← Тараджим

Тараджим · id 50

فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها - رضي الله عنها -

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (3 488 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

كانت فيها، تُسْرعُ مِنها الفَيْئَةُ، قالت: فاستأذَنتْ على رسولِ اللَّه ﷺ ، ورسولُ اللَّهِ ﷺ مع عائشة في مِرْطِهَا، على الحالة التي دخلَتْ فاطمةُ عليها وهُوَ بِهَا، فأذن لها رسولُ اللَّهِ ﷺ . فقالت: يا رسولَ اللَّه إنَّ أزواجَك أرسلنني إليك يسألنكَ العدْلَ في ابنة أبي قُحَافة، قالت: ثم وقعَتْ بِي، فاستطالَتْ عَلَيَّ، وأنَا أرقُبُ رسولَ اللَّه ﷺ ، وأرقُبُ طَرْفَهُ، هل يأذَن لي فيها، قالت: فلَمْ تبرَحْ زينبُ حتَّى عرفَتُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لا يكره أن أنتصر. قالت: فلما وقعتُ بها لم أنشَبْهَا حتى أنحَيْتُ (١) عليها. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : وتبسَّم: «إنَّها ابنةُ أبي بكر». ــ وحدثنيه محمد بن عبد اللَّه بن قهزاذ، قال: عبداللَّه بن عثمان، حدثنيه عن عبداللَّه بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، بهذا الإسناد، مثلَه

стр. 1892

في المعنى، غير أنه قال: فلما وقعت بها لم أنشَبْهَا أنْ أثخَنْتُهَا (١) غَلَبَةً. (٢) * * *

стр. 1893

٩٠. [٢] قال أبو يعلى الموصلي ﵀: حدثنا هارون بن ... عبد اللهِ (١)، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا مجالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول اللهِ ﷺ وأنا أبكي فقال: «ما يبكيك»؟ قلت: سبَّتني فاطمة. فدعا فاطمة فقال: «يا فاطمة، سببتِ عائشة»؟ قالت: نعم يا رسول اللهِ. قال ﷺ : «يا فاطمة، أليس تُحبِّينَ مَنْ أُحِبُّ»؟ قالت: نعم. «وتُبغِضِيْنَ مَنْ أُبْغِضُ»؟ قالتْ: بلى. قال: «فإنِّي أُحِبُّ عائشةَ؛ فأَحِبِّيْهَا». قالَتْ فاطمةُ: لا أقُولُ لِعَائشةَ شَيْئَاً يُؤذِيْهَا أبَدَاً. [«المسند» لأبي يعلى الموصلي (٨/ ٣٦٥) حديث رقم (٤٩٥٥)]

стр. 1894

دراسة الإسناد: ــ هارون بن عبداللَّه بن مروان البغدادي البزَّاز، أبو موسى الحافظ، المعروف بالحمَّال. ثقة، حافظ. وصفه الذهبي في «السير» بالإمام، الحجة، الحافظ، المجود. (١) ــ حماد بن أسامة بن زيد بن سليمان بن زياد القرشي مولاهم، أبو أسامة الكوفي. ثِقَةٌ، ثَبْتٌ. (٢) ــ مُجالِد بن سعيد بن عمير الهمْداني، أبو عمرو، ويقال: أبو عمير، ويقال: أبو سعيد، الكوفي. ضعيف خاصةً في الشعبي، وفيما ما حدث به في آخر عمره. ورواية أبي أسامة عنه ضعيفة. (٣)

стр. 1895

ـ عامر بن شراحيل بن عبد، وقيل: عامر بن عبداللَّه بن شراحيل الشعبي الحِمْيَري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان. تَابِعِيٌّ، فَقِيهٌ، مَشْهُورٌ، ثِقَةٌ، مُجْمَعٌ عَلى فَضْلِهِ وَإِمَامَتِهِ. (١) ـ مسروق بن الأجدع الهَمْداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي. ثِقَةٌ، مُخَضْرَمٌ. (٢) تخريج الحديث: ــ أخرجه: أبو يعلى الموصلي في «مسنده» ــ كما سبق ــ. ـ والبزار في «مسنده» ـ «كشف الأستار عن زوائد البزار» ... (٣/ ٢٤٠) رقم (٢٦٦١) ــ عن إبراهيم بن سعيد الجوهري. ـ واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ... (٨/ ١٥١٢) رقم (٢٧٥٢) من طريق أبي كريب. ثلاثتهم: (أبو يعلى، والجوهري، وأبو كريب) عن هارون بن عبداللَّه. ــ وأبو عروبة الحراني في «حديثه» (ص ٤٥) رقم (٢٩) عن محمد بن العلاء، ومحمد بن عثمان بن كرامة.

стр. 1896

ــ والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٢٦) رقم (١٧٤) من طريق أبي الأزهر حَوْثَرَة بن محمد البصري. أربعتهم: (هارون بن عبداللَّه، ومحمد بن العلاء، ومحمد بن عثمان بن كَرَامة، وأبو الأزهر) عن أبي أسامة، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به. قال البزار عقب الحديث: (لا نعلم رواه عن مجالد هكذا إلا أبو أسامة (١)). فالحديث ضعيف، لضعف مجالد، وأكثر الأئمة على ضعف هذه الترجمة: أبو أسامة، عن مجالد، عن الشعبي. ـ كما سبق في ترجمة مجالد ـ. هذا، وقد روي الحديث من وجه آخر، ليس فيه الشاهد: أخرج: أحمد في «مسنده» (٤١/ ٤٥١) رقم (٢٤٩٨٦) ... و (٢٤٩٨٧)، وأبو داوود في «سننه» (ص ٥٣١) كتاب الأدب، باب في الانتصار، حديث رقم (٤٨٩٨)، وابن جرير الطبري في «تفسيره» ... (٢٠/ ٥٢٧)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٥/ ٤٠١) رقم ... (٣٠٣٣ و ٣٠٣٤). مختصراً، والطبراني في «المعجم الكبير» (٢٣/ ٤٤)

стр. 1897

رقم (١١٧)، لم يذكر متنه، والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٢٦) رقم ... (١٧٥) ـ مختصراً ـ من طُرُقٍ عن عبد اللَّه بن عون، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمد امرأة أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ ... رسولُ اللَّهِ ﷺ وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع شيئاً بيده، فقلت بيده، حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لعائشة ﵂ فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة: «سبِّيها» فسببتُها، فغلبتُها، فانطلقَتْ زينب إلى علي ﵁ فقالت: إن عائشة ﵂ وقعت بكم، وفعلَت، فجاءت فاطمةُ فقال لها ﷺ : «إنها حِبَّة أبيك (١) ورب الكعبة». فانصرفت، فقالت لهم: أني قلت له كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي ﵁ إلى النبي ﷺ فكلَّمه في ذلك. لفظ أبي داوود، ولفظ أحمد مطولاً. وفي متن الحديث اختلاف. ــ وأخرج: ابن أبي حاتم في «العلل» (٦/ ٤١٩) رقم (٢٦٣٥)، والخرائطي في «اعتلال القلوب» (١/ ٢٣) رقم (٢٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ٤٤)، والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٢٧) رقم (١٧٦) من طريق أبي عمرو الحوضي حفص بن عمر، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن عمَّته أم محمد، عن عائشة أن فاطمة ذكرت عائشة

стр. 1898

عند النبي ﷺ فقال: «يا بنية، إنها حبيبة أبيك». قال ابن أبي حاتم عقبه: (قال أبو زرعة: كذا قال الحوضي: علي بن زيد، عن عمَّتِه، وإنما هي: امرأة أبيه، عن عائشة). فالحديث مداره على علي بن زيد بن جدعان ـ وهو ضعيف ـ (١)، عن امرأة أبيه: أُمَية بنت عبداللَّه، ويقال: أُمينة، وهي أم محمد، امرأة والد علي بن زيد بن جدعان، وليست بأمه (٢) ـ وهي مجهولة، لم يرو عنها إلا ابن زوجها علي بن زيد ـ وهو ضعيف ـ، ولم يوثِّقها أحد. قال ابن كثير في «تفسيره» (٧/ ٢١٢) بعد أن ساق الحديث من ابن جرير: (هكذا ورد هذا السياق، وعلي بن زيد بن جدعان يأتي في رواياته بالمنكرات غالباً، وهذا فيه نكارة، والحديث الصحيح خلاف هذا السياق، كما رواه النسائي، وابن ماجه، من حديث خالد بن سلمة الفأفاء، عن عبداللَّه البهي، عن عروة قال: قالت عائشة، ﵂: ما علمتُ حتى دخلت عليَّ زينبُ بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول اللَّه ﷺ : حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر ذريعتيها ثم أقبلت عليَّ فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ : «دونك فانتصري».

стр. 1899

فأقبلتُ عليها حتى رأيتُها وقد يبَسَ ريقُها في فَمِها، ما ترُدُّ عليَّ شيئاً. فرأيتُ النبيَّ ﷺ يتهلل وجهه. وهذا لفظ النسائي). انتهى والحديث ضعَّفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٧/ ٣٥٥) رقم ... (٣٣٤٢)، بعلي بن زيد، وجهالة امرأة أبيه. الحكم على الحديث: الحديث ــ محل الدراسة ــ ضعيف، ويغني عنه الحديث الأول المخرَّج في «الصحيحين». * * *

стр. 1900

الدراسة الموضوعية: إنَّ العلاقة بين فاطمة، وعائشة ﵄ علاقة حميمية ، ملؤها المحبة والصلة والوفاء، (١) ولم يُنقَل عنهما شئ يدل على منافرة؛ فضلاً عن عداء وبغض، وهذه المحبة والألفة لا تنافي وجود خلافات عائلية، تقع في البيوت كلها، منشؤها النَزَعات الإنسانية، والاختلافات الشخصية، مع قرب الجوار، وكثرة المخالطة، وهما ﵄ غير معصومتين. الحديث الأول في هذا المبحث، حديث مطوَّل يكشف ما يقع من الغَيرة والخلافات المعتادة بين زوجات النبي ﷺ وهو أفضل الخلق وأكملهم هدياً، ولا ينبغي حمل هذه الاختلافات إلى قضايا عامة: عقدية أو غيرها، كما يلوكها زوراً وبهتاناً مدَّعُو محبة آل البيت، ومُبغِضُو صحابة ... رسول اللَّه ﷺ . وثمَّةَ أحاديث عديدة صحيحة تُصوِّر لنا حال بيوت النبي ﷺ من داخلها، وما يقع من الخلاف بين النبي ﷺ وزوجه، وما يقع بين زوجاته ﵅. (٢)

стр. 1901

فإذا كان ذلك في بيت النبوة مع أفضلِ الخلق، وأصدَقِهم، وأتقاهم، وأكملِهم هَدْياً، وأحسنِهم خُلُقاً، وأكرمِهم ﷺ ، فالحال بين الزوجات، أو فاطمة مع غيرها من باب أولى. وإني أرى أن قبول فاطمة الوساطة والرسالة من حزب أم سلمة ﵅ إلى النبي ﷺ ، ثم حديثها بالطلب صراحةً مع وجود عائشة، يشئ بأمر يسير من الاختلافات العائلية بين فاطمة وعائشة ﵄. لكن لم يُنقل شئٌ مفصَّل من ذلك، لعدم بلوغه درجة الاهتمام والنقل، ولكونه من الأحداث اليومية الظاهرة التي تُمحى سريعاً، ولعدم تمكنها في القلب، ولوجود الصلاح والتقى الذي يحمي صاحبها عن الاستمرار، فضلاً عن القطيعة والافتراء. ومما يدلُّ على وجود مثل هذا المعتاد في البيوت، ما رُوي في حديث عائشة ﵂: «ما رأيتُ أحداً قط أصدق من فاطمة غير أبيها ـ وكان بينهما شئ ـ فقالت: يا رسول اللَّه، سَلْهَا فإنها لا تكذب». (١) فقولُ الراوي: «وكان بينهما شئ» ـ إن صحَّت هذه الجملة ـ، لا يدل

стр. 1902

على نزاع مستمر، أو نزاع شديد مؤثِّر، بل هو شئ محدد في موضوع عارض. ولو كان بينهما نزاعٌ كبير، وبغضاءُ ظاهرة، وتنافرٌ بيِّن، لظهر في أحاديث عديدة، ونُقِل بأسانيد صحيحة، وهذا ما لم يحدث، بل نُقِل خلافه ـ ولله الحمد ـ. ونلحظ في الحديث الأول الطويل برواية مسلم أن عائشة تحكي موقفها من زينب ﵄ وتصف صراحةً سبب الغيرة، وما فعلتْه، وردَّها، ومع ذلك تُقدِّم بين يدي حديثها مَدحاً تفصيلياً لزينب ﵂، وكأنها تُبيِّن عُذرها فيما يصدرُ منها، وهي حِدَّة طبَعِية، سرعان ما تفئ منها، ومع وصفها بما يعرض لها إلا أنها بادَرَتْ ببيان عدم تأثير ذلك لسرعة فَيئها، فبدأ الحديث عنها وانتصف واختتم بالمدح والثناء، رغم الاختلافات. فإذا كان ذلك بين عائشة وزينب وهما كما يُسمَّى (ضرَّات ... وجارات) (١) فأي شئ يكون بين عائشة وفاطمة، ولكل منهما محبة خاصة عند النبي ﷺ ، مع كمال عقلهما ودينهما. وإن مما يدل على المحبة والصفاء والنقاء بينهما: أولاً: أنَّ الأصل بين المتقين: الصدق والوفاء والمحبة والصفاء، ولم يرد شئ يخالف هذا بين أم المؤمنين: عائشة، وبنت النبي ﷺ : فاطمة.

стр. 1903

ثانياً: أنَّ النبي ﷺ كان يقسم لعائشة يومين، يومَها ويوم سودة، لأنها تنازلت عنه لعائشة ﵄، وكان بيتُ ابنة النبي ﷺ فاطمة مجاوراً لبيت عائشة، والزيارة متبادلة بينهما متكررة يومياً أو شبهه، فلو كان بين عائشة وفاطمة شيئاً؛ لظهر في عدد من الوقائع، وهذا لم يحصل. ثالثاً: ورود عدد من الأحاديث المنبئة عن صفاء ومودة، من ذلك: ــ وصف عائشة لفاطمة، وأنها شبيهة النبي ﷺ في مِشيَتِها وهَديها ودَلِّها، وقيامها، وقعودها، مع احتفاء النبي ﷺ بها، واحتفائها به، وأنه ﷺ خصَّها بالسرار حينئذ من بين الحاضرات، وهُنَّ جميع أزواجه ... (١) ــ وكذلك مدحها بقولها: ما رأيتُ أحداً قط أصدق لهجةً من فاطمة غيرَ أبيها ﷺ . (٢) ــ وخبرها بأنَّ أحبَّ النساء إلى النبي ﷺ : فاطمةُ. (٣) ــ أيضاً مبادرة عائشة من بين أزواج النبي ﷺ كلهن ... ـ وكُنَّ في المجلس ـ بسؤال فاطمة عن إسرار النبي ﷺ لها، فبكت،

стр. 1904

ثم أسرَّ لها فضحكت؛ لأن الموقف ملفت للانتباه، ومستغرب ... لو كان بينهما شئ؛ لما سألتها، ولأوكَلَت السؤال إلى إحدى الحاضرات. ــ ثم إعادة السؤال لها بعد وفاة النبي ﷺ ، وإجابة فاطمة، وهذا كله يدُلُّ على المودة بينهما، وعدم وجود ما يدفع القرب والاتصال، وكان السؤال الثاني في وقت تدَّعي الرافضة اغتصاب أبي بكر الخلافة، وما جرى في قضية الميراث! فلو كان بينهما عداوة لما تجرأت عائشة على السؤال عن السِّرِّ، ولما أجابت فاطمة ﵄. ــ أيضاً كان بينهما حقٌّ لم يُذكر تفاصيله، وإنما أشارت إليه عائشة في قولها: « ... فَلَمَّا تُوُفِّيَ، قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي، قَالَتْ: أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ، فَأَخْبَرَتْنِي ... الحديث. (١) ــ وكذلك رواية عائشة حديث الكساء، وروايتها أصح ما ورد فيه، والحديث من أعلى الأحاديث في فضل بعض آل البيت الأقربين: فاطمة، وزوجها، وولدَيها ﵃ (٢)

стр. 1905

ــ أيضاً حملُ عائشة طلب فاطمة (١) لما أرادت خادماً، وأتت إلى أبيها ﷺ ولم تجده، فعادت؛ ثم أخبرت عائشةُ النبيَ ﷺ بمَقدَمِها وطلبها، فزارها في بيتها وحدَّثها. (٢) ونلحظ في الحديث الأول في هذا المبحث أن النبي ﷺ ... لم يجب ابنته فاطمة على الطلب المحمول من أم سلمة ومن معها ﵅، ولم يدخل في ذلك؛ لأن الغيرة ظاهرة، ولاحَقَّ لهن فيما طلبنَ، ويظهر أنه ﷺ خشي على ابنته أن يساكن قلبها شئ من سماعها لحديث الجماعة أم سلمة ومَن معها ﵅، فصرف ابنته فاطمة عن الموضوع، وبادَرها

стр. 1906

بجواب يفيدها ويدلها على الابتعاد، فذكر أنه ﷺ يحب عائشة، وحثَّ ابنته على حُبِّ عائشة؛ وقد استجابة فاطمةُ فوراً، لأنها تحبُّ ما يحبُّه والدُها ﷺ ، وقد دلَّ على ذلك أنها لم تقبل طلب أم سلمة ومَن معها بمراجعة النبي ﷺ في الموضوع مرةً ثانية. هذا، وإنَّ بينهما ﵄ تقارباً في السن، وفي المسكن، مما يستدعي أُلفَةً خاصة، ومعاونة بينهما، خاصة فيما يعرض لفاطمة من أمور الزوجية، والولادة، ونحو ذلك، وقول عائشة ـ السابق ذكره ـ: «عزمتُ عليكِ بما لي عليكِ من الحق ... » يدل على شئ من هذا ـ واللَّه أعلم ـ. ومما ورد عن زوجها علي بن أبي طالب ﵁ أنه أثنى على عائشة ﵂ في قصة الجَمَل: فقد أخرج: ابنُ عدي في «الكامل» (٦/ ٣٦٣) من طريق مصعب بن سلَّام التميمي الكوفي (١)، عن محمد بن سُوقة الغنوي (٢)، عن عاصم بن كُليب بن شهاب الجَرْمي (٣)، عن أبيه (٤) قال: انتهينا إلى عليٍّ فذكر عائشة

стр. 1907

فقال: حَلِيلَةُ رسولِ اللَّه ﷺ . (١) وهذا إسناد حسن. فائدة: سيأتي الحديث عن المفاضلة بين عائشة وفاطمة وخديجة ﵅. (٢) وكذا الحديث عن العلاقة بين آل البيت والصحابة ﵃. (٣) فائدة أخرى: أحد الرافضة المعاصرين، واسمه: جعفر الهادي أصدر كتاباً سمَّاه: «السيدة فاطمة الزهراء على لسان عائشة زوجة رسول اللَّه ﷺ » جمع فيه نحواً من أربعين حديثَاً، أكثرُها من مصادر أهل السنة، ومن مرويَّات عائشة ﵂! ! وإن كانت هذه الروايات تشمل الصحيح والضعيف، بل والموضوع، ولكن المهم أنهم يُقِرُّون ويعترفون بهذه الصلة والمكانة بين الكريمتين الطيبتين، لكن لا يُظهِرها منهم إلا المنصفُ السالمُ من الغلو والحقد ـ وهذا نادرٌ جداً ـ. * * *

стр. 1908

الفصل الثاني: منزلة أبيها ﷺ عندها وفيه مبحثان: المبحث الأول: بِرُّها بهِ ﷺ المبحث الثاني: حفظُها لِسِرِّ أبيها ﷺ -

стр. 1909

المبحث الأول: برها بأبيها ﷺ - ٩١. [١] قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا أحمد بن إسحاق السورماري، قال: حدثنا عبيداللهِ بن موسى، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبداللهِ ﵁ قال: بينما رسول اللهِ ﷺ قائم يصلي عند الكعبة وجمْعُ قريش في مجالسهم، إذ قال قائلٌ منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جَزُورِ آل فلان، فيعمد إلى فَرْثِهَا ودَمِها وسَلَاها، فيجيءُ به، ثم يُمْهِلُه حتى إذا سجَدَ وضعَهُ بين كتفَيه، فانبعثَ أشقَاهم، فلمَّا سجدَ ... رسولُ اللهِ ﷺ وضعَه بين كتفيه! ! وثبَتَ النبيُّ ﷺ ساجداً، فضحكوا حتى مالَ بعضُهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة ﵍ ـ وهي جويرية ـ، فأقبلت تسعى، وثبتَ النبي ﷺ ساجداً حتى ألقَتْهُ عنه، وأقبلَتْ عليهم تسُبُّهم، فلمَّا قضَى رسولُ اللهِ ﷺ الصلاة، قال: «اللَّهم عليكَ بقُريش، اللَّهم عليكَ بِقُريش، اللَّهم عليك بِقُريش»، ثم سمَّى: «اللَّهم عليكَ بعَمْرو بنِ هشام، وعُتبةَ بنِ ربيعة، وشيبةَ بنِ ربيعة، والوليدِ بنِ عتبة، وأُمَيَّةَ بنِ خلف، وعقبةَ بنِ أبي مُعيط، وعمارة بنِ الوليد».

стр. 1910

قال عبدُاللهِ: فوَاللهِ لقد رأيتُهم صرعى يوم بدر، ثم سُحِبوا إلى القليب، قليبِ بدر، ثم قال رسولُ اللهِ ﷺ : «وأُتبِعَ أصحابُ القليبِ لَعْنَةً». [«الجامع الصحيح» للبخاري (ص ١١٩) كتاب الصلاة، باب المرأة تطرح عن المصلي شيئاً من الأذى، حديث رقم ... (٥٢٠)] تخريج الحديث: ــ أخرجه: البخاري في «صحيحه» ـ كما سبق ـ من طريق إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق. ــ وفي (ص ٦٨) كتاب الطهارة، باب إذا ألقي على المصلي قَذَر ... أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، حديث (٢٤٠) من طريق شعبة، ويوسف بن إسحاق السَّبِيعي. ــ و (ص ٦١١) كتاب الجزية والموادعة، باب طرح جيف المشركين في البئر ولا يؤخذ لهم ثمن، حديث رقم (٣١٨٥)، و (ص ٧٣١)، كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابُه من المشركين بمكة، حديث رقم (٣٨٥٤)، ومسلم في «صحيحه» (ص ٧٤٦)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث رقم (١٧٩٤) من طريق شعبة.

стр. 1911

ــ وفي (ص ٥٦٣) كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، حديث رقم (٢٩٣٤)، ومسلم في «صحيحه» ... (ص ٧٤٦)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث رقم (١٧٩٤) من طريق سفيان الثوري. ــ و (ص ٧٥٣)، كتاب المغازي، باب دعاء النبي ﷺ على كفار قريش، حديث رقم (٣٩٦٠)، ومسلم في «صحيحه» (ص ٧٤٦)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث رقم (١٧٩٤) من طريق زهير بن معاوية. ــ وأخرجه: مسلم في «صحيحه» (ص ٧٤٦)، كتاب الجهاد والسِّيَر، حديث رقم (١٧٩٤) من طريق زكريا بن أبي زائدة. ستتهم: (إسرائيل، وشعبة، ويوسف بن إسحاق، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وزكريا بن أبي زائدة) عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون، عن عبداللَّه بن مسعود ﵁. ــ في حديث شعبة ويوسف عند البخاري: قال ابن مسعود: وأنا أنظر لا أغني شيئاً، لو كان لي مَنَعَةٌ. لفظ زكريا عند مسلم: (وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنَعَةٌ طَرحْتُه). ــ وفيه: حتى جاءت فاطمة فطرحَتْهُ عن ظهره. ــ وفيه أيضاً: فشقَّ عليهم إذْ دعا عليهم، قال: وكانوا يرون أنَّ الدعوة في ذلك البلد مستجابة.

стр. 1912

ولم يحفظ الراوي الرجل السابع. ــ وفي حديث الثوري عند البخاري: قال أبو إسحاق: ونسيت السابع. قال البخاري عقبه: (وقال يوسف بن إسحاق، عن أبي إسحاق: أمية بن خلف، وقال شعبة: أمية أو أُبَيُّ. والصحيحُ أُمية) ـ وفي حديث شعبة عند البخاري برقم (٣١٨٥) و (٣٨٥٤)، ومسلم: أن الذي جاء بِسَلَى الجزور، ووَضَعَه على ظهر النبيِّ ﷺ ، هو عقبة بن أبي مُعيط. ــ وفيه: حتى جاءت فاطمة ﵍، فأخذت من ظهره، ودَعَتْ على مَن صنع ذلك. ــ وفيه: فلقد رأيتُهم قُتُلوا يوم بدر، فأُلقُوا في بئرٍ غير أميةَ، أو أُبَيٍّ، فإنه كان رجلاً ضخماً، فلما جرُّوه تقطعَتْ أوصالُه قبل أن يُلقى في البئر. ــ حديث زهير عند البخاري ومسلم: مختصر، وفيه: «لقد رأيتهم صرعى، قد غيَّرتهم الشمسُ، وكان يوماً حاراً». ــ حديث زكريا عند مسلم، بنحوه، وفيه أن الذي طلَبَ سَلَا الجَزُور، وأمَرَ بوضعِه على ظَهْرِ الرسول ﷺ هُو: أبو جهل .... فانبعث أشقى القوم فأخذه ..... وفيه: وذكر السابع ولم أحفظه. ــ وفيه: قال أبو إسحاق: «الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث».

стр. 1913

ــ وعند مسلم من حديث شعبة: (وأمية بن خلف أو أُبَيُّ بنُ خلف، ــ شعبة الشاكُّ ــ قال: فلقد رأيتهم قُتلوا يوم بدر، فألقوا في بئر، غير أنَّ أمية ... أو أُبَيَّاً تقطعت أوصاله فلم يلق في البئر). ــ وعند مسلم من حديث الثوري: (وذكر فيهم الوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، ولم يشك، قال أبو إسحاق: ونسيت السابع). غريب الحديث: ــ (جزُور): الجَزورُ من الإبل: يَقَعُ على الذكَر والأنثى. وقال الحُميدي: الجَزور من الإبل كالجزرة من الغنم، وهو ما يصلح للذبح. وقال الحِميَري: ما يُجْزَر من الإِبل والبقر. وقال ابن الأثير: (الجزور: البعير ذكراً كان أو أنثى، إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول هذه الجزور، وإن أردت ذكراً، والجمع: جُزُرٌ وجَزَائِر). (١) ــ (فَرثِها): الفَرْث: السِرجين ما دام في الكَرِشِ، والجمع: فُروثٌ. وفي «تصحيح التصحيف»: (ويقولون لما يخرج من الكَرِش: الفَرْثُ

стр. 1914

فيوهمون فيه، لأنه يُسمَّى فَرْثاً ما دام في الكَرش، قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا﴾ (النحل، آية ٦٦)، فإذا لُفِظ منها سُمِّي: السِّرْجِين). (١) ــ (سَلَى الجَزُور): الجزور الناقة، وأما السَلى، فقال ابن الأثير: (الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفاً فيه. وقيل: هو في الماشية السلا، وفي الناس: المشيمة، والأول أشبه؛ لأن المشيمة تخرج بعد الولد، ولا يكون الولد فيها حين يخرج). (٢) * * *

стр. 1915

٩٢. [٢] قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا عبدُاللهِ بن مَسْلمة، قال: حدثنا عبدالعزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل ﵁: أنه سُئل عن جُرح النبي ﷺ يوم أُحد، فقال: ... «جُرِح وجْهُ النبي ﷺ ، وكُسِرَتْ ربَاعِيَّتُهُ، وهُشِمَتْ البَيْضَةُ على رأسِه، فكَانت فاطمةُ ﵍ تغْسِلُ الدَّمَ، وعَليٌّ يُمسِك، فلما رأتْ أنَّ الدمَ لا يزيدُ إلا كثرةً، أخذَتْ حصِيراً فأحرَقَتْهُ حتَّى صَارَ رمَادَاً (١)، ثم ألزَقَتْهُ؛ فاستَمْسَكَ الدَّم». [«الجامع الصحيح» للبخاري (ص ٥٥٩) كتاب الجهاد والسِّيَر، باب لُبس البيضة، حديث رقم (٢٩١١)]

стр. 1916

تخريج الحديث: ــ أخرجه: البخاري في «صحيحه» ـ كما سبق ـ ومسلم في «صحيحه» (ص ٧٤٥)، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (١٧٩٠) من طريق عبدالعزيز بن أبي حازم. والبخاري في «صحيحه» (ص ٥٥٨) كتاب الجهاد والسِّيَر، باب المِجَن، ومن يترِّس بترس صاحبه، حديث (٢٩٠٣)، وفي (ص ٧٧٤)، كتاب المغازي، باب ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أُحُد، حديث رقم (٤٠٧٥)، وفي (ص ١١٢٢)، كتاب الطب، باب حرق الحصير ليُسَدَّ به الدَّمَ، حديث رقم (٥٧٢٢)، ومسلم في «صحيحه» (ص ٧٤٥)، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (١٧٩٠) من طريق يعقوب بن عبدالرحمن القارئ. ــ والبخاري في «صحيحه» (ص ٦٩) كتاب الوضوء، باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه، حديث (٢٤٣)، وفي (ص ٥٨٠)، كتاب الجهاد والسِّيَر، باب دواء الجرح بإحراق الحصير، وغسل المرأة عن أبيها الدم عن وجهه، وحمل الماء في الترس، حديث رقم (٣٠٣٧)، وفي (ص ١٠٣٨)، كتاب النكاح، باب «ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن» إلى قوله: «لم يظهروا على عورات النساء»، حديث رقم (٥٢٤٨)، ومسلم في «صحيحه» ...

стр. 1917

(ص ٧٤٥)، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (١٧٩٠) من طريق سفيان بن عيينة. ــ ومسلم في «صحيحه» (ص ٧٤٥)، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (١٧٩٠) من طريق سعيد بن أبي هلال، ومحمد بن مطرِّف. خمستهم: (عبدالعزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبدالرحمن القارئ، وسفيان بن عيينة، وسعيد بن أبي هلال، ومحمد بن مطرِّف) عن أبي حازم الأعرج، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، به. ــ في حديث سفيان عند البخاري رقم (٣٠٣٧) ورقم (٢٤٣): ... (أبو حازم: سألوا سهل بن سعد الساعدي ﵁ بأي شيء دُووِيَ جُرح النبي ﷺ ؟ فقال: ما بقي مِن الناس أحدٌ أعلمُ به منِّي، كان عليٌّ يجئ بالماء في تُرسِه ... ». ــ وفي حديث سفيان في الموضع الآخر برقم (٥٢٤٨): (فسألوا سهل بن سعد الساعدي، وكان مِن آخرِ مَن بقِيَ مِن أصحابِ النبي ﷺ بالمدينة). وفيه أيضاً وفي الموضع الآخر برقم (٢٤٣): (وعليٌّ يأتي بالماء على تُرسِه). وفيهما: (فحُشي به جُرْحُه). ــ وفي حديث يعقوب عند البخاري رقم (٤٠٧٥): (وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجن). وفي رقم (٥٧٢٢) و (٢٩٠٣): (يختلف بالماء

стр. 1918

في المِجَنِّ). (١) ــ ومسلم من حديث عبدالعزيز بمثل رواية البخاري. غريب الحديث: ــ (وكُسِرَتْ ربَاعِيَّتُهُ): قال ابن العراقي: (بفتح الراء والباء الموحدة وتخفيفها، وكسر العين المهملة، وفتح الياء المثناة من تحت وتخفيفها: هي السن التي تلي الثنية من كل جانب، وللإنسان أربع ثنايا، وهي الواقعة في مقدَّم الفم: ثنتان من أعلى، وثنتان من أسفل. وتليها الرباعيات أربع أيضاً: ثنتان من أعلى، وثنتان من أسفل. وقد تبيَّن مما تقدم أن الذي كسر من رباعياته الرباعية اليمنى السفلى). وفي «مصابيح الجامع»: (والفاعل لهذه القضيةِ الشنعاءِ قيل: هو ...

стр. 1919

عبد اللَّه بنُ قَمِئَةَ، وقيل: عُتبةُ بن أبي وقاص، وذلك يومَ أُحُد ... ). (١) ــ (وهُشِمَتْ البَيْضَةُ على رأسِه): في «النهاية»: (الهَشْم: الكسر. والهَشِيم من النبات: اليابس المتكسر. والبيضة: الخوذة). وقال أبو هلال العسكري: (البيضةُ، والجمعُ القليلُ البَيْضاتُ، ثمَّ البيضُ. ويُقالُ لَها: المغفرُ والزَّنيعةُ والتَّركُ). وقال السيوطي: (البَيضة: بفتح الموحَّدَة: ما يُلبس في الرأس من آلات الحرب). (٢) * * *

стр. 1920

٩٣. [٣] قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك بن أنس، عن أبي النَّضْر مولى عمر بن ... عبيداللهِ، أنَّ أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب، أخبره أنه سَمِعَ أم هانئ بنت أبي طالب، تقول: ذهبتُ إلى رسول اللهِ ﷺ عام الفتح، فوجدتُه يغتسلُ، وفاطمةُ ابنتُه تستُرُه، قالت: فسلَّمتُ عليه، فقال: «مَنْ هذه»؟ ، فقلتُ: أنا أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: «مرحبَاً بأم هانئ». فلما فرغ من غُسْلِهِ، قام فصلى ثماني ركعات مُلتَحِفَاً في ثوب واحد، فلما انصرف، قلتُ: ... يا رسول اللهِ، زعَمَ ابنُ أمِّي أنه قاتِلٌ رجُلاً قدْ أجَرْتُهُ، فلانَ بنَ هُبيرة، فقال رسول اللهِ ﷺ : «قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يا أمَّ هانئ». قالت أم هانئ: وذاك ضُحى. [«الجامع الصحيح» للبخاري (ص ٩٢) كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحِفاً به، حديث رقم (٣٥٧)] تخريج الحديث: ــ أخرجه: الإمام مالك في «الموطأ» ـ رواية أبي مصعب الزهري ــ رقم (٤٠٣)، ورواية يحيى (٢٨) عن أبي النضر، به. ومِن طريق الإمامِ مالك:

стр. 1921

أخرجه: البخاري في «صحيحه» ــ كما سبق ـ عن إسماعيل بن أبي أويس. ــ وفي (ص ٧٦)، كتاب الغسل، باب التستر في الغسل عند الناس، حديث رقم (٢٨٠)، و (ص ١١٨٧)، كتاب الأدب، باب ما جاء في زعموا، حديث رقم (٦١٥٨) عن عبداللَّه بن مسلمة بن قعنب. ـ وفي (ص ٦٠٨)، كتاب الجزية والموادعة، باب أمان النساء وجِوارِهنَّ، حديث رقم (٣١٧١) عن عبداللَّه بن يوسف. ـ ومسلم في «صحيحه» (ص ١٥٢)، كتاب الحيض، حديث ... (٣٣٦)، و (ص ٢٨٤) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث ... (٨٢ ــ ٣٣٦) مطولاً، عن يحيى بن يحيى. أربعتهم: (إسماعيل بن أبي أويس، وعبداللَّه بن مسلمة، وعبداللَّه بن يوسف، ويحيى بن يحيى) عن مالك بن أنس، عن أبي النضر مولى عمر بن ... عبيداللَّه. ورواه مسلم أيضاً في «صحيحه» (ص ١٥٢)، كتاب الحيض، حديث (٣٣٦) من طريق يزيد بن أبي حبيب. ومن طريق الوليد بن كثير، كلاهما عن سعيد بن أبي هند. ــ ورواه مسلم في «صحيحه» (ص ٢٨٤) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٨٣ ــ ٣٣٦) من طريق وهيب بن خالد، عن جعفر بن

стр. 1922

محمد، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين. ثلاثتهم: (أبو النضر مولى عمر بن عبيداللَّه، وسعيد بن أبي هند، ومحمد بن علي بن الحسين) عن أبي مرة، عن أم هانئ ﵂، به. ــ حديث عبداللَّه بن مسلمة في الموضع الأول مختصراً، وفي الموضع الثاني تاماً. ــ عند مسلم في الموضع الأول مختصراً، وفي الثاني: تاماً. ــ عند مالك في «الموطأ» ومسلم: «تستره بثوب». ـ لفظ يزيد، عن سعيد: «فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبه ... فالتحف به»، ولفظ الوليد عن سعيد: «فسترته ابنته فاطمة بثوبه، فلما اغتسل أخذه فالتحف به». ففي حديث سعيد بن أبي هند، زيادة: «فالتحف به». أي بالثوب الذي سُتِر به. ــ حديث محمد بن علي، عن أبي مُرة ـ مولى عقيل ـ، مختصراً، ... لم يذكُرِ الاغتسالَ، وسَتْرَ فاطمة. وأخرجه: مسلم في «صحيحه» (ص ٢٨٤) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٨٠ ــ ٣٣٦) من طريق شعبة، عن عَمرو بن مرة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أم هانئ ـ بنحوه ـ ولم يذكر الاغتسالَ وسَترَ فاطمة.

стр. 1923

ورواه أيضاً (٨١ ــ ٣٣٦) من طريق الزهري، عن ابنِ عبدِاللَّه بن الحارث بن نوفل، عن أبيه، عن أم هانئ ـ بنحوه ـ وفيه: «فأُتي بثوبٍ فسُتر عليه، فاغتسل». ولم يذكر فاطمة. فائدة: كانت فاطمة ﵂ قريبة من أبيها ﷺ في فتح مكة ـ زيادة على الحديث السابق ـ، من ذلك ما رُوِي من حديث أم هانئ ﵂ قالت: لما كان يومُ الفتحِ ـ فتحِ مكة ـ جاءت فاطِمةُ، فجلست عن يسار رسولِ اللَّه ﷺ وأُمُّ هانئ عن يمينه، قال: فجاءت الوليدةُ بإناءٍ فيه شرابٌ فناولتْهُ، فشَرِبَ منه، ثم ناولَه أُمِّ هانئ، فشربَتْ منه، فقالت: يا رسولَ اللَّه، لقد أفطرتُ وكنتُ صائمةً، فقال لها: «أكُنْتِ تقضِينَ شيئاً»؟ قالت: لا، قال: «فلا يَضُرُّكِ إن كان تطوُّعاً». وهذا حديث ضعيف (١)، يُغني عنه ما سبق في الصحيحين مِن قُربها

стр. 1924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1925

وسَترِها لأبيها ﷺ عند الغُسل، ولاشك أنها كانت مرافقة لأبيها ﷺ مِن خروجه من المدينة إلى عودته إليها. غريب الحديث: ــ (أجَرْنَا مَن أجَرْتِ): مِن أجَار يُجير، والإجارة هي الأمان، أي: أمَّنا مَن أمَّنتِ. (١) * * *

стр. 1926

الدراسة الموضوعية: دلَّتْ أحاديثُ هذا المبحث على عناية وبِرِّ فاطمة بأبيها ﷺ ، مع محبتها البالغة، وقد اجتمع عليها حقان عظيمان: بر الوالدين، وحق نبيها ﷺ ، فقامت بهما أتم قيام ﵂. ومن البَدَهي أنه لايمكن القول بأنَّ صُوَرَ بِرِّهَا هي ما ورد في الأحاديث المنقولة فحسب، لأن اليقين أنها بذلت جميع صُور البر والإحسان لأبيها ﷺ ، لكن الحديث هنا عن المرويات الواردة فحسب، ومن خلالها يمكن تقسيم برها إلى محاور: نصرتها لأبيها ﷺ -: فقد ظهر ذلك جليَّاً في عِدَّة أحاديث: ١. كما في الحديث الأول من هذا المبحث، حينما قدمت ـ وهي جارية صغيرة دون البلوغ ـ لترفع الأذى عن والدها ﷺ ، ثم تتوجَّه إليهم ـ وهم كبار قريش ـ فتسبُّهم، ولم يَتعَرَّضوا لها ﵂. قال ابن هبيرة (ت ٥٦٠ هـ) ﵀: (وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ما خصَّ اللَّهُ تعالى به فاطمةَ البتول مِن رفع ذلك عن أبيها ﷺ ، ولعلَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ مكثَ ساجدَاً لا يُلقِي ذلك عن ظهره

стр. 1927

انتظارَاً لما يفعلُ اللَّهُ في إكرام مَن يريد أن يُكرمَهُ بأن يجعله هو الملقي لذلك عن ظَهرِه فكانت فاطمة. ويجوز أن يكون ﷺ لما رأى أنَّ ذلك قد أُلقِيَ على ظهره في سبيل اللَّهِ تعالى؛ استطابَ دوامَه لِيَراه اللَّهُ راضيَاً بما أوذي به في سبيله). (١) قلت: وفيه بُعْد، ويحتمل ـ واللَّه أعلم ـ طول السجود حينئذ، للدعاء عليهم، ثم إعادة الدعاء جهراً بعد الانتهاء من الصلاة؛ ليُسمِع الملأ من الكفار. قال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) ﵀ في فوائد الحديث: (وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صِغَرها؛ لِشَرَفِها في قومِها ونفسِها، لكونها صرَخَتْ بشتمهم وهُم رؤوس قريش، فلم يردُّوا عليها). (٢) ٢. وثمَّةَ حديثٌ آخر فيه خوفها على أبيها ﷺ من كفار قريش: عن ابن عباس ﵄ قال: إنَّ الملأ، من قريش اجتمعوا في الحِجْرِ، فتعاهدوا باللات، والعُزَّى، ومنَاة الثالثة الأخرى: لو قَدْ رأينا محمداً، قُمْنَا

стр. 1928

إليه قيام رجُلٍ واحِدٍ، فلم نُفَارِقْهُ حتَّى نقتله، قال: فأقبلَتْ فاطمةُ تبْكِي حتَّى دخلَتْ على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأُ مِنْ قَومِكَ في الحِجْرِ، قد تعاهدوا: أنْ لَوْ قدْ رَأوكَ قامُوا إليك فقتَلُوكَ، فليس منهم رجلٌ إلا قَدْ عَرَفَ نصيبَهُ مِن دَمِكَ، قال: «يا بُنَيَّة، أدْنِي وضوءاً»، فتوضأَ، ثم دخل عليهم المسجدَ، فلمَّا رأوه، قالوا: هُوَ هذا، هُوَ هَذَا. فخَفَضُوا أبصارَهُم، وعقَرُوا (١) في مجالِسِهِم، فلَمْ يرفَعُوا إليه أبصارَهُم، ولم يقَمْ منهم رجُلٌ، فأقبلَ رسولُ اللَّه ﷺ حتَّى قامَ عَلى رءوسِهِم، فأخَذَ قبضَةً مِن تُرَابٍ، فحصَبَهُمْ بها، وقال: «شَاهَتْ الوُجُوه». قال: فما أصابَتْ رجُلاً منهُم حصَاةٌ إلا قُتِلَ يومَ بَدْرٍ كافِرَاً. لفظ الإمام أحمد. (٢)

стр. 1929

٣. حديث طويل جداً ــ يقع في ست صفحات ـ وفيه ذكرلفاطمة، وبرُّها بأبيها .. أخرج الطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ ٥٨) رقم (٢٦٧٦)، وعنه: ... [أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٧٣)، ومِن طريقِ أبي نعيم: أبو موسى المديني في «اللطائف في دقائق المعارف» ـ ط. الكتب العلمية ـ (ص ٤٢١) رقم ... (٨٢٩)، وابن الجوزي في «الموضوعات (٢/ ٢٩) رقم (٥٥٩)] قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: حدثنا عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عباس ﵃ في قول اللَّه : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (سورة النصر)، قال: لما نزلت قال محمد ﷺ : ... «يا جبريل نفسي قد نعيت». قال جبريل ﵇: الآخرةُ خَيرٌ لك من

стр. 1930

الأولى، ولَسَوفَ يُعطيك ربك فترضى. فأمر رسولُ اللَّه ﷺ بلالا أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون والأنصار إلى مسجد رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم صعد المنبر، فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثم خطب خُطبةً وجلت منها القلوب وبكت العيون، ثم قال: «أيها الناس أي نبي كنت لكم»؟ وذكر خطبةً طويلةً جداً، ذكَرَ منها: طلبه الاقتصاص ممن ظلمه، ومجئ عكاشة ... وفيه: «يا بلال انطلق إلى منزل فاطمة وائتني بالقَضيب الممشوق (١)». وقوله: فقالت فاطمة: يا بلال وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا يوم حج ولا يوم غزاة؟ فقال: يا فاطمة ما أغفلك عما فيه أبوك، إن رسول اللَّه ﷺ يودِّع الدِّين ويُفارق الدنيا، ويعطي القصاص من نفسه. فقالت فاطمة ﵂: يا بلال ومن ذا الذي تطيب نفسه أن يقتص من رسول اللَّه ﷺ ؟ يا بلال فقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل فيقتص منهما، ولا يدعانه يقتص من رسول اللَّه ﷺ . وقول فاطمة لما أذَّن بلالٌ بالصلاة ـ والرسولُ ﷺ مريض مرضَه الذي توفي فيه ـ: فقالت فاطمة ﵂: يا بلال إنَّ رسولَ اللَّه
следующие страницы →