← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وذكر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) ﵀ من مساجد المدينة النبوية: ... (مسجد فاطمة الزهراء بالبقيع، الذي قيل: إنه محلُّ قبرها، بالقرب من قُبَّة العباس من جهة القبلة). (١) ثم ذكر نحوه في موضع آخر وذكر أنه أرجح الأقوال. (٢) وفي القرن الماضي ١٤ هـ: ذكر اللواء: إبراهيم رفعت باشا المصري ... (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀ (٣) أنَّ داخل المسجد النبوي: بستان السيدة فاطمة ... ووضع صورتَه. قال: وفي شمال القبر النبوي ضريحٌ زعمُوا أنه على قبر فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه ﷺ ولا يثبُت، ويُرجِّحُون أنَّ قبرَها بالبقيع. (٤)

стр. 1542

وذكر اللواء: إبراهيم رفعت ـ أيضاً ـ أنه دخل المدينة النبوية في (محرم ١٣١٩ هـ) وذكر السلام على النبي ﷺ وصاحبيه، ثم قال: (ثم زرنا مكاناً يقال له مهبط الوحي، ومكاناً آخر يزعم الناس أنه سيدفن فيه عيسى ﵇، ومكاناً ثالثاً يُقال إنه مقبرة فاطمة الزهراء! ! وكَذَبُوا، فإنَّ الواقدي قال: قلت لعبدِالرحمن بن أبي الموالي: إنَّ الناس يقولون إنَّ قبرَ فاطمة في البقيع ... فذكر الأثر .. قال إبراهيم رفعت باشا: وكلُّ هذه الأماكن شمالي حُجرة الرسول ﷺ ). (١) وذكر اللواء: إبراهيم رفعت باشا المصري (ت ١٣٥٣ هـ) ـ أيضاً ـ أنَّ بقيع الغرقد طوله ١٥٠ مِتْرَاً في عَرْضِ ١٠٠ مِتْرٍ .... قال ﵀: ... (وهذا المكان به مقابرُ كَثيرٍ من الصحابةِ والتابعين وكبار المسلمين، وقد دُفن فيه من الصحابةِ نحوَ عشرةِ آلاف، وتَفرَّقَ باقيهم في البلدان؛ ونَظَراً إلى أنَّ السلفَ الصالح كان يجتنب البناءَ على القبور وتجصيصَها، وقد أفضى ذلك إلى انطماس معالم كثير من قبورهم؛ فلذلك لا تُعرَفُ قبورُ كثيرٍ منهم إلا أفراداً معدودة، أُقِيمَتْ على قبور بعضِهم قِبَاب، ومِن أولئك الأفراد: إبراهيم،

стр. 1543

ورقية، وفاطمة أولاد الرسول ﷺ و .... إلخ (١) الكتابة على قبر فاطمة ﵂ -: ذكر ابن النجار (ت ٦٤٣ هـ) أن فائد مولى عبادل، قال: حدَّثني الحفَّار أنه حفر القبر، فوجد قبراً على سبعة أذرع من خوخة نُبَيه مشرفاً، عليه لوحٌ مكتوب عليه: هذا قبر فاطمة بنت رسولِ اللَّهِ ﷺ . (٢) وذكر المؤرِّخ أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت ٣٤٦ هـ) (٣)

стр. 1544

عند وفاة محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (سنة ١٤٨ هـ) قال: ... (وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رُخَامة عليها، مكتوبٌ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، الحمد لله مبيد الأمم، ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي، وجعفربن محمد ﵃). (١) وقد نقله السمهودي، ثم قال: (حين ذكرَ هذا كانَ في ... سنةِ ٣٣٢ هـ). (٢)

стр. 1545

هذا، وإنَّ مِن الغلو والمبالغات المحرَّمة الخطيرة أن بُني مسجدٌ في البقيع على قبور آل البيت ــ ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ــ ذكر الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) مسجدَ فاطمة في «البقيع»! ! (١)

стр. 1546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1547

وذكر شارح الإحياءِ: الزبيدي (ت ١٢٠٥ هـ) عن قبر العباس: وهو قبَّة عالية واسعة، فيها قبر الحسن، وابنه علي، وابنه محمد بن علي، وقال: (وفي

стр. 1548

هذا المشهد قبر عقيل بن أبي طالب ﵁، ولاشتمال هذه البقعة على هؤلاء السادة الكرام عُرفت بقبة الأنوار ... وفي طرف قبة الأنوار محراب لطيف يقال به قبر فاطمة ﵂، وقيل: بل قبرها في طرف الروضة الشريفة، وقد دُفنت ليلاً، ولذا وقع فيه الاختلاف). (١) ذكر علي موسى أن أكبر القباب في البقيع: قبة آل البيت ـ ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ـ. (٢) وسبق ذكر قول السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) من مساجد المدينة النبوية: ... (مسجد فاطمة الزهراء بالبقيع، الذي قيل: إنه محلُّ قبرها، بالقرب من قُبَّة العباس من جهة القبلة). (٣)

стр. 1549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1553

الخلاصة أنه لا إشكال أنَّ فاطمة ﵂ دُفنت في المقبرة في بقيع الغرقد (١)، هذا هو المعتمد عند علماء أهل السنة والجماعة إلا مَن شَذَّ، وعليه المؤرِّخون، وأما قول مَن قال: إنها دُفنت في بيتها، أو أمام مصلَّى الإمام بالروضة الشريفة، فهو قولٌ باطِلٌ مُنْكَرٌ. (٢)

стр. 1554

وأيضاً لا يصح أنَّ قبرَها أُخفِي عن الصحابة ـ كما تدَّعِيه الرافضة (١) ـ،

стр. 1555

فهذه الآثار المسندة السابقة في تعين قبرها ـ على ضعف هذه الأسانيد وانقطاعها ــ تثبت أنها في مقبرة البقيع، قريباً من زاوية دار عُقيل، ومُوَاجِهَ دار نُبيه. وهذه الدور والمواضع كلُّها قد زالت، ودخلت في التوسعة ـ واللَّه أعلم ـ. ولا يَعلمُ أحدٌ الآن على وجه التحديد قبراً معيناً من القبور التي ذُكرت في النصوص السابقة ـ كما سيأتي بيانه ـ. ومَن دخلَ البقيعَ الآن، وسلَّم على الجميع بما في ذلك الصحابة

стр. 1556

ــ ومنهم آل البيت ــ، والتابعين؛ كفاه ذلك ـ والحمدُ اللَّه ـ. هذا، وإنَّ من فوائد جمع ما قيل في هذه المسألة: بيانَ عناية أهل السنة والجماعة من المؤرِّخين وغَيرِهم بذكر تفاصيلَ حياةِ آلِ البيت، والصحابةِ ﵃. حزن علي بن أبي طالب على وفاة فاطمة ﵄: يُروى أنه وقف على قبر فاطمة ﵂ وتمثَّل هذه الأبيات: أرى عِلَلَ الدُّنيا عَلَىَّ كثيرةً ... وصاحِبُها حتَّى المماتِ عَليلُ لِكُلِّ اجتِمَاعٍ مِن خَليلينِ فُرْقَةٌ ... وإنَّ الذي دُونَ الممَاتِ قَليلُ وإنَّ افتِقَادِي فَاطِمَاً بعَد أحمدٍ ... دَليلٌ على ألا يَدُومَ خَلِيلُ (١)

стр. 1557

هل يُعلَم ــ الآن ــ قبر فاطمة ﵂ في البقيع على وجه التحديد؟ قال المجد الفيروز ابادي (ت ٨١٧ هـ) ﵀ عن مقبرة البقيع: ... ( ... لا شك أن هذه المقبرة المقدسة محشوةً مملوءةً بالجمَّاء الغفير من سادات الأمة من المهاجرين والأنصار، غير أن اجتناب السلف الصالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها؛ أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم، فلأجل ذلك ... لا يُعرف قبرٌ مُعَيَّنٌ منهم، إلا أفراداً معدودة نشير إلى شئ منها). علَّق السمهودي بقوله: وقد ابتنى عليها مشاهد: ... ثم ذكرها). (١) قلت: والأفراد المعدودون عُرفوا في القرون المتأخرة في عهد العُبيديين، ومَن ذكرهم مِن أهل السنة المحققين إنما ذكرهم على سبيل التقريب والظن، وعليه فليست المعرفة في زمن الفيروزابادي وقبله وبعده على سبيل اليقين والجزم، لتوالي الدفن في البقيع في القرون الأولى، وانطماس معالمها في وقت مبكر ـ كما سيأتي بيانه ـ. قال السمهودي (ت ٩١١ هـ) ﵀: (وإنما أوجب عدم العلم بعَين قبر فاطمة ﵂، وغيرِها من السلف، ما كانوا عليه مِن عَدَمِ البناء على القبور وتجصيصِها، مع ما عَرَضَ لأهلِ البيتِ ﵃ من معاداة الولاة

стр. 1558

قديماً وحديثاً .. إلخ). (١) وقد حاول بعضُ المتأخرين، منهم: أحمد بن ياسين الخياري الحسني المدني (ت ١٣٨٠ هـ) (٢)، ومحمد إلياس عبدالغني (٣)، وغيرُهما، حاولوا تحديد مَوضع قبور أزواج النبي ﷺ وآل بيته، ومن ذلك قبر فاطمة ﵂، لكنه من باب التقريب والظن (٤)، لأنَّ ابنَ عساكر، وابنَ النجَّار ــ وهما في القرن السابع الهجري ــ لم يستطيعا تحديدَ قبرِ فاطمة، وكثيرٍ من الصحابة، واستثنوا ما ذُكر، فكيف بمَن يأتي في القرن الخامس عشر؟ !

стр. 1559

قال ابن النجَّار (ت ٦٤٣ هـ) ﵀: (إنَّ قبور أزواج النبي ﷺ وهي أربعةُ قُبورٍ ظَاهِرَةٍ، ولا يُعلَمُ تحقيق مَن فيها مِنهُنَّ). (١) قال التقي الفاسي المكي (ت ٨٣٢ هـ) ﵀ عن مقبرة المعلاة بمكة: (ولا يُعرَفُ فيها تحقيقاً قبرُ أحَدٍ من الصحابة، وليسَ في القبرِ الذي يُقال له قبرُ خديجة بنت خويلد، أثَرٌ يُعتَمَدُ، واللَّه أعلم). وقال ـ أيضاً ـ عن قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية ﵂ في «سَرِف» وقال: (ولا أعلم بمكة، ولا فيما قرُبَ منها قبورُ أحدٍ ممن صَحِبَ رسولَ اللَّه ﷺ سِوَى هذا القبر؛ لأنَّ الخلَفَ يأثر ذلك عن السلف ... ). (٢) وقال محمد جار اللَّه ابن ظهيرة القرشي المخزومي ... (ت ٩٦٠ هـ) ﵀ عن مقبرة المعلاة في مكة: (حَوَتْ من سادات الصحابةِ والتابعين، وكبارِ العلماء والصالحين، وإنْ لم يُعرَف قبرُ أحدٍ من الصحابة تحقيقاً الآن). (٣)

стр. 1560

قال الملا علي قاري الهروي (ت ١٠١٤ هـ) ﵀: (سائرُ قبورِ الصحابةِ في مقبرة مكة، ليس لها محلٌّ مُعيَّنٌ على وجهِ الصحة، حتى تربة خديجة ﵂ أيضاً، وإنما بُنِيَ عليها اعتمادَاً على رؤيا بعض الأولياء، واللَّه أعلم). (١)

стр. 1561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1563

والراجح ـ واللَّه أعلم ـ أنه لا يمكن لأحدٍ ـ الآن ـ أن يَعرِف قبراً معيناً من قبور آل البيت والصحابة والتابعين، لأنه لم يكن السلف الصالح يعتنون بها ويشيدون المعالم عليها (١)، ثم إنَّ القبور تتغير معالمها، وتندثر تماماً مع تعاقب القرون، فكيف بتعاقب قرون طويلة تصل إلى خمسة عشر قرناً، وفي التاريخ ما يدل على تعاقب الدفن في البقيع في مَوضع واحد دون معرفة بالسابق. (٢)

стр. 1564

وقد قال الحسين بن عمر العثماني المراغي الشافعي ... (ت ٨١٦ هـ) ﵀: (إنه يجب على ولاة الأمور ــ بل وعلى كل مسلم ـ مواراة ما يوجد من عظام أموات المسلمين، لاسيما في البقيع، فقد شاهدتُ فيه من ذلك ماهالني رؤيته). (١) وبعد كتابة ـ ما سبق ـ طُبع كتاب قيِّم بعنوان: «الإصابة فيمن دُفن بالبقيع من الصحابة ﵃ ـ توثيق علمي مؤصَّل لمسائل الدفن في البقيع، وقبور آل البيت والصحابة فيه ـ» (٢) للشيخ: منصور بن صالح السلامة التميمي (٣) ذكر أنه استفاد كثيراً من رسالة: «المسائل العقدية المتعلقة بالمدينة النبوية» د. ألطاف الرحمن بن ثناء اللَّه الهندي. (٤) وعَرَضَ لمسألةِ: هل قبور الصحابة في البقيع معلومة؟ (٥)

стр. 1565

وإليك خلاصة ما ذكره الشيخ: منصور السلامة ـ بعد التصرف والزيادة والتعليق عليه ـ إنَّ مقبرة البقيع هي مقبرة المدينة منذ زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، ولايمكن الجزم بصحة نسبة القبور إلى أصحابها المشار إليهم: كقبر فاطمة، وابنيها، والعباس، وأمهات المؤمنين و ..... ؛ لأنَّ الإسلامَ نهى عن: رفع القبر، وتجصيصه، والبناء عليه، والكتابة عليه؛ وقد امتثَلَ السلفُ الصالح في القرون الثلاثة الأولى هذا الأمر النبوي العظيم، قولاً وعملاً، ولم يكونوا يبالغون في تعظيمها، ويقيمون عندها الاحتفالات، وقراءة القرآن، ويعكفون عندها، إلى غير ذلك من البدع المنتشرة عند القبور في الأزمان المتأخرة عن الصحابة ﵃، وكان السلفُ في غاية الحرص على سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، والقبورُ بابٌ عظيمٌ من أبواب الشيطان لِصَدِّ الناس عن دينهم. والنبيُّ ﷺ لم يُعلِم الصحابةَ بقبور الأنبياء، فليس في الشريعة اهتمام وتعظيم لقبور الأنبياء والصالحين. وفي «عمدة الأخبار في مدينة المختار» لأحمد بن عبدالحميد العباسي ... (ص ١٢٧) بعد أن ذكر مجموعة من قبور الصحابة وآل البيت والتابعين في البقيع قال: (غير أن غالبَهم لا يُعرف عينُ قبره، ولا جِهته؛ لاجتنابِ السلفِ البناء والكتابة على القبور مع طول الزمن).

стр. 1566

وموضع بقيع الغرقد ــ خاصة قبل التوسعة السعودية ــ أصغر بكثير من احتمال مَوتى أهل المدينة والمجاورين فيها مدة تزيد على ١٤٠٠ سنة! ! (١) فيقيناً أنَّ المقبرةَ امتلأتْ، وأُعيدَ الدفن فيها مراراً وتكراراً، (٢) لذلك

стр. 1567

ورد عن هشام بن عروة، عن أبيه (ت ٩٤ هـ) أنه قال: (ما أحبُّ أنْ أُدفَن بالبقيع؛ لَأَنْ أُدفنَ في غيرِه أحبُّ إليَّ مِن أنْ أُدفنَ فيه؛ إنما هو أحدُ رجلين: إما ظالمٌ، فلا أحبُّ أنْ أدفنَ معه، وإمَّا صالحٌ فلا أحبُّ أن تُنْبَش لي عظامُه). (١)

стр. 1568

يُضاف إلى ذلك ما جَرى على المدينة في التاريخ البعيد والقريب من السيول الجارفة، مع طول العهد وتباعد القرون، عُلِمَ مِن ذلك يقيناً أنَّ معالم القبور اندرست وامَّحت، ولايمكن تحديد شئ منها ومعرفة صاحبه. ويُلحظ أنَّ البقيع الآن مرتفعٌ عن مستوى المسجد النبوي وما حوله ارتفاعاً ظاهراً، مع أنَّ أصل البقيع أرضٌ منخفضة، وسببه ـ واللَّه أعلم ـ توالي الدفن بعضه على بعض منذ فترات متباعدة، مع مايتضمنه الدفن من اللَّبِن وغيره، لذا ارتفعت المقبرة ـ والعلم عند اللَّهِ تعالى ـ. ويُلحظ أيضاً عند من حدَّد القبور: أن قبور أمهات المؤمنين متجاورة، وكذا عمات النبي ﷺ ، وكذا قبور بنات الرسول ﷺ عدا فاطمة، ثم قبر فاطمة وبعض بنيها، هذا التجمع أمر مستبعد لتفاوت سنوات وفاتهم، ولم يعرف عنهم حجز مكان قبورهم، فكيف اتفقت القبور متجاورة؟ ! والدليل على افتعال كثير من التعيينات أنَّ بعضَهم نسب بعض قبور

стр. 1569

شهداء أحد في البقيع! وذكر العياشي (ت ١٠٩٠ هـ) أنَّ في البقيع قبر حليمة السعدية، مع أنه ليس لها ذكر بعد بعثة النبي ﷺ ، كذلك نسب بعض المتأخرين ... (ت ١٣٠٣ هـ) قبراً في البقيع لعمة النبي ﷺ عاتكة بنت عبدالمطلب، وعاتكة مختلف في إسلامها والجمهور على عدم إسلامها، كما ذكره أبو نعيم وابن الأثير وغيرهم، وقد ذكر الذهبي في «السير» (٢/ ٢٧٠): أنَّ الصحيحَ أنه لم يُسْلِمْ مِن عماتِه ﷺ إلا صفية ﵂. وكذلك ذكر بعضهم قبرَ عَقِيل بن أبي طالب في البقيع، ولم يذكره العلماء، بل المعروف أنه توفي في الشام. فهذا وأمثاله دالٌّ على دخول كثير من الأخبار والمعلومات في تعيين القبور، والاهتمام بها من لدن الصوفية وأهل البدع المغلَّظة كالرافضة وغيرهم. ثم شرع الشيخ: منصور السلامة (ص ٧٤ ـ ١٣٧) في ذكر مَن نُصَّ على أنه دُفن بالبقيع من الصحابة، وآل البيت. وقد بلغ عددهم مئة وأربعين (١٤٠) رجلاً وامرأة. (١) ... وأوافقه على دراسته هذه كلِّها.

стр. 1570

تعليق ختامي مهم حول القباب التي أُحدثت على قبور ... آل البيت وغيرهم، ومن ذلك قبر فاطمة ﵂ -. أولاً: ثبت عن زوجِ فاطمة أبي الحسنين: علي بن أبي طالب ﵃ فيما أخرج مسلم في «صحيحه» برقم (٩٧٩) من حديث أبي الهيَّاج الأسدي، قال: قال لي عليُّ بنُ أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ «أن لا تدَعَ تِمثالاً إلا طمستَه، ولا قَبراً مُشْرِفَاً إلا سوَّيْتَهُ». وفيه أيضاً برقم (٩٧٠) من حديث جابر ﵄ قال: «نهى ... رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يُجصَّصَ القبر، وأن يُقعَد عليه، وأن يُبْنَى عليه». وهناك أحاديث كثيرة جداً، تُحذِّرُ من البناء على القبور، والغلو فيها، وبناء المساجد عليها، وتجصيصها، وغير ذلك. (١)

стр. 1571

ثانياً: لم يكن تجصيص القبور، والبناء عليها موجوداً في القرون الثلاثة المفضَّلَّة. قال ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (وإنما المتبع في إثبات أحكامِ اللَّهِ: كتابُ اللهِ، وسُنَّةُ رسُولِه ﷺ ، وسبيلُ السابقين الأولين؛ ... لا يجوز إثبات حُكمٍ شرْعِي بدون هذه الأصول الثلاثة، نصَّاً واستنباطَاً بحَالِ). (١) قال الإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) ﵀: (ولَمْ أرَ قبورَ المهاجرين والأنصار مجصَّصَة ...

стр. 1572

وقد رأيتُ من الولاةِ مَن يهدِم بمكة ما يُبنى فيها، فلَمْ أرَ الفقهاء يعِيبون ذلك ... ). (١) وسبقَ قولُ السمهودي (ت ٩١١ هـ): (وإنما أوجبَ عدم العلم بعين قبر فاطمة ﵂ وغيرها من السلف، ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها، مع ما عرض لأهل البيت ﵃ من معاداة الولاة قديماً وحديثاً .. إلخ). (٢) وقال السمهودي أيضاً: (وفي «مدارك عياض» (٣) عن مالك: أنه مات بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف، وباقيهم تفرقوا في البلدان. وقال المجد (٤): لا شك أنَّ مقبرة البقيع محشوةٌ بالجمَّاء الغفير من سادات الأمة، غير أنَّ اجتناب السلف الصالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم، فلذلك لا يُعرف قبر معينين منهم إلا أفراداً معدودة. قلت ـ السمهودي ـ: وقد ابتنى عليها مشاهد: ... ثم ذكرها). (٥)

стр. 1573

ثم حدثَتْ المشاهدُ بعد القرون المفضلة، حينما ضعفت الدولة العباسية، وزاد نشاط العُبيديين الباطنيين الذي يدَّعُون ـ كذباً ـ أنهم فاطميون، فاستولوا على الحرمين وأحدثوا فيها الفساد؛ (١) وقد وافَقَ بناء القباب بعد

стр. 1574

القرون المفضَّلة رغبةَ طوائف الصوفية، وفيهم: فقهاء، وعبَّاد، وغيرهم، فاجتمع الصنفان: الرافضة والصوفية على بناء المشاهد على القبور، وتعظيمها. (١) من أدلة ذلك ـ والأدلة كثيرة ـ أن الكتب التي وَصفَت الحرمين، في القرون الأولى الصالحة الخيِّرة لم تذكر شيئاً من القباب، فانظر مثلاً للقاضي المؤرِّخ: وكيع، واسمه: محمد بن خلف (ت ٣٠٦ هـ) ﵀ في كتابه: ... «الطريق» وصَفَ الحرمين والطريق إليهما وبينهما وما فيهما وصفاً دقيقاً

стр. 1575

عجيباً، ولم يذكر شيئاً من القباب على القبور، فلا شك أنها محدثة بدعة بعد القرون المفضلة. ثم كثُرَتْ المشاهد على القبور إلى زماننا هذا (١)، ولها أثرٌ عظيمٌ على عقيدة المسلمين، وهي السببُ الأول لضَعفِهِم وهَوَانهم. (٢) قال ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشرك، ثم لما تمكنت الزنادقة أمَروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد، محتجِّين بأنه لا تُصلى الجمعة والجماعة إلا خلفَ المعصوم.

стр. 1576

ورَوَوا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجِدْ مثله فيما وقفتُ عليه من أكاذيب أهلِ الكتاب؛ حتى صنَّف كبيرُهم ابنُ النعمان كتاباً في «مناسك حج المشاهد» وكذَبوا فيه على النبيِّ ﷺ وأهلِ بيته أكاذيبَ بدَّلوا بها دينَه وغيَّروا مِلَّتَه، وابتدعوا الشركَ المنافي للتوحيد، فصاروا جامِعِينَ بين الشرك والكذب، كما قرن اللَّهُ بينهما في غير موضع كقوله: ﴿ ... وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ... الحج: ٣٠ - ٣١). (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (وأوَّلُ مَن وضعَ هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هُم أهلُ البدع مِن الروافض ونحوِهم، الذين يُعطِّلُون المساجد ويُعظِّمونَ المشاهد، يَدَعُون بيوتَ اللَّهِ التي أمرَ أنْ يُذكَرَ فيها اسمُه، ويُعبدَ وحدَه لا شريك له، ويُعظِّمونَ المشاهدَ التي يُشرك فيها، ويُكذَبُ فيها، ويُبتَدَعُ فيها دِيْنٌ لم يُنزِلُ اللَّهُ به سلطانَاً؛ فإنَّ الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ... ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الأعراف: ٢٩، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ الجن: ١٨، وقال:

стр. 1577

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ التوبة: ١٨، وقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ البقرة: ١٨٧، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ البقرة: ١١٤، وقد ثبتَ عنه ﷺ أنه كان يقول: «إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبورَ مساجد، ألا فلا تتَّخِذوا القبور مساجدَ فإني أنهاكم عن ذلك». واللَّه تعالى أعلم). (١) قال الذهبي (٧٤٨ هـ) ﵀: (أول مَن دسَّ على المسلمين بدع المقابر: العبيدية في مصر، والقرامطة، والشيعة). (٢)

стр. 1578

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (وكذلك الرافضةُ غلَوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذُوهُم أرباباً مِن دون اللَّه، فتركوا عبادةَ اللَّه وحدَه لا شريكَ له التي أمرَهُم بها الرُّسُلُ، وكذَّبُوا الرسولَ فيما أخبرَ بِه من تَوبَةِ الأنبياء واستغفارِهِم، فتَجِدُهُمْ يُعطِّلُونَ المساجدَ التي أمرَ اللَّهُ أن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فيها اسمُه، فلا يُصلُّونَ فيها جُمعةً ولا جَماعَةً، ولَيس لها عندَهم كبيرُ حُرْمَةٍ، وإنْ صلَّوا فيها صلَّوا فيها وِحدَاناً؛ ويُعظِّمونَ المشاهدَ المبنِيَّةَ على القبور، فيَعكُفُونَ عليها مشابهةً للمُشرِكِين، ويَحجُّونَ إليها كما يحجُّ الحاجُّ إلى البيت العتيق، ومنهم مَن يجعلُ الحجَّ إليها أعظمَ من الحج

стр. 1579

إلى الكعبة، بل يسبُّون مَن لا يستغني بالحج إليها عن الحج الذي فرَضَهُ اللَّهُ على عبادِه، ومَن لا يستغني بها عن الجمعة والجماعة. وهذا من جنس دين النصارى والمشركين الذين يُفضِّلون عبادةَ الأوثان على عبادة الرحمن. وقد ثبت في الصِّحَاح عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذُوا قبور أنبيائهم مساجد». وقال قبل أن يموت بخمس: «إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». رواه مسلم. وقال: «إنَّ مِن شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». رواه الإمام أحمد، وابن حبان في «صحيحه». وقال: «اللَّهم لا تجعل قبري وثناً يُعبَد، اشتَدَّ غضبُ اللَّهِ على قومٍ اتخذُوا قبور أنبيائهم مساجد». رواه مالك في «الموطأ». وقد صنَّفَ شيخُهم ابنُ النعمان، المعروف عندهم بالمفيد ـ وهو شيخ الموسوي والطوسي ـ كتاباً سمَّاهُ: «مناسك المشاهد» جعل قبورَ المخلوقين تُحج كما تُحجُّ الكعبة البيتَ الحرام الذي جعله اللَّهُ قياماً للناس، وهو أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس، فلا يُطافُ إلا به، ولا يُصلَّى إلا إليه، ولم يأمر اللَّهُ إلا بِحَجِّهِ. وقد عُلِمَ بالاضطرار مِن دين الإسلام أنَّ النبي ﷺ لم يأمر

стр. 1580

بما ذكرُوهُ مِن أمْرِ المشاهد، ولا شرَعَ لأمَّتِهِ مناسكَ عِندَ قُبورِ الأنبياءِ والصالحين، بلْ هذا مِن دِينِ المشركين الذين قال اللَّه فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ نوح: ... ٢٣ قال ابن عباس وغيره: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح لما ماتوا عكفوا على قبورهم، فطال عليهم الأمد، فصوَّرُوا تماثيلهم ثم عبدوهم. وقد ثبتَ في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». وقد ثبت في «صحيح مسلم»، وغيره، عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليُّ بنُ أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثَني عليه رسولُ اللَّه ﷺ أنْ لا أدعَ قبراً مُشْرِفَاً إلا سوَّيتُه، ولا تمثَالاً إلا طمَسْتُهُ». فقَرَنَ بين طَمس التماثيل وتَسوِيةِ القبور المشرِفَةِ؛ لأنَّ كِلَيْهما ذريعةٌ إلى الشرك كما في «الصحيحين» أنَّ أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا للنبي ﷺ كنيسةً رأينَها بأرض الحبشة، وذكرتَا مِن حُسْنِهَا وتصاويرَ فيها، فقال: «إنَّ أولئك إذا ماتَ فيهم الرجلُ الصالحُ بنَوا على قبرِهِ مسجداً، وصوَّرُوا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند اللَّهِ يوم القيامة». واللَّهُ أمرَ في كتابِه بعمارَةِ المساجد، ولم يذكُرِ المشاهدَ. فالرافضةُ بدَّلُوا دينَ اللَّه! فعَمَرُوا المشاهد، وعطَّلُوا المساجد، مضَاهَاةً للمشركين، ومخالفةً للمؤمنين.
следующие страницы →