الفصل الثالث: منزلتها عند الشيخين: أبي بكر وعمر ﵃.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: محبة أبي بكر ورعايته لها ﵄.
المبحث الثاني: محبة عمر بن الخطاب لها ﵄.
стр. 1962
المبحث الأول:
محبة أبي بكر ورعايته لها ﵄ -.
٩٤. [١] قال الإمام البخاري ﵀: حدثني يحيى بن معين، وصدَقَة، قالا: أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واقد بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، قال: قال أبو بكر ﵁: ... «ارْقُبُوا محمَّدَاً ﷺ في أهلِ بَيْتِهِ».
[«الجامع الصحيح» للبخاري (ص ٧١٥)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، حديث رقم (٣٧٥١)]
تخريج الحديث:
ــ أخرجه: البخاري في «صحيحه» ـ كما سبق ـ عن يحيى بن معين، وصدَقة ـ هو ابن الفضل المروزي ـ، عن محمد بن جعفر ـ المشهور بغندر ـ.
ــ وأخرجه أيضاً في (ص ٧١٠)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول اللَّه ﷺ ، حديث (٣٧١٣) عن عبداللَّه بن عبدالوهاب ـ وهو الحجبي ـ، حدثنا خالد ـ وهو ابن الحارث بن سليم الهجيمي ـ.
كلاهما: (محمد بن جعفر «غندر»، وخالد بن الحارث) عن شعبة، عن واقد بن محمد ـ هو ابن زيد بن عبداللَّه بن عمر ـ، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، به.
стр. 1963
فائدة: وردت زيادة في أوله، وهي: «يا أيها الناس ... »
أخرجها: ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (٢/ ٨٩٧) رقم ... (٣٨٠٣) عن المثنى بن معاذ، عن خالد بن الحارث وغندر.
ــ وأبو زرعة الدمشقي في «الفوائد المعللة» (ص ٢٢٠) رقم (١٦٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن معين، عن غندر.
والنجَّاد في «مجلس من أماليه» ـ رواية المحاملي، مخطوط في المكتبة الشاملة ــ (ص ٧) رقم (٦) من طريق حفص بن عمر الرازي.
ثلاثتهم: (خالد، وغندر، وحفص بن عمر) عن شعبة، به. مثله إلا أنه ذكر في أوله: «يا أيها الناس ...
غريب الحديث:
ــ (ارْقُبُوا محمداً في أهل بيته): أي احفظوه فيهم.
قال ابن حجر: (يُخاطب بذلك الناس ويوصيهم به، والمراقبة للشيء: المحافظة عليه، يقول: احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم). (١)
* * *
٩٦. [٣] عن عبداللهِ بن بريدة، عن أبيه، قال: خطبَ أبو بكر، وعمر ﵄ فاطمة ﵂، فقال رسول اللهِ ﷺ : ... «إنها صَغِيرةٌ».
فخَطبَهَا عليٌّ ﵁، فَزوَّجَهَا منه.
الحديث حسن، وقد سبق برقم (٣٣)
وذُكر معه شواهده من حديث:
عِلْبَاء بن أحمر اليشكري ﵀ ــ وهو حديث ضعيف ـ
ومرسل المخضرم: حُجْر بن عَنْبَس الحضرمي الكوفي ﵀.
وحديث علي بن أبي طالب ﵁ ـ موضوع ـ
حديث أنس بن مالك ﵁ ـ ضعيف جداً ـ
* * *
стр. 1969
٩٧. [٤] قال ابنُ سعد: أخبرنا عبدُاللهِ بن نُمَير، قال: حدثنا إسماعيل، عن عامر قال: «جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مَرضَتْ، فاستَأذَنَ، فقَال عليٌّ: هذَا أبُو بَكْرٍ عَلى البَابِ، فَإنْ شِئْتِ أنْ تَأذَنِي لَهُ؟ قَالَتْ: وذلكَ أحبُّ إليكَ؟ قال: نعم.
فدخلَ عَلَيْهَا، واعتَذَرَ إليْهَا، وكلَّمَهَا؛ فرَضِيَتْ عَنْهُ».
[«الطبقات الكبرى» لابن سعد (٨/ ٢٧)]
دراسة الإسناد:
ــ عبداللَّه بن نُمير الهمْداني، أبو هشام الكوفي. قال الذهبي: حُجَّة. وقال ابن حجر: ثقة، صاحب حديث، من أهل السُّنَّة. (١)
ــ إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة، ثبت. (٢)
ــ عامر بن شراحيل الشعبي الهمْداني، تَابِعِيٌّ، ثقة، ولِد لِستِّ سنين خلَتْ من خلافة عمر بن الخطاب ﵁. وتوفي ١٠٣ هـ أو ١٠٤ هـ. (٣)
стр. 1970
تخريج الحديث:
أخرجه: ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ـ كما سبق ـ عن عبداللَّه بن نُمير.
ــ وابن شاهين في الجزء الذي جمعه في «ذكر ما جرى في أمر الخُمُس وفَدَك» (١) ــ كما في «جامع الآثار» لابن ناصر الدين الدمشقي (٧/ ٣٦٠ ـ ٣٦١) ــ من طريق منصور بن أبي الأسود.
ــ والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٠١)، وفي «دلائل النبوة» ... (٧/ ٢٨١)، وفي «الاعتقاد» ـ ط. الفضيلة ـ (ص ٤٩٦) قال: أخبرنا ... أبو عبداللَّه الحافظ (٢)، قال: حدثنا أبو عبداللَّه محمد بن يعقوب (٣)، قال: حدثنا محمد بن عبدالوهاب (٤)، قال: حدثنا عبدان بن عثمان العتكي (٥) ... ـ
стр. 1971
بنيسابور ـ قال: أخبرنا أبو حمزة. (١)
كلاهما: (عبداللَّه بن نُمير، ومنصور بن أبي الأسود، وأبو حمزة السُّكَّري) عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي.
ــ لفظ ابن شاهين: «يا بنت الحبيب بأبي أنتِ وأمي، وبأبي أبي ولدك، إنما هجرتُ داري، وخرجت من أهلي ومالي في حبكم، فما خير عيش حياة أعيشها وأنتِ عليَّ ساخطةٌ، فإن كان عند من رسول اللَّه ﷺ في ذلك عهد؛ فإني أشهد على رسول اللَّه ﷺ بقول: «لا نورَّث إنما تركناه صدقة».
قال: فما قام حتى رضيَ ورضيَتْ.
ــ ولفظ البيهقي: قال الشعبي: «لما مرضت فاطمة، أتاها أبو بكر الصديق، فاستأذن عليها فقال عليٌّ: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن؟ قال: نعم. (٢) فأذنَتْ له، فدخل عليها يترضاها، وقال: واللَّهِ ما تركتُ الدارَ، والمالَ، والأهلَ، والعشيرةَ، إلا ابتِغَاءَ مرضاةِ اللَّه،
стр. 1972
ومرضاةِ رسولِه، ومرضاتِكم أهلَ البيت، ثم ترضَّاها حتى رَضِيَتْ».
قال البيهقي عقبه في «السنن الكبرى»: (هذا مرسلٌ حسَن، بإسناد صحيح).
أورد ابن كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ١٩٦) إسنادَ ومتنَ البيهقي، ثم قال: (وهذا إسنادٌ جيِّدٌ قَويٌّ.
والظاهر أن عامِراً الشعبي سمِعَه من عَليٍّ، أو ممَّن سمِعَهُ مِن عَليٍّ).
قال ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٢٠٢) بعد أن خرَّجه من البيهقي: (وهو وإن كان مرسلاً فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة ﵍ على هجر أبي بكر .... ) ثم ذكر ابن حجر كلام العلماء في معنى هجر فاطمة ـ وسيأتي في الدراسة الموضوعية ـ.
وأشار له في موضع آخر (٦/ ٢٠٢)، بقوله: ( ... لذلك فإن ثبتَ حديث الشعبي أزال الإشكال، وأَخلِقْ بالأمر أن يكون كذلك؛ لما عُلِمَ من وُفُورِ عَقلِهَا ودِينِها ﵍).
الحكم على الحديث:
الحديث مرسل، إسنادُه إلى الشعبي: صحيح.
وما بعد الشعبي رجلٌ أو رجلان لا يُدرَى مَن يكونا؟
والمرسل من أنواع الأحاديث الضعيفة.
стр. 1973
وقول ابن كثير، مجرد احتمال، ولو قُدِّر أنه رواه عن علي ﵁، فالصحيح أنه لم يسمع منه (١)، فهو منقطع، وغريب تمشية الإسناد على الاحتمالات.
فالحديث ضعيف، لإرساله، ومخالفته الصحيح الثابت من حديث عائشة ﵂ أن فاطمة ﵂ هجرت أبا بكر ﵁ حتى توفيت.
وأما الحديث عن (مراسيل الشعبي) ، فهي أصح من غيره، مع بقائه في دائرة الضعف (٢)، وأما قول العجلي: (مرسل الشعبي صحيحٌ لا يكاد يُرسل إلا صحيحاً)، يقول: لا يكاد يرسل، مما يدل على الغالب.
والراجح أن غالبه معتضد بشواهد تدل على أنه له أصلاً، لا أن المرسَل صحيح لذاته، وقد ضعَّفَ مراسيل الشعبي: الترمذيُّ، وغيرُه. (٣)
стр. 1974
ومرسله هذا في فاطمة، لا شك في ضعفه:
أولاً: لأنه مخالف لحديث عائشة في الصحيحين.
ثانياً: أنه دليل فرد ـ حسب البحث ـ لم تحفلْ به ـ مع أهميته وتأثيره ـ دواوينُ الإسلام، وانفردَ بهِ مختصرَاً: ابن سعد، وأطول منه: البيهقيُّ في القرن الخامس الهجري؟ !
ثالثاً: ليس له أصلٌ وشاهد لا في الموقوفات، ولا المراسيل. (١)
стр. 1975
رابعاً: أن الحدَثَ محلُّ اهتمام وتشوف من الصحابة والتابعين، فلو كان واقعاً صحيحاً لنُقِلَ بأسانيد متصلة صحيحة.
خامساً: لو حصلت المراضاة لعلم بذلك أقرب الناس لأبي بكر: ابنته: أم المؤمنين عائشة ﵂، فكيف تخفى عليها هذه القضية المهمة، وتذكر اتصال غضب فاطمة إلى وفاتها؟ !
سادساً: في فيئة علي بن أبي طالب ﵁ ومبايعته ـ أو هي إعادة البيعة مرة ثانية على قول ـ وما جرى في الحديث أمام الصحابة بينه وبين أبي بكر ﵄ ـ كما في الحديث رقم (٩٦) ـ يدل على وجود العتب
стр. 1976
واستمراره إلى هذه المصالحة، وهي لم تحصل إلا بعد وفاة فاطمة ﵂، فأين أثر التراضي الذي تم بين الاثنين: أبي بكر، وفاطمة، بحضور علي؟ ! كما دلَّ عليه هذا المرسل الضعيف؟ !
لو كان صحيحاً، لحصل الجهرُ به من عليٍّ مباشرة، لا أن يتأخر وقتاً بعد وفاة فاطمة (١)، لأنه صُرِّح أنه استنكر وجوه الناس بعد وفاتها ـ وهذا لا يكون بأيام وأسابيع ـ، مما يدل على أنه لم يحصل ما ذُكر في مرسل الشعبي ... ـ واللَّه أعلم ـ.
والنفسُ تتَمَنَّى صِحَّتَه (٢)، لكَنْ ليس للإنسانِ ما تَمَنَّى.
وإذا ثبتَ ضعفُه، فليس فيه غضاضة على خليفةِ رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه لم يخطئ، ولم يُقَصِّر في رعاية آل البيت، لا فاطمة ولا غيرها، وإنما غايةُ ما فَعَل: امتثالُ أمْرِ النبيِّ ﷺ في عدَم إرث
стр. 1977
الأنبياء، وفي القيام بالشؤون التي كان يتولاها ﷺ ــ وحسناً فَعَل ﵃ أجمعين ــ. (١)
* * *
стр. 1978
الدراسة الموضوعية:
بين الصحابة وآل البيت علاقةٌ حميميةٌ فائقةُ الحُسْن، في تقارب وديد، ومحبة صادقة، ومصاهرات متتابعة، وتعظيم كل منهما للآخر ـ كما سيأتي بيانه بعد قليل في المسألة الأولى ـ
وإنَّ الذي بين أبي بكر وفاطمة من المحبة والإجلال لا يُحجَب بغربال (١)، ومهما حصل من العَتب، فإنه لا ينسخ التعظيم والتقدير من لدن فاطمة لأبي بكر ﵄.
فهي ﵂ شاهدت أبا بكر ونصرته لأبيها ﷺ أول الإسلام، وملازمته له، واختصاصه به، ونفقته مالَه كلَّه نصرةً للنبي ﷺ ، وما أكرمه اللَّهُ به من مرافقة النبي ﷺ وملازمته حياً وميتاً، فهو رفيقه في الهجرة، وجليسه في الغار، وهو المستشار الأول، والناس كلُّهم سمعوا كثيراً من قول النبي ﷺ : كنتُ وأبو بكر وعمر، ذهبتُ وأبو بكروعمر، مع أحاديث متواترة في فضله ومناقبه، أفتغيبُ هذه المآثر الجسيمة، والثناء العظيم عن فاطمة؟ ! وربما أنها تسمع من أبيها في أبي بكر أكثر مما أُثِر، فلا شك ولا ريب في يقينها بفضله ﵄ أجمعين.
стр. 1979
وهي ـ أيضاً ـ ﵂ ترى محبة النبي ﷺ له، وتفضيله على غيره، واستخلافه في الصلاة والحج (سنة ٩ هـ)، وغير ذلك؛ لهذا وغيره، لايمكن أن يتخلف عنها الاحترام والمحبة والتقدير لأبي بكر ﵄. (١)
أما أبا بكر ﵁ فقد حلَفَ باللَّهِ ـ وهو الصادِقُ المصَدَّقُ والصدِّيق ــ أنَّ صلتَه لقرابة النبي ﷺ أحبُّ إليه من صِلتِه لقرابتِه، وقد حثَّ الناس ـ كما في الحديث الأول ـ على الاهتمام والرعاية بأهل البيت ...
ونلحظ محبته لفاطمة خاصة، حيث تقدم لخِطبَتها ـ كما سبق في
стр. 1980
الحديث رقم (٩٧) ــ، وما كان يُفضِّلُها به من النفقات ما يربوا على المال المقدَّر لها لو كان النبي ﷺ يُورَث ــ كما سيأتي بيانه بعد قليل في كلام ابن تيمية ــ.
وكذلك مداعبته ﵁ ابن فاطمة: الحسن بن علي ﵃ (١)
ولهذا المبحث كلام طويل وشبهات مثارة، تؤثر على بعض من ضعُف عِلْمُه، وقَلَّ وعيُه، خاصةً حينما يحتج الرافضي على السني بمرويات مذكورة في بعض كتب أهل السُّنَّة من صنف المجاميع التي لا تشترط الصحة فيما تسوقه من أسانيد ومتون، أو تحتج بكتب التراجم والأدب، وهذه الشبهات أوهى من بيت العنكبوت لو كانوا يعقلون.
لذا سأورد عرضاً متوسطاً لعدد من المسائل المتعلِّقة بفاطمة مع أبي بكر، ناظماً الحديث تحت المسائل التالية:
المسألة الأولى: المحبة بين الصحابة وآل البيت
«أصحابُ رسول اللَّه ﷺ وأهل بيته ﵈ عصبةٌ واحدة، ومحبة بعضهم ثابتة راسخة، ملتئمين مجتمعين على تعظيم بعضهم لبعض، وإن اختلفت بهم المسائل، وتفاوتت بهم المنازل ... لم يُضمروا
стр. 1981
التباغض والتهاجر، ولم يُظهروا التعادي والتشاجر، ولم يروا التبرِّي والتعدِّي، ولم يُصرِّوا على ما ابتدعَه المفتري عليهم المتعدِّي، بل كانوا ﵃ أجمعين في التناصر والتعاون والتزاور والتآزر في البر والتقوى، وإنارة سبل الهدى، وتجانب مطارح الردى ... فهم أئمة الدين، وشموس الإسلام، ورؤوس الأعلام». (١)
стр. 1982
قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) ﵀: (إنَّ كثيراً من العاطلين عن العلوم يتجارى في ثلب أعراض جماعة من أكابر خير القرون، فإذا عوتب في
стр. 1983
ذلك، قال: هذا مذهب أهل البيت! !
وذلك فرية عليهم، صانهم اللَّهُ عنها، فإنهم عند مَن له أدنى إلمامٌ بمذاهبهم مبرَّؤون عن هذه الخصلة الشنيعة ....
ثم ذكر الشوكاني نصوص آل البيت المتأخرين وإجماعهم في تعظيم الصحابة ﵃). (١)
قال ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (والآثار المتواترة بما كان بينَ القوم من المحبة والائتلاف تُوجِبُ كذِبَ مَن نقل ما يُخالِفُ ذلك). (٢)
ومن الأمارات الكبيرة الظاهرة في تلك العلاقة الطيبة المتينة:
١. ثناءُ آلِ البيت على الشيخين أبي بكر، وعمر، والصحابة، وثناءُ الصحابةِ على آل البيت.
٢. رواية آل البيت في فضائل الصحابة، ورواية الصحابة في فضائل آل البيت.
٣. التسمِّي بأسمائهم والتكني بكناهم، لأنَّ المبغض لايتسمَّى باسم
стр. 1984
مَن يبغضه خاصةً إذا كان قليل التسمي به في ذلك الوقت: كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، و .... (١)
٤. المصاهرات الكثيرة بين آل البيت والصحابة من آل بكر وعمر وغيرهم، في أجيال متعاقبة. (٢)
وأخرج الدارقطني في «فضائل الصحابة» (ص ٨٣) رقم (٥٨)، ومن طريقه: [ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٤/ ٢٨٤)] من طريق جابر الجعفي (١)، عن محمد بن علي بن الحسين قال: أجمع بنو فاطمة ﵈ على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسنَ ما يكون من القول. (٢)
قال ابن تيمية ﵀: (والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين، وتابعيهم من ولد الحسين بن علي، وولد الحسن، وغيرهما أنهم كانوا يتولَّون أبا بكر وعمر، وكانوا يُفضِّلُونهما على علي، والنقول عنهم ثابتة متواترة.
وقد صنَّف الحافظ أبو الحسن الدارقطني كتاب «ثناء الصحابة على القرابة وثناء القرابة على الصحابة» (٣)، وذكر فيه من ذلك قطعة). (٤)
стр. 1989
ومن دلائل العلاقة الطيبة: ما وقع من الإنصاف وطيب الكلام بين المبشَّرَين بالجنة، الخليفتَين الراشِدَين: أبي بكر وعلي من المحاورة والمصالحة، بعد وفاة فاطمة، مع طيب الكلام، قال القرطبي: (وقد جرى بينهما في هذا المجلس من المحاورة والمكالمة، والإنصاف ما يدل: على معرفة بعضهم بفضل بعض، وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض، ومحبة بعضهم لبعضٍ ما يَشْرَقُ به الرافضيُّ اللعين، وتُشْرِقُ قلوبُ أهلِ الدِّين). (١)
وما رواه عقبة بن الحارث، قال: صلَّى أبو بكر ﵁ العصر، ثم خرج يمشي (٢)، فرأى الحسنَ يلعبُ مع الصبيان، فحَمَله على عاتقه، وقال: بأبي شبيهٌ بالنبيِّ، لا شبيهٌ بعليٍّ. وعليٌّ يضحك. (٣)
стр. 1990
قال ابن حجر: (وفي الحديث فضل أبي بكر، ومحبته لقرابة النبي ﷺ ). (١)
قال أبو حازم المدني: ما رأيتُ هاشمياً أفقه من علي بن الحسين، سمعته وقد سئل كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر عند رسول اللَّه ﷺ فأشارَ بيده إلى القبر، ثم قال: بمنزلتهما منه الساعة. ... أو قال: كمنزلتهما الساعة. (٢)
ويُروى مثلُه من جواب الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) للخليفة: هارون الرشيد. (٣)
стр. 1991
نقلَ ابنُ ناصر الدين الدمشقي من كتاب أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني المسمَّى: «إبانة براءة ساحة الصديق مما ينسبه إليه الرافضي الزنديق» عدة أخبار، منها: ما روي من طريق يحيى بن المتوكل، عن كثير النواء، قال قلت لأبي جعفر محمد بن علي: إنَّ الناس يقولون إن أبا بكر وعمر ظلماكم وذهبا بحقكم فقال: لا، والذي أنزلَ الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، ما ظلمانا ولا ذهب بحقِّنا ما يزن حبَّة من خردل. (١)
стр. 1992
ومن شهادة آل البيت ﵃:
ما رواه جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن عبداللَّه بن جعفر أنه قال: (ولينا أبو بكر ﵁ فخيرُ خليفةٍ أرحم بنا، وأحناه علينا).
وفي لفظ عند ابن عساكر: (ولِيَنا أبو بكر الصديق فخيرُ خليفة اللَّه، أرحمَهُ بصغيرِنا، وأحناه على كبيرنا). (١)
стр. 1993
المسألة الثانية: طلبُ فاطمة الميراث، وغضبُها على أبي بكر، ولمَ غضبت بعد علمها بالحديث ؟
سبق الحديثُ في مبحث مستقل: عن طلب فاطمة من أبي بكر ميراثها من أبيها ﷺ . (١)
وذُكر هناك: صدقات النبي ﷺ أنواعها وأنها ليست ملكاً له تُورث، وأن عدم الميراث من خصائصه ﷺ ، وقد أجمعت الأمة على أن الأنبياء لايُورثون، وذُكرت الحكمة من ذلك، وأنَّ أزواج النبي ﷺ لم يعلموا بالحديث إلا عائشة، وقد طلبوا الميراث كما طلبَتْه فاطمة، ولما علِمْنَ من طريق عائشة ﵂ بالسنة الواردة في ذلك وأنَّ الأنبياء لايُورثون؛ قَبِلوا الأمر.
وذُكِر ـ أيضاً ـ أن النصوص قد تخفى على بعض الصحابة ﵃، لأسباب عديدة.
стр. 1994
وأما فاطمة: فظاهر حديث عائشة السابق أنها لم ترضَ، فغضِبَتْ وهجَرَتْ ـ وسيأتي بيان هذه بعد قليل ـ.
وقد ذكر العلماءُ أنَّ أزواجَ النبي ﷺ ـ عدا عائشة ـ، والعباسُ، وفاطمةُ، وعليٌّ لم يسألوا الميراث بعدما علموا بالحديث من أبي بكر ﵃، فقد انتهوا إلى ما سمعوا.
وسبق أيضاً ذكر حديث أنَّ النبي ﷺ أعطى فاطمة فدكاً. (١)
وكان لفاطمة ﵂ من أبي بكر ﵁ طلبان اثنان:
١. طلبها الميراث.
٢. طلبها أن يتولى زوجها صدقات النبي ﷺ .
فلم يجبها أبو بكر في هذين الأمرين؛ طاعةً للهِ ورسولِه ﷺ ، وأما تولي عليٌّ الصدقات، فرأى أبو بكر أنه الخليفة والمسؤول المؤتمن عليها، وسيفعل فيها ماكان النبي ﷺ يفعل، وقد فعَلَ ﵁، وقام بالأمانة خير قيام.
وقد رُويت لفظة في حديث دلَّت على أن أبا بكر أقرَّ لها بأنَّ الرسول ﷺ يرثُه أهله، وهي لفظة ضعيفة، أنكرها العلماء، وهي:
стр. 1995
ما جاء في حديث أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵃: أَنْتَ وَرِثْتَ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، أَمْ أَهْلُهُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا، بَلْ أَهْلُهُ. قَالَتْ: فَأَيْنَ سَهْمُ ... رَسُولِ اللَّه ﷺ ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ ، إِذَا أَطْعَمَ نَبِيَّاً طُعْمَةً، ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهُ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ».
فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَتْ: (فَأَنْتَ، وَمَا سَمِعْتَ مِنْ ... رَسُولِ اللَّه ﷺ أَعْلَمُ).
وهذا حديث حسن، لكن اللفظةَ الواردةَ منكرة. (١)
وروي في حديث طويل أنها قاوَلَتْ أبا بكر، وناقَشَتْهُ في المسألة:
أخرج حماد بن إسحاق (ت ٢٦٧ هـ) في «تركة النبي ﷺ » ... (ص ٨٧ ـ ٨٨) قال:
حدثنا يحيى بن أكثم (٢)، قال: حدثنا علي بن عياش بن مسلم الألهاني الحمصي (٣)، عن أبي معاوية صدقة الدمشقي (٤)، عن محمد بن عبداللَّه بن
стр. 1996
محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (١)، عن أنس بن مالك ﵁: أن فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ قالت لأبي بكر فيما قاولته فيه: «قد علمتَ الذي ظلفنا عنه أهل البيت من الصدقات، ومالنا فيما أفاء اللَّهُ علينا من الغنائم، وما في القرآن مِن ذكر حق ذي القربى قول اللَّه : ... ﴿ ... وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية ... (سورة الأنفال، آية ٤١) فقرأَتْهَا عليه.
وقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ... (سورة الحشر، آية ٧)
فقال لها أبو بكر: فبأبي أنتِ، وبأَبِي والِدِ ولدِكِ، وعَلى السمع والبصر كتاب اللَّه ، وحقُّ رسولِه ﷺ ، وحقُّ قرابته أنا أقرأ من الكتاب مثل ما تقرئين، ولم يبلغ عِلْمي فيه أنَّ لذي قُربى رسولِ اللَّه ﷺ هذا السهم كلَّه يجري بجماعته عليهم.
قالت فاطمة ﵍: «فلَكَ هُوَ ولِقَرابتكَ»؟ !
فقال أبو بكر: لا، وأنت عندي مصدَّقَةٌ أمِينةٌ، فإن كان رسول اللَّه
стр. 1997
- ﷺ عهِدَ إليكِ في ذلك عَهْداً، أو وَعَدَكِ منه وَعْدَاً أوجبه لكم صدقتك وسلمتُه إليك.
قالت فاطمة ﵍: «لم يكُنْ من رسولِ اللَّه ﷺ في ذلك إليَّ شيءٌ إلا ما أنزل اللَّه ﵎ فيه مِن القرآن، غيرَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال حينَ أنزلَ اللَّه ذلك عليه: «أبشروا آل محمد، فقد جاءَكُمُ اللَّه بالغِنى».
قال أبو بكر: صدَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وصدَقْتِ، فلَكُم الغِنَى، ولم يبلُغْ عِلْمِي بتأويل هذه الآية أنْ أُسلِمَ هذا السهم إليكم كامِلاً، فلكم الغنى الذي يَسعُكم ويفضُلُ عنكم، وهذا عُمَرُ بنُ الخطاب وأبو عبيدة بنُ الجراح وغيرُهما، فاسألي عن ذلك، فانظري هل يوافقك على قولك أحدٌ منهم؟
فانصَرفَتْ إلى عمر، فذكَرَتْ له مثلَ الذي ذكرَتْ لأبي بكر بقَصَصِهِ وحُدُودِهِ، فقال لها عمر ﵁ مثل الذي راجعها أبو بكر».
وأخرجه ابن شبَّة في «تاريخ المدينة» (١/ ٢٠٩) من طريق الوليد بن مسلم، عن صدقة، عن محمد بن عبداللَّه ابن أبي عتيق، عن يزيد الرقاشي (١)، عن أنس ﵂.
стр. 1998
فأضاف بين محمد وأنس: يزيد الرقاشي.
ــ لفظ ابن شبه بنحوه وفي آخره: (فعجبت فاطمة وظنَّتْ أنهما قد تذاكرا ذلك، واجتمعا عليه).
وأورده من كتابِ حماد بنِ إسحاق: ابنُ ناصر الدين في «جامع الآثار» (٧/ ٣٦٢) وعلَّق عليه بقوله: (ورواه الوليد بن مسلم وعمر بن عبدالواحد، عن صدقة أبي معاوية، وزاد آفة بين محمد بن أبي عتيق وأنس: يزيد الرقاشي، وهو الأشبه).
وأورده الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٢/ ١٧) عن الوليد بن مسلم، وعمر بن عبدالواحد، عن صدقة، به.
وفيه زيادة: يزيد الرقاشي، والزيادة الأخيرة التي عند ابن شبة.
ومع ضعف الحديث، علَّق حماد بنُ إسحاق (ت ٢٦٧ هـ) ﵀ ... ـ بعد روايته له ـ بقوله:
(فقد بيَّنَتْ هذه الرواية جلالة قدر فاطمة ﵍ عند أبي بكر، ولعلَّه لا يكون أحدٌ من العالمين أشدَّ حُبَّاً لها من أبي بكر ﵉، كما كان أشدَّ الناسِ حُبَّاً لأبيها ﷺ ، وتصديقُه إياها في كُلِّ ما تحكيه أو ترويه عن رسول اللَّه ﷺ ؛ لا يَشُكُّ في أنها تقول الصِّدْقَ والحَقَّ، وأنه يَعمَلُ بروايتها عن رسول اللَّه ﷺ ، ويقبل قولها وينتهي إليه، ليس كما ذكر هؤلاء أنها قالت لأبي بكر: إنَّ رسُولَ ﷺ أقطعها فدَك،
стр. 1999
وشهد لها بذلك عليٌّ، فلم يقبل أبو بكر قولها لأنها مدعية لنفسها، ... ولم يقبل شهادة علي لأنه زوج، بل قد قال لها فيما ادَّعَت: أنتِ عندي مُصدَّقَةٌ أمِينَةٌ ... ). (١)
أما ما روي من الأحاديث، بأن أبا بكر أعطاها جزءاً من الميراث؛ فمنكر جداً، من ذلك:
ما رواه عمر بن صالح الأزدي (٢)، قال: حدثنا أبو جمرة نصر بن عمران (٣)، عن ابن عباس، قال: كتبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى حيٍّ من العرب يدعوهم إلى الإسلام فلم يقبلوا الكتاب، ورجعوا إلى النبي ﷺ وأخبروه, فقال: «أما إني لو بعثت به إلى قوم بِشَطِّ عُمَان من أزْدِ شَنُوْءَة، وأسلَمَ؛ لقبلوه».
ثم بعث رسول اللَّه ﷺ إلى الجلندى يدعوه إلى الإسلام فقَبِلَه، وأسَلَمَ، وبعثَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بهدية، فقدمت وقد قُبض رسولُ اللَّه ﷺ ، فجعل أبو بكر الهديةَ مورثاً، فقسمَهَا بين
стр. 2000
فاطمة، وبين العباس». لفظ الطبراني. (١)
قال أبو محمد ابن قتيبة الدينَوَري (ت ٢٧٦ هـ) ﵀: (وأما منازعة فاطمة، أبا بكر ﵄ في ميراث النبي ﷺ فليس بمنكر؛ لأنها لم تعلَمْ ما قالَهُ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وظنَّتْ أنها ترِثُهُ كما يرثُ الأولادُ آباءَهم، فلمَّا خبَّرَها بقولِه، كفَّتْ.
وكيف يسوغُ لأحدٍ أن يَظُنَّ بأبي بكر ﵁ أنه منعَ فاطمةَ حقَّها من ميراث أبيها، وهو يُعطِي الأسود وَالأحمرَ حقوقَهم؟ !
وما معناه في دفعها عنه، وهُوَ لم يأخذ لنفسه، ولا لِوَلَدِه، ولا لأحَدٍ من عشِيرَتِه؟ !