← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولا يظهر أن هذا اللقب الاصطلاحي «الشريف» فيه إشارة إلى دِيْنِ أو عِلْمِ أو عَمَلِ المتلقِّبِ به، ولا تزكيةَ فيه، بل هو إشارَةٌ إلى النسَّبِ لا غَيْر. (١) التفريق بين السيد والشريف علَّق عليه عبدالحميد الشرواني (ت ١٣٠١ هـ) ﵀ في حاشيته على قول الهيتمي بأن الشريف لقب ذرية الحسن والحسين، قال: (لعلَّ هذا باعتبارِ زَمَنِهِ، وإلا فعُرْفُ الحِجَازِ وحَوَالَيه في زَمَنِنَا أنَّ الشريف الأول فقط، وأنَّ الثاني هو السيد). (٢) فدلَّ هذا على أنَّ مَنْ كان من ذُرِّية الحسَن يقال له: الشريف. ومن كان من ذرية الحسين، يقال له: السيد.

стр. 212

وذكر يوسف النهباني (ت ١٣٥٠ هـ) ﵀ أن لقب الشريف والسيد يُطلقان على ذرية السبطين، في جميع بلدان المسلمين، قال: إلا في الحجاز، فإنهم اصطلحوا فيه على اطلاق الشريف على من كان حسَنياً، والسيِّد على من كان حُسينياً؛ للفرق بينهما). (١) وقد ذكر الشريف: محمد بن منصور بن هاشم آل عبدالله بن سرور: أنه في الحجاز لا يُطلَق لفظ «الشريف» إلا على مَن وَلِيَ إمرَةَ مكة من الحسنيِّين، فيقال: شريف مكة. وأما مَن لم يليها منهم فيُنعَتْ بـ «السيِّد»، وقد رأيتُ كثيراً من وثائق الأشراف القديمة لا يُنعت فيها أحد بالشريف إلا إذا كان من أمراء مكة .... وذكر أنَّ أشراف الحجاز جُلَّهم: حَسنيون، وأشراف المدينة: حُسينيون، وأشراف الطائف: جميعهم: نمَويُّونَ نِسبة لأمير مكة في القرن العاشر: أبي نُمي الثاني (ت ٩٩٢ هـ) وهو ابنُ بركات بنِ محمد من نَسْلِ: موسى الجون بن عبدالله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب. (٢)

стр. 213

هذا، وقد أحسن وأجاد الشيخ: إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير ... ـ وفقه الله ـ في هذه المسألة فأفردها برسالة (١)، ومنه استفدتُ النقول التالية: ففي (ص ٣٧) ذكر عن المؤرِّخ أيوب صبري (ت ١٢٩٠ هـ) (٢) أنَّ بعض المؤرخين يُفرِّقون بين اللقبين ... قال: (وفي هذا مغالطة تاريخية ظهرت في الأزمنة المتأخرة ... وذكر تنفيذ ذلك من قِبل من تأمَّرَّ على الحجاز حتى عهد قتادة بن إدريس ... وخطَّأَ المؤرِّخُ هذا التفريق. (٣) وذكر الشيخُ: إبراهيم بن منصور الهاشمي قولَ القاضي: جعفر لبني المكي (ت ١٣٤٠ هـ) إنكار التفريق، وكذا الدِّهْلَوِي المكي (ت ١٣٥٥ هـ)، ومحفوظ الترمسي المكي (ت ١٣٣٨ هـ) قال: (وربما يقال في بعض البلاد للحسني: شريف، وللحسيني سيد، وكأنه اصطلاحٌ لا يشاحَحُ عليه، وإلا فكلٌّ منهما سيِّدٌ وشَرِيفٌ، كما لا يَخفى). (٤)

стр. 214

وأفاد الشيخ: إبراهيم بن منصور: أنه: شاع هذا التفريق عند جماعة من الناس مِن ذاك الزمان إلى يومنا هذا، وقد خرَج مِن نطاق الاصطلاح الذي لا مشاحَّةَ فيه، إلى إنكار إطلاق لقَبِ الشريف علَى ذُرِّية الحسين السِّبْط، والسيد على ذرية الحسن السِّبْط، والعكس. والتفريقُ خطأٌ، لا مستنَدَ له، وذكرَ الأدلةَ على خطئه، فليُراجَع لمريد الاستزادة. وقد أورد كلام أهل العلم بالتاريخ والسِّيَر والنَّسَبِ والشواهد الحجَرِيَّة، والصُّكوكِ والحجج أنه لا فرقَ بين لقَبِ السيِّدِ والشريف. وذكر أنَّ لقب السيد مُقدَّم على لقَب الشريف عند أهل اليمن وشرق وجنوب السعودية، والعراق، وأقاليم في الشام، وأقاليم في مصر، وبلاد العجم. ولقبَ الشريف مقدم على لقب السيد في: الحجاز، ونجد، والمغرب، وأقاليم في مصر، وأقاليم في الشام، وغيرها. قال: ولعل هذا العُرْف المناطقي من أسباب التفريق في إطلاق اللقبين. (١)

стр. 215

الخلاصة: لا فرق بين اللقبين، فالعلماء السابقون من قرون متطاولة يطلقون اللفظين على ذرية الاثنين الحسن والحسين دون تفريق، تجد ذلك في كتبهم التراجم وغيرها، وكذلك الصكوك والوصايا المحفوظة لدى الهاشميين. ولكُلِّ بَلَدٍ اصطلاحٌ وعُرفٌ، ولا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح (١)، إنما يُنكَرُ عَلى مَن خصَّص لقب الشريف على ذرية الحسن، ومنع إطلاقه على ذرية الحسين، والعكس كذلك. (٢)

стр. 216

هل لمولى الأشراف أن ينتسب إليهم دون بيان أنه من مواليهم، فيقول: الهاشمي أو الحسني أو الحسيني؟ قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في «المملكة العربية السعودية»: (لا يجوزُ للعُتقَاءِ الانتسابُ إلى مواليهم إلا بذكر الولاء صَراحةً؛ لما ورد من الأحاديث التي فيها الوعيد لمن انتسَب إلى غير أبيه، كما جرى عليه العلماء في تراجم هؤلاء؛ لأن ذلك من الكذب، وتختلط به الأنساب، وتختلُّ به الأحكام الشرعية، ويُتَأكَّدُ المنع عندما ينتسِبُ الشخص إلى النسَبِ الشَّريفِ؛ لما يترتَّبُ عَلى ذلك من أحكَامٍ شَرعِيَّةٍ مخصُوصَةٍ). (١) وعليه، يجبُ أن يقول عند الانتساب: الحسَني مولاهم، أو الحسَيني مولاهم، أو الهاشمي مولاهم، وكذلك في عامة انتسابِ الموالي إلى القبائل.

стр. 217

تمييز الأشراف من ذرية السبطين ﵄ باللباس الأخضر أراد الخلفة العباسي: المأمون أن يولي الهاشميين ـ كما سبق ذكره ـ، وطلبَ منهم التمييز بلباس أخضر، ويبدو أنها عمامة خضراء (١)، ثم مع

стр. 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 220

مرور الزمن، تركها الأشراف، ثم أعادها السلطانُ الأشرف، في أواخر القرن الثامن، واختصرها إلى قطعة خضراء تكون فوق العمامة، ثم تركها الأشراف في عامة البلدان في القرون المتأخرة. قال ابن حجر الهيتمي المكي (ت ٩٧٤ هـ) ﵀: (يَنْبَغِي لكل أحد أَن يكون لَهُ غَيرَة على هَذَا النَّسَب الشريف وَضَبطِه، حَتَّى لَا ينتسب إِلَيْهِ ﷺ أحدٌ إلَّا بِحَقٍّ. وَلم تَزَل أَنْسَابُ أهلِ البَيتِ النَّبَوِيِّ مَضبُوطَةً على تطاول الأيام، وأحسَابُهُم التي بهَا يتميَّزُون مَحْفُوظَةٌ عَن أَن يدَّعِيها الجُهَّال واللئام؛ قَد ألهَمَ الله مَن يقومُ بتَصحِيحِها فِي كل زمَان، ومَن يعتني بِحِفظِ تفاصيلها في كُلِّ أَوَانٍ؛ خُصُوصَاً أَنسَابُ الطالبِيِّين والمطَّلِبِيِّين، ومِن ثَمَّ وَقعَ الِاصطِلَاحُ على اختِصَاص الذُّرِّيَّة الطاهرةِ ببني فَاطِمَةَ مِن بَين ذَوي الشَّرفِ كالعباسيين،

стр. 221

والجعافرة، بِلِبْسِ الأَخْضَر؛ إِظهَارَاً لمزيدِ شَرَفِهِمْ. قيل: وَسَبَبُهُ أَنَّ المأمونَ أَرَادَ أَن يَجعَل الخلافَةَ فيهم، أَي: ويدُلُّ عَلَيهِ مَا يَأْتِي في تَرجمة عليِّ الجَواد، مِن أنَّه عهِدَ إليه بالخلافة، فاتَّخَذَ لهم شِعَارَاً أخضَرَ، وألبَسَهُمْ ثِيابَاً خُضْرَاً؛ لِكونِ السوادِ شِعَارَ العبَّاسِيين، والبياضِ [شعارَ سائرِ المسلمِينَ في جُمَعِهِمْ، ونحوِهَا؛ والأحمرِ مُختلَفٌ في تَحرِيمِهِ، والأصفرِ] (١) شِعَارَ سَائِرِ اليهود في آخر ... الأمر. (٢) ثمَّ انثنَى عزْمُهُ عَن ذلك، ورَدَّ الخِلافةَ لِبَنِي العبَّاسِ، فبَقِيَ ذلكَ شِعَارَ الأشرافِ العَلَوِيِّينَ مِن بَنِي الزهرَاء؛ لِكَنَّهُم اختَصَرُوا الثيابَ إلى قِطعَةِ ثَوبِ خَضَرَاءَ، تُوضَعُ عَلى عَمائِمِهِمْ؛ شِعَاراً لهم. ثمَّ انقطعَ ذلك إلى أواخر القرن الثامن، ثمَّ في سنة ثلاث وسبعين وسبعمئة أمَرَ السلطانُ الأشرفُ شعبان بنُ حسين بن الناصر محمد بن قلاوون أنْ يمتَازُوا عَلى الناسِ بعصَائِبَ خُضْرٍ عَلَى العمائم، ففَعَلَ ذِلكَ بِأكثرِ البلادِ كمِصْرَ، والشامِ، وغيرِهما .... ). انتهى (٣)

стр. 222

ذكر ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ﵀ في حوادث سنة ... (٧٧٣ هـ): (وفيها أمر السلطانُ الأشرافَ أن يمتازوا عن الناس بعصائب خُضْرٍ على العمائم (١)، ففُعِلَ ذلك في مصر، والشام، وغيرهما. وفي ذلك يقول أبو عبد الله بن جابر الأندلسي الأعمى نزيل حلب: جعلوا لأبناءِ الرسولِ علامةً ... إنَّ العلامةَ شأنُ مَن لم يشهر نورُ النبوةِ في كريمِ وجُوهِهم ... يُغنِي الشريفَ عن الطِرازِ الأخضر قال في ذلك جماعة من الشعراء ما يطول ذكره، ومن أحسنها قولُ الأديب شمس الدين محمد بن إبراهيم بن بركة الدمشقي المزين، وأنشدني إياه إجازة: أطرافُ تِيجان أتَتْ من سُنْدُسٍ ... خُضْرٍ بأعلامٍ على الأشراف والأشرفُ السلطانُ خصَّصَهمْ بها ... شَرَفاً لِيفَرقَهُم مِن الأطراف) (٢)

стр. 223

قال المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) ﵀: (وفي هذا الشهر ـ أي شهر شعبان ـ ألزم الأشرافَ بأن يتميَّزُوا بعلامةٍ خضرَاءَ في عمائمِ الرجال، وأُزُر النساء (١)، فعملوا ذلك واستمروا .... ثم ذكر بعض النظم في هذا. (٢) وذكر ابن تغري بردي (ت ٨٧٤ هـ) ﵀ أن رسم السلطان أن تكون العلامة الخضراء فوق العمامة تكون بارزةً للخاصة والعامة، نظراً في حقهم وتعظيماً لقدرتهم، ليقابَلوا بالتعظيم ويمتازوا من غيرهم .... وذكر ابن تغري الأبيات التي قيلت، ثم قال: وهذا مما يدلُّ على حُسْنِ اعتقادِ الملكِ الأشرَفِ هذا ﵀، بآل بيت النبوة، وتعظيمِه لهم). (٣) وقال ابن تغري بردي ـ أيضاً ـ: (وفى سنة ثلاث وسبعين المذكورة، رسَمَ السلطانُ الملكُ الأشرَفَ أنَّ الأشرافَ بالديار المصرية، والبلاد الشامية، كلَّهم يَسِمُونَ عَمائِمَهُم بِعَلامَةٍ خَضْرَاءَ بارِزَةٍ لِلخاصَّةِ والعَامَّة؛ إجلالاً لحقِّهم، وتَعظيماً لِقَدْرِهِم؛ لِيُقَابَلُوا بِالقَبُولِ والإقبَالِ، ويمتازُوا عَنْ

стр. 224

غَيرِهِم مِنَ المسلِمِين. (١) فَوقَعَ ذَلكَ، ولَبِسَ الأشرافُ العلائمَ الخُضْرَ، التي هِيَ الآنَ مُستَمِرَّةٌ عَلَى رُؤوسِهِم .... وذكر بعض المقطوعات الشعرية في هذا، ثم قال: قلتُ: وبِهَذهِ الفَعْلَةِ يَدُلُّ عَلى حُسْنِ اعتِقَادِ الملِكِ الأشْرَفِ المذكور في آلِ بَيتِ النُّبُوَّةِ، وتَعظِيمِهِ لهم؛ ولقَدْ أحدَثَ شَيئاً كانَ الدَّهْرُ محتَاجَاً إليهِ، ولَا ألهَمَ اللهُ تعالى الملوكَ ذلكَ مِن قَبْلِهِ (٢)؛ ولله دَرُّ القَائِلِ: «كمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلآخِرِ»؟ ! ). انتهى (٣) قال السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) ﵀: (والأشرفُ هو: شعبان بن حسين بن الناصر محمد قلاوون. ويُقال في سبب كونها خضراء: أنَّ المأمون أرادَ أن يجعلَ الخلافةَ في بني

стр. 225

فاطمة، فاتَّخذَ (١) لهم شعارَاً أخضَرَا، وألبَسَهُمْ ثِيَابَاً خُضْرَاً، (٢) ثم انْثَنَى عَزْمُهُ عن ذلك؛ ورَدَّ الخلافةَ إلى بني العباس فبقي ذلك شعارَاً للأشراف العلويين، فاختصروا (٣) الثيابَ إلى قِطعةٍ من ثوبٍ أخضَر يُوضَعُ على عمائهم شعارَاً للعَلويين، والآن استَمرَّ ذلك في بلاد مصر والشام، وقد كانت ذرية العباس يتميزون بالشطفة (٤) السوداء على ما أخبرني به مَن شاهده، ثم بَطَلْ). (٥) قال السيوطي (ت ٩١١ هـ) ﵀ ضمن مسائل رسالته «العجالة الزرنبية في السلالة الزينبية»: الوجه الثامن: هل يلبسون العلامة الخضراء؟ والجواب أن هذه العلامة ليس لها أصل في الشرع، ولا في السُّنَّة، ولا كانَتْ في الزمن القديم، وإنما حدَثَتْ في سَنَةِ ثلاث وسبعين وسبعمئة بأمر الملك الأشرف: شعبان بن حسين.

стр. 226

وقال في ذلك جماعة من الشعراء ما يطول ذكره، .... ثم أورد قولَ ابنِ جابر الأندلسي، والأديبِ محمدِ بنِ إبراهيم الدمشقي ... ثم قال السيوطيُّ ﵀: وحَظُّ الفَقيه في ذلك إذا سُئِلَ أنْ يقول: لُبْسُ هذه العَلامَةُ بِدْعَةٌ مُباحَةٌ، لا يُمْنَعُ منها مَن أرادَها مِن شَرِيفٍ وَغَيْرِهِ، ولا يُؤمَرُ بِها مَنْ تَركَهَا مِن شَرِيفٍ وَغَيْرِهِ. والمنْعُ مِنْهَا لأَحَدٍ مِن النَّاس كَائناً مَنْ كانَ، ليسَ أمرَاً شَرعِيَّاً؛ لأنَّ الناسَ مَضْبُوطُونَ بأَنْسَابِهِمْ الثَّابِتَةِ، ولَيْسَ لُبْسُ العَلامَةِ مما وَرَدَ بِهِ شَرْعٌ، فَيُتَّبَعَ إباحَةً ومَنْعَاً. أقصى ما في الباب أنَّه أُحدِثَ التَّمْيِيزُ بها لهؤلاءِ عَن غَيرِهِمْ، فمِن الجَائِزِ أنْ يُخَصَّ ذلكَ بِخُصُوصِ الأبناء المنتَسِبِينَ إلى النبيِّ ﷺ ، وهُم: ذُرِّيةُ الحسَنِ والحُسَين، ومِنَ الجائزِ أنْ يُعَمَّمَ في كُلِّ ذُرِّيَّتِه وإنْ لم ينْتَسِبُوا إليه كالزَّيْنَبِيَّةِ، ومِنَ الجائزِ أنْ يُعَمَّمَ فِي كُلِّ أهْلِ البَيْتِ كبَاقِي العَلَوِيَّةِ، والجَعْفَرِيَّة، والعَقِيلِيَّةِ، كلٌّ جَائِزٌ شَرعَاً. وقد يُستَأَنَسُ فيها بقوله تعالى: ﴿ ... يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (سورة الأحزاب، آية ٥٩)؛ فقد استدَلَّ بِها بعضُ العُلَماء على تخصيص أهلِ العِلْمِ بِلِبَاسٍ

стр. 227

يختصُّونَ بِهِ مِن تَطْوِيْلِ الأكمَامِ، وإدَارَةِ الطَّيْلُسَان، ونحو ذلك (١)؛ ليُعرَفُوا، فيُجَلُّوا؛ تَكرِيماً لِلْعِلْمِ، وهذا وَجْهٌ حَسَنٌ (٢)،

стр. 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 229

والله أعلم). (١) علَّق الصبَّان (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀ على كلام السيوطي، بأنه يستحب لبسها للأشراف، وينبغي اعتماده، وتُكرَه لغيرهم؛ لأن فيه انتساباً بلسان الحال إلى غير من ينسب إليه الشخص في نفس الأمر، وانتساب الشخص إلى غير من يُنسب إليه في نفس الأمر؛ منهي عنه، محذَّرٌ منه. ولم يُكتفَ في هذه الأعصار بتلك العلامة، بل جُعِلَت العمامة كلُّهَا خضراء، وحُكمُها حكم تلك العلامة). (٢) قال القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) ﵀: (فهذه الذُّرِّيَّة الطاهِرة، قد خُصُّوا بمزايا التشريف، وعُمُّوا بواسطة السيدة فاطمة بفضْلِ مُنِيف،

стр. 230

وأُلْبِسُوا رِدَاء الشرفِ، ومُنِحُوا بمزيد الإكرام والتُّحَفِ. وقَد وقَعَ الاصطلاح على اختِصَاصِهِم مِن بَين ذوي الشَّرَفِ كالعباسيين، والجعافرة، بالشطفةِ الخضراء، لمزيد شَرَفِهِم. والسبب في ذلك ـ كما قيل ـ أنَّ المأمونَ أرادَ أنْ يجعلَ الخلافة في بني فاطمة، فاتَّخَذَ لهم شِعَارَاً، وألْبَسَهُم ثِياباً خُضْرَاً؛ لِكونِ السوادِ شِعَارَ العبَّاسِيِّين، والبياضِ شِعَارَ سَائِرِ المسلمين في جُمَعِهِمْ ونحوِها، والأحمرِ مُختَلَفٌ في كراهته، والأصفرِ شِعَارُ اليهودِ بِأخَرَة؛ ثم انثَنَى عَزْمُهُ عن ذلك، ورَدَّ الخِلافةَ لبَنِي العباس، فبقي ذلك شِعارُ الأشرافِ العَلَوِيِّينَ مِن الزَّهْرَاءِ، لِكنَّهُمْ اختَصَرُوا الثيابَ إلى قِطعَةٍ مِن ثوبٍ أخضَرَ، تُوضَعُ عَلى عَمائِمِهِم؛ شِعَارَاً لهم. ثم انقطَعَ ذلكَ إلى أوَاخِرِ القرنِ الثامِن. ثم نقل قول الحافظ ابن حجر في «إنباء الغمر» في أمر الأشرف السلطان: شعبان سنة ٧٧٣ هـ ... وقد سبق نقله. (١) قال محمد بن أحمد بن إياس الحنفي المصري (ت ٩٣٠ هـ تقريباً) ﵀ في حوادث سنة ٧٧٣ هـ: (وفي شهر جمادى الأولى، وقعَتْ حادثة غريبة، وهو أنَّ السلطانَ رسَمَ للسادة الأشراف قاطبةً، الرجال والنساء: أن يجعلوا في عمائمهم شطفات خُضْرٍ؛ ليمتازوا بها عن غيرهم، وتعظيماً

стр. 231

لقدرهم، ولم يكن قبلَ ذلكَ للسادة الأشرافِ علامةٌ يتميَّزُون بها عن غيرهم، وقد وقع ما أوجَبَ ذلك في تميُّز الأشراف عن غيرهم، فنادَى لهم في القاهرة بذلك، فامتثلوا أمرَه المتدارك. وقد قالت الشعراء في هذه الواقعة قولاً لم يسلُك فيه سالِكٌ، وقد قالوا في ذلك عِدَّة مقاطيع، تغني عن المواصيل .... ثم ذكر بعضها). (١) قال أحمد بن محمد الحموي (ت ١٠٩٨ هـ) ﵀ (٢): (العمامةُ الخضراءُ كانت في القرون المتأخرة يلبَسُهَا الأشرافُ مِن أبناء الحسن والحسين، وليسَ لها أصلٌ في الكتاب والسُّنَّة، وإنَّما استُحدِثَ لُبْسُهَا سنة ... (٧٧٣ هـ) في عهد سلطان مصر: الأشرف شعبان ابنُ السلطان: حسين بن محمد قلاوون (ت ٧٧٨ هـ)؛ لئلا يظلمهم أحدٌ، أو يُقصِّر في حقِّهِمْ مَنْ لا يَعرِفُهُم). (٣)

стр. 232

يعتَبُ الخفاجي المصري (ت ١٠٦٩ هـ) ﵀ على السلاطين الأتراك بتولية غير المعروفين، وترك العلويين، وتعويضهم بعلامة، وشطفة خضراء ... وأنَّ العلامةَ شأنُ مَنْ لم يُشْهَر، ونُورُ النبوةِ يُغنِي الشريف عن الطراز الأخضر. وذكر عدم صحة اهتمام الأتراك بآل البيت (١)، وبالنسبة للأخضر لم يفهموا مشاركة حطب الأغصان لهم والنبات، ولم يدروا أنه حجة للنواصب، وعدة لمصائب الدهر والنوائب ... (٢) بعض العلماء حرَّموا لبس العمامة الخضراء لغير الفاطميين: قال الزرقاني المالكي (ت ١٠٩٩ هـ) ﵀: ( ... فقولُ الشاذلي، ومَنْ وافَقَهُ مِن المالكية: إنَّ لُبْسَ العِمامة الخضْرَاءَ لِغَير الشريف جَائِزٌ، غيرُ صَحيحٍ، وغَرَّهُ فِي ذلك ذِكْرُ السيوطي له، وإنِّما أُدِّبَ ولم يُحَدَّ، مَع أنَّه يَلزمُ عَليه حَملُ غَيرِ أبيهِ عَلى أُمِّهِ، لأنَّ القصدَ بانتَسَابِهِ لَهُ شَرَفُهُ، لا الحملُ المذكور، ولأنَّ لازمَ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذْهَبٍ). (٣)

стр. 233

وذكر محمد بن عبدالله الخرشي المالكي (ت ١١٠١ هـ) ﵀ أنَّ مَنْ لبِسَ العمامةَ الخضراء في زمننا، يُؤدَّب؛ لعموم قولِ مالك: مَن ادَّعَى الشرفَ كاذِبَاً، ضُرِبَ ضَرْبَاً وَجِيْعَاً، ثم شُهِّرَ وَيُحْبَسُ مُدَةً طَويلَةً حتى تظهرَ لنَا تَوْبتُهُ؛ لأن ذلك استخفافٌ بِحَقِّهِ ﷺ . ومَع ذلك كانَ يُعظِّمُ مَن طُعِنَ في نَسَبِهِ، ويقُولُ: لعلَّهُ شَريفٌ فِي نَفْسِ الأمر. وإنِّما أُدِّبَ ولم يُحَدَّ مَع أنهُ يَلْزَمُهُ عَليهِ حَمْلُ غَيرِ أَبيهِ عَلى أُمِّهِ؛ لأنَّ القصدَ بانتِسَابِهِ لَهُ شَرَفُهُ، لا الحملَ المذكور؛ ولأنَّ لازمَ المذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ). (١) قال سليمان بن محمد البُجَيرَمي الشافعي (ت ١٢٢١ هـ) ﵀: ( ... ومنه يُعلَمُ تحريمُ لُبْسِ العمامة الخضراء لِغَير الشريف، فقد جُعِلَتْ العمامةُ الخضراءُ لِأولاد فاطمةَ الزهراء؛ لِيمتَازُوا، فَلا يَلِيقُ بِغَيْرِهِم مِن بقيةِ آلِه ﷺ لُبْسُهَا؛ لأنَّه تَزيَّا بِزِيِّهِمْ فَيُوهِمُ انتسَابَهُ لِلْحَسَنِ أو الحُسَين، مع انتفاءِ نَسَبِهِ عنهما، ويُمنَعُ مِن ذلك، فاعْلَمْهُ وتَنَبَّه لَه .... ثم نقل قول الهيتمي في «الصواعق». ثم نقل البُجيرَمي (١٢٢١ هـ) عن أحد العلماء ـ ولم يُسَمِّه ـ: (ولُبْسُ العلامةِ الخضراءَ ليس له أصلٌ في الشرعِ، ولا في السُّنَّةِ، وإنما حدَثَ ذلك في زمن السلطان الأشرف: شعبان بن السلطان حسن بن محمد بن قلاوون،

стр. 234

ولا يُمنَعُ منها مَن أرادَ لُبْسَها مِن غير الأشراف؛ لكنَّ الذي ينبغي: اجتنابُ ذلك؛ لأنَّ فيه تَدليساً؛ لأنه صارَ شِعَارَاً للأشراف، فيُوهِمُ أنه مِنهم). (١) قال محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي (ت ١٢٣٠ هـ) ﵀: (قوله: «كأن يتعمم بعمامة خضراء» فإذا تعمَّمَ بها غَيرُ شَرِيفٍ، فإنَّه يُؤدَّبُ؛ لأن ذلكَ استخفافٌ بحقِّه ﵇. واعلَمْ أنَّ لُبْسَ العِمامةِ الخضراءَ في الأصل لمنْ كانَ شَريفَاً مِن أبيه، وقد قَصَرَها عليه السلطانُ الأشرفُ، وحينئذ فلا يجوزُ لمن هُوَ شَريفٌ مِن أمِّهِ لُبْسُهَا، وأُدِّبَ، إلا أنْ العُرْفَ الآنَ قَدْ جَرى بِلُبْسِهِ لها، وعَمَّتْ البلْوَى بِذلِكَ، فلا أدَبَ عَلَيه، وإنْ كانَ لا يَنبَغِي لَه لُبْسُهَا. كذا قرَّرَ شيخُنَا العَدَوِي). (٢) هذا، وقد قال الشيخ المجدِّد: محمد بن عبدالوهاب (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀ في شأن اللباس الأخضر للأشراف: (وأما لبس الأخضر، فإنها أُحدِثَتِ قديماً تمييزاً لأهل البيت؛ لئلا

стр. 235

يظلمهم أحدٌ، أو يُقصِّرَ في حقِّهم مَن لا يعرفهم. وقد أوجبَ الله لأهلِ بيت رسول الله ﷺ عَلى الناسِ حُقُوقَاً، فلا يجوز لمسلمٍ أن يُسقِطَ حقَّهُمْ، ويَظُنَّ أنه من التوحيد؛ بل هُوَ مِن الغُلُوِّ ... ). (١) قال يوسف النهباني (ت ١٣٥٠ هـ) ﵀ معلِّقاً على قول الصبَّان ... (ت ١٢٠٦ هـ) في كراهة لقب الشريف، ولُبْسُ العِمامة الخضراء لِغَير ذرية السِّبْطَين ـ (٢): (وإنما يظهرُ في البلاد التي بقي أهلُها على اصطلاحِ تخصيص العمائم الخضر بالأشراف، كمصر. أما في غيرها كالقسطنطينية (٣) فلا؛ فإن العلامة الخضراء فيها لا دلالة لها على الشرف أصلاً، لما أن العلماءَ فيها، والطلبةَ، وغيرَهم من أرباب العمائم لا يخلو أحدهم في الغالب من عمامة خضراء، يستعملها في بعض الأحيان، وقد يكثر استعمالها في فصل الشتاء، لعدم ظهورالوسخ فيها، بل

стр. 236

تجاوزهم الأمر إلى كثير من أهلِ الحِرَف، وبَاعَةِ الشوارع، فإنهم كثيراً ما يتعمَّمون بالعمائم الخضر، لهذه العِلَّة. وكذا لفظ السيِّد عندهم ليس خاصاً بالشريف .... وقال: ومن هنا تَرى أكثرهم لا سيما أشراف الحجاز لا يلبسون العمائم الخضر، لهذه الحكمة، فقد زال التمييز، واختلط الصُّفْر بالإبريز، والأشرافُ مَضْبُوطُونَ بِأحْسَابِهِمْ لَا بِأثَوَابِهِمْ، ولَقَدْ أفْحَشَ في الخَطَأ مَنْ ظَنَّ الشَّرَفَ في الألْوَانِ، أوْ بِقَوْلِ النَّاسِ: يَا سيِّد فُلَان! فرَحِمَ الله امرءاً عرَفَ حَدَّهُ، فثَبَتَ عنده، وعَلِمَ مَقامَهُ، فلَمْ يتقدَّم أمَامَه، فإنَّ الكَذِبَ مَدَاهُ قَصِيرٌ، والزَّيْفَ لا يخفَى على النَّاقِدِ البَصِيرِ). (١) هذا، وللمُؤرِّخ: محمد بن محمد ابن الشيخ القاضي: محمد بن الخوجة التونسي الحنفي (١٢٨٦ هـ ــ ١٣٦٣ هـ) ﵀ (٢) بَحثٌ بعنوان «العمامة الخضراء»، استظهر فيه السبب الداعي لهذا التخصيص، ومما أفاده فيه: أنه اطلَع على كتاب باللغة الفرنسية لرجل عسكري سويسري، كتب فيها رحلتَه إلى «تونس» منتصف القرن ١٣ هـ، في حدود (١٢٥٧ هـ)، وذكر

стр. 237

أن مما لفَتَ انتباه الأوربي انتشارَ العمامة الخضراء على كثير من المنتسبين للنسب الزكي. وتحدَّثَ ابنُ الخوجة عن تاريخها، وأنه ليس لها أصل في الشرع، وليست معروفة في القرون الأولى، وذكرَ أوَّلَ ظهورها في عهد الملك الأشرف: شعبان بن حسين ... وذكر أنها كانت في البداية: علامةً خضراءَ تُضاف لعمائم الأشراف، ثم تطوَّرَت واستوعبت كامِلَ العمامة، أي لم تكن في البداية عمامة خضراء. واستظهر أن الدَّاعي لتمييز الأشراف بشطفة خضراء في عمائمهم ... ما اقتضتْهُ الظروفُ السياسية، لأن الملك شعبان تولى السلطنة وعُمْرُه اثنا عشرة سنة، وثمَّةَ هَرْجٌ عظيمٌ بين ولاة الأتراك بجهات المملكة، والمتصرف بالمُلك الأتابكي: يَلْبُغَا، فأراد استمالةَ الأشراف لجانبه، لمَا لَهُمْ من الحَظْوَة والاعتبار في أنظَار عامَّة المسلمين، فيَلْتَفَّ الناسُ بعد ذلك حولَهُ لمناصرته على أعدائه. (١)

стр. 238

وذكر ابنُ الخوجة اختلاف أنظار الفقهاء في حُكمها من الإباحة إلى الاستحسان، وذكرَ بعض مَن استحسنها كأبي السعود العمادي، ونقل فتواه في ذلك. واستظهر أن بداية ظهور العمامة الخضراء في الديار التونسية في القرن العاشر الهجري، خاصةً بعد استقرار حُكْمِ التُّرْكِ، وترتيب الدواوين بها في القرن الحادي عشر؛ لأنَّ التركَ كانوا أصحاب عَقِيدةٍ صَمِيمةٍ، وحُبِّ رَسِيخٍ في آلِ البيت، فقد كانوا يُغدِقُون عليهم بالإحسان، والمِنَح، والإقطاعات، وجعلوا لنقيبِ الأشراف حَقَّ الحضُورِ مع أهلِ المجلسِ الشرعي عند اجتماع الفُقَهاءِ للنظرِ في النَّوازِل. وقد انتشرت في القرن الثاني عشر في البلدان المعروفة بكثرة الأشراف، خاصةً بلدة «صفاقس» فالأشراف فيها إلى هذا الزمن ... (١٣٥٧ هـ) متعلِّقُون بالعمامة الخضراء. وقد تقاصَرَ وتَراجَعَ أمرُهَا في الديار التونسية، حتَّى أصبَحَتْ نَادِرَةً. بحيثُ أنَّ حامِليها في «تونس» كانوا يُعدَّونَ على الأصابع في بداية القرن

стр. 239

الرابع عشر. ثم ذكرَ مسألةَ الانتسابِ للأشراف من جِهَةِ الأمِّ. وذكَرَ فتوى أبي السعود العمادي في صِحَّةِ الشرف من جهة الأم. (١) جاء فتاوى «مجلة المنار» الصادرة في مصر: (وأما حكم لُبسها ـ أي العمامة ـ لذاتِه، فهو الإباحة، إلا إذا كان لأجل شهرة باطلة، ومنها: العمامةُ الخضراء لغير الأشراف في البلاد التي تَعُدُّها شِعَارَاً لهم، ... أو إيهامُ الناسِ بالصلاحِ، أو الولاية؛ رِياءً أو استدِرَارَاً للمنَافع المادِّيَةِ، أو طَلَبَاً لِلشُّهْرَةِ؛ فيكونُ محظُوْرَاً بِقَدْرِ حَظْرِ هذِهِ المفاسِدِ، وما يَتَرتَّبُ عَليها مِن الباطل، وشَرٌّ مِنْ هذا كُلِّهِ: أنْ تُلْبَسَ بِدعَوى أنَّها مَطلُوبَةٌ شَرْعَاً، وأنَّها مِن سُنَنِ الرسولِ ﷺ ، فإنَّ هذا مِن الكَذِبِ عَلى الله ورَسُولِهِ). (٢) قلت: والصواب أنه يجوز لبسُها لأيِّ أحد كانَ مِن الأشراف، وغيرِهم ـ كما سبق تقرير ذلك ـ فلا يُكْرَه، فضلاً عن التحريمِ والتأديبِ، وأحكامُ ... آل البيت ليست بتلك الضعف والهشاشة؛ لتختلط بسبب لَونِ عِمَامَةٍ.

стр. 240

نكاح الفاطميات من غير الفاطميين يجوز للمرأة من آل البيت من الفاطميات أو غيرهن، أن تتزوج رجلاً من غير آل البيت. وظهرَ قولٌ محدَثٌ مُنكَر: أنه لا يجوز للفاطميات أن يتزوجن غير الفاطميين! ! وهو قولٌ لا أساسَ له من الصحة لا شرعاً ولا عرفاً. ولم يقُلْ به أحَدٌ في القرون المفضلة، ولا قال به أحدٌ من أئمة الإسلام وعُلمائه. (١) وأولُ مَن قال هذا القول المحْدَث: الحسين بن القاسم العياني ... (ت ٤٠٤ هـ) (٢) كما نقل عنه: أحمد بن عبدالله حنش في «الجمان المضيئة المستخرجة من بحر طمى الدالة على تحريم نكاح الفاطمية لغير الفاطمي» ـ مخطوطة ـ. وقد أجمعت عليه الزيديةُ زمَن العياني هذا. وذكر المقبلي (٣)، والصنعاني (٤) أن هذا القول لم يُعرف إلا زمَنَ أحمد بن

стр. 241

سليمان (ت ٥٦٦ هـ). وذكر الشوكاني (١) أنه ما ظهر إلا بعد مضي أربعمئة سنة. وهذه المسألة تجدها مبحوثة بتَوسُّع ـ ومنهُ استفدْتُ ما سبق ـ في كتاب «الانتصار للفاطميات والإفادة في الكفاءة» لعادل بن معوض الوادعي (مجلد ٢٣٢ صفحة). * * *

стр. 242

٢٠. علمها. أما عِلمُ فاطمة ﵂ -، فلا شك أنه في الدرجة العالية، وقد حَفِظتْ كثيراً من أقوال وأفعال وهدي أبيها ﷺ منذ أن عقلت نفسها إلى وفاته ﷺ ، لكنها لم تحدِّثْ به كثيراً؛ لِعَدَمِ احتياجِ الناس إليها، فبيتُهَا مجاوِرٌ لأبيها، والناس يسألون والدَها ﷺ ويروون عنه، ولم تفارق المدينة النبوية ـ إلا مع أبيها ـ فلم يحتَج الناسُ لسؤالها وحديثِها، ولم تَطُلْ مُدَّتُها بعد أبيها ﷺ ، فقَد ماتَتْ بعده بستة أشهر، وربما لو قُدِّر لها العمرُ المديد، لنَشَرَتْ علماً غزيراً كما نشرَتْ أزواجُ النبي ﷺ عائشة وغيرُها. لم يَروِ أحدٌ من أولادِ النبيِّ ﷺ عنه غيرُ فاطمة ـ حسب المصادر، مع اليقين بتلقيهن علماً كثيراً عن والدِهن ﷺ ـ. ذكَرَ المِزِّيُّ (٧٤٢ هـ) ﵀ في ترجمتها: أنه روى لها الجماعة أي أصحاب الكتب الستة. وقال: [روَتْ عن: النبي ﷺ (ع). روى عنها: أنس بن مالك (خ)، وابنها الحسين بن علي بن أبي طالب (ق)، وأبوه علي بن أبي طالب، وسلمى أم رافع زوج أبي رافع، وعائشة أم المؤمنين

стр. 243

(ع)، وفاطمة الصغرى بنت الحسين بن علي بن أبي طالب (ت ق) مرسلاً، وأم سلمة زوج النبي ﷺ (ت)]. (١) ذكرتُ في أول الباب الثالث: مسندها، مَن له رواية عنها في كتب السُّنَّةِ ـ وإن كان بعضُهم أو غالِبُهم لم يُدرِكْها ـ وقد بلغَ عددهم: (٢٧) سبعة وعشرون راوياً. قال الذهبي: (ولها في «مسند بَقِي»: ثمانية عشر حديثاً، منها حديث واحِدٌ متفَقٌ عليه). (٢) هذا، وقد بلغت أحاديث مسندها كما في الباب الثالث: (٤٩) حديثاً: في الصحيحين أو أحدهما: (٣) أحاديث. في السنن الأربع: (٤) أحاديث. في مسند أحمد: (٤) أحاديث. في بقية كتُبِ السُّنَّةِ: (٣٥) حديثاً. في كتب التاريخ: (١) حديث واحد ـ وهو رقم (٤٦) في ... «المستدرك على مسند فاطمة» ــ. لم أجد له إسناداً: (٢) حديثان ـ وهما رقم (٤٧) و (٤٨) في ... «المستدرك على مسند فاطمة» ــ.

стр. 244

المجموع: (٤٩) تسعة وأربعون حديثاً. الصحيح منها: (٣) أحاديث. والحسن: (٢) حديثان، وثالث محتمل التحسين. والضعيف: (١٧) حديثاً، وواحد محتمل التحسين. والضعيف جداً: (١٣) حديثاً. والموضوع: (١٤) حديثاً. هذا، وقد ذمَّتْ الرافضةُ أهلَ السنة والجماعة بقلة أحاديث فاطمة عندهم! ! مع أنها (١) عند أهل السنة بأسانيد متصلة، أمَّا هُم فلايملكون حديثاً واحداً بإسناد متصل! ! وانظر هذه المسألة في الباب الثاني: الفصل الرابع: المبحث الأول.

стр. 245

٢١. فضائلها، وخصائصها قال المزي (ت ٧٤٢ هـ) ﵀: (ومناقبها، وفضائلها كثيرةٌ جداً ﵂ وأرضاها). (١) قال الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ﵀: (وقد كان النبي ﷺ يحبُّها ويكرِمُها ويُسِرُّ إليها. (٢) ومناقبها غزيرة. وكانت صابرةً، ديِّنةً، خيرةً، صيِّنَةً، قانِعَةً، شاكِرَةً لله). (٣) والباب الثاني كلُّه في فضائلها ومناقبها، وهو في خمسة فصول، في كل فصل عدة مباحث. من أبرز مناقبها وخصائصها: أنها سيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء أهل الجنة، وسيدة نساء العالمين، وقد بُشِّرَتْ بالجنة، وكذا زوجُها، وابنَاها، وأمُّها ﵃. ومن خصائصها أن عقِب النبي ﷺ انحصر في ولدها، فمِنْهَا امتدادُ ذريته ﷺ مِن بَعده، وأن المهدي المنتظر عند أهل السنة والجماعة من ولد الحسن بن علي ﵄. ومن ذلك: إسرار النبي ﷺ لها بقرب أجله، وأنها أول أهله

стр. 246

لحاقاً به. ومن خصائصها: أنها أكثر ملازمة للنبي ﷺ من بقية أخواتها، لتأخر زواجها عن أخواتها، وبقائها وحيدة بعد وفاة أخواتها، وبعد وفاة النبي ﷺ . وكذا حضورها عند أبيها في غزوة أحد، حينما عالجت الدم الذي سال على وجهه الشريف، وكانت معه في عمرة القضاء، وسترته حينما اغتسل بعد فتح مكة، وكانت معه في حجة الوداع، وكان بيتُها مجاوراً بيت والدها ﷺ . فقد شهدت مراحل الدعوة الإسلامية كلَّها من بدئها إلى وفاة النبي ﷺ . وقد نوَّه بذكرها في مواطن: في مكة على الصفا: يافاطمة سليني من مالي، لا أغني عنك من الله شيئاً، وفي خُطبتِه: لو أن فاطمة بنت محمد سرقَتْ لقطعتُ يدها. وفي خُطبته ـ لما أراد عليٌّ أن يتزوج عليها ـ: فاطمةُ بَضعَةٌ مِنِّي، يُريبني ما يُريبُها. ومن مناقبها: شبهها بأبيها في حديثها، ومشيتها، وصدق لهجتها، وغير ذلك. (١)

стр. 247

٢٢. الكذب على فاطمة ﵂ - أما كَذِبُ الرافضةِ على آلِ البيت عامَّةً، وفاطمةَ خاصَّةً، فكذِبٌ أيُّ كَذِبٍ، يتضايقُ منه الورَقُ، وتَنْفُرُ منْهُ الحُروف! كذِبٌ قَبيحٌ فَجٌّ، حَدِّثْ عنه ولا حَرَج، نعَمْ حَدِّث عن أباطيلهم وأباطيل أباطيلهم وزِدْهَا ثالثة، ولا تخشَ في وصفِكَ مُبالَغَةً ولا إسرافاً. والله لو حَكَّمَ الواحدُ منهم عَقلَهُ؛ لَعرَفَ بُطْلَانَ كثيرٍ مما ينسبونَه إليها. وستأتيك في كتابي هذا أمثلة من الغلو في فاطمة ـ والله المستعان ـ. يليهم في الكذب في هذا الباب: الصوفية. لقد أدخل أهل البدع والضلال مروياتٍ كثيرةً في فضائلِ فاطمة، لكنَّ أهل السُّنَّة لها بالمرصاد ـ ولله الحمد ـ، فبيَّنُوا زيفَها، وأظهَروا الصحيحَ الوارد فيها. وهي ﵂ غَنِيَّةٌ عن هذه المكذوبات ... من أمثلتها: أنَّ مُنادِياً ينادي الخلائق يوم القيامة بقوله: غُضُّوا أبصارَكم، لأنَّ فاطمةَ سَتمُرُّ على الصراط! ! ومرويات أخرى من جنس هذا الافتراء.

стр. 248

٢٣. علاقتها بأزواج النبي ﷺ -. لما حصل بين أزواج النبيِّ ﷺ ما يحصل بين الأزواج، وكنَّ حزبين ﵅ كما في «الصحيح»، أرسلَ حِزبُ أمِّ سلمة فاطمةَ لأبيها ﷺ يَنشُدْنَ العدلَ في ابنةِ أبي قُحَافة، فلَمْ يجب النبيُّ ﷺ ابنتَه، بل حثَّها على حُبِّ عائشة. (١) وكانت بين عائشة وفاطمة علاقة حميمية ﵄. ومما ورد في الباب: ما أخرجه: ابنُ وهب في «الجامع» ـ تحقيق الحمَّادي ـ (١/ ٣٨٨) رقم ... (٦٢٣). وابنُ سعد في «الطبقات الكبرى» (٨/ ١٢٧) عن مَعْنِ بن عيسى. كلاهما: (ابنُ وهب، ومَعْن) عن مَخْرَمَةَ بن بُكَير، عن أبيه، قال: سمعتُ عمرَ بنَ عبدِالله، يقول: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيب، يقول: «قَدِمَتْ صَفِيةُ بنتُ حُييٍّ وفي أُذُنيها أخْرِصَةٌ مِن ذَهَبٍ، فوَهَبَتْ لِفَاطِمَةَ بنتِ رسُولِ الله ﷺ ، ولِنسَاءٍ معَهَا».

стр. 249

مُرسلٌ وإسنادُه صَحيحٌ، وقد صحَّحَ إسنادَه ابنُ حجر. (١) وأخرج ابنُ وهب ـ أيضاً ـ في «الجامع» (١/ ٣٨٩) رقم (٦٢٤) عن مالك بن أنس، أنَّ صفيةَ بنتَ حُيَيٍّ، قَدِمَتْ من خَيبَرَ بخُرصَيْنِ مِن ذَهَبٍ، فوهَبَتْ منها لِفاطمة بنتِ رسُولِ الله ﷺ ، ولبعضِ أزواجه. قال ابن الأثير: (الخُرص ـ بالضمِّ والكَسْرِ ـ: الحلْقَةُ الصغيرَةُ من الحُلِيِّ، وهُوَ مِن حُلِيِّ الأُذُن). (٢) ٢٤. طلب منها الشفاعة عند والدها ﷺ : أزواج النبي ﷺ ، وأبو سفيان. ــ أزواج النبي ﷺ : سبق ذكر طلبهن في المسألة السابقة. ــ أبو سفيان ﵂: جاء أبو سفيان ﵁ ــ قبل إسلامه ـ إلى المدينة، قبل فتح مكة، يريد العفو من النبي ﷺ بعد نقض العهد، فطلب من فاطمة أن تشفعَ له عند رسول الله ﷺ ليجدد الهدنة التي بينه وبين قريش ...

стр. 250

قال عبدالرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ) ﵀: عن مَعمَر، عن عثمان الجزَرِي، عن مِقْسَمٍ. قال مَعْمَر: وكان يُقال لعثمان الجزري المشاهد، عن مِقْسَمٍ مَولى ابن عباس (١)، قال: لما كانت المدَّةُ التي كانت بينَ رسولِ الله ﷺ وبين قريش زمن الحديبية، وكانت سنين ذَكرَ أنها كانت حَربٌ بَين بني بكرٍ ــ وهم حُلَفَاءُ قُريش ــ، وبين خُزَاعَة ــ وهُمْ حُلَفاءُ رسولِ الله ﷺ ـ؛ فأعانَت قريشٌ حُلَفاءَه عَلى خُزاعة، فبلغَ ذلكَ رسولَ الله ﷺ فقال: «والذي نفسي بيده، لأمنعَنَّهُم مما أمنَعُ مِنهُ نَفْسِي وأهلِ بَيتِي». وأخذَ في الجهَازِ إليهم، فبلَغَ ذلكَ قُرَيشَاً، فقالوا لأبي سفيان: ما تصنَعُ وهذهِ الجيوش تجهَّزُ إلينا؟ ! انطَلِقْ فجَدِّدْ بينَنا وبينَ محمَّدٍ كِتَابَاً، وذلك مَقدَمَهُ مِن الشام. فخرَجَ أبو سفيان حتَّى قَدِمَ المدينة، فكَلَّمَ رسولَ الله ﷺ فقال: هَلُمَّ فلَنْجُدِّدْ بيننا وبينَك كِتَابَاً. فقال النبيُّ ﷺ : «فنحنُ على أمرِنَا الذي كانَ، وهَلْ أحدَثْتُمْ مِن حَدَثٍ»؟
следующие страницы →