← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ورَوَوا في إنارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجِدْ مثله فيما وقفتُ عليه من أكاذيب أهلِ الكتاب؛ حتى صنَّف كبيرُهم ابنُ النعمان كتاباً في «مناسك حج المشاهد» وكذَبوا فيه على النبيِّ ﷺ وأهلِ بيته أكاذيبَ بدَّلوا بها دينَه وغيَّروا مِلَّتَه، وابتدعوا الشركَ المنافي للتوحيد، فصاروا جامِعِينَ بين الشرك والكذب، كما قرن اللَّهُ بينهما في غير موضع كقوله: ﴿ ... وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ... الحج: ٣٠ - ٣١). (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (وأوَّلُ مَن وضعَ هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هُم أهلُ البدع مِن الروافض ونحوِهم، الذين يُعطِّلُون المساجد ويُعظِّمونَ المشاهد، يَدَعُون بيوتَ اللَّهِ التي أمرَ أنْ يُذكَرَ فيها اسمُه، ويُعبدَ وحدَه لا شريك له، ويُعظِّمونَ المشاهدَ التي يُشرك فيها، ويُكذَبُ فيها، ويُبتَدَعُ فيها دِيْنٌ لم يُنزِلُ اللَّهُ به سلطانَاً؛ فإنَّ الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ... ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الأعراف: ٢٩، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ الجن: ١٨، وقال:

стр. 1577

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ التوبة: ١٨، وقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ البقرة: ١٨٧، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ البقرة: ١١٤، وقد ثبتَ عنه ﷺ أنه كان يقول: «إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبورَ مساجد، ألا فلا تتَّخِذوا القبور مساجدَ فإني أنهاكم عن ذلك». واللَّه تعالى أعلم). (١) قال الذهبي (٧٤٨ هـ) ﵀: (أول مَن دسَّ على المسلمين بدع المقابر: العبيدية في مصر، والقرامطة، والشيعة). (٢)

стр. 1578

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (وكذلك الرافضةُ غلَوا في الرسل، بل في الأئمة، حتى اتخذُوهُم أرباباً مِن دون اللَّه، فتركوا عبادةَ اللَّه وحدَه لا شريكَ له التي أمرَهُم بها الرُّسُلُ، وكذَّبُوا الرسولَ فيما أخبرَ بِه من تَوبَةِ الأنبياء واستغفارِهِم، فتَجِدُهُمْ يُعطِّلُونَ المساجدَ التي أمرَ اللَّهُ أن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فيها اسمُه، فلا يُصلُّونَ فيها جُمعةً ولا جَماعَةً، ولَيس لها عندَهم كبيرُ حُرْمَةٍ، وإنْ صلَّوا فيها صلَّوا فيها وِحدَاناً؛ ويُعظِّمونَ المشاهدَ المبنِيَّةَ على القبور، فيَعكُفُونَ عليها مشابهةً للمُشرِكِين، ويَحجُّونَ إليها كما يحجُّ الحاجُّ إلى البيت العتيق، ومنهم مَن يجعلُ الحجَّ إليها أعظمَ من الحج

стр. 1579

إلى الكعبة، بل يسبُّون مَن لا يستغني بالحج إليها عن الحج الذي فرَضَهُ اللَّهُ على عبادِه، ومَن لا يستغني بها عن الجمعة والجماعة. وهذا من جنس دين النصارى والمشركين الذين يُفضِّلون عبادةَ الأوثان على عبادة الرحمن. وقد ثبت في الصِّحَاح عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذُوا قبور أنبيائهم مساجد». وقال قبل أن يموت بخمس: «إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». رواه مسلم. وقال: «إنَّ مِن شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». رواه الإمام أحمد، وابن حبان في «صحيحه». وقال: «اللَّهم لا تجعل قبري وثناً يُعبَد، اشتَدَّ غضبُ اللَّهِ على قومٍ اتخذُوا قبور أنبيائهم مساجد». رواه مالك في «الموطأ». وقد صنَّفَ شيخُهم ابنُ النعمان، المعروف عندهم بالمفيد ـ وهو شيخ الموسوي والطوسي ـ كتاباً سمَّاهُ: «مناسك المشاهد» جعل قبورَ المخلوقين تُحج كما تُحجُّ الكعبة البيتَ الحرام الذي جعله اللَّهُ قياماً للناس، وهو أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناس، فلا يُطافُ إلا به، ولا يُصلَّى إلا إليه، ولم يأمر اللَّهُ إلا بِحَجِّهِ. وقد عُلِمَ بالاضطرار مِن دين الإسلام أنَّ النبي ﷺ لم يأمر

стр. 1580

بما ذكرُوهُ مِن أمْرِ المشاهد، ولا شرَعَ لأمَّتِهِ مناسكَ عِندَ قُبورِ الأنبياءِ والصالحين، بلْ هذا مِن دِينِ المشركين الذين قال اللَّه فيهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ نوح: ... ٢٣ قال ابن عباس وغيره: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح لما ماتوا عكفوا على قبورهم، فطال عليهم الأمد، فصوَّرُوا تماثيلهم ثم عبدوهم. وقد ثبتَ في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». وقد ثبت في «صحيح مسلم»، وغيره، عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليُّ بنُ أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثَني عليه رسولُ اللَّه ﷺ أنْ لا أدعَ قبراً مُشْرِفَاً إلا سوَّيتُه، ولا تمثَالاً إلا طمَسْتُهُ». فقَرَنَ بين طَمس التماثيل وتَسوِيةِ القبور المشرِفَةِ؛ لأنَّ كِلَيْهما ذريعةٌ إلى الشرك كما في «الصحيحين» أنَّ أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا للنبي ﷺ كنيسةً رأينَها بأرض الحبشة، وذكرتَا مِن حُسْنِهَا وتصاويرَ فيها، فقال: «إنَّ أولئك إذا ماتَ فيهم الرجلُ الصالحُ بنَوا على قبرِهِ مسجداً، وصوَّرُوا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند اللَّهِ يوم القيامة». واللَّهُ أمرَ في كتابِه بعمارَةِ المساجد، ولم يذكُرِ المشاهدَ. فالرافضةُ بدَّلُوا دينَ اللَّه! فعَمَرُوا المشاهد، وعطَّلُوا المساجد، مضَاهَاةً للمشركين، ومخالفةً للمؤمنين.

стр. 1581

قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الأعراف: ٢٩، لم يقل: عند كلِّ مشهد. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ التوبة: ١٧ - ١٨، ولم يقل: إنما يعمر مشاهدَ اللَّهِ، بل عُمَّارُ المشاهِدِ يخشونَ بها غيرَ اللَّه، ويَرجُون غيرَ اللَّه. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ الجن: ١٨، ولم يقل: وأنَّ المشاهد للهِ. وقال: ... ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ الحج: ٤٠ ولم يقل: ومشاهد. وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ النور: ٣٦ - ٣٧ وأيضا فقد عُلِمَ بالنقل المتواتر، بَلْ عُلِمَ بالاضطرار مِن دينِ الإسلام، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ شرعَ لأمَّته عِمارَةِ المساجد بالصلوات، والاجتماعِ للصلوات الخمسِ، ولصلاة الجمعة، والعيدين، وغير ذلك، وأنَّه لم يشرع لأمتِهِ أنْ يبنوا على قَبرِ نَبِيٍّ، وَلا رَجُلٍ صَالِحِ، لا مِن أهلِ البيتِ ولا

стр. 1582

غيرِهم، لا مَسجِداً ولا مَشهَدَاً. ولم يكن على عهدِهِ ﷺ في الإسلام مَشهدٌ مَبنِيٌّ على قَبر، وكذلك على عَهدِ خُلَفَائِهِ الراشدين أصحابِه الثلاثةِ وعليِّ بنِ أبي طالب ومعاويةَ، لم يكن على عهدِهِمْ مَشْهَدٌ مَبنِيٌّ لا عَلى قَبرِ نَبِيٍّ وَلا غَيرِهِ، لَا عَلى قَبرِ إبراهيم الخليل، ولا عَلى غَيْرِهِ). (١) وعن غلو الرافضة، قال ابن تيمية ﵀: (وفيهم ـ أي الرافضة ـ من الشرك والغلو ما ليس في سائر طوائف الأمة؛ ولهذا أظهر ما يوجد الغلو في طائفتين: في النصارى والرافضة. ويوجد أيضاً في طائفة ثالثة من أهل النسك والزهد والعبادة الذين يغلون في شيوخهم ويشركون بهم). (٢) وقد أورد ابن تيمية إجابة على اعتراض قد يرد من الرافضة بأن ما وصفتموه من غلو الرافضة في القبور والمشاهد موجود عند بعض أهل السنة، فردَّ شيخ الإسلام ﵀ على ذلك وبيَّن أن هذا خطأٌ سواءٌ صدرَ من

стр. 1583

الرافضة أو مِن أهلِ السُّنَّة ... ، وذكر أنه عند الرافضة أكثر. (١) وقال ابن تيمية ﵀: (إذا قصدَ الرجُلُ الصلاةَ عند بعضِ قُبور الأنبياءِ والصالحين، مُتَبرِّكاً بالصلاة في تِلك البُقعَةِ؛ فهذا عَينُ المحَادَّةِ للَّه ورَسُولِهِ، والمخالَفَةِ لِدِينهِ، وابتدَاعِ دِينٍ لم يأذَنْ به اللَّهُ؛ فإنَّ المسلمينَ قَدْ أجمعَوا عَلى ما عَلِمُوهُ بِالاضطِرَارِ مِن دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِن أنَّ الصلاةَ عندَ القَبر ـ أيَّ قَبرٍ كان ـ لا فضلَ فيها لِذلك، ولا لِلصلاةِ في تلك البقعة مَزيَّةُ خَيرٍ أصلاً، بَل مَزِيَّةُ شَرٍّ. واعلَمْ أنَّ تِلك البقَعَةِ وإنْ كان قد تَنزلُ عندها الملائكةُ والرحمَةُ، ولها شَرَفٌ وفَضْلٌ، لكن دِينُ اللَّهِ تعَالى بين الغَالي فيه والجافي عنه. فإنَّ النصارَى عظَّمُوا الأنبياءَ حتَّى عبَدُوهُم، وعبَدُوا تماثِيلَهُم، واليهودَ استخَفُّوا بِهم حتَّى قتَلُوهُم، والأمَّةُ الوسَطُ عَرَفُوا مقادِيرَهُم؛ فلَمْ يَغْلُوا فيهم غُلوَّ النصارى، ولم يجفُوا عنهم جَفَاءَ اليهود .... ). (٢) قال ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) ﵀: (مَنْ جمَعَ بينَ سُنَّةِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ في القُبور، ومَا أمرَ به ونَهَى عنه، ومَا كان عليه أصحابُه، وبَين ما عَليه أكثرُ الناسِ اليوم؛ رأَى أحدَهما مُضَادَّاً للآخَر، مُنَاقِضَاً لَهُ، بحيثُ

стр. 1584

لا يجتمعان أبدَاً. فنهى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يُصَلُّونَ عِندها. ونهى عن اتخاذها مساجدَ، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويُسمُّونَها مَشاهِد؛ مضاهاةً لبيوت اللَّهِ. ونهى عن إيقادِ السُّرُجِ عليها، وهؤلاء يُوقِفُونَ الوُقُوفَ عَلى إيقاد القناديل عليها. ونهى أن تُتَّخَذَ عِيدًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادَاً ومنَاسِكَ، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر. وأمر بتسويتها، ... فذكر حديثين في النهي عن ذلك، ثم قال: هؤلاء يبالغون في مخالفةِ هذين الحديثين، ويرفعونها من الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القِباب. وذكر ابنُ القيم النهي عن التجصيص والبناء والكتابة والزيادة عليها بغير ترابها ... إلخ (١) وقال ابن القيم ﵀ بعد بيان: (والمقصودُ أنَّ هؤلاءِ المعظِّمِين للقبور، والمتَّخِذِينَهَا أعيادَاً، الموقِدِين عليها السُّرُجَ، الذين يَبنُونَ عليها

стр. 1585

المساجدَ والقِبابِ؛ مُناقِضُونَ لما أمَرَ بِهِ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، محادُّون لما جاءَ به. وأعظمُ ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر، وقد صرَّح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه. (١) وقال ابن القيم ﵀: (ومن المُحال أن يكونَ دُعاءُ الموتى، أو الدُّعاءُ بهم، أو الدُّعَاءُ عندَهم؛ مَشرُوعاً وعَمَلاً صَالحَاً، ويُصرفُ عنهُ القُرُونُ الثلاثة المفَضَّلةِ بِنَصِّ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم يُرْزَقَه الخُلوفُ الذين يقولون ما لا يَفعَلُون، ويفعَلُون ما لا يُؤمَرُون. فهذه سُنَّةُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ في أهلِ القُبورِ بِضْعَاً وعِشرينَ سَنَةً، حتَّى توفَّاهُ اللَّهُ، وهذِهِ سُنَّةُ خُلَفَائِهِ الراشِدِين، وهَذِهِ طَريقَةُ جَميعِ الصحابةِ والتابِعينَ لهم بإحسان، هَل يُمكِنُ بَشرَاً على وجْهِ الأرض أنْ يَأتي عَن أحَدٍ مِنهم بنَقْلٍ صَحِيحٍ، أو حَسَنٍ، أو ضَعِيفٍ، أو مُنقَطِعٍ؛ أنهم كانوا إذا كان لهم حاجَةٌ قصَدُوا القُبورَ فَدَعَوا عِندَها، وتمسَّحُوا بها، فَضلًا أن يُصَلُّوا عندها، أو يَسألُوا اللَّهَ بأصحَابِها، أو يسألُوهُم حَوائجَهُم؟ فَلْيُوقِفُونا عَلى أثَرٍ واحِدٍ، أو حَرفٍ وَاحِدٍ في ذلك. بَلَى؛ يمكنُهم أنْ يأتُوا عَن الخُلُوفِ التي خَلَفَتْ بعدَهُم بكثير مِن ذلك، وكُلَّما تأَخَّرَ الزَّمَانُ وطَال العَهدُ؛ كان ذلك أكثر، حتَّى لقَد وُجِدَ في ذلك عِدَّةُ

стр. 1586

مصنَّفاتٍ لَيس فيها عن رسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا عَن خُلَفَائِهِ الراشِدِينَ ولا عَن أصحَابِهِ حَرْفٌ واحِدٌ مِن ذلك! بلى؛ فيها مِن خلاف ذلك كثير، كما قدمناهُ من الأحاديثِ المرفوعة .... إلى أن قال ﵀: فلو كان الدعاءُ عند القُبور، والصلاةُ عندها، والتبرُّكُ بها فَضِيلَةً أو سُنَّةً أو مُبَاحَاً، لَنَصَبَ المهاجِرُونَ والأنصَارُ هذا القبرَ عَلَمَاً لِذلك، ودَعَوا عنده، وسَنُّوا ذلك لمن بَعدَهم، ولكن كانوا أعلمَ باللَّهِ ورسُولِهِ ودِينِهِ مِن الخُلُوفِ التي خَلَفَتْ بعدَهُم. وكذلك التابعون لهم بإحسَانٍ، راحُوا على هذا السبيل، وقد كان عِندَهُم مِن قُبُورِ أصحَابِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ بالأمصَارِ عَدَدٌ كَثير، وهم مُتوَافِرُونَ، فما مِنْهُم مَن استغاثَ عندَ قَبْرِ صاحِبٍ، ولا دعَاهُ، ولا دعَا بِهِ، ولا دعَا عندَهُ، ولا استسقَى بِه، ولا استنْصَرَ بِه، ومِن المعلومِ أنَّ مِثلَ هذا مما تتوفَّرُ الهِمَمُ والدَّوَاعِي عَلى نَقْلِه، بَل عَلى نَقْلِ ما هُو دُونَه. وحينئذٍ فلا يخلُو: إمَّا أنْ يكونَ الدعاءُ عندَها، والدعاءُ بأربابها أفضلَ منه في غير تلك البقعة، أولا يكون: فإنْ كانَ أفضلَ، فكيفَ خَفِيَ عِلْمَاً وعمَلَاً عَلى الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ ! فتكونُ القرونُ الثلاثةُ الفَاضِلَةُ جَاهِلَةً بهذا الفضل العظيم، وتظفَرَ به الخُلوف عِلْمَاً وعَمَلاً؟

стр. 1587

ولا يجوز أنْ يعلمُوه ويزهَدُوا فيه، مع حِرصهم على كُلِّ خَير، لا سيما الدعاء؛ فإنَّ المضطَرَّ يتشَبَّثُ بكُلِّ سَبَبٍ، وإنْ كان فيه كَراهَةٌ مَا، فَكيف يكونون مضطَرِّين في كثير من الدعاء، وهُم يعلَمُونَ فضلَ الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعَاً وشَرْعَاً. فتعيَّن القسمُ الآخر، وهوَ أنه لا فضلَ للدعاءِ عندها، ولا هُو مَشروع، ولا مَأذونٌ فيه بقصدِ الخصوص، بل تخصيصُها بالدعاءِ عندَها ذَريعةٌ إلى ما تقدَّمَ من المفاسِد، ومِثلُ هذا مما لا يَشْرَعُهُ اللَّهُ ورَسُولُه البتة، بل استحِبَابُ الدعاء عندَها شَرْعُ عبادةٍ لم يشرْعَهَا اللَّهُ، ولم يُنزِّل بها سُلطَانَاً. وقد أنكَرَ الصحابةُ ما هُو دونَ هذا بكثير ... ). (١) قال الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ) ﵀: (فإنَّ هذه القِبابَ والمشاهدَ التي صارت أعظمَ ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبرَ وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالبُ بَل كلُّ مَن يَعمُرُها هم الملوكُ والسلاطينُ والرؤساء والولاةُ، إمَّا على قريبٍ لهم أو على مَن يُحسنون الظنَّ فيه، مِن فاضل أو عالِم ... أو صوفيٍّ أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزورُه الناسُ الذين يعرفونه زيارة الأموات، مِن دون توسُّل به ولا هَتْفٍ باسمِه، بل يَدْعون له ويستغفرون، حتَّى ينقرِضَ مَن يَعرفه أو أكثرُهم، فيأتي مَن بعدهم فيجدُ قبراً قد شُيِّد عليه

стр. 1588

البناءُ، وسُرِجَت عليه الشموعُ، وفُرِشَ بالفراش الفاخر، وأُرْخِيَت عليه الستورُ، وأُلْقِيَت عليه الأورادُ والزهور، فيعتقد أنَّ ذلك لِنَفعٍ أو لدفع ضُرٍّ، ويأتيه السَّدَنة يَكذِبُون على الميِّت بأنَّه فعلَ وفَعَلَ، وأنزل بفلانٍ الضَّرَرَ، وبفُلانٍ النَّفْعَ، حتَّى يَغرسُوا في جِبلَّتِه كُلَّ بَاطل، ولهذا الأمْرِ ثَبَتَ في الأحاديث النبوية اللَّعنُ على مَن أَسْرَجَ على القبور، وكتَبَ عليها، وبَنَى عليها، وأحاديثُ ذلك واسعةٌ معروفَةٌ، فإنَّ ذلك في نفسِهِ مَنهِيٌّ عنه، ثم هو ذريعةٌ إلى مَفسَدَةٍ عَظِيمَةٍ. فإنْ قلتَ: هذا قبرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قد عُمِّرت عليه قُبَّة عظيمةٌ أُنفقت فيها الأموال؟ ! قلتُ: هذا جهلٌ عظيم بحقيقة الحال، فإنَّ هذه القُبَّة ليس بناؤها منه ﷺ ، ولا مِن أصحابه، ولا مِن تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا مِن علماء أمَّتِهِ، وأئمَّةِ مِلَّتِه، بل هذه القُبَّةُ المعمُولَةُ على قبرِهِ ﷺ مِن أبنية بعض مُلوك مصر المتأخرين (١)، وهو قَلاوُون الصالحي المعروف بالملك المنصور، في سنة ثمان وسبعين وستمئة، ذكره في «تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة» (٢)، فهذه أمورٌ دولية لا دليلية، يتبع ...

стр. 1589

فيها الآخرُ الأول. وهذا آخرُ ما أردناه مِمَّا أوردناه لَمَّا عمَّت البلوى، واتُّبعت الأهواء وأعرضَ العلماءُ عن النكير، الذي يجبُ عليهم، ومالوا إلى ما مالَتْ العامَّةُ إليه، وصارَ المنكرُ معروفاً والمعروفُ منكراً، ولَم نجد من الأعيان ناهياً عن ذلك ولا زاجِراً). انتهى كلام الصنعاني. (١) وقال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) ﵀: (اعلَم أنه قد اتَّفَقَ الناسُ، سابقُهم ولاحقُهم، وأولهم وآخرُهم من لدُن الصحابة ـ رضوان اللَّه عنهم ـ إلى هذا الوقت: أنَّ رفعَ القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبتَ النهي عنها واشتد وعيدُ رسولِ اللَّهِ ﷺ لفاعلها، كما يأتي بيانه، ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين أجمعين، لكنه وقع للإمام يحيى بن حمزة مقالة تدل على أنه يرى أنه لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يقل بذلك غيرُه، ولا رُوِي عن أحد سواه، ومَن ذكرها من المؤلِّفين في كتب الفقه من الزيدية فهو جَريٌ على قولِه واقتداءٌ به. ولم نجد القولَ بذلك ممن عاصره، أو تقدم عصره عليه لا مِن أهل البيت ولا من غيرهم. (٢)

стр. 1590

ذكر الأستاذ الأديب السوري: رفيق العظم (١) ﵀ كلاماً جميلاً مفاده: اختلاف المؤرِّخين في تعيين قُبور كَثيرٍ من جِلَّة الصحابة الكرام، رغم مكانتهم السامية، وآثارهم الحميدة، ومع ذلك فقبورهم لا تُعلَمُ تحديداً! ! وذكر أنه قد يتساءل بعضهم: لِمَ لَمْ تُعرَف تحديداً، ويُشاد عليها البناء والقباب، وتُتخذ مساجد؛ لِعظم مكانتهم وكبير آثارهم؟ ! كما فُعِل بقبور عدد من الأمراء الظلمة الذين ليس لهم أثر يُشكرون عليه في الإسلام، وكذا المتمشيخة والدجالين؟ ! ثم أجاب ﵀ على هذا التساؤل بقوله: (إنَّ الصحابة والتابعين لم يكونوا في عصرهم بأقل تقديراً لقدر الرجال، وتعظيماً لشأن مَن نبغَ فيهم

стр. 1591

من مشاهير الأبطال، وأخيار الأمة، إلا أنهم كانوا يأنفون من تشييد قبور الأموات، وتعظيم الرفات؛ لتحقُّقِهم النهي الصريح عن ذلك من صاحب الشريعة الغراء الحنيفية السمحة، التي جاءت لاستئصال شأفة الوثنية، ومحو آثار التعظيم للرفات، أو العكوف على قبور الأموات، ويرون أن خير القبور الدوارس، وأنَّ أشرف الذكر في أشرف الأعمال؛ لهذا اختفَتْ عمن أتى بعد جيلهم ذلك قبورُ كبار الصحابة، وجِلَّة المجاهدين إلا ما ندر، ثم اختلفتْ نقلة الأخبار في تعيين أمكنتها باختلاف الرواة، وتضارب ظنون الناقلين، ولو كان في صدرِ الإسلام أثَرٌ لتعظيم القبور والاحتفاظ على أماكن الأموات بتشييد القباب والمساجد عليها، لما كان شئٌ من هذا الاختلاف، ولما غابتْ عنَّا إلى الآن قبورُ أولئك الصحابة الكرام، كما لم تغب قبور الدجاجلة والمتمشيخين التي ابتدعها بعد العصور الأولى مبتدعة المسلمين، وخالفوا فِعْلَ الصحابةِ والتابعين، حتَّى باتَتْ أكثرُ هذه القباب تُمَثِّلُ هياكل الأقدمين، وتُعيد سيرةَ الوثنية بأقبحِ أنواعها، وأبعَدِ منازِعِها عن الحق، وأقربها من الشرك. (١) ولو اعتبرَ المسلمونَ بعدُ باختفاءِ قبورِ الصحابةِ الذين عنهم أخذُوا هذا

стр. 1592

الدين، وبهم نصرَ اللَّهُ الإسلام؛ لما اجترأوا على إقامة القباب على القبور، وتعظيم الأموات، تعظيماً يأباه العقل والشرع، وخالفوا في هذا كلِّه الصحابةَ والتابعينَ الذين أدَّوا إلينا أمانة نبيهم ﷺ فأضعناها، وأسرَارَ شريعتِهِ فعَبثْنَا بها! ! وإليك ما رواه في شأنِ القبور مُسلمٌ في «صحيحه» .... ثم ذكر الأستاذ حديثين منه: حديثَ أبي الهياج عن علي، وحديثَ فضالة بن عبيد في تسوية القبور. (١) ثم قال: هكذا بلَّغوا الدين، وأدَّوا إلينا أمانةَ الرسولِ ﷺ ، ثم تأكيداً لعَهد الأمانة بدأوا بكُلِّ ما أمرهم به الرسول ﷺ بأنفسهم؛ لنستنَّ بسنتهم، ونهتدي بهَدي نبيهم. ولكَنْ قَصُرَتْ عُقُولُنَا عن إدراك معنى تلك الجزئيات، وانحطَّتْ مداركنا عن مقام العلم بحكمة التشريع الإلهي، والأمر النبوي القاضي بعدم تشييد القبور؛ اتقاءَ التدرج في مدارج الوثنية، فلم نحفل بتلك الحكمة، وتحكَّمنا بعقولنا القاصرة بالشرع، فحكَمْنَا بجواز تشييد القبور استحباباً

стр. 1593

لمثل هذه الجزئيات، حتى أصبَحَتْ كليات وخَرقاً في الدِّين، وإفساداً لعقيدةِ التوحيد؛ إذْ ما زِلْنَا نتدرَّجُ حتَّى جعلنا عليها المساجدَ، وقصَدْنَا رُفاتَها بالنذور والقُرُبات، ووقعْنا مِنْ ثَمَّ فيما لأجلِه أمرَنا الشارِعُ بطَمْسِ القُبُور، كُلُّ هذا ونحنُ لا نزالُ في غفلةٍ عن حِكْمَةِ الشرْعِ، نُصَادِمُ الحَقَّ ويُصادِمُنَا حتى نهلكَ مع الهالكين). انتهى كلام الأستاذ: رفيق ﵀ (١) أقول: يتفطر القلب أسى حينما ينظر المرءُ إلى ما آلَ إليه المسلمون بعد القرون الأولى من البُعد عن دينهم باتجاههم للقبور عبادةً أو تعظيماً، وبناءَ المشاهد والقباب عليها (٢)، فلا زالت كثير من البلدان الإسلامية ـ إلى زماننا هذا ـ مليئةً بتعظيم القبور والمشاهد، وبناء القباب عليها ـ نسأل اللَّه السلامة والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وأن يصلح أحوال المسلمين في

стр. 1594

دينهم ودنياهم ـ. (١) * * * وبناءُ القباب على القبور محرَّمٌ نصَّاً وإجماعاً، وهو وسيلةٌ للشرك، والتغرير بالعامة وأشباههم، ليقوموا بصرف شئ من العبادة لصاحب القبر. وإنَّ زيارةُ القبور عند أهلِ السُّنَّة والجماعة ـ من لدن ... النبي ﷺ إلى زماننا هذا ــ على نوعين، كما قال العلامة الشيخ: عبدالرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦ هـ) ﵀: (مشروع، وممنوع: أما المشروع فهو: ما شرعَهُ الشارعُ مِن زيارة القبور على الوجه الشرعي مِن غَير شدِّ رَحْلٍ، يزورها المسلمُ متَّبِعاً للسُّنَّةِ، فيَدعُو لأهلها عموماً، ولأقاربِهِ ومعارِفِهِ خصوصاً؛ فيكون محسِناً إليهم بالدعاء لهم وطلب العفو والمغفرة والرحمة لهم، ومُحسِناً إلى نفسِه باتِّبَاع السُّنَّةِ وتَذكُّرِ الآخرة، والاعتِبار بها والاتِّعاظ.

стр. 1595

وأما الممنوع فإنه نوعان: أحدهما: محرَّم ووسيلة للشرك، كالتمسُّحِ بها، والتوسل ... إلى اللَّهِ بأهلها، والصلاة عندها، وكإسراجها، والبناء عليها، والغلوِّ فيها، وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبةَ العبادة. والنوع الثاني: شِركٌ أكبر، كدعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم، وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شِرْكٌ أكبر، وهوَ عَيْنُ ما يفعلُهُ عُبَّادُ الأصنام مع أصنامهم. ولا فرق في هذا بينَ أنْ يعتقدَ الفاعلُ لذلك أنهم مُستَقِلُّون في تحصيل مطالبِه، أو متوسِّطُون إلى اللَّهِ، فإنَّ المشرِكين يقولون: ... ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ... (سورة الزمر، آية ٣). ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (سورة يونس، آية ١٨). فمَنْ زَعَمَ أنه لا يَكفرُ مَن دعا أهلَ القبور حتَّى يعتقدَ أنهم مُستقِلُّون بالنَّفعِ ودَفْعِ الضَّرِرِ، وأنَّ مَن اعتقد أنَّ اللَّهَ هوَ الفاعل، وأنهم وسائطُ بين اللَّهِ وبينَ مَن دعاهم واستغاثَ بهم، فلا يَكفر؛ مَنْ زعمَ ذلكَ فقد كذَّبَ ما جاء به الكتابُ والسُّنَّة، وأجمعَتْ عليه الأمَّةُ مِنْ أنَّ مَنْ دعَا غيرَ اللَّه فهو مشركٌ كافِرٌ في الحالَين المذكورين، سواءٌ اعتقدَهُمْ مستقِلِّيْنَ أو متَوَسِّطِين.

стр. 1596

وهَذا معلومٌ بالضَّرورَةِ مِن دِين الإسلام. فعليكَ بهذا التفصيل الذي يحصلُ به الفرقانُ في هذا الباب المهمِّ الذي حَصَلَ بِهِ مِن الاضطراب والفتنةِ ما حَصَل، ولم ينْجُ مِن فِتنَتِهِ إلا مَنْ عَرَفَ الحقَّ واتَّبَعَهُ). (١)

стр. 1597

هدم القباب المحدثة على القبور في بقيع الغرقد وغيره . نحمد اللَّه حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه أن ردَّ البقيع إلى حالته الأولى، التي كانت في حياة النبي ﷺ ، وخلفائه الراشدين، والقرون المفضَّلة، فيسَّر اللَّهُ لهذه الدولة السُّنِّيَّةِ السَّنِيَّة السلفية ... «المملكة العربية السعودية»، إزالة مظاهر الشرك والغلو والبدع من الأبنية على القبور، وغيرها، أدام اللَّه علينا وعلى المسلمين نعمة الإسلام والسُّنَّة، وحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من الضلالات والشركيات والبدع، وجزى اللَّهُ خيراً ولاة أمرنا وعلماء المسلمين على جهودهم في التحذير من الشرك والغلو ومظاهره، والسعي في إزالته، فالحمدُ للهِ حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياءِ والصالحين، والملوكِ وغيرِهم، يتعيَّنُ إزالَتُهَا بهدْمٍ أوْ بَغيرِهِ، هذا مما لا أعلَمُ فيه خلافَاً بين العلماء المعروفين، وتُكرَهُ الصلاةُ فيها مِن غيرِ خِلافٍ أعلَمُه، ولا تصِحُّ عندنا في ظاهر المذهَبِ لِأجلِ النهي واللعن الوارِدِ في ذلك، ولأحَادِيثَ أُخَر، وليس في هذه المسألة خِلَافٌ لِكَونِ المدفون فيها واحِدَاً، وإنما اختَلَفَ أصحَابُنا في المقبرة المجرَّدَةِ عَن مَسجِدٍ، هَل حدُّهَا

стр. 1598

ثلاثة أقبر، أو يُنهَى عن الصلاة عند القبر الفَذِّ وإنْ لم يَكُن عندَهُ قَبْرٌ آخَر؟ على وجهين. (١) قال ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) ﵀ بعد بيان: ( ... وأبلَغُ من ذلك: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ هَدَمَ مسجدَ الضِّرار، ففي هذا دليلٌ على هَدْمِ ما هُو أعظَمُ فَسَادَاً منه، كالمساجِدِ المبنيَّةِ عَلى القَبور؛ فإنَّ حُكمَ الإسلام فيها أن تُهدَم كلُّها، حتَّى تُسوَّى بالأرض، وهي أولى بالهدْمِ مِنْ مَسجِدِ الضِّرار، وكذلك القِبَابُ التي عَلى القُبور يجبُ هدمُهَا كلها؛ لأنها أُسِّستْ على معصية الرسُولِ، لأنه قد نَهى عن البنَاءِ على القُبور كما تقدم؛ فبناءٌ أُسِّس على مَعصِيتِهِ ومخالَفَتِهِ؛ بِناءٌ محرَّمٌ، وهُو أولى بالهدمِ مِن بناءِ الغَاصِبِ قَطعَاً. وقد أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بهدمِ القُبورِ المُشْرِفَةِ كما تقدم؛ فهَدْمُ القِبَابِ والبناءِ والمساجدِ التي بُنيتْ عليها أولى وأحرَى؛ لأنه لَعَنَ مُتَّخِذِي المساجدَ عليها، ونهَى عن البناءِ عليها؛ فيجبُ المبادرةُ والمساعدةُ إلى هَدمِ ما لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ فاعلَه، ونهى عنه، واللهُ يُقيم لِدِينِهِ وسُنَّةِ رسولِه مَن ينصرُهُما، ويَذُبُّ عنهما، فهو أشدُّ غيرةً وأسرَع تَغيِيرَاً. وكذلك يجبُ إزالةُ كلِّ قِنديل أو سِراج على قَبرٍ وطَفْيُهُ؛ فإنَّ فاعِلَ ذلك مَلعُونٌ بلَعْنَةِ رسُولِ اللهِ ﷺ ، ولا يصحُّ هذا الوَقْفُ، ولا يحِلُّ

стр. 1599

إثباتُه وتَنفِيذُه. (١) وقال ـ أيضاً ـ ﵀: (ولا تحسبْ أيُّهُا المُنْعَمُ عليه باتباع صراطِ اللهِ المستقيم، صِراطِ أهلِ نعمتِه ورحمتِه وكرامَتِه أنَّ النهيَّ عن اتخاذ القبور أوثَانَاً وأعيادَاً وأنصابَاً، والنهيَّ عن اتخاذِها مساجِد، وبناءَ المساجد عليها، وإيقادَ السُّرج عليها، والسفرَ إليها، والنذرَ إليها، واستلامَها، وتقبِيلَها، وتعْفِيرَ الجِباه في عَرَصَاتها؛ غَضٌّ مِن أصحابها، ولا تنقيصٌ لهم، كما يحسبُهُ أهلُ الإشراك والضلال؛ بل ذلك مِن إكرَامِهِم، وتَعظيمِهِم، واحتَرامِهِم، ومُتابَعتِهِم فيما يُحبونَه، وتجنُّبِّ ما يكرهَونَه، فأنتَ ـ واللهِ ـ وليُّهُم ومُحِبُّهُم، وناصِرُ طَريقتِهم وسُنَّتِهم، وعلى هَدْيهم ومنهَاجِهِم، وهؤلاء المشركون أعصَى الناسِ لهم، وأبعدَهُم من هَدْيهم ومتابعتهم، كالنصارى مع المسيحِ ﵇، واليهودِ مع موسى ﵇، والرافضةِ معَ علي ﵁ إلى آخر كلامه النفيس، فليراجع (٢)

стр. 1600

لقد هُدمت القباب في البقيع مرتين في عهد الدولة السعودية الأولى والثالثة ــ ولله الحمدُ والفضلُ والمِنَّةُ ــ: الأولى: في عام (١٢٢٠ هـ) في عهد الإمام: سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود ﵀. (١)

стр. 1601

الثانية: في عهد الملك الصالح: عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد اللَّه بن محمد بن سعود ﵀ بعد ضَمِّ الحجاز في جمادى الأولى سنة ... (١٣٤٤ هـ)، حيث أرسل خطاباً إلى مبعوثِه في «المدينة النبوية» الشيخ

стр. 1602

القاضي: عبدِاللَّه بنِ سليمان بن سعود البليهد ﵀، (١) وأمره بأن يهدم

стр. 1603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1604

جميع القباب المبنية على القبور، والخطابُ مؤرَّخٌ بِـ ... (١٧/ رمضان/ ١٣٤٤ هـ). (١)

стр. 1605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1607

وما زالَتْ الرافضة (١) والصوفية إلى يومنا هذا ينوحون على هدم مظاهر البدع ووسائل الشرك، ويتمنون عودة القباب والخرافات والشركيات التي دُنِّسَت بها البلاد الطاهرة. وبعد هدم القباب المبنية على القبور في الحرمين في عهد الملك عبدالعزيز ﵀، اجتمع علماء الرافضة في الكاظمية في العراق يستنكرون ذلك،

стр. 1608

فكتب الشيخ العلامة: محمد حامد الفقي الأزهري المصري ﵀ مقالاً جميلاً يرد على هؤلاء المنكرين، ويستهجن صنيعهم، عَنون له بِـ «أفحكم الجاهلية يبغون، ومَن أحسن مِن اللَّهِ حكماً لقوم يوقنون». (١) وصدر خبرٌ كاذبٌ نُشر في صحف بعض البلاد العربية مفاده: أن الحكومة السعودية ستشيد بناءً على قبور آل البيت في البقيع! ! وجاء الرد بقول الحكومة السعودية ـ أعزها اللَّهُ بدينه ـ: (والحُكُومَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ إذْ تُكَذِّب هذَا الخَبرَ تَكذِيبَاً قَاطِعَاً، تُؤكِّدُ بِأنَّها لا تُوافِقُ عَلى أمْرٍ يُخَالِفُ الدِّينَ الإسْلامِيَّ الحَنِيْفَ، وَأَوَامِرُ الرَّسُوْلِ ﷺ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ). ا. هـ (٢)

стр. 1609

والحمدُ للهِ الذي أذهبَ عن الحرمين الشركَ ومظاهره ــ في القرون المتأخرة ـ على يد الحكومة السُّنِّية السَّنِيَّة القويمة «المملكة العربية السعودية»، أدامها اللَّهُ عزاً للإسلام والمسلمين، وقياماً بنهج أهل السنة والجماعة، مقتفين آثار السلف الصالح من آل البيت والصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان. والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ. تنبيه: لم تقتصر حَسَناتُ الدولة السعودية ـ حفظها اللَّه ورعاها ـ على هدم القِباب، فقد قامت بما يعجز المرءُ عن وصفه: بعمارة الحرمين، وتوسعتهما، والإحسان فيهما، والعناية البالغة بأمن الحجاج والزائرين، وإذا قرأتَ التاريخ الغابر والقريب تجدُ صوراً محزنة في فترات متعددة حصلت فيها موبقات من النهب والسرقة والقتل، حتى حصل أيام الحج في مكة خوف شديد، فقد حدثنا التاريخُ عن سَنَةٍ لم يقف الحجيج بعرفة، وسَنَةٍ لم يستطيعوا رمي الجمار، وسَنَةٍ لم يبيتوا بمزدلفة، إضافة إلى أخذ الضرائب عليهم ... إلخ (١) نقل الشيخ: صديق حسن خان القنوجي الهندي ... (ت ١٣٠٧ هـ) ﵀ أقوال العلماء في الهجرة من البلاد التي لا يستطيع

стр. 1610

الإنسان أن يُظهِر دينَه فيها، قال: (وقيل: البلادُ والبقاعُ تتفاوت في ذلك تَفاوتاً كثِيراً، قال علي القارى ـ ت ١٠١٤ هـ ـ ﵀: وأما اليوم فإنَّا بحمدِ اللَّه لمْ نجِدْ أعونَ على قَهْرِ النفس، وأجمعَ للقَلْبِ، وأحثَّ على القناعة، وأطردَ للشيطان، وأبعدَ من الفتن وأربطَ للأمر الديني، وأظهرَ له مِن مَكَّةَ ــ حَرَسَهَا اللَّه تعالى ـ. أقولُ ـ صدِّيق حسن ـ: لولا ما فيها الآن من استطالة أهلِ البدعِ على أهلِ السُّنَّة، وإيثارِ التنْظِيماتِ السلطانية على الأحكام الرحمانية، وظُلْمِ أهلِ المكْسِ على الحجَّاجِ، وعدمِ الانتصافِ مِن أهلِ الاعتسَافِ، والحجْرِ على العَمَلِ بالسُّنَّةِ، والتَّمَسُّكِ بالحقِّ، واللَّه يفعلُ ما يَشاء ويحكُم على ما يريد). علَّق المطيعي عليه بقوله: (مِن أوَّل «أقول» كلامُ المصنف الذي ينْعَى على الحجازِ ما كان في عَهدِهِ مِن فراهَةِ الشَّرِّ، واستفحالِ أهلِ الحِرَابة، وقُطَّاعِ الطُّرُقِ). (١) وللشيخ الداعية المؤرخ النجدي ثم الكويتي: عبدالعزيز بن أحمد الرشيد البداح (١٣٠٥ هـ ـ ١٣٥٦ هـ) ﵀ مقالات عديدة عن مشاهدة لواقع أمن الحج قبل العهد السعودي وبعده، وقد تكلَّم في هذا الباب بكلام جميل جداً عن الأمن والعناية بالحجاج والحرمين في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود

стр. 1611

- ﵀، وأبطل كثيراً من الأكاذيب التي يروجها أهل البدع في عدد من الصحف العربية والعالمية، حقداً على دولة التوحيد. قال في أحد مقالاته عام (١٣٤٧ هـ): (وقد لا يَعرف مقدارَ الفرق الذي حصلَ بين يوم الحجاز وأمسِه فيما يهمُّ دعاةَ الإصلاح الذين ارتكزَتْ دعوتُهم على الدين الخالص والأخلاق المتينة، إلا مَن سبَر غور الحجاز بدقة قبل أن يتربَّع على كرسيه جلالة ذلكَ الملكِ المعظَّم، الذي أحيا اللَّهُ به السُّنَّة، وأماتَ به البدعة، وتجمَّعَت فيه شارات الملك الكبار، وسآتي بمقارنة بين هاتين الحالتين في الأعداد الآتية بقلم لا يتحيَّز إلا إلى الحق، ولا يعشق إلا الحقيقة). (١) قال العلامة: رشيد رضا القلموني الحسيني الشامي ثم المصري ... ـ صاحب مجلة «المنار» ـ (ت ١٣٥٤ هـ) ﵀ في رسالة كتبها إلى صديقه العلامة: شكيب أرسلان (ت ١٣٦٦ هـ) ﵀ مؤرَّخة في (١٥/ ٦/ ١٣٤٤ هـ) يقول فيها بعد حديث: (والذي نعلمه منذ سنين، وازددنا علماً في

стр. 1612

هذه الأيام: أنَّ ما وُجِدَ في بلاد العرب بعد صدر الإسلام من يقدِر على حفظ الأمن في الحجاز ونجد مثل هذا السلطان). يعني الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ﵀. علَّق شكيب أرسلان بقوله: (هذه حقيقة لا يقدر أن يتمارى بها أحد، ولا من أعداء ابن سعود). (١) فنحمد اللَّه على النعمة، ونسأل اللَّه أن يديمها على بلادنا وبلاد المسلمين كافة، وأن يجزي ولاة أمرنا آل سعود من الملك عبدالعزيز ﵀ ومَن بعده خيراً كثيراً؛ كفاء رعايتهم وعنايتهم بالحرمين الشريفين ... ـ جعلها اللَّهُ في موازين حسناتهم ـ. (٢)

стр. 1613

صور القباب في البقيع ، من كتاب «مرآة الحرمين» لإبراهيم رفعت باشا ... (ت ١٣٥٣ هـ) ــ ط. دار الكتب المصرية ١٣٤٤ هـ ١٩٢٥ م ــ كان إبراهيم على رأس المَحْمَل سنة ١٣١٨ هـ وأمير الحج المصري ١٣٢٠ هـ و ١٣٢١ هـ و ١٣٢٥ هـ ــ

стр. 1614

[صورة] من كتاب «مرآة الحرمين» لإبراهيم باشا

стр. 1615

[صورة] من كتاب «مرآة الحرمين» لإبراهيم باشا
следующие страницы →