← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

كلاهما: عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة. قال الحاكم (٢/ ٤٥١) عقبه: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه). وفي «تلخيص الذهبي»: على شرط مسلم. وقال الحاكم في الموضع الثاني (٣/ ١٥٨): (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه). وفي «تلخيص الذهبي»: على شرط البخاري. قال البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ١٥٠): (قال أبو عبد اللَّه ـ أي الحاكم ـ: هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته. قال الشيخ ـ البيهقي ـ: وقد روى فى شواهده ثم فى معارضته أحاديث لا يثبت مثلها، وفي كتابِ اللَّهِ البيان لما قصدنا ثم في إطلاق النبى ﷺ الآل ومراده من ذلك أزواجه، أو هن داخلات فيه). وقال البغوي في «شرح السنة» عقب الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد. ٣. عطية بن سعد العَوْفي (١)، عن أبي سعيد الخدري، عن أم سلمة ﵄ عن أم سلمة، أن النبي ﷺ غطَّى على علي وفاطمة وحسن وحسين كساء، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي، إليك لا إلى النار». قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول اللَّه، وأنا منهم؟ قال: «لا، وأنتِ على خير». ... لفظ أبي يعلى.

стр. 1822

أخرجه: أبو يعلى في «مسنده» (١٢/ ٣١٣) رقم (٦٨٨٨)، وابن جرير الطبري في «تفسيره» (١٩/ ١٠٤ و ١٠٥)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٢/ ٢٤١) رقم (٧٦٨)، وابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» ... (٢/ ٧١٩) رقم (٢٩٨١)، وابن أبي عاصم في «الأوائل» (ص ١٠١) رقم (١٥١)، والبزار كما في «كشف الأستار» (٣/ ٣٢١) رقم (٢٦١١)، ... وأبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (١/ ٢٦٤) رقم (٢٥٩)، وابن البختري في «أماليه» (ص ٢٣٤) رقم (٢٢٦)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ ٥٢) رقم (٢٦٦٢)، و (٢٣/ ٢٤٩) رقم (٥٠٣)، وأبو نعيم في ... «معرفة الصحابة» (٦/ ٣٢٢٢) رقم (٧٤١٨)، والخطيب البغدادي في ... «تاريخ بغداد» (١٠/ ١٨٣) رقم (٣٠٢٦)، وفي «المتفق والمفترق» ... (١/ ٦٥٣) من طُرُق عن عطية العَوفي، عن أبي سعيد، عن أم سلمة. ــ عند البزار، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ــ كما في «تفسير ابن كثير» (٦/ ٤١٤) ــ: لم يذكر أم سلمة، وذكر ابن حجر في «الإصابة» (٤/ ٤٢٣) احتمال أنَّ «أم سلمة» سقط من هذا الطريق. وثمَّةَ طُرُقٌ أخرى عن أم سلمة ﵂ ـ كما سبقت الإحالة إليها في كتاب «أنيس الساري» ـ وهي لا تخلو من ضَعف، ومجموعها، مع شواهده يصح بها الحديث. وقد صحَّحه ابنُ تيمية ﵀ في «منهاج السنة» (٥/ ١٣) ... و (٧/ ٧٠).

стр. 1823

الحكم على الحديث: حديث واثلة حديث صحيح. غريب الحديث: ــ (الرِّجس): يأتي بمعنى: النجس، والقذر، والمأثم، والكفر، والشك، والعذاب، واللعنة، والفعل القبيح، والحرام. (١) * * *

стр. 1824

الدراسة الموضوعية: لا خلاف عند أهل العلم بأن أولاد النبي ﷺ وأسباطه: أولاد: فاطمة، وزينب، ﵃ من آل بيتِ النبيِّ ﷺ ، بل من أخصهم. وقد بوَّب ابن حبان في «صحيحه» (١٥/ ٤٣٢) على حديث واثلة ﵁ بقوله: (ذكر الخبر المصرِّح بأن هؤلاء الأربع الذي تقدم ذكرنا لهم أهل بيت المصطفى ﷺ ). وسبق في «التمهيد»: المبحث الثالث، بيان معنى آل البيت. والمراد هنا في هذا المبحث تحديد معنى أهل البيت المذكورين في آية التطهير: قال ابن الجوزي ﵀: (وفي المراد بأهل البيت ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم نساءُ رسولِ اللَّه ﷺ ، لأنهنَّ في بيته، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال: عكرمة، وابن السائب، ومقاتل. ويؤكِّد هذا القولَ أن ما قبله وبعده متعلِّق بأزواج رسولِ اللَّه ﷺ . وعلى أرباب هذا القول اعتراض، وهو: أن جمع المؤنَّث بالنون، فكيف قيل: «عنكم» «ويطهركم»؟ فالجواب: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ فيهنَّ، فغلَّبَ المذكَّر.

стр. 1825

والثاني: أنه خاصٌّ في رسولِ اللَّه ﷺ وعليِّ وفاطمة والحسن والحسين رضوان اللَّه عليهم، قاله: أبو سعيد الخدري. وروي عن أنس وعائشة وأمِّ سلمة نحو ذلك. والثالث: أنهم أهلُ رسول اللَّه ﷺ وأزواجه، قاله: الضحاك. وحكى الزجَّاج (١) أنهم نساءُ النبيِّ ﷺ والرجال الذين هم آله قال: واللغة تدل على أنها للنساء والرجال جميعاً، لقوله تعالى: «عَنْكُمُ» بالميم، ولو كانت للنساء، لم يجُزْ إِلَاّ «عنكنَّ» «ويُطهِّرَكُنَّ»). ا. هـ (٢)

стр. 1826

والصواب الأول، لأن سياق الآيات في أزواج النبي ﷺ ، وأما ما ورد في بعض روايات حديث أم سلمة ﵂ أن في بيتي نزلت الآية، وفي بعضها: أنه ﷺ قرأها لما جلَّلهم بالكساء، وبينهما فرق، فالقراءة لا تدل على نزولها ذلك الوقت، ولو صحت رواية: نزلت، فالمراد أن الأربعة داخلون في الآية، لا أن ذلك الحدث كان سبباً لنزولها، قال ابن تيمية ﵀: (والآية التي لها سبب معيَّن: إن كانت أمراً أو نهياً، فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبراً بمدح أو ذم، فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته .... إلى أن قال: وقولهم: ... «نزلت هذه الآية في كذا» يراد به تارةً أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول: عنى بهذه الآية كذا). (١) قال الشيخ: محمد العثيمين ﵀: بعد أن ذكر أن المراد في الآية زوجات الرسول ﷺ ، ثم تساءل هل ينافي ذلك ما ورد في حديث الكساء، وأنه وضعه على أربعة: علي وفاطمة، والحسن، والحسين، وقال: هؤلاء أهل البيت ... ؟ فأجاب بقوله: (لا ينافيه؛ لأنَّ هؤلاء أهلُ البيتِ من حيث القرابة،

стр. 1827

وهؤلاء أهل البيت من حيث الزوجية، فكلُّهم أهل البيت بلا شَكٍّ، لا أهل علي ﵁ (١)، بل إن أهل البيت أعم من هؤلاء الأربعة؛ لأنَّ أهل البيت تشمل كل من تحرم عليهم الصدقة من بني هاشم، فدخل فيهم: آل علي، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث بن عبدالمطلب، وكلُّ من كان من ذرية هاشم، فالرسولُ ﷺ محمد بن عبداللَّه بن عبدالمطلب بن هاشم، فكل مَن كان من آل هاشم، فإنه من آل البيت لا تحلُّ له الصدقة). (٢) شبهة وجوابها: حديث الكساء ـ وفيه آية التطهير ـ خاصةً ما ورد مفصَّلاً في حديث أم سلمة ﵂ برواياته المتعددة، محلُّ اهتمام من لدن الرافضة، يعيدونه ويُكررونه؛ محتجين به على شُبَهٍ باطلةٍ، كدعوى عصمتهم، وأحقية عليٍّ في الخلافة دون أبي بكر ﵄، وغيرها من المسائل، لذا أسوق نقض شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، على شبههم المتعلِّقة بأحاديث المبحث، وهو مع طوله في غاية النفاسة، وفيه فوائد عظيمة لهذه المسألة المهمة: قال ابن تيمية ﵀: (وأما آية الطهارة، فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم، وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم

стр. 1828

وذهاب الرجس عنهم، فإن قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب، آية ٣٣)، كقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (سورة المائدة، آية ٦) وقوله: ... ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ ... (سورة النساء، ٢٦ ـ ٢٨). فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا، وليست هي المشيئة المستلزمة لوقوع المراد، فإنه لو كان كذلك لكان قد طهَّرَ كُلَّ مَنْ أراد اللَّه طهارته، وهذا على قول هؤلاء القدَرَيَّة الشيعة أوجه، فإن عندهم أنَّ اللَّهَ يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد. فقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب، آية ٣٣) إذا كان هذا بفعل المأمور وترك المحظور، كان ذلك متعلقاً بإرادتهم وأفعالهم، فإن فعلوا ما أُمِرُوا به؛ طُهِّرُوا، وإلا فلا. وهم يقولون: إنَّ اللَّه لا يخلق أفعالهم، ولا يقدر على تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم، وأما المثبتون للقدر فيقولون: إن اللَّه قادر على ذلك، فإذا ألهمهم فعل ما أمَر، وتركَ ما حَظَر؛ حصلت الطهارة وذهاب الرجس.

стр. 1829

ومما يبين أنَّ هذا مما أُمِروا به، لا مما أُخبِرُوا بوقوعه، ما ثبت في ... «الصحيح»: أنَّ النبيَّ ﷺ أدار الكساء على علي وفاطمة وحسن وحسين، ثم قال: «اللَّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا». وهذا الحديث رواه مسلم في «صحيحه» عن عائشة، ورواه «أهل السُّنَن» عن أم سلمة. وهو يدل على ضِدِّ قول الرافضة من وجهين: أحدهما: أنه دعا لهم بذلك، وهذا دليل على أن الآية لم تخبر بوقوع ذلك، فإنه لو كان قد وقع؛ لكان يثني على اللَّه بوقوعه ويشكره على ذلك، لا يقتصر على مجرد الدعاء به. الثاني: أن هذا يدلُّ على أنَّ اللَّهَ قادِرٌ على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم، وذلك يدل على أنه خالق أفعال العباد. ومما يبين أن الآية متضمنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: ... ﴿ ... يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ

стр. 1830

وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ (سورة الأحزاب، آية ٣٠ ـ ٣٤). وهذا السياق يدل على أن ذلك أمرٌ ونَهْيٌ، ويدل على أن أزواج النبي ﷺ من أهل بيته، فإن السياق إنما هو في مخاطبتِهن، ويدل على أن قوله: ﴿ ... لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (سورة الأحزاب، آية ٣٣ (عَمَّ غيرَ أزواجه، كعلي وفاطمة وحسن وحسين ﵃، لأنه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث، وهؤلاء خُصُّوا بكونهم من أهل البيت من أزواجه، فلهذا خصَّهُم بالدعاء لما أدخلهم في الكساء، كما أنَّ مسجد قُباء أُسِّسَ على التقوى، ومسجدَه ﷺ أيضاً أُسِّسَ على التقوى، وهو أكمل في ذلك، فلما نزلَ قولُه تعالى: ﴿ ... لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (سورة التوبة، آية ١٠٨) بسبب مسجد قباء، تناول اللفظ لمسجدِ قباء ولمسجدِه ﷺ بطريق الأَولى. وقد تنازع العلماء: هل أزواجه مِن آلِه؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، أصحُّهما أنهنَّ من آله وأهل بيته، كما

стр. 1831

دلَّ على ذلك ما في «الصحيحين» من قوله: «اللَّهم صَلِّ على محمدٍ، وعلى أزواجه، وذريته». وهذا مبسوط في موضع آخر). (١) وقال ابن تيمية ـ أيضاً ـ ﵀: (وأما آية الابتهال ففي «الصحيح» أنها لما نزلت أخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة وحسن وحسين ليباهل بهم، لكن خصَّهُم بذلك؛ لأنهم كانوا أقرب إليه من غيرهم، فإنه لم يكن ولد ذكر إذ ذاك يمشي معه. ولكن كان يقول عن الحسن: «إنَّ ابني هذا سيِّد». فهما ابناه ونساؤه، إذْ لم يكن قد بَقِيَ له بنت إلا فاطمة ﵂، فإن المباهلة كانت لما قدم وفد نجران، وهم نصارى، وذلك كان بعد فتح مكة، بل كان سنة تسع، وفيها نزل صدر آل عمران، وفيها فرض الحج، وهي سنة الوفود. فإن مكة لما فتحت سنة ثمان قدمت وفود العرب من كل ناحية، فهذه الآية تدل على كمال اتصالهم برسول اللَّه ﷺ كما دلَّ على ذلك حديث الكساء، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون الواحدُ منهم أفضلَ من سائر المؤمنين، ولا أعلمَ منهم؛ لأنَّ الفضيلة بكمال الإيمان والتقوى، لا بِقُرْبِ النَّسَبِ. كما قال تعالى: ... ﴿ ... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات، آية ١٣). وقد ثبت أن الصِّدِّيق كان أتقى الأمة بالكتاب والسنة، وتواتر عن

стр. 1832

النبي ﷺ أنه قال: «لو كنتُ متَّخِذَاً من أهل الأرض خليلاً، لاتَّخذْتُ أبا بكر خَلِيلاً». وهذا مبسوط في موضعه). (١) وقال ابن تيمية ـ أيضاً ـ ﵀: (وأما حديث الكساء فهو صحيح، رواه أحمد والترمذي من حديث أم سلمة، ورواه مسلم في «صحيحه» من حديث عائشة. قالت: «خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب، آية ٣٣). وهذا الحديث قد شَرَكَهُ فيه فاطمة وحسن وحسين ﵃، فليس هو من خصائصه. ومعلوم أن المرأة لا تصلح للإمامة، فعُلِمَ أنَّ هذه الفضيلة لا تختص بالأئمة؛ بل يشركهم فيها غيرهم. ثم إنَّ مضمون هذا الحديث أنَّ النبيَّ ﷺ دعا لهم بأن يُذهِبَ عنهم الرِّجْس، ويُطَهِّرَهُم تطهيراً. وغايةُ ذلك أن يكون دعا لهم بأن يكونوا من المتَّقِين الذين أذهبَ اللَّهُ عنهم الرِّجْس وطهَّرَهُم؛ واجتنابُ الرِّجْسِ

стр. 1833

وَاجِبٌ على المؤمنين، والطهارةُ مأمورٌ بها كلُّ مؤمن. قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (سورة المائدة، آية ٦). وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾) سورة التوبة، آية ١٠٣). وقال تعالى: ... ﴿ ... إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (سورة البقرة، آية ١٢٢). فغايةُ هذا أن يكون هذا دعاء لهم بفعل المأمور وترك المحظور. والصِّدِّيق ﵁ قد أخبرَ اللَّهُ عنه بأنه: ﴿ ... الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (سورة الليل، آية (١٧ ـ ٢١). وأيضاً فإنَّ السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتَّبَعُوهُم بإحسان رضي اللَّهُ عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم. (١) لا بُدَّ أن يكونوا قد فعلوا المأمور وتركوا المحظور، فإن هذا الرضوان وهذا الجزاء إنما يُنَالُ بذلك. وحينَئِذٍ فيكون ذهابُ الرِّجْسِ عنهم وتطهيرهم من الذنوب، بعضَ

стр. 1834

صفاتهم. فما دعا بِه النبيُّ ﷺ لأهل الكساء هُوَ بَعْضُ مَا وَصَفَ بِهِ السابقين الأولين. والنبيُّ ﷺ دعا لغير أهل الكساء بأن يُصَلِّيَ اللَّهُ عليهم، ودعا لأقوامٍ كثيرين بالجنة والمغفرة، وغير ذلك مما هو أعظم من الدعاء بذلك، ولم يلزم أن يكون مَنْ دعا له بذلك أفضلَ من السابقين الأولين. ولَكِنَّ أهلَ الكساء لما كان قَدْ أوجب عليهم اجتناب الرجس وفِعلَ التطهير، دعا لهم النبيُّ ﷺ بأنْ يُعينَهم على فِعْلِ ما أمَرَهُمُ بِه، لِئَلَّا يكونوا مستحقينَ للذمِّ والعقاب، ولينالوا المدح والثواب). (١) وفي موضع آخر نقل ابن تيمية ﵀ كلام الرافضي المردود عليه: ابن المطهِّر الحُلِّي، وفيه: استدلاله بآية التطهير، وإيراده حديث واثلة، وأم سلمة ﵄، ثم قول الحلِّي: (وفي هذه الآية دلالةٌ على العصمة، مع التأكيد بلفظة: «إنما»، وإدخال اللام في الخبر، والاختصاص في الخطاب بقوله: ... «أهل البيت»، والتكرير بقوله: «ويُطهِّرَكم» والتأكيد بقوله: «تطهيراً»، وغيرُهم ليس بمعصوم، فتكون الإمامة في عَليٍّ؛ ولأنه ادَّعَاهَا في عِدَّةٍ من أقواله، كقوله: «واللَّه لقد تقمَّصَها ابنُ أبي قحافة، وهو يعلم أن محلِّي منها

стр. 1835

محَلُّ القُطْب من الرَّحَى. وقد ثبَتَ نفيُ الرِّجْسِ عنه، فيكون صادقاً، فيكُون هُوَ الإمام). فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: (والجواب: أن هذا الحديث صَحيحٌ في الجملة، فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لعلي وفاطمة وحسن وحسين: «اللَّهم إنَّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهِبْ عنهم الرِّجْسَ، وطهِّرْهُم تطهيراً». وروى ذلك «مسلم» عن عائشة قالت: «خرج رسول اللَّه ﷺ غداةً، وعليه مرْط مُرَحَّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء عليٌّ فأدخله، ثم قال: ﴿ ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب، آية ٣٣). وهو مشهور من رواية أم سلمة، من رواية أحمد والترمذي، لكن ليس في هذا دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم. وتحقيق ذلك في مقامين: أحدهما: أنَّ قولَه: ﴿ ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب، آية ٣٣)، كقوله: ﴿ ... مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (سورة المائدة، آية ٦)، وكقوله: ... ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (سورة البقرة، آية ١٨٥)، وكقوله:

стр. 1836

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ (سورة النساء، ٢٦ ـ ٢٧). فإنَّ إرادةَ اللَّه في هذه الآيات مُتضمِّنَةٌ لمحبةِ اللَّه لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قضاه وقدَّرَه، ولا أنه يكون لا محالة. والدليل على ذلك أن النبيَّ ﷺ بعد نزول هذه الآية قال: «اللَّهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرِّجْسَ وطهِّرْهُم تطهيراً». فطَلَبَ من اللَّهِ لهم إذهاب الرجس والتطهير، فلو كانت الآية تتضمن إخبارَ اللَّه بأنه قد أذهَبَ عنهم الرجس وطهَّرَهُم، لم يحتج إلى الطلب والدعاء؛ وهذا على قول القدرية أظهر، فإنَّ إرادةَ اللَّهِ عندهم لا تتضمنُ وجودَ المراد، بل قد يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد، فليس في كونه تعالى مريداً لذلك ما يدل على وقوعه. وهذا الرافضي وأمثالُه قدريَّةٌ، فكيف يحتجون بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (الأحزاب، آية ٣٣) على وقُوع المراد؟ ! وعندهم أنَّ اللَّهَ قد أراد إيمان مَنْ عَلى وجه الأرض فلم يقع مراده؟ وأما على قول أهلِ الإثبات، فالتحقيق في ذلك أنَّ الإرادةَ في كتاب اللَّه نوعان:

стр. 1837

إرادة شرعية دينية تتضمن محبته ورضاه. وإرادة كونية قدرية تتضمن خلقه وتقديره. الأُولى: مثل هؤلاء الآيات. والثانية: مثل قوله تعالى: ﴿ ... فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ ... (سورة الأنعام، آية ١٢٥) وقولِ نوح: ﴿ ... وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (سورة هود، آية ٣٤)، وكثيرٌ من المُثْبِتَةِ والقدَرِيَّةِ يجعل الإرادة نوعاً واحداً، كما يجعلون الإرادة والمحبة شيئاً واحداً. ثم القدرية ينفون إرادته لما بيَّن أنه مُرادٌ في آيات التقدير، وأولئك ينفون إرادته لما بين أنه مُرادٌ في آيات التشريع، فإنه عندَهم كل ما قيل: «إنه مراد»، فلا بد أن يكون كائناً. واللَّهُ قد أخبر أنه يريد أن يتوبَ على المؤمنين، وأنْ يُطهِّرهُم، وفيهم مَنْ تاب، وفيهم مَنْ لم يتُبْ، وفيهم مَن تطهَّرَ، وفيهم مَنْ لم يتطهَّر؛ وإذا كانت الآية دالةٌ على وقوع ما أراده من التطهير وإذهاب الرجس؛ لم يلزم بمجرد الآية ثبوتُ ما ادَّعَاه. ومما يُبَيِّنُ ذلك: أنَّ أزواجَ النبي ﷺ مذكورات في الآية، والكلام في الأمر بالتطهير بإيجابه، ووعد الثواب على فعله، والعقاب على تركه.

стр. 1838

قال تعالى: ... ﴿ ... يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (سورة الأحزاب، آية ٣٠ ـ ٣٣). فالخطاب كلُّه لأزواجِ النبيِّ ﷺ ومعهُنَّ الأمرُ والنهيُّ والوَعْدُ والوعيد. لكن لما تبَيَّنَ ما في هذا من المنفعة التي تعمُّهُنَّ وتَعُمُّ غيرَهُنَّ مِن أهلِ البيت، جاء التطهير بهذا الخطاب وغيرِه، وليس مختصَّاً بأزواجه، بل هو متناوِلٌ لأهل البيت كلِّهِم، وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ أخصُّ مِنْ غيرِهِم بذلك؛ ولذلك خصَّهُمْ النبيُّ ﷺ بالدعاء لهم. وهذا كما أنَّ قولَه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ﴾ (سورة التوبة، آية ١٠٨) نَزَلَتْ بسَبَبِ «مسجد قُبَاء»، لكِنَّ الحُكْمَ يتناوَلُه ويتنَاولُ ما هُوَ أحقُّ منهُ بذلك، وهو «مسجد المدينة».

стр. 1839

وهذا يُوجِّهُ ما ثبَتَ في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، فقال: «هو مسجدي هذا». وثبت عنه في «الصحيح» أنه كان يأتي قباء كلَّ سَبْتٍ ماشياً وراكباً. فكان يقومُ في مسجده يوم الجمعة، ويأتي قُبَاء يوم السبت، وكلاهما مُؤسَّسٌ على التقوى. وهكذا أزواجه، وعليٌّ، وفاطمةُ، والحسنُ، والحسينُ، كلُّهم من أهل البيت، لكنَّ عليَّاً، وفاطمةَ، والحسنَ، والحسينَ، أخصُّ بذلك من أزواجه، ولهذا خصَّهُم بالدعاء. وقد تنازع الناس في آل محمد: مَنْ هُمْ؟ فَقِيْلَ: هُم أمَّتُهُ، وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم. وقيل: المتقون من أمته، ورووا حديثاً: «آل محمد كلُّ مُؤمنٍ تَقِيٍّ». رواه الخلال، وتمَّام في «الفوائد» له. (١) وقد احتجَّ به طائفةٌ من أصحاب

стр. 1840

أحمد، وغيرهم، وهو حديث موضوع، وبنَى على ذلك طائفة من الصوفية: أنَّ آل محمد هم خواصُّ الأولياء، كما ذكر الحكيم الترمذي. والصحيحُ أنَّ آل محمد هُمْ: أهْلُ بيتِهِ، وهذا هو المنقول عن الشافعي، وأحمد، وهو اختيار الشريف أبي جعفر، وغيرهم. لكن هل أزواجه من أهل بيته؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنهنَّ لَسْنَ من أهل البيت. ويُروى هذا عن زيد بن أرقم. والثاني: ـ هو الصحيح ـ أنَّ أزواجَهُ مِنْ آلِهِ؛ فإنه قد ثبت في ... «الصحيحين» عن النبي ﷺ أنه علَّمَهُم الصلاة عليه: «اللَّهم صلِّ عَلى محمدٍ، وأزواجه، وذرِّيَّتِه». ولأنَّ امرأةَ إبراهيم من آله وأهل بيته، وامرأةَ لوطٍ من آله وأهلِ بيته، بدلالةِ القرآن، فكيف لا يكون أزواجُ محمدٍ مِن آلِهِ وأهل بيته؟ ولأنَّ هذه الآية تدلُّ على أنهُنَّ من أهل بيته، وإلا لم يكن لذكر ذلك في الكلام معنى.

стр. 1841

وأما الأتقياءُ من أمَّتِهِ فهُم أولياؤه، كما ثبت في «الصحيح» أنه قال: «إنَّ آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، وإنما وليِّيَّ اللَّهُ، وصالحُ المؤمنين». فبيَّنَ أنَّ أولياءَه صالحُ المؤمنين. وكذلك في حديث آخَر: «إنَّ أوليائِي المتقون حيث كانوا، وأين كانوا». وقد قال تعالى: ... ﴿ ... وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة التحريم، آية ٤). وفي «الصحاح» عنه أنه قال: «ودِدْتُ أنِّي رأيتُ إخواني»، قالوا: أوَلَسْنَا إخوانُكَ؟ قال: «بلْ أنتم أصحابي، وإخواني قومٌ يأتون مِنْ بَعْدِي يؤمنون بي، ولم يرَوني». وإذا كان كذلك؛ فأولياؤه المتقون بينَه وبينهم قرابةُ الدِّينِ والإيمان والتقوى. وهذه القرابةُ الدينية أعظمُ من القرابةِ الطينِيَّةِ، والقُرْبُ بين القلوب والأرواح أعظم من القُرْبِ بين الأبدان؛ ولهذا كان أفضل الخلقِ أولياؤه المتقون. وأما أقاربه ففيهم المؤمِن والكافر، والبَرُّ والفاجر؛ فإن كان فاضلاً منهم كعَلي ﵁، وجعفر، والحسن، والحسين، فتفضيلُهُم بما فيهم من الإيمان والتقوى، وهم أولياؤه بهذا الاعتبار، لا بمجرَّدِ النَّسَبِ، فأولياؤه أعظم درجةً مِنْ آلِهِ، وإنْ صلَّى عَلى آلِهِ تبعَاً لَهُ، لم يقتضِ ذلك أن يكونوا أفضلَ مِنْ أوليائِه

стр. 1842

الَّذِينَ لم يُصَلِّ عليهم؛ فإنَّ الأنبياء والمرسلين هُم من أوليائه، وهم أفضلُ مِن أهل بيته، وإن لم يدخلوا في الصلاة معه تبَعَاً، فالمفضولُ قد يختَصُّ بأمرٍ، ولا يلزم أن يكون أفضلَ من الفاضل؛ ودليل ذلك: أنَّ أزواجَه هُم ممَّنْ يُصَلَّى عليه، كما ثبت ذلك في «الصحيحين»، فقد ثبت باتِّفَاق النَّاسِ كلِّهم: أنَّ الأنبياءَ أفضلُ منهنَّ كُلِّهِنَّ. فإن قيل: فهَبْ أنَّ القرآنَ لا يدُلُّ على وقوع ما أريدَ من التطهير وإذهَابِ الرِّجْسِ، لكِنَّ دعَاءَ النبيِّ ﷺ لهم بذلك يدَلُّ على وقُوعِهِ، فإنَّ دعاءَه مُستجَابٌ. قيل: المقصود أنَّ القرآن لا يدُلُّ ما ادَّعَاه مِن ثبوت الطهارة، وإذْهَابِ الرِّجْسِ، فضلاً عن أن يدُلَّ عَلى العِصمَةِ والإمَامَة. وأمَّا الاستدلال بالحديث فذاك مَقامٌ آخَر. ثم نقول في المقام الثاني: هَبْ أنَّ القرآنَ دلَّ على طهارتهم وإذهاب الرجس عنهم، كما أن الدعاء المستجاب لا بدَّ أن يتحقق معه طهارةُ المدعُوِّ لهم وإذهاب الرجس عنهم، لكَنْ ليس في ذلك ما يدُلُّ على العصمة من الخطأ. والدليل عليه: أنَّ اللَّهَ لم يُرِدْ بما أمرَ بِهِ أزواجَ النبيِّ ﷺ أنْ لا يصْدُرَ من واحدةٍ منهن خطأٌ، فإنَّ الخطأَ مغفورٌ لهُنَّ ولِغَيرهِنَّ، وسياق

стр. 1843

الآية يقتضي أنه يُريدُ ليذهب عنهم الرِّجْسَ ــ الذي هو الخُبْثُ كالفواحش ــ ويُطهِّرَهُم تطهيراً من الفواحش، وغيرِها من الذنوب. والتطهيرُ من الذَّنْبِ على وجهين: كما في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ... (سورة المدثر، آية ٤)، وقولِه: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف، آية ٨٢)، فإنه قال فيها: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ... (سورة الأحزاب، آية ٣٠) والتطهيرُ عن الذنب: إمَّا بأن لا يفعله العبد، وإما بأن يتوب منه، كما في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾) سورة التوبة، آية ١٠٣) لكِنْ ما أمرَ اللَّه به من الطهارة ابتداءً وإرادةً، فإنَّه يتضمن نهيَهُ عن الفاحشة، لا يتَضمَّنُ الإذنَ فيها بحال، لكنْ هُو سبحانَه ينهَى عنها، ويأمرُ مَنْ فعَلَها بأن يتوب منها. وفي «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللَّهم باعِدْ بينِي وبينَ خطايَايَ كما باعدَتْ بينَ المشرق والمغرب، واغسِلْنِي بالثلج والبرَد والماءَ البارِد، اللَّهم نقِّنِي من الخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس». وفي «الصحيحين» أنه قال لعائشة ﵂ في قصة الإفْكِ قَبلَ أن يعْلَمَ النبيُّ براءَتَهَا، وكان قَدْ ارتَابَ في أمْرِهَا، فقال: «يا عائشةُ، إنْ كنتِ بريئةً فسيُبَرئِكِ اللَّه، وإن كُنتِ ألمَمْتِ بذَنب فاستغفري اللَّه وتُوبي إليه، فإنَّ العبدَ

стр. 1844

إذا اعترفَ بذَنْبِهِ ثمَّ تابَ؛ تابَ اللَّه عليه». وبالجملة، لفظ «الرِّجْس» أصلُه القَذَر، ويرادُ به الشرك، كقوله: ... ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (سورة الحج، آية ٣٠). ويُراد بهِ الخبائثَ المحرَّمَةِ كالمطعومات والمشروبات، كقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ (سورة الأنعام، آية ١٤٥)، وقوله: ... ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (سورة المائدة، آية ٩٠) وإذهابُ ذلك إذهَابٌ لكُلِّهِ، ونحنُ نعلَمُ أنَّ اللَّهَ أذهبَ عن أولئك السَّادَةِ الشِّرْكَ والخبائث، ولفظ «الرجس» عامٌ يقتضي أنَّ اللَّهَ يريد أنْ يُذهِبَ جميعَ الرِّجْسِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ دعا بذلك. وأما قولُه: «وطهِّرْهُم تطهِيراً»، فهو سؤالٌ مطلَق بما يُسمَّى طهارة، وبعضُ الناس يزعم أن هذا مطلق، فيكتفي فيه بفَرْدٍ من أفراد الطهارة، ويقول مثل ذلك في قوله: ﴿ ... فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (سورة الحشر، آية ٢)، ونحو ذلك. والتَّحقِيقُ أنه أمْرٌ بمسمَّى الاعتبار الذي يقال عند الإطلاق، كما إذا قيل: أكرم هذا؛ أي: افعل معَه ما يُسمَّى عند الإطلاق إكراماً؛ وكذلك ما

стр. 1845

يُسمى عند الإطلاق اعتباراً. والإنسانُ لا يُسمَّى معتَبِرَاً إذا اعتبرَ في قِصَّةٍ وتَرَكَ ذلِكَ في نَظِيْرِهَا، وكذلك لا يقال: هُو طَاهِرٌ، أو مُتطَهِّرٌ، أو مُطهَّرٌ، إذا كان متطهِّرَاً من شيءٍ مُتنَجِّسَاً بنظِيرِهِ. ولفظُ «الطاهِر» كلفظ الطيِّب، قال تعالى: ﴿ ... وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (سورة النور، آية ٢٦)، كما قال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ (سورة النور، آية ٢٦) وقد رُوِيَ أنه قال لعمَّار: «ائذَنُوا له، مَرحبَاً بالطيِّب المطيَّبِ». وهذا أيضاً كلفظ «المتَّقِي»، ولفظُ «المزكِّي». قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (سورة الشمس، آية ٩ ـ ١٠). وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾) سورة التوبة، آية ١٠٣). وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾) سورة الأعلى، آية ١٠٤). وقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾) سورة النور، آية ٢١) وليسَ من شرطِ المتقين ونحوِهم أن لا يقَعَ منهم ذَنْبٌ، ولا أن يكونوا معصومِين مِنَ الخطأ والذنوب؛ فإنَّ هذا لو كان كذلك، لم يكُن في الأمَّة مُتَّقٍ، بَلْ مَن تابَ من ذنوبه دخَلَ في المتقين، ومَنْ فعَلَ مَا يكفِّرُ سيئاتِهِ دخَلَ في المتقين، كما قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ

стр. 1846

عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾) سورة النساء، آية ٣١). فدُعَاءِ النبي ﷺ بأن يطهِّرَهُم تطهيراً، كدُعائِهِ بأنْ يزَكِّيْهِم ويُطيِّبَهُمْ ويجعلَهم متَّقِين، ونحو ذلك. ومعلومٌ أنَّ مَنْ استقَرَّ أمرُه على ذلك، فهو داخلٌ في هذا، لا تكون الطهارة التي دعا بها بأعظَمَ مما دعَا بِهِ لِنفسِه. وقد قال: «اللَّهم طهِّرْنِي من خطاياي بالثلج، والبَرَد، والماء البارد». فمَن وقع ذنبه مغفوراً أو مُكفَّرَاً؛ فقدْ طهَّرَهُ اللَّهُ منه تطهِيرَاً، ولكن مَنْ مات متوسِّخَاً بذنوبه، فإنه لم يُطهَّر منها في حياته، وقد يكون من تمَام تطهيرِهِمْ صيانتُهُم عن الصدَّقَةِ التي هِيَ أوسَاخُ الناس. والنبيُّ ﷺ إذا دعا بدعاءِ؛ أجابَهُ اللَّهُ بحسَبِ استعدَادِ المحَلِّ، فإذا استغفَرَ للمؤمنين والمؤمنات، لم يَلزَم أنْ لا يُوجَدَ مؤمنٌ مُذْنِبٌ، فإنَّ هذا لو كان واقعاً لما عُذِّبَ مُؤمن، لا في الدنيا ولا في الآخرة، بلْ يغفرُ اللَّهُ لهذا بالتوبة، ولهذا بالحسناتِ الماحِيَةِ، ويغفِرُ اللَّهُ لهذا ذنوبَاً كثيرة، وإنْ واحِدَةً بأُخْرَى. وبالجُمْلَةِ فالتطهير الذي أرادَهُ اللَّهُ، والذي دعا به النبيُّ ﷺ ليس هو العِصْمَةُ بالاتِّفَاقِ، فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ عندَهم لا مَعصُومَ إلا النبي ﷺ .

стр. 1847

والشيعةُ يقولُون: لا مَعصُومَ غيرَ النبيِّ ﷺ والإمَامِ. فقد وقع الاتفاق على انتفاءِ العِصمةِ المختصة بالنبي ﷺ والإمامِ عن أزواجِهِ، وبناتِهِ، وغيرهن من النساء، وإذا كان كذلك؛ امتنعَ أن يكون التطهير المدعو بِهِ للأربعَةِ متضمِّنَاً للعصمة التي يختصُّ بها النبيُّ ﷺ والإمامُ عندَهم، فلا يكون مِن دُعَاءِ النبيِّ ﷺ له بهَذِهِ العِصْمَةِ: لا لِعَليٍّ ولا لغيره، فإنَّه دعَا بالطهارة لأربعة مُشتَرَكِين، لم يختَصَّ بعضُهم بدعوة. وأيضاً فالدعاء بالعصمة من الذنوب ممتنعٌ على أصلِ القَدَرِيَّةِ، بَلْ وبِالتطهير أيضاً؛ فإنَّ الأفعال الاختيارية ـ التي هي فعل الواجبات وترك المحرمات ـ عندَهُم غيرُ مقدورةِ للرَّبِّ، ولا يُمكِنُهُ أنْ يجعَلَ العبدَ مُطِيعاً ولا عَاصِيَاً، ولا مُتطهِّرَاً من الذنوب ولا غير مُتطهِّر؛ فامتنعَ عَلى أصلِهِم أنْ يدعوَ لأحد بأنْ يجعلَهُ فاعِلاً للواجباتِ تاركَاً للمحرمات، وإنَّما المقدور عندَهُم قدرةٌ تصلُحُ للخيرِ والشر، كالسيْفِ الذي يصلُح لقتلِ المسلمِ والكَافِرِ، والمالِ الذي يُمكِن إنفاقه في الطاعة والمعصية، ثُمَّ العبدُ يفعلُ باختياره: إما الخير وإما الشر بتلك القدرة؛ وهذا الأصلُ يُبْطِلُ حجَّتَهُم. والحديثُ حجُّةٌ عليهم في إبطال هذا الأصل، حيثُ دعَا النبي ﷺ لهم بالتطهير.

стр. 1848

فإنْ قالوا: المراد بذلك أنه يغفر لهم ولا يؤاخِذُهُم؛ كان ذلك أدَلَّ على البطلان من دلالَتِهِ على العصمة. فتَبيَّنَ أنَّ الحديثَ لا حُجَّةَ لهم فيه بحال على ثبوت العصمة. والعصمةُ مُطلَقَاً ــ التي هي فعل المأمورِ، وتركِ المحظور ـ ليسَتْ مَقدُورَةً عندَهم للَّهِ، ولا يُمكِنُهُ أنْ يجعلَ أحَدَاً فاعِلاً لطاعَة، ولا تاركَاً لمعصية، لا لِنَبِيٍّ ولا لغيرِه، فيمتَنِعُ عندَهم أنَّ مَنْ يعلَم أنَّه إذَا عاشَ يُطيعُهُ باختيارِ نفسِهِ لا بإعانَةِ اللَّهِ وهدايتِهِ. وهذا ممَّا يُبيِّنُ تناقُضَ قولِهِم في مَسائِل العِصْمَةِ كما تقدم. ولَو قُدِّرَ ثبوتُ العِصمة، فقد قدَّمْنَا أنَّه لا يُشترَطُ في الإمامِ العِصمَةُ، ولا إجماع على انتفاء العصمة في غيرهم، وحينَئذٍ فتَبْطُلُ حُجَّتُهُمْ بكُلِّ طَريق. وأما قولُه: «إنَّ عليَّاً ادَّعَاها، وقد ثَبَتَ نفْيُ الرِّجْسِ عنه، فيكون صادقاً». فجَوابُهُ من وُجُوْه: ... ثم ذكرها ﵀ رحمةً واسعة. (١) * * *

стр. 1849

المبحث الخامس: أنَّ النبيَّ ﷺ سِلْم لمَن سالمَها وزوجَها ... وولدَيْها، وحَربٌ لمَن حارَبَهُم . ٨٦. [١] قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا تَلِيد بن سليمان، قال: حدثنا أبو الجحَّاف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: نظَرَ النبيُّ ﷺ إلى علي والحسن والحسين وفاطمة ﵃ فقال: «أنا حَرْبٌ لمنْ حاربَكُم، وسِلْم لمن سَالَمَكُم». [«المسند» لأحمد (١٥/ ٤٣٦)، حديث رقم (٩٦٩٨)] دراسة الإسناد: ــ تليد بن سليمان المحاربي، أبو إدريس، ويقال له أيضاً: أبو سليمان، الكوفي الأعرج. ضعيف، رافضي، وكذَّبَه جماعة. (١) ــ داود بن أبي عوف: سويد، التميمي البُرْجُمي مولاهم، أبو الجَحَّاف الكوفي، مشهور بكنيته.

стр. 1850

صدوق، شيعي. (١) ــ سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، مولى عزة الأشجعية. ثقة. وثقه: ابن سعد، الإمام أحمد، وابن معين، وأبو داوود، وغيرهم، وذكره ابن حبان في «الثقات» قال ابن حجر في «التقريب»: ثقة. روى له الجماعة. مات على رأس المئة. (٢) تخريج الحديث: ــ أخرجه: الإمام أحمد في «مسنده» ــ كما سبق ــ، وفي «فضائل الصحابة» (٢/ ٧٦٧) رقم (١٣٥٠) ومن طريقه: [الآجري في «الشريعة» (٤/ ٢٠٥٤) رقم (١٥٢٩)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ ٤٠) رقم (٢٦٢١)، والحاكم في «المستدرك» (٣/ ١٦١) رقم (٤٧١٣)، وابن عساكر

стр. 1851

في «تاريخ دمشق» (١٣/ ٢١٨)]. ــ وأخرجه: ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٨٦)، والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ٦٥) رقم (٦٥) من طريق إسماعيل بن موسى السدي. ــ والحاكم أيضاً في «فضائل فاطمة» (ص ٦٥) رقم (٦٤) من طريق محمد بن علي العطار. ــ والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٨/ ٥) رقم (٢٢٩٤)، ومن طريقه: [ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٢٦٦) رقم (٤٣١)] من طريق أحمد بن حاتم الطويل. ــ وابن المغازلي في «مناقب علي» (ص ١١٦) رقم (٩٠) من طريق فضيل بن عبدالوهاب. ــ وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٤/ ١٥٨) من طريق إبراهيم بن عيسى السرخسي. ستتهم: (الإمام أحمد، وإسماعيل بن موسى، ومحمد بن علي العطار، ... وأحمد بن حاتم الطويل، وفضيل بن عبدالوهاب، وإبراهيم بن عيسى السرخسي) عن تليد بن سليمان، عن أبي الجحاف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁. قال الحاكم عقب الحديث: (هذا حديث حسن من حديث ... أبي عبداللَّه أحمد بن حنبل، عن تليد بن سليمان، فإني لم أجد له رواية غيرها،

стр. 1852

وله شاهد عن زيد بن أرقم). وقال ابن عدي: (وهذا الحديث يرويه أبو الجحاف عن أبي حازم، يرويه عنه: تليد، وقد رواه غيرُ تليد، وقد روي من غير حديث أبي الجحاف عن أبي حازم). وقال ابن الجوزي عقبه: (وهذا حديث لا يصح، تليد بن سليمان كان رافضياً يشتم عثمان. قال أحمد ويحيى: كان كذاب). قلت: تحسين الحاكم تساهل منه ﵀، وسيأتي ذكر الشاهد من حديث زيد بن أرقم، ولايفيده شيئاً. الحكم على الحديث: الحديث ضعيف جداً، لضعف تليد، وهو رافضي، وشيخه شيعي، والحديث في تأييد بدعته، وقد رُوي من حديث: زيد بن أرقم، وصُبيح، وأبي سعيد الخدري ـ وهي ضعيفة جداً ـ وسيأتي تخريجها كلها في الحديث التالي برقم (٨٧).

стр. 1853

غريب الحديث: ــ (سِلْم لمن سالمكم ... ) قال ابن الأثير: (السِّلْم: ضد الحرب، تقول أنا سِلْم لفلان، إذا كنت مهادنه وصديقه، ولم يكن بينك وبينه حرب ولا عداوة). وقال في «المفاتيح»: (أي: أنا مُحارب لمن حاربَ أهل بيتي، وسِلم؛ أي: مُسالم لمن سالمهم؛ يعني: مَنْ أحبَّهم فقد أحبني، ومَنْ أبغضهم فقد أبغضني). (١) * * *

стр. 1854

٨٧. [٢] قال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة ﵀: حدثنا مالك بن إسماعيل، عن أسباط بن نصر، عن السدي، عن صُبيح مولى أم سلمة، عن زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال لفاطمة، وعلي، وحسن، وحسين ﵃: «أنا حربٌ لمن حاربكم، وسِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُم». [«المصنف» لابن أبي شيبة (١٧/ ١٦٣) رقم (٣٢٨٤٥)] دراسة الإسناد: ــ مالك بن إسماعيل بن دِرْهم، أبو غسان النهدي مولاهم، الكوفي. ثقة، متقن. (١) ــ أسباط بن نصْر الهَمْدَاني، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر الكوفي. صدوقٌ، كثيرُ الخَطأ، وهُوَ يُغْرِبُ. وثَّقَهُ: ابن معين في رواية الدوري والدارمي وابن الجنيد وابن أبي خثيمة عنه، وذكره ابن حبان، وابن خلفون في «الثقات». وتَوَسَّطَ فيه: أبو نعيم في رواية قال: لم يكن به بأس، غير أنه أهوج. وقال وموسى بن هارون: لم يكن به بأس. وقال البخاري في «التاريخ

стр. 1855

الأوسط» (١): صدوق. وقال أبو زرعة الرازي: أما حديثه فيُعرف ويُنكر، وأما في نفسه فلا بأس به. وضَعَّفَه: أبو نعيم في رواية حيث قال: أحاديثه عامتها سقط، مقلوبة الأسانيد، وقال مرة: هالك. وقال ابن معين في رواية: ليس بشئ، وقال الساجي في «الضعفاء» روى أحاديث لا يتابع عليها عن سماك بن حرب. وقال النسائي: ليس بالقوي. (وأنكر أبوزرعة الرازي على مسلم إخراجه أحاديث أسباط بن نصر ... واعتذر مسلم بأنه أخرج له ما وافق فيه الثقات). (٢) قال ابن المبارك: (أصحابنا لا يرضونه). وتوقف فيه الإمام أحمد، قال حرب بن إسماعيل: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنه ضعفه. قال ابن حجر في «تقريب التهذيب»: صدوقٌ، كثيرُ الخطأ، يُغْرِب.

стр. 1856

أخرج له مسلم، والأربعة، والبخاري تعليقاً. وهذا هو الراجح، ولعل مراد ابن معين بتوثيقه أنه لا يتعمد الكذب، كما يُطلِق ذلك ويريد به هذا المعنى (١)، وابن حبان معروف بتساهله (٢) ﵀ ومن ضَعَّفه فلأجل أوهامه، وكثرة أخطائه. فالأقرب التوسط فيه ... ـ واللَّه أعلم ـ. (٣) ــ إسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي كَرِيمة السُّدِّي (٤)، أبومحمد الكوفي القرشي مولاهم. صَدُوقٌ يَهِمُ، ورُمِيَ بِالتَشَّيُّعِ.

стр. 1857

وثَّقَهُ: أحمد، والعجلي، و «شعبة، والثوري، وزائدة، ويحيى بن سعيد القطان» (١)، وذكره ابن شاهين، وابن حبان في «الثقات». وتوسَّطَ فيه قومٌ: وقال أحمد بن حنبل في رواية: مقارب، صالح الحديث. وفي رواية: مقارب، حسن الحديث إلا أن هذا التفسير الذي يجئ به أسباط عنه، فجعل يستعظمه، فقيل له: ذاك إنما يرجع إلى قول السدي، فقال: من أين وقد جعل له أسانيد، ما أدري ماذاك؟ ! وقال يحيى بن سعيد، والنسائي: لا بأس به، زاد يحيى: ما سمعت أحداً يذكره إلا بخير، وما تركه أحد، وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، صدوقٌ، لا بأس به. قال النسائي في موضعٍ: صالح. وقال الساجي: صدوق فيه نظر. وضعَّفَهُ: أحمد في رواية، وابن معين، والعقيلي، وقال أبوزرعة: لين، وقال أبوحاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الطبري: لايحتج بحديثه. واختلف قول ابن مهدي فيه: فقد ذكر الفلاس عنه تضعيف السدي، وروى أحمد بن حنبل أن ابن معين سئل عن السدي، وإبراهيم بن مهاجر، فقال: ضعيفان، فغضب ابن مهدي، غضباً شديداً، وقال: سبحان اللَّه،

стр. 1858

إيش ذا! وأنكر ماقال يحيى. وكذَّبَهُ: ليث بن أبي سليم، وهو مردود عليه، قال ابن حجر في «التهذيب»: وليثٌ أشدُّ ضعفاً من السدي. وذكر العقيلي أنه كان يتناول الشيخين. ذكر المزي أنه روى عن أنس، وقد رأى الحسنَ بن علي بن أبي طالب، وابنَ عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري. قال الذهبي في «الكاشف»: حسن الحديث. وذكر في «الميزان» أنه رُمِي بالتشيع. وقال ابن حجر في «تقريب التهذيب»: صَدوقٌ يَهِم، ورُمِيَ بالتشيُّع. وهو الراجح، وهو وسطٌ بين الأقوال السابقه. (ت ١٢٧ هـ). (١)

стр. 1859

ــ صُبيح مولى أم سلمة، ويقال: مولى زيد بن أرقم. (١) تابعي، مجهول الحال. روى عن: زيد بن أرقم، وأم سلمة ﵄. روى عنه: ابنُ ابنِه إبراهيم بن عبد الرحمن بن صبيح، وإسماعيلُ بن ... عبد الرحمن السدي. قال الترمذي: ليس بمعروف. وقال البزار: لا نعرف حدَّث عنه إلا السدي. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وأخرج له في «الصحيح»، وكذا الحاكم في «المستدرك». ذكر مغلطاي، وابن حجر في «تهذيب التهذيب» أن البخاري قال: ... لم يذكر سماعه من زيد. (٢) قال ابن حجر في «التقريب»: مقبول. أي حيث يتابع، وإلا فليِّن الحديث، ولم يُتابَع هنا.

стр. 1860

والراجح في حاله أنه مجهول الحال. (١) أخرج له الترمذي وابن ماجه حديثاً واحداً فقط، وهو الحديث محل الدراسة. (٢) تخريج الحديث: ــ أخرجه: ابن أبي شيبه في «مصنفه» ـ كما سبق ـ، وفي «مسنده» (٣) أيضاً (١/ ٣٥٥) رقم (٥٢٠)، ومن طريقه: [ابن حبان في «صحيحه» ... (١٥/ ٤٣٣) رقم (٦٩٧٧)]. ــ وابن ماجه في «سننه» (ص ٣٢)، في مقدمة سننه، باب فضل الحسن
следующие страницы →