِبَاءِ الرسُولِ وذَوِي الشَّرَفِ» (٢). كُتِبَ عَنِّي ـ ولله الحمد ـ، وانتَشَرَتْ نُسَخُهُ. وكذا كَتَبْتُ مِن سِنين حيثُ سُئِلتُ مِن ذُرِّيةِ جعفر بنِ أبي طالب، أخي علي ﵄ أَتُلْحَقُ بالأشرَافِ الحسَنِيَّةِ أو الحسينية في الشرَفِ، والشطْفَةِ الخضْرَاء، جَوابَاً انْتَشَرَ، سَمَّيتُهُ «الإسعاف بالجواب عن مَسألَةِ الأشراف»، وكتبَهُ عنِّي بعضُ المفْتِين، واللهُ الموفق). (٣)

стр. 202

سئل ابن حجر الهيتمي المكي الصوفي (ت ٩٧٤ هـ) ﵀ عن الحكمة من اختصاص الشرف بذرية فاطمة دون سائر بنات النبي ﷺ ؟ والموقف ممن ادَّعى الشرَف وهو ذو أخلاق وأعمال سيئة، فهل يُصدَّق في دعواه، وكيف تتصور هذه النسبة الشريفة وعليه مخالفات؟ السائل من اليمن. فأجاب بما ملخصه: أن الحكمة لأنَّ علياً تزوَّجَ فاطمةَ في السماءِ قبلَ أن يتزوجها في الأرض! ! (١) وأنها سيدة نساء أهل الجنة، وتمييزها بتسميتها الزهراء إما لعدمِ كونها لا تحيض من غير عِلَّة، فكانت كنساءِ الجنة! وإما كونها على ألوان نساء الجنة! أو لغير ذلك. فهذه المذكورات ونحوهما مما امتازت به من الفضائل لا يبعد أن تكون هي الحكمة في بقاء نسلها في العَالَمْ أمْنَاً لَهُ من عُمومِ الفِتَنِ والمحَنْ! ! وذكر أن الشَّرفَ لا يختص بأولاد فاطمة، وأن المحققين ذكروا أنه لو

стр. 203

عاشَ نَسْلُ زينب من أبي العاص، أو رقية، وأم كلثوم من عثمان، لكان لهما الشرف والسيادة ما لنسل فاطمة ﵃ وقال: (ثُمَّ إذا تقرَّرَ ذلكَ، فمَنْ عُلِمَتْ نِسْبَتُهُ إلى آلِ البيت النبوي، والسرِّ العَلَوِيِّ، لا يُخرِجُهُ عن ذلكَ عَظيمُ جِنَايَتِهِ، ولا عَدَمُ دِيَانَتِهِ، وصيَانَتِهِ. ومِن ثَمَّ قال بعضُ المحقِّقِين: مَا مِثال الشريفِ الزاني، أو الشارب، أو السارق مثَلاً، إذا أقمْنَا عليهِ الحدَّ إلا كأميرٍ أو سُلطَانٍ تلَطَّخَتْ رِجْلَاهُ بِقَذَرٍ، فغَسَلَهُ عنهما بعضُ خَدَمَتِهِ. ولقد بَرَّ في هذا المثالِ وحقَّقَ. وليُتَأمَّلْ قولَ الناس في أمثالهم: الولَدُ العَاقُّ لا يُحْرَمُ الميراث. نَعَمْ الكُفْرُ إنْ فُرِضَ وُقُوْعُهُ لأَحَدٍ مِن أهلِ البيتِ ـ والعياذ بالله ـ هو الذي يَقطَعُ النِّسْبَةَ بَين مَنْ وقَعَ مِنهُ، وبَيْنَ شَرَفِهِ ﷺ . وإنِّما قُلْتُ: إنْ فُرِضَ؛ لأنَّنِي أكادُ أنْ أجزِمَ أنَّ حَقِيقَةَ الكُفْرِ لَا تَقَعُ مِمَّنْ عُلِمَ اتِّصَالُ نَسَبِهِ الصَّحِيحِ بِتِلْكَ البَضْعَةِ الكَرِيْمَةِ ـ حاشاهمُ الله مِن ذلك ـ. وقدْ أحالَ بعضُهُمْ وقُوعَ نَحْوِ الزِّنَا أو اللواط ممَّنْ عُلِمَ شَرَفُهُ، فما ظَنُّكَ بِالكُفْرِ؟ ! هذا كلُّهُ فِيمَنْ عُلِمَ شَرَفُهُ كما تقرر. وأمَّا مَن يُشَكُّ في شَرَفِهِ، فإنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بوجَهٍ شَرْعِيٍّ؛ وَجَبَ عَلى كلِّ أحَدٍ تعظيمَهُ بِما فِيهِ مِن الشَّرَفِ، والإنكارِ عَلى مَا فِيهِ مِنْ الخِلالِ التي تُنْكُرُ شَرْعَاً، لما تقرَّر أنه لا يَلزَمُ مِن الشرَفِ عَدَمُ الفِسْقِ.

стр. 204

وإنْ لم يثبُتْ نسَبُهُ شَرعَاً، وادَّعَاهُ ولم يُعْلَمْ كَذِبُهُ؛ تَعَيَّنَ التوقُّفُ عَن تَكذِيْبِهِ؛ لأنَّ الناسَ مَأمُونُونَ عَلى أنسَابِهِمْ، فليُسَلَّمْ لَهُ حالُه، ولا ينْبَغِي لِلإنسانِ أن يتحَسَّى سُمَّاً وهُو قادِرٌ على السلامة، وإذا كان المنْسُوبُونَ لِرجُلٍ صَالِحٍ يتوقَّاهُمُ الناسُ، ويُعَظِّمُونَهُمْ، لِأجْلِ ذلك، فما بَالُكَ بالمنسوبين إلى سيِّد الخلقِ كلِّهم ﷺ وشَرَّفَ وكَرَّمَ، وحشَرَنَا في زمرة مُحِبِّيْهِ، ومُحِبِّي آلِهِ وأصحابِهِ، آمين). (١) انتهى جوابه. قلتُ: في السؤال والجواب ملحوظات عديدة: السائل والمجيب يرون العصمة لآل البيت من الوقوع في الكبائر، ويستحيل وقوعهم في الكفر! وهذا محض ادِّعاء، مثَلُ آل البيت في هذا مثَلُ غيرهم سواء، وأقرب الناس إلى النبي ﷺ لم يثبت إسلامهم، ومن ذلك والداه، وبعض أعمامه، فليس لآل البيت عصمة من الكفر، والكبائر. ولا يصح دعوى اختصاص أولاد فاطمة بالشرف، لأنَّ الأشرافَ هُم بنو هاشم، ولأن عقب بنات النبي ﷺ قد انقطع، فلم يبق إلا عقب فاطمة، فأُطلِق عليهم الشرف بعد القرون المفضلة، فهو إطلاقٌ حَادِثٌ، وهُم أهلُ شرَفٍ في النَّسَبِ بلا شك. ودعواه الزواج في السماء مبني على أكاذيب ـ ستأتيك في مبحث زواجها ـ.

стр. 205

وتلقيبُها بالزهراء ليس من النبي ﷺ وإنما هو محدَثٌ في القرن الرابع الهجري. ولا يثبت شئ أبداً في دعواه أنها لا تحيض! وأما ادِّعاء أنَّ بقاءَ نسْلِ فاطمة في العَالَم أَمَنَةٌ لَهُ من عُمومِ الفِتَنِ والمحَنْ! ! فيُقال: أين الدليل على ذلك؟ ومِثل هذه مِن خرافات الرافضة، وإن بينهم وبين الصوفية نسَبٌ ومصاهرة في مثل هذه الخزعبلات ونحوها. وأما ذِكرُهُ المثال وإعجابه به، بأن الشريف إذا أقيم عليه الحد .. إلخ هذا يستوي فيه الشريف وغيره، فالحدود كفارات، فلا معنى للمثال. ووقوع الشريف نسباً في الكبائر لا يخرجه عن كونه شريف نسب، وإن كان وضيع عمَل، ولا يَلزَمُ مِن الشرَفِ عَدَمُ الفِسْقِ. فالعبرة بالتقوى، والحديث هنا عن النسَب المجرَّد فقط. وفي هذه الجزئية أثبتَها الهيتميُّ، وهو فيها مصيب. أما مالم يثبت نسبُه شرعاً وِفْقَ القواعد والضوابط والقرائن المعروفة عند أهل النسب، فإنه يُنكر على مدَّعيه، ويعاقَبُ على ذلك. نعم يُتوقف في حالة كونِه أتى بعدَد من البينات والقرائن الصحيحة التي لا ترتقي لدرجة الإثبات، فيمكن النفي دون جزم، ويهاب المرءُ في ذلك.

стр. 206

الخلاصة أن الهيتمي أصاب في مسألتين: الشرف لا يختص بأولاد فاطمة، فلو قُدِّر أن لبنات النبي ﷺ الثلاث عقب؛ لكان لهم شرف كأولاد فاطمة. وأن الشرف لايلزم منه عدم الفسق. وما عدا هاتين الجملتين، فأغلاط وتخاليط ـ والله أعلم ـ. هذا، وقد ذكر القلْقَشندي القاهري (ت ٨٢١ هـ) ﵀ نقلاً من كتاب «عرف التعريف» أن لقب الأشراف مختصٌّ بأبناء فاطمة من علي ﵄. (١) وذكر الهيتمي المكي (ت ٩٧٤ هـ) ﵀ أن: (الشريف المنتسب من جهة الأب إلى الحسن أو الحسين؛ لأن الشرَف وإنْ عَمَّ كلَّ رَفِيعٍ، إلا أنه اختُصَّ بِأولاد فاطمة ﵃ عُرفَاً مُطَّرِدَاً عِنْدَ الإطلاق). علَّق عليه عبدالحميد الشرواني (ت ١٣٠١ هـ) ﵀ في حاشيته: ... (لعلَّ هذا باعتبارِ زَمَنِهِ، وإلا فعُرْفُ الحِجَازِ وحَوَالَيه في زَمَنِنَا أنَّ الشريف الأول فقط، وأنَّ الثاني هو السيد. وقوله: «إلا أنه اختص بأولاد فاطمة إلخ» هؤلاء هُمْ الذين جُعِلَتْ لهم العِمَامَةُ الخضراء؛ لِيمتَازُوا بِها، فَلا يَلِيقُ لِغَيْرِهِم مِن بقية آلِه ﷺ

стр. 207

لُبْسُهَا؛ لأنه تزيٍّ بِزِيِّهِمْ فَيُوْهِمُ انتسَابَهُ لِلحَسَنِ أو الحُسَين، مع انتفاءِ نَسَبِهِ عنهما، ويُمنَعُ مِن ذلك فاعِلُهُ). (١) ونقل المناوي (ت ١٠٣١ هـ) ﵀ أنهم عدُّوا من خصائص آل المصطفى ﷺ إطلاق الأشراف عليهم. والواحد: شريف. ونقل عن السيوطي في «الخصائص الكبرى» قوله: (بأن الأشراف ولدُ: علي، وعقيل، وجعفر، والعباس، كذا مُصطلَحُ السَّلَفِ؛ وإنَّما حدَثَ تخصيصُ الشريف بِولَدِ الحسن والحسين في مصر خاصة من عهد الخلفاء الفاطميين). (٢) ذكر الشيخ: أحمد سلامة القليوبي (١٠٦٩ هـ) ﵀ في «حاشيته» أن: السيد الشريف: المنتسبون لأحد السبطين؛ لأنه المتعارف عند أهل مصر، والشريفُ أصالةً لقَبٌ لِكُلِّ مَنْ تحرُمْ عليه الزكاة من أهل البيت. ثم نقل كلام السيوطي ـ السابق ـ عن لقب الأشراف. (٣)

стр. 208

وذكر د. حسَّان الباشا أن لقب الشريف وُجِد مقروناً برجل من آل البيت في بعض النقوش، فوُجد نقش كُتب عام ٢٩٥ هـ، وفي القرن ٥ هـ، ... و ٦ هـ، وأن هذا اللقب استمرَّ سِمَةً في «مصر» على أبناء فاطمة، في عصر الأيوبيين، وعصر المماليك. وذكر أنه أُضيف لقبُ الشريف في عهد المماليك لما يُضاف إلى السلطان من أنواع المكاتبات: عهد شريف، مرسوم شريف، تقليد شريف، توقيع شريف ... وكذا اصطُلِح على إطلاق لقب السيد على أولاد علي، وكثيراً ما يُلحق به لقب الشريف ... وقد أطلق لقب السيد على القرامطة الذين يدَّعون الانتساب إلى علي! وصار لقب السيد لقباً عاماً على أصحاب السلطان الحقيقي في «مصر» منذ بدر الجمالي حتى نهاية عصر المماليك. وكان يطلق أيضاً على أمراء الجيوش في العصر العبيدي الفاطمي). (١)

стр. 209

قلتُ: الذي يبدو لي ـ والله أعلم ـ أنه ظهرَ لقَبُ «السيدِ» (١) ... و «الشريف» مع الاسم الهاشمي، في أوائل القرن الرابع الهجري نادراً جداً، وكَثُرَ في القرن الخامس، وما بعده. يرِدُ ذلك في وصفِ العلماء ـ في أسانيدهم وكتب التراجم ـ الهاشميين بهذين الوصفين. وكذا يُطلق وصف: السيدة والشريفة ـ على قِلَّة فيما يبدو ـ وقد ذُكرا في القرن السابع وما بعده. (٢) - من منع من التلقيب بـ «الشريف»، و «السيد» قال عمر آغا بن يوسف النمر النابلسي القاضي الحنفي ... (ت ١٠٨٢ هـ) ﵀: (وينبغي لآل الحسنين أن لا يكتبوا مع أسمائهم: السيِّد، أو الشريف فلان؛ فإنَّ ذلك تعظيمُ الإنسانِ نفسَه، وهو مَذمومٌ، فيتجنَّبَ عن ذلك.

стр. 210

وإظهار نسبه ممكن بكتابة اسمه: فلان الحسني أو الحسيني). (١) نقل الشيخ بكر أبو زيد ﵀ كلاماً للآلوسي ﵀ في «أدب الرسائل» ينص على أنَّ إطلاق لقب السَّيِّد على عقب الحسنين، لا أصل له، وكذلك العمامة الخضراء ... وذكر أنَّ إطلاقَ اسمِ الشريفِ والسيِّد إطلاقٌ حادِثٌ، وكذا لُبْسُ الطراز الأخضر، كلُّ ذلك مِن المبتدعات ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الحجرات: ١٣ هذا ما لزم بيانه، والله أعلم.) انتهى. (٢) قلت: للتلقيب أسباب: النَّبْزُ والذَّمُّ، المدَحُ والتَّعظِيمُ، النِّسْبَةُ المجَرَّدَةُ. ولَقَبُ الشَّريفِ من النوع الثالث. (٣)

стр. 211

ولا يظهر أن هذا اللقب الاصطلاحي «الشريف» فيه إشارة إلى دِيْنِ أو عِلْمِ أو عَمَلِ المتلقِّبِ به، ولا تزكيةَ فيه، بل هو إشارَةٌ إلى النسَّبِ لا غَيْر. (١) التفريق بين السيد والشريف علَّق عليه عبدالحميد الشرواني (ت ١٣٠١ هـ) ﵀ في حاشيته على قول الهيتمي بأن الشريف لقب ذرية الحسن والحسين، قال: (لعلَّ هذا باعتبارِ زَمَنِهِ، وإلا فعُرْفُ الحِجَازِ وحَوَالَيه في زَمَنِنَا أنَّ الشريف الأول فقط، وأنَّ الثاني هو السيد). (٢) فدلَّ هذا على أنَّ مَنْ كان من ذُرِّية الحسَن يقال له: الشريف. ومن كان من ذرية الحسين، يقال له: السيد.

стр. 212

وذكر يوسف النهباني (ت ١٣٥٠ هـ) ﵀ أن لقب الشريف والسيد يُطلقان على ذرية السبطين، في جميع بلدان المسلمين، قال: إلا في الحجاز، فإنهم اصطلحوا فيه على اطلاق الشريف على من كان حسَنياً، والسيِّد على من كان حُسينياً؛ للفرق بينهما). (١) وقد ذكر الشريف: محمد بن منصور بن هاشم آل عبدالله بن سرور: أنه في الحجاز لا يُطلَق لفظ «الشريف» إلا على مَن وَلِيَ إمرَةَ مكة من الحسنيِّين، فيقال: شريف مكة. وأما مَن لم يليها منهم فيُنعَتْ بـ «السيِّد»، وقد رأيتُ كثيراً من وثائق الأشراف القديمة لا يُنعت فيها أحد بالشريف إلا إذا كان من أمراء مكة .... وذكر أنَّ أشراف الحجاز جُلَّهم: حَسنيون، وأشراف المدينة: حُسينيون، وأشراف الطائف: جميعهم: نمَويُّونَ نِسبة لأمير مكة في القرن العاشر: أبي نُمي الثاني (ت ٩٩٢ هـ) وهو ابنُ بركات بنِ محمد من نَسْلِ: موسى الجون بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب. (٢)

стр. 213

هذا، وقد أحسن وأجاد الشيخ: إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير ... ـ وفقه الله ـ في هذه المسألة فأفردها برسالة (١)، ومنه استفدتُ النقول التالية: ففي (ص ٣٧) ذكر عن المؤرِّخ أيوب صبري (ت ١٢٩٠ هـ) (٢) أنَّ بعض المؤرخين يُفرِّقون بين اللقبين ... قال: (وفي هذا مغالطة تاريخية ظهرت في الأزمنة المتأخرة ... وذكر تنفيذ ذلك من قِبل من تأمَّرَّ على الحجاز حتى عهد قتادة بن إدريس ... وخطَّأَ المؤرِّخُ هذا التفريق. (٣) وذكر الشيخُ: إبراهيم بن منصور الهاشمي قولَ القاضي: جعفر لبني المكي (ت ١٣٤٠ هـ) إنكار التفريق، وكذا الدِّهْلَوِي المكي (ت ١٣٥٥ هـ)، ومحفوظ الترمسي المكي (ت ١٣٣٨ هـ) قال: (وربما يقال في بعض البلاد للحسني: شريف، وللحسيني سيد، وكأنه اصطلاحٌ لا يشاحَحُ عليه، وإلا فكلٌّ منهما سيِّدٌ وشَرِيفٌ، كما لا يَخفى). (٤)

стр. 214

وأفاد الشيخ: إبراهيم بن منصور: أنه: شاع هذا التفريق عند جماعة من الناس مِن ذاك الزمان إلى يومنا هذا، وقد خرَج مِن نطاق الاصطلاح الذي لا مشاحَّةَ فيه، إلى إنكار إطلاق لقَبِ الشريف علَى ذُرِّية الحسين السِّبْط، والسيد على ذرية الحسن السِّبْط، والعكس. والتفريقُ خطأٌ، لا مستنَدَ له، وذكرَ الأدلةَ على خطئه، فليُراجَع لمريد الاستزادة. وقد أورد كلام أهل العلم بالتاريخ والسِّيَر والنَّسَبِ والشواهد الحجَرِيَّة، والصُّكوكِ والحجج أنه لا فرقَ بين لقَبِ السيِّدِ والشريف. وذكر أنَّ لقب السيد مُقدَّم على لقَب الشريف عند أهل اليمن وشرق وجنوب السعودية، والعراق، وأقاليم في الشام، وأقاليم في مصر، وبلاد العجم. ولقبَ الشريف مقدم على لقب السيد في: الحجاز، ونجد، والمغرب، وأقاليم في مصر، وأقاليم في الشام، وغيرها. قال: ولعل هذا العُرْف المناطقي من أسباب التفريق في إطلاق اللقبين. (١)

стр. 215

الخلاصة: لا فرق بين اللقبين، فالعلماء السابقون من قرون متطاولة يطلقون اللفظين على ذرية الاثنين الحسن والحسين دون تفريق، تجد ذلك في كتبهم التراجم وغيرها، وكذلك الصكوك والوصايا المحفوظة لدى الهاشميين. ولكُلِّ بَلَدٍ اصطلاحٌ وعُرفٌ، ولا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح (١)، إنما يُنكَرُ عَلى مَن خصَّص لقب الشريف على ذرية الحسن، ومنع إطلاقه على ذرية الحسين، والعكس كذلك. (٢)
следующие страницы →