الدراسة الموضوعية:
دلَّتْ أحاديثُ هذا المبحث على عناية وبِرِّ فاطمة بأبيها ﷺ ، مع محبتها البالغة، وقد اجتمع عليها حقان عظيمان: بر الوالدين، وحق نبيها ﷺ ، فقامت بهما أتم قيام ﵂.
ومن البَدَهي أنه لايمكن القول بأنَّ صُوَرَ بِرِّهَا هي ما ورد في الأحاديث المنقولة فحسب، لأن اليقين أنها بذلت جميع صُور البر والإحسان لأبيها ﷺ ، لكن الحديث هنا عن المرويات الواردة فحسب، ومن خلالها يمكن تقسيم برها إلى محاور:
نصرتها لأبيها ﷺ -:
فقد ظهر ذلك جليَّاً في عِدَّة أحاديث:
١. كما في الحديث الأول من هذا المبحث، حينما قدمت ـ وهي جارية صغيرة دون البلوغ ـ لترفع الأذى عن والدها ﷺ ، ثم تتوجَّه إليهم ـ وهم كبار قريش ـ فتسبُّهم، ولم يَتعَرَّضوا لها ﵂.
قال ابن هبيرة (ت ٥٦٠ هـ) ﵀: (وفي هذا الحديثِ دليلٌ على ما خصَّ اللَّهُ تعالى به فاطمةَ البتول مِن رفع ذلك عن أبيها ﷺ ، ولعلَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ مكثَ ساجدَاً لا يُلقِي ذلك عن ظهره
стр. 1927
انتظارَاً لما يفعلُ اللَّهُ في إكرام مَن يريد أن يُكرمَهُ بأن يجعله هو الملقي لذلك عن ظَهرِه فكانت فاطمة.
ويجوز أن يكون ﷺ لما رأى أنَّ ذلك قد أُلقِيَ على ظهره في سبيل اللَّهِ تعالى؛ استطابَ دوامَه لِيَراه اللَّهُ راضيَاً بما أوذي به في سبيله). (١)
قلت: وفيه بُعْد، ويحتمل ـ واللَّه أعلم ـ طول السجود حينئذ، للدعاء عليهم، ثم إعادة الدعاء جهراً بعد الانتهاء من الصلاة؛ ليُسمِع الملأ من الكفار.
قال ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) ﵀ في فوائد الحديث: (وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صِغَرها؛ لِشَرَفِها في قومِها ونفسِها، لكونها صرَخَتْ بشتمهم وهُم رؤوس قريش، فلم يردُّوا عليها). (٢)
٢. وثمَّةَ حديثٌ آخر فيه خوفها على أبيها ﷺ من كفار قريش:
عن ابن عباس ﵄ قال: إنَّ الملأ، من قريش اجتمعوا في الحِجْرِ، فتعاهدوا باللات، والعُزَّى، ومنَاة الثالثة الأخرى: لو قَدْ رأينا محمداً، قُمْنَا
стр. 1928
إليه قيام رجُلٍ واحِدٍ، فلم نُفَارِقْهُ حتَّى نقتله، قال: فأقبلَتْ فاطمةُ تبْكِي حتَّى دخلَتْ على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأُ مِنْ قَومِكَ في الحِجْرِ، قد تعاهدوا: أنْ لَوْ قدْ رَأوكَ قامُوا إليك فقتَلُوكَ، فليس منهم رجلٌ إلا قَدْ عَرَفَ نصيبَهُ مِن دَمِكَ، قال: «يا بُنَيَّة، أدْنِي وضوءاً»، فتوضأَ، ثم دخل عليهم المسجدَ، فلمَّا رأوه، قالوا: هُوَ هذا، هُوَ هَذَا. فخَفَضُوا أبصارَهُم، وعقَرُوا (١) في مجالِسِهِم، فلَمْ يرفَعُوا إليه أبصارَهُم، ولم يقَمْ منهم رجُلٌ، فأقبلَ رسولُ اللَّه ﷺ حتَّى قامَ عَلى رءوسِهِم، فأخَذَ قبضَةً مِن تُرَابٍ، فحصَبَهُمْ بها، وقال: «شَاهَتْ الوُجُوه».
قال: فما أصابَتْ رجُلاً منهُم حصَاةٌ إلا قُتِلَ يومَ بَدْرٍ كافِرَاً.
لفظ الإمام أحمد. (٢)
стр. 1929
٣. حديث طويل جداً ــ يقع في ست صفحات ـ وفيه ذكرلفاطمة، وبرُّها بأبيها ..
أخرج الطبراني في «المعجم الكبير» (٣/ ٥٨) رقم (٢٦٧٦)، وعنه: ... [أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٧٣)، ومِن طريقِ أبي نعيم: أبو موسى المديني في «اللطائف في دقائق المعارف» ـ ط. الكتب العلمية ـ (ص ٤٢١) رقم ... (٨٢٩)، وابن الجوزي في «الموضوعات (٢/ ٢٩) رقم (٥٥٩)] قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: حدثنا عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عباس ﵃ في قول اللَّه : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (سورة النصر)، قال: لما نزلت قال محمد ﷺ : ... «يا جبريل نفسي قد نعيت». قال جبريل ﵇: الآخرةُ خَيرٌ لك من
стр. 1930
الأولى، ولَسَوفَ يُعطيك ربك فترضى.
فأمر رسولُ اللَّه ﷺ بلالا أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون والأنصار إلى مسجد رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم صعد المنبر، فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثم خطب خُطبةً وجلت منها القلوب وبكت العيون، ثم قال: «أيها الناس أي نبي كنت لكم»؟
وذكر خطبةً طويلةً جداً، ذكَرَ منها: طلبه الاقتصاص ممن ظلمه، ومجئ عكاشة ...
وفيه: «يا بلال انطلق إلى منزل فاطمة وائتني بالقَضيب الممشوق (١)».
وقوله: فقالت فاطمة: يا بلال وما يصنع أبي بالقضيب وليس هذا يوم حج ولا يوم غزاة؟ فقال: يا فاطمة ما أغفلك عما فيه أبوك، إن رسول اللَّه ﷺ يودِّع الدِّين ويُفارق الدنيا، ويعطي القصاص من نفسه.
فقالت فاطمة ﵂: يا بلال ومن ذا الذي تطيب نفسه أن يقتص من رسول اللَّه ﷺ ؟ يا بلال فقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل فيقتص منهما، ولا يدعانه يقتص من رسول اللَّه ﷺ .
وقول فاطمة لما أذَّن بلالٌ بالصلاة ـ والرسولُ ﷺ مريض مرضَه الذي توفي فيه ـ: فقالت فاطمة ﵂: يا بلال إنَّ رسولَ اللَّه
стр. 1931
- ﷺ اليوم مشغول بنفسه.
وفيه: وداع الرسول ﷺ المسلمين آخر حياته بقوله: «يا معشر المسلمين، أستودعكم اللَّه، أنتم في رجاء اللَّه وأمانه، واللَّه خلفتي عليكم، معاشر المسلمين، عليكم باتقاء اللَّه وحفظ طاعته من بعدي، فإني مفارق الدنيا، هذا أول يوم من الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا»
وفيه: مجئ ملك الموت على هيئة طارق أعرابي، واستئذانه وقول فاطمة له: آجرك اللَّه في ممشاك يا عبد اللَّه، إن رسول اللَّه ﷺ مشغول بنفسه.
وأنه أعاد الاستئذان ثانية وثالثة.
وفيه: فقال ﷺ : «يا فاطمة من بالباب»؟ فقالت: ... يا رسول اللَّه، إن رجلاً بالباب يستأذن في الدخول، فأجبناه مرة بعد أخرى، فنادى في الثالثة صوتاً اقشعر منه جلدي، وارتعدت فرائصي.
فقال لها النبي ﷺ : «يا فاطمة، أتدرين مَن بالباب؟ هذا هادم اللذات، ومفرق الجماعات، هذا مرمل الأزواج، وموتم الأولاد، هذا مخرب الدور، وعامر القبور، هذا ملك الموت ﷺ ، ادخل رحمك اللَّه يا ملك الموت».
وفيه: وصية النبي ﷺ علياً بتغسيله وتكفينه وكيفية الصلاة عليه.
стр. 1932
وفيه: فقالت فاطمة ﵂: اليوم الفراق، فمتى ألقاك؟ فقال لها:
«يا بنية، تلقينني يوم القيامة عند الحوض وأنا أسقي من يرد على الحوض من أمتي».
قالت: فإن لم ألقك يا رسول اللَّه؟ قال: «تلقينني عند الميزان وأنا أشفع لأمتي».
قالت: فإن لم ألقك يا رسول اللَّه؟ قال: «تلقينني عند الصراط وأنا أنادي ربي سلم أمتي من النار».
فدنا ملك الموت ﷺ يعالج قبض رسول اللَّه ﷺ ، فلما بلغ الروح الركبتين، قال رسول اللَّه ﷺ : «أوَّه». فلما بلغ الروح السرَّة نادى النبي ﷺ : «واكرباه».
فقالت فاطمة ﵂: كربي يا أبتاه.
فلما بلغ الروح إلى الثندؤة نادى النبي ﷺ : «يا جبريل، ما أشد مرارة الموت».
وفيه: أنها قالت لعلي بعد دفن النبي ﷺ : يا أبا الحسن، دفنتم رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم.
قالت فاطمة ﵂: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول اللَّه ﷺ ؟ أما كان في صدوركم لرسول اللَّه ﷺ الرحمة، أما كان معلم الخير؟ قال: بلى يا فاطمة، ولكِنْ أمْرُ اللَّهِ
стр. 1933
الذي لا مَردَّ لَه.
فجعلَتْ تبكي وتندب، وهي تقول: يا أبتاه، الآن انقطع جبريل ﵇، وكان جبريل يأتينا بالوحي من السماء.
وهذا حديث موضوع من وضع الكذَّاب: عبدالمنعم بن إدريس بن سنان اليماني، فهو وضاع. (١)
قال ابن الجوزي في «الموضوعات» عقب الحديث: (هذا حديث موضوع محال، كافأَ اللَّه مَن وضَعَه، وفتَحَ من شَيْن الشريعة بمثل هذا التخليط البارد، والكلام الذي لا يليق بالرسول ﷺ ، ولا بالصحابة، والمتَّهَمُ به عبدُالمنعم بن إدريس، ..... ثم ذكر كلام العلماء
فيه).
قال العراقي: (وهو حديث طويل في ورقتين كبار، وهو منكر، فيه ... عبدالمنعم بن إدريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه. قال أحمد: كان يكذب على وهب بن منبه، وأبوه إدريس أيضاً متروك، قاله الدارقطني). (٢)
وقد أورده العلماء في كتب الموضوعات. (٣)
стр. 1934
زيارتها له ﷺ :
زيارتها له ﷺ المتكررة، خاصة وأنها بجوار بيت عائشة ﵄، من ذلك:
١. زيارتها له في مرضه ﷺ ، كما في حديث عائشة ﵂ حينما أسرَّ لها بقرب أجله .. (١)
٢. أخرج الحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٤٤) رقم (٢١٩) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة (٢)، قال: حدثنا الحسن بن القاسم البجلي (٣)، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن المعلَّى (٤)،
قال: حدثنا عقيل بن محمد
стр. 1935
بن عبداللَّه بن محمد بن عقيل (١)، عن أبيه (٢)، عن جدِّه عبداللَّه بن محمد بن عقيل (٣)، عن جابر بن عبداللَّه ﵄، عن صفية بنت عبدالمطلب ﵂ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ لما مرض أقبلت صفيةُ بنت عبدالمطلب فجلست عند فاطمة، ورسولُ اللَّه ﷺ مضطجع، فقالت لها صفية: سلي أباك: كيف هو ذا يابُنية؟
فقالت: يا أبتاه، كيف تجدك؟
قال: «أجدني صالحاً ـ إن شاء اللَّه ـ إنَّ الحُمَّى من فَيح جهنم فأطفئوها بالماء، فإنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يحبُّ الوِتْرَ».
وهذا حديث مَوضوع، فيه شيخ الحاكم، رافضي كذاب، والأربعة بعده مجاهيل.
٣. ورُوي في حديث عباية بن ربعي، عن أبي أيوب الأنصاري، أن
стр. 1936
فاطمة ـ بعد زواجها ـ دخلت على أبيها تعوده ـ وهو مريض ـ فلما رأت ما به من الجَهد، خنقتها العبرة، حتى خرجت دمعتها ... إلى آخر الحديث وهو حديث طويلٌ مَوضُوعٌ. (١)
٤. وفي حديث أسماء بنت عميس، عن أم سلمة ... وفيه زيارة فاطمة لأبيها ﷺ وحديثٌ فيه ذِكرُ الرافضة، وهو ضعيف جداً. (٢)
٥. وزيارتها إياه مع إطعامه كما في حديث الكساء من رواية أم سلمة ﵄. (٣)
إطعامها والدها ﷺ -:
١. ما ورد في حديث أم سلمة ﵂ في الحديث المشهور حديث الكساء، وفيه: ... جاءته فاطمة غَدَيَّة ببُرْمة، قد صنعتْ له فيها عصيدة تحملها في طبق لها، حتى وضعتها بين يديه، فقال لها: «أين ابن عمك» ... الحديث. (٤)
٢. أخرج: الإمام أحمد في «مسنده» (٢٠/ ٤٤٠) رقم (١٣٢٢٣)، وفي «الزهد» (ص ٣٥) رقم (٢١٠)، ومن طريقه: [ابن عساكر في «تاريخ
стр. 1937
دمشق» (٤/ ١٢٢)] قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عمَّار أبو هاشم صاحب الزعفراني (١)(٢)، عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ فاطمة ﵂ ناولَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ كِسرةً مِن خُبزِ شعير، فقال: «هذا أولُ طعامٍ أكلَه أبوكِ مِن (٣)
ثلاثةِ أيام».
стр. 1938
وهذا منقطع: عمار لم يدرك أنسَ بن مالك.
قال ابن عساكر عقبه: (كذا قال، وأبو هاشم عمار بن عمارة البصري لم يسمع من أنس؛ إنما يرويه عن محمد بن عبد اللَّه، عن أنس ... ثم ساقَه) وهو الآتي:
أخرجه: البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ١٢٨) ـ تعليقاً ـ، ... وأبو الشيخ الأصبهاني في «أخلاق النبي ﷺ » (٤/ ١٤٤) رقم ... (٨٣٢) من طريق عبدالصمد، عن عمَّار أبي هاشم، عن محمد بن عبداللَّه الراسبي (١)، عن أنس، به.
стр. 1939
ــ وأخرج: ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (١/ ٤٠٠)، وعنه: ... [الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (١) ـ ومن طريقِ الحارثِ: ابنُ الجوزي في «التبصرة» (١/ ٣٩٤)]، والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ١٢٨) ... ـ معلقاً ـ، وعنه: [العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ١٠٣٤)]، وابن أبي الدنيا في «الجوع» (ص ٣٦) رقم (١٥)(٢)، وابن الأعرابي في «معجمه» (٣/ ٩٣٢) رقم (١٩٧٥)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١/ ٢٥٨) رقم (٧٥٠)، ومن طريقه: [الضياء المقدسي في «المختارة» (٧/ ١٦٧) رقم (٢٥٩٧)]، والحاكم في «فضائل فاطمة» (ص ١٣٧) رقم (٢٠١)(٣)، والبيهقي في ... «الجامع لشعب الإيمان» (١٣/ ٥٥) رقم (٩٩٤٥)، وعبدالكريم بن هوازن القشيري في «الرسالة القشيرية» (١/ ٢٧٠) من طريق هشام بن عبدالملك أبي الوليد الطيالسي.
стр. 1940
وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤/ ١٢٢) من طريق محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه.
كلاهما: (الطيالسي، ومحمد بن عقيل) عن أبي هاشم عمَّار بن عمارة صاحب الزعفران، عن محمد بن عبداللَّه الراسبي، عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ فاطمة ﵍ جاءت بكِسرة خُبْزٍ إلى النبي ﷺ ، فقال: «ما هذه الكسرة يا فاطمة»؟ قالت: قُرصٌ خبَزتُه، فَلَمْ تَطِبْ نفْسِي حتَّى أتيتُكَ بهذهِ الكِسْرَةِ، فقال: «أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام». لفظ ابن سعد.
وهذا حديث ضعيف، علَّته محمد بن عبداللَّه الراوي عن أنس، مجهول.
والراوي عنه: عمار، لا بأس به ـ كما تقدم ـ، لكنه رواه مرةً عن محمد بن عبداللَّه، ومرةً عن أنس.
وقال العقيلي عقب الحديث: (وقد رُوي نحو هذا بإسناد أصلح من هذا، وبخلاف لفظه).
وقد ضعَّف الحديثَ العراقيُّ في «المغني عن حمل الأسفار» ـ ط. ابن حزم ـ (ص ٩٦٧)، والألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (١٠/ ٤٨٠) رقم ... (٤٨٧٣) وأعلَّه بجهالة محمد بن عبداللَّه الراسبي البصري.
стр. 1941
ــ وروي من وجه آخر:
أخرجه: عُبيد الفرَضي في «فوائده» ــ كما في «فوائد منتقاة من رواية الشيخين أبي الحسن أحمد بن الصلت، وأبي أحمد عبيد الفرضي» (ص ٦٥٩) رقم (٣٢) ــ عن عبدالصمد، عن أحمد بن محمد بن حميد المقرئ أبي جعفر السقطي (١)، عن إسحاق بن بشر الكاهلي (٢)، عن كثير بن سُلَيم (٣)،
عن أبي الزناد البصري، عن أبي هريرة ﵁ قال: دخل رسولُ اللَّهِ ﷺ على ابنته فاطمة، فقدَّمت إليه وسط رغيف يابس، فجعل رسولُ اللَّه ﷺ يكدِمه ويقول: «يا فاطمة، إنه لأول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام».
وهذا موضوع، آفته إسحاق، وهو وضَّاع، وتلميذه وشيخه ضعيفان.
стр. 1942
وروي من حديث علي ﵁، وأنه في يوم الخندق:
قال المحِبُّ الطبري (ت ٦٩٤ هـ) في «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» (ص ٩٣): ذكرُ بِرِّهَا بالنبيِّ ﷺ : عن علي ﵁ قال كنا مع النبي ﷺ في حفر الخندق إذ جاءته فاطمة بكسرة من خبز فرفعتها إليه، فقال: «ما هذه يا فاطمة»؟ قالت: من قرص اختَبَزْتُهُ لابنِي، جئتُكَ منه بهذه الكِسْرة.
فقال: «يا بُنَيَّة، أمَا إنَّها لأولُ طعامٍ دخَلَ فَمَ أبيك مُنذُ ثلاث».
خرَّجَهُ: الإمام علي بن موسى الرضا). انتهى.
قلت: لم أجده مسنداً بهذا السياق ـ من حديث علي، وذكر الخندق ـ، ولا في شئ من كتب السُّنَّة النبوية، والتاريخ.
٣. حديث آخر: أخرج أبو يعلى الموصلي في «مسنده الكبير» (١)
قال: حدثنا سهل بن زنْجَلة (٢)، قال: .............................................
стр. 1943
حدثنا عبداللَّه بن صالح (١)، قال: حدثني ابن لهيعة (٢)، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أنَّ رسول اللَّه ﷺ أقام أياماً لم يطعم طعاماً، حتَّى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يصب عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال: «يا بنية هل عندك شيء آكله، فإني جائع»؟
فقالت: لا واللَّه، بأبي أنت وأمي.
فلما خرج من عندها رسول اللَّه ﷺ بعثت إليها جارةٌ لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جَفْنَةٍ لها، وغطَّت عليها، وقالت: واللَّه لأُوثِرَنَّ بهذا رسولَ اللَّه ﷺ على نفسي ومَن عندي؛ وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسناً أو حُسيناً إلى رسول اللَّهِ ﷺ فرجع إليها فقالت له: بأبي أنت وأمي، قد ... أتى اللَّهُ بشيء، فخبَّأته لكَ.
قال: «هَلُمِّي يا بنية». فكشفَت عن الجفنة، فإذا هي مملوءةٌ خُبزاً ولحماً، فلما نظرت إليها بُهِتَتْ، وعَرَفَتْ أنها بركةٌ من اللَّهِ، فحمِدَتْ اللَّهَ وصَلَّتْ على نبيه ﷺ ، وقدَّمَتْهُ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآه ... حمِدَ اللَّه وقال: «مِن أينَ لكِ هذا يا بُنَيَّة»؟ قالت: يا أبَةِ، هُو من عندِاللَّه،
стр. 1944
إنَّ اللَّهَ يرزق مَن يشاءُ بغيرِ حِسَاب.
فحمِدَ اللَّهَ وقال: «الحمدُ للهِ الذي جعلكِ يا بُنَيَّةُ شبيهةَ سيدةِ نِسَاءِ بني إسرائيل، فإنَّها كانت إذا رزقَهَا اللَّهُ شيئَاً فسُئِلَتْ عنه، قالت: هُوَ مِنْ عندِاللَّه، إنَّ اللَّهَ يرزُقُ مَنْ يشاءُ بغيرِ حِسَاب».
فبعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى علي، ثم أكلَ رسولُ اللَّه ﷺ وعليٌّ وفاطمةُ وحسنٌ وحُسينٌ، وجميعُ أزواج رسولِ اللَّه ﷺ وأهلِ بيتِهِ جميعَاً حتَّى شبِعُوا.
قالت: وبقيَتْ الجَفْنَةُ كمَا هِيَ، فأوسَعَتُ ببقيَّتِها على جميعِ جيرانِي، وجعلَ اللَّهُ فيها بركةً وخيراً كثيراً».
وهذا ضعيف، لضعف عبداللَّه بن صالح وشيخه ابن لهيعة، وتفردهم في الحديث، مع نكارة في متنه، كما سيأتي بيانه في كلام الألباني.
ــ قال ابنُ كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ٦٤٦): (وهذا حديث غريب أيضاً إسناداً ومتناً).
وقد ضعَّفَه الألبانيُّ في «السلسة الضعيفة» (١١/ ٥٩٣) رقم ... (٥٣٥٩) وأعلَّه بعبدِاللَّه بن صالح وشيخِه ابنِ لهيعة، ونكارةِ متنه، حيث قال: (ثم إنَّ الحديث ـ مع ضعف إسناده ـ؛ ففي متنه نكارة في نقدي؛ مثل قوله: «فإني جائع»؛ لأنه غير معروف مثله عنه ﷺ فيما أذكر!
стр. 1945
ومن ذلك قول فاطمة ﵂ لأبيها مرتين: بأبي أنت وأمي! فإنه ممجوج مرفوض؛ كما هو ظاهر لا يحتاج إلى بيان.
ونحوه قولها بعد أنْ حمِدَت اللَّهَ: وصلَّيتُ على نبيه). انتهى من ... «الضعيفة». (١)
والحديث السابق فيما يتعلق بإطعام فاطمة أباها ﷺ ، وأما ما يتعلق بزهد النبي ﷺ وما أصابه من الجوع، ففيه أحاديث كثيرة. (٢)
معالجتها إياه ﷺ -:
١. ما فعلته ﵂ بأبيها في غزوة أُحُد ـ كما سبق في الحديث رقم ... (٩٢) ـ، وقد قامت بذلك مع هول المصيبة، وشدة الواقعة، وما أشيع ... ـ
стр. 1946
حينئذ ـ من موت النبي ﷺ ، والأنظار تتجه إلى موضعه، وقد علاه الجهد، وسال الدم على وجهه الشريف ﷺ ، (١)
ومع ذلك تنفرد فاطمة من بين الناس كلِّهم في هذا الجمع الكبير؛ لتغسل الدم، ثم تعالج استمراره بحرق الحصير ووضعه على الجرح، وهذا يدل على برها، كما يدل على قوتها وصبرها، وحذقها وشجاعتها ﵂. (٢)
стр. 1947
٢. أخرج: ابن أبي الدنيا في «المرض والكفارات» (ص ١٥٢) رقم ... (١٩٣)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٦٤) من طريق كثير بن سُلَيم (١)، عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كانت فاطمة ﵍ تَرقِي أباها ﷺ إذا وجدت تكسُّراً في عِطْفه أو فَترةً (٢): بسم اللَّه، وباللَّه، أذهِب البأس ربَّ الناس، واشفِ أنتَ الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغَادر سقَمَاً، يا أرحم الراحمين.
وكانت تنفخُ ولا تَتْفل).
لم يذكر ابن عدي متن الحديث بل ذكر طَرَفَه. وقد أورده ضمن ما استُنكِر من حديث كثير بن سُلَيم، ثم قال: (وعامة ما يُروَى عن كثير بن سُليم، عن أنس، هو هذا الذي ذكرتُ، ولم يبق له إلا الشئ اليسير؛ وهذه الروايات عن أنس عامتها غير محفوظة).
стр. 1948
خدمتها له ﷺ :
من ذلك موقفها في غزوة أحد، فقد رُوِي أنها أخذت سيف النبي ﷺ لِغَسْلِه:
أخرج الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (٣/ ٢٧) رقم ... (٤٣١٠)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (٢/ ٢٩٩) من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس (١)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: قال: لما رجع رسول اللَّه ﷺ من أُحُدٍ أعطى فاطمةَ ابنتَه سيفه فقال: «يا بُنية اغسِلي عن هذا الدم».
فأعطاها عليٌّ سَيفَه، فقال: وهذا فاغسلي عنه دمَهُ، فواللَّه لقد صدقَنِي اليومَ. فقال رسول اللَّه ﷺ : «لئن كنتَ صدَقْتَ اليومَ، لقَدْ صدَقَ معَكَ القتالَ اليومَ سهلُ بنُ حنيف، وسِماك بنُ خَرَشَه أبو دجانة».
قال ابن إسحاق: وقال علي بن أبي طالب ﵁ حين ناول فاطمة ﵍ السيف:
أفاطم هاكِ السيف غير ذميم ... فلستُ بِرِعْدِيد ولا بلئيم
لَعمْري لقد أعذرتُ في نصْرِ أحمَد ... ومرضاةِ ربٍّ بالعبادِ رحيم
стр. 1949
وهذا ضعيف، لضعف حسين بن عبداللَّه.
ولم أجد الحديثَ: إعطاء النبي ﷺ ابنتَه فاطمة سيفَه لِغَسْلِه، لم أجده عند غيره، وأما بقية الحديث، فقد رُوي من طرق أخرى:
أخرج: ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧/ ٣٥٢) رقم (٣٣١٧٨)، ... و (٢٠/ ٣٥٨) رقم (٣٧٩٣٥)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢/ ٣٥٥) رقم (٢٨٥١) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: جاء عليٌّ بسيفه، فقال: خذيه حميداً .... الحديث.
وفي لفظ سعيد: جاء علي بسيفه يوم أُحُد مخضَّباً بالدماء ــ وفاطمةُ تغسل الدمَ عن وَجْهِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ــ، فقال: خذيه حميداً .. إلخ
وهذا مرسل.
وقد خالفَ ابنَ أبي شيبة، وسعيدَ بنَ منصور: مِنْجَابُ بنُ الحارث فرواه موصولاً.
أخرجه: الطبراني في «المعجم الكبير» (٧/ ١٠٤) رقم (٦٥٠٧)، ... و (١١/ ٢٥١) رقم (١١٦٤٤)، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين» ... (٣/ ٢٦) رقم (٤٣٠٩)، وعنه: [البيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٢٨٣)] من طريق مِنْجاب بن الحارث (١)، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن
стр. 1950
دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: دخل عليٌّ عَلَى فاطمة يوم أُحُد، فقال: خُذِي هذا السيف غير ذميم، فقال النبي ﷺ : «لئن كنتَ أحسنت القتال، لقد أحسنَه سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة». لفظ الطبراني.
وفي لفظ الحاكم: أنَّ سيفَ علي قد انحنى، وقال: هاكِ السيف حميداً، فإنها قد شفتني ...
وأضاف اثنين آخرين: «وعاصم بن ثابت الأفلح، والحارث بن الصمة».
قال الحاكم عقبه: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه , وله شاهد صحيح في المغازي).
والوجه الأول: المرسل أصح، لرواية ثقتين: ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور.
وقد روي من وجه آخر مرسلاً أيضاً:
أخرج: ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٠/ ٣٥٨) رقم (٣٧٩٣٤) حدثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرنا موسى بن عُبيدة (١)، قال: أخبرني محمد بن كعب القرظي: أن علياً لقيَ فاطمةَ يوم أحد، فقال: خذي السيف غير مذموم.
стр. 1951
فقال رسولُ اللَّه ﷺ : «يا علي، إن كنتَ أحسنتَ القتال اليومَ فقد أحسنَه أبو دجانة، ومصعب بن عمير، والحارث بن الصِّمَّة، وسهل بن حنيف». ثلاثة من الأنصار، ورجلٌ من قريش.
مرسل، وفيه موسى وهو ضعيف.
حزنها في مرض أبيها ووفاته ﷺ -:
سبق ذكر ذلك في الباب الأول: الفصل الأول: المبحث السادس: حالها في وفاة أبيها ﷺ .
برها بوالدتها خديجة ﵄ -:
لم يُنقل إلينا شئٌ من هذا ـ حسب البحث ـ، وقد توفيت خديجة ﵂ قبل الهجرة بثلاث سنين ـ على الراجح ـ (١) وعُمْرُ فاطمة ﵂ قريباً من ست عشرة سنة، (٢) منها ثلاث في الحصار في شِعْب أبي طالب.
وقد رُوِيَ عن مُهاجر بنِ مَيمون الحضرمي، عن فاطمة ﵃ أنها قالت للنبي ﷺ : أينَ أُمُّنَا خديجة؟ قال: «في بيتٍ من قَصَب، لا لغْوَ فيه ولا نصَبَ، بينَ مريم وآسيةَ امرأةِ فرعون».
стр. 1952
قالت: أمِنَ القَصَبِ؟ قال: «لا، بل من القَصَبِ المنظوم بالدُّرِّ والياقُوتِ واللؤلؤ».
الشاهد فيه: سؤال فاطمة عن أمها ﵄.
وهو حديث ضعيف، يُغني عنه ما ثبت في الصحيحين في مكانة خديجة في الجنة ـ وليس فيه الشاهد ـ. (١)
فائدة: يُلحظ أن لفاطمةَ ﵂ حضوراً في أسفار والدها ﷺ ومشاهده ، وغيرها:
في العهد المكي، في دفاعها عن والدها ـ كما سبق ـ.
وفي غزوة أحد (٣ هـ).
وكانت معه في «عمرة القضاء» (٧ هـ) ـ كما في «صحيح البخاري» (٢) في حديث تنازع علي وجعفر في ابنة حمزة.
وكانت معه في «فتح مكة» (٨ هـ) لما سترته عند اغتساله.
وكانت معه ـ أيضاً ـ في حجة الوداع (١٠ هـ) ﵂.
* * *
الحديث في الصحيحين.
وجاء في بعض طُرقِه خارج الصحيحين:
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَيْ بُنَيَّةُ، أَخْبِرِينِي مَاذَا نَاجَاكِ أَبُوكِ؟
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: نَاجَانِي عَلَى حَالٍ سِرٍّ، ظَنَنْتِ أَنِّي أُخْبِرُ بِسِرِّهِ وَهُوَ حَيٌّ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ سِرَّاً دُونَهَا، فَلَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ لِفَاطِمَةَ: يَا بُنَيَّةُ، أَلَا تُخْبِرينِي بِذَلِكَ الْخَبَرِ؟ قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ، فَنَعَمْ ... الحديث. (١)
وقد روي من حديث أمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا فَاطِمَةَ عَامَ الْفَتْحِ فَنَاجَاهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ حَدَّثَهَا فَضَحِكَتْ.
قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ سَأَلْتُهَا عَنْ بُكَائِهَا وَضَحِكِهَا.
قَالَتْ: «أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَمُوتُ؛ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ؛ فَضَحِكْتُ».
الحديث في «السنن» ـ وهو ضعيف ـ. (٢)
* * *
стр. 1955
الدراسة الموضوعية:
من كمال دِين فاطمة ﵂، وعَقْلِها، ومحبَّتِها للنبي ﷺ وبِرِّها به، أنها حفظت سِرَّ أبيها ونبيها ﷺ ، ولم تخبر به أحداً حياة النبيِّ ﷺ .
وعِلمُهَا بأنه سِرٌّ؛ إمَّا لكونِ النبي ﷺ صرَّحَ لها بأنه سِرٌّ، لا يرغبُ أن يعلمَ به أحدٌ، أو عَلِمَتْ هي بالقرينة الفعلية والحالية، حينما أسرَّ الحديثَ إليها من بين سائر زوجاته في المجلس.
قال ابن عثيمين ﵀: (والسِّرُّ هو ما يقع خُفيةً بينك وبين صاحبك، ولا يحل لك أن تفشي هذا السِّرَّ أو أن تُبيِّنَه لأحد، سواءٌ قال لك: لا تبيِّنَه لأحد؛ أو عُلِم بالقرينة الفعلية أنه لا يُحِبُّ أن يطَّلِعَ عليه أحدٌ؛ ... أو عُلِمَ بالقرينة الحالية أنه لا يحبُّ أن يطَّلِعَ عليه أحدٌ.
مثالُ الأول: اللفظ: أن يُحدِّثَك بحديثٍ ثم يقول: لا تخبر أحداً، هو معك أمانة.
ومثال الثاني: القرينة الفعلية: أن يُحدِّثَك وهو في حال تحديثه إياك يلتفت، يَخشَى أن يكون أحدٌ يَسمَعُ؛ لأنَّ معنى التفاته أنه لا يُحبُّ أن يطلع عليه أحَدٌ.
ومثالُ الثالث: القرينة الحالية: أن يكون هذا الذي حدَّثكَ به أو أخبرك
стр. 1956
به من الأمور التي يستحي مِن ذِكْرِها، أو يخشى مِن ذِكْرِهَا، أو ما أشبهَ ذلك؛ فلا يحل لك أن تبِّين وتفشي هذا السِّرَّ). (١)
لقد فهِمَتْ فاطمةُ ﵂ أنه سِرُّ، فامتنعَتْ من إخبار عائشة ﵂ به، ولما مات ﷺ ، أخبرَتْ بذلك، وقد بوَّب عليه البخاري في «صحيحه» بقوله: باب مَنْ ناجى بين يدي الناس، ومَن لم يُخبِرْ بِسِرِّ صاحبِهِ فإذا مات أخبَرَ بِهِ. (٢)
دلَّ ذلك أنَّ هذا السِّرَّ انتهى بموتِ النبيِّ ﷺ ، قال ابن بطال: (وفيه: أنه لا ينبغى إفشاء السر إذا كانت فيه مضرة على المُسِرِّ، لأن فاطمة لو أخبرت نساءَ النبيِّ ذلك الوقت بما أخبرها به النبيُّ ﷺ من قُرب أجله؛ لحَزِنَّ لذلك حُزنَاً شديدَاً، وكذلك لو أخبرتهن أنها سيدة نساء المؤمنين، لَعظُم ذلك عليهن، واشتدَّ حُزنهن، فلما أمِنَت ذلك فاطمة بعد موته؛ أخبرت بذلك). (٣)
نقل ابنُ حجر كلامَ ابن بطال ـ السابق ـ وتعقَّبَه، فقال: (قلتُ: أما
стр. 1957
الشق الأول فحقُّ العبارةِ أن يقول: فيه جوازُ إفشاء السر إذا زال ما يترتب على إفشائه من المضرة؛ لأن الأصل في السر الكتمان وإلا فما فائدته.
وأما الشق الثاني فالعِلة التي ذكرها مردودةٌ؛ لأن فاطمة ﵂ ماتت قبلهن كلهن، وما أدري كيف خفي عليه هذا؟ ! ثم جوَّزْتُ أن يكونَ في النسخة سقم، وأن الصواب: فلما أمِنَت من ذلك بعد موته. وهو أيضاً مردود؛ لأن الحزن الذي علَّلَ به لم ينزل بموتِ النبي ﷺ ، بل لو كان كما زعم، لاستمرَّ حزنهن على ما فاتهن من ذلك). (١)
وحِفظُها سِرَّ أبيها ﷺ منقبةٌ من مناقبها ﵂، وكذلك كان الصحابة ﵃ يحفظون سِرَّ النبي ﷺ ، من ذلك:
أبو بكر حينما عرض عليه عُمَرُ الزواج بحفصة ﵃، وكان يعلم أنَّ النبي ﷺ ذكرها، ولم يرغب أن يُبدِيَ ذلك، فأعرضَ عن عمر، ثم لما خطبها النبيُّ ﷺ ؛ أخبره أبو بكر عذره في عدم إجابته؛ حيث قال: (لعلك وجدتَ عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك؟ قال: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أنْ أرجع إليكَ فيما عرضتَ، إلا أني قد علمتُ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قد ذكرَها، فلم أكُنْ لأفشي سِرَّ رسولِ اللَّه
стр. 1958
- ﷺ ، (١) ولو تركَهَا لقبلتُها). (٢)
وكذلك أمُّ سُليم = أمُّ أنس بن مالك ﵄ قالت لابنها أنس خادمِ
النبي ﷺ : ما حبَسَكَ؟ قال: بعثني رسولُ اللَّهِ ﷺ لحاجة، قالت: ما حاجتُه؟ قال: إنها سِرٌّ، قالت: لا تحدِّثَنَّ بسِرِّ رسولِ اللَّه ﷺ أحداً.
قال أنس لراوي الحديث عنه وهو ثابت البناني: واللَّهِ لو حدَّثْتُ به أحداً لحدثتُكَ يا ثابت. (٣)
- عُلِم مما سبق أنه يجوز إظهار السِّرِّ إذا انتهى وقتُه، بإظهارِ اللَّهِ له، أو أظهرَهُ صاحبُه الذي أسرَّ بِهِ . (٤)
стр. 1959
- وأما السِّرُّ الوارد في الحديث:
فقال ابن حجر: (واتفقت الروايتان على أنَّ الذي سارَّها به أولاً فبكت هو: إعلامُه إياها بأنه ميِّت مِن مَرضِه ذلك.
واختلفَا فيما سارَّها به ثانياً فضحكت:
ففي رواية عروة: أنه إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقاً به.
وفي رواية مسروق: أنه إخباره إياها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، وجعلَ كونها أول أهله لحوقاً به مضموماً إلى الأول، وهو الراجح؛ فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين، فما زاده مسروق قول عائشة: فقلت ما رأيتُ كاليوم فرحاً أقرب من حزن! فسألتها عن ذلك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سِرَّ رسُولِ اللَّه ﷺ حتى توفي النبي ﷺ فسألتُها ...
وقد روى النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة في سبب البكاء: أنه
стр. 1960
ميت. وفي سبب الضحك: الأمرين الآخرين.
ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها: أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك، أنها سيدة النساء.
وفي رواية عائشة بنت طلحة عنها: أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك لحاقها به.
وعند الطبري من وجه آخر عن عائشة: أنه قال لفاطمة: إنَّ جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المسلمين أعظم ذرية منك فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبراً). (١)
* * *
стр. 1961
الفصل الثالث: منزلتها عند الشيخين: أبي بكر وعمر ﵃.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: محبة أبي بكر ورعايته لها ﵄.
المبحث الثاني: محبة عمر بن الخطاب لها ﵄.
стр. 1962
المبحث الأول:
محبة أبي بكر ورعايته لها ﵄ -.
٩٤. [١] قال الإمام البخاري ﵀: حدثني يحيى بن معين، وصدَقَة، قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، قال: قال أبو بكر ﵁: ... «ارْقُبُوا محمَّدَاً ﷺ في أهلِ بَيْتِهِ».
[«الجامع الصحيح» للبخاري (ص ٧١٥)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، حديث رقم (٣٧٥١)]
تخريج الحديث:
ــ أخرجه: البخاري في «صحيحه» ـ كما سبق ـ عن يحيى بن معين، وصدَقة ـ هو ابن الفضل المروزي ـ، عن محمد بن جعفر ـ المشهور بغندر ـ.
ــ وأخرجه أيضاً في (ص ٧١٠)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول اللَّه ﷺ ، حديث (٣٧١٣) عن عبداللَّه بن عبدالوهاب ـ وهو الحجبي ـ، حدثنا خالد ـ وهو ابن الحارث بن سليم الهجيمي ـ.
كلاهما: (محمد بن جعفر «غندر»، وخالد بن الحارث) عن شعبة، عن واقد بن محمد ـ هو ابن زيد بن عبداللَّه بن عمر ـ، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، به.
стр. 1963
فائدة: وردت زيادة في أوله، وهي: «يا أيها الناس ... »
أخرجها: ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (٢/ ٨٩٧) رقم ... (٣٨٠٣) عن المثنى بن معاذ، عن خالد بن الحارث وغندر.
ــ وأبو زرعة الدمشقي في «الفوائد المعللة» (ص ٢٢٠) رقم (١٦٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن معين، عن غندر.
والنجَّاد في «مجلس من أماليه» ـ رواية المحاملي، مخطوط في المكتبة الشاملة ــ (ص ٧) رقم (٦) من طريق حفص بن عمر الرازي.
ثلاثتهم: (خالد، وغندر، وحفص بن عمر) عن شعبة، به. مثله إلا أنه ذكر في أوله: «يا أيها الناس ...
غريب الحديث:
ــ (ارْقُبُوا محمداً في أهل بيته): أي احفظوه فيهم.
قال ابن حجر: (يُخاطب بذلك الناس ويوصيهم به، والمراقبة للشيء: المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم). (١)
* * *