وقد ضعَّفَ الألبانيُّ الحديثَ من الوجهين كما في «السلسلة الضعيفة» (٧/ ٤٨٣) رقم (٣٤٨٦). والحويني ضعَّفَ الوجهَ الثاني في «النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة» (١/ ١١٤) رقم (٩٩)
فالحديث ضعيف، وأما حملُه الحسنَ والحسين، والدعاء لهما، فقد ورد في الصحيحين، كما سبق في الحديث (٧٩). لكن ليس فيه: كلمة: حزقة، ارق عين البقة.
وقد ورد حديثٌ في «فضائل فاطمة» للحاكم (ص ٦٦) رقم (٦٧) قال: حدثنا عبدالرحمن بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عبيد الأسدي، قال:
стр. 1752
حدثنا إبراهيم بن الحسين، قال: حدثنا عبدالرحمن بن صالح، قال: حدثنا بكير بن وادع الحضرمي (١)، عن أبي الغصن، عن عبيدالله التمار، عن زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل على فاطمة غداة من الغدوات وهي خبيثة النفس، فقال لها يابنتي ما لي أراك خبيثة النفس؟
قالت: يا أبتاه، قد أصبحنا وليس عندنا شئ، وحسن وحسين بين أيدينا قائمين، وعلي جاث .... وذكرَ معجزة للنبي ﷺ في طعام رُزقوه حالاً، ومجئ سائل، وقول فاطمة: يا أبتِ سائلٌ؟
فقال: «يابنتي هذا الشيطان جاء ليأكل من هذا الطعام، ولم يكن اللهُ ليطعمه من طعام الجنة»).
وهو حديث موضوع، فيه شيخ الحاكم: عبدالرحمن بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عبيد الأسدي، وهو كذاب. (٢)
وعدد من رجاله لم أقف لهم على ترجمة. (٣)
стр. 1753
مكان بيت فاطمة ﵂ -:
سبق بيان أن بيت فاطمة ﵂ كان لحارثة بن النعمان ﵁ فتحوَّل عنه بعد زواج فاطمة. (١)
وقد أجمع المؤرخون على أن بيت فاطمة ﵂ على المسجد مباشرة، وعبَّر بعضهم بأنه في جوف المسجد (٢)، ملاصقاً لبيت عائشة من جهة الشمال، ويكون عن يسار المصلي.
وهو في مَوضع الزَّوْر مَخْرَج النبي ﷺ ، وكانت فيه كُوَّةٌ إلى بيت عائشة ﵂، فكان رسولُ اللهِ ﷺ إذا قام إلى المخرج اطَّلع من الكوة إلى فاطمة فعَلِم خبرَهم ... ثم سألَتْ فاطمةُ النبيَّ ﷺ أن يسد الكوة، فسدَّها رسول الله ﷺ .
فالمخرج ـ موضع الكنيف ـ، وهو خلف حجرة عائشة ﵂، بينها وبين بيت فاطمة ﵂، ومحله في الزور، الموضع المزوَّر، شِبه المثلث في بناء عمر بن عبد العزيز ﵀ في جهة الشام.
وكانت أسطوانة التهجد خلف بيت فاطمة.
стр. 1754
وذكر في «وفاء الوفاء» أن مربعة القبر كانت باب علي، ويحتمل أن بعضه من جهة الشام كان ملاصقاً بيت فاطمة دون بعضه، فيتأتى ذلك، ويدل له ما قدمناه في بيت فاطمة ﵂ من أن الموضع المزوَّر في بناء عمر بن عبد العزيز كان مخرجاً للنبي ﷺ .
وفيه أيضاً: أن بيت علي ﵁ كان ممتدَّاً في شرقي حجرة عائشة ﵂ إلى موضع الباب الأول، فسُمِّي بابُ عليٍّ بذلك، ويدلُّ له ما تقدم عن ابن شبَّة في الكلام على بيت فاطمة ﵂ من أنه كان فيما بين دار عثمان التي في شرقي المسجد وبين الباب المواجه لدار أسماء، ويكون تسمية الباب الثاني بباب النبي ﷺ لقربه من بابه، والله أعلم. (١)
стр. 1755
وقد ذكر عبدُالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ﵀ أن بين بيت فاطمة وبين القبر خوخة. (١)
وقد استمر البيت لولد فاطمة، فوُلِد فيه عبدُالله بن الحسن، وأن بيت فاطمة في المسجد. (٢)
ورُوي أنَّ الحسنَ بنَ الحسنِ بنِ علي بن أبي طالب كان في بيت فاطمة ﵂ يتعشَّى، فرأى سُهيل بن أبي سُهيل عند القبر، فناداه ... (٣)
وفي زمن الخليفة: الوليد بن عبدالملك (ت ٩٦ هـ) حين قدِم حاجاً، وخطبَ في المسجد النبوي، فرأى ــ وهو يخطب ــ في بيت فاطمة بنتِ محمد ﷺ حسنَ بنَ حسن بن علي ... ثم أمَر واليه على المدينة: عمر بن عبدالعزيز ﵀ بشراء البيت وإدخاله في المسجد لتوسعته. (٤)
стр. 1756
فهدَم عمر بن عبدالعزيز بيت فاطمة، وأدخله في المسجد، وذلك سنة إحدى وتسعين، ومكث في بنيانه ثلاث سنين. (١)
ووقت هدمه كان يسكن فيه: فاطمة بنت الحسين بن علي، وزوجها: حسن بن حسن ... (٢)
«وأدخل عمر بن عبد العزيز بعضَ بيت فاطمة ﵂ من جهة الشمال في الحائِز الذي بناه مُحرَّفاً على الحجرة الشريفة، يلتقي على ركن واحد ـ ركن خامس ـ لئلا تكون الحجرة الشريفة مربعة كالكعبة، فيتصوَّر جهال العامة أنَّ الصلاة إليها كالصلاة إلى الكعبة، وبقي بقية البيت من جهة الشمال، وفيه اليوم صندوق مُربَّع مِن خشب، فيه أسطوانة، وخلفه محراب». (٣)
стр. 1757
وأما وصف بيتها ﵂:
فمُشابِهٌ لصفةِ بُيوتِ النبيِّ ﷺ وحجراته، لأن البيوت كما سبق كانت لحارثة بن النعمان ﵁ فتحوَّل عنها، وقد جاء وصفها باليُسْر والصغَر، مما يدل على الزهد في الدنيا، وقصر الأمل:
أخرج البخاري في «الأدب المفرد» (ص ١٧٢) رقم (٤٥١)، وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (ص ١٦٢) رقم (٢٤٤)، ومن طريقه: [البيهقي في «شعب الإيمان» (١٣/ ٢٣٥) رقم (١٠٢٥٠)]، وأبو داوود في ... «المراسيل» (ص ٣٤١) رقم (٤٩٦) عن عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا داود بن قيس، قال: رأيتُ الحُجُرات من جريد النخل مُغَشَّى من خارجٍ بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، وأظنُّ عرضَ البيتِ من باب الحُجْرة إلى باب البيت: نحواً من ستِّ أو سبعِ أذرُع، وأحزِرُ البيتَ الداخلَ: عشْرَ أذرُع، وأظنُّ سُمْكَهُ بين الثمانِ والسَّبْعِ نحوَ ذلك، ووقفْتُ عندَ بَابِ عائشةَ ﵂ فإذا هُوَ مُستَقْبِلَ المغْرِبِ.
وأخرج البخاري ـ أيضاً ـ في «الأدب المفرد» (ص ١٧١) رقم ... (٤٥٠)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (١/ ٥٠٠)، وابن أبي الدنيا في «قصر الأمل» (ص ١٦٢) رقم (٢٤٥)، ومن طريقه: [البيهقي في «شعب الإيمان» (١٣/ ٢٣٤) رقم (١٠٢٤٩)]، وأبو داوود في «المراسيل» ...
стр. 1758
(ص ٣٤١) رقم (٤٩٧) عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا حُريث بن السائب، قال: سمعت الحسنَ ـ وهو البصري ـ يقول: كنتُ أدخل بيوتَ أزواج النبيِّ ﷺ في خلافة عثمان بن عفان ﵁، فأتناول سُقُفَها بيدي. (١)
стр. 1759
[صورة]
من كتاب «وفاء الوفاء» للسمهودي (ت ٩١١ هـ) (٢/ ٥٦٣)
стр. 1760
[صورة]
من كتاب «بيوت النبي ﷺ وحجراتها» أ. د. محمد بن فارس الجميل (ص ١١٠)
стр. 1761
المبحث الثالث:
غيرة النبي ﷺ عليها، وأنها بضعة منه .
٨٢. [١] قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شُعيب، عن الزهري، قال: حدثني علي بن حسين، أن المسور بن مخرمة، قال: إن علياً خطبَ بنتَ أبي جهل فسَمِعَتْ بذلك فاطمةُ فأتت رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالت: يزعم قومُك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا عليٌّ ناكح بنتَ أبي جهل، فقام رسولُ اللهِ ﷺ ، فسمعته حين تشهد، يقول: «أما بعد، أنكحتُ أبا العاص بنَ الربيع، فحدَّثَنِي وصدَقَنِي، وإنَّ فاطمةَ بضعةٌ مِنِّي، وإني أكرَهُ أن يسُوءَها، واللهِ لا تجتمعُ بنتُ رسولِ اللهِ ﷺ وبنتَ عدوِّ اللهِ عندَ رجُلٍ واحِد». ... فتَركَ عليٌّ الخِطْبَة.
وزاد محمد بن عمرو بن حَلْحَلَة، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن مسور سمعتُ النبيَّ ﷺ وذكر صهراً له من بني عبدِ شَمْس، فأثنَى عليه في مُصَاهَرَتِه إيَّاه فأحسن، قال: «حدَّثَنِي فصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوفَى لي».
[الجامع الصحيح» للبخاري، (ص ٧١٢)، كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر أصهار النبي ﷺ ، حديث رقم (٣٧٢٩)]
стр. 1762
تخريج الحديث:
ــ أخرجه: البخاري في «صحيحه» ـ كما سبق ـ.
ــ ومسلم في «صحيحه» (ص ٩٩٣)، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٤٤٩) عن عبداللَّه الدارمي.
كلاهما: (البخاري، والدرامي) عن أبي اليمان، عن شعيب.
وأخرجه: البخاري في «صحيحه» (ص ٥٩٥)، كتاب فرض الخُمُس، باب ما ذُكر من درع النبي ﷺ ، رقم (٣١١٠)، وأحمد في «مسنده» (٣١/ ٢٢٨) رقم (١٨٩١٣) وعنه: مسلم في «صحيحه» (ص ٩٩٤)، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٤٤٩) من طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلَة.
ــ ومسلم أيضاً في «صحيحه» (ص ٩٩٤)، كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٤٤٩) من طريق النعمان بن راشد.
ثلاثتهم: (شعيب، ومحمد بن عمرو، والنعمان بن راشد) عن الزهري، عن علي بن الحسين.
ـ وأخرجه: البخاري في «صحيحه» (ص ٧١٠)، كتاب فضائل الصحابة، بابُ مناقبِ قرابةِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حديث رقم ... (٣٧١٤)، و (ص ٧١٧)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب فاطمة ﵍، حديث رقم (٣٧٦٧)، ومسلم في «صحيحه» (ص ٩٩٣)،
стр. 1763
كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٤٤٩) من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار.
والبخاري في «صحيحه» (ص ١٠٣٥)، كتاب النكاح، باب ذبِّ الرجل عن ابنته في الغَيرَة والإنصاف، حديث (٥٢٣٠)، ومسلم في ... «صحيحه» ـ في الموضع السابق ـ من طريق الليث. كلاهما: (عمرو بن دينار، والليث) عن ابن أبي مليكة.
كلاهما: (علي بن الحسين، وابن أبي مُليكة) عن المسور بن مخرمة ﵁.
ــ لفظ البخاري من طريق ابن عيينة، مختصراً، ولفظه: «فاطمة بضعة مني، فمَن أغضبها أغضبني».
ولفظ مسلم من طريق ابن عيينة: «إنما فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها».
ولفظ حديث الليث، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، حدثه أنه سمع رسولَ اللَّهِ ﷺ على المنبر، وهو يقول: «إنَّ بني هشام بن المغيرة (١) استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليَّ بنَ أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم ... لا آذن لهم، ثم
стр. 1764
لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يَريبني ما رابها ويُؤذيني ما آذاها». لفظ مسلم، والبخاري بمثله إلا أنه قال: إلا أن يريد أن يُطلِّق ... وقال: أرَابَها. (١)
ــ ولفظ حديث محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، أن ابن شهاب، حدثه أن علي بن الحسين، حدثه أنهم حين قدموا المدينة، من عند يزيد بن معاوية، مقتل الحسين بن علي ﵄ لقيه المسور بن مخرمة ﵁ فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ قال فقلت له: لا، قال له: هل أنت معطي سيف رسول اللَّه ﷺ ؟ (٢) فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وأيمُ اللَّهِ لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبداً، حتى تبلغ نفسي، إنَّ علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل (٣)
على فاطمة، فسمعتُ رسول اللَّه
- ﷺ وهو يخطب الناس في ذلك، على منبره هذا، ـ وأنا يومئذ محتلم ـ فقال: «إن فاطمة منِّي، وإني أتخوف أن تفتن في دينها».
قال ثمَّ ذكرَ صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إيَّاه فأحسن، قال: «حدَّثني فصدَقَني، ووعدَني فأوْفَى لي، وإني لستُ أحرِّم حلالاً، ولا أُحِلُّ حرَامَاً، ولكِنْ واللَّهِ لا تجتمعُ بنتُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وبنتُ عدوِّ اللَّهِ مَكاناً واحِدَاً أبداً». لفظ مسلم، ولفظ البخاري مثله. (١)
стр. 1767
غريب الحديث:
ــ (بَضْعَة): قال عياض: بفتح الباء لا غير، وذكر ابن الأثير أنها قد تُكسر.
والبَضعة: القطعة من اللحم، ومراد الرسول ﷺ أنها: جزء مني، كما أن القطعة من اللحم جزء من اللحم. (١)
ــ (الصِّهْر): قرابة النكاح، وهو الخَتَن. قال الخليل: لا يقال لأهل بيت الرجل إلا أختان، ولا لأهل بيت المرأة إلا أصهار. ومن العرب من يجعلهم أصهاراً كلَّهم.
وفي «النهاية»: (الصهر: حرمة التزويج. والفرق بينه وبين النسَب أن النسَب ما رجع إلى ولادة قريبة من جهة الآباء، والصهر ما كان من خلطة تشبه القرابة يحدثها التزويج). (٢)
* * *
стр. 1768
الدراسة الموضوعية:
سبق الحديث في المبحث الأول من هذا الفصل عن محبة النبي ﷺ لأولاده، والغَيرة تتبع المحبة، وقد بوَّب البخاري في ... «صحيحه» على الحديث في كتاب النكاح ـ كما سبق في التخريج ـ: باب ذبِّ الرجل عن ابنته في الغَيرَة والإنصاف
وقد روي أنه ﷺ يغار لبناته غيرة شديدة، فأخرج ابنُ إسحاق في «السيرة» (ص ٢٥٣)، ومن طريقه: [الدولابي في «الذرية الطاهرة» للدولابي (ص ٤٨) رقم (٥٧)، وذكره ابن الأثير في «أسد الغابة» (٦/ ٢٢٢)] قال ابن إسحاق: (حدثني مَن لا أتَّهِم أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يغارُ لبناتِه غيرةً شديدة، وكان لا يُنكِح بناتِه على ضرَّة).
وما دام أنَّ الضرَّة على بناته تؤذي ابنته، فإنه يتأذى مما تتأذى منه بناته، لذلك يَخشى عليهن، ويكره مساءتهن، مع تصريحه ﷺ بأنه لا يحرِّم حلالاً.
قال النووي ﵀: (قال العلماء في هذا الحديث: تحريم إيذاء النبي ﷺ بكلِّ حالٍ، وعلى كلِّ وجْهٍ، وإن تولَّد ذلك الإيذاءُ مما كان أصلُه مباحاً وهو حيٌّ، وهذا بخلاف غيره.
قالوا: وقد أعلمَ ﷺ بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعليٍّ بقولِه
стр. 1769
- ﷺ : «لستُ أحرِّم حلالاً». ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلَّتَين منصوصتين:
إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة؛ فيتأذَّى حينئذ النبيُّ ﷺ ؛ فيهلك مَن آذاه، فنهى عن ذلك، لكمال شفقتِه على عليٍّ، وعلَى فاطمة.
والثانية: خوف الفتنة عليها؛ بسبب الغيرة. (١)
وقيل: ليس المراد به النهي عن جمعهما، بل معناه: أعلمُ مِن فضل اللَّه أنهما لا تجتمعان، كما قال أنس بن النَّضْر: «واللَّه لا تُكسَرُ ثَنِيَّة الرُّبَيِّع». (٢)
ويُحتَمَلُ أن المراد تحريم جمعهما، ويكون معنى: «لا أحرِّمُ حلالاً» أي: لا أقولُ شيئاً يخالِفُ حُكمَ اللَّه، فإذا أحلَّ شيئاً، لمْ أحرِّمْهُ، وإذا حرَّمَهُ، لم أحَلِّلْهُ، ولم أسكُتْ عن تحريمه، لأن سكوتي تحليلٌ له؛ ويكون من جملة محرمات النكاح: الجمعُ بين بنتِ نبيِّ اللَّه، وبنتِ عَدوِّ اللَّهِ.
قوله: «ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس»، هو: أبو العاص بن
стр. 1770
الربيع زوج زينب ﵂ بنت رسولِ اللَّه ﷺ ، والصِّهْرُ يُطْلَقُ على: الزوج وأقاربه، وأقارب المرأة، وهو مشتَقٌّ من صهَرتُ الشئَ وأصْهَرْتُهُ: إذا قرَّبْتُهُ. والمصاهرة: مقارَبَةٌ بين الأجانب والمتباعدين). (١)
انتهى.
وقال ابن حجر: (قال ابن التين: أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبي ﷺ حرَّم علَى علِيٍّ أن يجمع بين ابنته، وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه علَّل بأن ذلك يؤذيه، وأذيته حرامٌ بالاتفاق.
ومعنى قوله: لا أحرِّم حلالاً: أي هي له حلال، لو لم تكن عنده فاطمة.
وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبي ﷺ لتأذي فاطمة به؛ فلا.
وزعم غيرُه أن السياق يُشعر بأن ذلك مباحٌ لعلي، لكنه منعَه النبيُّ ﷺ رِعايةً لخاطرِ فاطمة، وقَبِلَ هو ذلك؛ امتثالاً لأمر النبي ﷺ .
والذي يظهر لي أنه لا يبْعُد أنْ يُعَدَّ في خصائصِ النبيِّ ﷺ أن
стр. 1771
لا يُتزوَّج على بناتِه، ويُحتمَل أن يكون ذلك خاصَّاً بفاطمة ﵍). (١)
بوَّبَ ابنُ حبان على الحديث في «صحيحه» (١٥/ ٤٠٧) بقوله: ... (ذِكْرُ البيان بأن هذا الفعلَ لو فعلَه عليٌّ كان ذلك جائزاً، وإنما كرِهَهُ ﷺ تَعظيماً لفاطمة لا تحريماً لهذا الفعل).
قال ابن القيم ﵀ عن هذا الحديث: (فتضمن هذا الحكم أموراً:
أحدها: أن الرجل إذا شرط لزوجته أن لا يتزوج عليها؛ لزمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ، ووجْهُ تضمُّنِ الحديث لذلك: أنه ﷺ أخبر أن ذلك يُؤذي فاطمة ويَريْبُهَا، وأنه يؤذيهِ ﷺ ويَرِيْبُهُ، ومعلومٌ قطعاً أنه ﷺ إنما زوَّجَهُ فاطمةَ ﵂ على أن لا يُؤذِيها ولا يَريبُهَا، ولا يُؤذِي أباها ﷺ ولا يَرِيْبُهُ، وإن لم يكن هذا مشترَطاً في صُلْبِ العَقْدِ، فإنه من المعلومِ بالضرورةِ أنه إنما دخلَ عليه.
وفي ذكره ﷺ صهرَه الآخر، وثنائِه عليه بأنه حدَّثه فصدَقَه،
стр. 1772
ووعدَه فوفَى له، تعريضٌ بعَليٍّ ﵁، وتَهييجٌ لهُ عَلى الاقتداء به، وهذا يُشعِرُ بأنَّه جرَى منهُ وعْدٌ لهُ بأنَّه لا يَريبُهَا ولا يُؤذِيها، فهيَّجَهُ عَلى الوفَاءِ لَهُ، كمَا وفَى لَهُ صِهْرَهُ الآخَر.
فيُؤخَذُ من هذا: أن المشروط عُرْفَاً كالمشروطِ لفظَاً، وأنَّ عدَمَه يملِكُ الفَسْخَ لمشْتَرِطِه، فلَو فُرضَ من عادة قَومٍ أنهم لا يُخرِجُون نساءَهم من ديارهم، ولا يُمَكِّنُونَ أزواجهم مِن ذلك البتَّةَ، واستمرَّتْ عادتُهم بذلك كان كالمشروطِ لفظاً، وهُوَ مُطرِّدٌ على قواعد أهل المدينة، وقواعدِ أحمد ﵀: أن الشرط العُرفِيَّ كاللفْظِيِّ سواء، ولهذا أوجبوا الأُجْرَةَ على مَنْ دفَعَ ثوبَه إلى غسَّالٍ أو قصَّارٍ، أو عَجِينَهُ إلى خبَّازٍ، أو طعَامَه إلى طبَّاخٍ يعمَلُونَ بالأُجْرَةِ، أو دَخَلَ الحمَّام أو استخدَمَ مَنْ يغسِّلُه ممن عادَته يغسِّلُ بالأجرة، ونحو ذلك، ولم يشرِطْ لهم أجرَةً؛ أنَّه يَلزَمُهُ أجرَةَ المِثْلِ.
وعَلى هذا، فلَو فُرِضَ أنَّ المرأةَ مِنْ بَيتٍ لا يَتزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلى نِسَائِهِمْ ضَرَّةً، ولا يُمَكِّنُونَهُ مِن ذلك، وعادَتُهُمْ مُستمِّرَةٌ بذلك؛ كان كالمشروطِ لَفْظَاً.
وكذلكَ لو كانَتْ ممَّنْ يعلَمُ أنها لا تمكِّن إدخَال الضرَّةِ عليها عادَةً؛ لِشَرفِهَا وحَسَبِهَا وجَلالَتِهَا؛ كانَ تَرْكُ التَزَوُّجِ عليها كالمشْرُوْطِ لَفْظَاً سواء.
وعلى هذا فسيِّدَةُ نِسَاءِ العالمَين، وابنَةُ سيِّد ولَدِ آدَم أجمعين، أحَقُّ النِّسَاءِ بِهَذَا، فلَوْ شَرَطَهُ عَليٌّ في صُلْبِ العَقْدِ كانَ تأكِيداً لا تَأسِيسَاً.
وفِي مَنْعِ عَليٍّ مِن الجَمْعِ بين فاطمة ﵂ وبين بنتِ أبي جهل حِكْمَةٌ
стр. 1773
بَدِيْعَةٌ، وهي: أنَّ المرأةَ معَ زَوْجِهَا في دَرَجَتِهِ تَبَعٌ لَهُ، فإن كانَتْ في نَفْسِهَا ذاتَ دَرجَةٍ عالِيَةٍ، وزوجُهَا كذلك، كانت في درجةٍ عالِيَةٍ بنفسِهَا وبِزَوْجِهَا، وهذا شأنُ فاطمةَ وعَلِيٍّ ﵄؛ ولم يكُن اللَّهُ لِيَجْعَلَ ابنةَ أبي جَهْلٍ مَع فاطمةَ ﵄ في درَجَةٍ واحِدَةٍ لا بِنَفْسِهَا ولا تَبَعَاً، وبينَهُمَا مِن الفَرْق ما بينهما، فلَمْ يكُنْ نِكَاحُهَا عَلَى سيِّدَةِ نِسَاءِ العالَمِين مُسْتَحْسَنَاً لا شَرْعَاً وَلا قَدَرَاً، وقَد أشَارَ ﷺ إلى هذا بقوله: «واللَّه لا تجتمعُ بنتُ رسولِ اللَّه وبنتُ عدو اللَّه في مكان واحد أبداً».
فهَذَا إمَّا أنْ يَتنَاوَلَ درَجَةَ الآخَر بلَفْظِهِ أوْ إشارَتِهِ). (١)
- ... متى كانت الخِطْبَة من علي، والخُطبَة من النبي ﷺ -؟
قال ابن حجر: (وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ تأخَّر من بنات النبي ﷺ غيرها (٢)، وكانت أصيبت بعد أمها بأخواتها، فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها). (٣)
سبق في هذا الفصل: المبحث الأول: محبة النبي ﷺ واحتفاؤه
стр. 1774
بها: أن زينب زوج أبي العاص توفيت أول سنة ٨ هـ، وأم كلثوم زوج عثمان، توفيت في شعبان سنة ٩ هـ.
وسبق بيان أن النصوص الواردة في فضل فاطمة وردت بعد موت أخواتها كلهن، فلم يكن يخص فاطمة على المنبر بأنها بَضعة منه ويَريبُه من يَريبُها و ... دون بقية أخواتها ـ ولو كان الحدث القائم يخصها ـ، وبناء عليه، فإن خِطبة علي، وحديثَ النبي ﷺ كان بعد شعبان ٩ هـ.
ويدل لتأخره:
أنَّ آل أبي جهل أسلموا بعد فتح مكة، وأن المسور قدم المدينة ـ أيضاً ـ بعد الفتح.
وسيأتي تعليق الشيخ: عبدالرحمن المعلِّمي اليماني ﵀ على وقت خُطبة النبي ﷺ ، بعد بيان الإشكال في قول المسور: وأنا محتلم.
- إشكال في قول المِسْوَر بن مَخْرَمَة ﵁: «وأنا يومئذ محتلم»، ومنه يُعلم وقت خطبة النبي ﷺ -.
و هل قوله: «فاطمة بضعة مني» في وقت حياة بعض أخواتها كزينب، وأم كلثوم ﵅ -؟
ذكر غالبُ العلماء أنَّ المسور وُلِد بعد الهجرة بسنتين، وقدِمَ به والدُه المدينةَ في ذي الحجة، بعد فتح مكة سنة ثمان، وله ستُّ سنين، ...
فكيف يقول: «وأنا محتلم»، فمَن كان في هذا العُمُر ليس محتلماً ولا قريباً من الاحتلام؟ !
قال الذهبي: (ففيه أن المسور كان كبيراً محتلماً إذْ ذاك). (١)
قال ابن القيم: (وفيه ردٌّ على مَن يقول: إن المسور ولد بمكة في السنة الثانية من الهجرة، وكان له يوم موت النبي ﷺ ثمان سنين، هذا قول أكثرهم.
وقوله: «وأنا يومئذ محتلم» هذه الكلمة ثابتة في «الصحيحين»). (٢)
ذكر ابن حجر في «الإصابة» عبارة المسور: «وأنا محتلم» وقال: (وهذا يدل على أنه ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا على أنه ولد بعدها.
وقد تأوَّل بعضهم أن قوله محتلم من الحِلم بالكسر، لا من الحُلم
стр. 1778
بالضم، يريد أنه كان عاقلاً ضابطا لما يحتمله).
وقال ابن حجر في «الفتح»: (في رواية الزهري عن علي بن حسين عن المسور الماضية في فرض الخمس يخطب الناس على منبره هذا ـ وأنا يومئذ محتلم ـ قال ابن سيد الناس: هذا غلط، والصواب ما وقع عند الإسماعيلي بلفظ كالمحتلم. أخرجه من طريق يحيى بن معين، عن يعقوب بن إبراهيم، بسنده المذكور إلى علي بن الحسين.
قال: والمسور لم يحتلِم في حياة النبي ﷺ ؛ لأنه وُلِد بعد ابن الزبير، فيكون عمرُه عند وفاة النبي ﷺ ثمان سنين.
قلت: كذا جزم به، وفيه نظر؛ فإنَّ الصحيحَ أنَّ ابنَ الزبير وُلِدَ في السنة الأولى، فيكون عمرُه عند الوفاة النبوية تسعَ سنين، فيجوز أن يكون احتلَم في أول سني الإمكان، أو يُحمَل قولُه: «محتلم» على المبالغة، والمراد التشبيه، فتلتئم الروايتان، وإلا فابنُ ثمانِ سنين لا يُقَال له محتلم، ولا كالمحتلم، إلا أن يريد بالتشبيه أنه كان كالمحتلم في الحذق، والفهم، والحفظ، واللَّه أعلم). (١)
وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب»: (وهو مُشكل المأخذ؛ لأن المؤرخين لم يختلفوا أن مولدَه كان بعد الهجرة، وقصة خطبة علي كانت بعد مَولد المسور بنحو من ست سنين، أو سبع سنين، فكيف يُسَمَّى محتلماً؟ !
стр. 1779
فيُحتَمَل أنه أراد الاحتلام اللغوي، وهو العقل، واللَّه تعالى أعلم). (١)
وقال عنها مغلطاي: (وهو مشكل؛ لأن الناس ذكروا مولده بعد الهجرة بسنتين إن أراد الاحتلام الشرعي، وإن أراد اللغوي وهو .... (٢) فلا إشكال).
قال الشيخ: عبدالرحمن المعلِّمي (٣):
عن قول المؤرخين وإطباقهم على أن المسور ولد بعد الهجرة بسنتين: (ما ادعوا إطباق المؤرِّخين عليه لم نجد نقله بطريق صحيح متصل بالمسور نفسه، أو بمَن يعرف شأنه من معاصريه، ويحيى بن بكير، وعمرو بن علي بينَ مولدِهما وبين وفاة المسور نحو مئة سنة،
стр. 1780
ولم يبينا مستندهما.
وقد عُرف تسامح المؤرِّخين، وتهاون السلف في ضبط الولادة، وحسبك أن المؤرخين لم يضبطوا مَولد النبي ﷺ ، ولا تاريخ وفاته على التحقيق، بل قال أكثرهم: اثنا عشر ربيع الأول، وتبيَّن أنه خطأ.
ثم ذكر المعلِّمي حديث مسور هذا في خطبة علي، ذكره من الصحيحين وأحمد، وقول ابن حجر عن ابن سيد الناس أن العبارة خطأ، لمخالفة قول المؤرِّخين، وأنها كالمحتلم ...
ثم قال المعلمي: حكاية المؤرِّخين تقدم حالها، ورواية الإمام أحمد بالمتابعة، وتخريج صاحبي الصحيح، أرجح، وعلى فرض الصواب: ... «كالمحتلم»، فهذا لايقال لابن سبع أو نحوها، بل يكون فوق العشر، فالرد على المؤرخين بحاله؛ ولعل المسور وُلد قبل الهجرة بسنتين، فأخطأ سلف المؤرِّخين فقال: بعد الهجرة بسنتين، وتبعه غيره.
وتخريج الإمام أحمد الحديث في «مسنده»، والشيخين في «صحيحيهما» بدون إنكار لهذه الكلمة «وأنا محتلم»، يدلُّ دلالة ظاهرة على أن ما حكاه المؤرِّخون لايُعرف له أساسٌ ثابِتٌ.
ويؤيد ذلك إضراب البخاري في «تواريخه» عن حكاية كلامهم في ذلك.
стр. 1781
وفيما ذكرناه ما يُغني عن بيان أن ابن السبع أوالثمان قد يضبط كما هو معروف في الصحابة، وغيرهم.
وأما قول ابن حجر: «إن القصة كانت بعد مولد المسور بست سنين أو سبع سنين»، فبيانه أن القصة كانت بعد فتح مكة يقيناً؛ لأن آل أبي جهل إنما أسلموا يوم الفتح، فهي بين مَرجع النبي ﷺ إلى المدينة وبين وفاته، وكان مرجعه إلى المدينة في أواخر سنة ثمان.
والذي يتجه أن تكون القصة تأخرت، فإنه يبعد أن يكون عقب إسلام القوم؛ وعليه فإنها تكون قُرْبَ وفاة النبيِّ ﷺ ــ والمسور لو صحَّ كلام المؤرخين ــ ابنُ ثمان سنين أو فوقها، إذا جوَّزنا أن يكون وُلِد بعد سنة الهجرة بسنةٍ وشئٍ، فقالوا: «بسنتين» بجبر الكسر، كما هو معروف من عادتهم. وفي «الفتح» (١) في كتاب النكاح، في باب ذب الرجل عن ابنته ما يلاقي. هذا واللَّه الموفق). انتهى كلام المعلمي. (٢)
قلت: وإنكار الشيخ المعلمي إطباقَ المؤرخين، وبحثُه عن مستند عالٍ إلى المسور أو من عاشره، ما كان يُقبل لولا صراحة العبارة في «الصحيحين»
стр. 1782
من أنه كان محتلماً، وإقرار الأئمة لها، والأصل حملها على ظاهرها، ويبعد أن يراد الاحتلام اللغوي، وهذه النتيجة توافق الرأي السابق في تأخر خطبة علي في آخر حياة النبي ﷺ من بعد شعبان (٩ هـ) أي بعد وفاة جميع أخواتها، لذلك خصَّها النبيُّ ﷺ بالحمية الظاهرة، والإخبار بها على المنبر، لِما كانت عليه من التفرد والحزن، وعدم وجود من تفضي إليها بما تعانيه في أمورها، وبعد زواج علي بن أبي طالب عليها ـ كما قال ابن حجر في سبب منع النبي ﷺ : (أنها كانت أُصيبَت بأُمِّها، ثم بأخواتها، واحدةً بعدَ واحدَةٍ، فلَمْ يبْقَ لها مَن تستأنِسُ بهِ ممَّنْ يُخَفِّفُ عليها الأمر،
ممن تُفْضِي إليه بِسِرِّها إذا حصلَتْ لها الغَيْرَةُ). (١)
وبعد هذا كلِّه وقفتُ على النص التالي:
ادَّعت د. عائشة بنت الشاطئ أنَّ المؤرِّخين ورجالَ الحديث صمَتُوا عن تحديد موعد خِطبة عليٍّ ابنةَ أبي جهل ... ورجَّحَتْ ظنَّاً أنها في السنة ... (٢ هـ) في أوَّل زواجِ علي بفاطمة، في مستهل حياته الزوجية قبل أن تألَفَ شِدَّتَهُ وصَرَامَتَهُ، وذلك أيضاً قبل أن يُولَدَ الحسين بن علي! !
وذكَرَتْ أنَّ هذا الترجيح لا يُسنِدُهُ دليلٌ نَقْلي، وإنما فهم من طبيعة الموقف. (٢)
стр. 1783
قلت: وظنها - رحمها الله - غير صحيح، لأن المسور قد شهد خُطبة النبي ﷺ ، وهو بالغ ـ وقد سبق إجماع المؤرخين على أنه ولد في السنة الثانية، وعلى الراجح ـ كما سبق ـ أنه ولد قبل ذلك، فلا يكون في السنة ... (٢ هـ) أو ما حولها من البالغين ... وأيضاً بنات أبي جهل أسلموا في فتح مكة (سنة ٨ هـ) ـ كما سبق ـ.
ولو رجعَتْ الدكتورة لشرح الحديث المخرَّج في «الصحيحين»، لوجدت كلام العلماء الذي تتبين منه بوضوح وقت الخِطبة الثانية.
- مسألة: كيف علِم النبيُّ ﷺ خِطبةَ علي ﵁ ابنة أبي جهل؟
في هذا الحديث المخرج في الصحيحين، وغيرهما أن فاطمة ﵂ أخبرَتْ النبيَّ ﷺ ، وطلبَتْ منه أن يدفع ما يقولُه الناسُ في عدم غيرته على بناته، فقامَ النبيُّ ﷺ خطيباً.
هذا هو الصحيح. (١)
стр. 1784
وقد ورد أن الأمر أتاه من قِبَل علي بن أبي طالب ﵁، حيث جاءه يستشيره في خطبة ابنة أبي جهل، وجاء أن آل المرأة جاءوا يستشيرون النبي ﷺ
قال ابن حجر: (ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي حنظلة، أن علياً خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نُزوِّجُكَ على فاطمة.
قلت: فكأن ذلك كان سبب استئذانهم.
وجاء أيضاً أنَّ علياً استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة ـ وهو أحد المخضرمين ممن أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يلقه ــ قال: خطب عليٌّ بنتَ أبي جهل إلى عمِّهَا الحارثِ بنِ هشام، فاستشار النبي ﷺ ؟ فقال: «أَعَنْ حسَبِهَا تسألني»؟ فقال: لا، ولكن أتأمُرني بها؟ قال: «لا، فاطمةُ مضغةٌ مِنِّي، ولا أحسبُ إلا أنها تحزن، أو تجزع» فقال علي: لا آتي شيئاً تكرهه.
ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خطبة النبي ﷺ بما خطَبَ ولم يحضُر عليٌّ الخُطْبَة المذكورة، فاستشار، فلما قال له: لا. لم يتعرض بعد ذلك
стр. 1785
لطلبها؛ ولهذا جاء آخر حديث شعيب، عن الزهري، فترك عليٌّ الخِطْبَة ـ وهي بكسر الخاء المعجمة ـ، ووقع عند ابن أبي داود من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، فسكَتْ عليٌّ عن ذلك النكاح.
قوله: «فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن» كرَّر ذلك تأكيداً، وفيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، وكأنَّه أراد رفع المجاز، لاحتمال أن يُحمَل النفيُّ على مدة بعينها، فقال: «ثم لا آذن» أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديراً، لا آذن بعدها، ثم كذلك أبداً). (١)
وروي في حديث أنَّ أهل المرأة استشاروا النبي ﷺ :
قال ابن المغازلي (٢) في «مناقب علي» (ص ٣٥٢) رقم (٣٢٧): أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مخلد البزار (٣)، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن عبد اللَّه أبو الفتح (٤)، قال: حدثنا أبي (٥)، قال: حدثنا عباس (٦)، قال: حدثنا
стр. 1786
أبو سلمة (١)، قال: حدثنا أبو عوانة (٢)، عن إسماعيل بن سالم (٣)، عن عامر (٤): (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي اللَّه، ما تقول في عليٍّ؟ قال: «عليٌّ قديمٌ هجرتُه، حسَنٌ سمتُه، حسَن بلاؤه، كرِيمٌ حسَبُه».
فقال: إني لستُ عن هذا أسألك، ولكنَّه خَطَبَ إليَّ ابنَتِي، فأحبَبْتُ أنْ أعلَمَ مَا مَبلَغُ ذلكَ مِن مسرَّتِكَ أو مَسَاءتَك؟
فقال ﷺ : «إنَّ فاطمةَ بضعَةٌ مِنِّي، أُحِبُّ ما سَرَّهَا، وأكرَهُ ما ساءَها».
قال: فوالذي بعثَكَ بالحقِّ نَبِيَّاً، لا أُنكِحُ عَلِياً وفاطمةُ حيَّة).
وهذا مرسل ضعيف، فيه: ضعف ابن المغازلي، وتفرُّدُه بالحديث، ... وأبو الفتح ووالده لم أجد لهما ترجمة، وفيه مخالفة الرواية الأصح عن الشعبي، الذي فيه أن السائل علي، وليس فيه وصف علي، وهي:
ما أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ١٧٣) رقم (٤٧٤٩) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن سُويد بن غفَلَة، قال: خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمِّها الحارث بن هشام، فاستشار النبيَّ ﷺ ،
стр. 1787
فقال: «أَعَنْ حسَبِهَا تسْأَلُنِي»؟ قال عليٌّ: قدْ أعلمُ ما حسَبُها، ولكن أتأمرني بها؟ فقال ﷺ : «لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا وأنها تحزن أو تجزع». فقال عليٌّ: لا آتي شيئاً تكرهه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة.
قال الذهبي في تلخيصه: مرسل قوي.
قال ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ٣٢٨): (أخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غَفَلة ــ وهو أحد المخضرمين (١) ممن أسلم في حياة النبي ﷺ ، ولم يلْقَه ــ ... فذكر الحديث).
وأخرجه: يونس بن بكير في «زوائده على سيرة ابن إسحاق» ... (ص ٢٥٣)، ومن طريقه: [الدولابي في «الذرية الطاهرة» (ص ٤٨) ... رقم (٥٦)]، وعبدالرزاق في «مصنفه» (٧/ ٣٠١) رقم (١٣٢٦٨)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧/ ٢١٥) رقم (٣٢٩٤٠)، وأحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٧٥٤) رقم (١٣٢٣) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، به. لم يذكر سويد بن غفلة.
стр. 1788
ورُوي أن الرد جاء من أولياء المرأة، لكنه ضعيف:
وقد روي من حديث أبي حنظلة، أنَّ علياً خطب بنت أبي جهل فقال له أهلها: لا نزوِّجُك على فاطمة.
أخرجه: أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٧٥٥) رقم (١٣٢٤)، ومن طريقه: الحاكم في «المستدرك» (٣/ ١٧٣) رقم (٤٧٥٠)، وهو مرسل ضعيف. (١)
ورُوي من حديث ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ بعث إلى علي رسولاً، وهو حديث ضعيف:
أخرجه: البزار في «مسنده = «كشف الأستار» (٣/ ٢٣٥) رقم ... (٢٦٥٢)، والعقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٨٦٩)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٣٤٨) رقم (١١٩٧٥)، وفي «المعجم الأوسط» (٥/ ٢٨٠) رقم (٥٣١٦)، و «المعجم الصغير» (٢/ ٧٣) رقم (٨٠٤)، ومن طريقه: ... [الخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٢٦٢)] من طريق عبيد اللَّه بن تمام، قال: حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن علياً خطب بنت أبي جهل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث إليه رسولاً: «إن كنتَ مؤذينا بها، فرُدَّ علينا ابنتنا».
стр. 1789
قال في «الأوسط»: (لم يرو هذا الحديث عن خالد الحذاء إلا عبدُاللَّه بن تمام، تفرَّدَ بِهِ: محمدُ بنُ عبدِاللَّه الأرزي).
ــ عبيداللَّه بن تمام، أبو عاصم. ضعفه أئمة الحديث، وقال البخاري: عنده عجائب عن خالد الحذاء. (١)
وقد حكم الألباني على الحديث بالنكارة. (٢)
ورُوي أن علياً خطب أسماء بنت عُميس ﵂، فأنكر النبي ﷺ ذلك:
أخرج: ابن أبي شيبة في «مسنده» ـ كما في «المطالب العالية» ... (١٦/ ١٦٠) رقم (٣٩٥٠)، و «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٤/ ٣٢) رقم (٣١١٧) ــ، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٥/ ٣٦٢) رقم ... (٢٩٥٨)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٢/ ٤٠٥) رقم (١٠١٥)، ... و (٢٤/ ١٥٢) رقم (٣٩٢)، والدراقطني في «المؤتلف والمختلف» ... (٢/ ٧٥١)، وابن المغازلي في «مناقب علي» (ص ٤٢٨) رقم (٤١٢) من طريق أبي الجواب الأحوص بن جواب.
وأخرجه: الطبراني في «المعجم الأوسط» (٥/ ١٣٩) رقم (٤٨٩٢)
стр. 1790
من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري.
كلاهما: (الأحوص، والجوهري) عن سليمان بن قَرْم، عن هارون بن سعد، عن أبي السَّفَر، عن حُرَّة (١)، عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: خطبني عليُّ ﵁، فبلغ ذلك فاطمة ﵂ فأتَتْ النبيَّ ﷺ فقالت: إنَّ أسماءَ مُتزوجةٌ عَلياً. فقال: «ما كان لها أن تؤذي اللَّهَ ورسولَه».
وأخرجه: ابن مردويه في «تفسيره» ـ كما في «الدر المنثور» ... (١٢/ ١١٤) ــ.
قال الطبراني في «الأوسط» عقب الحديث: (لم يرو هذا الحديث عن هارون بن سعد إلا سليمان بن قرم، تفرد به: الجوهري).
ــ سليمان بن قَرْم بن معاذ التميمي الضبي، أبو داوود النحوي ومنهم من ينسبه إلى جدِّه.
ضعيف، شيعي غالٍ، ونُسب للرفض.
ذكر ابن حبان أنه رافضي غالٍ. وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام»: كوفي، صالح الحديث. وقال ابن حجر: سئ الحفظ، يتشيع. وتُعُقب في ... «تحرير التقريب»: بأنه ضعيف، غالٍ في التشيع. (٢)